عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: الشِّعر في مواجهة الأيديولوجيا

دفاعٌ عن حرية الخيال

منذ أن وُجد الشِّعر بوصفه أرقى تجليات اللغة الإنسانية، وهو يمارس فعلَ الانعتاق قبل أن يمارس فعلَ الوصف، ويؤسّس للحرية قبل أن يؤسّس للأجوبة. فالشاعر الحقيقي لا يكتب من داخل الأسوار، بل من شرفات الاحتمال؛ ولا ينصت إلى الأوامر الجاهزة بقدر ما ينصت إلى ذلك النداء الغامض الصاعد من أعماق الوجود. ولذلك ظلّ الشِّعر، عبر تاريخه الطويل، قوةً متمرّدة على كل أشكال التدجين الفكري، ومجالاً رحباً لمقاومة تحويل الإنسان إلى وظيفة أيديولوجية أو رقمٍ في آلة الجماعة.

لقد تعرّض الشِّعر، في مراحل عديدة من التاريخ، لمحاولات متكررة لإخضاعه لمفاهيم الالتزام الصارمة، حتى بدا وكأنه مطالب بأن يتحول إلى منشور سياسي أو خطاب تعبوي أو بيان عقائدي. غير أنّ هذا الفهم يختزل جوهر الشعر ويجرده من وظيفته الأعمق؛ إذ إنّ القصيدة ليست بياناً حزبياً، وليست وثيقةً تنظيمية، بل هي فعلُ كشفٍ للإنسان في هشاشته وعظمته معاً.

حين كتب الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر أن «الشعر هو تأسيس الوجود بالكلمة»، كان يشير إلى تلك الطاقة الكاشفة التي تجعل اللغة تتجاوز وظيفتها الإخبارية نحو أفق الوجود ذاته. فالشاعر لا يقدّم أجوبة نهائية، بل يفتح النوافذ أمام الأسئلة الكبرى؛ ولذلك فإن الشعر يظلّ بطبيعته عصيّاً على الاحتواء الأيديولوجي، لأن الأيديولوجيا تبحث عن اليقين، بينما يبحث الشعر عن الدهشة.

لقد حذّر الناقد الفرنسي رولان بارت من كل خطاب يدّعي امتلاك المعنى النهائي، لأن اللغة نفسها فضاءٌ للتعدد والانفتاح. ومن هذا المنظور يصبح الشعر فعلاً مضاداً لكل سلطة ترغب في احتكار الحقيقة. فالقصيدة العظيمة لا تقول للقارئ ماذا يفكر، بل تدعوه إلى أن يفكر بنفسه؛ لا تقوده إلى العقيدة، بل إلى الحرية.

ومن هنا يمكن فهم اعتراض عدد من كبار الشعراء والمفكرين على مفهوم «الالتزام» عندما يتحول إلى قيدٍ جمالي. فالشاعر الفرنسي بول فاليري كان يرى أن الشعر يبدأ حيث تنتهي المنفعة المباشرة. أما أوكتافيو باث فقد اعتبر الشعر شكلاً من أشكال الحرية المطلقة، لأن القصيدة تخلق عالماً لا يخضع لقوانين السوق أو السلطة أو المؤسسة.

إنّ أسطرة الالتزام تنبع من وهمٍ قديم مفاده أن قيمة الأدب تُقاس بمدى خدمته لقضية خارجية. غير أنّ التجربة الإنسانية تثبت أن أعظم الأعمال الأدبية لم تخلد لأنها رفعت شعاراً سياسياً، بل لأنها استطاعت أن تنفذ إلى جوهر الإنسان. فمآسي شكسبير لا تزال حية لأنها تكشف طبيعة السلطة والطموح والخوف والحب، لا لأنها انحازت إلى حزب أو عقيدة. وروايات دوستويفسكي باقية لأنها حفرت في أعماق النفس البشرية، لا لأنها قدّمت برنامجاً سياسياً.

لقد أدرك العديد من النقاد هذه الحقيقة حين رأوا أن الشاعر ليس موظفاً لدى المجتمع، بل هو قوة نقدية تزعزع المسلّمات وتعيد مساءلة البداهات. فالشاعر، وفق هذا التصور، ليس بوقاً للجماعة، وإنما ضميرها القلق. إنه الكائن الذي يقف دائماً في المسافة الحرجة بين الواقع والحلم، بين الممكن والقائم، بين السلطة والحقيقة.

