دراسات وبحوث

منهجية الإمام السيوطي في البحث اللغوي.. أصل اللغة نموذجا

1- المشكلة: الخلاف حول كفاءة الإمام السيوطي وأمانته العلمية:

لم يقع الخلاف ولم يُثَر الجدل حول واحد من كبار علماء المسلمين كما حصل ذلك بشأن الإمام جلال الدين السيوطي (841-912 هـ / 1445-1505 م). فقد دار الجدل بين معاصريه وانقسموا بين أنصار يشيدون به ويمجدونه، وخصوم يحملون عليه ويتحاملون. وظلت دائرة الخلاف والجدل تتسع وتستمر وتدور مثل كرة الثلج دون قرار حتى يومنا هذا. ولم يتناول الجدل كفاءة السيوطي الفكرية وتمكُّنه من أدوات البحث الموضوعي فحسب، وإنَّما انصبَّ كذلك على أمانته العلمية.

فمن ناحية، نجد كثيرا من العلماء مَن عدّ َ السيوطي أكبرَ علماء المسلمين في مختلف العصور، فلم تبلغ مؤلفات عالم مسلم ما بلغته مؤلَّفات السيوطي من حيث عددها (1)، وشهرتها وانتشارها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. ومما يذكر في هذا الصدد أنَّ أحد المكتبيّين المعاصرين ألَّف كتابا يضم ُّأمهات كتب التراث العربي ويعرّف بها، فكان لمؤلفات السيوطي، قصب السبق المعلى إذ بلغت 900 تسع مئة كتاب في حين لم يتجاوز ما لغيره من عظماء المؤلفين أربعة كتب لا غير(2).

وإذا عدنا إلى الإمام السيوطي نفسه وجدنا أنه يفخر بسعة علمه وتضلعه في مختلف أصناف العلوم، ويقول:

"ولو شئت أن اكتب في كل مسألة مصنفا لها بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية، ومداركها ونقوضها وأجوبتها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل الله(3) ".

بل يذهب أبعد من ذلك ويرجو لنفسه أن يكون المبعوث على المئة التاسعة لأنه أفضل علمائها، إذ يقول:

"إني ترجيت من نِعم الله وفضله، كما ترجىّ الغزالي لنفسه، أني المبعوث على هذه المئة التاسعة لانفرادي عليها بالتبحُّر في أنواع العلوم" (4).

وقد درج الإمام السيوطي أن يذكر في مقدِّمة كثيرٍ من كتبه أَنَّه ابتكر هذا الضرب من التأليف ولم يُسبَق إليه، فيقول في مقدمة "المزهر في علوم اللغة":

"هذا علم شريف، ابتكرتُ ترتيبه، واخترعتُ تنويعه وتبويبه،.. ولم يسبقني إليه سابقٌ، ولا طرقَ سبيله قبلي طارق.." (5).

ومن ناحية أخرى، نجد أنَّ ثلّةً من العلماء المعاصرين للسيوطي عدّته مجرَّد منتحلٍ يختلس أعمال شيوخه في غفلة من الآخرين ويعزوها إلى نفسه مع تغيير يسير وتبديل ضئيل، ومنهم من حسبه سارقا يسطو على مجهودات غيره ويضيفها إلى ما سرقه من الآخرين في دارٍ ليس له فيها سوى الجدار. وفي هذا يقول أكبر مناوئيه، المؤرِّخ الحافظ شمس الدين السخاوي (831 ـ 902هـ) عنه:

"أخذ من كتب (مكتبة المدرسة) المحمودية وغيرها، كثيراً من التصانيف التي لا عهد لكثيرٍ من العصريين بها، فغيّر فيها يسيرا، وقدّم وأخّر، وهوّل في مقدِّماتها بما يتوهَّم منه الجاهل شيئا" (6).

ويقول محققو كتاب (الأشباه والنظائر في النحو) للسيوطي:

"ولكن مما يؤخذ على السيوطي شدّة مباهاته بمؤلَّفاته، وحدّة ادعائه التي كثيرا ما تبلغ حدَّ التبجُّح كما فعل مثلا في مقدمة كتابه (الاقتراح في علم أصول النحو) عندما زعم أن كتابه لم تسمح قريحة بمثاله، ولم ينسج ناسج على منواله، في علم لم يسبق أحد إلى ترتيبه، مع أن كتابه قد تضمّن كتابي ابن الأنباري (لمع الأدلة) و (الإغراب في جدل الأعراب) إذ نقل عن (لمع الأدلة) ثمانية عشر فصلا من أصل ثلاثين، إضافة إلى ما نقله عن (الخصائص) لابن جني" (7).

وأمام هذه المعطيات المتناقضة في فحواها المتضاربة في مدلولها، يجد الدارس نفسه في حيرةٍ كبيرة، ويتساءل بإلحافٍ محقٍّ: هل كان الإمام السيوطي متمكِّنا من أدوات بحثه أم ناقلاً عن غيره فحسب؟

2- هدف الدراسة وحدودها:

ترمى هذه الدراسة إلى الإجابة على السؤال المطروح وتزويد القارئ بمؤشِّراتٍ تساعده على حلِّ المشكلة القائمة. ولكي نتأكَّد من صحة دعاوي أنصار السيوطي ومزاعم مناوئيه بصورةٍ موضوعيةٍ، سنعمد إلى فحص إحدى القضايا الرئيسية التي عالجها السيوطي في أحد مصنفاته الذائعة الصيت، واستخلاص منهجيته في البحث للوصول إلى الإجابة على أسئلة محددة هي:

1- هل كان السيوطي متضلعا في المادَّة العلمية التي يعالجها، ملماً بمختلف أبعادها وجوانبها؟

2- وهل كان السيوطي مبتكرا مبدعا في تأليفه أو مجرَّد سارقٍ أو منتحلٍ لأعمال غيره و مجهوداتهم؟

والقضية التي وقع اختيارنا عليها هي (أصل اللغة) التي تشكِّل الفصل الأول من كتاب السيوطي (المزهر في علوم اللغة) (8) وتحمل عنوان (معرفة الصحيح ويقال له الثابت والمحفوظ: المسألة الثانية: في بيان واضع اللغة: أتوقيف هي ووحي، أم اصطلاح وتواطؤ؟).

ويرجع اختيارنا لهذا الموضوع إلى عدة اعتبارات تتعلَّق بالمؤلِّف والمؤلَّف والموضوع. فعلى الرغم من أنَّ السيوطي عالم مشارك، أو بَاحث موسوعي، كما نقول اليوم، صنّف في مختلف الميادين العلمية بما في ذلك الطب والزلازل(9)، فقد تفوّق في علمين أساسيين هما: علوم اللغة وعلوم الشريعة (10). ولا شك أنَّ علوم اللغة تشكِّل مقدِّمة لازمة لعلوم الشريعة. ويُذكَر أنَّ أوَّل إجازةٍ له في السنة السابعة عشرة من عمره كانت بتدريس اللغة العربية. وإذا ألقينا نظرةً سريعة على أشهر كتبه التي حظيت بإقبال الجمهور عليها، وازدانت بتعدُّد طبعاتها نجد أنَّ معظمها في ميدان علوم اللغة، مثل: المزهر في علوم اللغة، والأشباه والنظائر، والاقتراح في علم أصول النحو، وهمع الهوامع، وبغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة. من ذلك كلِّه، يمكننا أن نطمئن إلى القول إنَّ تخصُّص السيوطي الرئيسي يتعلّق بعلوم اللغة.

هذا من ناحية المؤلِّف، أما من ناحية المؤلَّف، فقد وقع اختيارنا على كتابه (المزهر في علوم اللغة) لتلمُّس منهجية السيوطي في البحث، لأنَّ هذا الكتاب وهو أشهر مصنفاته على الإطلاق، باتفاق جميع دارسي السيوطي. أمّا الموضوع الذي اخترناه من بين موضوعات هذا الكتاب فليس لأنَّه أوَّلها فحسب ولكنَّه كذلك من الأساسيات، أو كما يسميه السيوطي ب "الثابت والمحفوظ". وتدلنا الدراسات المستقبلية المعاصرة على أنَّ معرفة أصل الشيء وماضيه تساعدنا على فهم حاضره والتنبؤ بتوجهاته في المستقبل. فإدراكنا لأصل اللغة وطبيعتها يساعدنا على اختيار أسلوب التعامل مع هذه الظاهرة بشتى جوانبها الصوتية والتركيبية والدلالية.

