قراءات نقدية

جمعة عبد الله: محاكمة الواقع في رواية (شيء ما في المستنقع) لقصي الشيخ عسكر

المتن الروائي يمتلك براعة في اسلوب التقنية الفنية بالصياغة الفكرية، في الخيال الخلاق، وهو يبتكر اسلوب رواية الخيال العلمي، من تداعيات الزمن الحاضر، تملك دلالة بليغة في خطابها الرمزي المثقل بالمغزى العميق في استلهام اسطورة طوفان (نوح) وسحبها الى الواقع الحاضر، ليدق ناقوس الخطر بالتحذير بالطوفان الثاني القادم، إذا لم يتعظ الواقع من عبر ودروس الطوفان الاول، بهذه النظرة البصيرية الثاقبة، بأن الطوفان الثاني سيكون أكثر فداحة اذا لم تتغير عقلية المجتمع والمتسلطين عليه في عبثهم في في الخراب والحروب، إذا لم يتخلص الواقع من الفنتازيا التي تتحكم به، والحدث السردي في الاتجاه ألاسلوب الخيال العلمي في الرواية  يمتلك وجاهة هادفة في الرؤية البصيرية من مديات الواقع المأزوم، منصات  السردي الروائي اعتمدت السرعة والتكثيف في دراماتيكية الاحداث المتصاعدة نحو الذروة القصوى، وهو يدلل عمق الازمة التي تجتاح الواقع، الذي بمخمط الحقيقة والحرية، وبالتالي يؤديان الى ضياع الواقع والانسان معاً، هذه رمزية المستنقع، وهي رمزية الواقع المقطع الأطراف والأجزاء، ويتحرك بدون عقل أو رأس، هذه الرؤية الفكرية التي اشتغل عليها الأستاذ الروائي قصي الشيخ عسكر في رواية (شيء ما في المستنقع) في أسلوبها الخيالي الخلاق، في احداث تمتلك البعد الاجتماعي والسياسي والنفسي، والغوص في دلالاتها العميقة، والحدث السردي يتطرق الى وجود جثة طافية على سطح المستنقع مقطعة الاجزاء أو بقايا من جثة، بلارأس، وبلا اطراف ويعطيها ابعاد فكرية عميقة الدلالة، والبحث داخل المستنقع لتجميع بقايا الجثة طافية على جرفه، بشكل مختلف عن روايات فرانكشتاين المتنوعة، ليس في تجميع اجزاء من جثث الموتى من المقابر أو من الحوادث العاصفة، من اجل خلق المسخ للقتل والاجرام والانتقام. في هذه الرواية يكون الأمر مختلف جداً بأن هدف تجميع بقايا الجثة لشخص نفسه، ليعيد حقوقه المسلوبة، في الحرية، ليعيد وجه الحقيقة الضائعة في ركام الزمن او في المستنقع الذي يرمز الى الواقع القائم، وشخصية بطل الرواية  يقوم بدور البصير في التنبؤ في الأحداث القادمة، لكنه يتهم بالاجرام والقتل ويقدم إلى المحكمة على جرمٍ لم يقترفه، بما يدلل بأن عدالة القضاء ناقصة مبتورة، كأنها تحاول ان تخلق التهم بشتى انواعها وتفرضها عليه، كأنها تحكم على جندي عائد من الحرب منكسراً ومهزماً ومحبطاً، يحاكم على خيبته واحباطه وانكساره، هذا الواقع المأساوي في الأزمة الانسانية الضاربة في الأعماق الواقع، يرى الامور بالمقلوب ويتهم بالتمرد والخيانة، وبذلك وجوده يشكل خطراً على المجتمع والأمن والنظام، وعليه تقديمه الى المحاكمة، بالتهم، بأنه يختلق الاكاذيب في وسوسة عقول الناس،. وحين يدق ناقوس الخطر بالطوفان القادم، يتهم بالفوضى وتغيير النظام، ويقدم الى المحكمة بقضية اجرام خطير، وتجري المحاكمة بهذا الشكل (الدفاع: يرفع يده معترضاً. سيدي القاضي ارفض ان يوجه الى موكلي سؤال يخص حياته السابقة، حيث كان يعاني من مرض،

