likaa mousaalsaidiهل انا وحدي اعاني من هذا الضجيج في راسي؟ منذ سنوات خلت وانا اصحو من نومي اردد اغنيات الحرب واناشيده، واحيانا الحانه حين تضيع الكلمات ويظل لحن تلك الاغنيات يحفر في دماغي رغما عني، ورغم اني احفظ اغاني المطرب المصري عبد الحليم حافظ وشادية والكثير من اغاني فاضل عواد وفؤاد سالم، وحسين نعمة .الا اني لا ارنمها الا في صحوي ومع تقدمي بالعمر زاد هذا الامر ليتحول الى احلام سريالية تجتمع فيها اطراف من حياتي الشخصية مع اغنيات حربية لاعلاقة لها بالحدث، مرة وفي احدى المنامات رأيت زوجي يرتدي بدلة عسكرية زيتونية مع شاربين كثيفين، ويصطف مع باقي اعضاء الفرقة الوطنية للانشاد وكان منهمكا وهو يردد اغنية لم اكن احبها واحسب انها كانت تظهر في تلفزيون العراق وانا في الخامسة من عمري: كان زوجي يغني

شمس احنة شمس... للي يحبنة شمس

درس ننطي درس... للي يضدنا درس

طارت طيور الجنة ... حطن على وطنا

الشمس غابت واحنا... شمش للي يحبنا شمس

اخبرته بالحلم فضحكنا، وصار يكمل لي الاغنيات ويخبرني بالملحنين ويذكرني باغنيات اخرى نسيتها او نسيت اطرافا منها، لكن مع استمرار الامر لم يعد الامر مضحكا ولم اعد اخبر احدا بالاغنيات التي افيق على وقع الحانها يوميا وبلا توقف.

بعض الاغاني كانت ترتبط بمناسبات تتعلق بحركة الجيش العراقي واستعادته لاراضي من الجيش الايراني، مثال ذلك اغنية هي يا اهل العمارة، التي ارتبطت بمعركة تاج المعارك في جنوب العراق وعلى اطراف هور الحويزة، في وقتها واثناء الاصطفاف لرفع العلم في المدرسة سحبتني مدرستي لاغني الاغنية امام المدرسة كلها ولانها كانت تتردد بكثرة في التلفزيون فقد حفظتها وغنيتها، بينما لم اخبر اهلي اني فعلت هذا  لانهم لن يقبلوا ان نحفظ او نغني اغاني الحرب تلك، وحين كانت تعرض اغنية هي يا اهل العمارة ... هاي اجمل بشارة

هاليوم كلنا جنود... عن الحدود انذود

وعالنصر عبارة

وتظهر سعدية الزيدي وهي تهزج وترقص بعبائتها فيسارع ابي لشتمها كما يحلو لعراقي ان يشتم ويقول: ارقصي على اجساد الرجال ارقصي....

بعد تلك المعركة حرمت امي دخول السمك لبيتنا رغم حب ابي له لان شائعات انتشرت بان الاسماك في الهور اكلت اجساد الرجال، وان احدى النسوة فتحت بطن سمكة لتجد اصبع رجل بخاتم زواجه، كانت هذه الاخبار تخيفنا ونصدقها وتنتشر كاهشيم بين الناس.

كانت الاغنيات تصدح احتفاءاً بالنصر والناس تبحث عن مصائر اولادهم في تلك المعارك. هذا مالم اكن ادركه في سن مبكرة فقد كانت بعض الاغاني الموجهة للاطفال تعجبني واتمنى ان اكون بدل الطفلات المغنيات لاسيما بيداء عبد الرحمن بشعرها الكاريه المدور الذي يشبه شعر ماري ماثيو وثوبها الابيض الطويل وهي تغني هسة يجي بابا البطل...متخيل الدبابة

هسة يجي مثل الصبح ... فتح بوجه احبابه

يا بابا احلم واشوفك بالحلم...شمس الوطن وترابه

واصحى وبيانات القيادة تحقق اليتغاوة

ومرفت احمد البنت المصلاوية التي كانت تغني مثل ملاك اغنية وح وح والي فرحانة القائد حاضر ويانة

هنيني بابا هنيني الفرحة ماهي وسعانة

ياقائدنا ياغالي ياقائدنا

اسمك دايما في العالي

ربيعك هل علينا .. والنصر داير حوالينا

كان اداؤها رائعا واللهجة المصلاوية قلبت على لسانها فصارت تشبه اللهجة المصرية وهي تدور بثوب احمر وطوق زهور على راسها، كانت تسحرني دون ان افكر ان مغزى هذه الاغنيات الترويج لفكرة بابا صدام وعمو صدام في ضمائرنا البريئة في وقتها.

اما اكثر الاغنيات شعبية والتي كانت تلهب مشاعر الشباب  فتنقلب مدارس الكرادة  راسا على عقب ماان تبث من مكبرات المدارس في الاحتفالات الوطنية الكثيرة، فهي اغنية ابو حسين علي التي اداها سعدون جابر

ابو حسين علي يكرار علي....ياسيف الاسلام سيفك امانة

بيدين صدام سيف بمكانة...واحنة جنود  وزادنة الله واكبر...علي...الله واكبر

جدنا الرسول اليعربي وابونا حيدر..علي

يكرار

فدائيين كل احفادك نصير .. فدائيين احرار

مطوعين فد احزام فد ايد...مطوعين ثوار

اهل نخوة وشيمة ... اهل همة وعزيمة

لاجل روح الرسالة نكون ثوار  .. فدائيين كلنا صغار وكبار

عراقيين على الجبهة صناديد...عراقيين ابرار

منصورين كل ايامهم عيد... منصورين بالغار

جنود القادسية عرب عزة وحمية...قيادتنة حكيمة وشعب جبار

يكرار ...ابو حسين علي يكرار علي

ورغم شعبية الاغنية وتاثيرها الحماسي الطاغي فقد منعت لاحقا ويقال ان خير الله طلفاح خال صدام ووالد زوجته اوصى بمنعها بحجة اثارة النعرات الطائفية.

اما الاغنية التي كانت تصيب امي بانهيارعصبي لانها ترافق كل هجوم يقوم به الجيش العراقي فتهرع الى التلفزيون لتغلقه بقوة فهي اغنية:

دكي يلراجمة اها...خلي تضوي السماء أها

ترة هاي الحاسمة أها

هذا يوم الحساب... خليهم بالتراب

أما المغنيات العرب الذين كثروا في وقتها يتملقون صدام بشتى الاساليب، كانت سوازان عطية المطربة المصرية قبالة سميرة سعيد المطربة المغربية التي كنت اراها كاليمامة بصوتها الملائكي وادائها المنمق والطوق الذهبي يضيء جبهتها تغني:

عراق الكرامة لك مني السلامة....ولكل البشر

شمعة انت في بالي.. يمنور الليالي وبعيني قمر

ارسملك ببالي ببالي وبفكري وخيالي ... الاف الصور

بينما كانت سوزان عطية المغنية الاكثر بشاعة التي كنت امقت ظهورها في التلفزيون  فقد اسرفت في اغنيات الحرب وتمجيد القيادة وكان من بين اسوء اغنياتها، اغنية:

عجيد الكوم ياعونة...وميض السيف بعيونة

يرب تبارك بزوده... عرب بأهلالة موعودة

غنتها بلهجة العشيرة المقربه لصدام وكانت حين تنطق عبارة فشك صفين بحزامو

اشعر وكان بدني يقشعر من كراهية هذه المرأة القادمة من مصر لتزيد المنافقين واحدا. فضلا عن ثوبها البنفسجي الساتان القبيح وشعرها المعقود مع غرة منفوشة تصيب الناظر اليها بتلوث بصري فظيع.

اخر اغنيات الحرب التي ظلت عالقة في ذاكرتي هي اغنية كاظم الساهر التي اعقبت تحرير الفاو من الجيش الايراني المعركة التي شكلت عقدة للجيش العراقي، كانت ارتال العسكر تدخل الفاو فتباد، حتى تحررت في 17 /4/1988 .

فغنى كاظم الساهر اغنية التحرير

سمرة وجدايلها الشمس.... سحر الخليج عيونها

من لبست ثياب العرس... ماكدرو يوصفونها

الله يا فاو العرب.... كاع الوطن هي الذهب

بينما كان التلفزيون يبث صورا من المعركة تظهر جنودنا يبتسمون والارض من تحتهم منخورة بالقذائف التي حفرت فوهات فيها فجعلت الارض تبدو كسطح القمر.

لن يغادرني طنين هذه الاغنيات وقد صحوت اليوم وعلى لساني اغنية

لا والله والعباس... نوكع زلم فوك الزلم

لمن يشيب الراس... هالكاع ماتنداس

التي كتب كلماتها عبد الرزاق عبد الواحد، حسبي يا الهي ان يظل هذا الوطن محض طنين يملأ راسي ويلاحقني في صحوي ونومي حتى بعد ان اعتصمت بالجبل، وتحصنت بالبحر وهدير نسائمه العابرة من شرفتي.

 

د. لقاء موسى الساعدي

 

ahmad katawiما يفتأ البلل يطالني كما أطال باشلار وهو يغترف من وعاء الملتقى القصة بالبيض

يرشح المكان والزمكان "باستمولوجيا".

الزماكانية عبر أروقة دار الثقافة محمد بلخير بالبيض.

"ليصب ماء عذبا من منابع" المهبولة

ويكرّع في إناء

المنهج الظاهراتي في الامتناع

التخييل والتحليل النفسي وما إلى ذلك في ماهية المكان الؤثث والمؤسس .

ضمن هذه الكوكبة المعرفية وعلى راحلة ومتن هذه ..

هذه الصهوة توزعت مضامين المداخلات في ملتقى القصة الجزائرية

الذي احتضنت فعالياته قاعة دار الثقافة محمد بلخير بالبيض .

حيث ركب كل من المتدخلين هودجه ليصهل "تقاطبا" وانحدارا أو نزولا ويشفع نوازله بما يرشح إناؤه

رصعت القاعة في يومها الاول مداخلة الاستاذ القاص التجريدي

جيدل بن الدين فكان باشلار أحد أوتاد الخيمة في

ترسانة المصطلحات والمناحي والوتر الانعطافي

في مسار هذا الملتقى الناجح الذي تعاقبت على منصته أسماء أدبية تتعاقب في بحة كل قاصة بحة المخيال والتحليل والتعاطي مع المكان: صدحت حناجر المتدخلين

جيدل بن الدين

في تجريد المبنى العام فكرا ورؤى ومرايا ..

في مداخلة له ظلت فيها قيم

السفر خصائص ومميزات القاص والمتدخل جيدل بن الدين

وتعاقبت لتأخذ نفس الريتم ولمبنى والتعاطي وبشيء من الترتيبية المنهجية المتميزة عند الروائي القاص

عبد القادر ضيف الله الذي سبر أغوار غاستون باشلار بشيء من الفيض والتمنهج

لتحذو الحذو

وترنو الى مباه ثلاثية باشلار في افيك ثلاثية الزمكاية وتعقبها للمكان

مع تدخل الروائي أحمد ختاوي، القاصة نسيمة بن عبد الله

الروائي والناقد

مليس بوحفص

القاص مكاوي عبد القادر مكاوي

الاديب الجيلالي بن عبيدة

الكاتب الاستاذ :

عامري الشيخ

القاص سعدي صباح

وكل من أعتلوا المنصة

تعاقبا في الرؤى وفي "صيحة" التعاطي مع الوطن والزمكانية

فكان باشلار عنوان النجاح و الاغتراف، والكل كان على مدار هذا الملتقى الناجح يكرع من عذب ميه المهبولة

وقد أصابنا البلل جميعا غيثا وميمنة

حتى باشلار الذي بلله الغيث تيمنا وليس كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لبائع الطعام حين قال له أصابه البلل : في إشارة للغش

كان البلل هنا نمودجا للنجاح بشيء من التفاوت من متدخل لآخر بالاحرى بشيء من مدارج" النمطية من متدخل لاخر ولكل واحد منهجية وتعاطيه مع زمكانية ذاته كموقع ذاتي

بطني أو ظاهري

وكتجنح ، وربما حتى جنوح

لكن مع كل هذا ظل البلل يطيل الجميع ميمنة ، إيذانا وعربون نجاح لهذا الملتقى في وقائعة وفعالية

فالببل كان منهجية وكان نبراسا لمنحى دلالات المأمول في هذا الملتقى الذي عرف نجاحا منقطع النظير على جميع الاصعدة

هذا عبور عابر في انتظار ورقة اكثر تفصيل لمجريات الملتقى

كل الشكر للسيدة مديرة الثقافة والاستاذ مدير دار الثقاف محمد بلخير

بالبيض

وكل القامئن: المؤطرين

على منحنها هذا " الكوب المعرفي الذي ارتوى منه حتى باشلار ولا ننسى رولاند بارت وغيرهما

ألف تحية لكم أهل البيض رجالا ونساء وقائمين و مثقفين وأدباء

 

كتب / أحمد ختاوي

 

 

talib hashimaldarajiبالأمس كان الشاعر يكتب عن هموم أمّته، لأن همّهُ فيها، ولا يكتب الا حين تعتصره الفكرة وتختمر في ذهنه وتلح عليه، انه الشاعر الذي يكتب للمنفعة وليس لإرضاء الفن والحاجة الشعرية فيه، بينما تحول اليوم غالبية من الشعراء إلى شعراء يوميات كل همه وغمه نفسه وما يعتلج فيها من معاناة نفسية ومادية، حيث يكتب أكثر من قصيدة في الأسبوع الواحد ونتيجة لحاجته ورغبته في النشر، تفتقد قصائده إلى الجماليات الشعرية والفنّية وتكون مجرد وزن وقافية، ركيكة وفَّجة وضحلة، أن هذا النوع من الأجناس الادبية لا تنجح فيه الكتابة العجولة وقد تنجح في النثر او الشعر الحر أو الخاطرة ؟ .

الحركة السريعة في الساحة الفيسبوكية هي التي دفعت هؤلاء  الشعراء للّحاق بأقرانهم ممن ينشرون يوميا أو كل إسبوعٍ وشجّعتهم على الكتابة اليومية، فكانت العجالة سببا في تردي الكثير من القصائد الحديثة التي لا تعكس سوى المظاهر الآنيّة وتفتقد إلى عناصر مثل البلاغة والصورة والانزياح والجرس، والمشكل، أن الكثير من هؤلاء الشعراء ثبتوا وجهة نظر لهم معيارية قبالة القراءات الشعرية في المجالس والمهرجانات والمرابد والمناسبات معيارية وزنية عروضية، فإن القصيدة عندهم من أكتمل وزنها وصحت قافيتها، وبدلا من تفرغهم لأنفسهم واهتمامهم بمنجزاتهم الشعرية وتطوير مهاراتهم في  الأسلوب والأسلوبية والحداثة، راحو يشنون حملات الهدم والتسقيط والاستهزاء على كل من يكتب في النثر !!! . لو أنهم تفرغوا لأنفسهم كان خيرا لهم  مما طلعت عليه الشمس.

 

...................

 انتقد النثر يفرحون، وإذا انتقدتهم يزعلون،.......كول لا

 

rasheeda alrakikيسرح الإنسان بخياله في هيام واستيهام معلنا حقه في تجاوز الواقع أو التعالي عليه أو الهروب من إحباطاته المتكررة.

يُبحر الإنسان في بحر من الكلمات عبر شاشته الداخلية يعكس كل ما يحتاجه من رغبات متجاوزا كل القيود وبنوع من الحرية الداخلية المنشودة.

ولمّا تتراكم الأحداث عبر التاريخ الفردي تثقل الذاكرة، ومن حيث أنها تفكير مصحوب بإحساس تُحرك فينا أحاسيس شتى بشيء من القبول أو النفور.