3 - لماذا البحث في أصل اللغة؟

اللغة والفكر وجهان لقطعة واحدة، تتشكَّل من أمثالها عمليةُ الاتصال والتواصل، والتلازم بين الوجهين ضرورة حتمية لإتمام عملية الاتصال والتواصل تلك. وهذا الارتباط بين اللغة والفكر يجعل من اليسير علينا فهم أحدهما إذا توصَّلنا إلى فهم العنصر الآخر. ولما كان فهم الفكر غير الملموس عسيراً، توجَّه اهتمامُ كثيرٍ من الباحثين إلى فهم اللغة المسموعة المحسوسة سبيلاً إلى إدراك كنه الفكر. وإضافة إلى ذلك، فإنَّ التأثير متبادلٌ بين الفكر واللغة. فإذا كان الفكر يشكِّل مادَّةَ عملية الاتصال ومضمونها، فإنَّ اللغة هي الوعاء الذي تُصَبُّ فيه تلك المادَّة. ولا بدَّ من أن تتأثَّر المادَّة في وضعها الأخير بشكل الوعاء الذي يستوعبها وبقوالبه التي تضمُّها. ومن هنا يكاد يتَّفق الباحثون في فلسفة اللغة على تأثير التراكيب اللغوية في البنية الفكرية. ولهذا كلِّه، فإنَّ البحث في أصل اللغة وطبيعتها وكيفية أدائها لوظيفتها، يساعدنا على فهـم التفكير الإنساني ونموّه وطرائقه وتوجهاته.

ومن جهة ثانية، فإنَّ الثقافة التي يمكن النظر إليها على أنَّها أنماط متوارثة متراكمة من السلوك الإنساني، لا يمكن أن تبرز إلى الوجود ما لم يسبقها ظهور لغة تسهِّل إشاعتها بين أفراد الجماعة وتيسِّر نقلها من جيل إلى جيل وتعمل على تراكمها الكمي والنوعي. ولهذا فإن معرفتنا بأصل اللغة وتطورها، ضرورةٌ لازمةٌ لمعرفتنا لنشأة الثقافة ونموّها في المجتمعات الإنسانية.

وإذا ما علمنا أنَّ اللغة قديمةٌ قدمَ الإنسان، وأنَّها الخاصية الوحيدة التي تميِّز الإنسان عن باقي الحيوان على الصعيد البيولوجي، تأكَّد لنا أنَّ معرفتنا لماهية اللغة وأصلها ضرورةٌ من ضرورات البحث في ماهيةِ الإنسان نفسه. ولهذا السبب نجد أنَّ علم اللغة الحديث في الغرب قد تطوَّر كثيراً على أيدي علماء الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) الذين كانوا ينكبّون على دراسة الإنسان أوَّلاً وبالذات.

وخلاصة القول، إنَّ معرفة أصل اللغة وطبيعتها تساعدنا كثيرا على فهم الإنسان: ذاته وفكره وثقافته. وعليه فإنَّ مسألة (أصل اللغة) تحتلُّ مكانةً خاصَّةً في الدراسات الإنسانية.

4- أصل اللغة في الأدبيات الغربية:

للوقوف على جهود اللغويّين العرب المسلمين، وسمو أفكارهم المتعلِّقة بمبحث أصل اللغة كما عرضه السيوطي، ينبغي التعرُّف على موقف العِلم الحديث في الغرب من هذه المسألة وما توصل إليه من نتائج. وعلى الرغم من أنه لا مجال للمقارنة بسبب الفارق الزمني الشاسع الذي ينيف على اثني عشر قرناً، سيتبيَّن لنا أنَّ اللسانيّين المسلمين بلغوا شأوا عاليا في دراسة الموضوع.

وقبل عرض وجهة النظر الغربية المعاصرة في أصل اللغة، ينبغي الإشارة إلى أنَّ الاهتمام بدرس هذه المسالة بصورة موضوعية علمية في الغرب نشأ في القرن التاسع عشر الذي شهد حركة البحث العلمي والثورة الصناعية في أوربا. ومما شجَّع اللسانيّين الغربيّين على البحث عن أصل اللغة، النظريات التي توصَّل إليها اثنان من علماء التاريخ الطبيعي البريطانيين عن أصل الإنسان هما: تشارلس روبرت دارون (1809-1882) صاحب نظرية التطوُّر والارتقاء عن طريق الانتخاب الطبيعي التي بسطها في كتابه (أصل الأنواع) (11) الذي صدر في لندن عام 1859 وألفريد رسل والاس (1823-1913 ) الذي توصل مستقلا إلى نظرية شبيهة بنظرية دارون ونشرها في وقت واحد تقريبا، عام 1858 ، علما بأنَّ هذه النظريات قد ثبت بطلانها علمياً في وقت لاحق.

وكان من الذين اهتموا بموضوع أصل اللغة العالم اللغوي المستشرق الألماني ماكس مولر (1823-1900)، ابن الشاعر الغنائي الألماني فلهلم ماكس مولر. وكان مولر الابن قد انتقل إلى بريطانيا واستقر فيها وألقى سلسلة من المحاضرات عن علم اللغة في جامعة اكسفورد في الفترة من 1861-1863. كما لقي موضوعُ أصل اللغة اهتماماً من قبل المفكر الفرنسي ارنـســت ريــنــان (1823-1892)(12) واللغوي الأمريكي وليم دوايت وتني (1827-1894)(13)، واللغوي الدنماركي يسبرسن (1860-1943)(14).

4-1 صعوبات البحث في أصل اللغة:

للوصول إلى معرفة علمية تتناول أصل اللغة، طرق الباحثون الغربيون ثلاثةَ أبوابٍ رئيسيةٍ هي: علم الآثار، وعلم الإنسان (الأنثربولرجيا)، وعلم اللغة. ولكنَّ أيّاً منها لم يُفضِ إلى المعرفة المنشودة.

يُعدُّ علم الآثار أحد الوسائل الرئيسية في التوفُّر على المعلومات عن الإنسان وبيئته ونشاطه في عصور ما قبل التاريخ، وذلك بدراسة الآثار المتبقية من رفات الإنسان، (جمجمته وهيكله وعظامه، الخ) وأدواته الخ. وإذا كان علم الآثار قد أفادنا جدا في التعرُّف على تطور الكتابة واللغات المكتوبة حيث استقى المعلومات من السجلات المكتوبة على الحجر أو الطين أو البردي أو المواد الأخرى، فإنَّه وقف عاجزاً عن تطوُّر اللغة المنطوقة. واللغة- كما هو معروف- تعني الكلام؛ وما الكتابة إلا تصويرٌ للكلام الذي ُّسبق الكتابة بآلاف السنين. فاللغة قديمةٌ جداً وجدت بوجود الإنسان، أمّا الكتابة فلا يتجاوز عمرها بضعة آلاف من السنين. ولما كانت اللغة المنطوقة لم تترك أثرا مادّيا يمكِّن العلماء من دراسته والتوصُّل إلى استنتاجات علمية، فإنَّ علم الآثار يقف عاجزا عن إمدادنا بالمعلومات حول تطوُّر لغة الإنسان قبل اختراع الكتابة.

وظنَّ علماء الإنسان (علماء الأنثروبولوجيا) أنَّ لغات المجتمعات البدائية ستكون هي الأخرى في حالةٍ بدائية، وإذّاك سيجرى هؤلاء العلماء دراسةً مقارنةً بين هذه اللغات البدائية واللغات المتطوِّرة، ليقفوا على كيفية تطوُّر اللغة وتوجُّهاته. غير أنَّ بحثهم دلَّهم على أنَّ لغات الشعوب البدائية ليست في حالة بدائية بل لا تقلُّ تطوُّراً عن لغات الحضارات الكبرى. ونتيجة لذلك، تأكَّد لعلماء الأنثروبولوجيا أنَّ هذه السبيل لا تؤدّي إلى النتيجة المطلوبة.

وفي القرن التاسع عشر طوّر علماء اللغة منهجيةً تاريخيةً لدراسة التطوُّر اللغوي على غرار منهجيات علماء التاريخ الطبيعي الخاصَّة بتطوُّر الأحياءِ وأصل الإنسان. وبفضل تلك المنهجية استطاع اللسانيّون أن يتوصلوا مثلا إلى وجود قرابة بين معظم لغات أوربا والشرق الأدنى وشمال القارة الهندية لدرجة تدعو إلى القول إنَّ هذه اللغات قد انحدرت من لغة قديمة لم تعُد على قيد الحياة، واستطاعوا إعادة تركيب تلك اللغة الأمّ. وأدّى نجاح هذه المنهجية إلى اعتقاد عددٍ من اللغويّين أنَّ باستطاعتهم التوصُّل إلى اللغة أو اللغات البدائية التي تطوَّرت منها لغاتنا الحية بالطريقة نفسها. ولكنَّ البحث الموضوعي دلَّ على عدمِ ملاءمةِ منهجيةِ إعادةِ البناء اللسانية لهدف التوصل إلى أصل اللغة(15).

