قراءات نقدية

احمد عواد الخزاعي: دلالات العنونة في رواية (وجه في كرة)

إحدى مهام الرواية الحديثة هي نقل الواقع المعاش برؤية فنية حداثية تحمل طابع التشويق، يكون الواقع فيها اكثر تقبلاً لدى القارئ، وهذا ما سعى اليه الروائي علي الحديثي في روايته (وجه في كرة) الصادرة سنة 2019 عن دار نينوى.. قصة ربما تتكرر عبر متوالية حياتية في اروقة المحافل الاكاديمية في مشرقنا العربي، لكنها اختلفت هذه المرة بالرؤية الناضجة، وارتباط النص مع الواقع بطريقة عضوية، كقول الفيلسوف الفرنسي بول فاليري: (الذئب مجموعة من الخراف المهضومة).. اضافة الى انتهاج الروائي اسلوب ربما يكون صعباً على كثير من الكتاب الذكور، حين تقمص دور المرأة في كتابة نصه، تحدث بصوتها، وعبر عن مشاعرها واحاسيسها وهواجسها، وهذا ما اشار اليه الكاتب الروسي مكسيم غوركي بقوله: (ان الكاتب الذي يتحدث عن الطفولة، لا يتحدث بلغة الاطفال بحجة الصدق، وإنما يجب عليه ان يتحدث بإحساس الطفولة وبالطريقة التي يفكر بها الاطفال).. لكن علي الحديثي استثمر البطلة التي جعل منها ساردا ضمنيا مثقفاً واعياً، كي يمرر من خلالها بعض افكاره وآرائه بالحياة بصورة عامة والواقع العراقي بشكل خاص.3461 علي الحديثي

شابة جامعية مثقفة ذات ماضي خالي من اي تجربة عاطفية، يقودها قدرها بأن ترتبط بعلاقة حب ناضجة لكنها متأرجحة في نفس الوقت مع طالب جامعي مثقف، لتكون هذه الواقعة العتبة السردية المركزية، والشاخص الذي يدور حوله النص فيما بعد، والذي اخذ البعد العاطفي والنفسي حيزا كبيرا فيه، عبر مونولوجات داخلية واحلام يقظة وتداعيات حرة عاشتها البطلة في محاولة منها للتأقلم مع هذه العلاقة الشائكة التي اَلت في نهاية المطاف الى الفشل، حين اجبرها اهلها على الزواج من ابن عمها الشاب القروي البسيط، الذي شكل الفارق الثقافي وعلاقتها مع باسل حاجزاً نفسياً لديها في تقبله كزوج لها، لكن القارئ سيجد ان النص انحاز في نهايته الدراماتيكية الى الواقع العام اكثر من انحيازه لطبيعة العلاقة الصادقة التي ربطت البطلة (سما) مع حبيبها (باسل) فقد شكل الاحتلال الامريكي للعراق 2003 محورا اَخر توازى مع النص وتقاطع معه في بعض محطاته المفصلية وأثر في نهايته بشكل مباشر، لذا تعد رواية (وجه في كرة) احدى مظاهر ادب ما بعد التغيير، واحدى المخرجات السردية التي حاولت ان تعالج الواقع العراقي المأزوم الذي خلفه الاحتلال الامريكي وتداعياته الاجتماعية والنفسية والسياسية، حين ارتبط النص بالاحتلال من خلال انخراط باسل في مقاومة الاحتلال، وتعرضه للاعتقال والسجن بسبب موقفه هذا، لتكتشف البطلة ان ابن عمها القروي (فهد) قد حمل نفس الهدف الذي امتلكه حبيبها باسل حين التحق هو ايضا في مقاومة الاحتلال وتعرضه للاعتقال والسجن، هذا التزامن في المواقف ربما خفف من وطأة النهاية الحزينة للروية.

اهم محاور النص:

1-العنونة: يشكل العنوان العتبة الاولى لأي نص، وهو في دلالته يمثل نصا موازيا لمتن الرواية، ومفتاح لفهم قصديتها، (وجه في كرة) هو دلالة على ارتباط بطلة النص وجزء من احداثه بكرة المنضدة التي احتفظت بها البطلة كذكرى من حبيبها باسل الذي اعتاد على لعب كرة المنضدة في اروقة الجامعة، لتذهب هذه الكرة الصغير في حجمها الكبيرة في ما تحمله من مغزى ورمزية في رحلة مع البطلة، وتشكل ثنائية معها وبديلا عن باسل في غيابه، عبر تيار وعي باطني، واستحضار لماضيها الجميل معه، استخدم فيها الروائي تقنيات (المنلوج الداخلي والاسترجاع والاستذكار والقفز والتداعي الحر) لتشكل الكرة رمزية لتقلب هذه العلاقة وعدم استقرارها وحضور طاغي وقلِق لبطلها باسل في ذاكرة البطلة سما: (وجهي في كرة المنضدة البيضاء التي يلعب بها الشباب في زاوية من زوايا ساحة الكلية تتقاذفها الركتات تتدحرج فوق الارض بعيدا عن اطرها المحددة لها، الخروج عنها يعني هناك خاسر، فمن الخاسر في تدحرج رأسي خارج اطار احلامي المعتمة ؟).

