قراءات نقدية

جودت هوشيار: القصة الحقيقية لآنا كارنينا

«آنّا كارينينا» رواية عظيمة عن الحب والأسرة ومعنى الحياة والشغف العاطفي، من خلال قصص العديد من العائلات السعيدة وغير السعيدة في المجتمع الروسي المخملي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. يصف فيها ليف تولستوي أدق خلجات الروح البشرية، ويغوص عميقاً في نفوس أبطال روايته، ويبدو أنه كان يفهمهم أكثر مما يفهمون هم أنفسهم.

تتألف هذه الرواية من قصتين غير متداخلتين تقريبا:علاقة آنا كارينينا مع أليكسي فرونسكي وانفصالها عن زوجها، وحكاية حب كونستانتين ليفين وكاترينا شيرباتسكايا، وبداية حياتهما الأسرية. سنتحدث في هذا المقال عن آنّا كايرنينا في المقام الأول، لأن الكتاب الذي نعرضه في السطور اللاحقة، يركز على النماذج البشرية الحقيقية لشخصية آنّا كارينينا، والقيم السائدة في المجتمع الروسي في العهد القيصري.

آنا كارينينا كما صوّرها تولستوي

امرأة جميلة من الطبقة النبيلة في المجتمع المخملي، زوجها أليكسي كارينين مسؤول كبير في الدولة، ولديها ابن عمره خمس سنوات.. سعيها وراء الحب والصدق العاطفي، وعلاقتها الحميمة بعشيقها أليكسي فرونسكي تجعلها منبوذة من المجتمع. معاناتها الشديدة تدفعها إلى البؤس والشقاء وأخيراً الانتحار. آنا شخصية جميلة بكل معنى الكلمة: ذكية ومتعلمة، تقرأ بنهم، وتكتب للأطفال، وتظهر قدرة فطرية على تقدير الفن. ساحرة جسديا، أنيقة، ذات ذوق رفيع، تجذب انتباه الجميع تقريبا في المجتمع الراقي. آنا تؤمن بالحب – ليس فقط الحب الرومانسي، بل الحب العائلي والصداقة أيضا، كما نرى في إخلاصها لابنها، وجهودها الحثيثة للتوفيق بين شقيقها ستيفان أوبلونسكي وزوجته دوللي في مشاكلهما الزوجية، واستقبالها الحار لدوللي في منزلها الريفي.. آنا لا تكره شيئًا أكثر من التزييف، وهي تنظر إلى زوجها، كارينين، باعتباره تجسيدا حقيقيا للتقاليد المزيفة – الخالية من المشاعر- التي تحتقرها.

القصة الحقيقية لآنا كارينينا3514 آنّا كارينينا

وضع الكاتب والناقد الأدبي الروسي المعروف پاڤيل باسينسكي سلسلة من الدراسات الوثائقية الممتعة عن كتابات ليف تولستوي وحياته، بدأها قبل ثلاثة عشر عاما، بكتابه الوثائقي المثير «الهروب من الجنة»، الذي يستند إلى استنتاجاته، التي توصل إليها بعد قراءة وتحليل يوميات تولستوي ورسائله ووقائع حياته الزاخرة بالأحداث، وآرائه في الفن والدين والحياة. رسم باسينسكي للقارئ صورة حية لإنسان عظيم، له حياة عاطفية متناقضة. وقد فاز هذا الكتاب بجائزة «الكتاب الكبير» لعام 2010، وهي أهم جائزة أدبية روسية، وتعد بمنزلة جائزة الدولة التقديرية في الأدب. بعد ذلك نشر باسينسكي عدة كتب عن تولستوي منها: «القديس ضد الأسد»(2013) حول الخلاف بين يوحنا كرونشتاد (1829- 1909) رئيس الكهنة في الكنيسة الأرثوذكسية وليف تولستوي، علما ان اسم ليف في اللغة الروسية يعني الأسد. و»الأسد في ظل الأسد»(2015) حول العلاقة بين الكاتب وابنه الذي يحمل اسم ليف (الأسد) أيضاً، و»ليف تولستوي إنسان حر» (2016).

«القصة الحقيقية لآنا كارنينا»، هو الكتاب الذي يسلط فيه باسينسكي الضوء على شخصية آنّا كارينينا، على خلفية كم هائل من المواد الوثائقية. وقد فاز هذا الكتاب أيضاً بجائزة «الكتاب الكبير» لعام 2022. يقول باسينسكي في مقدمة الكتاب: «هذا الكتاب كتب من تلقاء نفسه. أنا أتحدث فيه ليس ككاتب، بل كقارئ شغوف بآنا كارينينا. فقد قرأتها عشر مرات قبل أن أكتب عنها. وفي كل مرة كان هناك شعور غريب بأنني أقرأ رواية مختلفة». كتاب باسينسكي الجديد ليس دراسة أدبية، بل أشبه بقصة بوليسية شائقة. سوف نكتشف أن فكرة هذه الرواية طرأت على ذهن تولستوي بشكل عفوي، ففي أوائل سبعينيات القرن التاسع عشر كان يجمع المواد لرواية تاريخية عن بطرس الأكبر، كان العمل فيها صعبا ومزعجا. في هذا الوقت تقريبا، أقدم أحد جيران تولستوي وهو الإقطاعي بيبكوف ـ بعد وفاة زوجته الأولى- على الزواج من فتاة ألمانية جميلة تعمل مربية لأطفاله. وقد علمت عشيقته، ومديرة منزله آنا ستيبانوفنا بيروغوفا بذلك، فأقدمت على الانتحار بإلقاء نفسها تحت عجلات قطار، تم دفن جثمانها في مقبرة الكنيسة في كوتشاكي، حيث تقع مقبرة عائلة تولستوي. أثار هذا الحادث – خاصة طريقة الانتحار الرهيبة – التي اختارتها المرأة التعيسة – اهتمام تولستوي لدرجة أنه ذهب شخصيا لمراقبة تشريح الجثة؛ وكتبت زوجته إلى أحد أصدقائها: «أصيب تولستوي بصدمة شديدة، فقد كان يعرف آنا ستيبانوفنا، التي كانت امرأة طويلة، ممتلئة الجسم، ذات ملامح روسية، سمراء ذات عينين رماديتين». قرر تولستوي كتابة رواية قصيرة عن الخيانة الزوجية، على أمل إنهائها بسرعة والعودة إلى الأمور «الأكثر أهمية». ومع ذلك، فإن العمل على «آنا كارينينا «استمر لأربع سنوات، وأصبحت نقطة تحول في حياة وإبداع تولستوي. ليس لآنا كارينينا نماذج بشرية حقيقية، فهي شخصية خيالية بالكامل، لكن تولستوي وجد إلهاما جزئيا للشخصية في ماريا هارتونغ، الابنة الكبرى للشاعر الروسي اليكسندر بوشكين، التي التقى بها تولستوي عام 1868 في الحفل الراقص الذي أقامه حاكم مقاطعة تولا، فهي شبيهة بآنّا كارينينا من حيث المظهر فقط. انبهر تولستوي ليس بجمالها فحسب، ولكن أيضا بـ»ضفائرها السوداء الفاحمة» وأشار إلى أن «هذا ما تعنيه السلالة» ملمحا إلى الأصل الافريقي لبوشكين. ستظهر هذه الضفائر بعد ذلك على رأس آنا في الحفل الراقص، حيث رقصت مع فرونسكي و»انتزعته» من كاترينا.

أثناء كتابة الرواية، قام تولستوي بتغيير عنوانها عدة مرات، وأصبحت الشخصيات الرئيسية أكثر تعقيدا: تغيرت صورة آنا التي كانت شبيهة في البداية بماريا هارتونغ وأصبحت تدريجياً أكثر مأساوية وتوترا بتأثير القصة الدرامية لأخت ليف تولستوي، ماريا نيكولاييفنا تولستويا، التي تركت زوجها وأنجبت لاحقا ابنة غير شرعية. والأهم من ذلك، أن تولستوي تأثر بعمق بحادثة انتحار آنا بيروغوفا، التي يمكن القول إنها النموذج الأولي لآنا كارنينا. شيئاً فشيئاً، يكشف باسينسكي عن السياق التاريخي للرواية، الذي لم يعد واضحا لقراء اليوم: سنكتشف لماذا كانت رقصة المازوركا الطويلة (التي استمرت ما يقرب من ساعة!) هي الرقصة القاتلة التي قررت مصير كارينينا وفرونسكي وكاترينا شيرباتسكايا (في العديد من الاقتباسات السينمائية للرواية، يرقص الأبطال رقصة الفالس القصيرة العاطفية).

قد يتبادر إلى ذهن القارئ: لماذا لم تطلب آنا الطلاق من زوجها كارينين ليتسنى لها الزواج من فرونسكي؟ وفقا لقوانين الإمبراطورية الروسية في نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن ذلك ممكنا إلا في حالة واحدة وهي اعتراف أحد الزوجين بخيانة الآخر – وإذا حدث ذلك واعترفت آنّا بخيانة زوجها، فلن تتمكن من الزواج من فرونسكي لاحقا؛ لأن الكنيسة هي التي كانت تتولى الإشراف على مسائل الزواج والطلاق وتعاقب الخائنة بحرمانها من الزواج ثانية طوال حياتها. وقد يتساءل القارئ: لماذا اختارت كارينينا الانتحار تحت عجلات قطار في محطة أوبيرالوفكا على وجه التحديد؟ آنا تعيش في مكان آخر. لكن فرونسكي سافر من هذه المحطة في زيارة لوالدته، وقال إنه سيعود في القطار التالي، أكلت الغيرة قلبها وجاءت إلى المحطة والآن تقف في انتظاره، وتدرك أنه إذا ظهر فرونسكي هنا الآن – وهو أمر محتمل للغاية، لأنه سيعود في القطار التالي – عندها سيفكر فرونسكي انها تلاحقه وسيكون عليها أن تقدم تفسيرا مهينا لوجودها في المحطة. وجاء القطار في هذا الوقت. ومع ذلك، بغض النظر عن مدى سخافة وقسوة القوانين والأعراف الاجتماعية في الإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر، كان السبب الرئيسي لمأساة آنا هو شخصيتها: فهي سيدة ارستقراطية في المجتمع الراقي، الذي يعد المغامرات العاطفية مع الضباط الشباب ظاهرة شائعة وآمنة. لكن آنا – «طفلة ساذجة» – لا تعرف قواعد اللعب، وترتكب الأخطاء وتتألم، وتخيب ظن هذا المجتمع مرارا وتكرارا وتجعل أحباءها غير سعداء.

يؤكد باسنسكي أكثر من مرة، أن آنا كارنينا هي رواية رائدة، غير مألوفة. تولستوي يخرق فيها جميع قواعد الكتابة الروائية المعروفة في ذلك الوقت، كما أنه يصمت تماما عن أشياء كثيرة، ويترك في الحبكة (فراغات) على افتراض أن القارئ سيملأها بنفسه: «هذه بالضبط خصوصية الرواية، أن القارئ يجب أن يخمن الكثير مما يحدث بنفسه، دون تفسيرات الكاتب، بل حسب تلميحاته». كان اليكسي كارينين من عائلة فقيرة، ونشأ يتيماً، ووصل بمثابرته وجهده المتواصل إلى مناصب عليا، وكان أصغر حاكم مقاطعة في روسيا القيصرية، وتزوج من آنا. لم يكن متزمتا في آرائه السياسية والاجتماعية والثقافية، حتى إنه حاول مواكبة الأدب الحديث، ما أثار سخرية تولستوي، وكان رجلا مسالما، وفقدان آنا بالنسبة إليه مثّل خسارة المعطف لأكاكي أكاكيفيتش في قصة نيكولاي غوغول، وكان فرونسكي (عشيق آنّا)، وفقا لباسينسكي، على العكس من ذلك، رجلا (فارغا)، ولم يهتم به تولستوي كثيرا، لذا ظلت صورته ضعيفة التطور في الرواية.