4-2 النظريات الغربية حول أصول اللغة خلال القرن التاسع عشر:

إنَّ فشل الباحثين الغربيين في التوصُّل إلى معرفة أصل اللغة عن طريق علم الآثار أو علم الأنثروبولوجيا أو علم اللغة، جعلهم يلجؤون إلى أنواع من الحدس والتخمين والافتراض قائمة على التأمُّل والخيال والظن لوضع نظريات عن طبيعة اللغة وأصواتها. ونتيجة لذلك ظهرت نظريات متعددة حول أصل اللغة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين هي أقرب إلى الخيال منها إلى العِلم. وفي طليعة هذه النظريات أربعٌ أطلقت عليها أسماء ساخرة إشارة إلى عدم علميّتها وموضوعيّتها (16):

(1) نظرية الباو واو Bow-wow

زعم بعض الباحثين أنَّ اللغة نشأت نتيجة لمحاولات الإنسان البدائي محاكاة أصوات الطبيعة وأصوات الحيوانات، كما هو الحال عندما يسمي الطفل الكلب (عوعو) أو القطة (ميو ميو) أو العنزة (ماء ماء). ولا بدَّ أنَّ تلك المحاكاة كانت وراء عددٍ معيَّنٍ من الألفاظ، ولكن يصعب تطبيق هذه النظرية على اللغة برمتها. لأن ألفاظ المحاكاة تتأثَّر بالنظام الصوتي لكلِّ لغة، فبينما يسمع الطفل العربي نباح الكلب على نحو (عَو عَو) يسمعه الطفل الإنجليزي على أنه (باو واو) ومن هنا جاء اسم هذه النظرية.

(2) نظرية البوه بوه Pooh-pooh:

وزعم باحثون آخرون إنَّ صرخات الإنسان البدائي الغريزية التي يُطلقها بصورةٍ لا إرادية عند شعوره بالألم أو الفرح أو الحزن أو غيره من الانفعالات مثل (آه) و (أوه)، هي التي تطوَّرت تدريجيا إلى لغةٍ متكاملة. وقد أيَّدَ اللغوي الأمريكي (وليم دوايت وتني) هذه النظرية في كتابه المشهور عن حياة اللغة ونموها وعلل ذلك بأن رغبة الإنسان البدائي العارمة في التواصل هي التي ساعدته على تحويل الأصوات الغريزية إلى وحدات لغوية. وينتقد وتني نظرية المحاكاة السالفة الذكر لأننا إذا نظرنا إلى الكلمات التي وُضعت نتيجةَ المحاكاة في عدد من اللغات نجد أنها تخـتلف من لغة إلى لغة لتأثرها بالنظام الصوتي لكلِّ لغة (17).

(3) نظرية الدِّنغ دونغ Ding-dong

وتكتسي هذه النظرية جلبابا يبدو علميا أو فلسفيا في ظاهره، وأوَّل مَن عرض هذه النظرية بالتفصيل في الغرب الشاعر والفيلسوف الألماني جوهان هردر (1744-1803) في كتابه الذي نشره عام 1772 تحت عنوان (بحوث في نشأة اللغة)، وقد وجدت في ماكس مولر مدافعاً صلباً عنها. وتزعم هذه النظرية أنَّ الإنسان مزوَّدٌ بغريزة التعبير الطبيعي عن الانفعالات وأن الأصوات اللاإرادية التي أطلقها الإنسان البدائي كردِّ فعلٍ لتأثير الظواهر الطبيعية عليه، هي التي أصبحت بمرور الزمن تدلُّ على تلك الظواهر الطبيعية أو الأفعال التي أدَّت إلى انبعاثها.

(4) نظرية الغو غو Goo-goo

وتدَّعي هذه النظرية أنَّ لغة الإنسان تطوَّرت من صرخات الإنسان البدائي الشبيهة بصيحات الحيوانات، وتطورت من كلِّ صيحة من تلك الصيحات ألفاظٌ تعبر عن معانٍ مختلفةٍ متقاربةٍ، كما يُشتَقُّ من الجذر الثلاثي ألفاظٌ عديدةٌ لمعانٍ مختلفة(18).

وعلى الرغم من إدراك الباحثين أنَّ الوصول إلى معرفةٍ يقينيةٍ حول أصل اللغة ضربٌ من ضروب المستحيل، وعلى الرغم من تأكُّدهم من أنَّ النظريات التي وضعت عن أصل اللغة هي مجرَّد تمرينات في التأمُّل والخيال، فإنَّ علماء اللغة والأنثروبولوجيا استمروا في الكتابة عن الموضوع.

4-3 النظريات الغربية عن أصل اللغة في القرن العشرين:

تأثَّرَ البحث عن أصل اللغة في الغرب بنظريات النشوء والتطور خلال القرن العشرين. ومن أهم النظريات حول أصل اللغة ما يلي:

4-3 -1 أصل اللغة وتطور لغة الطفل:

اتَّخذ كثيرٌ من الباحثين تطوُّر لغة الطفل أساساً لنظرياتهم حول أصل لغة الإنسان وتطوُّرها. فقالوا إنَّ الطفل يبدأ بادئ ذي بدء بإطلاق صراخ وأصوات مبهمة، وفي مرحلة لاحقة تكثر لديه أصوات المد (اللين)، وبعد ذلك يبلغ مرحلة التقليد اللغوي. وهكذا فإنَّ تطوُّر اللغة مرّ بثلاث مراحل: مرحلة الصراخ المعبِّر عن الانفعالات كالضحك والبكاء، ثمَّ ظهرت أصوات اللين في اللغة الإنسانية، ثمَّ ظهرت المقاطع التي تشتملُ على الأصوات الساكنة وأصوات اللين في آنٍ واحد، وبعدها برزت الكلمات المكوَّنة من المقاطع، وبعد ذلك ظهرت مرحلةُ الوضع والاصطلاح التي تمثِّل آخر مرحلة من مراحل النمو اللغوي وفيها يضع الإنسان عن وعي مفرداتٍ وتعابيرَ تعكس ما يستجدُّ من تجارب في حياته وما يبتكر من مخترعاتٍ في بيئته (19).

4-3 -2 نظرية تريكر:

في منتصف القرن العشرين كتب اللغوي الأمريكي تريكر مادة (اللغة) في الموسوعة البريطانية، وخصّ موضوع أصل اللغة بفقرة من المادَّة أكَّد في بدايتها جهل علماء اللغة بأصلها، وعدم اتفاقهم على الافتراضات الموجودة. ويتقدَّم هو نفسه بافتراضٍ يشارك فيِه القائلين بالتطوُّر اللغوي على غرار نظرية النشوء والارتقاء لدارون. فيقول بوجود كائنات بشرية بدائية قبل مليون أو مليون ونصف المليون سنة. وكانت تلك الكائنات لا تعرف الكلام، وقد تطورت بعد ذلك فأخذت تستعمل أدوات بسيطة، كالعصي مثلا، لدفع أو سحب الأشياء، والأحجار بمثابة أسلحة، كما تفعل القردة اليوم). وبعد ذلك، وفي مكان أو أكثر خطر ببالِ فردٍ أو عدّة أفراد من تلك الكائنات تمييز فعل من الأفعال أو حجر من الأحجار أو موضع من المواضع بأصواتٍ متعاقبة، وقد تكرَّرت تلك الأصوات دون تغييرٍ في كلِّ مرَّةٍ، حتّى أخذت بقية أفراد المجموعة تتعرّف عليها بوصفها رموز للتواصل.

ولكن تريكر يقدم ذلك على أنَّه تصوُّر ممكن لنشوء اللغة على ذلك النحو، ولكنَّه يضيف أنَّه ما من أحد يستطع أن يجزم متى حصل ذلك، أو كم مرَّة حصل، أو إذا كان قد حصل على الإطلاق (20).

4-3 -3 نظرية هوكت وآشر:

في عام 1964 نشر الباحثان الأمريكيان هوكت وآشر مقالاً بعنوان "الثورة الإنسانية" في مجلة (الأنثروبولوجيا المعاصرة) الأمريكية (21). وقد هلَّل كثير من الدارسين بها ووصفوها بأنّها نظريةٌ علميةٌ موضوعيةٌ عن أصل اللغة. وتنبني هذه النظرية أساساً على ثلاثة أنواع من المعطيات والنظريات:

أولها، نظريات علماء التاريخ الطبيعي عن أصل الإنسان،

وثانيها، التحليل اللساني الحديث للغةِ الإنسان،

وثالثها، ما توصَّل إليه الباحثون من وصفٍ لنظام الاتِّصال الحيواني (أو بعبارة أخرى: لغة الحيوان).