وهكذا تستمر الذات في هذا الماضي و يُنقل بكل تفاصيله لدرجة أننا نصبح عرضة لتشتت الإنتباه في اتجاه الحياة الواقعية و كأنه نوع من التجاهل أو الرفض لها. هنا تبدأ لعبة النسيان المتأصلة في الوجود الإنساني بطرق شتى من تجاهل أو هروب أو نكران وربما تبرير وكأنه رفض للواقع الجديد وتثبيت للأنا في مستوى معين من الذاكرة ورفض الإنتقال لمرحلة لاحقة تقترب أكثر من الحاضر متخلصة من الماضي البعيد بشيء من الذهول والسرحان تجسيدا لنوع من الغياب على مستوى الحاضر، عندها يفيض الماضي بكل أحاسيسه و ثناياه بكثير من التمعن.

كثيرا ما يتكلم الإنسان عن الماضي بذاكرة قوية سواء كانت ذكريات حزينة أم سعيدة، ويتلذذ بالحديث عنها وكأنها أساس لكل ما عداه.

 يرتبط الوجود الإنساني بالماضي وكأنه قدر عليه أن يكون كائنا تاريخيا، كائن في حياته أحداث طفولية و شبابية وغيرها.

و لقد استعصى على الإنسان فهم تقلباته ليبحث في تاريخه المنسي ربما يبحث في سر هذا المعنى أو ذاك وهذه الوضعية وهذا التقلب.

استعصى على الإنسان إنبات حاضر جديد من غير جس نبض آلامه وعرض قراءاته بثقافته الفردية وبوعيه السيكوسوسيولوجي كمرجعية خاصة تجعل من الحياة المعاشة أساس كل تفسير.

اعتاد الإنسان اجترار الماضي وفق ما سخرته له طبيعته البشرية، هو اجترار من أجل الفهم بلغة وتجربة الحاضر، فهل نظلم هذا الماضي أم نستبشر به حاضرا مختلفا في اتجاه الأفضل؟ هل كان على الإنسان أن يفتعل قطيعة معه بالنسيان، فيجرد ذاته من هذه الطبيعة العقلية؟

قد يتذكر الإنسان ماضيه مصدر شقائه ليتذكره بنوع من الحنين، أليست الذات  تعيش نوعا من السادية والتعذيب لنفسها؟ ولماذا هي لعبة النسيان للحاضر التي تلعبها الذات بنوع من الإخفاء؟ أليس الحاضر أحق بالتذكر باعتباره القريب؟ إنه نسيان للحاضر دون ماضي  الذي تجدر فينا بفعل السنين وبفعل التذكر، استعصى على الإنسان نسيانه بينما الحاضر لازال في طور النقش على صفحات الذكريات .

تترسخ الأحداث بفعل ما تركت فينا من آثار على مستوى الإحساس لتحدث نوعا من البرمجة الفردية وتفسير كل حساسية اتجاه الموضوعات لتتشكل في شكل مواقف تجد لها تفسيرا في هوية الشخص الفردية و في تفرده.

لعبة النسيان هي ما يبرر الوجود ويفتح الصفحات الجديدة لتكتب فيها الأحداث وتستمر معها الحياة.

بين التذكر والنسيان الإنساني معنى لا نجده إلا عند هذا الكائن الصامت والهادئ في مظهره لكنه الصاخب والهائج في جوهره. فأين تكمن النعمة إذن، هل في التذكر أم النسيان؟ وهل لعبة النسيان يتلهى بها الوجود الإنساني ليجد في نفسه نوعا من التصالح مع الذات وضمان الإستمرار؟ هل العلاقة مع الماضي قطيعة في شكل نسيان أم استمرارية وتدفق وإنسياب في شكل تذكر؟

يتأرجح الوجود الإنساني في تقلباته بين كائن ذكي قد يتخذ من الغباء واللامبالاة كوضعية يرتاح فيها من كل وعي، هي وضعية مريحة للذات من كل مقوماتها وثورة في وجه كل التحديدات لجوهر الإنسان وأساس وجوده.

إنه نوع آخر من التواجد المشترك والتشاركي مع الآخرين، نتشارك ذكرياتنا كما نتشارك نسيانها لنحافظ على استمرارنا وخصوصيتنا كما نراها و نريدها أن تكون ومن تم مشروعية النسيان .

الحاضر معرض للنسيان كلما قرب من الذاكرة. الحاضر يقترب من الواقع المعيش منه من الواقع التأملي والإستحضاري على مستوى الذاكرة، وكأن التأمل في شكل تذكر بالأحاسيس نوستالجيا لأوضاع مضت.

 الذاكرة إذن أساس كل جوهر وكل معنى ولكن لماذا النسيان الذي لا يتوافق مع أصل الطبيعة الإنسانية مع أنه جزء منها؟ فهل هو حقيقة أم لعبة تستعملها الذات الواعية بميكانيزمات لاواعية؟

يبدو أن رفض الذات العاقلة قد يشغل ميكانيزمات تخرج عن نطاق الوعي لتحقيق نوع من التوازن والإستقرار النفسي، قد يكون بذلك النسيان تحايل الذات على الأحداث يجسد نوعا من الرفض

كاستراتيجة مفيدة تلغي كل مقومات الذات وكل ما تباهى به الإنسان مميزا نفسه عن سواه من الكائنات.

أكيد أن لعبة النسيان ستقصد أحداثا أو أشخاصا، وكان على كل عضو في الإنسان مسؤولا عن هذه العملية أن ينخرط دون عصيان لأن الأمر نتيجة لعملية جد معقدة يصعب عليه فك شفراتها.

 تدعو الذات نفسها للنسيان ليستجيب الجسد معلنا استسلامه وضعفه، فالأمر يتعلق بالعمق الوجودي الإنساني الذي يتجاوز الجسد أو العقل و الوعي...

مهما كانت المسافات تعمل الذات على اختزالها في لمح البصر بالدعوة للنسيان ولكن عليها أن تثقن قواعد اللعبة حتى تستطيع التحايل على نفسها.

 قيل أن الجسد وقدرات العقل على التخزين تثير العجب وتذهل كل عقلية علمية فذة لكن لا تستطيع الانخراط في فك لغز التواجد الإنساني لأن بكل بساطة وجوده لا يتلخص في جسده.هي مفارقة يعرفها الوجود الإنساني بين المظهر الجسدي والجوهر الباطني والنسيان يجمع بينها، ولكن باستجابة الجسد للباطن كحقيقة للوجود.

ستظل لعبة النسيان للذات المفكرة تحتاج إلى الكثير من القراءات لتغني عمق الوجود الإنساني وتوضح حقيقته وتجعل منه أساس كل التفرد . ومع أن الحقيقة المعقدة قد تكون صادمة ستظل سرا من أسرار جمالية الإنسان، ومصدر لكل ممتع يبحر بنا  في كافة الأبعاد القيمية، السيكولوجية والسوسيولوجية وأيضا الأنطولوجية متفاعلة فيما بينها لتعطي كائنا ممتع الوجود والبحث، ولكنه وجود صادم لكل من يريد اختزاله في بعد دون آخر، وربما في ذلك قهر وحيرة لكل من رأى فيه كائنا حيا ينطق فيه الجسد ويحرك سلوكه ويبني مواقفه وكأنها الحاجة فقط ما يحركه لتجعل منه كائنا صانعا مبتكرا بعيدا عن كل الأبعاد الأخرى كأساس للفرد والتي قد تلغي كل مقومات الذات من قبول ورفض وعقل ووعي...

يبدو أن الذات المفكرة أصيبت بعطب ليظهر النسيان تغيبا لقدراتها وينطلق المستوى اللاواعي بميكانيزماته الخفية، ومن هذا المنظور يعلن عن حالة اعتلال يتخبط فيها الإنسان يحتاج إلى فترة من النقاهة وتتلاهى الذات بلعبة النسيان...

الوجود الإنساني بنية جد مركبة ومعقدة تتشابك لتوجد فينا هذا الإختلاف بيننا و الجميل بشكل تكميلي لبعضنا البعض، لتجعل لكل منا بصمته التي لن تتكرر ويجب قبولها كذلك بالرغم من لعبة النسيان

التي قد تبدو صادمة في شخص الذات المفكرة لكنها مثيرة ومذهلة لصورة الإنسان الفريد والمتناغم في حضوره الوجودي المستفز لكل مدّع للعلم والحتمية في مجال العلوم الإنسانية كمجال للحيرة لازال يحبوه مخفقا في الوصول إلى نتائج يقينية.

 

بقلم: رشيدة الركيك

 

 

faroq mawasiزرقاء اليمامة، واسمها عَنْز، هي من جّديس، حيث عاشت في اليمامة في منطقة فسيحة اسمها- جَوّ. اشتهرت بقوة بصرها، فقيل إنها كانت تبصر الشّعرة البيضاء في اللبن، وتنظر الراكب على مسيرة ثلاثة أيام، وكانت تنذر قومها فتخبرهم إذا الجيوش غزتهم. تخبرهم بقدوم العدو قبل ثلاثة أيام، فلا يأتيهم جيش إلا وقد استعدوا له، حتى احتال لها بعض من غزاهم، فأمر أصحابه أن يقطعوا شجرًا، ليمسكوه أمامهم بأيديهم.

نظرت الزرقاء فقالت: إني أرى الشجر قد أقبل إليكم، وأنشدت:

أقسم بالله لقد دبَّ الشجر *** أو حِمْيَرٌ قد أقبلتْ شيئًا تجرّ

قالوا لها مكذّبين: قد خرفت، ورقّ عقلك وذهب بصرك.

صبّحتهم الخيل وأغارت عليهم.

بعد أن انتصر أعداؤها على قبيلتها، قوّروا عينيها، فوجدوا عروق عينيها قد غرقت في الإثمِد من كثرة ما كانت تكتحل به.

..

سنعجب اليوم، ولا نصدق حكاية البصر الحادّ، فثمة غلوّ في الرواية.

لكننا قد نعلل القصة بأنها كانت تريد من قومها البقاء في حالة استعداد وعدم التراخي حتى لا يكونوا لقمة سائغة لعدوهم الملك حسان الحميري، هذا الملك الذي ينسب غزو اليمامة له.

كانت النهاية مأساوية تمثلت في اجتياح العدو مساكن قوم زرقاء وقتل الكثيرين منهم، وهي قصة قد تناقلتها الروايات في ما بعد وضخمتها، وهذا طبيعي في قصة تعاد روايتها.

...

مما نسب لها في تحذيرها لقبيلتها عندما رأت الشجر يتحرك:

خذوا حذاركمُ يا قوم ينفعكم *** فليس ما قد أرى بالأمس يُحتقر

إني أرى شجرًا من خلفها بشر *** وكيف تجتمع الأشجار والبشر

خذوا طوائفكم من قبل داهية *** من الأمور التي تخشى وتنتظر

ثوروا بأجمَعكم في وجه أولهم *** فإن ذلك منكمْ فاعلموا ظَفر

وناهضوا القوم بعض الليل إذ رقدوا *** ولا تخافوا لهم حربًا وإن كثروا

..

وردت القصة في (العقد الفريد، ج3، ص 71) لابن عبد ربه، حيث يذكر أن الزرقاء من بني نُمَير، وفي (خزانة الأدب، ج 10، ص 263) للبغدادي- الشاهد 845، وفي (مجمع الأمثال- المثل 574) للميداني، ويذكر أن "اسمها- اليمامة، وبها سمي البلد، وذكر الجاحظ أنها كانت من بنات لقمان بن عاد، وأن اسمها عنز، وكانت هي زرقاء".

(ملاحظة: الزرقاء لزرقة عينيها).

ويرى الزمخشري في (المستقصى، المثل 53) أنها كانت ملكة قومها.

وردت القصة في (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني (ج2، ص 125 – دار الفكر):

"إنّ قومًا من العرب غزوا اليمامة، فلما اقتربوا من مسافة نظرها خشـوا أن تكتشف الزرقاء أمرهم، فأجمع رأيهم على أن يقتلعوا شجرات تستر كل شجرة منها الفارس إذا حملها. فأشرفت الزرقاء كما كانت تفعل. فقال قومها: ما ترين يا زرقاء؟

فقالت: أرى شجرًا يسير!

فقالوا: كذبت أو كذبتك عينك، واستهانوا بقولها.

فلما أصبحوا صبحهم القوم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأخذوا الزرقاء فقلعوا عينيها، فماتت بعد أيام. وعندما ماتت اقتلعوا عينها فوجدوا ان عينها كانت مليئة بالإثمد."

وورد في المصدر نفسه أنها كانت ترى على مسافة ثلاثين ميلاً!

..

وفي (معجم البلدان- مادة يمامة) لياقوت الحموي ترد القصة طويلة، وحرب طسْم وجَديس مع تغييرات في التفاصيل، ويضيف أن الزرقاء أول من اكتحلت بالإثمِد بين العرب.

..

قد ينكر البعض هذه القصة على المستوى العلمي، ولكن القصة أصبحت أشبه بأسطورة، ونحن لا نبحث هنا عن مدى حدة البصر في الإنسان، أو مسألة انتهاء الأفق أمام الناظر بسبب كروية الأرض، بل نبحث عن العبرة.

هي قصة تبين ضرورة سماع النصيحة ممن له سابق خبرة.

..

ذكر الأعشى القصة في عينيته:

إذْ نظرتْ نظرةً ليست بكاذبة *** إذ يرفّعُ الآلُ رأسَ الكلب فارتفعا

قالت: أرى رجلاً في كفِّه كتِف ** أو يخصِف النعلَ، لهفي أيّةً صنعا!

فكذّبوها بما قالت فصبّحهم *** ذو آلِ حسّانَ يُزْجي الموتَ والشِّرَعا

فاستنزلوا أهلَ جوّْ من منازلهم*** وهدّموا شاخصَ البنيان فاتَّضعا

يشير الأعشى الكبير في البيت الأول إلى ما كانت وصفته الزرقاء في حركة الجيش القادم، حيث أنها رأت رجلاً يحمل طعامه، وآخر يخصف نعله، فقالت:

إني أرى رجلاً في كفّه كتف *** أو يخصف النعل خصفًا ليس يبتدر

..

ثم إن المتنبي ذكرها كذلك في معرض فخره:

وأَبصر من زرقاء جوٍّ، لأنني *** إذا نظرت عيناي ساواهما علمي

فضل المتنبي نفسه على زرقاء اليمامة فقال: إذا نظرت عيناي ساواهما علمي: أي أنهما لا يسبقان علمي، فإذا رأيت الشيء يبصره علمي بقلبي.

وروى ابن جِنّي "شأواهما علمي"، والشأو: المدّ والغاية. يقول: إذا نظرت عيناي فغايتاهما: أن تعرف ما علمته بقلبي؛ يعني أنه عارف بأعقاب الأمور.

..

وبعد،

فقد كنت كتبت قصة (وخرجت زرقاء اليمامة) نشرتها في حينه مجلة (فلسطين الثورة)، كما نشرتها في كتابي (أمام المِرْآة وقصص أخرى، ص 77)، وفيها استوحيت ما جرى لنا من هزيمة سنة 1967، وأن الأصوات التي استشرفت هذه الهزيمة لم يصغ إليها أحد.

إليكم القصة:

وخرجت زرقاء اليمامة

سادتي:

لم تكن قصة الشجر صحيحة، لكنهم أرادوا أن يجسّموا مبلغ صدق حدسي وبعد نظري، فألفوا هذه القصة.

وأنا لست بالغبية إلى هذا الحد حتى أقول لهم "إن شجرًا يتحرك ويقبل عليهم، وأنا وإن كنت لا أبصر جيدًا في أواخر أيامي– وهذا طبيعي لمن هو في جيلي – فأنا بعيدة عن الخرف والهذيان.

قومي يتبارون في جمع المال وإقامة الموالد، وأعراس، بناء، أعراس بناء، أعراس، بناء ......

قلت لهم أولاً، ولم يكن قولي إلا توجسًا، فلم يردّوا، وعموا وصمّوا.

وبعد أن وقعت الواقعة سمعتهم يرددون:

- لأنهم لم يصلوا.