2- اللغة: كانت اللغة الوسيلة الناجعة التي استخدمها علي الحديثي في تخريج نصه، والاداة التي مكنته في ايصال ما يريد حين اختار لنصه بطلين مثقفين يمتلكان وعياً مكتسباً مكنهما من التعبير عن مشاعرهما وما يدور من حولهما بطرقة واعية.. مما جعل من وجه في كرة رواية نخبوية في لغتها وطرحها ومعالجتها للواقع، اقتربت لغتها في بعض محطاتها من القصيدة النثرية كما في هذا النص: (اتوه بين متاهات الزمن، اتلمس في شعابه بحثا عن جدار اتكئ عليه، لم يعد صوتي صدى اتكئ عليه.. لم يعد لصوتي صدى انتظره.. اوراق شجرتي تتساقط، اخشى ان يتوقف عزف الهواء في حديقتي يوما، ولا شيء يبقى سوى فراغ يعوي في العدم).

3-القرين: تأسس البناء الهرمي للرواية على مجموعة من العلاقات الاجتماعية التي مثلت نمطين.. منها علاقات اجتماعية ولدت مع النص وشكلت جزءا من تركيبته البنيوية، مثل (علاقة البطلة بأبيها وعلاقة البطلة بأختها سمر) وأخرى مثلت علاقات طارئة على النص لكنها محورية في تركيب وسير احداثه مثل (علاقة سما بباسل وعلاقة سما بأبن عمها فهد وعلاقة باسل بفهد).. من بين هذه العلائق الانسانية، شكلت علاقة باسل مع فهد مفارقة حياتية وسردية جعلت منه (قرين ايجابي) ساهم في تغيير حياة فهد نحو الافضل، حين قادتهم الصدفة الى ان يشتركا في نفس الغرفة داخل المعتقل، مما اتاح لهما ان يتبادلان همومهما وتطلعاتهما، واستثمر فهد وجوده مع باسل بأن جعل منه مرشدا له ومعلماً ساهم في تثقيفه، ومنحه جزءً من وعيه كما في هذا الحوار بين فهد وسما يشير فيه الى التأثير الايجابي لباسل في حياته: (فأخذ يحدثني عن امور شتى.. الحب.. العلاقات.. الحياة.. تعلمت منه فجعلت نفسي رهينة بين يديه اسير معه كمريد صوفي مع شيخه، وصرنا متلازمين حتى لقبنا بين المعتقلين بالصنوين.. كانت لدينا كتب في المعتقل فكان يحثني على ان اقرئ).

4- التشيؤ: ارتبط أبطال الرواية مع الاشياء التي حولهم بطريقة حسية اثرت كثيرا في ادائهم وردود افعالهم وتصوراتهم على الواقع المعاش، وقد بدا هذا جليا في طبيعة الاماكن التي زارها بطلا النص، وارتباطهما الحسي والوجداني معها، كما في هذا النص: (نسير في باب المعظم.. شارع الرشيد.. يخبرني عن الاماكن التي نراها تمتعنا بمشاهدة سوق الانتيكة نقلب الحاجيات العتيكة التراثية التي تحمل عبق بغداد).. وهناك علاقة وجدانية وحسية ربطت سما بغرفتها، كما في هذا النص الذي يمثل تداعي حر للبطلة: (انكرني اثاث غرفتي تتهامس قطعه فيما بينها مستغربة من هذا الوجه الجديد الذي عاد طافحاً بسرور مشوب بقلق).. الا ان علاقتها الفريدة مع كرة المنضدة ذكرى حبيبها باسل، شكلت اهم مظهر لهذا التعالق الحاصل بين البطلة واشيائها: (ضممت الكرة الى صدري.. احسست بأصابع باسل التي لم تزل حرارتها فوق الكرة تلامس نهدي).. هذا التعالق الحسي بين البطلة والاشياء المحيطة بها، عبرت عنه الروائية الفرنسية ناتالي ساروت (بالتشيؤ) وعرفته على انه: (مجموعة من الردود الحسية والنفسية بين الانسان والاشياء).

***

احمد عواد الخزاعي

في المثقف اليوم