ترجمات أدبية

كابكا كسابوفا: فندق في شارع جنكشين

بقلم: كابكا كسابوفا

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

هناك أشخاص يعتقدون أن مصيرك يطاردك. ولكن "يطاردك" تعبير خاطئ. هناك أماكن في العالم تحتوي مصيرك. تتريث مثل جلد ينتظرك لتدخل فيه، ويأخذ شكله، ويصبح أنت. بالنسبة لي، تبين أن المكان هنا، في شارع جنكشن، يناسبني. وهذه المدينة تحتويني، وهي كذلك منذ قبل يوم مولدي في كاتوفيتسة، مع أنه يمكن أن تعتقد على سبيل الخطأ أنها كايتن، المكان الذي تعرض فيه العديد من الضباط البولونيين للذبح والقتل على يد الجيش الأحمر. كلا. كاتوفيتسة لم تشهد مذبحة تذكر بها. ولكنها مجرد منفى في المعسكر الشرقي السابق. وهكذا أنا أخرج على الموضوع (أنتِ أفضل خروج على سياق حياتي كما اعتاد جاكسون أن يقول).

وصلنا إلى إدنبرة في صيف عام 2005، أنا وجاكسون. كانت الشوارع مزدحمة بأشخاص لهم شعر ملتصق برؤوسهم، ووجوه ملونة، وكأنهم خرجوا للتو من فيلم "قلب شجاع". وكان يبدو أنهم على وشك محاصرة القلعة. ولكن تبين انه احتجاج على مؤتمر الدول الثماني. وخلفوا وراءهم النفايات والرسومات، ولكن كنا قلقين من أشياء أخرى. على سبيل المثال أين سنقيم. كان جاكسون يعرف دان، الشاب والعسكري السابق. والبناء حاليا. وهو إنكليزي بوجه ضخم يشبه رعاة البقر قليلا، ولكنه الشخص الوحيد الذي استقبلنا. وتبين أنه مفيد حقا - حسنا. هكذا كان شعوري في البداية، فقد قدم لنا إحدى شققه الرخيصة للإقامة، ولم يكن إيجارها يزيد على كلفة غرفة فقط.  

(يقولون هنا في إسكوتلاندا 'إقامة' وليس 'سكنى' كما لو أنك في فندق. يسألونك 'أين تقيم؟'. كما لو أن كلمة السكن فضفاضة ومبالغ بها، كما لو أنه لا يوجد شيء دائم).

وكان دان يقول لي: احزمي أمرك يا ريناتا كوفالسكا. ويلفظ كنيتي كما لو أنها نكتة كبيرة. ثم يسألني: هل أنت بولونية أم أمريكية، أم جاسوسة مزدوجة لعينة؟. ويضحك بملء فمه، ويهتز وجهه البدين. فأضحك أيضا. يا للجحيم، على الأقل بوسعه أن يلفظ اسمي. هو لا يحب الاشياء المبهمة، أقصد دان، وكما أعتقد لهجتي المختلطة تسبب له الحيرة. كان يريد لنفسه أن يتكلم بلهجة شبابية مستقيمة، ولكن صفقات العقارات التي قدمها، لم تكن شريفة ومستقيمة تماما. ومرة حاول أن يضع يده على مؤخرتي في إحدى الحفلات، حينما كان مخمورا، وكان جاكسون ينظر باتجاه آخر، ومع ذلك لم أمتعض منه بعكس الأخريات. لا يوجد لدى دان صديقات. فقط سلسلة من البنات للمعاشرة - وكان طيبا معي، بطريقته الخاصة. وآخر مرة رأيته فيها حينما جاء إلى الشقة ليخبرني أنه سيرحل عن إدنبرة. وكان متعجلا، كما لو أن الشرطة تطارده.

قال لي: "يمكنك الإقامة في هذه الشقة، أنا لا أحتاجها. ولا أطالبك بأي ايجار". كان في طريقه إلى إسبانيا، مؤقتا، ولكن نسيت التفاصيل. كنت أحاول أن أخبره عن المبنى، وعن أحلامي، حتى أنني عرضت عليه بعض رسوماتي وكانت قيد الإنجاز. قلت لنفسي كنت مهذبة، ولكنه تابع النظر لي وهو يهز رأسه.

قال: "يا ريناتا كوفالسكا أنت امرأة طيبة. ولكنك حمقاء. مثل جاكسون. افعلي ما تشائين، تمنياتي لك بالتوفيق". وهذه المرة لم يضغط على اسم الكنية. وأدهشني أن أراه مقهورا، ثم صفق الباب وراءه.