الادعاء: لكنك لم تكتفِ بذلك قطعت شجرة قديمة

المتهم: كنت أهيئ نفسي للطوفان

الادعاء: لو كان ما تقوله صحيحاً فلم اخترت شجرة ترجع إلى الطوفان الأول ؟

الدفاع: يرفع يده معترضاً. سيدي القاضي لا يحاسب الإنسان على المصادفات

القاضي: الاعتراض مرفوض) ص80. كما قوبل بعاصفة من الضحك في المحكمة حينما قال المتهم، بأنه كان يبحث عن جثته في المستنقع.

×× مسرح الاحداث والطوفان:

طفل فقد ابيه غرقاً فتولت الام تربيته برعاية حنان الام، وتعليمه على الذكاء والفطنة والبصيرة في الحياة، وكانت قلقة جداً على حياته من العواقب الوخيمة (أخشى ان خرجت ألا تعود ابداً.

- أني ابحث ابحث عن شيء حلمت به ولا اتذكره

قالت يائسة:

- حاول ان تتذكر قبل أن تخرج) ص6. فكانت تناوشه الهواجس، التي تضجع راحته في الحلم واليقظة، لهذا يخرج كل ليلة صوب المستنقع، كأنه يفتش عن شيء مفقود منه، رغم تحذيرات الأم بعدم الذهاب ليلاً الى المستنقع، لكنه يخالف رأي أمه ويصر على الذهاب والتفتيش في ماء المستنقع، يأخذه هاجس الحلم الى المستنقع (جذبه طريق طويل تحف جانبيه اشجار الصفصاف، ثم يلتصق بمستنقع عند أول منعطف، ظل يمشي محاولاً التذكر، غير منتبه الى النقيق وغناء الطيور، كانت أحاسيسه تتمثل في عينيه وهما تتابعان النهر ويخطوان برجليه وسط الأشجار الكثيفة، استوقفه شيء ما بالقرب من الجرف بقعة ضحلة راكدة بدأ الشيء الغامض ثياباً للوهلة الاولى، ثم تبين بعض جثة تطفو في الماء على صدرها) ص6. ثم تبين بقايا جثة بلا رأس، بلا أطراف، وسحبها الجرف، لكن بدأت الحيرة والارتباك تأكل عقله بالهواجس القلقة، كيف وجد بقايا جثة ؟ وكيف عثر عليها ؟ ربما يتهم بالاجرام والقتل، ماذا سيقول الناس عنه ؟ ربما بأنه هو القاتل والمجرم، ماذا سيخلق الانطباع عند الناس بالأقاويل عن إنسان وجد بقايا جثة، وربما تنسحب اقاويل الناس على أمه بالسوء، وخاصة أنها رفضت الزواج بعد موت زوجها غرقاً، وقد تقدم إليها الكثير بطلب الزواج، لكنها كانت تصر بعناد، بحجة رعاية طفلها، يشعر انه في حيرة وتخبط في قراره، كأن الحلم الذي كان يراوده، يجده في اليقظة ماثل أمامه. وعليه ان يقول الحقيقة أمام الناس بدون كذب ومراوغة، ان يكون حذراً في خطواته، حتى لا يقع في مأزق (أتخذ تدابير احتراز بعد أن صنع زورقاً لا يشبه الزوارق الراسية على الجرف، وهدفه ان ينزل الى المستنقع من غير ان يعرفه الاخرين بذلك) ص47. لكنه وقع في المحظور وانتشر خبر بقايا الجثة بين الناس،بعدما سحب الجثة الى غرفته واخفائها، وقدم إلى المحكمة بتهمة القتل والاجرام (القاضي: ماذا تقول في التهمة الموجهة إليك ؟

- الدفاع: سيدي، أن موكلي أصم وأعمى وأبكم

- القاضي: مع ذلك يجب أن لا نتجاوز على الإجراءات التقليدية) ص59. بدأ يشعر بأنه غريب عن المجتمع، والقضاء والنظام، يترصدون به، لايقاعه في الفخ، ولا يمكن تغيير عقلية المجتمع بأنه ليس قاتل، ولم يسمع نصيحة الآخرين بعدم تصادم مع المجتمع (- اسمع ياولدي، حينما كنت في سنك فكرت بالتغيير، فقد كان كل شيء رتيباً، اردت ان احرك الرتابة فاختفيت، كان الخطأ بعدئذ غير متعمد فبدلاً ان تحدث قفزة أصبحت أسطورة ولغز) ص74.

لكن الغرابة في امر بقايا الجثة، انه كلما اكتشف جزء من بقايا الجثة، فقد جزءاً من جسمه.، هو يحاول جاهداً  تمزيق ستارة القضاء والقانون ويكشف الأخطاء الجسيمة ضد الزمن والانسان،فبدلاً من مناقشة رؤيته الفكرية بالطوفان القادم، يتهم بالاجرام وخيانة الوطن، وحتى لو كانت بقايا الجثة هي جثته (الادعاء: ألم يكن تعرف ان اخفاء جثة مهما كانت محظوراً ؟

المتهم: لكنها جثتي

الدفاع: (يرفع يده) سيدي القاضي ما دامت الجثة تابعة له، فلا يحق لاي شخص ان يحاسبه

القاضي: القانون ينص على عموم الجثث، كان على المتهم أن يخبر عنها. الاعتراض مرفوض) ص81. ثم تضاف الى لائحة الاتهامات اشياء اخرى تصب في الاعتراض على القانون والقضاء والنظام، وهو بمثابة التحريض على الدولة في المطالبة بالتغيير (الادعاء: ماهي دوافع خروجك في الليل ؟

- المتهم: كنت ابحث عن جثتي

(ضحك وهرج في القاعة، القاضي يدق بمطرقته)

الادعاء: هل وجدت جثتك ؟

- المتهم: عثرت عليها مجزأة، لا أعرف من قتلني ؟. وكيف سقطت ؟ مع ذلك قبلت حكماً في اليقظة، ونزلت عنه الى حكم النوم، ثم دفنت الجثة في غرفتي) ص82. ويستدعي للمحكمة شهادة الأم لتقول مبررة فعله (- الام: يحاول ان يجمع أشلاء جثته ويفكر بالطوفان) ص84. ثم تستدعي الى المحكمة شهادة إمرأة (الدفاع: هل لكِ ان توضحي الامر ؟.

- المرأة: في البدء عثر على الوسط ثم القدمين واليدين والرأس

- الدفاع: هل تأكدتِ انها جثته ؟

- المرأة: نعم) ص85.

لكن وقع المحظور وما كان ينادي به ويحذر منه، من الطوفان الثاني سيكون أفدح من الطوفان الأول، سيهلك كل شيء، ولم يترك أي شيء لم يصبه الخراب العام، فقد اشتعلت الحرائق والنيران في كل مكان (كان يرى ألسنة النار تلتهم الشبابيك والأشجار الارصنة، الدخان يتصاعد فتنشر في الأفق روائح كريهة) ص91، ولكن بعد الحرائق  تعود جثته اليه، يعود ابيه الغريق الى الحياة، تزوجت أمه بعد ما كانت تصر بعناد على رفض فكرة الزواج، اما هو فكان يجدف إلى عمق المستنقع، منتظراً ان تنحسر النار ويعود من جديد. وهذا يدل بأن الحياة لن تموت مهما طال الزمن، فلابد ان تنبعث مجدداً من رمادها.

***

جمعة عبدالله

في المثقف اليوم