وسنرى فيما بعد أنَّ النظرية قامت على بعض المعطيات العلمية والموضوعية ولكنَّها توصَّلت إلى استنتاجات تمتُّ بصلةٍ إلى الخيال والافتراض أكثر من صلتها بتلك المعطيات العلمية، وبعبارة أخرى أن النظرية تشتمل على حلقات مفقودة. َّ

ينطلق هوكت وآشر من نظرية التطور والارتقاء ويتخذانها أساساً لنظريتهما في التطوُّر اللغوي. إذ إن بعض علماء الآثار والتاريخ الطبيعي الغربيّين يدعون أنَّ تنقيباتهم في مناطق مختلفة في آسيا وأفريقيا دلَّتهم على أنَّ نوعاً من الكائنات الشبيهة بالإنسان سموه (OMINOID) قد وجِد قبل مليوني سنة، وكانت هذه الكائنات تختلف عن الإنسان الحديث في بعض الصفات مثل حجم المخ، ومع ذلك فقد كانت أكثر تقدُّما من القردة الموجودة حاليا. وأخذت تلك الكائنات في التطوُّر حتّى ظهر نوعٌ أفضل منها قبل مليون سنة أطلقوا عليه (HOMINID)؛ ومع هذا النوع ظهرت بعض أنماط السلوك المتداولة القابلة للتراكم التي يمكن أن تسمح، بـ "ثقافة". وكان هذا النوع من الكائنات القريبة من الإنسان يستخدم نظامَ اتصالٍ أقرب إلى صيحات الحيوان منه إلى لغة الإنسان.

وبعد أن يقبل هوكت وآشر هذا الفرض القائل إنَّ لغة تلك الكائنات البشرية كانت مثل صيحات الحيوان، وأنَّها تطوَّرت تدريجياً إلى لغة الإنسان الحاضر، يقرّران أنَّ معرفة هذا التطوُّر يجب أن تنبني على مقارنة صيحات الحيوان بلغة الإنسان، ومعرفة الفروق الأساسية بينهما؛ ثمَّ وضع نظرية تبيَّن لنا كيف تطوَّرت تلك الصيحات الحيوانية إلى لغة إنسانية.

ولما كانت الأبحاث العلمية قد حقَّقت تقدما ملحوظا في اللسانيات وفي ميدان نظم الاتصال الحيواني، فقد تمكّن هوكت وآشر من تحديد الفروق بين لغة الإنسان ولغة الحيوان في أربع قضايا هي(22):

(1) ا لإنتاجية:

إنَّ لغة الحيوان نظامُ اتصالٍ مغلق، في حين أنَّ لغة الإنسان نظامُ اتصالٍ مفتوح؛ بمعنى أن لغة الحيوان تتألَّف من عددٍ محدودٍ من الصيحات كلّ صيحةٍ تدلُّ على موقفٍ معيّنٍ، مثلا "وجود الخطر"، أو "وجود الطعام"، و ما إلى ذلك، أما لغة الإنسان فهي نظامٌ قادرٌ على إنتاج عددٍ لا محدود من العبارات، بعضها يتمُّ اكتسابه بالتعلُّم، ولكنَّ معظمَه أصيلٌ يتمُّ إنتاجه على نمطِ قوالبَ بنيوية تشترك في استعمالها جماعةُ الناطقين. وملَكة اللغة لا تمكِّن الإنسان من إنتاج العبارات الجديدة بها فحسب، وإنما تمكنه كذلك من فهم العبارات الجديدة التي لم يسمع بها من قبل.

(2) الإحلال:

وتعني هذه الخاصية أنَّ الإنسان يستطع أن يُحِلَّ لغته محلَّ أحداث وأشياء ليست نصب عينيه، فيتحدَّث عن وقائع وذوات بعيدة عنه زمانياً ومكانياً، ويصف باللغة أموراً وقعت في الماضي السحيق في مكان آخر، أو أموراً يتخيل وقوعها في المستقبل البعيد، على حين أنَّ لغة الحيوان تقتصر على التعبير عن أمورٍ آنيةٍ تقع تحت بصر الحيوان وسمعه في اللحظة ذاتها.

(3) ازدواجية النسق:

تتألَّف لغة الإنسان من وحداتٍ صوتيةٍ أساسيةٍ (فونيمات) لا معنى لها بمفردها، ولكنَّها تكوّن كلمات وعبارات ذات معان. ومع أنَّ هذه الوحدات الصوتية لا معنى لها بذاتها، فإنَّ أيَّ تغيُّر يطرأ عليها داخل الكلمات، يؤدى إلى تغيُّر المعنى أو الإخلال به، كما هو الحال في الوحدتيْن الصوتيتيْن الأساسيتيْن/ ق / و /ك/ في العبارتيْن: (عرفت ما بقلبك) و (عرفت ما بكلبك). ومن ناحية أخرى فإنَّ لغة الإنسان تتألَّف في الوقت نفسه من وحدات صرفية (مورفيمات) يؤثرِّ تغيرها في معنى الجمل مثل الوحدتين الصرفيتين: [كَ]، و[كِ]، في العبارتين: (هذا كلبكَ) و(هذا كلبكِ). وهذه الخاصّية التي تمكِّننا من التمييز بين معاني الوحدات الصرفية لاختلاف الوحدات الصوتية المكونة لها، تسمَّى (ازدواجية النسق)، وبها تستطيع اللغة أن تتوفرَ على آلاف الوحدات الصرفية، على الرغم من أنَّ الوحدات الصوتية الأساسية في أية لغة لا تتجاوز الخمسين.

أمّا لغة الحيوان فإنَّها تتكوَّن من صيحاتٍ تختلف كلُّ واحدةٍ منها عن الأخرى من حيث الصوت والمدلول، ولا يمكن تجزييء الصيحة الواحدة إلى وحداتٍ يؤدي تغييرها إلى تغيُّرٍ في المعنى.

(4) الاكتساب:

وتعني هذه الخاصية المميزة للغة الإنسان، أنّها تنتقل من الكبار إلى الصغار بالتعليم والتعلُّم، وليست الحال كذلك بالنسبة للغة الحيوان التي تبدو وكأنها تنتقل بالجينات الوراثية (المورِّثات). فالأطفال لا لغة لهم عند الولادة ولكنَّهم يكتسبونها تدريجياً بالسماع المتكرِّر واستنباط معناها من المقام. وبعد ذلك يتعلَّمون تدريجياً كيف تتضافر الوحدات الصرفية والوحدات الصوتية على بناء عبارات ذات معانٍ مختلفة ضمن نظام اللغة البنيوي، ومن ثم تتكون لديهم القدرة على توليد عبارات مختلفة عن العبارات التي سمعوها من قبل.

وبعد أن حدَّد الباحثان الأمريكيان هوكت وآشر الفروقَ بين لغة الإنسان ولغة الحيوان بصورة موضوعية على ضوء ما توصل إليه علم اللغة في العصر الحاضر، افترضا أنَّ مسالة تطوُّر اللغة يمكن أن تطرح على الوجه التالي: ما هي التطورات التي أدت إلى أن يصبح نظام الصيحات نظاماً لغوياً له خصائص الإنتاجية والإحلال والنسق المزدوج والاكتساب؟ إن نمو هذه الخصائص اللغوية في عددٍ من أنظمة الصيحات شبه الحيوانية هو الذي أدّى إلى تحويلها إلى لغات بشرية.

وذهب العالمان الأمريكيان إلى أنَّ أنظمة الصيحات أخذت في التطوُّر تدريجيّاً بحيث غدت أكثر تعقيداً وأكثر مرونةً، لما لذلك من أثر إيجار على حفظ الجماعة وبقائها. وافترضا أنَّه مع ظهور كائنات شبه بشرية أكثر تقدُّماً قبل مليون سنة تقريبا، فإنَّ الوحدات شبه الصرفية (أو الصيحات) أضحت تُسمَع ليس ككلٍّ، وإنَّما في نطاق مكوِّناتها الصوتية. أمّا من حيث النطق فأصبح الاهتمام منصبّاً لا على إنتاج الوحدة شبه الصرفية كاملة، وإنَّما على نُطق مكوناتها الصوتية الصغيرة بعناية اكبر تساعد على تمييز هذه المكونِّات الصوتية بعضها عن بعض. وعندما حدث ذلك التطوُّر تحوَّلت الوحدات شبه الصرفية إلى وحداتٍ صرفيةٍ حقيقية، بمعنى وحدات كلامية ذات معنى. أي (مورفيمات) مكونة من وحدات صوتية لا معنى لها (فونيمات). و لم ينظر الباحثان إلى هذا التطوُّر بوصفه حلولَ لغةٍ بشريةٍ محلَّ لغة حيوانية، وإنَّما اعتبراه بمثابة نمو نظام اتصال متقدِّم (اللغة)، في نطاق نظام اتصال بدائي سابق له (الصيحات). ولهذا فإنَّ بعض مواصفات النظام السابق واصلت وجودها في النظام الجديد، كما يحلو لبعض الناطقين باللغة حاليا مط كلمة من الكلمات تماماً كما يطيلُ حيوانٌ ما صيحةً من صيحاته (23).

إن نظرية هوكت وآشر عن التطور اللغوي تستند إلى ثلاثة أركان:

أ‌- نظرية النشوء والارتقاء لدارون وجماعته من علماء التاريخ الطبيعي التي تزعم تطور أنواع حيوانية عليا إلى كائنات شبه بشرية، وتطور هذه الأخيرة إلى الإنسان الحديث.

ب-نتائج أبحاث اللغة حول خصائص لغة الإنسان ولغة الحيوان.

ج- فرضيات حول تطور الصيحات الحيوانية إلى لغةٍ إنسانيةٍ متكاملة.