في تلك الليلة انتابني حلم رأيت فيه دان يمشي، وكان صغير الحجم ومشوشا، ويعبر من حقل ملتهب. تابعت دفع الإيجار لعدة أسابيع. ثم أخبرني المصرف أن المبالغ أعيدت. وأنه لا يوجد حساب مصرفي بذلك الاسم. ولم يدهشني ذلك. كانت أحلامي صادقة دائما، وأقرب للواقع في كل الأحوال. الأحلام كالأطفال: ما عليك إلا أن تعرف كيف تتواصل معهم. وهكذا انتقلنا إلى هذه العلية الكئيبة والواسعة التي تخص دان في شارع جنكشن في ليث. وكانت نصف النافذة مكشوفة على البحر. قال جاكسون: "انظري للفرق بين هنا والنرويج بعين خيالك. يا لهذا الشيء الرائع واللعين".  غرقنا بالبهجة والحبور. كانت شقة على الطراز القديم بسقف مرتفع وموقد أصلي وأرض خشبية. ولكن حالما دخلنا وجدنا على أرض المطبخ ملاعق محترقة وبقايا جرذان على الفراش. وكانت نافذة الحمام محطمة ولذلك تسللت منها الحمائم.

توجب علينا التخلي عن كل شيء، وتبخير المكان.

قلت لجاكسون: "آه. لم أتصور أبدا أنني سأعيش في محطة قطارات".

رد: "محطة قطارات أفضل من قبر ضيق".

نحن الاثنين - أمريكية بولونية وأسترالي- لا نعرف الكثير عن إدنبرة. ومع أننا كنا عاطلين عن العمل، نحن أخيرا معا، بعد ثماني عشرة شهرا من المراسلات حول العالم، أنا في كراكوف، وهو في أفغانستان وبريطانيا. كان قد أنهى أيام خدمة الجيش، وأنا أسعدني الخروج من بولونيا. وخبرتي القليلة بالحياة كبولونية حقيقية لا تزيد على سنتين  ولم أنجح بعملي الفني. ولكن لو لا ذلك ما قابلت جاكسون في أول شهر لي في بولونيا، خلال فصل الصيف.  كنت أرسم الشارع. وجاء هذا الشاب أمامي، بزوايا جسمه التي أحرقتها الشمس، معتدا بنفسه بطريقة غريبة، وبتسريحة بحرية وصندل المسيح. وعلى ظهره حقيبة وغيتار. 

قال: "طاب يومك. أعلم أن أنفي كبير وقبيح، ولكن هل بمقدورك أن ترسميني لأرسل البورتريه إلى أمي في بريسبين؟".

كان في إجازة من الجيش البريطاني. وأنفقنا أسبوعين معا في شقتي العلوية في كراكوف قرب الحمائم،  وشعرت بمعنى كل ما يجري، كأنني أعيش في أحد أحلامي. بالنسبة لي كل شيء جرى بوقت واحد - العودة إلى بولونيا بعد عشر سنوات من الحياة في الولايات المتحدة، وتقمص حياة فنية، ثم كان أحيانا يبدو لي غير متوقع، ولا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه ينتمي لحياة الجيش القاسية. في إحدى المناسبات حينما كنا على هذا الجسر العملاق، قفز على السور الحجري وسار فوقه لبعض الوقت. وتوقف الجميع لمراقبته خائفين. كان يبدو كأنه يمشي بجواري ثم اختفى ولم يعد موجودا. ولاحظت أنه يستمتع بالمخاطرة. ولدى مغادرته بكى كلانا في المطار، ثم تبادلنا الرسائل، والإيميلات لدهر طويل.

أقر الجميع أنني بلهاء. لم أكن أعرف الرجل، فقد التقينا في الشارع، دون أن أعرف شيئا عن ماضيه، والله وحده يعلم ماذا كان يفعل في أفغانستان (تكتم على ذلك في رسائله، وكلمني عن تعلمه اللغة البولونية من زميل له)، ثم ما هذا الاسم العجيب.. جاكسون - اليس المفروض أنه اسم العائلة؟. الآن يتبادر لمعلوماتي شيء آخر. انتابني حلم أننا نعيش في غرفة قرب الحمائم، والمدينة أمامنا وبعيدة. وحلم آخر كنا فيه ننام على فرشتين في صالة واسعة ورطبة يتردد فيها الصدى كأنها كهف. ('احذري يا ريناتا، قال لي حينها فنان كبير بالعمر وصديق والدي. نجا من المآسي ودخل السجن في أيام الحكم الشيوعي. 'احذري. المثالية فهي الوجه الثاني للانتهازية. هما مثل وجهي التوأم يانوس'.

