قراءات نقدية

طبقات السخرية في رواية (يوتيوب)

السخرية حيلة أسلوبية تعتمد على مراوغة المتلقي وتعطيل تأويله للنص حتى يتمكن من الامساك بمفتاح يؤدي به الى قصد النص/المعنى، ويبدو النص الساخر عبثيا أو سطحيا في بدايته حتى يصطدم القارئ بما يدفعه لإعادة القراءة من جديد لتصحيح الفهم من خلال السياق، والخطاب الفني الساخر هو خطاب تدنيسي يكشف موقع ودور المقدس كجزء من الممارسة النقدية للمجتمع.

فعبارة مثل (يجلس حمدالله في مقهى إدريس)، لن تكون ذات قيمة فنية او سردية إلا إذا ربطها قارئ رواية (يوتيوب) للكاتب خضير فليح الزيدي (صادرة عن منشورات اتحاد الادباء في العراق/2022) بالمحيط المكاني للسرد وهو الكرادة في بغداد، حينها تسترجع ذاكرة القارئ المجال الذي سوف يتحرك فيه الخطاب الروائي ويعرف إنه يدخل رواية ساخرة عندما يفهم ما وراء الاسمين "حمدالله" و"إدريس" ويصير القارئ محاطا بمناخ يراكم السخرية طبقات بعضها فوق بعض.

يلتقط الزيدي في روايته حبكات وعلاقات من فنون وسرديات متنوعة، شعبية وتلفزيونية وسينمائية، ويستعيد النص مكونات العقل الجمعي ويعيد تنظيمها في حكاية تجمع بين السرد البوليسي والخيال العلمي والنقد الاجتماعي، ومختصر الحكاية هو إن عالما عراقيا يعمل في ناسا يكتشف ان كوكبا سيصطدم بالارض وينهي الحياة عليها، وهو وحده من يعرف الطريق للتخلص من هذه النهاية لكنه يهرب من أمريكا ويختفي في العراق وتكلف وزارة الداخلية أحد ضباطها بالبحث عنه.

يبني الزيدي روايته الساخرة على حكايات متقاطعة لعدة شخصيات وأمكنة تعاني كلها من الازدواجية، العالم المجنون الذي كان معلما للتربية الاسلامية ثم تحول الى دراسة الفيزياء والفلك، وضابط الشرطة الذي فشل في أن يكون شاعرا، والسكير المتصوف، ورجل الدين المخاتل، ويعرض الروائي تاريخ كل شخصية بالتقاطع، ويستعرض خلال تصاعد الحكاية ما يمكن اعتباره الطريقة العراقية في مواجهة المشاكل، ضابط الشرطة يريد حل القضية من أجل الحصول على كتاب شكر ومكافأة ليرضي زوجته بهدية، ورجل الدين يريد تزويج ابنته من حبيبها قبل ساعات من الكارثة بعدما رفض ذلك لسنوات طويلة لأنه يريد دخول الجنة، بينما سكان بغداد يحاولون تخزين أكبر قدر ممكن من البطاطا استعدادا للقيامة ويتجمعون عند ضفاف دجلة لمواجهة الكارثة، وتحل وزارة الداخلية مشكلة العثور على العالم بالقبض على شبيه له حتى يتحدث للتلفزيون!!.

يجد القارئ في رواية "يوتيوب" إحالات كثيرة الى الخارج الواقعي، فضابط الشرطة مثلا اسمه (عبدالله الراجحي) وهو رجل أعمال سعودي ثري تظهر اعلانات شركاته بكثرة في وسائل الاعلام، ورقم القضية التي يعمل عليها الضابط هو (2030) وهذه إحالة أيضا لمشروع رؤية 2030 العمراني السعودي أيضا، والعراقيون يريدون الهرب الى المريخ لأن النجاشي هناك عادل!!، مثل هذه الاحالات كثيرة جدا في الرواية وكأن الزيدي يتمرد على مفهوم "النص المكتمل بنفسه" أو "عالم النص"، فالرواية لن تكون مكتملة إلا بالعودة الى إصولها الواقعية ولعل هذا من أسس الرواية الساخرة، فهي عملية إعادة صياغة للواقع وليست انشاء خاصا في معظمها وتكون الحكاية المبتكرة مجرد مناسبة لإعادة طرح الواقع لكن بإستظهار تشوهاته.

في رواية "يوتيوب" تتحرك عدة شخصيات مرسومة بإتقان داخل حيز مكاني بغدادي، وتستعير الرواية أفكارا وعبارات شعبية كثيرة وصورا اجتماعية تقليدية لبناء طبقات سخريتها، وتنتمي الرواية الى النصوص الامتاعية التشويقية سهلة القراءة، وتمارس نقدا اجتماعيا تعبيريا يخلو من الخطابية والوعظية حيث لا يقسر الروائي نصه بإيجاد شخصية إيجابية بطلة مثلما يحدث عادة في نصوص النقد الاجتماعي السردية، ويواجه القارئ سخرية يائسة تنهي الرواية فجأة بعملية نصب تمارسها السلطة.

ويقمع السرد في رواية "يوتيوب" العقلانية بمنع ظهور أي معادل موضوعي للشخصيات المختلة اخلاقيا وعقليا، وبالتالي تنتج الرواية اليأس كموقف وحيد ممكن من الحياة، وما كان لهذا القمع أن يظهر ويشغل حيزا في تلقي القارئ لولا البناء العقلاني المحكم للسرد حتى ان الرواية في مبناها لاتتماهى مع المجتمع الذي تتحدث عنه ولا تخضع للتفكير المختل لشخصياتها، هذا أولا، كما إن هيمنة الواقعي على أحداث الرواية التي لا تفتعل الاحداث ولا تبتكرها وانما تعيد ترتيب العلاقات ورسم الشخصيات بإسلوب كاريكاتيري يقوم على الحدة والمبالغة لإحداث الدهشة، هو العامل الثاني في إبراز القمع للعقلانية ويصر هذه القمع على الظهور بوضوح في النهاية المفاجئة للحكاية، وكأن الرواية تستبعد ما هو عقلاني وأخلاقي في سرديتها بشكل فاضح لتكون بنيتها هي إستكمال للنقد الذي تمارسه تجاه المجتمع الذي يغيب العقل والاخلاق.

رواية "يوتيوب" جريئة في تعاملها مع الافكار والقيم الاجتماعية ومتماسكة البناء ومقتصدة في اللغة والسرد. 

***

ساطع راجي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5870 المصادف: 2022-10-01 01:44:45


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م