قراءة في كتاب

حيدر عبد الرضا: قراءة في كتاب (الصوفية والسوريالية) لأدونيس

شطح المقاربة الموضوعية وإسقاطية التساؤلات الشعرية

توطئة: من المفيد أن يستثمر العقل العربي ضمن مشروعية صياغاته وتساؤلاته واستدلالاته بالسيرورة الاقامية الانتلجسنية لأجل تحقق أهدافه ضمن إطارية تبريرية مفهومية ومعيارية لها من التعديل والصحة والتأسيس ، ما يجعلها استعدادا وقبولا في حركية مشروعها التقويمي والتقولي:وإلا ما معنى الانشغال بمقاربات استعادة الأسئلة والإجابة عنها ضمن ذات الحيز من الإشكالية في مفاصل السؤال والإجابة في الآن نفسه؟. لابد من أن هناك ذلك الوعي الحاد بأزمة هوية المقاربة ومعرفيتها وصولا إلى حادثة الوقوع في فخاخ اللارؤية المتماسكة في وعي المقاربة ذاتها. لم يكن أدونيس في جل ما كتبه من الشعر والبحوث خارجا عن ما أسلفنا عنه من حدود الإشكالية في الوعي والتصنيف والخلط وصعوبة التوفيق في الجمع بين الثنائيات المضادة، فهو يطرح علينا مشروع كتابه (الصوفية والسوريالية ) بذلك الطابع الذي تفارقه رؤية الباحث المتقصي لجذور الأصول في طبيعة المذاهب الفلسفية والحركات الفكرية التي لها كل الدور في تبين إمكانية التوفيق بين حركة دينية وأخرى من الأنموذج الذي يتصل في مجال الفنون الجميلة:فما غائية التصديق القضوي والوصفي بين مجال الصوفية والسوريالية من جهة ما، خصوصا وأن كلاهما لا تعكس الأخرى بغير قيود التسمية والاختلاف في تحقيق المقابلة الوظائفية، حتى وأن كان في الأمر محسوسية تتصل بديهيا بالمعنى المضمر في كل من المعنيين المتاحين.

ــ الغيوب ليس ظرفا ماديا لأنشاء الجزئي من المعنى:

يمكننا القول أن آليات مباحث وفصول كتاب (الصوفية والسوريالية) لأدونيس، جاء للقراءة في حدود عينات ومشخصات (الشاعر؟!) في الذات والاعتقاد والانطباع السيال، فهو مجموعة عرضيات في اللون والنحو والبنية والمقصود من ورائها، ذلك التعلق الفني وليس مخصوصية الاعتقاد واليقين والماهية في وجود الصلة والصلات المقدمة على صحة الدليل العقلي في محمولات المقاربة بين (رؤية الصوفية = رؤية السوريالية) ولو تعاملنا بالوجود الجانبي أي بما تحمله واردات الخصيصة الخاصة بالمذهب الصوفي لدى أسانيد أدونيس عبر فصول كتابه، لوجدنا بالمطابقة لا تخلو من وحدات تدوينية منتحلة من كتب أبن عربي ككتابه (الفتوحات المكية) حصرا، ولو دققنا في بعض ما قاله أدونيس عبر صفحات أطروحته، لما وجدنا فيها من دلالة حقيقية على أنه من بدا ملتزما ومتماثلا إزاء حقيقة الحصول على حالات مقاربته بين الصوفية والسوريالية، اللهم إلا من ذلك الجانب الذي يخص ذلك المركب من الاستعارة والترميز والغموض في مصطلحات الصوفية:ولكن يا ترى هل هذه المقاربة هي الأولى والأخيرة في القاسم المشترك ما بين آليات الصوفي والسوريالي ؟. في الواقع وكما قلت منذ قليل، أن أدونيس أصلا لم تتوفر لديه الخلفية الكافية حول المذهب الصوفي، سوى ما غدا متشبثا به من كتاب (الفتوحات) لأبن عربي، متغافلا عن مئات المراجع والمصادر الصوفية ومشايخها الأجلاء في مواطن عروجاتهم الكشفية التي لا تستدل منها الأعيان الظاهرة سوى أوهام الأبصار والعقول. إن ما ذكره أدونيس في بعض متون كتابه، ما لا يستند على أسس منطقية ومعيارية في إقامة الصلة بين الأبعاد الصوفية والسوريالية في أحياز حثيثة من المعنى، بل هناك مفارقة مضحكة بحق أدونيس حقا، عندما أتاح لنفسه أن يقيم حدودا من التقارب ما بين (الصوفية ــ السوريالية) مستندا في ذلك على بعض مقولات أبن عربي تارة في التصوف، وتارة على السوريالي أندريه بريتون في بعض من النماذج التي تخص القرائن المتقاربة ما بين الأمرين. وإذا لاحظنا لوهلة بأن أدونيس لا يظهر بأية مقولة ما أو خلفية ما، ما يدل على أنه ليس له في الأمر سوى ابداء الموضع الوسيط في المجانبة في التصور بين الأمرين، ولو حاولنا الاستدلال بما قاله أدونيس في ما يخص التصوف، لربما تبين لنا بأن الرجل هو من الخارج عن الابعاد الموضوعية من هوية التصوف، وليس له من الأمر إلا ذلك المعنى الغامض الذي يربط المادة الصورية في الرؤية السوريالية بمقولات أبن عربي ليس إلا: (الهدف الأخير الذي يسعى إليه الصوفي هو أن يتماهى مع هذا الغيب، أي مع المطلق، ويهدف السوريالي إلى أن يحقق الأمر نفسه، وليس المهم هنا هوية المطلق، بل حركة التماهى معه، والطريق التي تؤدي إلى ذلك، سواء كان هذا المطلق الله، أو العقل، أو المادة نفسها. /ص11 الصوفية والسوريالية) من الصعوبة بمكان إدراك أدونيس إن بإمكان معقولات المطلق، أن لا تتم إلا بالقياس الجوهري والتسليم اليقيني بوحدة الوجود، وليس هناك ممكنات مفصولة عن بعضها البعض إلا في الصور والأعراض والكيفيات الحادثة والتي تطرأ على المادة كحالة تستدعي القول بوجود المسبب في وضعها التدرجي بالوجود. الإشكالية الكبرى في فهم أدونيس كونها لا تعاين قدرات الإرادة الإلهية في حسابات العدم والغاية وأزلية وجود العلة وقدمها، بقدر ما راح يناقش حقائق غموضية في لغة المادة وظهورها في أدلة عين الشاعر نفسه، وهذا ما أراده أدونيس نفسه عبر مقاربة مقولات إثبات الغيوب والتعامل معها من قبل الصوفي، وكيفية المطابقة مع غيوب المعنى في لغة اللوحة السوريالية حصرا، وبين هذا وذاك تكاملت غيوب القيمة التكوينية بالقاسم المشترك بين غياهب السوريالية والصوفي في تحصيلات مادية المعنى اللامحسوس فهما عابرا.

ــ الشاعر المجهول بين برزخ غيوب المابين:

إن جميع الاستدلالات المقدمة في مقاربة كتاب (الصوفية والسوريالية) هي محض مقايسات فرضية تخلو من عمق المباحثة المدعومة بالحدود العقلية والحكمية في القضايا الأخطر مما توصلت إليه مفاهيم أدونيس الشعرية. لا خلاف لنا مع هذه المقدمات ومتن الكتاب ولا من جهة ما مع أفق آليات الشاعر التي لم تستطع سوى التقاط بداهة البداهات من عوالم العلوم الصوفية، ولا حتى مع إمكانية التشبيه والتجسيم الاستقرائي في عوالم المعنى السوريالي. بقدر تبقى المشكلة الواردة حول انتحالات أدونيس لأغلب مقولات أبن عربي التي قام برصفها داخل صفحات مباحثه، دون حتى اشارة ما تدل على المصدر، أو على الأقل وضع كلام المصدر قاب قوسين. ولكن أدونيس في الواقع لم يواجه أية ضرر وضرورة من وضع الأقواس أو علامة الإحالات إلى المصادر الخاصة بفتوحات أبن عربي، طالما أن هذا الشاعر لا يعنيه من المصادر وكلام أبن عربي واندريه بريتون، سوى التعين الاستعاري بين حدود المتشابهات في الأحوال الحسية وما توحي به من حقيقة وهوية تقاربية شاطحة لا تقترب من عوالم الحقائق الجوهرية في المعارف الصوفي والسوريالية لا من ناحية التكييف ولا التمثيل قيد نملة، بل أن القياس الأحق والاعتبار الأصوب حول تمثيل قيمة كتابه ما يقترب بالملاحظة من تجاربه الشعرية الواقعة في تعطيل المقاصد وملازمة دوائر الترغيب بالمعنى الملتبس والاستفادة من معاجم اللامعنى في الدال والدليل الذاتي والموضوعي.

ــ آفات أساطير المخيلة:

في مقالنا أود القول أننا أصبحنا داخل آفة مفهومية وثقافية تحمل في ظاهرها مزايا الصيت المعرفي والعقلاني، ولكننا عندما نتواصل معها درسا وتمحيصا، لا تصادفنا في مواثيقها أدنى علامات الموقف الموضوعي والمعرفي الجاد والجديد. فهذا كتيب أدونيس أنموذجا (الصوفية والسوريالية) عندما سبرنا غوره، لم تصادفنا فيه أدنى درجات البداهة المعرفية، بل ركز فيه الشاعر حول ثيمات التباين في مشروع الاحتمالات الدلالية المضمرة في نصوص ومواقف المتصوف والسوريالي وهذا الأمر بحد ذاته لم يستدل به أدونيس بسوائطه المعرفية الفاحصة في عوالم الصوفية، بل كان منتحلا لجل مقولات أبن عربي التي وظفها داخل كتيبه ــ دعما للدليل والشاهد والبرهان والعلاقة الرابطة بأبعادها الظاهرية بين غياهب المعاني المشتركة بين معارف المتصوف العروجية وحالات السوريالية الاحتمالية الغائبة للمعنى المتاح الذي يستوجب السفر فيه غورا في الآفاق . ولكن هل حقا كان أدونيس جادا في إثبات هذه المعنى الشاطح تحديدا، والذي لا يشكل في ذاته كل هذا الشغل الشاغل من التخصيص والغور والانتحال والاستثار عن أصول المعارف الحقة التي لم تتصورها ولا من جهة ما الوصول إليها من خلال فيض مقاربة فجة لا تدعمها استكمالية الفهم الأعمق والأصعب في التعرف على حقائق المابين أو الحكمة المتعالية التي تعاين النور الأعلى وملكوته دون مقاربات دنيوية مغرقة بالشفافية، إنما تعاينها ببصائر القلوب المؤمنة وعرفان عروجات أفئدتها الممتحنة بالتمحيص والمجاهدة والورع والواردات القلبية التي تصرع لها الأجساد وتعرج لها الأرواح عروجا في المقام والكينونة. من الواضح والأكيد أن رؤية أدونيس في مشروع كتابه هذا، تتعامل بالمقارنة في حدود ذلك الطابع الحلمي من (آفات أساطير المخيلة) إذ لا مكان لأفق المناظرة القويمة والموضوعية والعقلية بين عوالم (الصوفية = السوريالية) اللهم إلا في مواضع ما اقترحت عليه مخيلة أدونيس الشعرية. ولكننا لو تماشينا مع مباحث كتابه من ناحية فكرية ومعرفية وفلسفية وأصولية، لما وجدنا ثمة دالة واحدة على ما يرمي إليه كتابة قطعا، كقوله الوارد في هذا الصدد من كتابه: (الصوفية والسوريالية، تقوم على لغة التشويق للبحث، والسؤال، ومعرفة المجهول، والدخول في حركة اللانهاية. /ص145 الصوفية والسوريالية) تبدو لنا المعادلة من وراء مقاصد أدونيس المقاربة، وكأنها تتعامل مع فضاءات شعرية، من شأنها الاعتماد على المجاز والاستعارة والشكوى والهموم الذاتية، وليس الأمر مقصورا على مقاربة علاقة (العابد:المعبود) وكيفية المجاهدات العبودية في محراب هذا العابد التقي إزاء فيوضات سبحات الجلالة. كل هذا قد رماه أدونيس خلف ظهره، لأنه ببساطة لم ينطلق من خلفية العارف بالله وصفاته واسماءه وأطواره وتجلياته النورانية، بل إنه راح ينطلق من حدود وجهة نظر ضيقة وهشة، راح من خلالها يبث الصلة بين الآفاق الصورية والانشائية التي تحكمها وسائل التعبير والتوصيف الأدبي. بالتأكيد أن مقامات الفناء الشهودي في معرفة الله لا تتناسب مع معالجة أدونيس لأحوال إسقاطاته المعرفية المحدودة بأصول الدين والعرفان (النظري ــ التطبيقي) لذا وجدنا ولايته الشعرية تنصب في موصوفاها للتصوف في حدود علاقة هي من بداهة البداهات المعرفية. ولو أردنا التقويم كون أدونيس (مفكرا ــ باحثا) لوجدنا أغلب ما كتبه لا يتجاوز مجال الأداب والفنون، أي ليس للرجل في مجال الفكر الأصولي أو العرفان أية طريقة وحقيقة وهوية. وهذا الأمر ما وجدناه بالضرورة القصوى في كتابه المعنون بـ (الصوفية والسوريالية) كمجرد تدوينات يبحث فيها الشاعر عن ماهية تقارب الغموض بين العالم الصوفي والسوريالي، ولو كان لأدونيس ثمة خلفية أصولية وعرفانية، لراح ينبذ فكرة هذا التقارب شكلا وموضوعا، لأن الباحث الحقيقي لا يقدم بحثه على أساس حالة نسبية جدا من عوالم لها من الأحوال والأطوار والأسرار والحقائق ما يفوق فلك الحياة بأسرها.