بعد ثمانية عشر شهرا، التقينا مرتين، وكنا نكتب. لم أقابل غيره، وأخبرني جاكسون أنه يفكر بي كل ليلة، حتى لو أنهم تحت القصف. واعترف لي أنه شعر بالاعتلال لأنه لا يمتلك بيتا يخصه، وقال إنه يرغب بالعودة إلى شوارع المدينة والبداية من جديد، من الصفر، على أن أكون معه. ولكنني لم أحن إلى أمريكا، ولم أكن راغبة بالتواجد في بولونيا، شعرت أنني لا أنتمي لها.

أبدى جاكسون عدم رغبته بالعودة إلى بريسبين - فهي بلدة ذات عنق أحمر، كما يقول عنها - ولذلك رأى أن إدنبرة مكان مثالي.

واتفقنا أنها مكان محايد.

وفر كلانا بعض النقود، وتجولنا في غضون الشهور الأولى في أرجاء المدينة، صعدنا إلى مقعد آرثر، ونقبنا في زواريب المدينة القديمة، وهو الإجراء المعتاد في أي مكان جديد. ولم نفترق أبدا. وكل شيء رأيناه، وأحسسنا به، وشعرنا به، لم يباعد بيننا. كانت هذه مدينتنا!. وليث هي حينا. وكانت لها رائحة قوية من البحر والحجارة المبلولة والكحول. وفي الأيام الهادئة تنتشر رائحة خفيفة تخيم على المدينة - كأنها عطن جوارب رجل، ممزوج مع عطن الخميرة. والسبب هو البارات. فالناس هنا شاحبون، وأعتبر أنها معجزة أنهم على قيد الحياة، ويحتلون البارات القديمة من الصباح حتى صباح اليوم التالي. ويتسكعون في الزوايا  التي تتخللها أعقاب السجائر، وهم يدمدمون من بين بقايا أسنانهم المسودة.

على طول ممشى ليث تبرز الدكاكين البولندية كالفطور المعدية. ومحتوياتها النوستالجية تملأ الواجهات - معلبات مخلل الخيار الصغير، الخبز الأبيض الذي يتفتت، النقانق المدخنة، البسكويت الشيوعي الذي أتذكره منذ أيام الطفولة. وفي إحدى المرات دخلت فقط لتبادل بعض الكلمات القليلة بالبولونية. على طول شارع جنكشن محال الطعام السريع تبيع السلامي الشفاف والجبنة الفرنسية  وبجوارها مباشرة محال هندية وباكستانية تبيع أشياء دميمة مصنوعة من البلاستيك. والرجال في تلك المحال بوجوه غير حليقة والنساء بليدات على نحو غريب. ويبدو معظم الناس هنا إما أنهم مروا بحادث ما أو أنهم على وشك التورط بحادث. هنا في ليث وجدت كل شيء أحتاجه: لون القرميد الدموي، حجارة الأضرحة الرمادية، سواد الهباب، غروب السماء، عكارة النهر، المقابر بلونها الأخضر النضر على ضفاف الأنهار في الربيع. وطبعا كنت أخيرا، وآخرا، مع حب حياتي.  كنت في ثلاثيناتي، ولم أرزق بغرام مستفحل من قبل. في البداية كنا بحاجة لبعض التعديلات - فلوحاتي تغطي الأرض، ولم أكن أحب تنظيف الأطباق حتى تتراكم في المغسلة، بينما هو معتاد على الانضباط، يطوي ثيابه بدقة متناهية، يلمع بوطه كل الأوقات. ولكن حين يتعلق الموضوع بحب العمر، وبعد مرور ثمانية عشر شهرا وأنت تراهن بكل شيء عليه، يجب أن تحاول. كان حقا يبدو أحيانا غريبا، وفي الصباح الباكر يغمره هذا المزاج العجيب، فيكون شديد السعادة، أو قانطا تماما، وينظر لي بعينيه السوداوين ليقول: "إنها هذه المدينة. هي التي تدخل في رأسي". فأحضنه فقط ويرتجف بين ذراعي كأنه عليل، ولكنه يقلع عن الكلام، وأحذو حذوه فأصمت. كنت أفضل معالجة الأمور بالجنس وبنزهة قرب نهر ليث. في تلك الشهور الطويلة التي غمرني خلالها برسائله، كنا نعترف بما في داخلنا ونتكلم كشخص أشرف على الموت. وأحيانا يعزف على غيتاره. وكان يعرف لحنا واحدا، وهو لحن أغنية 'لدغة'. (قال في رسائله، واحتفظت بها جميعا: لو أنني في الغد انفجرت وتحولت إلى هباء لن يلحق بك ضرر. لأنك من الفضاء الخارجي. وأنا من سيضيع إذا فقدتك. ولأكون صادقا لم يمر علي وقت لم أكن ضائعا فيه إلى حد ما. وأحيانا كأنني أريد أن أنفجر إلى ذرات، هل تفهمين ما أقول؟".