ومعروف أن نظرية النشوء والارتقاء كما بُسطت في كتاب دارون المنشور عام 1859 قد تعرضت لنقد شديد من لدن علماء طبيعيين عاصروا دارون أو ظهروا بعده وتوفَّرت لديهم معطياتٌ جديدة. وانصبَّ النقدُ أساساً على عدم تمييز النظرية بين الصفات المكتسبة والجينات المتوارثة. وقد أثبت هؤلاء العلماء أنَّ نظرية دارون تشتمل على حلقات مفقودة وقطعوا باستحالة وراثة الصفات المكتسبة. وحتّى أصحاب ما يسمى بالداروينية الجديدة الذي يؤمنون بارتقاء الأنواع ذهبوا إلى أنَّ التطوُّر لم يحصل بشكلٍ خطيٍّ، وإنَّما بشكلٍ متوازٍ، أي أنّ الأحياء لم تتطوُّر من أصلٍ واحدٍ مشترك، وإنَّما تطوَّر كلُّ نوع من الأنواع الحيوانية على حدة ولم يتحول إلى النوع الآخر (24).

وإذا كنا نطمئن إلى نتائج علم اللغة الحديث القائمة على الملاحظة والتحليل الموضوعي للتوصُّل إلى خصائص لغة الإنسان وكيف تختلف عن صيحات الحيوان، فإننا يمكن أن نقول بشيء من الاطمئنان كذلك إنَّ تحوُّل تلك الصيحات إلى لغةٍ بشريةٍ بالكيفية التي وصفها هوكت وآشر هو مجرَّد افتراضٍ قائمٍ على الخيال والحدس أكثر من قيامه على معطياتٍ علميةٍ موضوعية، ناهيك باستناده من حيث الأساس إلى نظرية التطور والنشوء.

5- أصل اللغة في التراث العربي الإسلامي:

الشائع بين الدارسين أن التراث اللساني العربي تنازعته فرقتان: إحداهما تقول بأن اللغة توقيف ووحي من اللّه، والثانية تقول بأنها اصطلاح وتواطؤ بين الناس. ولهذا نجد الإمام السيوطي يُعنون الفصل الخاص بهذه المسألة في كتابه (المزهر في علوم اللغة) بالشكل التالي: "في بيان واضع اللغة: أتوقيف هي ووحي، أم اصطلاح وتواطؤ؟". ولكن من يمعن النظر فيما كتب عن الموضوع، يجد أن هنالك فرقة ثالثة حاولت أن توفق بين الفرقتين المذكورتين. وهذه سمة من سمات الفكر العربي الإسلامي يمكن أن نسميها ب "الوسطية". وتتجلى هذه الوسطية في المجالات الفكرية الأخرى ففي الفقه مثلا لم يقتصر الأمر على أهل الحديث وأهل الرأي وإنما ظهر مذهب يوفق بين المذهبين. وفي النحو لم يتوقف الأمر عند مدرســتي البصـرة والكوفة وإنما ظهرت مدرسة بغداد لتوفق بين المدرستين وهكذا (25).

وفي مسألة أصل اللغة نجد نظرياتٍ متعددةً يمكن تلخيصها على الوجه التالي:

5-1 اللغة توقيف ووحي:

لقد نشأت الدراسات اللغوية العربية في ظلال القرآن الكريم إذ كان هدفها الرئيس فهم نصوصه التي تمثِّل المصدر الأساسي للشريعة الإسلامية. ولهذا فقد كان طبيعياً أن يحاول بعض اللغويين الذين كانوا ييحثون عن أصل اللغة أن يجدوا ضالتهمِ في القرآن الكريم. وقد عثروا على دليلهم في الآية الكريمة ﴿وعلّم آدمَ الأسماءَ كلّها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ واستدلوا منها على أن اللّه تعالى قد خلق اللغة كما خلق كل شيء آخر، وأنه سبحانه وتعالى أوحى بها إلى آدم. كما احتجوا بالآية الكريمة ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾(27).

وكان على أصحاب هذا الرأي أن يردّوا على عددٍ من الاعتراضات على تفسير الآية الكريمة الأولى على هذا الشكل. وكان أوَّل الافتراضات أن اللغة لا تتألَّف من أسماء فقط، بل من أسماء وأفعال وحروف. فردّوا قائلين إن الأسماء تمتاز على غيرها بالقوة الأولية ولا يقوم الكلام المفيد بدونها ويمكن أن يشار بها إلى اللغة برمَّتها من باب إطلاق الجزء على الكل. واعترض بعضهم على تفسير "الأسماء" الواردة في الآية بأسماء الأشياء، وقالوا إنها أسماء الملائكة أو أسماء ذرية آدم ولا تدل على الأشياء ولو كانت كذلك لكانت تتمة الآية "عرضها أو عرضهن" لأن العرب تقول لما يعقل "عرضهم"، ولما لا يعقل "عرضها أو عرضهن". فرد أهل التوقيف قائلين إن الأسماء تشير إلى ما يعقل وما لا يعقل فاكتفى بالأول من باب التغليب(28).

وإضافة إلى ذلك، كان على القائليِن بالتوقيف أن يفسّروا ما إذا كان سبحانه وتعالى قد علّم آدم أسماءَ جميع المخلوقات بلغة واحدة أم بجميع اللغات، فقالوا إنه سبحانه وتعالى علم آم الأسماء بجميع اللغات فكان آدم وأولاده يتكلمون بها ثم تفرق أبناؤه في الأرض فاختصَّت كلُّ بقعة منها بلغة من اللغات. وبهذا فسَّروا تنوع اللغات واختلافها. وكان عليهم كذلك أن يفسروا ظاهرة النمو اللغوي فقالوا إنَّ اللغة لم يوحَ بها دفعةً واحدةً بل "وقف اللّه عز وجل آدم عليه السلام على ما شاء أن يعلمه منها، مما احتاج إلى علمه في زمانه... ثمَّ علَّم اللّه بعد آدم من الأنبياء - نبيا نبيا- ما شاء أن يعلمه..." (29) وهذا يعني أنَّ هؤلاء اللغويين قد اهتدوا إلى ملاحظة ظاهرة استجابة اللغة للتعبير عن حاجات الناطقين بها المستجدّة التي تنمو بمرور الزمن، فتنمو اللغة معها.

5-2 اللغة اصطلاح:

ذهب بعض اللغويين العرب إلى أنَّ أصل اللغة تواطؤ واصطلاح بين جماعة الناطقين بها، ويلخِّص ابن جني وجهة نظرهم- ولو أنه لم يقطع بصحَّتها - في كتابه (الخصائص) بقوله:

"إن أصل اللغة لابد فيه من المواضعة، قالوا: وذلك بأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا، فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء والمعلومات، فيضعوا لكل واحد منا سِمةً ولفظا، إذا ذكر عرف به ما مُسمّاه، ليمتاز عن غيره، وليُغنى بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين، فيكون ذلك أقرب وأخفّ وأسهل من تكلف إحضاره لبلوغ الغرض في إبانة حاله، بل قد يُحتاج في كثير من الأحوال إلى ذكر ما لا يمكن إحضاره، ولا إدناؤه كالفاني، وحال اجتماع الضدين على المحلّ الواحد.."(30).

وكان على أصحاب هذا الرأي أولا أن يفسّروا تعدد اللغات وتنوعها، فقالوا بإمكان انتقال المواضعة إلى غيرها، فإذا كانت مجموعة من الناس اتفقت على وضع أسماء لمسميات فإن أفراد هذه المجموعة يمكنهم أن يتفقوا على إبدال أسماء جديدة بالأسماء القديمة فيقولوا: "الذي اسمُه إنسان فليجعل مكانه (مرد)، والذي أسمه رأس فليجعل مكانه (سرَ) وعلى هذا بقية الكلام"(31).

ولكي يفنِّد هذا الفريق حجج خصومه القائلين بأنَّ اللغة وحي وتوقيف من اللّه، ذهب إلى أنه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يواضع أحدا على شيء لأن المواضعة تحتاج إلى إيماء وإشارة بالجوارح إلى الأشياء المراد تسميتها وسبحانه لا جوارح له. أي أن هذا الفريق يصادر على المطلوب كما يقول المنطقيون، بمعنى أن يعتبر المواضعة أمر مفروغ منه ثم ينفيها عن اللّه سبحانه وتعالى. ومن ناحية أخرى فإن التواضع يستلزم قدرة المتواضعين على الكلام أي وجود اللغة.

5-3 اللغة توقيف واصطلاح:

وحاول بعضهم أن يوفَّق بين الرأيين فذهب إلى أنه يمكن تأويل آية ﴿وعلّمِ آدمَ الأسماء كلها﴾ بأنه سبحانه وتعالى "أقدر آدم على أن واضع عليها"(32) أي أنه وهبه القدرة أو الملكة على الكلام وتعلُّم اللغة. وهذه الملكة هي التي تنقص الحيوان، ولما كان الاصطلاح يحتاج عقلا إلى لغة للتعبير عنه فإن بعضهم يرى أن بعض اللغة في البداية كان بوضع الله تعالى والباقي بوضع الناس، أي أن الابتداء من الله والتتمة من الناس، وهو رأي أبي إسحاق الأسفرايني (33).