والحق أن أخطر ما يمكن أن يصيب الشعر هو أدلجة الخيال. فالخيال هو المملكة الأخيرة للحرية الإنسانية، وحين يُخضع لمنطق العقيدة الجامدة يفقد قدرته على الابتكار. وقد تنبّه الفيلسوف هربرت ماركوزه إلى هذه المسألة حين رأى أن المخيلة تمتلك وظيفة تحررية لأنها تكسر حدود الواقع المفروض وتفتح أفقاً لعالمٍ آخر أكثر إنسانية.

إنّ الأيديولوجيا بطبيعتها تسعى إلى التنظيم والتصنيف والتحديد، بينما يقوم الخيال على الاختراق والتجاوز والتحويل. ولهذا تبدو العلاقة بينهما علاقة توتر دائم. فحين تنتصر الأيديولوجيا تموت المجازات، وحين يزدهر الخيال تستعيد اللغة قدرتها على الخلق.

ولعلّ الشاعر التشيلي بابلو نيرودا، على الرغم من انخراطه السياسي، قدّم نموذجاً دالاً على هذا التوتر؛ إذ إن أجمل قصائده ليست تلك التي كرّست شعارات مباشرة، بل تلك التي احتفت بالحب والبحر والإنسان والطبيعة. فالفن لا يخلد بقدر ما يكون خطاباً، بل بقدر ما يكون كشفاً جمالياً.

ومن هنا فإن الدفاع عن الشعر بوصفه انعتاقاً لا يعني الدعوة إلى العزلة أو الهروب من قضايا الإنسان، بل يعني رفض تحويل القصيدة إلى أداة دعائية. فالشاعر يستطيع أن يكون منحازاً للعدالة والحرية والكرامة، لكن انحيازه الحقيقي يتحقق عبر الإبداع لا عبر التلقين، وعبر الرؤية لا عبر الشعارات.

لقد قال محمود درويش يوماً إن القصيدة ليست بياناً سياسياً، وإن الشعر كلما اقترب من المباشرة خسر جزءاً من شعريته. وهذه الرؤية تنسجم مع الفهم العميق لوظيفة الفن بوصفه مساحة للمعنى المفتوح، لا ساحة للحقائق المغلقة.

إنّ الشعر العظيم لا يحرّر الإنسان من سلطة سياسية فحسب، بل يحرّره أيضاً من سجن اللغة الجاهزة، ومن العبارات المستهلكة، ومن الصور النمطية التي تفرضها الثقافة السائدة. إنه تمرين دائم على إعادة اكتشاف العالم. ولذلك كان الشاعر، في مختلف الحضارات، أقرب إلى الرائي منه إلى الخطيب، وأقرب إلى الحالم منه إلى الموظف.

وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأيديولوجيات وتتناسل اليقينيات المغلقة، تبدو الحاجة إلى الشعر أشدّ من أي وقت مضى. فالشعر ليس ترفاً لغوياً ولا زينةً ثقافية، بل ضرورة وجودية؛ لأنه يحمي الإنسان من التحول إلى كائن أحادي البعد، ويذكّره بأن الحقيقة أوسع من كل العقائد، وأن الجمال أرحب من كل المؤسسات، وأن الحرية تبدأ دائماً من المخيلة.

وهكذا يظل الشعر، في جوهره العميق، فعلَ مقاومةٍ ضد كل أشكال الأسر؛ مقاومةً للسلطة حين تتغول، وللأيديولوجيا حين تتجمد، ولليقين حين يتحول إلى سجن. إنه انعتاق اللغة من وظيفتها النفعية، وانعتاق الإنسان من اختزاله في هوية واحدة أو فكرة واحدة أو حقيقة واحدة. فحيث تنتهي الأدلجة يبدأ الشعر، وحيث تُغلق العقائد أبوابها تفتح القصيدة نوافذها على المجهول، ليبقى الخيال آخرَ معاقل الحرية، وأجملَ ما في الإنسان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين