 قراءات نقدية

بنية الإستلهام التراثي في البناء الشعري في (ثوب من الماء لجسد من الجمر) للشاعر العراقي يحيى السماوي

طالب عمران المعموريحين تكون اللغة العادية غير قادرة على التعبير عن عالم تجربته الشعرية الخاصة وعمق مشاعره يجد الشاعر نفسه مضطرا للتحول الى الاستعارة واعتماده على التكثيف والانحراف الدلاليين، مفرداتٍ وتراكيبَ متقدة ومشعة يخرج بها عن المألوف، يفتح آفاق النص بما يجعله يحتمل العديد من التأويلات تبعا للتلقي ومستويات قراءة النص، بحيث يؤدي ما ينبغي له أن يتصف به من تفرد وابداع، تمنحها مجالات اوسع للتعبير عن الانفعالات والمشاعر . هذا ما نلمسه في المجموعة الشعرية (ثوب من الماء لجسد من الجمر)1 للشاعر الكبير يحيى السماوي . جاءت عنونة المجموعة بلغة شعرية بمفارقة لفظية تجمع ثنائية ضدية الماء/ الجمر بوصفها الانحراف الدلالي الذي يعمد الشاعر عليه لكسر الألفة المعتادة ومن ثم الخروج من المألوف الى الغير مألوف، حيث ان" العنونة تمارس سطوتها في التأثير البصري الحسي الذي يجرك مخيلة المتلقي ويوقظ شعوره من السبات الى الحيوية المفعمة بالإحساس والتأمل فتترك الانطباع الفوري الاولي"2 على ما تتضمنه المجموعة الشعرية (ثوب من الماء لجسد من الجمر).

تحتوي المجموعة على  واحد وثلاثين نصاً، تفاوتت العنونة الداخلية للنصوص بين الرمزية والواقعية، إستهل مجموعته بـ (أخاف عليّ مني):

ندَمـي مـريـرٌ يـا صـديـقـي البحرَ

جئتكَ مُستجيراً حاملاً كـفـنـي وكـافـوري

فكن تابوتِ أسراري وكـاهـنـيَ الشهيدَ  على اعترافاتي

فقد ثقلتْ ذنـوبـي

وانتهى بقصيدة (أريد أن أنام) فأحزانه الممتدة بسبب الغربة والاغتراب وبعده عن الوطن تناولها بسرد نثري:

عسى أرى آنية َ الجياع في عراقنا تزخر بالطعامْ

 

عسى أرى دجلةَ تنسجُ الندى ملاءةً

ويرتدي الفرات بردةً من السلامْ

قصائد الشاعر يحيى السماوي بأشكالها المختلفة العمودي والتفعيلة ونصوصه النثرية يحكمها النمط القرائي سواء كان قارئا وظيفيا "الذي يتحرك في النص بنمط الكشف عن وظائف العوامل اللغوية والبحث عن المعاني او نمط لقارئ عضوي الذي يتدخل في النص لإعادة انتاجه متكيفا مع وعيه وخلفيته الثقافية يلتقط الاشارات والإيحاءات الخفية منتجا نصا موازيا او نصا مقابلا ، او نصا مضادا .."3 وهذا عائد  الى مستوى ثقافة المتلقي وقدرته الابداعية والتأويلية:

مُـرِّي علـى مُـقـلـي مــرور غـَمـامِ

وعـلـى لظى شـفـتـيَّ مرّ مـــدامِ

 

أمسكـتُ عـن عـسَـلِ الـعـنـاقِ ودفئهِ

فـمـتـى سـأفـطـرُ بعـد طـولِ صِـيـامِ؟

 

لا تحـذري عـطـشـي الـطـويـلَ فـإنـني

رغـمَ الـمـجـونِ عـفـيـفـةٌ آثـامـي. ص٢٥

لم تعجز قصيدته التي اتخذت السطر الشعري واعتمدت الشكل الموزون المقفى عن بناء صورها في اطار آليات الشعرية المعاصرة من مفارقة وانحراف دلالي وخلق فضاء جمالي بالاعتماد على المجاز ورسم الصورة والبناء اللغوي، فكل شكل من أشكال قصائده له بهجته في النفس بلغتها الشعرية وما تتركه من أثر في المتلقي واستثارته أو ما زرعت من دلالات وعبارات وصور.

كل قصيدة من قصائده، صنع السماوي فضاءً لها بالاتكاء على مرجعيات متعددة كمرجعية التراث العربي فهو ينهل من الشعر القديم بالإيحاء او بالعبارة، يستلهم الموروث الحكائي ويبعثه بإعادة تأويله واكتشافه، ثم بعثه من جديد في ايقاع جديد ولغة تواصل جديدة وشكل فني جديد: ص٢١

إن كنتِ "عبلة َ" فـي الـعـفـافِ فإنني فـي الـطـهـر "قيسُ"

ولنا على شجر الخطيئةِ جمـرُ إيـمـانٍ وفـأسُ

نراه تارة اخرى يتكئ على الميراث الانساني المتمثل في القلب وخلجاته النفسية وما يستدعيه من التراث في الشعر العربي عن الحب والشوق والهجران والحزن والأسى: ص129

حتى تعود الـى الـرصـافـة والـمـهـا والـجـسـر عافية الهوى

وتعودَ للبستانِ خضرتُهُ

فيطوي خيمةَ الشوقِ الـشـريـدْ

اضافة الى خلفياته المعرفية نراها جلية في قصائده التي نلمس فيها المرجعية الصوفية بتراثها وعبقها عبر روح التصوف : ص106 :