الحقيقة أنني كنت أرسم، وهو لا يعلم ماذا يفعل. كنت دائما أخرج بأفكار من أجله، ولكنه لم يهتم بأي منها. ولم يكن جاهزا للعمل بخدمة أي إنسان، كما قال، وهو يرغب بشق طريقه الخاص - والمشكلة أنه لم يستدل عليه بعد. ومن الظاهر ان هذا شيء شائع بين شباب أنهوا عملهم العسكري. كان متمسكا بالخروج في 6 صباحا للجري وتمرين الضغط على ضفة النهر لعدة ساعات. وأحيانا يصعد حتى نهاية كرسي آرثر ثم يعود. وحالما بدأت بالقلق عليه، لاحظت المبنى في الجهة المقابلة من الشارع. كنت أجلس دائما وراء نافذة غرفة النوم تحت قنطرة لوثتها الحمائم، وأدخن أول سيجارة صباحية - كنت قد عاودت التدخين في بولونيا - ولكن الآن فقط انتبهت للمبنى. عمليا لم يكن من الوارد أن لا انتبه له، ولكن هذا ماحصل. أو بالأحرى شيء في داخلي لم يكن جاهزا له، كما لو أنني لا أريد التفكير به. والآن لاحظته.  وكلما نظرت به زادت صعوبة صرف نظري عنه. كان بناء قوطيا وكبيرا من الحجارة. واسود بفعل الوقت والهباب. كل نوافذه مغلقة. كلها ما عدا إحداها في اخر طابق، ولها قضيب بشكل الصليب. أطرافه الصغيرة الحادة موجهة نحو السماء مثل يدين معقودتين للصلاة. جرى ذلك في صيف عام 2006. وفي الخريف، اشترى دان أو أستأجر البناء، مع أنه موقع أثري تحت الحماية، وتكفل جاكسون بتحويله إلى بنسيون "رحلات". وبمعونة شاب صغير يدعى نك وجد طاقما صغيرا للعمل في ليالي الشتاء. وافتتح الفندق في أيار من العام التالي، قبل ميعاد مهرجانات الصيف بفترة مناسبة. وبدأ أوائل الرحالة بالتوافد عليه كما لو أنك فتحت صنبور ماء. وجهزت بيدي لافتة ملونة للترحيب بالقادمين إلى "بنسيون . شارع. جنكشن".

أراد أن يسميه "بنسيون الأسترالي السعيد". قلت له: لندع الاسم بسيطا. وعموما لا علاقة لك به، فهو شيء من تاريخ شارع جنكشن، في مدينة ليث، منطقة الشاطئ، بإدنبرة. بدا عليه التردد، ولكنه لم يعارض. وأنجزت الناحية الفنية والتصميمات في الداخل، ووضعت بعض صور ليث في إطارات، لأمنح المكان جوا طقوسيا، ولتصبح له شخصية قوطية. 

ولكن لم أحب المبنى. كنت أرتجف دائما بسبب رطوبة الجدران وبرودتها،  كما لو أنني في مقبرة. وكأنني في مقبرة شعرت بحضوري وتواجدي. لم أكن شيئا يعيش ويحيا، ولكن كنت هناك دائما. وحتى بعد أن انتهوا من كل شيء وأصبح جاكسون المدير والمشرف العام وأنشأ علاقات مع الزبائن، لم أكن مرتاحة للمبنى. تابعت النظر باتجاهه من نافذة غرفة النوم. في بعض الليالي، كان القمر الأبيض يتأمله مثل عين عمياء من الرخام. وفي الظلام تجعله القنطرة غير العادية المنحوتة على واجهة المبنى كأنه فم مفتوح أمام سماء وردية بلون اليرقات. ومهما كان أصله - في الصيف كان يزدحم بالجوالين الشباب والهيبيين كبار السن - ولكنه يبدو من نافذتنا دائما متداعيا. كان جاكسون مشغولا ولا وقت لديه للتفكير بالماضي ولم يكن متطيرا. فهو أسترالي عادي. ولكن لم أرفع عيني عن المبنى. كان يحوي الكثير من التفاصيل الدقيقة. وله رؤوس حجرية منتفخة تقطب معالمها أمامك.  وعلى أحد الجدران، بين رأسين من هذا النوع، تجد نقوش رضيع أشرفت على الزوال. أما الرقم 1798 فقد نقش على جدار آخر، وهو سنة إنشائه، وعلى جزء آخر من الهيكل الخارجي، شكل صغير منحوت يمثل رجلا مكتسيا، ولعله قس أو طبيب، وبيده كتاب، وفي أسفله حروف باهتة محفورة باللاتينية، ولكن لم تسعفني معرفتي بفك ألغازها.  لا يعرف أحد في المحلة أشياء تذكر عن المبنى، باستثناء أنه احترق، دون تحديد تاريخ الحادث، والجميع يحتفظ له في ذاكرته بهيئة مزرية. دمدم دان بعض الكلمات عن ميتم فكتوري، أو ربما مدرسة داخلية، ولكنني لا أثق بكلمة واحدة تأتي من دان. وفكرات أن أنقب عن معلومات في أرشيف مدينة ليث، وحينها سنحت لي الفرصة لرسم عدة بورتريهات لقاء مبالغ نقدية، ثم انشغلت عن متابعة الأمر. ولكنني أتذكر وقوع أحداث عابرة صغيرة. في إحدى المرات حينما كنت أعمل ليلا عاد جاكسون من البنسيون. كانت تلك أسعد أوقاتي. أرسم على مسافة مرتفعة قرب الحمائم وأنتظره. لم يقبلني، بعكس عادته. تجاوزني ووقف عند النافذة.

قال: "كما تعلمين هذا المكان يؤرقني منذ فترة. فيه أبواب لا تفتح، هل سمعت بذلك؟".

نظرت إليه من المرسم وسألته: "ماذا تقصد؟".

"أقصد أنها لا تفتح. مع أنها غير مقفلة، لكنها.. لا تفتح. لم أجد أي تفسير. وتوجب علينا أنا ونك أن نركل عددا منها الليلة. توقعنا أن شيئا غريبا يجري في الغرفة. ولكن لا - فقط أيقظنا جمعا من الزبائن الذين اعتقدوا أن السقف ينهار عليهم. وبدونا مثل الحمقى. حتى أن الباب لم يكن موصدا. فقط.. لا أعلم. حصل ذلك من قبل. أحيانا لا يفتح من الجهتين. كأنه جدار. كأنه جزء من الجدار".

ماذا يمكنني أن أقول؟. لم تكن عندي خبرة بالأبواب. وهو الذي عمل لعشر سنوات ببناء الجسور والتفجيرات.

قلت: "تحتاج لمزيد من النوم وتقليل القلق". وكان هذا أسوأ مما لو لزمت الصمت. مرت علينا مناسبات أخرى من هذا النوع  حينما واجهتنا أمور على نحو متزايد في المبنى ولم يمكننا  تفسيرها. زيادة اختفاء الأشياء ربما هناك لصوص ببن السكان الذين طالت إقامتهم - بعضهم بصراحة يتسببون بالمخاوف. ولكن أشياء اختفت من غرف مغلقة بنوافذ شاهقة وضيقة جدا لا يمكن حتى لمسخ صغير أن يتسلل منها لو وجد نفسه في داخل المبنى حيا. وقال جاكسون هناك أشياء اختفت من أمام عينيه وعيني نك أيضا. مثلا حزمة من الأوراق النقدية على الطاولة، تستدير لتحمل شيئا، وبعد لحظة - تختفي النقود. أشياء أخرى أيضا - ثياب، فراشي أسنان، وحتى جهاز تلفزيون اختفى في الليل. وأشياء غير ذات قيمة مثل الكراسي والجوارب غير المغسولة وسلة غسيل كاملة.

قال دان في إحدى المرات: "حسنا هذه إسكوتلاندا، ماذا تتوقعين من بلاد اللصوص ونشالي النقود الصغيرة. ربما ستجدين المفقودات في شركة تحويل النقود. في منعطف الشارع".

ثم قال المكان مسكون. وجاء إلينا ليشاركنا الشراب ومعه آخر صديقاته، وكان يرتدي التوكسيدو لسبب ما.

التفت نحو البنت وقال: "يجب رفع الأسعار. أليس كذلك يا جاك؟. فهذا أول بنسيون مسكون بالأشباح في إدنبرة. الناس يحبون هذه الترهات. ما رأيك؟'. 

قالت بصوت رخيم: "لست متحمسة". ويجب أن أكون صادقة أيضا مع جاكسون. وكان علي أن أطلب منه أن يتخلى عن البنسيون، ويجد عملا آخر. ولكن لم أفعل. وأسعدني أنه لا يهرول نحو كرسي آرثر جيئة وذهابا مثل المهووس. وكنت أفتخر به، وكان هو فخورا أيضا. اختيرت إحدى بورتريهاتي ، عن الفنان البولوني المسن في كراكوف، ونسختها من الصورة، كي تكسب جائزة BP للبورتريهات التي يمنحها المتحف الوطني*. وتبع ذلك عدة مهام أساسية. ولكن لم يعمل جاكسون موديلا لي لأرسمه. ولم يسمح بشيء يزيد على خطوط عامة. قال: "كلا. هيئتي قبيحة. ارسمي إنسانا آخر بمظهر أجمل". وكان يكره التصوير. يئست من الإلحاح بعد فترة قصيرة. وفي آخر عشر شهور اكترى ليون غرفة في البنسيون، وحجز سريرا لفترة مفتوحة. وكان سابقا مدمنا وهو من مرسيليا. يبلغ 45 عاما لكنه يبدو في الـ 60، بوجه نكد الهيئة. مع ذلك أحبه جاكسون، وكنت ألاطفه. وكان ليون يزورنا في شقتنا ويمضي معنا ساعات الليل كله، وهو يدخن ويتفلسف، ويراقبني وانا أرسم. سألته ماذا أتى به إلى إدنبرة.

قال: "آه. كما تعلمين. أتيت لمشاهدة فرقة سيكس بيستولز في لندن منذ عشرين عاما ولم أرجع".  وكان غامضا قليلا حول أسباب رحيله عن لندن. ولكن لديه قصص جميلة عن العمل في مشرحة بصفة تقني تشريح.

قال: "تحصل على 50 جنيها عن كل جثة. ذمرة ذهبنا من أجل جثة واحدة فوجدنا اثنتين. الأب والابنة. ضربة حظ. توفيت بعد إجهاض غير موفق. لفها الأب في سجادة. فأصابته سكتة قلبية. لم يفارق الاثنان خيالي. لا أعلم لماذا. ولكن هذا ما جرى. أن تصبح أسير بعض الأشخاص أحيانا. وستحزن حينما تفتح الثلاجة في مكان العمل في أحد الأيام وتكتشف أنهما غير موجودين - 'لأن عائلتهما استردتهما'.

كان ليون دائما يحثني على مرافقته بزيارة بعض 'الكنوز' المحفوظة جانبا في المقبرة. ولكن لم أذهب معه. وكان جاكسون يمازحه بقوله عليه أن يكون حاضرا، حينما يأتي بورك وهير السفاحان، لأنه حينها سيجد عملا يستفيد منه كثيرا.

وهكذا حينما تمكنت أنا وجاكسون من تدبر بعض الوقت في خاتمة المطاف واختلاسه من مشاغل الحياة في إدنبرة، بدا أنه من الطبيعي أن يقدم جاكسون شقتنا إلى ليون ليعيش فيها. كنا عازمين على إنفاق كانون الثاني من عام 2009 في أستراليا، وزيارة عائلة جاكسون، والاستجمام ببعض الشمس لنلون بها جلدنا الإسكوتلاندي الباهت. انتحر والد جاكسون حينما كان جاكسون صبيا ولم يخبرني بالواقعة. ولكن أرادت أمه أن تخبرني بكل هذه الأسرار. ثم بعد أسبوعين من العطلة تلقينا مكالمة هاتفية من نك. وأخبرنا أن شقتنا بحال لا يسر. وليون اختفى. و 'قذارة غريبة' تجري في البنسيون. عدنا بالطائرة، وصوت حاد يصفر في رأسي - "كنت أعلم هذا. كنت أتوقعه". ووصلنا لحظة كانت الشرطة على ضفاف النهر تحت جسر شارع جنكشن. وكانوا يرتدون معاطف مطر صفراء ومعهم كلابهم. وكان الجو ماطرا. كانت شقتنا مغطاة بأعقاب السجائر والرماد، وكل شيء اعتقد أنه ثمين اختفى. ولكن لم يكن لدينا أشياء كثيرة. والأهم أنني وجدت لوحاتي سليمة. سقطت على ركبتي ودموعي تذرف وصرخت "شكرا لك يا الله، ولو أنني لا أؤمن بك، شكرا". من الواضح أن ليون لا يقدر فني، وإلا لباع اللوحات. وأعتقد أنها لم تكن ميتة بما يكفي بنظره. وكل صورنا في الشهور الست الأخيرة، ابتداء من كراكوف، اختفت مع الكومبيوتر. ذهب جاكسون إلى البنسيون. لم تكن المشكلة بالأبواب الآن، أو اختفاء بعض الموجودات، ولكن البشر. الناس 'اختفوا'.

قلت: "ماذا تعني اختفوا. تعني أن العاهرة ليون رحل مع مقتنياتنا ولم يترك عنوانه؟". الاطمئنان على سلامة لوحاتي جعلني قوية.

"لا. أعني أن ابنة الزوجين الكنديين الصغيرة كانت موجودة. هناك في سريرها طيلة الليل، ولكنها اختفت في الصباح. ومر على اختفائها ثلاث ليال. مثل الشابين الإسرائيليين اللذين تركا كل ما لديهما على السريرين - جوازات السفر، النقود، الكاميرات، كل قذاراتهما - واختفيا منذ أسبوع. وكذلك البنت الإسبانية ظهرت آخر مرة في الأسبوع الماضي. أقصد هذا النوع من الاختفاء".

كانت له في عينيه نظرة فارغة، النظرة التي أكرهها. قال: "الشرطة تنقب في أرجاء المكان. فحصوا حسابنا. ووجدوا أن دان يتلاعب". كان دان يتصرف لأن حساباتنا حرجة، وبعد ذلك جرى كل شيء بسرعة. تم تحديد مكان ليون في بنسيون داخل بلفاست. واعتقل بتهمة الخطف والقتل. وفي النهاية أدين فقط بالسرقة من شقتنا وحيازة المخدرات. ولم يتم العثور على أي شخص من الذين اختفوا. لا ميتا ولا حيا. لم تجد الشرطة شيئا. ثم أغلق البنسيون دون تحديد وقت لافتتاحه. ليس لأن السياح المفقودين شغلوا الصحف الرسمية، ولكن لأنه بعد الفحص والتدقيق، اكتشفت عدة مخاطر في البناء. بالإضافة إلى أن دان وجاكسون حصلا له على رخصة 'أعمال خيرية'.

ولم تغادر عيني جاكسون النظرة الفارغة، وبدأ بالحركة مجددا، كان يعمل لساعات كل يوم، ودائما يحمل حقيبته العسكرية. حاولت أن أكلمه، ولكنه كان مشغولا جدا. ولم يجامعني بعد ذلك أبدا. كان يحضنني ويرتجف فقط. كنت أستيقظ في الليل وأرى أنه غير موجود، ولكن أعلم مكانه من تفحص مفاتيحه المرتبة بعناية على الخطاف في الردهة: وأرى مفاتيح البنسيون غير معلقة. إنه هناك. في الطرف الآخر من الشارع. حينما اكتشفت ذلك أول مرة، عبرت الشارع، وشاهدته في الصالة الكبيرة. كان جالسا في الظلام، متكتلا على نفسه مثل كومة من الغسيل بين عدة فرشات قديمة. ولكنه لم يلحظني، ولم أكلمه، وعدت أدراجي إلى الشقة، وبكيت حتى هجعت. وحينما ذكرت له أنني ذهبت إلى الطبيب، قال إنه باستراحة، والبنسيون ليس شيئا هاما عنده. ثم حينما حل الصيف اختفى، وكاتت الهررة تتسافد على السطح. ولم تجد السلطات أثرا له يدل أنه غادر البلاد. كل ما أخذه معه حقيبته. لم يسحب شيئا من النقود من حسابنا المشترك، وأخبرني نك أن جاكسون احتفظ بنقود البنسيون السائلة - عشرات الألوف من الجنيهات - في علبة زجاجية أودعها في مكان سري ما.  ولم يكن نك يعرفه، أو على الأقل لم يخبرني به. ثم غادر نك بدوره ولم أشاهده مجددا، حتى عاد في الشهر الماضي وله لحية الرحالة. وذكر شيئا عن لقاء مع جاكسون في مانيلا، حيث يدير بنسيونا اسمه "الأسترالي السعيد"، ويعاشر امرأة محلية. وحاول أن يعرض علي صورة، ولكنني لم أكن مهتمة. ومع ذلك كانت الصورة لإنسان متوحش بلحية وشعر زيتي طويل. طلبت من نك أن لا يزورني مجددا، وربما وبخته وصحت بوجهه. كان جاكسون يجذب أمثاله وأمثال ليون بكرمه وبراءته. وكانوا هم بدورهم يمتصون دمه كالعلق.