- لأنهم صلَّوا وصاموا....

- لأنهم راءَوا في الصلاة وسهَوا، والدين يا أخي لا يمنع تقدم الآلة، و {علّم الإنسان ما لم يعلم} صدق الله العظيم.

- لأن العقاب مفروض من السماء، والناس قد فسقوا لأن ..............

وقلت لهم ثانيًا: إن الجراد قد أتى على بلاد قريبة، فقد يغزونا فاحذروا الجراد، يا جماعة الخير!

- هذي مشيئة الله، والمكتوب على الجبين تراه العين.

- جدي أكل من الجراد، فلماذا لا تجرب؟

- هذي مسؤولية الحكومة.

- ليس لي أرض وأنا مالي وللجراد؟ فليتحرك أحمد العلي وسلمان الحاج وسعيد اليوسف، فهم أولى.

(مر الجراد على زرعي فقلت له *** لا تأكلن ولا تشغل بإفساد)

الطقس بارد وغيوم تصور أشكالاً. قلت لهم:"ستكون حملة".

لم يتحرك أحد".

سارت زرقاء اليمامة باتجاه البحر، وعندما وقفت على الشاطئ ألفـَت نفسها تتقن السباحة.

نزعت الزرقاء ثيابها كلها، صارعت الأمواج، و.....

سقطت أمطار غزيرة غزيرة، والعاصفة تعصف.

واختفت الزرقاء رويدًا رويدًا عن الانتظار ... واختفـــــــ

 

ب. فاروق مواسي

 

 

nemer saediأجملُ ما في الجوائز الإبداعية تلكَ التي تأتي بلا انتظار.. وأن تذهب لمن هو خارج توَّقعات الفوز بها، هي لفتة مهمِّة للمبدع البعيد عن دوائر أضوائها الذهبية، ورسالة غامضة أو مفهومة ضمنا لهؤلاء الذين انتظروها بلا جدوى، حتى شارفت أعمارهم على الانطفاء.

*

صوتها وهو يلقي قصائدي كانَ عبق فلسطين وزهورها وأشجارها السماوية وخريفها الملوَّن الذي لم أبرأ من حنيني اليه بعد، جمعَ فلسطين كلُّها في هذه البانوراما الخريفيَّة الشعرية بكل بهاء وضوء وألق منساب.

*

في الزمن الافتراضي من المستحيل تصفية هذه الأطنان من النصوص الفيسبوكية لاستخراج ذرة ذهب شعرية واحدة.. هذا الشيء يشبه البحث عن محارة في محيط، ولأن الفارقَ ما بينَ مبدعي ومدَّعي الفيسبوك هو حرف واحد لا غير، أصبحَ المبدعُ الحقيقيُّ كمن يشكُّ بذائقتهِ.

*

رحيل الروائي والمترجم العراقي المبدع حسين الموزاني وحيداً في منفاهُ البرليني خسارةٌ لا تقاس ودمعةٌ لا تجفُّ، خلال معرفتي القصيرة بهِ كانَ مثالَ المثقَّف الحقيقي الذي لا يعنيه لغوُ الكلام ولا الجدلُ العقيم لفرط انشغالهِ بالبحث عن المعنى الأعمق والأكمل والأنقى للجمال والابداع والكتابة.. كأن لا نصيبَ للمبدعين في هذه الحياةِ سوى القلق الوجودي العظيم والوحشة الأبدية والرحيل في صمتٍ وحزنٍ بعيداً عن ترابِ الوطن الأم.

*

لا أعرف كيف من الممكن أن يكون شاعرٌ له تاريخهُ ومنجزهُ واسمه مجرَّدَ شبِّيح بغيض؟ على أساس أن جوهر الشعر هو الإيمان بالحريَّة والمحبة والجمال والقيم الإنسانية العليا، هل يجد في هذا الخراب السوريالي الجحيمي الكامل الذي يطبقُ على الشامِ كلِّها ما يُقنعهُ ك (شاعر) أو ك (مثقف) أو ك (إنسان)؟

*

 ليست القصيدة سوى لعنةٍ جميلة، وشاعرٌ لا يرتضي لعنتهُ لا يُعوَّل عليه.

*

هل سأشفى من حبِّ قصائد الشاعر السعودي الكبير علي الدميني؟ لا أظن، قبلَ عشرينَ عاماً تتبعت هذا الشاعر المبدع بأنفاس محبوسة، جذبتني قصيدته بصوتها السحري كما جذبت السيرينات عوليس، منذ قراءتي لشهادتهِ المعنونة ب (لستُ وصيَّا على أحد) في كتاب (أفق التحولات في القصيدة العربية) وقد ضمَّ شهادات شعرية لأبرز الشعراء العرب وذلك في منتصف صيف 2001، كانَ الدميني أحد أجمل آبائي الشعريين وأحد الشعراء الأفذاذ الذين تأثرت بهم، كان صوتهُ قادرا على الاحتفاظ بأصالتهِ ونقائه ونصاعتهِ وألقهِ الأسطوري حتى لو تردَّد في قلبي مئات المرَّات.. وذلك هو الإمتحان  الذي يجب على القصيدة أن تجتازه في طريقها للجمال للصرف والمجاز الصافي..  قصيدتهُ انتصار للحب، للحريَّة، للإنسانية، قلبي الآن نجمة مضيئة وليس مجرَّة فحم مطفئة، قلبي نجمة مشتعلة، وشبه ممسوسٍ بغبارِ الجمال الفضيِّ، لأنَّ يد هذا الشاعر المتفرِّد هي التي حملت أحد دواويني برمادِ غواياته السريِّ وبعثرته في وجه الشمس.

*

يتمنَّى الشاعرُ أن لا يتبدَّى له خسرانُ الشِعر المبين في صراعهِ اليوميِّ مع المادة.

*

طريقُ الشِعر محفوفةٌ بطمأنينةِ القلقِ الجميل.

*

قد تمتدُّ يدُ أحدهم لمحو إحدى حبيباتهِ القديمات من على سبُّورةِ ذاكرتهِ.. بعد أن تسوِّل له نفسهُ بنعمةِ النسيان.. ولكن أن يفعل شاعرٌ هذا مع إحدى ملهماته الأثيرات.. فذلك هو يأسُ الشعراء الأعمق.

*

يحدثُ أن يتوقَّف شاعرٌ عن الكتابة أو يكتبَ صمتهُ الأبديَّ البليغَ كما فعلَ رمبو.. وبمنتهى البساطة.. لا من أجلِ شيءٍ وليسَ لأنَّ أحلامه انهارتْ.. أو لأنَّ حبيبةً أو فكرةً هجرتهُ، بل لأنهُ سقطَ في عجزٍ روحيٍّ عن تحويل ما في الحياةِ من أشياءٍ لا تُحصى إلى شِعر.. العجزُ أحياناً موتٌ مجازي، والشاعرُ يشبهُ تلكَ الآلةَ السحريَّةَ التي تحوِّلُ القبحَ إلى جمالٍ والقوَّةَ إلى هشاشةٍ والأرضَ إلى سماء.

*

الأمُّ والشِعرُ.. هل من المصافاتِ أن يتقاسما نفسَ اليومِ؟

رغمَ كلِّ شيءٍ كانا أجملَ اختصاراتِ الحياةِ، حلمَ البداياتِ وشغفَ المُشتهى.

*

أن أصدرَ ديواناً ولا يُكتب عنه خبرٌ في الصحافة الأدبية أمرٌ طبيعيٌّ جدَّاً بالنسبة لي ولا يزعجني إطلاقاً.. وهو أفضل بمليون مرَّة ممَّا يقعُ فيهِ الكثيرون من سقطات قويَّة.. كأن يكتب أحدهم خبراً عن صدورِ ديوانهِ الجديد واصفاً نفسه ب(الشاعر الكبير).. من المستحيل أن أصدِّقَ شاعراً يصفُ نفسه ب (الشاعر الكبير) حتى لو كانَ بابلو نيرودا ينطقها أمامي، كلمةُ شاعر هذه تشبهُ علاقةً سريَّةً بيني وبين قلبي، لا علاقةَ للآخر بها، وهذا ليسَ تواضعاً ساذجاً بل ثقةٌ مطلقةٌ بقصيدتي.

 

نمر سعدي/ فلسطين

 

faroq mawasiمن الشعر الجميل الذي قرأته - أبيات متمّـم بن نُويرة من قصيدة له في رثاء أخيه مالك:

لقد لامني عنـد القبور على البكا ***  رفيقي لتَذراف الـدموع السوافـكِ

فقال: أتبكي كـــل قبر رأيته ***  لقبر ثوى بين اللــوى والدكـادك؟

فقلت له: إن الشجـا يبعث الشجا ***  فــدعني، فهذا كـــله قبر مالك

..

الأبيات الثلاثة وردت في حماسة أبي تمام (ج1، ص 334).

وقد ذكر أبو علي القالي في (الأمالي، ج2، ص1):

"قدم متمم بن نويرة العراق، فأقبل لا يرى قبرًا إلا بكى عليه، فقيل له: يموت أخوك بالمَلا، وتبكي أنت على قبر بالعراق! فقال:

 لقد لامني عنـد القبور على البكا ***  رفيقي لتَذراف الـدموع السوافـكِ

أمِن أجل قبر بالملا أنت نائح *** على كل قبرٍ أو على كل هالك

فقال: أتبكي كـــل قبر رأيته ***  لقبر ثوى بين اللــوى والدكـادك؟

فقلت له: إن الشجـا يبعث الشجا ***  فــدعني، فهذا كـــله قبر مالك

ألم ترهُ فينا يقسّم ماله *** وتأوي إليه مرمِلات الضرائك

(الضرائك= الفقراء)

إنها عاطفة  حزينة، فهو يبكي على كل قبر يراه، لأنه يتخيله قبر أخيه!

هو يسوّغ بكاءه على قبورغريبة بقوله: إن الأسى يبعث الأسى.

هذه الملامة التي جعلها على لسان رفيقه، وهذا الجواب رافضًا لومه: دعني، فهذا كله قبر أخي، لا يتأتى إلا لأنه يتصور أن الأرض أو القبور اجتمعت كلها في قبر أخيه.

من هنا كانت أسباب الحزن ومهيجاته تتشابه، فكلٌ منها يقوم مقام الآخر.

ها نحن نسمع أصواتًا في  هذه الأبيات: صوت  اللائم، البكا، التذراف، السؤال- أتبكي، الجواب- فقلت له، والالتماس- فدعني، فهذا ...، ومن خلال ذلك هذا التجانس الصوتي في أصوات الألف والواو والياء ممتدة بأنينها.

كما نلاحظ حركية وحسية من لون نراه، أو مكان نشهده، أو صوت نسمعه.

من أجل ذلك أعجبت ورددت هذه الصورة الأسيانة الصادقة.

..

حكاية الأبيات:

قُتل مالك بن نُويرة في حروب الردّة، قتله ضِرار بن الأزوَر بأمر من  القائد خالد بن الوليد، وفي ذلك روايات مختلفة.

تروي كتب التاريخ أن عمر بن الخطاب احتجّ على قتله بشدة،

فقال له الخليفة أبو بكر: "ما كنت لأشيم سيفًا سلّه الله...."

..

قيل إن متممًا بكى على أخيه حتى سالت عينه العوراء.

..

الرواية تجدها في عشرات المصادر، منها:

ابن كثير: البداية والنهاية- سنة إحدى عشرة للهجرة- خبر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي، ج5، ص 619.

ابن سلاّم الجُمَحي:  طبقات فحول الشعراء ج1، ص 204- طبقة أصحاب المراثي، وقد جعل متمِّمًا في الطبقة الأولى وقدّمه.

ابن خَلِّكان: وفيات الأعيان، ج6، ص 13-19 (رقم 769)

...

اشتهر موقف متمم من أخيه وشدة بكائه عليه، وقد وردت إشارات كثيرة في الشعر العربي تذكر ذلك، منها ما يقول ابن حيّوس:

وفجعةُ بَينٍ مثل صرعةِ مالك *** ويقبُح بي ألا أكون متمِّـما

ابن اللبّانة في وفائه للمعتمد بن عبّاد:

حكيتَ وقد فارقتَ ملكك مالكًا *** ومن ولهي أحكي عليك متمِّـما

قال ابن خَلِّكان في ختام روايته:

"وبالجملة فإنه لم يُنقل عن أحد من العرب ولا غيرهم أنه بكى على ميّته ما بكى متمِّم على أخيه مالك".

 

ب. فاروق مواسي

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لقصّة يسرائيل بن جمال (چمليئيل) صدقة الصباحي (الصفري) (١٩٣٢-٢٠١٠، كاتب ونشيط في مجتمعه، نشر نُسخًا من التوراة ومن الصلوات) التي رواها بالعبرية على مسامع بنياميم (الأمين) صدقة، الذي نقّحها ونشرها في الدورية السامرية أ. ب.-أخبار السامرة، عدد ١٢١٩-١٢٢٠، ١ تموز ٢٠١٦، ص. ٥٣-٥٦. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات على الأقلّ بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة الشقيقين المحرّرين  بنياميم (الأمين)  ويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

مفرِّج بن رزق المفرجي (مرحيڤ بن شت المرحيڤي)

”في مِحور معظم قصص الطائفة، يقف بالطبع كهنة كبار، وفي قلّة منها يدور الحديث حول سامريين عاديين. والحقّ يقال إنّ قصص هذه القلّة تلمس القلب، أكثر من سائر القصص. لا ريب، أنّ تعاطفي مع هذه القصص أكبرُ  لأنّي إسرائيلي من نسل منشه بن يوسف.

في هذه المناسبة، أودّ أن أتحدّث عن إحدى الشخصيات، التي رافقت هذه الطائفة سنواتٍ كثيرةً جدّا حتّى وفاته، إنّه الشيخ مفرج بن رزق المفرجي (مرحيڤ بن شت المرحيڤي) الذي كان معروفًا بيننا باسمه العربي مفرِّج. مفرِّج كان إنسانًا متواضعًا بسيطًا، قضى كلّ حياته في فقر مُدقع. بشقّ الأنفس اعتاش، عمل في العِتالة وفي خِدْمات بسيطة لكلّ من كان يطلبها. قضى كلّ حياته مع الناس مُحبًّا ومحبوبا. أبناء عائلته الواسعة، أبناؤه وعائلة پوعه صدقة أعالوه في سنواته الأولى.

أحبّت الناس مفرِّجا. اعتاد على ممازحة الآخرين الذين من حوله، وكذلك الأولاد وهم قاسون، وأحبّوا جدًّا مضايقته.  كان مفرِّج مستقيمًا وَرِعا. بين الآونة والأخرى، كان مفرِّج يرافق أحد أبناء الطائفة في مشوار أو جولة قصيرة، إذ أنّه كان يقوم  بأكثر أشغاله مشيًا على الأقدام، بدون استخدام أيّة واسطة نقل أو دابّة.

أسبوع من الفرح لمناسبة زواج في عورتا

إحدى القصص المعروفة عن مفرِّج، حدثت قبل أربعين سنة تقريبًا. ذات مرّة من المرّات الكثيرة جدًّا، التي دأب فيها أبناء الطائفة السامرية على زيارة مقبرة الكهنة الكبار، أبناء أهرون في قرية عورتا، الواقعة على بُعد ستّة كيلومترات تقريبًا إلى الجنوب الشرقي من نابلس. في الأساس، تركّز فرح مراسم الزيارة بجانب شاهد قبر إلعزار بن أهرون، الكاهن الأكبر. اعتاد السامريون، وما زالوا إحياءَ ذكرى شاهد القبر، تلاوة صلوات مخصوصة لذكرى الكاهن إلعزار.

في الفِناء الرحب في منطقة قبر إلعزار، أقيمت طقوس الزواج وختم التوراة. أنا بنفسي ختمت التوراة في حفل، عقده والدي في عورتا، والفرحة كانت عظيمة حقّا. حضور مفرِّج زاد من البهجة، إذ أنّه  كان يمزح مع الكلّ بل وحظي بنظرة سمحة من قِبل الكاهن الأكبر، ناجي بن خضر (أبيشع بن فنحاس) المعروف عادة بجديّته وعبوسه.