منذ توضأ قلبي بتباريح الوجدِ

وصلّى في محرابِ العشقِ صلاة استِسقاءِ الأفراحِ لكهفِ المحرومينْ

وانا حقلُ حبورٍ

ودياجيرُ ظنوني شمس يقينْ

 

طفلا عدتُ

وعاد الطينْ

 

رَطِباً مثل زهور الزنبقِ والنسرينْ

انه لون من ألوان التعبير الفني الذي ينأى عن التصريح الى حيث الايماء المعبر بطريقة جعل العالم الخارجي معادلا رمزياً لما يعتمل في الذات. يرسم لنا الشاعر يحيى السماوي بلغة ابداعية نابعة من هواجس نفسية صورة او صوراً  متعددة أمام المتلقي .. صورة لغوية تجديدية تعطي للقصيدة دلالاتها بعيدا عن السطحية المملة، اللغة مادته التي يصوغ بها منتجه الإبداعي .. فلابد لهذه اللغة أن تكون قادرة على احتواء فلسفة الشاعر .

المجموعة زاخرة في المعاني والمجاز بما تفيض تجربته الشعرية على كم معرفي هائل يعيد انتاجه شعريا، يحمل أرثاً عريقاً يمزج الماضي الثقافي مع الحاضر مكثفاً وموظفاً الرمز الذي يعد من الوسائل الفنية المهمة في الشعر، يعمد الشاعر فيه الى الإيحاء والتلميح بدلا من اللجوء الى المباشرة. اعتمد التجريبَ الذي بدوره يخالف السائد من اتجاهات جمالية، أما على مستوى النصوص ففيها من الجمال والصور الشعرية المليئة بالإنزياحات اللغوية ومن استعارة ومجاز واضداد وأنسنة للأشياء والأمكنة ومفارقات لفظية تبهر المتلقي، اللغة الشعرية لغة مجازية بطبيعتها، ويكون المجاز فيها هو الناتج من تجاور وتعالق الدلالات، بوصفها الإنحراف الدلالي الذي يعمد الشاعر اليه في كسر الألفة المعتادة ومن ثم الخروج من المعتاد الى الغير معتاد. يعبر عن الذات الانسانية المعاصرة في علاقتها بالوعي موظفاً تناصات متعددة مع التاريخي والفكري والديني والمفردات القرآنية والتناص القرآني كما في : /قسمة ضيزى/ والتين والزيتون /فتح قريب /طوى الوادي المقدس/ اخوة يوسف /لات / هبل/ جنات عدن/ :

أقسم بالـتـيـن الـذي يـأكـلـه الـسـاسـةُ والـزّيـتـونِ

بالتبن الذي نأكلهُ

وبالبساتين الـتـي لـيـس لنا منها سوى الأشواكِ

فـي الـمـاعـونْ

اضافة جمالية ينقلها الشاعر الى المتلقي من خلال تجربته الشعورية في تشكيل القصيدة على رسم الصورة والبناء اللغوي المعتمد على كسر أفق التوقع في علاقاته وما ينتج عنها ويعمل على التأثير فيه وتحقيق سمة جمالية وابداعية في الكلام . أظهر الشاعر جماليته اللغوية في التصوير الشعري، في التعبير عن العشق يتجلى ذلك في مقطع من قصيدته ( أخافُ عليَّ مني ) ص12 :

انت تعرف أنـنـي فـي الـعـشـق عـبـدٌ للـوفـاءِ

زعَلتَ فانتحَرَ السَّفرجلُ

غادر البستان ظِلُّ النخلِ

شاخَ الـمـاءُ

فاشهـد يـا صـديـقـي الـبـحـرَ

أنك قد مدَدتَ إلـيَّ مـوجَـكَ

فاستحال عليكَ إنقاذُ الغزالِ الـطـفـلِ

مـن ذئـبِ الـلـهـيـبِ!

وظف السماوي في مجموعته الشعرية الرموز الفلسفية والشخصيات التاريخية وشعراء الجاهلية و الصوفية وهذا ما يدل على الخلفية الثقافية وخاصة في الشعر العربي القديم، و يميل الى التصوف في الشعر باعتباره مكونًا بنائيا يتجلى في العبارة الشعرية بإشاراتها للرموز الصوفية وومضاتها الإشراقية: ص٩

فأقول ليْ

ما كنت يا هذا المضرَّج بالتبتُّل

في رحابِ السومريةِ

أوَّل الـعـشـاقِ نامَ على سرير سحابةِ خضراءَ

يلتحِفُ الندى فـأفـاق مـذبوحاً بسكِّين الحبيبِ

 

مـن قـبـل ذبحكَ ألف " وضّاحٍ " رثاهُ العشقُ(*)

منجز شعري يكشف عن ملكة ابداعية وامكانات عالية في تشكيل اللغة، الشاعر واحد من كبار شعراء العراق الذين اغنوا الساحة الادبية والثقافية مزيدا من الاسهامات، كتب عنه الكثير، قراءات ودراسات، وخصوصية لغته الشعرية في جميع المستويات (اللغة، الجمال، الموضوع).

***

طالب عمران المعموري

.......................

المصادر

1-السماوي، يحيى، ثوب من الماء لجسد من الجمر،ط1، دار تموز للطباعة والنشر، دمشق، 2016

2- المعموري، غانم عمران: الذات وصرخة الوجدان في القصيدة،ط1، منشورات اتحاد الادباء والكتاب في العراق، بغداد،2022. 3-

3 - الضبع، محمود، غواية التجريب: حركة الشعرية العربية في مطلع الالفية الثالثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2014

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5738 المصادف: 2022-05-22 03:14:48


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5776 المصادف: الاربعاء 29 - 06 - 2022م