مر عام منذ اختفاء جاكسون. قال أحد الأصدقاء: "أنت مثل امرأة من برنامج تحدي الأمواج. شهيدة الشهداء. وذلك النذل اختفى حتى دون وداع".

وبعضهم رأى أنني أصبحت شاذة، وجعلني كلامهم أضحك.

قال آخر: "عليك أن تبحثي عن أواني النقود المخبأة. إن لم يرحل لكانت الأواني بين يديك".

ولكنها نقوده. مهما كانت طريقة كسبها. ويوجد ما يكفيني في حسابنا المشترك لبعض الوقت. نصحني صديق آخر بالعودة إلى الرسم، فهو شفاء وعلاج لي. ولكنني أرسم، يا ناس، إنما لا أعرض لوحاتي على  أحد. وهو مشروعي الضخم. (انتهيت طبعا من بعض البورتريهات، وهي لوحات لمخنثين، من الأثرياء، ولا يفيد أن ترفض عملا مأجورا يوكل إليك).

كما أنني لست مجذومة، يا ناس، وأعيش في شارع جنكشن، قبالة مبنى متواضع أمتلكه، كان في السابق بنسيونا. وكان قبلئذ مصحة احترقت وتضررت، وقبل ذلك مدرسة داخلية وقبلها كان ميتما، وقبل ذلك مستودعا لمعلبات اللحوم. ودائما، دائما، كان أشخاص يختفون، ولذلك أغلقته في النهاية. 

كيف لي أن أعلم بذلك؟. لأنني بحثت عنه في أرشيف ليث، حيث يوجد سجل لتاريخ كل مبنى، بتفاصيل إسكوتلاندية قاسية. وأيضا علمت بذلك لأنني أستطيع الاتكال على أحلامي لتخبرني بما جرى. الأحلام فوق الزمن. كما ترون ليون نتاج وقت قصير، لا شيء غير ذلك. ولكن المبنى هو مكان الجرائم الحقيقية. إنها جرائم الوقت، جرائم غير شخصية. وهي دمعة في نسيج الوقت، هذا المبنى، وفكاه غير المثبتين يقضمانك. وهو ينتقم لأولئك الذين تحللوا معه. فهو يتغذى على  حياة البشر. والناس المتوارون سقطوا في فخه، وراء أبواب لا يمكن فتحها - ليس جاكسون فقط، ولا البنت الكندية فقط، ولا الإسرائيليان. ولكن أيضا من اختفى من قبلهم، في التقمصات السابقة للمبنى. جميعا التحموا بالجدران، الرضع، المرضى، والجزارون بمريولاتهم المبقعة. ورأيت كل شيء بوضوح، وبدون أي شك توجد غرفة في الطابق الثاني من المبنى، حيث النافذة التي لها شكل المصلوب…

وكل شيء سيتضح بعد أن أنتهي من الرسم.

فأنا لم أبلغ الخاتمة بعد. مع كل ضربة فرشاة، كنت أقترب من جاكسون. كنت أعلم أنه ينتظرني لأحرره من سجنه. ولم أكن أريد أن أخيف أحدا بإخباره عن ظروف الليل، حينما أجلس في غرفة نومي وراء النافذة وأدخن، وأسمع من النافذة ذات الشكل المصلوب في أعلى البنسيون، أصواتا خافتة تعزف. وهذا له معنى، لأنني أعلم ما أعلم. بعض الأماكن تضم مصيرنا، ولا حكمة بإنكار ذلك. حاليا، بدأ العمل بالبناء مجددا. جاء الرجال ونصبوا السقالات، ومع أنني أمتلك المفاتيح، أخشى أن ينتهي الوقت قبل إتمام مشروعي. في بعض الليالي، حينما تأتي الرياح من المحيط، تتطاير الستائر البلاستيكية من السقالة، وتضرب الحجارة وتغطي على صوت الغيتار تماما. وفي تلك الليالي أشعر بالوحدة الموحشة، كما لو أن روحي تقعقع في داخل إحدى العلب الفارغة التي كانت للخيار المخلل الصغير البولوني، العلب التي تركلها الريح في ممرات متنزهات ليث، وهي ممرات تنبع من مكان مجهول وتقودك إلى مكان مجهول آخر، باستثناء ما يصل إلى البحر الرصاصي في الشمال. فهي تمتد على طول هذا الطريق حتى تبلغ النرويج.

***

.....................

* BP  اختصار بريتيش بيتروليوم.

* كابكا كاسابوفا Kapka Kassabova. شاعرة وروائية من أصل بلغاري.

 

في نصوص اليوم