أراد باسينسكي أن يعرف: لماذا تطورت قصة آنّا كارينينا بهذه الصيغة، وليس بصيغ أخرى. ويبدأ في فك سلسلة أحداث الرواية – وملء ما يسميه «الفراغات». هذا هو المكان الذي يكمن فيه الجزء الأكثر إثارة للاهتمام من الكتاب. المخطط العام للرواية مألوف لكل من قرأ هذه القصة في كتاب أو شاهدها على الشاشة: لقاء آنا مع فرونسكي في الحفل الراقص المصيري على وقع موسيقى مازوركا البولونية، حياة آنا كارينينا العائلية المملة مع كارينين، مثابرة فرونسكي، عذابات البطلة، الخيانة، ولادة طفل غير شرعي، النفي من المجتمع المخملي، الغيرة، التوتر النفسي، الانتحار تحت عجلات قطار. كل شيء واضح ظاهرياً – ولكن في الوقت نفسه يثير العديد من الأسئلة: لماذا آنّا كارينينا مغرمة جدا بفرونسكي؟ ما الخطأ الذي حدث في زواجها من كارينين؟ لماذا لم تستطع الحصول على الطلاق؟ وفرونسكي – كيف خطط للعيش مع كل هذا؟ وأخيرا، هل كان من الضروري أن ترمي آنّا نفسها تحت عجلات قطار؟ في الواقع، لا يقوم باسينسكي بأي اكتشاف أدبي في كتابه، ولا يقدم قراءة بديلة جذرية للكتاب. إنه يسلط الضوء بشكل منهجي فقط على ما صمت عنه تولستوي، أو لم يهتم به كثيرا،ولا يمكن للقارئ العادي ينتبه إلى ذلك بنفسه. آنّا وفرونسكي كانا يعرفان بعضهما قبل الأحداث الموصوفة، لكن لم يبد أي منهما اهتماما بالآخر في ذلك الحين. وليس من قبيل المصادفة أن كل شيء يتغير بعد أن تجد آنا نفسها في المقصورة نفسها في القطار المتوجه إلى موسكو مع والدة أليكسي فرونسكي، التي تتحدث طوال الطريق عن ابنها الأصغر، أليكسي، لأنها تعتقد أن العلاقة مع آنا المتزوجة يمكن أن تكون مفيدة له. كل هذه مجتمعة، تملأ الفراغات. وتظهر الصلات المنطقية المبنية من جديد، وكيف أن حبكة الرواية كانت مرتبطة في عقدة محكمة. تتناول الرواية أيضاً خيانة ستيفان أوبلونسكي لزوجته مع مربية أطفالهما. آنا كارينينا، أخت ستيفان تبرر سلوكه، وتقوم بمحاولة مصالحة ستيفان مع زوجته، رغم أنها تعلم بخيانة أخيها. يسأل باسنسكي: إذن، لماذا لا تغض آنّا النظر عن خيانة زوجها وتتصالح معه؟ تجدر الإشارة إلى أن آنا كارينينا في عنوان كتاب باسنسكي مكتوبة دون علامتي تنصيص، وهذا صحيح. لأن باسينسكي يهتم بقصة البطلة في المقام الأول، وليس بجميع شخصيات الرواية، رغم أنه في البداية يعدنا بمقاربة أوسع.

المعمار الروائي

نشرت رواية «آنّا كارينينا» تباعا على شكل حلقات متسلسلة بين عامي 1875، 1877 في مجلة «روسكي فيستنيك» وعندما انتهى الجزء الأول من الرواية رفض الناشر نشر الجزء الثاني والأخير قائلاً: «إن الرواية انتهت بانتحار آنا تحت عجلات قطار». ولكن تولستوي أصر على استكمال الرواية بسرد قصة حب كونستانتين ليفين، وكاترينا شيرباتسكايا. ويجسد ليفين شخصية تولستوي نفسه: مالك أرض ثري يحاول حل أزمة إيمانه من خلال العمل مع الفلاحين في الحقول.. كان تولستوي فخورا جدا بما سماه «معمار الرواية»، أي كيف تمكن من الجمع بين قصتي آنا كارنينا، وكونستانتين ليفين وبالحجم نفسه، «بحيث لا يمكنك حتى ملاحظة مكان العقدة». في الوقت نفسه، أكد أن النقطة الجوهرية ليست في الحبكة أو تعارف الشخصيات، ولكن في نوع من «الصلة الداخلية» الخاصة بها. ما هي هذه الصلة الداخلية؟ هذا هو أحد أصعب الأسئلة، التي ظلت دون إجابة موثوقة، ولكن باسينسكي يرفض إيلاء القدر نفسه من الاهتمام بالقصة الثانية، ناهيك عن اكتشاف «الصلة الداخلية» بين القصتين.

***

جودت هوشيار

في المثقف اليوم