مزاح انتهى بهياج وعربدة

لكن، كما أنّ الأمور تجري بشكل طبيعي، فإنّ الشباب لا يفهمون مزاح إنسان أكبرَ منهم سنًّا بسنوات كثيرة، إنّهم عادة يفهمون المزاح بعكس ما قصده المازح. في البداية، كان كلّ شيء على ما يُرام. مكث السامريون في الموقع لمناسبة أسبوع المأكل والمشرب، وفي مركزه عرس. وهكذا في كلّ يوم، إفراط في الأكل والشرب، في الإنشاد والغناء. عُرف مفرِّج بحفظه عن ظهر قلب كلَّ الأناشيد والتسابيح العربية، وكان له صوت جهوري يطغى على كل أصوات الحاضرين عند إعادة القرار/الردّة. أجاد ما تعلّمه شفويًّا فهو أمّي، لا يقرأ ولا يكتب، كان حُجّة في ذلك، واشتراكه ضاعف الغبطة والفرح.

مفرِّج لم يكتف بالإنشاد والغناء، بل كان يعمل جاهدًا طيلةَ النهار في تقديم الخدمة  لكل طالب مقابل أجر، كان يجمع الحطب للفرن الذي شُويت فيه الخراف، ينقل الماء من البئر في عورتا، ويقطف الفواكه لتمتيع المدعوين. كما أنّه ساعد في تحضير الأطعمة الخاصّة بهذه الزيارة، وفي وقت الفراغ، جلس مع باقي المدعوين ليُنشد ويغنّي بصوته الجهوري الذي كان يُسمع من بعيد.

بما أنّه كان حاضرًا في كل شيء (يده في كل جزئية، له قرص في كل عرس) سُرْعان ما أصبحت كلّ الأيادي عليه، وبعبارة دقيقة أيدي الشباب. في البداية كان المزاح متبادلًا، كل طرف ضحك على حساب الطرف الآخر، وبشكل طبيعي تحوّل الوضع من مرحلة القول إلى مرحلة الفعل. مفرِّج أخذ في تحقير الشباب والفتيان ردًّا على إذلالهم إياه. أحد الأشخاص التقط حجرًا من حجارة المكان الكثيرة، وقذفه نحو مفرِّج ولكنّه لم يُصبه. مفرِّج لم يبق مكتوف اليدين بل ردّ بالمثل، رمى حجرًا ناحية الشباب الذين تابعوا مضايقته، وسُرعان ما أخذت الحجارة تتطاير في كل حدب وصوب.

عندما قام كهول وشيوخ الموجودين لإعادة النظام إلى نصابه، وجدوا أنّ مفرِّج مصابٌ ومكدوم من رأسه إلى أخمص قدميه، أما الشباب ففضّلوا الاختباء في الزاوية، ريثما يهدأ  غيظ آبائهم.

صلاة مفرِّج

مفرِّج عانى كثيرًا بسبب إصابته بالحجارة، فبعضها قد سبّبت له جروحًا غائرة في جسمه، وهو بهذه الحالة التعيسة تقدّم قُبالة كلّ الحاضرين، وضع يده على شاهد قبر إلعزار الكاهن الأكبر، ابن أهرون شقيق سيّدنا موسى، ونثّ طِلبته بصوت مختنق من البكاء. ”يا سيدي يا إلعزار خاطرك معنا بلباس التاج لا تضيعنا، لا مناص لي إلا التوسّل إليك، لتنتقمَ من هؤلاء الشباب، الذين أمعنوا وتفنّنوا في ضربي، من فضلك يا سيدي إلعزار“. قال ما قال وعاد إلى مكانه. السامريون استمعوا له، وكان مَن ضحك مستهزئًا بصلاته، ومَن أنّبه لأنه خرق الفريضة ”لا تنتقم ولا تحقد على بني عمك/قومك وخفت من إلهك، أنا الله“ [قارن سفر اللاويين ١٩: ١٨، وانظر حسيب شحادة، الترجمة العربية لتوراة السامريين، المجلد الثاني، سفر اللاويين، سفر العدد وسفر تثنية الاشتراع. القدس: الاكاديمية الوطنية الاسرائيلية للعلوم والآداب، ٢٠٠١، ص. ٩٤-٩٥]. الكاهن الأكبر، ناجي بن خضر (أبيشع بن فنحاس) كان الوحيدَ الذي ما ضحك وحفظ الأمر في سرّه.

سُرعان ما تفرّغ السامريون لأمور أخرى، إذ سُمعت دعوةُ  النساء لتناول وجبة الغَداء، خليط من العدس والأرز، المسمّى عندنا بالاسم  ’مجدرة‘. جلس الجميع حول الأطباق والصينيات الكبيرة، لتناول الطعام قبل أن يستمرّوا في التمتّع بالغناء والإنشاد.

الاعتداء

بينما كان الجميع جالسين، الصغير والكبير حول صينيات الطعام، وإذا بصوت صخب مزعج  من حولهم. رفع بنو إسرائيل (السامريون) أعينهم، فرأوا كلّ أهالي قرية عورتا محتشدين بجانب سياج منطقة القبر، ينظرون إليهم ووجوههم تنمّ عن مكائد. عرف الكاهن الأكبر أنّهم لا ينوون خيرًا، وأنّه لا شكّ أنّهم أتوا ليتحرّشوا بشباب الطائفة وليضايقوا النساء.  وبالفعل، بدأ التلاسن بين الفريقين، أخذ شباب القرية العربية بإطلاق ألفاظ الشتائم والإهانات، فردّ عليهم شبابُنا بالمِثل وعلا الصياح واشتدّ الغضب لدى الجميع، لدرجة أنّ محاولة الكاهن الأكبر في الوصول لمصالحة مع مختار القرية، الذي جاء في مقدمة الأهالي، لم تثمر.

تلفّت الكاهن الأكبر يمينًا وشِمالا ليجد مفرّجا، عرف أنّه لا بدّ من عمل ما. ينبغي استدعاء مساعدة فورية من نابلس،  فالشرّ قادم على السامريين. نادى  مفرّجا بصوت عالٍ ولكن بدون جواب. مفرّج اختفى وكأنّ الأرض بلعته. لم يجرؤ أيّ واحد من السامريين على مغادرة المكان، لأن الجميع خافوا أن يتركوا النساء لاعتداءات عرب عورتا. وقف الكاهن الأكبر والشيوخ زمنًا طويلًا دفاعًا عن أبناء طائفتهم، وبأعجوبة لم يُصب الكاهن الأكبر ناجي من الحجارة التي أُلقيت على الشباب السامري، الذين تبخّرت شجاعتهم كليًّا واختبأوا وراء الكاهن والشيوخ. كادت بوابة مِنطقة القبر الحديدية تنكسر من جرّاء تدافع العرب، العطشى للانتقام الذين أرادوا إنزال أشدّ قصاص على الشباب السامري لأنّهم شتموا نبيّهم.

هبّ البريطانيون للمساعدة، فجأة سُمعت أصوات حوافر الخيول على الطريق الصاعدة من القرية نحو حوزة قبر الكاهن إلعزار. ساد الصمت هُنيهة. عندما أدرك سكّان القرية أنّ فِرقة من الجنود الخيّالة البريطانيين تهرع إلى المكان، بدأوا بالهرب جميعًا، وإذا بالشباب السامري يتشجّع ويلحق بهم. وفي مقدّمة الفرقة البريطانية كان يجري بما تبقّى له من حيل صاحبُنا مفرّج، الذي راح إلى نابلس مستغيثًا، بدون أن يشعر أحد بذلك.

استدعى القائد البريطاني مختارَ القرية، وبعد تضرّع وتوسّل، سامحه الكاهن الأكبر على الإصابات. خمدت الفرحة، حمّل الجميع أغراضهم على حميرهم وقفلوا عائدين إلى نابلس. علم الجميع، ومن ضمنهم الكاهن الأكبر ناجي، أنّ كلّ ذلك وقع بسبب صلاة مفرّج بن رزق المفرجي، رحمة الله عليه.“

 

faroq mawasiالنابغة الجعدي، شاعر مخضرم. سمي النابغة لأنه بعد أن انقطع عن الشعر مدة في الجاهلية نبغ فيه في الإسلام، وهو أكبر عمرًا من النابغة الذبياني، وكان من المعمَّرين، قيل عاش مائة وعشرين، وتوفي في أصبهان.

له بيتان مشهوران هما:

وَلا خَيْرَ في حِلْمٍ إذَا لَمْ يَكُنْ لـَهُ  *** بَوَادِرُ تَحْـمِي صَفـْوَهُ أَنْ يُـكَدَّرا

 وَلاَ خَيْرَ في جَهْل إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ *** حَلِيـْمٌ إذَا ما أوْرَد الأمْـرَ أصْـدَرَا

..

البيتان وردا في (جمْهرة أشعار العرب) لأبي زيد القُرَشي، ضمن مجموعة (المَشُوبات)، ص 275، ويقصد بها تلك التي شابها الكفر (يعني الجاهلية) والإسلام، وشاب تعنى خالط- كما لا يخفى.

 ورد في هذا المصدر أن نابغة بني جعْدة اسمه قيس بن عبد الله، وقيل بل حسّان بن قيس.

 أما الجعدي فنسبة لجدّه جَعدة كعب بن صعصعة.

مطلع القصيدة:

 خَلِيلَيَّ عُوجَـا ساعـةً وتَهَـجَّرا *** ولُوما على ما أحْدَثَ الدَّهْرُ أو ذَرا

...

 سمع الرسولُ النابغةّ الجعدي وهو يُنشد من القصيدة:

أتيتُ رسول الله إذ جاء بالهدى *** ويتلو كتابًا كالمجرّة نيّرا

بلغنا السما مجدًا وجودًا وسؤدَدًا *** وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

فقال الرسول الكريم: فأين المظهر يا أبا ليلى؟

قال: الجنة.

فقال النبي: قل- أجل، إن شاء الله!

ثم قال له أنشدني، فأنشده:

وَلا خَيْرَ في حِلْمٍ إذَا لَمْ يَكُنْ لـَهُ  *** بَوَادِرُ تَحْـمِي صَفـْوَهُ أَنْ يُـكَدَّرَا

 وَلاَ خَيْرَ في جَهْل إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ *** حَلِيـْمٌ إذَا ما أوْرَد الأمْـرَ أصْـدَرَا

فقال الرسول:

"لا يفضضِ الله فاك"!

أي: لا يسقط الله أسنانك، وتقديره: لا يسقط الله أسنان فيك، فحذف المضاف.

رويت القصة في كتب الأدب الكثيرة، منها (الأغاني، ج5، ص 13) لأبي  الفرج الأصفهاني، و (الشعر والشعراء، ج1، ص 289) لابن قتيبة، حيث تشير القصة إلى أن النابغة ظلت أسنانه بعد دعاء النبي كاملة في فيه. ويقول ابن حَجَر في (الإصابة في معرفة الصحابة- مادة النابغة الجعدي) بأن أسنانه من أجل ذلك كانت: "كالبَرَد المنهلّ، ما انفصمت له سن ولا انفلتت".

أما الحديث الشريف فهو موضع تساؤل عن صحته، وقد رواه عبد الله بن جراد في (غريب الحديث، ج1، ص 190) للخَطّابي، كما ورد في كتاب (الاستيعاب في معرفة الأصحاب) لابن عبد البَرّ- مادة النابغة الجعدي، ص 176.

لكن القصة جميلة المحتوى، وذكرتها معظم كتب الأدب، فلنحفلْ بالمعنى والعِبرة.

..

أعود إلى شرح البيتين عن الحِلم والجهل.

..

الحلم هو سَعة الصدر وقوة الاحتمال والصبر، وعكسه (الجهل) وهو الطيش، وهو أقرب ما يكون لمعنى (القبضنة) في لغتنا الدارجة، والنزوع إلى العدوان.

يقول الشاعر:

 لا فائدة من حِلم إذا لم تكن له بوادر- وهي جمع بادرة، وتعني هنا الغضبة السريعة، فلهذه البوادر أهمية، وهي أنها تحمى صفاء الحلم خوفًا من أن يُكدّر، فالحلم لا فائدة فيه إذا لم يكن هناك ما يحميه، ويحمي صفوه عند الحاجة.

فالحليم لا تُخشى بوادره- كما يقول المثل، ولكن من الضروري أن تكون له بوادر عند الضرورة القصوى  حفاظًا على استمرار حلمه.

أعجبني تعليق على هذا البيت قرأته في أحد المواقع ومفاده أن الحلم الزائد لدى شخص أو قبيلة أو دولة يُجرّئ السفهاء على مَن يتحلّى بهذا الحلم الزائد، فيتطاول مَن يتطاول، ويتَحامَق مَن يتحامق، ويعتدي من يعتدي؛ فهل يظلّ الحليم متمّسكًا بحِلمه، لايدفع عن نفسه أذى الآخرين؟ عندها فإن الحِلم يَتحول إلى شيء آخر، ويفقد قيمته السامية- كأنْ يسمّى مثلاً: (جبنًا) أو (هَوانًا) أو أيّة تسمية أخرى تناسبه؟

..

من جهة أخرى، فليس هناك خير في أي جهل أو طيش إذا لم يكن هناك في المقابل شخص حليم يمسك بالزمام، يتصرف في الأمور ولا يدعها تفلت، يعرف كيف يدخل الأمر وكيف يخرج منه- وبالتالي يخرج نفسه وغيره من سوء العاقبة.

..

أخيرًا وبعد طغيان "الجهل" في عصرنا، هل من حلماء يوقفون العجلة قبل انحدارها، هل نسمع كلماتهم وعِظاتهم، ونرى فعلهم؟

قبل ذلك: هل هناك بيننا حلماء حكماء لهم صولة وجولة؟ 

 

ب. فاروق مواسي

 

abdulkalil alfalahالثقافة يعني التحضر، الادراك، الوعي، التجديد وتبقى المقياس الأول لمدى تحضر الأمم وقدرتها على التطور والارتقاء وهي طريقة الحياة التي تميّز كل مجموعة بشرية عن مجموعة أخرى، فلكل مجتمع ثقافته التي تؤثر في أفراده والتعامل بينهم. العلم والثقافة جزءا لا يتجزأ من الارث الحضاري ومن العملية التنموية وفي بناء الإنسان والهوية المنفتحة الواثقة من نفسها دون أن تتنكر لقيمها وأصالتها وتراثها و تنتقل من جيل إلى آخر ومن مجتمع إلى مجتمع آخر، خصوصا ونحن نعيش في عصر ثورة الاتصالات المقروءة والمسموعة والمرئية التي اخذت بالانتقال بشكل سريع الى اقصى الارض وتنوعت وسائله واساليبه .

والثقافة هي كل المعلومات والمهارات التي يملكها البشر، وهي دين المجتمع ولغته، وعاداته، وممارساته، وقواعده، ومعاييره ولا يمكن إنكار دور الثقافة والمثقفين في بناء وتطوير الوعي العام للمجتمعات، لكن في نفس الوقت، لا يجب تحميلهم أكثر مما يحتملون، حيث أن الجهود الرامية إلى التقدم، هي جهود جماعية، يتحمل مسؤوليتها المثقف، والسياسي، والتاجر، إضافة إلى العمال، وأرباب العمل ...إلخ، وكل أفراد المجتمع، لتأتي المنتجات الثقافية، كتعبير عن تلك النهضة، التي أحدثها المجتمع في بنيته .

أن المجتمعات المتحضرة  هي التي تعتني بثقافتها وتنميتها وباحترم القانون وتعتبره جزء من نسيجها وتحمل علاقة جدلية متشابكة بين مفاهيم السلوك العام، والانضباط السلوكي، والأخلاق العامة، والالتزام الذاتي، والخوف من القانون أو العقوبة، والبعد التربوي للقانون .