5-4 اللغة محاكاة لأصوات الطبيعة:

وقد ذهب بعضهم إلى أن اللغة نشأت من محاكاة الإنسان لأصوات الطبيعة وما فيها من نبات وحيوان مثل الهزيم، والدوي، والخرير، والحفيف، والصهيل. ويرتِّب بعضهم على هذا الرأي مناسبة الأصوات للمعاني، أو بعبارة أخرى الدلالة الذاتية للألفاظ. وقالوا لو لم تدل الألفاظ بذاتها على المعاني لكان وضع الألفاظ بإزاء معنى من المعاني وضعا اعتباطيا لا قاعدة له فيعمّ الاضطراب.

ولقي هذا الرأي معارضة شديدة من جماعةٍ من الباحثين الذين قالوا بأنَّه لو دلَّت الألفاظ بذاتها على المعاني لاستطاع كل واحد أن يفهم جميع اللغات لعدم اختلاف الدلالات الذاتية.

ويقول الدكتور إبراهيم أنيس:

"ورث علماء العرب عن اليونان هذا النوع من التفكير... ومع أن معظم اللغويين من العرب لا يأخذون بهذا الرأي، نرى كثيرا منهم يربطون في مؤلفاتهم بين الألفاظ ومدلولاتها ربطا وثيقا يكاد يشبه الصلة الطبيعية أو الذاتية" (34).

وذهب الدكتور رمضان عبد التواب في كتابه القيم (المدخل إلى علم اللغة) إلى أن ابن جني قد ارتضى هذا الرأي لأنه عقَّب عليه بقوله "وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل" (35). ولكن من يقرأ هذه العبارة في سياقها يفهم من قول ابن جني أن هذه النظرة تشكل وجها من وجوه تفسير أصل بعض اللغة، وليس كل اللغة، لأن ابن جني لا يتوصل إلى رأي حاسم في الموضوع فهو يقول بعد تلك العبارة مباشرة ما نصه:

"واعلم فيما بعد، أنني على تقادم الوقت، دائم التنقيب والبحث عن هذا الموضع، فأجد الدواعي والخوالج قوية التجاذب لي... وذلك أنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة، الكريمة اللطيفة... قوي في نفسي. اعتقاد كونها توقيفا من اللّه سبحانه، وأنها وحي.

ثم أقول في ضدّ هذا... فأقف بين تين الخلتين حسيرا، واكاثرهما فأنكفىء مكثورا. وإن خطر خاطر فيما بعد يعلق الكفّ بإحدى الجهتين، ويكفها عن صاحبتها، قلنا به، وبالله التوفيق"(36).

فابن جني لم يقطع برأي لعدم توفر القناعة العلمية لديه، ولهذا علَّق محقق كتاب الخصائص، الدكتور محمد علي النجار بقوله "يبدو من هذا أن مذهب ابن جني في هذا البحث الوقف، فتراه لا يجزم بأحد الرأيين: الاصطلاح والتوقيف، وقد صرح بهذا ابن الطيب في شرح الاقتراح" (37 ).

6- منهجية الإمام السيوطي في بحث أصل اللغة:

6-1 قبل كلِّ شيءٍ، يضع الإمام السيوطي عنوانا للموضوع يحاول أن يجمع فيه آراء المدرستين الفكريتين الرئيسيتين في الموضوع. وهذا العنوان الذي وضعه الإمام السيوطي يتَّفق في مضمونه مع العناوين التي صاغها اللغويون السابقون الذين رجع إلى أعمالهم، ولكنَّه يختلف في صياغته أو شكله عنها، لأنه يحاول أن يجعل ذلك العنوان جامعا شاملا. وهكذا يأتي العنوان على الوجه التالي: "في بيان واضع اللغة: أتوقيف هي ووحي، أم اصطلاح وتواطؤ ؟(38) وهذا العنوان يختلف عن عنواني ابن فارس وابن جني، فقد ورد عنوان ابن فارس في كتابه (الصاحبي) كما يلي: "باب القول على لغة العرب: أتوقيف، أم اصطلاح؟(39) وجاء عنوان ابن جني في كتابه (الخصائص) كالتالي: "باب القول على أصل اللغة: أ إلهام هي أم اصطلاح؟(40).

وإذا قارنّا بين العناوين الثلاثة لوجدنا التقارب والتشابه قائما بين عنواني ابن فارس. وابن جني في حين أن عنوان السيوطي أكثر شمولا وأكبر إحاطة.

6-2 إن اطلاع السيوطي على الآراء المختلفة المتعدِّدة في هذه المسألة وإحاطته بحجج أصحابها ييسِّر عليه ترتيب مادّته ترتيبا يسهّل على القارئ استيعاب الموضوع ويقوده بعناية في متاهاته. ويقدّم السيوطي الاتجاهات الفكرية الرئيسية الثلاثة ممثلة في أعمال ثلاثة من العلماء؟ ولا يرتبهم ترتيبا موضوعيا فحسب وإنما ترتيبا زمانيا كذلك على الشكل التالي:  ابن فارس، وابن جني، وفخر الدين الرازى. وعندما يقدم رأي كل واحد منهم، يحدِّد اسم الباحث ويعين المصدر الذي نقل عنه. ويشير إلى بداية كلام ذلك المؤلف وإلى نهايته بكلِّ دقة. كما يحدد هوية المتكلم الفكرية إن كانت ذات علاقة بالمسألة موضوع البحث، فيقول مثلا

"قال أبو الحسين أحمد بن فارس في (فقه اللغة): ... (41)..

وعندما ينتهي كلام ابن فارس يقول السيوطي: "هذا كله كلام ابن فارس، وكان من أهل السنة" (42).

ويقول مثلا عندما يقدِّم رأى ابن جني:

"وقال ابن جني في (الخــصائص) وكان هو وشــيخه أبو علّي الفارسي معتزليـين" (43) وعندما ينتهي كلام ابن جني، يقول السيوطي: "هذا كلُّه كلام ابن جني" (44).

ولا يقتصر السيوطي على نفل أقوال العلماء بدقَّةٍ وأمانةٍ، وإنما يجمع الأقوال التي تصب في خانة واحدة والآراء التي تتفق في وجهة واحدة، وتلخصها للقارئ، فيقول مثلا:

"وقال الإمام فخر الدين الرازي في (المحصول)، وتبعه تاج الدين الأرموي في (الحاصل)، وسراج الدين الأموي في التحصيل ما ملخصه"(45).

6-3 ويستمر السيوطي في عرض آراء كبار اللغويين من أمثال عثمان بن أبي بكر بن الحاجب، والقاضي تاج الدين السبكي، ويعزز ذلك كله بآراء كبار الفقهاء من أمثال الغزالي والقشيري والزركشي وغيرهم.

ولا يكتفي السيوطي بإيراد آراء علماء اللغة والفقهاء في الموضوع، وإنَّما يستثمر اطلاعه الواسع في مختلف العلوم وتبحره في التفسير والحديث فيأتي بجميع الآراء ذات العلاقة بالمّوضوع سواء أدلى بها مفسّرون أو محدِّثون أو مؤرخون أو غيرهم. فتحتَ عنوان "ذكر الآثار الواردة في أن الله تعالى عَلَّمَ آدم عليه السلام اللغات" ِيسرد السيوطي أقوال مفسرين من أمثال وكيع وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جزي، وأقوال مؤرِّخين من أمثال ابن عساكر صاحب (تاريخ دمشق)، وابن كثير صاحب (البداية والنهاية) وابن ماكولا، وأقوال محدثين من أمثال أنس بن مالك والحاكم والبيهقي، وأدباء من أمثال محمد بن سلام الجمحي، وابن دريد، وعشرات غيرهم.

6-4 ويحق لنا أن نتساءل عما إذا كان السيوطي قد أدلى بدلوه هو مع الآخرين في هذه المسألة وأفصح عن نظره في أصل اللغة، أم أنَّه اكتفى بسرد آراء العلماء من المتقدِّمين والمتأخِّرين دون أن يبدي برأيه الشخصي؟ نستطيع أن نستخلص موقف السيوطي من هذه القضية من الفقرات التي أوردها في آخر الفصل تحت عنوان فرعي هو "ذكر الآثار الواردة في أن الله تعالى علم آدم عليه السلام اللغات" حيث يقدّم الحجج النقلية وخاصة تلك المستمدة من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، مما يكشف عن قناعته بأن اللغة توقيف ووحي. وهذه طريقة غير مباشرة للتعبير عن رأيه. فهو هنا لا يقول كما قال ابن فارس بطريقة مباشرة "أقول: إن لغة العرب توقيف" (46).

