قراءات نقدية

أحمد غانم: دلالات السخرية في رواية "اعترافات كاتم صوت"

اختط الأديب الأردني الراحل مؤنس الرزاز مسارًا آخر غير رواية السيرة الذاتية في سرد أحداث رواية "اعترافات كاتم صوت" رغم أنها جاءت عن أحداث حقيقية كانت ضمن تداعيات القضية المعروفة بقضية قاعة الخلد عام 1979، واحدة من أهم القضايا السياسية في تاريخ العراق الحديث، البلد العربي الذي استقر فيه المفكر القومي منيف الرزاز، الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي، آخر درجة حزبية تقلدها قبل إصدار قرار الإقامة الجبرية بحقه وعائلته إثر معارضته إصدار أحكام سريعة، عبر محكمة صورية، على 55 من قيادات الحزب والدولة...

مفارقات ومعلومات كثيرة صارت في متناول الكثير من من متابعي الشأن العراقي في كل مكان بعد سقوط النظام الديكتاتوري عام 2003، بالإضافة الى مؤلفات وسيرة حياة المناضل العروبي، كان يمكن أن تكون مادة دسمة لرواية طويلة، وقد تكون متعددة الأجزاء، تسرد الكثير عن مرحلة مهمة في تاريخ العديد من البلدان العربية، إلا أن الروائي مؤنس الرزاز اختار أن يكتب عن عمق المأساة التي انتهت إليها رحلة "التجربة المرة"* من منظور مختلف تمامًا، عبر صفحات رواية قصيرة نسبيًا، شأن روايات الأديب الأردني الأخرى، خاصة وأنه لم يكن مع أسرته خلال سنوات المحنة التي انتهت إلى وفاة الوالد، فاستعاض عن ذلك برؤية مغايرة تمامًا اتخذت من الكوميديا السوداء وسيلة لالتقاط تفاصيل حياة أسرة رجل مسؤول وجد نفسه فجأة معزولًا عن الحياة بعد أن كان من ضمن القيادات العليا للبلاد، دون ذكر اسم البلد، وكأنه يشير بذلك إلى أن مثل تلك الأحداث يمكن أن تتضمنها الكواليس السياسية للكثير من البلاد التي اعتادت التغيرات السياسية المفاجئة، عبر انقلاب عسكري أو إسقاط النخبة السياسية واستبدالها بأخرى تناسب المرحلة القادمة للقيادة العليا للبلاد، والتي يتم اختزالها عادة بشخص الديكتاتور، تم التطرق إليه في النص عبر إشارات تكاد تكون خفية عن إدراك القارئ غير المتفاعل مع سياق الأحداث وثنايا السرد، ومفارقات المواقف التي رصدت مناحي مختلفة من حياتنا، بكل ما ألفت من ازدواجية وما فرضته علينا الأنظمة الشمولية من عزلة عن أحلام كثيرة ترفعها الشعارات السلطوية كما لو كنا جميعًا ضمن إقامة جبرية عامة، وغير معلنة، تفرض علينا الصمت المطبَق والمتخوف من نزعة الجهر بأي اعتراف سرعان ما يمكن اغتياله من قبَل كاتم صوت، لا تدركه الأبصار، معد لاغتيال الألسنة من قبل أن تتفوه بكلمة، بل من قبل أن تصدر إيماءة أو تعبير وجه مستاء، لذا لا بد من التكيف مع واقع الحال، الذي لا يجب الانشغال بكيفية تغييره كي لا يتم اقتناص الأفكار الشاردة أيضًا.

الإقامة الجبرية سجن لأمدٍ غير محدود داخل سجن أكبر، على امتداد وطن بأسره، اعتاد مواطنوه/ نزلاؤه تربص مصائد الترصد بكل خطوة يخطونها، متوجسين من مجرد النظر نحو بيت رجل السلطة المعزول، وعيون الحراس تكاد تخترقهم كي تعرف بواطن ما قد يهفو إلى تفكيرهم، لكن حتى أولئك الحراس يتحيرون في صيغة التعامل مع المسؤول السابق والذي كان في مكانة مرموقة تفرض سطوتها على الجميع.