من الاجدر ان نشير إلا ان ليس هناك من يسلم من ارتكاب أخطاء أو تصرفات سلوكية سلبية تتفاوت حدة رفضها هنا أو هناك، وهي في معظمها تدل وتعكس على وعي الشخص ونضجه والتزامه، وهناك الكثير من الشرائع الدينية و القوانين التي تعلم الناس السلوك المنضبط وتحث عليه، والخلق الطيبة أو الذي يتمشى مع نظام المجتمع، أو مؤسساته الاجتماعية، ولكل مجتمع ثقافته وعاداته وتقاليده وأعرافه، فقد ينتقل الشخص من مكان لآخر، أو من مجتمع أو دولة لأخرى، ويكتشف أن المجتمع الجديد له ثقافته وعاداته، وقوانينه، وانصياعه لهذه العادات والقوانين تصبح عادة سلوكية اعتيادية في حياته. ومن خلالها فقد يتعلم أشياءً جديدة.

 المجتمعات المتحضرة تعتبر الانضباط في كافة مفردات سلوكياتها اليومية جزء من ثقافتها العامة، ولأن الالتزام الذاتي بالقوانين المنظمة لحركة المجتمع قيمة أخلاقية في تلك المجتمعات و هي التي تعطي قيمة حقيقية للإنسان وقيمة من قيم بنيانها الذي لا يمكن التخلي عنه أو الانفكاك منه بل يعتبرون من يتبع القانون ولا يتجاوزه أو يكسره يؤدي واجبه ولا منه ولا فضل له عليهم،

 ويجب الثبات في عدم الإسراف و إلى عدم أذية الآخرين و القدرة على التعايش مع الأطراف الأخرى إلى التمثل بالقدوة الحسنة إلى التدين المتوازن و المعاملة الحسنة للمرأة والطفل إلى إحساس الرجال والنساء بدورهم في المجتمع إلى قدرة الفرد على تعليم وتربية الأبناء لانهم بناة المستقبل وهم الأمل و العون.

 وصف المجتمعات المتحضرة عكس أوصاف المجتمعات المتخلفة حتى ان لم يأت ذكر تلك الأوصاف في المجتمعات المتحضرة والمتقدمة، والمجتمعات التي تفهم القانون يعتبرون الخارج عنه بمثابة المجرم الذي قد يسيء للمجتمع بأكمله ويلوثه، وذهب آخرون لاعتبار أن المجتمع المتحضر هو من يحترم أفراده الوقت وقيمته ولا يتهاونون في التعامل معه ولا في استخدامه بشكل مثالي لترتيب أمور حياتهم باعتباره معيار هام لتنظيم وتمهيد الطريق نحو السعادة المنشودة من خلال تحقيق الهدف المرسوم والمنشود  . ومن هنا نود الاشارة الى ان المجتمعات الحية تؤمن بالنقد وتعتبره مطلب إنساني لمواجهة الانحرافات والأخطاء التي تتسلل إلى حياة الشعوب والأمم والأفراد.

مما لا شك فيه بأن هناك من يخلط بين مفهومي النقد والسخرية مع العلم أن النقد الساخر هو أسلوب يتبعه كبار النقاد بعدة أشكال مختلفة، الهدف منه إصلاح المجتمع أو إيصال فكرة معينة بعيدة عن التشكيك أو التجريح أو الشخصنة، وذلك بالحديث عن أخطاء يقع فيها عامة الناس واصلاحها ووضع الخطط لعدم تكرار تلك الاخطاء،

السلوك المتحضر قيمة أخلاقية واجتماعية كبيرة ومهمة من قيم المجتمع. وغالباً ما يأتي السلوك كنتيجة طبيعية للفكر الناضج السليم وليس العكس، ومن ثم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتطور الوعي والمعرفة. ولعل قمة حالات السلوك المتحضر، أن يكون الانسان هو نفسه هادفاً وغاية يسعى إلى تحقيقها لبناء المجتمع ونموه .

 

عبد الخالق الفلاح  - باحث واعلامي

iesa hamotiawari"لتصبيري، سُخّر لي صقيع االماضي الذي انتقى لي من مواد الحفظ، باليَ الأطلال ورثّ الأسمال، ودارسَ الرسوم، وما عفى من الآثار، وبادر إلى تعليبي في شرنقات، كتب عليها: "صالح للاستهلاك طوال الدهر، غير قابل للتلوث ولا للفساد ولا للتلف، قيمته غذائية مضمونة الجودة. ماركة مسجلة في الأحياء الرسمية/الطللية".

عجبت للمتهافتين من هذه الأحياء نفسها على استهلاكي منذ فجر التاريخ كيف يتجاهلون مدى أثر المواد الحافظة على إتلاف جودتي، وأثر طول الزمان على إتلاف عناصري الحيوية. كما عجبت لإخفائهم أمر التسميم، وكائناتهم الذهنية تتعرض للتلف يوما بعد يوم... ولما أخذ المرض يستبد بالمدمنين ، اجتهد حكماء هذه الأحياء المستقلة فكريا عن العالم الكافر في إيجاد وصفة سحرية، دواء وشفاء لهم، ليست سوى الإفرزات السائلة التي مرت عبر مصفاة كليتي البعير...لا يسمع محتكرو السوق بغيري بضاعة، لقد روضوني على مزاجهم، وحرفوني إلى أن حولوني إلى كائن من جليد. ينفقون على الدعاية لترويجي من بطون المسغبين، ومن عرق الكادحين. للأبواق وحدها، يدفع لقاء كل كسر دقيقة من الإعلانات البرميل من الثروات، لا يسمح بتواجد غيري من المواد وهو يعلم أن صلاحية المواد المكونة لي قد انتهت منذ أمد بعيد. رغم التسمم الذي يودي بالعقول. رغم أصوات التحذير، رغم التنبيه إلى انتهاء تاريخ الصلاحية، يصر على إغراق السوق، يبذل الغالي والنفيس لتبقى سوقه عامرة. تحت تأثير مد الجهل واكتساحه لصحارى العقل، بيد الماضي الذي بسط نفوذه على تخوم الحاضر، وآفاق المستقبل وزج بالعقل إلى القاع وبينهما تصقّع بل تصبّر الخطاب التراثي، وكل دفء دنا من سور التراث أو اقترب كانت له إسفنجة الجليد بالمرصاد.

خندقني الماضي في مغارة عند جذع الزمان. يدعي أنه أحسن مخبئ لي من إعصارات الحياة، فقدت بصيرتي من جراء مكوثي في الظلام، أخذ يروي عطشي بالظمأ، والماء الزلال ينساب رقراقا، يدعي من حين لآخر بناء لبنات، غير أنه يوقف فرحة المشاريع عند حدود وضع الحجر الأساس للحلم في الخلاء ليجثم الجليد عليه ويحول دون حركته، فيدوم مِبْوَلةً للكلاب الضالة، أو في أحسن الحالات يمضي بها إلى غاية قص شرائط تدشين السراب لجني العطش. جعل مني الماضي كائنا فحلا دائم الخصوبة كثير الإنجاب، لا أخضع لأحكام الطبيعة، لا يتجرأ سنُّ اليأس على التقدم نحوي قيد أنملة. ولا يعرف العقم إلي طريقا. لقد أرسى الماضي بإيعاز من ولاة الأحياء الرسمية سفينتي على رصيف التاريخ، جعل من ضاحية الدين قرصانا، بالأشرعة استبدل الحران، عند مفصل التاريخ أسقط العقل فأرغمه على إلقاء منشفته على حلبة الحضارة.

لما أراد خطابي المزيف أن يعيد النظر في اليوتوبيا  وقف عند حدود الاحتجاج على الهزيمة، وإعاقة إقبال الثورة والانتصاب حجر عثرة في سبيل الائتلاف. خطاب مشروع متعلق بالمستعار والوافد من الماضي، يخفق في البحث عن ذاته في ذاته، وفي البحث عنها في الحداثة التي تغريه، ينافق ذاته وينافق الغير، فكان خطابا اختلفت صفحاته أحجاما، واختلفت كلماته ألوانا، خطابا بحروف طللية لأمم بائدة. لن يرقى إلى خطاب من نور وسعير يحرق الفساد ويضيء السبيل، ما لم يسحب القداسة مني في أصوليتي وفي سلفيتي. ولما انتبه الأحرار إلى حالي ذهلوا،وغزت كائناتِ ذهنهم سلاسل من الأسئلة: ما الذي حال دون حفاظ التراث على شذاه الأصيل؟ أ تبخرعندما أوقِع به في مطارح نفايات الزمان؟ أم عندما تبنته أحياء تدوس مناسمها ألحان العقل الطروب، وتطرب لأغاني الجهل وتتفنن في رفع شعارات الجهل مقنعة بالحق والصلاح، تئد كل مولود للعقل، وتزغرد لاستقبال مواليد الجهل. تفرض العقم على الأول، وتشجع الثاني تمده بكل مادة منشطة؟ الجهل في الأحياء الرسمية الطللية خلق من ذكر وأنثى ويتناسل وفق متتالية هندسية والعلم خلق ايضا من ذكر وانثى إلا أن ذكر العلم تم خصيه ليستولي الجهل على أنثاه باسم التعدد. فوفق أية متتالية يتناسل العلم؟ وفق أية متتالية أصبح يتناسل الجهل؟

 ما الذي جعل التراث يرصع ألقاب حداة الأحياء الرسمية الطللية؟ أ هو ضعف فيه أمام جبروتهم؟ أم حبا فيهم؟ أم فعل ذلك لما رآه فيهم من حبهم لأوطانهم إلى درجة التقديس؟ يركعون لها، وعليها يسجدون، يبذلون في سبيلها العطاء، ويقدمون لها الهدايا من آلام الأحياء ومن رزاياهم . يقدسون أوطانهم تقديسا ما بعده تقديس؛ على تضاريسها يمارسون شعائرهم، يتيممون على تل النهد، ويمسحون على هضبة الردف يتمضمضون بماء الرضاب ويستنشقون الأنفاس ولايستنثرون، ويقيمون الصلاة في السفح عراة حفاة.

 ألا ترون معي أن انتمائي شكلا للعصر الحاضر الذي تحركه دواليب الماضي أمر مخجل، يخجل الشريفَ الانتماءُ إلى حياة بلا حاضر مستقبلها قبل أن ييلغ الصلب لف في الأكفان يخجل العاقل أن يستبد الماضي بصلاحيات بناء الأمجاد بحجارة من هباء؟

 

 الكاتب: عيسى حموتي

 

tawfeq alnassariبدأ شاكر كسرايي منذ سنة 2007 بإعداد «قاموس فارسي – عربي» (فرهنگ فارسی- عربي) وصدرت الطبعة الأولی لهذا القاموس سنة 2014 عن دار العربية للموسوعات في بيروت، وقد ضم القاموس 545 صفحة في مجلد واحد. رَتَّب السيد كسرايي قاموسه، أسوة بالمعاجم الفارسیة، وفقًا للتَّرتيب الهجائي أو المعجمي أو الألفبائي من الألف إلى الياء وهذا الترتيب قد لفت انتباه الكثير من الباحثين لسهولة الحصول علی الكلمة.

ومن محاسن هذا القاموس أن المؤلف قد ضبط فيه الكلمات الفارسية من حيث الإعراب والحركات ليتعرف القارئ العربي علی الكلمات والمصطلحات الفارسية وكيف يمكن تلفظها بصورة صحيحة وهذا ما لم يقم به العديد ممن سبقوه في إعداد المعاجم الفارسية العربية .

قرأت القاموس وقد بدا لي في مطاوي مطالعته بعض الملاحظات وجدت الواجب يتقاضاني جمعها وتدوينها فوضعت مقالًا حوى ما عنَّ لي ابداؤه لا كلفًا بالجدال العاقر بل سعيًا وراء الحقيقة وهو علی أي حال لا يمس مكانة القاموس بأذی أو شيء من بخس الحق، وهدفي في هذا النشر أولًا تهذيب هذا الكتاب نظرًا لقيمته اللغوية، لكي لايقع القارئ فيما لا أود الوقوع به وثانيًا أن أشاهد ما يبرزه قلم المؤلف بالغًا نهاية الكمال . والغاية من وراء ذلك كله خدمة للغتنا العربية . ونص المقال، ما أنا ذاكره في ما يلي هذا السطر:

جاء في صفحة 11، آب رنگ: أصباغ ماء تستخدم في الرسم.

قلت: آب رنگ: ألوان مائية .

جاء في صفحة 21، آزاد ماهي: ضرب من السمك

قلت: آزاد ماهي: سلمون، سمك سلمون

جاء في صفحة 104، پاپتی: فقير، رجل وضيع

قلت: والصواب، پاپتی:حافِي .

جاء في صفحة 104،پاپیروس:نبات ينبت علی ساحل نهر النيل ويستعمل في صناعة الورق .

قلت: پاپیروس: بَردِي .

جاء في صفحة 110، پَخمِه:الغبي. البلادة. الكسل.

قلت: بليد لا بلادة .

جاء في صفحة 123، پنبه پاك كن: آلة حلج القطن وتنقيته من البذور.

قلت: آلة حلج القطن وتنقيته من البذور تسمی في العربية " مِحْلَج " و" مِحْلاَج " و" مِحْلَجَة " .

جاء في صفحة 123، پنبه ریس: غازل القطن.

قلت: پنبه ریس: مِغزَل .

جاء في صفحة 123، پنبه زنی: حرفة الندف .

قلت: پنبه زنی: نِدافة .

جاء في صفحة 124، پنیر فروش: بائع الجبن.

قلت: " پنیر فروش: جَبّان. ورد في معجم اللغة العربية المعاصرة: (جَبَّان -1: صانع الجُبْن-2 . بائع الجُبْن) " .

جاء في صفحة 125، پوك: خالی الجوف. هش .

قلت: المفردة الدقيقة التي تحيط بمعنی مفردة پوك الفارسية هي " مُجَوَّف" أما الهَش فمعناها في العربية رَخْو. لَيِّن. مايقبل الكسرَ بسُهولة.

جاء في صفحة 129، پیش بند: الفوطة التي يتزر بها الخادم أو الطباخ أو الممرض والممرضة .

قلت: تسمی هذه الفوطة في العربية " مِئزَر" و" مِرْيَلَة " .

جاء في صفحة 129، پیش بین: البعيد النظر. من ينظر إلی العواقب.

قلت: پیش بین: مُتنبِّئ .

جاء في صفحة 130، پیش پا افتاده: الساقط أمام القدم. التافه. البسيط.

قلت: عبارة " الساقط أمام القدم" هي ترجمة المطلح الفارسي ولاتعني في العربية شيئًا .

جاء في صفحة 130، پیشگو: من يتنبأ بالمستقبل .

قلت: پیشگو: مُتنبِّئ .

جاء في صفحة 138، تبخال: البثور التي تظهر حول الشفة إثر الإصابة بالحمی.

قلت: "تبخال: حُمَّی نَمَشِيَّة" .

جاء في صفحة 159، تيراژ: مقدار الإعداد التي تطبع وتوزع من الصحف أو المجلات أو الكتب .

قلت: تيراژ: عَدَدُ النُسَخ

جاء في صفحة 165، جا چراغي: الكوة التي يوضع فيها السراج .

قلت: جاء في المجلد السابع من مجموعة المصطلحات العلمية والفنية، التي أعدتها لجنة ألفاظ الحضارة، بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ووافق عليها مؤتمر المجمع، في الدورة الحادية والثلاثين، بتأريخ 18 فبراير 1965، في المادة رقم 27 من ألفاظ صنعة الكهرباء، أن المجمع أطلق اسم " دواة المصباح" علی تلك الأداة .

جاء في صفحة 168، جرثقيل: رافعة أثقال، آلة رافعة .