ــ تعليق القراءة:

في الختام أود تعريف القارىء بأني لست ممن يتحاملون على أدونيس وأعماله الثقافية والشعرية أو اللاشعرية، ولكن من الغريب أن هذا الكتاب قد زج ذاته الأدبية والثقافية في السبيل الذي لا يمكن سلكه من قبل أيا كان من الناس أو حتى الأفذاذ من أرباب العقول، لأنه يتطلب ممن يود سلوكه على الأقل، أن يكون من أهل التقوى والتوحيد ثم بالتالي من أهل اليقين، وأعتقد أن معرفتنا الظاهرة بأدونيس تجعله بعيدا عن مثل هكذا مقاربات عسيرة، إن لم نقل أن كتابه لم يخرج بأية تجربة مثمرة وناضجة، وذلك لكونه تسلط الضوء على وظيفة نسبية وأكثر طرافة من حكايات ــ جدتي والمصباح السحري ــ فالشاعر أدونيس كان من الخليق به أن يهتم بوصفه الشعري وتجربته في مجال القصيدة التي لحد الآن تراهن على مكوثها الشاحب في الإجراء والممارسة والهوية والرؤية، ما يشغله جزافا أن يتماهى ويتكاتف ويتداخل مع صعودات الموجة، فتارة نراه شاعرا وأخرى باحثا وأخرى ككمبارس في أفلام الدمى المتحركة. على هذا النحو وجدنا مكونات أدونيس تلك الذات التي تبحث عن صعودها رغم المفارقات والنقائص فما زالت هذه الشيخوخة الأدبية تعاود ملاحقة ما فاتها من المصادفات العمرية، غير مكتفية بما أصبح لا يلاءم قامتها من الدور والأدوار الدخيلة.

***

حيدر عبد الرضا

في المثقف اليوم