أجواء مخابراتية كان يمكن أن تُشعر القارئ بالسآمة منذ الصفحات الأولى للرواية، لولا طبيعة الشخصيات الساعية إلى اقتناص السعادة البسيطة التي قد يهبها دخول عامل النظافة فلا تدعه العائلة يغادر بسرعة حمل أكياس الزبالة، بل تحاول إغراءه بالبقاء أطول فترة مؤانسة وجه غريب ممكنة، عبر تقديم المأكولات والمشروبات وبعض الثياب التي لم يعد من ضرورة لها لديهم، ففي وحشة السجن تتساوى أهمية الجميع، كما تصير الكثير من الاعتبارات المتعارف عليها بلا معنى، ويصير كل التاريخ النضالي معلقًا بعدة جمل تتناقلها الأفواه وإن كانت بلا معنى، أو مجرد نكتة عابرة لا قدرة لها على الإضحاك طويلًا كي لا تستدعي شيئًا من الريبة بما قد تنطوي عليه من مقاصد.

شخصيات أخرى تناولتها الرواية ضمن أحداث تفرقت بها الأمكنة لكنها تظل تمضي في سرد الأحداث ضمن بودقة واحدة، وبنفس الوتيرة، ووفق ذات أسلوب السخرية المتفجرة بالصرخات الخفية عن الأسماع، مثل رجل الأمن الذي لا يجد مكانًا في أرجاء المدينة كي يختلي بزوجته بعيدًا عن كاميرات المراقبة، وهو على معرفة تامة بأنه غير مستثنى من تلك المراقبة، بل ربما على العكس، إذ أن وظيفته الحساسه تضعه تحت المجهر السلطوي أكثر من سواه في دولة الفرد الواحد، لا النظام الواحد حتى، فلا يجد في النهاية غير الجرائد الملأى بأخبار الإنجازات والانتصارات كي تحتمي بها شهوته وزوجته من العيون المترصدة في كل مكان، ليجسد الموقف ازدواجية السلطة الحاكمة ما بين المواطن والمسؤول من زاوية مختلفة ترسم خطًا محوريًا آخر ضمن سرد لا تفوته فرصة درامية دون استغلالها.

أجواء بوليسية من الخوف والترقب عايشها جيلي منذ الصغر، رصدت أبعادها الرواية ضمن دلالات رمزية معبرة استطاعت أن ترسِخ لها خصوصية في ذهن القارئ رغم رصدها ذات المنظومة الديكاتورية التي جسدها الكاتب الانجليزي جورج أورويل في رواية "1984" والتي أوجدت شاشة كبيرة للمراقبة في كل مكان، تحديًا للخصوصية التي تعد هاجس خطر لأي نظام استبدادي، كذلك عبر التوغل في أعماق الشخصيات المحتجَزة في رهبة جنون التقارير السرية والصادرة عن أقرب المقربين ليضمنوا بقاءهم ضمن المرضي عنهم، ولأطول فترة ممكنة، خاصة أولئك الرفاق الذين حتى لو تكلموا لا ينطقون سوى الصمت، فأي صوت يمكن أن يصدر عنهم لا بد أن يتم اغتياله كي تضاف أسماؤهم إلى قائمة من ضمن سلسلة قوائم لا تتوقف الآلة الديكتاتورية عن إصدارها عبر نشرات تبعث المزيد من الخوف وتفسح حيزًا أكبر للصمت.

رغم كل ما تم تناوله من إرهاصات الجنون، وكل الإحباط الذي تسلل إلى نبض القلوب، وما تشظى عنه من انكسار يعكس هاجس الريبة وبواعث الخوف في بلاد فقدت بوصلة الأمان، إلا أن الرواية تظل منتصرة لذلك الصمت المدوّي في الخفاء، يخاتل الأوامر الصارمة ويسخر من العيون المترصدة كل فعل أو رد فعل، تتوعد بالمزيد من القتل والاعتقال والتهميش والإقامات الجبرية، بينما تتوعد الشخصيات المطارَدة داخل وخارج أوطانها بالمزيد من الاعترافات العصية على الكتمان.

***

أحمد غانم عبد الجليل - كاتب عراقي

17 ـ 11 ـ 2023

.............................

* كتاب "التجربة المرة" من مؤلفات المفكر منيف الرزاز.

في المثقف اليوم