ولكن من يمعن النظر في كتابِ السيوطي (المزهر)، يجد أنه قد أعرب عن رأيه في هذه المسألة بطريقة مباشرة واضحة لا لبس فيها، فهو يفتتح مقدمة الكتاب بالعبارات التالية: "الحمد لله خالق الألسن واللغات، واضع الألفاظ للمعاني بحسب ما اقتضته حِكَمُهُ البالغات، الذي علّم آدم الأسماء كلها، وأظهر بذلك شرف اللغة وفضلها...."(47).

وتدبيجه لهذه الافتتاحية لا يدل على حسن اختياره للحمدلة المناسبة لموضوع الكتاب فحسب، وإنّما يكشف كذلك عن الأهمية التي يوليها لمسألة أصل اللغة وما يترتب عليها من نتائج أثناء بحث المسائل اللغوية الأخرى لاحقا، ولهذا أشار إليها ي تصديره.

7- النتائج والخلاصة:

يتضح مما تقدم ما يأتي:

1) كان السيوطي مطلعا على جميع ما كتبه العلماءُ العرب المتقدِّمون والمتأخِّرون مما له علاقة بمبحث أصل اللغة مهما كان تخصُّص هؤلاء العلماء: اللسانيّين والفقهاء والمفسّرين والمحدّثين والمؤرّخين. وهذا يدلُّ على إحاطته التامّة بالموضوع الذي يتصدّى للكتابة فيه، ومعرفته الشاملة بمصادر البحث و مراجعه.

2) إنّ السيوطي في هذا المبحث من كتابه (المزهر) لم ينتحل أقوال غيره، ولم يغيّر فيها قليلاً هنا وهناك لينسبها لنفسه، وإنّما نقلَ أقوال العلماء في تلك المسألة بكلِّ دقَّةٍ وأمانة، فذكرَ الاسم كاملا في أغلب الأحيان، وأشار إلى المصدر الذي استقى منه القول.

3) لم يقتصر عمل السيوطي على نقل مختلف أقوال العلماء في هذه المسألة، وإنما عمد إلى تجميع بعض الأقوال المتقاربة في فحواها وتلخيصها، كما اضطلعَ في حالاتٍ أخرى إلى اختيار الأهمِّ من تلك الأقوال.

4) لم يدلِ السيوطي برأيه بصورة مباشرة في أصل اللغة في هذا الفصل من فصول كتابه (المزهر)، ولو أنه صرح به في خطبة الكتاب عندما حمد "الله خالق الألسن واللغات". وهو في هذا الرأي مجرَّد تابع لجمهور الفقهاء وليس صاحب نظر مبتكر.

5) فيما عدا العناوين الرئيسية والفرعية في الفصل المذكور وما ورد من تلخيص لبعض الأقوال، فإن جميع مادة الفصل منقولة بأكملها من مؤلفاتِ العلماء الآخرين. وفي حالتي ابن فارس وابن جنى فإن السيوطي نقل فصلا كاملا من كتاب كل منهما.

ونستخلص من هذه الملاحظات أن السيوطي كان أمينا في البحث العلمي لم يسرق من أعمال غيره ولم ينتحلها، ولعلَّ مما يؤيد هذا الرأي ما عرف عن هذا الشيخ الجليل من أمانة وعفة وكرم في حياته العامَّة والخاصَّة. والأمانة كلُّ لا يتجزأ. ويُروى أنَّ السلطان الغوري أرسل إلى السيوطي مرة خصيّا وألف دينار، فأعتق الخصي ورد المال وقال لرسول السلطان: لا تعُد تأتينا قط بهدية، فإنَّ الله أغنانا عن مثل ذلك(48). ومن كانت له تلك العفَّة وذلك الكرم، لا تمتد يده إلى الأعمال العلمية للآخرين.

ومن ناحية أخرى، نستطيع القول إن السيوطي لم يكن على قدر كبير من الأصالة والإبداع والابتكار في التأليف العلمي، وإنَّما كان يعتمد في معظم مؤلفاته على جمعِ أقوال المؤلفين وترتيبها بطريقة مناسبة. وهذا لا ينفي أن له مؤلفات أنشأها بنفسه مثل كتبه التي وصف فيها بعض رحلاته مثل (النحلة الزكية في الرحلة المكّية) و (الاغتباط في الرحلة إلى الاسكندرية ودمياط)، بل أكثر من ذلك فإن له شعرا وأرجوزات. ولكنَّه في مؤلفاته العلمية لا يعدو كونه جامعا ومرتِّبا للموادِّ العلمية التي يحيط بها إحاطة تامَّةً شاملة؛ فهو جامعٌ واعٍ ومرتِّبٌ عالم.

وهذه الاستنتاجات التي استخلصناها لا تعفينا من تعليل مسألتين:

أولاهما، ادعاء السيوطي في مقدِّمات بعض كتبه أنه لم يسبق إلى ذلك النوع من التأليف سابق ولم ينسج على منواله ناسج،

وثانيهما، كثرة مؤلفات السيوطي بحيث تشجع هذه الكثرة على تصديق ما يدعيه مناوئوه من أنه سطا على مكتبة المدرسة المحمودية وانتحل كثيرا من كتبها لنفسه.

بالنسبة للمسألة الأولى، ندعو القارئ إلى إمعان النظر في ما قاله السيوطي نفسه وليس ما زعمه منتقدوه. ففي مقدمة كتابه الذائع الصيت (المزهر في علوم اللغة) يقول السيوطي ما نصه: "هذا علم شريف ابتكرتُ ترتيبه، واخترعتُ تنويعه وتبويبه"(49)، ولم يقل "ابتكرته" أو "اخترعته"، وإنما انصبَّ ابتكاره واختراعه على ترتيب المواد الموجودة وتبويبها. والدليل على أن المقصود بـ "الابتكار" و"الإختراع" هو" الترتيب" و"التبويب" هو ما ورد في تصدير (المزهر) الذي نقله السيوطي من ابن فارس في كتابه (فقه اللغة) وورد في آخر التصدير.

"ثم قال (أي ابن فارس):

والذي جمعناه في مؤلَّفنا هذا مفرَّق في أصناف كتب العلماء المتقدمين، وإنما لنا فيه اختصار مبسوط، أو بسط مختصر، أو شرحُ مشكل، أو جمع متفرّق. انتهى

وبمثل قوله أقول في هذا الكتاب" (50).

وأحسب هذا واضحا كلَّ الوضوح.

وهذا يدل على أمانة الرجل وصدقه. فكتابه يمثِّل طريقةً مبتكرةً لترتيب وعرض ما توصَّل إليه علماء العرب المسلمون في ميدان علم اللغة، بحيث قدَّم خدمةً للدارسين في عصره وفي العصور التي تلته. ومعظم الباحثين البارزين في الوقت الحاضر يفضلون الرجوع إلى (المزهر في علوم اللغة) مثلا على الرجوع إلى (الصاحبي في فقه الله)، لأن الكتاب الأخير يقدّم وجهة نظر مؤلفه ابن فارس فقط في حين أنَّ كتاب السيوطي يعرض مختلف وجهات النظر في المسألة الواحدة مرتبة بطريقة ذكية، تيسِّر مهمة الباحث، وتساعده على الإلمام بالموضوع دون عناء الرجوع إِلى عدد كبير من المؤلفات فقُِد بعضها، وهذه منهجية السيوطي ولهذا حازت على الإقبال وحظيت بالانتشار.

لقد شاعت طريقة الاقتصار على جمع أقوال المؤلفين السابقين وترتيبها في فترة ركود الحضارة العربية وجمودها واحتضار روح الإبداع واضمحلالها في الثقافة الإسلامية. ويرى الأستاذ فؤاد سز كين أن القرن التاسع الهجري في بداية فترة الجمود والركود في الفكر العلمي العربي(51) ولقد قمتُ بدراسةٍ مقارنةٍ لمنهجية كتاب مشهور يعود إلى تلك الفترة هو كتاب (نفح الطيب) لأحمد المقري التلمساني (ولد في تلمسان سنة986 هـ ـ توفي بالقاهرة سنة 1041هـ) في قسمه الخاص بلسان الدين بن الخطيب فوجدته يتبع منهجية مماثلة لمنهجية (المزهر)، إذ يقتطف فصولا ًكاملةً من مؤلَّفات ابن الخطيب وابن خلدون وغيرهما. ولهذا يمكننا النظر إلى منهجية السيوطي في التأليف على ضوء الطرائق السائدة في عصره، وليس بوصفها طريقة متعمَّدة للسرقة والسطو والانتحال.

أما مسألة الفخر والزهو والمباهاة الذي يتهمه مناؤوه بهما، فلا أحسبهما إلا من باب التحدَّث بنعمة الله عليه ﴿وأما بنعمة ربك فحدّث﴾. وفي هذا يقول أحدُ محبّي السيوطي، الدكتور أحمد الشرقاوي إقبال في مصنفه (مكتبة الجلال السيوطي):

"والقارئ يحس في فخره ذاك طيبة وسذاجة، ويستشعر أنه من الفخر البريء الذي ينسلك في بابة التحدُّث بالنعمة، ويندرج في التمـدُّح بآلاء الله وإنعاماته" (52).

