قراءات نقدية

يوسف علوان: هموم وهواجس في قصص: لست أنت لصبيحة شبر

"لست أنت" مجموعة قصصية للقاصة والأديبة صبيحة شبر، صدرت عن دار (ضفاف) للطباعة والنشر والتوزيع / 2012 ضمت 18 قصة قصيرة. وكانت القاصة قد أصدرت مجموعتها القصصية الأولى (التمثال) في الكويت عام 1976، غادرت وطنها العراق عام 1979 بسبب النظام الديكتاتوري في العراق، واصلت الكتابة في الصحف الكويتية بين عامي 1979 – 1986 باسم مستعار (نورا محمد). استقرت بها الأمور في المغرب عام 1986، نشرت القصص في الصحف العربية بين عامي 1986 – 2004، أصدرت مجموعتها القصصية الثانية بعنوان (امرأة سيئة السمعة) من وكالة الصحافة العربية للمطبوعات في جمهورية مصر العربية، صدرت لها المجموعة القصصية الثالثة (لائحة الاتهام تطول) في 2007، التابوت، مجموعة قصصية صدرت عن دار كيان للنشر والتوزيع/ مصر 2008. كرمت من قبل جمعية المترجمين واللغويين العرب في عام 2007. اختيرت افضل كاتبة في المحيط العربي عام 2009.

تثير شخوص قصص وروايات الكاتبة صبيحة شبر، هموم وهواجس المرأة العراقية، فأكثر هذه الشخوص هي لنساء يعانين من أبناء جاحدين، وازواج ظالمين، ومجتمع ينظر لهن بدونية مؤلمة، فهن نساء مستضعفات ينتظرن مصيرهن الذي يفرضه عليهن مجتمعهن، وما يحكم هذا المجتمع من تقاليد بالية تنظر للمرأة كحاجة ضرورية للرجل من حقه ان يرفضها او يستبدلها متى ما شاء. يقول الكاتب ناطق خلوصي : "ان عالم المرأة القاصة الفسيح ينفتح على حزمة من هموم وهواجس ومشاغل وارهاصات ومشاعر خاصة بها، لا يمتلك غيرها القدرة على اختراقها ابداعياً، للتعبير عنها بالشكل الذي يغطي اشكالياتها المختلفة، وبما تمليه أحاسيسها الداخلية، بخلاف ما يفعله القاص الذي يتعامل معها من الخارج عند تناوله لها، فيتجلى في ذلك الفارق في مستوى الصدق في التعبير عنها بينهما". لذلك تجد في قصص الكثير من هذه النماذج التي استطاعت ان تعبر عنها بشكل رائع فهاهي؛ الأم التي تنتظر ان يزورها ابنائها ، رغم نسيانهم لها خلال هذه الفترة الطويلة لكنها تبقى تمني النفس في هذا الأمل وهي التي تضن على نفسها فيما تحتاجه، حتى الدواء الذي يطلب منها الدكتور الذي يعالجها ان تأخذه في أوقاته. وبسبب طلباتهم التي لا تنتهي فتقنع نفسها؛ "صحتي ممتازة، والله وهبني قدرة على الاحتمال وهم احبتي" ص6.

"يوم جميل، جهزت له نفسك، هيأت أطعمة تعرفين ان احبابك يرغبون بها، ذهبت الى أسواق بعيدة، لتوفيرها في هذا اليوم" ص7.

لهفتها لسماعهم يقولون لها "عيد سعيد يا أمي" دفعتها للأهتمام بالبيت وأحضار ما كانوا يودون رؤيته سابقا عندما كانوا يحضرون لرؤيتها في هذه المناسبات. نسيت مرضها وانغمرت في التحضير لهذه المناسبة، تذكرت: "كان المنزل مليئاً بالمحبة، وزوجك باسط ذراعيه الحانيتين، يتغلبان عل أي هفوة من الأبناء غير مقصودة، قد تسبب لك الألم" ص7.

في ساعات الانتظار الثقيلة، تتذكرين سنين عمرك التي قضيتيها من أجل اسعادهم، وكنت تحلمين ان تريهم رجالا سعداء، ها أنت تنتظرين قدومهم، أنهم أولادك، حريصون على هنائك سوف يحضرون ليهنئوك.. "أيامك هانئة أمي" ص9.

"تمضي الساعات، ونظراتك معلقة على النافذة، عل أحدهم يسرع، ليضع حدا لمعاناتك التي لا تنتهي، انت الثكلى وأبناؤك أحياء يرزقون" ص9.

اللغة التي تتسعملها القاصة تزيد من قتامة الصورة التي ترسمها لحياة هذه الأم التي تنتظر ولكن ليس من أمل: "أنت الثكلى وأبناؤك أحياء يرزقون" سخرية التسميات "أبناؤك أحياء يرزقون" وما فائدتهم لها، اذا لم يسألوا عنها في مثل هذا اليوم!!

في القصة التي حملت المجموعة اسمها "لست أنت" صراع مع النفس ليس من أجل أقناعها، بل من أجل خداعها، فـ"لست انت" تأكيد لنفي النفي، أنت لست أنت! محاولة لتحسين صورة شخص ما، ترفضه النفس، لكن بقايا حب يحاول ان يجد له موطئ قدم في حاضر خائب.

ما الذي يجعلنا نتعلق بشخص سافر ونسى أهله وأحبابه وماضيه، سوى الاصرار للتعلق بأمل واهي؛ "خمس سنوات، مرت عليّ كدهر بتعاستها وقسوتها، نسيت كل آلامي ووحدتي وشدة غربتي، طوال سفرك، وفرحت من كل قلبي، لانك عدت بعد السفر والبعاد" ص 83.

محاولة لتكذيب الواقع، والتعلق بأمل لم يعد موجود، لكنها محاولة للعيش على ماضٍ شهدنا موته؛ "أقمع اسئلة عديدة يطرحها عقل ما زال يعمل، قد أجد لك عذرا، انك لم تتصل بي، لكن ما علتك للانقطاع عن شخصين تعبا من أجلك؟" ص 84

خمس سنوات من دون ان يسأل عنها، غير أنها انتظرته، يا لبئس الأنتظار، الذي لم تغيره محاولاتها لاقناع النفس، بعدم معرفتها بالظروف التي كان يعيشها. ولعلها هي السبب الذي تتعلل به لانقطاعه عن السؤال عنها وعن عائلته. رغم محاولة أخيها؛ "هل تطمئنين اليه؟ لقد باع ابوه المنزل البسيط الذي يسكن فيه من أجل ان يبعث له النقود" ص86. ولم يسأل عن والده ولو مرة واحدة. ورغم ذلك فأنها مصرة على العيش من أجل أمل دفن قبل خمس سنين. لكن الأمل يتلاشى حينما ترينه بعد هذا الزمن البعيد: "استقبال بارد، لم أجد أنت بدفئك القديم، مخلوق اخر يشبهك، أناقة مفرطة، تبدو عليك الوجاهة والغنى، لم اشعر أنني خطيبتك، وكيف لي بهذا الشعور وانت لم تتصل بي ابدا" ص87..

لقد اجادت القاصة في تصوير المعاناة التي تعيشها المرأة في حياتها اليومية، فهذه الأم التي تأمل ان يزورها اولادها، ليردوا لها ما اعطته لهم، خلال سنوات عمرها الذي شارف على نهايته في قصة (ابناء أبرار). والمرأة المريضة الذي يخبرها الطبيب انها شفيت غير ان تحليلاتها الأخيرة تكشف لها غير ما اخبرها الطبيب المعالج في قصة (التشخيص). وفي قصة أخرى (التابعة) تصور لنا حالة المرأة الضعيفة البلهاء التي لا شخصية لها. والمرأة التي تتقبل نسيان حبيبها لها وتبرره في القصة (لست أنت).

***

قراءة: يوسف علوان

في المثقف اليوم