قات: جاء في المجلد السابع من مجموعة المصطلحات العلمية والفنية، ألتي أعدتها لجنةُ ألفاظِ الحضارة، بمجمع اللغة العربية بالقاهرةِ، ووافق عليها مؤتمرُ المجمعِ، في

الدورة الحادية والثلاثين، بتأريخ ١٨ فبراير ١٩٦٥، في المادة رقم ١٤ من ألفاظ السباكة أن المجمع أطلق اسم '' المِرفاع '' على ذلك الجهاز  . وبما أن العربية لغة اشتقاقة فأنا أمیل إلی اسم المرفاع .

جاء في صفحة 170، جُفت گیری: تزویج الذكر والأنثی من الحيوان.

قلت: جفت گيري: تَزَاوج .

جاء في صفحة 175، جیك جیك: صوت العصفور أو فرخ الطير

قلت: جیك جیك: زَقزَقة .

جاء في صفحة 180، چپی: من يكتب بيده اليسری

قلت: أعسر أو أيسر . جاء في معجم اللغة العربية المعاصرة: " شخصٌ أَعْسَرُ: أيسر ؛ يعتمد على يده اليُسْرَى في عمله أكثرَ من اليُمنَى " .

جاء في صفحة 204، خرجین: كیس ذو جعبتین يوضع علی الدابة أو الدراجة.

قلت: خرجین: خُرج والجمع أَخْراج وخِراج وخِرَجَة .

جاء في صفحة 233، دفترچه: الدفتر الصغير .

قلت: " يُسمی الدفتر الصغير في العربية: كُتيِّب ! "

جاء في صفحة 234، دَكَل: العمود المرتفع المقام علی الأرض، العمود الموجود في السفينة التي تربطها الأشرعة .

قلت: سارِية، بُرج .

جاء في صفحة 235، دلّال: الشخص الوسيط بين البائع والمشتري .

قلت: دلّال: سِمسار، وسيط.

جاء في صفحة 235، دلّاك: الشخص الذي يدلك الناس في الحمام الحلّاق قديمًا .

قلت: دلّاك: دَلاَّك، بَلاَّن .

جاء في صفحة 236، دلچسب: ملتصق بالقلب. الشيء الذي يحبه الإنسان ويتعلق به .

قلت: " دلچسب: مُمتِع ! . لم يبحث عن مفردة تحيط بمعنی المفردة الفارسية في اللغة العربية وترجم المفردة فقال: ملتصق بالقلب !

جاء في صفحة 236، دلربا: سالب القلب. الشخص أو الشيء الذي يسلب قلب الإنسان بجماله.

قلت: " دلربا: خَلّاب . قد ترجم المؤلف اللفظة من الفارسية إلی العربية ولم يبحث عن مفردة تحيط بمعنی المفردة في العربية .

جاء في صفحة 236، دِلجويی: الحب. التسلي. التدليل .

قلت: "دِلجويی: مُوَاساة، تَوَدُّد" .

جاء في صفحة 237، دِلسُوز: من ينفعل قلبه بما يصيب الآخرين ويواسيهم ويأسی الحالهم ويعطف عليهم .من يظهر العطف والشفقة.

قلت: " دِلسُوز: مُشفِق، حَنون " .

جاء في صفحة 247، ذات الريه: ألم وورم يصيب الرئة نتيجة للاصابة بالبرد .

قلت: " ذات الريه: ذات الرئة، الالتهاب الرئوي " .

جاء في صفحة 263، ريشو: طويل اللحية، كث اللحية .

قلت: "ريشو: مُلتَحِي، لَحيَان، لِحيانِيّ، لِحَويّ" .

جاء في صفحة 265، زائو: المرأة التي وضعت مولوداً .

قلت: تُسمی الْمَرْأَةُ فِي زَمَنِ وِلاَدَتِهَا: نَفْساءُ و نُفَساءُ والجمع: نُفَساوات ونُفاس ونِفاس .

جاء في صفحة 287، سختگیر: صعوبة.صلابة.شدّة .

قلت: سختگیر:مُشَدِّد، متعنِّت ./سختی: صعوبة، صلابة، شدّة .!

جاء في صفحة 288، سده: دورة مئة عام

قلت: " سده: قرن" .

جاء في صفحة 300، سَمَاوَر: السَماوَر. إناء لإعداد الشاي. جهاز يوضع فيه ماء ليغلي من أجل إعداد الشاي.

قلت: " السماور كلمة روسية samovar . جاء في المجلد الرابع من مجموعة المصطلحات العلمية والفنية، التي أقرّتها لجنة ألفاظ الحضارة، بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ووافق عليها مؤتمر المجمع، في الجلسة العاشرة للمؤتمر 27/3/1962، في المادة رقم 1 من مصطلحات المطبخ، أن المجمع أطلق اسم " الغَلاَّيَة " علی هذا الإناء .

جاء في صفحة 301، سمساری:محل لبيع السلع والتحفيات القديمة.

قلت: " سمساری: مَحَلُ خُرْدَة، علی شاكلة تَاجِرُ خُرْدَة وسُوقِ الخُرْدَةِ. (أنظروا إلی معجم الغني ومعجم اللغة العربية المعاصرة)

جاء في صفحة 301، سُنبه: سيخ حديدي لتنظيف البندقية .

قلت: " سُنبه: سيخ التنظيف ." .

جاء في صفحة 301، سِنْج:صفيحتان معدنيتان تستعملان في الموسيقی .

قلت: " سِنْج: صَنْج." . جاء في معجم الغني: " صَنْج: جمع: صُنُوجٌ: صَفِيحَةٌ نُحَاسِيَّةٌ مُدَوَّرَةٌ يُضْرَبُ بِهَا عَلَى أُخْرَى مِثْلِهَا لأَدَاءِ إِيقَاعٍ مُوسِيقِيٍّ يُحْدِثُ طَنِيناً ." .

جاء في صفحة 308، سيلندر گاز: قارورة غاز

قلت: أسطوانة غاز !

جاء في صفحة 312، شارژ موبايل: تشريج الموبايل

قلت: شحن لا تشريج، التشريج في العربية خياطة متباعدة في الثوب!.

جاء في صفحة 314، شب تاب: دودة صغيرة تتلألأ كالفسفور في الليل .

قلت: الحشرة التي يقصدها المؤلف تسمی في العربية: يَرَاعة ج يَرَاع.

جاء في صفحة 315، شَبكور: من لايیصر أثناء الليل .

قلت: شَبكور: أعْشَى، جمع: عشو، مؤنث عشواء .

جاء في صفحة 315، شبكوري: مرض يجعل المصاب به لايبصر أثناء الليل .

قلت: يسمی هذا المرض في المعاجم العربية: العشى اللَّيليّ

جاء في صفحة 351، عَنِين: الرجل العاجز عن الجماع. عاجزٌ جنسيَّاً.

قلت: عَنين: عَنين ج عُنُن .

جاء في صفحة 378، قزل آلا: نوعٌ من السمك يعيش في المياه الحلوة .

قلت: يُسمی في العربية: تَروتة . جاء في معجم الغني: " تَروتَةٌ:جِنْسٌ سَمَكٍ مِنْ فَصيلَةِ سَلْمونِيّاتِ، يَعيشُ في الأَنْهُرِ، طَعْمُهُ لَذيذٌ جِدّاً ." .

جاء في صفحة 368، فَنَر: آلة فلزية كالشريط أو كالسلك المثنی إلی حلقات من آلات السيارة أو الساعة .

قلت: فَنَر: نابض . جاء في معجم اللغة العربية المعاصر: "سلك ملويّ بشكل حلزونيّ، يتَّخذ في الآلات أو الأسِرّة" .

جاء في صفحة 390، كَجاوه: صندوق خشبي مفتوح يربط علی جانبي الجمل أو البغل ليركب عليه الناس ویسمی أيضاً كجابه. كجوه.كژاوه.

قلت: كَجاوه: هَوْدَجج هَوَادِج .

جاء في صفحة 400، كمين: الشخص الذي يكمن في مكان لإصطياد العدو.

قلت: كمين: كمين

جاء في صفحة 408، گاو: ثور( حيوان)

قلت: گاو: بقرة ج بَقَرَات/ گاو نر: ثور ج ثِيران !

 جاء في صفحة 408، گچ فروش: بائع الجص .

قلت: گچ فروش: جَصَّاص .

 جاء في صفحة 463، مُهرِه: برغي .

قلت: مُهرِه: صامولة ج صامولات وصَوامِلُ وصَواميلُ وهي قطعة من الحديد مستديرة أو مضلَّعة، جوفها مسنَّن في شكل حلزونيّ، أما البرغي فهو مسمار مُسنَّن والكلمة تركية burgu لا عربية .

 جاء في صفحة 530، يال: عنق . أسفل العنق .شعر الرقبة عند الأسد والفرس . لبدة الأسد .

قلت: " يال: عُرف " .

جاء في صفحة 531، يخ در بهشت: نوع من الحلوی . نوع من الشراب مكون من الحليب والسكر والنشا شربت الليمون .

قلت: تسمی هذه الحلوی في اللغة العربية: لَيدي .

جاء في صفحة 531، يزدجرد: يزدگرد

قلت: " يزدگرد: يزدجرد " .

جاء في صفحة 532، یكبار مصرف: أوعية بلاستيكية أو ورقية تستعمل لمرة واحدة .

قلت: یكبار مصرف: سَفَرِيّ .

جاء في صفحة 536، يونجه: علف الحيوانات .

قلت: " يونجه: فِصفِصة، بِرسيم . " .

alaa alkatibبين الكراهية والحب يقف الألم شامخا ليصنع الحياة، ومن رحم المأساة تولد المحبة، هذه باختصار معادلة الفداء والتضحية عند السيد المسيح، حينما كان واثقا ان الكراهية طارئة والحب هو الأصل.

في الجمعة العظيمة او جمعة الآلام وقفت مذهولا في الكنيسة السريانية العراقية في لندن، أثر دعوة كريمة من نيافة المطران سيدنا توما دوقما وانا أشاهد تراجيديا الموت في كأسٍ مرٍ رهيب تصورها ترنيمة الحزن التي  صدحت من حناجر المؤمنين العاشقين.

 مشاهد القتل والمحاكمة صورت لنا الكراهية حينما تتقمص روح الانسان فيغيب صوت الحكمة والعقل من اجل دنيا فانية،دون التفكير ان النفس مضانها في غدٍ الى جدث ٍ تنقطع في ظلمته آثارها وتغيب أخبارها، وان الخلود لا يتحقق بطول البقاء وإنما بعظمة المواقف .

 قل كيف عاش ولا تقل كم عاش  من جعل الحياة الى علاه سبيلا

الجمعة العظيمة عكست الجدلية الأزلية بين الخير والشر بين سلوك المستبدين والدعاة المخلصين على مر العصور، حينما ارتفعت اصوات الكراهية وهي تقول أصلبوه أصلبوه .. استقبل السيد المسيح الموت بصدر رحب وتحمل الآلام من اجل ان يبقى الحب حيا ً في قلوب الناس كل الناس، ولكي يعم السلام العالم، هكذا يقول إنجيل يوحنا في الإصحاح 42 الآية 19، هكذا هي سيرت المضحين عبر التاريخ يموتون لعيش الاخرون بسعادة ومحبة، فالحياة رساله يحملها الانسان كساعي بريد من اجل إيصالها، وعند ذاك لا يكون الموت سوى حتمية قدرية ومعادلة مهملة . فلا يهم ان وقع على الموت أم وقع الموت عليه. فهناك قيم تحلو بها الحياة كالحرية والمحبة والسلام والطمأنينة والإنسانية المحضة .

 دخلت الكنيسة التي خيم عليها الهدوء امشي بين جموع المصلين الذين لم ينتبهوا لي، حتى اتخذت مقعدي استمع لترانيم الذكرى، ثم وقف الجميع بخشوع وهم يؤديون الطقوس بكل هيبة ووقار ونظام، وقف سيدنا المطران توما ليلقي موعظته التي خصصت لموضوعة الذكرى، إلا ان الوطن لم غائبا عن تلك الموعظة، فقد قارن نيافة المطران بين ما جرى بالامس وما يجري اليوم في العراق من استبدال للحب بالكراهية وانحدار القيم الانسانية كميزة مهمة عند بعض البشر.

في مقدمة الكنيسة وضع نعش أسود توافد المصلون ليضعوا أكاليل الزهور عليه لتعبق بالبركة ثم توزع على الحاضرين، حمل النعش وطيف به خارج الكنيسة سرنا خلفه مستشعرين اجواء المأساة حاملين الشموع تصاحبنا موسيقى جنائزية حزينة لنشهد المشهد الاخير من القداس حينما يؤدي المؤمنون التحية للنعش، لتنطلق ترنيمة لأجلكم شربت كأس الموت ليعلن بعدها صديقنا  سيدنا المطران توما نهاية المراسم التي أحضرها لأول مرة، حينها أحسست ان معرفة الاخر ضرورية وان الحب هو الأساس الذي يبنى عليه الكون وما عداه لا القيمة له، فمهما يكن حجم الألم فالحب اعظم .

 

 علاء الخطيب

 

karim alasadiفي يوم من الأيام وأنا أحضِّر لدراسة الماجستير في جامعة برلين الحرَّة  (FU)، وفي فرع الأدب العام والأدب المقارن الذي كنت أدرسه الى جنب علوم اللغة العربية وآدابها دار الحديث حول خواص اللغة، أي لغة، في التأثير على أدب اللغة نفسها فتطرقتُ الى خواص اللغة العربية المميزة  وتأثيرها على الأدب العربي، ومن هذه الخواص وجود حالة المثنى في اللغة والنحو العربيين، وبدأت استشهد بأمثلة وأترجمها الى اللغة الألمانية  ليفهمها زملائي وزميلاتي من الألمان والأوربيين والأميركيين وأبناء الشعوب الأخرى حيث يجتذب الأدب المقارن في جامعة برلين الحرّة ـ وربما في كل جامعات العالم  ـ طيفاً واسعاً من الطلبة من مختلف جنسيات العالم ...

يبدو ان الموضوع راق الى الأستاذة الشابَّة التي تشرف على هذا الفصل الدراسي فعرضت عليَّ  صفقة أن أنال درجة هذا الفصل اذا كتبت تحقيقاً عن هذا الموضوع أقرأه في قاعة المحاضرات وأناقشه معها ومع الطالبات والطلّاب في الفصل الدراسي وأجيب على أسئلتهم على ان  يعفيني هذا فيما بعد عن كتابة العمل النهائي، وستعتبر الدرجة التي تمنحها لي عن هذا التحقيق درجة الفصل الدراسي كله، فوافقت على هذا الأقتراح لأكتب عن بعض خواص اللغة العربية وخاصية المثنى.، وبالفعل كتبت التحقيق وأجبت على سيل من الأسئلة  بهذا الخصوص أثبت لي ان عند الألمان والأوربيين ودارسي الأدب المقارن الجادين الى الآن أكبر الفضول لمعرفة الأدب العربي واللغة العربية..

 في الحقيقة ان اسم هذا الموضوع هو جماليات المثنى في اللغة العربية، ولكن اللغة العربية على حد علمي هي اللغة الوحيدة في العالم التي تفرد للمثنى حالةً خاصة تتغير معها الضمائر والأفعال بحيث تكون صيغة الجمع خطأً لغوياً اذا استخدمناها في العربية في الضمائر والأفعال للتعبير عن اثنين، فالضمائر في العربية للمثنى هي أنتما للأثنين الحاضرين، وهما للأثنين الغائبين، ومعهما تتغير نهايات الأفعال أيضاً بما يلائم المثنى كأن نقول أنتما تقولان ، وهما يكتبان . 

في اللغة الأنجليزية مثلاً هناك كلمة واحدة تخص التعبير عن  حالة ثنائية أو مثنى وهي كلمة (Both) وتعني كلاهما، وكذلك في الألمانية هناك كلمة واحدة  تقابل هذه الكلمة الأنجليزية وتشبهها الا وهي كلمة (Beide)  وتعني أيضاً كلاهما .. ولكن الأمر لا يتعدى الى أكثر من هذا ولايتعدى طبعاً  الى تصريف الأفعال واستبدال الضمائر لتدل على المثنى فضمير الأثنين في الأنجليزية والألمانية هو ضمير الجمع . ومن عدد أثنين يبدأ الجمع في هاتين اللغتين وبقية اللغات، فيما الواحد ـ مثلما هو معلوم ـ هو المفرد.

في العربية هناك استثناء!

حاولتُ ان أبرر وجود هذه الحالة الأستثنائية في اللغة العربية .

حالة الأثنين أو المثنى تعبير عن الثائية في الوجود والحياة ومرد هذه الحالة ـ الأحالة هو تفكير فلسفي في أساس الحياة و معمار الوجود فهناك  منذ بدء البدء السماء والأرض، والليل والنهار، والمرأة والرجل، واليابسة والماء، والحياة والموت والى ماذلك من ثنائيات، وجميعها حالات عظيمة لأثنين أو لمثنى تنتج علاقات خاصة . والثنائيات قد تكون متممة لبعض مثل الأرض والماء وقد تكون متناقضة مع البعض مثل القبح والجمال وقد تكون في الحالتين معاً أي حالة التناقض وحالة التتميم أو الأكمال مثل الليل والنهار. فالنهار يتمم الليل في الزمن ويأتي بعده أو قبله ولكن من الممكن أعتباره نقيضاً له . وفي الشعر والأدب نحاكي هذا السياق في حالات عديدة ونحن نشير الى عتمة الليل وضوء النهار .

ومن حالات المثنى الممتعة مثلاً والتي تتطلب علاقة خاصة بين أثنين وتبرر وجود حالة خاصة في اللغة مثلاً : الأم والأب، الأم والأبن، الأم والبنت، الأب والأبن، الأب والبنت، البنت والأبن . وكلها حالات في منتهى الخصوصية .

ومن الحالات الثنائية التي تسترعي الأنتباه أيضاً : الأرض والشمس، الأرض والقمر، القمر والشمس .

ومنها : البحر والأرض، النهر والأرض، البحر والنهر.

ومنها البحر والشمس، البحر والقمر، النهر والشمس، النهر والقمر.

وفي كل حالة هنا خصوصية ووقفة تأمل!!

وحتى العناصر الأربعة الأولى المكونة للحياة الماء والنور والهواء والأرض يؤلف كل أثنين منها علاقات حميمة وخاصة، فلو أخذنا مثلاً علاقة الماء والنور وماينتج عنها : نور القمر وماء النهر، ضوء الشمس وماء البحر، نور القمر وماء البحر، ضوء الشمس وماء النهر، بما ذلك مشهد تكسر النور على أمواج الماء، وأنعكاس الشعاع من على صفحة الماء، ونشوء الموج، واِبحار الأشرعة من ثنائية الهواء (الريح) والماء ، وظواهر الخصب والأخضرار والنماء من ثنائية الماء والأرض، فهذه كلها ثنائيات.

ومن الحالات التي تمثل نقائض أو متناقضات في ثنائيات متقابلة مايهتم به علم ألأخلاق، وما يرد في اللغة: الخير والشر، الحب ولكره، الجمال والقبح، الكرم والبخل، الشجاعة والجُبن، النبل والنذالة، الوفاء والغدر، الشهامة والخِسة، الرفعة والوضاعة ..

كل هذا ترمز له وتعبر عنه العربية في المثنى . هذا ناهيك عن الجرس الموسيقي الرائع الموحي المتناغم لضمائر المثنى في العربية هما وأنتما، وهذه النهاية الجميلة في حرف الأليف وهو الحرف الأول في العربية !

وفي الأفعال والأسماء تأتي الألف والنون أو الياء والنون فنقول نهران ونهرين مع حركة الكسرة،  أو في الأفعال: يحبان، يعشقان، يقولان، وذلك  في المضارع، أو أحبا، عشقا، قالا في الماضي، فما أجمل العربية وما أكرمها من لغة وما أثراها من موسيقى!!

ولنأخذ مثلاً قول السياب:

أنتما يا أنتما

مصباح  روحي أنتما

وأتى المساء

والليل أطبق فلتشعا في دجاه فلا أتيه

ولأن المثنى جميل، أساسيٌ، وباهر نرى خطاب الأثنين أو مخاطبة الأثنين في الشعر العربي حيث يقول المتنبي:

ياساقييَّ أخمرٌ في كؤوسكما

أم في كؤوسكما هَمٌ وتسهيدُ

أو قول الشاعر النابغة الجعدي:

خليليَّ عوجا ساعةً وتهجرا

ولوما على ماأحدثَ الدهرُ أو ذرا

أو قول شاعر المهجر السوري نسيب عريضة:

ياصاحبيَّ لقد غفا

نبعُ المرؤةِ والوفا

أو قوله في نفس القصيدة :

ياصاحبيَّ لقد مضى

زمنُ النبالةِ والكرم

والأمثلة كثيرة في الأدب العربي .

يبقى ان نقول ان حالة المثنى في اللغة العربية من خواص الجمال والعبقرية والدقة وقوة الأيحاء في هذه اللغة وأحد مصادر ثراء العربية السامق.

 

كريم الأسدي ـ برلين

mohanad salahما تشهده الساحة الثقافية اليوم من حراك. من المفترض بأنه يمثل الروح التي يستمد الجسد الثقافي منها كل إمكانيات العطاء والاستمرار في مد الحلقات الفكرية مع ما هو قادم من البعيد الذي سيراجع كل هذا الكم الهائل من النتاج وسيميز حينها الحقائق التي يحاول الكثيرون إخفائها قدر إستطاعتهم . فقط كي لا يعترفوا بقصورهم لتحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقهم .. إن عمليات إخفاء العجز الذي يعتري المنجز المعرفي ما هي إلا محصلات واقعية لما آلت إليه المرحلة من إعتماد كامل على بعض ما يتحقق بشكل متقطع بين فترة وأخرى عبر المؤتمرات أو المهرجانات أو المسابقات الدولية أو المحلية، وهو ليس بالضرورة أن يعكس الشكل الواقعي للمرحلة .. العراق لازال يعرف بأسماء معدودة كـ (الجواهري _ البياتي - نازك - السياب) وغيرهم ممن قدموا لنا أروع ما نفتخر به أمام المد الهائل من التطور الذي تتصدره الدول الأخرى . لكننا لم نعي للحظة عدم بزوغ نجوم مؤثرة أو أكثر عطاء بعد هذه الأسماء، أو ربما نحن نتغافل عن عدم إستطاعتنا على الخروج من دائرة صناعة النسخ نحو نقاط (الظاهرة)، وهذا بحد ذاته دليل على مرض الجسد الثقافي، وعدم وجود الأشخاص القادرين على إمتلاك العلاجات المناسبة لتدارك هذا المرض . بعد أن أصبحوا أصلا غير قادرين على الوقاية من .. ساحة تعج بالكاذبين والمحتالين والمرضى النفسيين . مجاميع ومنتديات ومؤسسات تأتي وتذهب دون أن تؤسس لحقيقة فكرية . وهذا لا يعني خلو هذه الساحة من مجاميع أو تجارب حقيقية، لكن البيئة التفاعلية للمجتمع القرائي أصبحت تعيش هي الأخرى دوامة من عدم الثقة أو إنها تتبع في تلقيها مجسات معقدة من الإنصياع خلف كراديس الوهم المؤقت التي تصنعها لهم (الشخوص / المجاميع) . وبمجرد ظهور تجربة أو مجموعة تستحق التفات لها والإلتفاف حولها، فإن هذه الموجهات اللامتناهية للزيف تحاول إبعاد الكاميرات المراقبة للأحداث عن الوصول لها . أو إنها تشوه معالمها قدر إستطاعتها كي لا تكشف الحقائق التي لا تريد للجمهور أن يقف عندها .. إن الرداء الذي يلبسه الجسد الثقافي والفكري العراقي أصبح مرتقا للحد الذي لم يعد هنالك قدرة على الاستمرار بإخفاء عيوبه . وهذا يقف عند الكثير من المسببات التي أدت إلى هكذا مراحل . منها عدم قدرة العقلية الفكرية للكاتب على الخروج من دوامة الرضوخ للمجتر من المنجز السابق وإعتماده على عمليات التقليد والإضافات اللانوعية . وعدم تحمل العبء الذي وكل لهؤلاء الكتاب لقيادة المراحل الزمنية وعدم إحترامهم للقضايا التي أعدوا أنفسهم للدفاع عنها . كما إن عدم السماح لدماء جديدة تحمل أفكار مغايرة أضاف مرحلة جديدة من الاستبداد والتعالي .  وإقناع الاخر بأن ما يظهر هنا وهناك من تجارب تدعي بأنها إضافات وظواهر للمشهد، بأنها هي المراحل التطويرية التي تدحض كل الأقاويل عن تردي المستوى الفكري . بينما هي مجرد قوالب جاهزة مع بعض الإخوانيات والمجاملات أعدوها ذات نزهة وقدموها للقارئ . حيث تحول الكاتب العراقي الحقيقي الذي من الممكن له أن يشكل ظاهرة الى جماهير خارج الإطار المكاني لنتاجه . بعد أن وصل إلى قطيعة لا متناهية مع من يدعون بأنهم الوسط النخبوي أو الجمهور الذي أصبح منساقا خلف رغباتهم . فلا عجب أن نجد كاتبا عراقيا أصبح مدرسة فكرية في دولة ما  . بينما نكتفي نحن بتجاهله وعدم إحترام تجربته .. يجب أن نعترف بأننا أصبحنا غير قادرين على تحديد أدواتنا في قيادة المرحلة وقد أهملنا الأدوار التي يجب أن نتخذها كي يعود الجسد الثقافي العراقي إلى ألقه وصحته . يجب أن نكتفي من الإصرار على الكذب ونحاول أن ننتشل ما تبقى من محصلات الوعي لدينا كي نتدارك القدرة على تصحيح الأخطاء التي ما زلنا مصرين على الإستمرار بها . من الضروري أن نقف قليلا لنعيد ترتيب كل أوراقنا المبعثرة، ونستجمع قدراتنا على تغيير الواقع الثقافي ...

 

مهند صلاح

 

faroq mawasiتعوّذ الرسول الكريم من الفقر في حديث شريف، فقال:

"اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر"، وفي حديث آخر "كاد الفقر أن يكون كفرًا".

ونسب لعلي أو لعمر: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته".

..

ها نحن نرى الفقر يطغى في شعوب العالم، ونرى صور البشر وهم هياكل عظمية لا يكفّون عن الأنين والبكاء والدعاء لرب السماء، وعيونهم غائرة، وجماجمهم ظاهرة، والعالم الرأسمالي غالبًا ما يتفرج على هذه المناظر، ثم يضرب كَشْحًا ليتابع خططه الاقتصادية، وكأن الأمر لا يعنيه ولا يدريه، وغاب عنهم ما ذكره علي- كرم الله وجهه- "فما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني"، فأية دقة نظر هذه!

..

الفقر يُزري، "وقد يسوِّد غيرَ السيدِ المالُ". هذه حقيقة وإن كنا أحيانًا نحاول أن نعزي الفقير، بأنه لا مال أفضل من العقل، وبأنه لا فقر أسوأ من الجهل، وبـ "أن الغِنى غنى النفس"- كما ورد في الحديث الشريف.

..

قرأت من شعر أبي العَيناء عن المال، فوجدت هذا الفهم العميق لواقع الحال في المجتمع عامة، يقول:

إن الدراهم في المواطن كلها *** تكسو الرجال مهابة وجلالا

فهي اللسان لمن أراد فصاحة *** وهي السلاح لمن أراد قتالا

إن الغنيَّ إذا تكلم كاذبًا *** قالوا صدقت وما نطقت مُحالا

وإذا الفقير أصاب قالوا لم يُصبْ *** وكذبت يا هذا وقلت ضلالا

..

إذن هذا هو المجتمع ينظر غالبًا إلى الفرد بقدر قوته، والقوة هنا اقتصادية، فلا غرو أن يربط المتنبي بين المجد والمال، فيقول:

فلا مجدَ في الدنيا لمن قلّ مالهُ *** ولا مالَ في الدنيا لمن قل مجدهُ

فماذا ينفع المال شخصًا لا يمتلك مقومات الكرامة وعزة النفس؟

وماذا تنفع الكرامة لمن لا يجد قوت يومه، وفي هذا أستذكر قول أُحيحَة بن الجُلاح:

كل النداء إذا ناديت يخذلني *** إلا النداءَ إذا ناديت يا مالي!

..

يقول العباس بن أحنف واصفًا حالة الفقير في مجتمعه:

يغدو الفقير وكل شيءٍ ضدُّه *** والأرض تغلق دونه أبوابها

حتى الكلاب إذا رأت ذا بِزّةٍ *** أصغت إليه وحرّكت أذنابها

وإذا رأت يومًا فقيرًا جائزًا *** نبحت عليه وكشّرت أنيابها

..

بل إن عُروة بن الورد- عروة الصعاليك (أي الفقراء) كان يسعى للغنى:

ذريني للغنى أسعى فإني *** رأيت الناس شرُّهمُ الفقير

وأبعدُهم وأهونُهمْ عليه *** وإن أمسى له حسبٌ وخِيرُ

ويُقصيه النديُ وتزدريه *** حليلته وينهره الصغير

وتُلفي ذا الغنِى وله جلال *** يكاد فؤاد صاحبه يطير

قليل ذنبه – والذنب جمٌّ *** ولكن للغنِي ربٌّ غفور

...

ليس االفقر قاصرًا على الفرد، بل نجد ذلك في أيامنا ما ينطبق على الدول والجماعات، و"أرى الناس قد ذهبوا إلى من عنده الذهب" وأرى الناس قد مالوا إلى من عنده مال، ومن لا عنده فضة، فعنه الناس منفضّة- (نسبت إلى الشافعي أو لعلي كرمه الله).

وصدق أبو العتاهية وهو يحاور المعنى نفسه:

ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها *** فكيفما انقلبت به انقلبوا

يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبت *** يومًا عليه بما لا يشتهي وثبوا

..

الفقير المُدْقِع يظل دأبه البحث عن لقمة عيشه له ولعائلته، فهل ينتظر أحد منه أن يثور على الظالمين في جو أحكام مستبدة جائرة؟

فلا تعجبوا إذا لم يخرج شاهرًا سيفه، كما يتوقع عمر الفاروق.

...

مررت في مدينة مراكش قبل سنين على رجل يبيع بعض  ضمات البقدونس وعدد من البيضات. في أثناء عودتي وجدت البقدونس والبيضات "على حالها"، فسألته:

ماذا ستربح من وراء عملك في هذا الحر الشديد؟

 قال: "درهم" أشتري به رغيف العيش.

أترككم للتفكير،

 ومثله ملايين ممن يجدون الغربة في أوطانهم، وفيهم يصدق أبو بكر الزَّبيدي، إذ يقول:

الفقر في أوطاننا غربة *** والمال في الغربة أوطان

..

أخيرًا، فإليكم  بعض أمثالنا الشعبية ما يعبّر عن الفقر بصورة قاسية:

اللي معه قرش بيسوى قرش، بالفلوس على كل شي بتدوس، الفقر بيسبب الزقر، فقره من نقره، وموت الفقير وزنا الغنى لا يدري بهما أحد، والغني بيغنوا له، والفقير بـ (...) له...إلخ

 

ب. فاروق مواسي

 

amar hamidتخاطبني رمزية الأمكنة، أَتبحث عن جمال العالم في تجلّيات نقائه؟ انها في ساعات الليل الاخيرة، تلفظ سوادها للخيوط البيضاء التي ستتحول الى بساط جديد آخر تسير عليه حياتنا، ومع حفيف اوراق الاشجار وأول تغريدات البلابل الخجولة عند استيقاظها، يُدرك عقلك جمالاً كان بعيداً عنك، أخذته منك مشاغل الحياة وأعبائها .

