عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

قراءة في رواية مجرى الحياة لكلاريس ليسبكتور

نجوى السودةكلاريس ليسبكتور

1920 – 1977

بقلم: نيلسون إتش

ترجمة: نجوى السودة

"لا يمكنني أن أقتضب نفسي لأن من أصعب الأمور أن تضع كرسيا مع تفاحتين . إنني كرسي وتفاحتان . وأنا لا أضيف، "كلمات أقرتها الأنثى في رواية كلاريس لسيبكتور (مجرى الحياة) في تتبع سردي محاولة البحث عن ذاتها حتى تدرك أن هويتها هي مجموعة من الأشياء لا يمكن أن تعبر كلمات عن حقيقة ما تشعر به . إذا ماكانت التفاحة ترمز إلى المعرفة فإن الكرسي هو عنصر الألفة، هذا الصوت يؤكد في كل حين أنها أعظم من جنسها . على الرغم من النضال المستميت بالكلمات، إلا أن بطلات ليبسكتور النسائية رغم كل شئ ينفجرن، يُحْدثن شررا من الظهور غير المتوقع لكائنات لها قدسيتها يصحبها وعي بما يدور في ذاتهم والتعبير عنه في حدود اللغة ومن خلال المواقف التي تُحاصرهم . تلك البطلات التي تروي على لسانها الأحداث يظهرن أيضا تجارب النزوح والإختلاف الذي بدلا من أن يُوقِظ أحاسيس الغربة، يوسع دائرة المعرفة بالذات، كما جسدتها أنثى أخرى بالرواية، وهي جي إتش إذ تقول:" من يعش حياته بطولها وعرضها، يعيشها له وللآخرين . "

يتسم أسلوب ليسبكتور النثري أيضا بأنه ينقل القارئ معه نحو الأحاسيس الروحانية المثيرة للذكريات فائقة الوصف، طلاقة في التعبير تشكل من خلالها للمتلقي أسلوب لغوي غامض، لغة تتجاوز بها شكل الكلمة الصحيح تُمكن شخصياتها و قرائها من أن يمارسوا نغما حسيا عالي الرفاهية، الإحساس الذي "تعجز عنه الكلمات ,"والذي عرفه المثقف واللاهوتي آبراهام جوشوا هيشل، في "الإنسان ليس وحيدا (1951)"، يعرفه بأنه"الجذر الذي يساعد الإنسان على ممارسة الأنشطة الإبداعية في الفن، والفكر، وفي الحياة الكريمة . "

744 كلاريسوُلِدت كلاريس ليسبكتور في10، ديسمبر، 192في شيشيلنك، أوكرانيا (روسيا) لأبوين من اليهود المُهاجرين، ماريتا (1889-1930)وبيدرو (بنخاس) ليسبكتور(1885-1940)، الذين فروا من المذابح ومعهما إبنتيهما، إليسا وتانيا . سافروا على مركب، ووصلوا البرازيل في عام1921 التي كانت تحت خط التنمية وتقع في الشمال الشرقي، حيث كانت كلاريس تبلغ من العمر شهرين فقط . بعد أن تقدم بها العمر، كانت ليسبكتور تشير إليها بأن وُلِدَت في"الفرار "وكيف أن تلك التجربة قد أثرت على إحساسها في عدم الإنتماء إنتماءا كاملا، خاصة إنتمائها لنفسها .

