قراءات نقدية

إلى عدنان طعمة المفجوع بابنه سجاد .. قراءة في قصيدة الشاعر امير ناصر

wejdan abdulazizبدأ الحزن بين اثنين وتصاعدت الفجيعة حتى شملت الجميع .. فجيعة سجاد امير ناصر بالغرق في نهر المدينة والتحاقه بحشد الغرقى، وان الغريق حسب النصوص المقدسة شهيد بالتأكيد، وفجيعة سجاد عدنان طعمة والتحاقه بحشد شهداء الحشد الشعبي .. يلتقي القلبان المتورمان من لهفة الفقدان، وتلتقي العيون المنهمرة بالدموع التي تحاول غسل ادران الحزن الماضي واجلاء الحزن الحاضر، وتتوازى الفجيعتان في السير الى مرابع الخلود في عوالم الشعر، فالشعر يتضمخ بالذاتية المفعمة بالعاطفة، والشعر يرى الأشياء وكأنها تمتلك بعداً إنسانياً، ومحاطة بجو عاطفي يفيض بالفرح.. أو الحزن.. أو العذاب.. أو الأمل.. أو اليأس .. وهذه الأشياء إما خيّرة أو شريرة .. صديقة أو عدوة... مألوفة أو غريبة... جذابة أو منفرة. أي إن الشعر يدرك الأشياء إدراكاً درامياً، ويبدأ يمزج بين الحزن ولحظات وقوعه وبين الفرح ولحظات وقوعه، وكبشر نحتاج لأن نكون قريبين من أنفسنا، ونحتاج إلى الشعر، وإلى الحقيقة الذاتية الخاصة بنا، لما تجلبه لنا من الاشياء التي تغمرنا في طوافان مشاعرها .... بل إن هذه الحاجة تزداد كلما أوغل الإنسان في مجاهل الحياة مبتعداً عن عوالمه الذاتية، حين ذاك سيصاب بالتصحر الروحي، وبالخواء العاطفي، والإدراك الدرامي للأشياء، يساعد الإنسان في استرداد الذات.. وبعث النداوة في أعماقه.‏ فالشاعر امير ناصر امتلك زمنيا عبر عقودا من الشعر طريقته الخاصة في الايصال، وظل يدفن مشاعره في انفعالات الشعر، حتى تستقي الظهور من خلال المد المنفعل لكلماته وتكون الكلمة، لتبدأ عوالم التخفي لمقاصد المعنى، بين كلام السهل الممتنع وبين تجربة الشاعر امير ناصر الذاتية، ليكون حبه لمدينته الشطرة يشوبه البكاء والفجيعة، فهو لصيق بها، يتحسس نبضها، يتحسس احزانها، وحينما فُجع زميلنا الاعلامي والشاعر عدنان بولده الغض سجاد، بكى امير ناصر بصمت، ثم اعلن كلماته، مشفوعة بفجعيتين، سجاد ولده الذي ابتلعه نهر المدينة وامتص رحيق الحياة منه، وبين سجاد ولد عدنان الذي ابتلعت المعركة روحه وشعت في موته معاني الحياة، صرّها امير ناصر وديعة في عالم الخلود الانساني .. ليخاطب زميله الشاعر عدنان طعمة بقوله :

 

(يا لتشابه الصدف ... يا عدنان

يا لتشابه الصدف .

كأنك أنا،

وأنا اقف هكذا مثل دمعة

مفجوع بابني

لم أكن أتذكر ساعتها، وظيفة عيناي أبدا

ولا ذلك الورم الذي يسمونه القلب .

كنت مثلك تماما،

أبحث بين الوجوه والأسماء عنه

(..................

......................

................... ) *

 

اذن يواسيه اولا بالبكاء وحشرجات اللوعة وتمتمات الشفاه الصامتة والمستقبلة لدموع جفت من انشداه مفاجأة الفقدان الابدي، وقد يصرخ هنا، ولكنه يبحث بين الجموع، هو لايدري ماذا وكيف سيكون مآل الحال (فالبكاء شعور إنساني ووجداني يقع في نفس الشاعر فيعتلج لسانه بالقول وينطلق بمكنون صدره، فيعبّر عن ذلك بما اصطلح عليه فن الرثاء . فالرثاء ليس صورة أدبية لعصر ما فحسب بل هو وثيقة تاريخية و اجتماعية وفكرية فوق ما هو نابع من الروح والذات . لهذا لم يكن الرثاء منغلقا ً في دائرة البكاء والأحزان والتهويل والوعيد أو في دائرة تعدد الصفات على اشتهار الجاهليين بهذا ؛ وإنما كان تجربة حية كاملة الأبعاد للحياة و الموت و البحث عن المصير.)، وعاش الشاعر امير فجيعة عدنان بفجيعته تماما، فصور هذا بتجربة حية ماثلة في ذهنه، ثم ينبري بوصايا من وحي تجربته .. بسجاد الاول، ليسقطها في وعاء زمن حاضر عدنان المؤلم لحظة سماعه بالخبر، يقول الشاعر امير :

 

( أوصيك:

ما أن ينفضوا من حولك

انهمر بالبكاء حتى ترى الصور تتساقط أمامك

صور ابنك

صوره، يا عدنان

وأنت تحصي قامته كل نهار

وتدور حوله مثل زهرة عباد .