أما الشكُّ الذي تثيره كثرة مؤلفات السيوطي، فينبغي أن نلفت الانتباه أولا إلى تباين الإحصاءات المتعلقة بمؤلفاته، فقد قال السيوطي عنها أنها بلغت ثلاثمائة كتاب (عدا ما غسله وتاب عنه) (53)، وذكر بروكلمان أنها 415 مصنفا، وقال فلوغل أنها 560 كتابا، واعتبر جميل العظم أن عددها 576 مؤلفا، وحصرها الشرقاوي في 725 مصنفا (54) وجعلها الخزندار والشيباتي 981 كتابا (55).

ويبدو أن عدم ضبط عدد مؤلفات السيوطي على الرغم من تعدُّد المحاولات يعود إلى جملةٍ من الأسباب في مقدَّمتها عدم ضبط عناوين هذه المؤلفات أو أن الكتاب الواحد له عدّة عناوين. فمثلا إن العنوان الكامل لكتاب السيوطي الذي رجعنا إليه في هذا البحث هو (المزهر في علوم اللغة وأنواعها)، ولكنَّ كثيراً من الكتاب يشير إليه ب (المزهر في علوم اللغة)، ويكتفي بعضهم بتسميته ب (المزهر). فلو اختلط الأمر على باحثٍ عجلٍ لعدّ هذه العناوين لكتب ثلاثة وليس لكتابٍ واحد. كما أنَّ شهرة السيوطي وكثرة مؤلَّفاته شجَّعت بعضهم على نسبةِ كثيرٍ من المخطوطات المجهولة المؤلِّف إلى السيوطي، إمّا لقرب أسلوبها من أسلوبه أو زمانها من زمانه أو لغير ذلك من الأسباب. وزيادة على ذلك فإنَّ بعض هذه المؤلًّفات لا يعدو كونه رسالة قصيرة قد لا تتجاوز بضعة أوراق. وإذا ما أضفنا إلى ذلك أنًّ السيوطي قد اعتزل الناس والفتيا والتدريس في أواخر أيامه معتكفا في منزله متفرغا للعبادة والتأليف، استطعنا أن ندرك لماذا استطاع أن يصنّف هذا العدد الكبير من المؤلفات.

الخلاصة:

اجتمعت للإمام جلال الدين السيوطي جميع أدوات التأليف من قدرة على الدرس، واطلاع واسع على مختلف العلوم، وقابلية على العرض المنهجي لمختلف وجهات النظر، وأمانةٍ ودقَّةٍ في النقل. ولكنه اعتمد على منهجية الجمع في عرض الآراء، حتّى لو تطلّب ذلك العرض نقلَ فصولٍ مطوَّلةٍ برمَّتها من المؤلِّفين السابقين، وهي منهجية كانت شائعة في ذلك العصر الذي اتسمَّ بالجمود العلمي، والركود الفكري، واعتماد المؤلِّفين على شرح المؤلَّفات السابقة، أو تلخيصها، أو كتابة الحواشي عليها، أو نقلها دون إبداع وابتكار.

***

الدكتور علي القاسمي

........................

الهوا مش

(1) أحمد الشرقاوي إقبال، مكتبه الجلال السيوطي (الرباط: دار المغرب،1977)، ذكر له 725 مصنفا في حين أورد اً حمد الخزندار وحمد إبراهيم الشيباني في كتابهما دليل مخطوطات السيوطي (الكويت: مكتبة ابن تيمية،1983) 981 كتابا مخطوطا للسيوطي.

(2) د. عبد الرحمن عبطة، مع المكتبة العربية (بيروت: دار الأوزاعي، ط 2، 1984).

(3 ) جلال الدين السيوطي، حسن المحاضرة (القاهرة: المطبعة الشرقية، ب ت) ج 2 ص 140.

(4 ) جلال الدين السيوطي، نظم العقيان، المقدمة.

(5 ) جلال الدين السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق محمد أحمد جاد المولى وعلي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: دار الفكر، ب ت).

(6) السخاوى، ج 4 ص 65،كما ورد في مقدمة المزهر في علوم اللغة، ص 16.

(7 ) جلال الدين السيوطي، الأشباه والنظائر في النحو، تحقيق عبد الإله نبهان وآخرين (دمشق: مجمع اللغة العربية بدمشق 1985) ص 27.

(8) جلال الدين السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، ص 8-35

(9 ) انظر مثلا كتابه المنهج السوي والمنهل الروي في الطب النبوي وكتابه كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة، و غيرهما.

(10) د. شاكر الفحام في مقدمته لكتاب الأشباه والنظائر في النحو، المرجع السابق ص 3.

(11) تشارلس دارون، أصل الأنواع، ترجمة إسماعيل مظهر (بيروت: مكتبة النهضة، ب ت).

.12Ernest Renane, L’Origine du Language.

13.William Dwight Whitney, The life and Growth of Lang. (New York ; D.Appleton & Co. 1875).

14.Otto Jespersen, Language: Its Nature, Development and Origin (New York, 1992), Chap.21.The Origin of Language

15.Harry Hoijer,”The Origin of Language” in Linguistics Today, ed. A.A. Hil” New York: Basic Books,(1968) pp. 5O-58.

16.Thomas Pyles, The Origin and Devedopment of the English Language. (New York: Harcourt Jovanovich, inc., (1964) pp 1-2.

17.Whitney, op.cit.

18. James B. Greenough & George L. Kittredge, « The Origin of Language » Classics in Linguistics,ed. by Donald E. Haydin, E. Paul AIworth and Gray Tate (New York: philosophical Library. 1967. pp 143-138)

19-د. علي عبد الواحد وافي، علم اللغة (القاهرة: دار النهضة، 1940) ص 110-112، وكذلك د. رمضان عبد التواب، المدخل إلى علم اللغة (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1982) ص 119-122.

20.G.L. Trayer, « Language », Encyclopeadia Britannica.1950.

21.Charles Hockett and Robert Asher, «The Human Revolution », Cureent Anthropology5 (1964), pp 135-168.

(22 ) نعتمد في تلخيصنا لها على تلخيص Hoijer المصدر السابق.

23. Ibid, pp 56-57.

(24) انظر مثلا: رنيه ناتون وآخرون. تاريخ العلوم العام، ترجمة د. علي مقلّد (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، التوزيع، 1990) ج 3  ص ص 552-555. وكذلك:

Rojer Lewin. (Secret life of the brain) in New Scientist (1992) no. 4, pp.2-7

(25) د. عبد الحميد الشلقاني، رواية اللغة (القاهرة: دار المعارف بمصر 1971).

(26) سورة إلبقرة، الآية 30.

(27) سورة الروم، الاَية 22.

(28) ابن فارس، الصاحبي، تحقيق السيد أحمد صقر (القاهرة: مطبعة البابي الحلبي1977) ص7.

(29 ) المصدر السابق.

(30 ) ابن جنى، الخصائص، ج ا، ص 44.

(31 ) المصدر السابق، ويلاحظ أن كلمتي (مرد ) و (سر) من اللغة الفارسية.

(32 ) ابن جني، الخصائص ج 1، ص 40-41.

(33 ) السيوطي، المزهر، ص 16.

(34) د. إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،1976) ص 64.

(35) رمضان عبد التواب، المدخل إلى علم اللغة، ص 112.

(36 ) ابن جني، الخصائص، ج ا، ص 47.

(37) المصدر السابق، ص 47.

(38) السيوطي، المزهر، ص 8.

(39) ابن فارس، الصاحبي، ص 6.

(40 ) ابن جني، الخصائص ، ص 40.

(41) السيو طي، المزهر، ص 8.

(42) المرجع السابق، ص 10.

(43) المرجع السابق، ص 10.

(44) المرجع السابق، ص 16.

(45) السيو طي، المزهر، ص 16.

(46) ابن فارس، الصاحبي، ص 6.

(47) السيو طي، المزهر، ص 1.

(48) محمد أحمد جاد المولى وعلي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، محققو المزهر، ص: 18.

(49) السيوطي، المزهر، ص 1.

(50) ا لسيوطي، المزهر، ص 6.

(51 ) فؤاد سزكين، محاضرات في تاريخ العلوم العربية الإسلامية (فرانكفورت: معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية 1984) محاضرة حول "قضية أسباب ركود الثقافة الإسلامية" ص ص 167-182.

(52) إقبال، المرجع السابق، ص 28.

(53 ) السيوطي، حسن المحاضرة، ج 1 ، ص 144.

(54) الشرقاوي إقبال، المرجع السابق.

(55) أحمد الخزندار ومحمد الشيباني، المرجع السابق.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5874 المصادف: 2022-10-05 04:15:50


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م