في عام1925 إنتقلت العائلة إلى مدينة ريصيف المدينة الرئيسية التي تقع على الساحل الشمالي الشرقي . ماريتا، والأم، ومدبرة البيت، وهي إمرأة مريضة، ماتت في عام 1930حينما كانت كلاريس في التاسعة من عمرها . في عام1933، إنتقل بيدرو وبناته الثلاثة إلى ريو دي جانيرو، حيث ماتزال الإبنة الثانية، تانيا ليسبكتور تقطن . أما الإبنة الأكبر إيليسا ليسبكتور (1911-1989)، التي صارت كاتبة وطنية معروفة بالأدب القصصي الذي يتناول النفس البشرية وبروايتها شبه-السيرة الذاتية "في المنفى" (1948) عن عائلة يهودية ليست كعائلة ليسبكتور . على الرغم من أن اللغة التي إستخدمت بالبيت هي لغة يهود أوروبا، إلا أن كلاريس وهي الأصغر سنا، كانت تتكلم اللغة البرتغالية لغة البرازيل، ولغتها الأولى، على الرغم من أنها تحمل الجنسية الروسية التي تخلت عنها حينما صارت مواطنة برازيلية في عام 1943. في الفترة من عام 1930-1931إلتحقت بالمدرسة البرازيلية العبرية التي تدرس لغة يهود أوروبا في ريصيف، حيث أبلت بلاءا حسنا، ونفس الحذو فعلته في كل المدارس التي إلتحقت بها . كان والدها رجلا ذكيا يقرأ التوراة بانتظام ويعشق الكتب والموسيقى، عمل في بداية حياته تاجرا قطاعيا (عميلا) ومن ثم تاجرا إضطرته الظروف أن يدعم عائلته وأن يتخلى عن عشقه للدراسة . وكما أشارت إلى ذلك إبنته تانيا كوفمان أن، بدرو ليسبكتور كان رجلا متحضرا كان في جعبته الكثير عن ثقافة التوارة، أجاد اللغة التي يتحدث بها يهود أوروبا إجادة تامة وكان يطلع على جريدة نيويورك التي تصدر بلغة يهود أوروبا بصورة منتظمة. وتبعا لذلك فإن عائلة ليسبكتور عاشت" عيشة يهود أوروبا"أثناء طفولتها، حتى ماتت أمها . شجع بدروالذي مات في عام 1940، بناته وحثهم على النجاح إلا أن القدر لم يمهله حتى يرى ثمار إنجازاتهم :صرن الثلاثة كاتبات، إثنان تخصصتا في الأدب القصصي والثالثة في الكتب الفنية . تعيد كلاريس لذاكرتها الشدائد الإقتصادية التي تعرضت لها الأسرة في بداياتها في الساحل الشمالي الشرقي، عبرت عنها من خلال وجدانها وتعاطفها مع جموع الفقراء في البرازيل.

تعرضت كلاريس للكثير من النقد لتكتمها على موروثها اليهودي والذي إنبثق من إستيعابها السريع لثقافة البرازيل وغياب مرجعيتها للثقافة اليهودية في معظم أعمالها.

بينما كانت الروح الوطنية متأججة في البرازيل في الفترة من عام 1930حتى 1940ومُناخ مُعاداة السامية والفاشية وكُره الأجانب ربما يكون قد أسهم في أنها أخفت جذورها ولم تظهرها علنا، تكشف التوجهات الثقافية الحديثة أن أعمال كلاريس ليسبكتور بها نزعة يهودية قوية، على الرغم أن هذا يتناقض مع السرد الذي يتسم بالعرقية الصريحة لدى الكتاب المهاجرين . لم يكن أدب كلاريس القصصي عرقيا ولا ملتزما بالمذهب الطبيعي . قاومت كلاريس في كتاباتها التصنيف وكما أنها نبذت فكرة التسمية بالأنثوي، على الرغم من إستحواذ الشخصيات النسائية في أدبها القصصي . إنها كلاريس ليسبكتور، علامة من علامات الأدب لكاتبات جيلها من النساء في البرازيل وأمريكا اللاتينية، كانت كلاريس تكتب بوحي من وجدانها، وكانت تُوظِف اللغة تبعا لأصولها والغوص في أعماقها بحثا م عن معضلات ومشاكل الذات البشرية والموضوعية بالإضافة إلى أوجه الإختلاف في الهوية، والظروف النفسية والروحية التي تًصاحب المنفي . مارست كلاريس أيضا الأشكال المختلفة للرواية والمونولوجات الداخلية بعيدة المدى وتكنيكات السرد مثل تيار اللاوعي مما أدى إلى مقارنتها بمثيليها من المحدثين من أمثال فرجيينيا وولف وجيمس جويس .

Clarice Lispector.

Courtesy of Anat Falbel.

بدأت كلاريس ليسبكتور كتابة القصص وهي في سن المراهقة . درست القانون الجنائي في مدرسة الحقوق القومية في ريو دي جانيرو في الفترة من 1940حتى 1943، عملت أثناءها كمحررة وبعدئذ صحفية في جرائد مختلفة في كاريوكا بالإضافة إلى جريدة الطالب بالجامعة، والتي نشرت بها بعضا من قصصها . حصلت كلاريس على البكالريوس في الحقوق، لكنها لم تُمارس مهنة المحاماة أبدا . كتبت كلاريس في حمية شديدة روايتها الأولى في غضون عشرة شهور بدأتها من عام 1942، "على مقربة من القلب غير المستأنس، والتي نُشرت في عام 1943، نفس العام الذي تزوجت فيه من أحد زملائها بكلية الحقوق، موري جورجل فالنتي، الذي صار دبلوماسيا برازيليا في عام 1944. غادر الزوجان في ذلك العام ريو لمدة ستة أشهر حيث تم تعيينه في شمال البرازيل، وتبع ذلك سلسلة من الوظائف الدولية أبعدتهم عن البرازيل في الفترة ما بين 1944حتى1959، باستثناء زيارات سنوية قصيرة .

حصلت على جائزة جراسا أرانها القومية رفيعة المستوى في عام 1944، عن روايتها الأولى، والتي تبدو في جزء منها مثل السيرة الذاتية، وهي الرواية التي أثنى عليها الناقد البرازيلي المعروف أنتونيو كانديدو واعتبرها "محاولة تترك أثرها في النفس تأخذنا من حرجنا في إسلوبنا اللغوي لتنطلق بنا إلى آفاق نكاد بالكاد نستكشفها، وترغمنا على أن نتبنى طريقة ما في التفكير مليئة بالغموض . " تلك الطريقة في التفكير وضعتها فيما بعد أولجا دي سا تحت عنوان "إشكالية الأنطولوجي، "نجدها بالفعل متواجدة في بحث لدى أولى بطلاتها الأنثوية لروايتها، جوانا، التي إندمجتا شخصيتها وبحثهامع عملية السرد نفسها، وبهذا يُطرح التساؤل حول العلاقة ما بين الحقيقة والخيال/اللغة أم الوجود والوعي، كما تمثل في الكلمات التي جاءت على لسان من نطقت به، جي إتش :"إن العيش ليس هو الشجاعة، بل أن معرفتك أنك تعيش في كل ثانية ودقيقة، تلك هي الشجاعة. " في أثناء الفترة التي عاشت فيها في إيطاليا، سويسرا، إنجلترا، ورحلات لفرنسا وأسبانيا، قامت فيها ليسبكتور بدورها على أكمل وجه كزوجة دبلوماسي لكنها لم تكن تنعم بالسعادة بهذا الدور ؛حيث أقرت بذلك واحدة من صديقاتها في فترة وفاتها :"كانت ضد الدبلوماسية . . والمظاهر البراقة . ولا النافخة الكدابة . كانت عاجزة عن ذلك لأنها شخصية تميل إلى العُرف والتقاليد . "وُلِد إبنها الأول، بيدرو في بيرن في عام1948وولدها الثاني، باولو، عام 1953في واشنطون، بمقاطعة في الجزء الشرقي من الولايات المتحدة، حيث كانت تقطن العائلة في الفترة من 1953حتى 1959.

بعد أن لاقت نجاحا أكبر في مهنتها، تعرضت حياتها الزوجية للمشاكل مما إضطرها إلى أن تعود مع ولديها إلى ريوعام1959وأدى هذا الإنتقال إلى الإنفصال بين الزوجين قانونيا عام 1968. في هذه الأثناء في أوروبا كتبت كلاريسونشرت روايتين،

الشمعدان (1946) والمدينة المحاصرة (1949)، , (1946) والتي تتناول تباعا حول إمرأة شابة ومحاولتها"التنوير الذاتي"، ووعي إمرأة ودوافعها .

لا تعرض هذه الروايات مرجعيات صريحة لليهود ولارد فعلها حول الهولوكست . في الوقت الذي يتعجب فيه المرء من الحالة التي ينبغي أن تكون عليها إمرأة يهودية تعيش بأوروبا مع نهاية الحرب العالمية الثانية، نجد في المدينة المحاصرة وحدها سرد إستعاري مكني يصور بقوة في مُناخ شوفيني حالة الهلع التي يعيشها النازي .

عملت كلاريس فيما بعد، خلال إقامتها بواشنطن، على مجموعة قصتها القصيرة الشهيرة "روابط عائلية التي ترسم الروابط الإجتماعية والعائلية التي غالبا مايقيدها ويكبح صوت النساء، خاصة الطبقة المتوسطة من الزوجات والأمهات . كما أكملت أيضا مسودات روايتها الأنطولوجية الطويلة، تفاحة في الظلام . كلا من هذه الأعمال الأدبيةنُشِرت في عام1960 وعام 1961 على التوالي، ونالت جوائز أدبية رفيعة المستوى . كانت فترة الستينات والسبعينيات فترة مثمرة لدى ليسبكتور –ستة روايات، سبع مجموعات من القصص وأربعة كتب للأطفال . أرغمت الظروف الإقتصادية كلاريس على العمل كصحفية، فكانت تكتب بالعمود الأسبوعي للجريدة الومية اليومية، صحفة البرازيل، في الفترة بين أغسطس 1967وديسمبر1973.

هذه الأعمال الأدبية المتعارف عليها ب(تأريخ )، هي قطع أدبية تتضمن أحيانا شذرات وبعضا من رواياتها وقصصها . تلك الشذرات التي أسمتها "محادثات السبت، "، قامت بتدوينها في مجلد حوالي 781صفحة، نُشرت "إكتشاف العالم في عام 1984، قصص مقتضبة، تأريخات منتقاة، في عام 1996.

قامت لبيسبكتور بعدد من الرحلات السياحية القصيرة وزيارة عودة للمدينة التي أمضت بها طفولتها في الساحل الشمالي الشرقي قبل وفاتها بعام، جعلت ليسبكتور من ريو دي جانير وطنها حتى ماتت بعد إصابتها بمرض السرطان في9من ديسمبر، 1977. إنبثق عالم ليسبكتور الإستطرادي في جزء منه من أحاسيسها كيهودية، حيث تنسج باستعاراتها المكنية وأفكارها نسيجا مبهما يعكس تجاربها مع التوراة اليهودية وفترة النفي التي تعرض لها اليهود عام 538قبل الميلاد .

في الهيام كما تراه جي إتش، جعلت كلاريس مُحاورتها تعاني من ثقافة وأنطولوجي الآخر بأن إعتمدت على الصحراءمجازيا يعبر عن العزل ليثير النضال غير الديني من أجل الخلاص والهيام الروحاني .

الفقرة التالية من هذه الرواية يبرهن على جهاد السير في الصحراء من خلال الأسلوب الإستعاري والتهكم في سبيل العثور على صندوق المجوهرات دون أن يكون هناك نجم تستدل به على الطريق :" وفي صندوق المجوهرات، بريق المجد، والسر الخفي . (...) لقد عجزت عن أن أعثر على إجابة للمعضلة . لكن الأكثر من ذلك، يا الأكثر من ذك :لقد عثرت على المعضلة نفسها . " لذا تسافر جي إتش في" رحلة ضمنية "رحلة سوف تُجردها من هويتها المنعزلة /ذات بنت نفسها وركزت على الأنا بمحدودية في الموضوعية مما أودى بها إلى مستويات بنائية عميقة وممتدة من الحياة . على على ذلك، فإن جي إتش التي أكلت صرصارا " نجسا "يشير إلى تحدي ليسبكتور للتلمود المقدس وفي جزء منه فهي تتماشى في ذلك مع" المسخ "لكافكا، لأن البطلة تكابد من أجل "التغيير " الشديد في الوعي وإن كان لحظيا . نجد ليسبكتور هنا "تقضم كافكا حرفيا لتصور المسخ بطريقة مسرحية تجسد فيها وجهة نظرها عن الوجود الإنساني وتعبر عنه بالكتابة . أصابت مجموعتها القصصية "محطات الجسد "صدمة النقاد والعديد من القراء، التي تتسم باستخدامها القليل من الوجدان ولجوءها للأسلوب الحاد ويرجع ذلك إلى إستخدامها إشارات علنية وشهوانية عن الجسد، والتي على الفور تثير تساؤلا حول واجبات الأمومة والكبت الجنسي عند كل النساء، الصغيرات منهن والكبيرات.

نُشرت أقصوصة ليسبكتور وكتابها الأخير، "ساعة النجم "بل وفاتها بشهر، وقدمت للجمهور "إتجاها جديدا"، يتناول موضوعات إجتماعية من خلال الهر الإقتصادي والإجتماعي الذي تعيشه الشخصية النسائية غير الملحمية، ماكابيا التي تعاني فقرا، والتعليم غير الجيد، والتي أطلق عليها هذا الإسم بعد الشخصية الملحمية ماكابيس . عن طريق اللعب بالألفاظ، أبدعت كلاريس في خلق سردا مُركبا يخرج منه صوتا رجوليا متهكما، لكنه صوت يتعاطف وجدانيا مع الأنثى ليصور الأحداث تصويرا دراميا ليس فقط بطريركيا وقهرا إجتماعيا-إقتصاديا، لكنه أيضا يظهر مدى مقاومة الشخصية غير البطلة ماكابيا ومجابهتها لكل الغرائب، حتى الموت، لتمثل ذلك"البريق"من الحياة، ذلك الشئ الذي يعاني إهمالا من وقت لآخر، وينتهك عرضه من ساسة الدنيا . إنه هذا البريق الذي يميز كلاريس ليسبكتور كمؤلفة روحها روح إمرأة .

 

نجوى السودة

كاتبة ومترجمة مصرية