تدور حول شمسك)

 

ففي لحظة الخلوة، كانت وصايا الشاعر امير لزميله الشاعر عدنان، وكأنه يشاركه الحال، فيخاطبه : اغتسل بالبكاء وانت ترى صور ابنك وتدور حوله، كما هي نبتة عباد الشمس .. (أقلب اليوم في رثائك لأبني، أقلب دمعتك

وأراه صالحا تماما لرثاء ولدك

ذات الغصن، وذات الوجه، وذات الأسم، وذات الحب، وذات الغرس، وذات .... الـــ

لا تكن صورتي

ولا أكن صورتك

حتى لا يمتد حزنك للماضي

وحتى لا يتقادم حزني معك

دعنا نبكي بمقدار، يكفي لسجاد واحد

دعنا نتناصف الحزن من الآن

لوعة لك، وأخرى لي

دمعة لك، وأخرى لي

وسأكون كريم تماما معك

أنا المفجوع قبلك .

وما أن يغيب وجهك الحزين عني

سأكمل رثائي لولدك

( .............................

...............................

...... . ) *)

 

واقرن هذا بجزء من رثاء ابن الرومي لابنه:

(بكاؤكُما يشْفي وإن كان لا يُجْدي  فجُودا فقد أوْدَى نَظيركُمُا عندي

بُنَيَّ الذي أهْدَتْهُ كَفَّايَ للثَّرَى فَيَا    عِزَّةَ المُهْدَى ويا حَسْرة المُهدِي

ألا قاتَل اللَّهُ المنايا ورَمْيَها  من القَوْمِ حَبَّات القُلوب على عَمْدِ

تَوَخَّى حِمَامُ الموتِ أوْسَطَ صبْيَتي فلله كيفَ اخْتار وَاسطَةَ العِقْدِ

على حينََ شمْتُ الخيْرَ من لَمَحَاتِهِ وآنَسْتُ من أفْعاله آيةَ الرُّشدِ

طَوَاهُ الرَّدَى عنِّي فأضحَى مَزَارُهُ بعيداً على قُرْب قريباً على بُعْدِ

لقد أنْجَزَتْ فيه المنايا وعيدَها وأخْلَفَتِ الآمالُ ما كان من وعْدِ

لقَد قلَّ بين المهْد واللَّحْد لُبْثُهُ فلم ينْسَ عهْدَ المهْد إذ ضُمَّ في اللَّحْدِ

تَنَغَّصَ قَبْلَ الرِّيِّ ماءُ حَياتِهِ وفُجِّعَ منْه بالعُذُوبة والبَرْدِ

ألَحَّ عليه النَّزْفُ حتَّى أحالَهُ إلى صُفْرَة الجاديِّ عن حُمْرَةِ الوَرْدِ

وظلَّ على الأيْدي تَساقط نَفْس ويذوِي كما يذوي القَضِيبُ من الرَّنْدِ

فَيَالكِ من نَفْس تَسَاقَط أنْفُساً تساقط درٍّ من نِظَام بلا عقدِ

عجبتُ لقلبي كيف لم ينفَطِرْ لهُ ولوْ أنَّهُ أقْسى من الحجر الصَّلدِ

بودِّي أني كنتُ قُدِّمْتُ قبْلَهُ وأن المنايا دُونَهُ صَمَدَتْ صَمْدِي

ولكنَّ ربِّي شاءَ غيرَ مشيئتي وللرَّبِّ إمْضَاءُ المشيئةِ لا العَبْدِ

وما سرني أن بعْتُهُ بثَوابِه ولو أنه التَّخْليدُ في جنَّةِ الخُلْدِ

وَلا بِعْتُهُ طَوْعاً ولكنْ غُصِبْته وليس على ظُلْمِ الحوادِث من مُعْدِي

وإنِّي وإن مُتِّعْتُ بابْنيَّ بَعْده لَذاكرُه ما حنَّتِ النِّيبُ في نَجْدِ

وأولادُنا مثْلُ الجَوارح أيُّها فقدْناه كان الفاجِعَ البَيِّنَ الفقدِ)

وهو رثاء في صور بلاغية، مقابل صور الشاعر امير ناصر الحسية النابضة بواقعية الفجيعة، ليبقى الشعر عند امير ناصر مغامرة جريئة، وفعالية عقلية راقية ومن نوع خاص، تحاول أن تفسر العالم، أو بالأحرى، أن تعطيه معنى، وأن تجبره على البوح بشيء من حقيقته ..

 

قصيدة للشاعر امير ناصر بدون عنوان، عنوانها كان الاهداء:

(إلى عدنان طعمة، المفجوع بابنه سجاد)

 

وجدان عبدالعزيز

 

في المثقف اليوم