 تخاطبني رمزية الامكنة مرة أخرى لتدلني على الجمال في تأمل زهرة تفتحت اوراقها للعالم مستقبلة أياه بعطرها، في غصنٍ ذابلٍ يبوح لكَ بأسراره التي حملتها عروقه قبل ان تجف، ولجمال الغيوم ألف شكل وألف معنى وهي تمر من فوق رأسك،  قريبا سينزل المطر لتسمع بأذنيك أروع موسيقى وستعطي لك الاوراق الخضراء المغسولة بمائه شعورا من رقيق الاحاسيس.

اما رسالة المطر الاخيرة فيتركها بعد انتهائه واحتضان قطراته للأرض والاعشاب والزهور، عطرا هادئا فواحاً، كأنما يقول لي لازالت الحياة رائعة، قد غسلت لك كل الاحزان في سمائك وأرضك لتكون البداية رائعة ... بداية النهار والحياة،

 

عمار حميد

haseeb shahadaهذه ترجمة عربية لقصّة بالإنجليزية وصلتني على بريدي الإلكتروني.

”محادثة في العمل بين توم وجاك:

توم: يا جاك، إنّي مشترك في دروس مسائية منذ ثمانية أشهر، وسأتقدّم للامتحان في الشهر المقبل.

جاك: آه!

توم: هل تعرف، على سبيل المثال، من هو توماس إديسون؟

جاك: لا

توم: إنّه مخترع المصباح الكهربائي، لو  اشتركت في الدروس المسائية لعرفت ذلك.

وفي اليوم التالي دارت نفس المحادثة:

توم: هل تعرف من هو غاندي؟

جاك: لا

توم: إنّه المهندس الرئيسي لاستقلال الهند، لو  اشتركت في الدروس المسائية لعرفت ذلك.

وفي اليوم التالي دارت نفس المحادثة:

توم: وهل تعرف من هي ج. ك. رولنچ؟

جاك: لا

توم: إنها مؤلّفة سلسلة هاري بوتّر،  لو  اشتركت في الدروس المسائية لعرفت ذلك.

هذه المرّة اغتاظ جاك فقال: وهل أنت تعرف من هو كيڤن جوني؟

توم: لا

جاك: إنّه الشاب الذي يتسكّع مع زوجتك كلَّ يوم!! لو توقّفت عن حضور الدروس المسائية لعلمت.

العبرة: في الحياة هنالك أمور أهمّ من العمل والمعلومات العامّة.

Source: http://www.funnyfunnyjokes.org/

 

ترجمة حسيب شحادة

جامعة هلسنكي.

 

mohanad salahفي إشارة سابقة قمت بالتنويه لكل الأشكال الثقافية وبكافة صنوفها الفكرية عن تشكيل (مختبرات ثقافية) تكون بمثابة النافذة التي يطل من خلالها المثقف على الساحة . بعد أن يمر بالعديد من عمليات التوجيه والتثقيف يقوم بها أساتذة مختصون يحملون بداخلهم هما حقيقيا تجاه المشاريع الفكرية وعمليات تصديرها للجمهور. وإن هذه (الفلترة) تبدأ من بناء الشخصية وصقل الموهبة وتمر بتمارين متعددة تشمل آليات الحوار والنقاش وإتقان اللغة والنحو، والكثير مما سيجعل من الشخص الداخل ضمن إطار هذه (المختبرات) تجربة ناجحة تستحق إرتقاء المنصة وتحمل مسؤولياتها . وما نلاحظه اليوم هو عدم إنسجام ما يطرحه المعتلي للمنصة مع الضوابط الأخلاقية واللغوية والمعرفية وإنتهاءا بطريقة الطرح التي لا تتعدى كونها حوارية في مقهى للباعة أكثر من كونها ندوات وجلسات تستدعي منا إعطائها الحجم الحقيقي الذي تستحقه . ومثال ذلك ما نراه على أرض الواقع في أي محفل يعاني من عدم الترتيب أو الإختيار الناجح لصاحب النشاط أو المقدم أو حتى المحاورين على حد سواء . وتجب الإشارة ايضا الى إن من أهم آليات (الحوار والتلقي) هي إمتلاك المحاضر لكل الأدوات الفكرية والأخلاقية التي تؤهله لإعتلاء المنصة كي يكون قادرا على تقديم مادته بشكل يجعل منها قد إستوفت كل الشروط التي تؤهلها أن تكون ذات خلفية تحاكي المستويات المعرفية للجمهور وتجذبه نحو مناطق التشويق والإثارة، وتذهب به نحو التساؤل، وتفجر داخله روح المتابعة والتفاعل . كما عليه أيضا كمرتكز لجوهر الجلسة أن يكون قادرا على ترتيب أفكاره ومستعدا لأي مداخلة أو حدث مفاجئ لم يكن بحساباته التي أعد لها مسبقا، وهذا لن يتم إلا إذا كان الشخص (المعتلي للمنصة) أو (المحاورين له) أو (مقدم الجلسة) قد مروا جميعهم بمراحل متعددة داخل آليات (المختبرات الثقافية) كي يكونوا مؤهلين لإنجاح الجانب المهم من أي نشاط يراد له النجاح . وإلا فإن النتائج ستكون مبتذلة وغير مستحقة لقيمة المادة التي ستطرح أو ربما لا تكون بحجم ذائقة الجمهور .. وقد تزايدت هذه الأيام (ظاهرة الإسقاطات الأخلاقية) داخل مساحة الفعل الثقافي والمعرفي . فمن المتعارف عليه إن أي جلسة يتم التقديم لها . تعتمد على عدة محاور . منها (قدرة المقدم على إدارة الجلسة ودراسته الكاملة لشخصية المحاور والمادة التي سيطرحها / إمتلاك صاحب التجربة المستضاف لكل ضوابط الحوار والطرح / إلتزام المحاورين بسياق الجلسة وإحترام الثوابت الأخلاقية، عبر تكثيف الفكرة داخل متن المحاورة، وطرح الأسئلة على المحاور، وعدم التشظي أو الإنجرار لنقاشات مع الجمهور من شأنها أن تحول الجلسة الى فوضى تؤدي الى فشلها) .. وكل ما تقدم يقع على عاتق المؤسسات الراعية للفعل الثقافي، والتي بدورها يجب أن تعي بأن أي مسار ستتخذه سيؤثر على مستقبل الفرد الذي ستقدمه للساحة، وستلتصق تجربته بها كمقدمة له سواء في السلب أو الإيجاب، لأنها من نظر وثقف له أمام الجمهور، وإن جميع التوابع والمعطيات ستكون هي المفاتيح التي ستفك شفرات النزوح نحو مناطق الوعي لدى كل أطراف المستوى المعرفي .. كما ان المتلقي والقارئ يتحمل مسؤوليات أكبر في تحديد البوصلة الخاصة به واتجاه الاشارات الفكرية لها كي تكون بنفس المستوى الذي نطمح أن تصل له التجارب، والتي أما أن تكون مستحقة وجاهزة لتصديرها نحو المستقبل، أو إننا كجمهور سنكون مساهمين في تشويه معالمها ومارسنا دور اللامبالاة مع ما تنتظره منا الأجيال القادمة من أفق يستحق أن تفتخر بوصوله لها ...

 

مهند صلاح

 

البعض وليس الكل من الشعراء والكتاب والصحفيين ينتقدونني لأنني اكتب باللغة العربية بحجة انني كوردي الاصل والمنبع وهذا السبب كافي لكي اتنازل عن ما اكتسبته من معرفة وفكر وفلسفة وادب من الثقافة العربية واستبدل اللغة التي اكتب بها الشعر والقصة والمقالة رغم انني اكتب باللغة الكوردية ايضا الشعر والقصة القصيرة لكن هذا بالنسبة لهم لا يجدي نفعا ولا قيمة له ما دمت اكتب بالحروف العربية لذا بأعتباري مبدعا وضعت كلامهم وانتقادتهم في خانة مليئة بعلامات الاستفهام في ذات الوقت اقف امامهم بالمرصاد وارد على اسئلتهم وانتقاداتهم بذات الاسلوب الذي ينتهجونه معي هنا ينتهي الحوار وتسدل الستارة عن فصل اخر من النقد الذي اتعرض له بشكل شبه يومي لكن هذا لا يقلقني ولا يتعبني ولا يرهقني بل يزيدني قوة واصرارا وعزيمة وثقة وارادة في مواصلة طريقي نحو المجد فالمبدع الحقيقي يكتب بلغات العالم ويتعلم منها ويكتسب ثقافتها ومعرفتها ويروضها كما يشاء في قلمه ليزركش الورق ادبا وفكرا وفلسفة فأنا شاعر وكاتب كوردي الاصل والمنبع اكتب بلغتي الام وفي ذات الوقت اكتب باللغة التي يتكلمها اكثر من نصف مليار انسان وبهذا انقل واحلل وافسر ثقافة وطني وتراث شعبي وقضية امتي لكل الناطقين بالعربية ففي الوقت الذي ينتقدني البعض هنالك من يرفع قبعته احتراما وتقديرا لي لأنه يعرف قيمة ما اكتسبته من مهارات لغوية وثقافية ومعرفية من لغة غريبة عن لغتي الام وكتبت بلغة اخرى كلمات في العشق والحضارة والانسان هي دليل قاطع وملموس على ان الامة الكوردية تملك مواهب وطاقات ابداعية تستطيع مواكبة الحاضر في المحافل الادبية والفكرية والفلسفية العالمية .....

قال احد المثقفين الكورد لي ذات يوم .....

رغم فارق السن الكبير بيني وبينك لكنني احترمك كثيرا بطول هذا الفارق الزمني بيننا .

قلت له لما ......

قال لي لأنك شاب كوردي موهوب ذكي وشخصية فذة مناضل ومكافح تسلق هرم الثقافة والفكر والادب باللغة العربية في بيئة تكاد تخلو من هكذا ثقافة في الوقت ذاته تقرأ الكتب العربية المتنوعة بشراهة وبهذا تتعلم وتكتسب خفايا واسرار هذه الثقافة وتكتب وتنشر كتاباتك وتصنع لنفسك مكانة بين نخبة الشعراء والكتاب كمبدع كوري يكتب باللغة العربية اجمل واحلى الكلمات وتهديها للعشق والحضارة والانسان .

المفارقة هنا ان بعض من قالوا لي كلمات وعبارات النقد كانوا متواجدين في معرض اربيل الدولي يشترون الكتب العربية ويلتقطون الصور مع كتاب عرب هنا يطرح السؤال نفسه .....

الى متى سيرتدي البعض من الشعراء والكتاب والصحفيين ثوب النفاق هذا ام للقضية ابعاد اخرى تبدأ بالحسد والشعور بالحرمان والنقص الثقافي اللغوي للاخر نهاية بالتهميش والاقصاء  .

لكن هذا لن يزعزع تطلعاتي واحلامي لأنني سأواصل الزحف نحو المجد بقلمي بقصائدي بقصصي القصيرة بمقالاتي وباللغة العربية لأنني انقل الحضارة والعشق والانسانية بعقل وقلب كوردي الى العالم العربي وهذه مهمة في غاية التعب والارهاق لطالما عانيت من خلالها الكثير من المصاعب والعقبات منذ اولى خطواتي في عالم الابداع عام 2002 بشكل علني منظم من حيث بداية نشر كتاباتي في الصحف والمواقع العربية والعراقية وسأبقى الى الرمق الاخير اقاتل بقلمي الكوردي بما يحمله من ثقافة وفكر وادب باللغة العربية على جبهات الابداع .

 2

في معرض اربيل الدولي للكتاب هذا العام عرضت دور النشر كل كتبها بقديمه وجديده ووضعت اثقالها على عتبة هذا الكرنفال الثقافي العملاق الذي تلبسه اربيل العاصمة من كل نيسان كعادتي التي لا استطيع الاستغناء عنها احرص على التواجد بشكل منظم كل عام في هذه التظاهرة لأن الكتاب كان الرفيق الاول لي في مسيرتي نحو عالم الابداع فلقد عشت طفولتي بين اروقة وزوايا مكتبة ابي العظيم في بيتنا الكبير الذي كنت في الملك والامير .....

فعشقي للكتب كعشقي للنساء للسجائر للبيرة اللبنانية (المازا) لهذا احاول قدر المستطاع ان اشتري الكتب لكي ابتعلها واحولها لفضلات لكي تنمو ذاكرتي الادبية والفكرية والفلسفية وتنمو معها افق الوعي والادراك لخفايا واسرار فوضى الحياة بكل شيء واي شيء رغم ان الكثير من الاشياء ما زالت تحوم حولها علامات الاستفهام وبهذا يكبر الشك في دهاليز عقلي وينتهي في نهاية المطاف الى علامات استفهام اخرى اضعها بجانب الاخرى ......

evan aliالشيء الغريب والعجيب هنا ان الكتب ما زالت تحتفظ برونقها والقها لكن بحلة تجارية فمعظم الدور المشاركة في هذا التجمع الثقافي السنوي عرضت الثقافة بأسعار باهضة وهذا ان دل على شيء فهو دليل واضح على انها تطبع النتاج الانساني وتبيعه بأسعار شبه خيالية مقارنة بأسعار الكتب في مكتبات العالم وبهذا يكون الربح هو الحافز الاكبر لطبعها فلقد تحولت بعض دور النشر الى شركات تجارية صرفة الجانب المعلن فيها انها تثري رفوف المكتبات بنتاجات المبدعين لكن الجانب الخفي انها تتعامل مع الكتب كأداة ووسيلة لجمع المال ..... والحجة هي ارتفاع الدولار وغلاء اسعار الورق والحبر؟

من حسن حظي انني ادركت الكثير من الاشياء والامور من خلال تعلمي واكتسابي مهارات الثقافة والفكر والفلسفة من الكتب منذ طفولتي وبهذا فأن هكذا العبارات بالنسبة لي هي تبريرات لا قيمة لها لكن لا مفر من ان ادفع المبلغ المطلوب لشراء هذا الكتاب او ذاك لأنه من المستحيل ان احصل على ذات الكتب من المكتبات لكون ان اللغة العربية تعاني مشكلة الانقراض في المجتمع الذي اعيش فيه فلا قيمة للشاعر والكاتب امام بائع الكتب اي نعم سيعامل بشكل ثقافي وسيتم تقدير مكانته كمبدع من الجانب النظري لكن عندما يتعلق الموضوع بالدرهم والدينار فعلى الشاعر والكاتب ان يدفع ثمن الكتاب او الكتب كما يريد بائعها وبهذا يكون هذا هو الجانب العملي ......

ما يرهق ذاكرتي هنا ان تمتد مفاهيم وقيم الرأسمالية الى اروقة دور النشر وبهذا ينتشر مفهوم الطبقية بين الكتب ويتم جر الكتب الى مستنقع الربح حينها سأكتب رسالة ثورية الى ماركس اقول فيها ان رأس المال يباع الان بالمال .....

ايفان زيباري - شاعر وكاتب

.................

يسارا انا وانت .. نمضي نلتقي

1

على ارصفة الليل

تتمايل

شفتاك الممتلئتان

يسارا

تهاجر

عيناك الخضراوان

يسارا

2

يسارا .....

يرقص العشق

فوق نهديك

يثمل الشعر

في خديك

تغرد السعف الحمر

على حاجبيك

3

يسارا .....

تحاور عشتار

ضفائر الحرير

يرسم الياسمين

لهفة الخليل

يزهو القلب

بحديث النديم

4

يسارا .....

نمضي

انا وانت

الى الأمام

بصحبة الرفاق

الكأس والسيجار

5

تزحف

وشوم جسدي نحو خاصرتك

يسارا .....

ليسكر حرفي

ليضمد جرحي

ليبعث قلمي

ليصمد وجعي

حين يراك

لتنبت القصيدة

لتولد البندقية

لتحيا الثورة

حين تلقاك

6

يسارا .....

نلتقي

انا وانت

لا رجوع ولا استسلام

فخطايا ارصفة الليل

لا تمحوها

ذاكرة

العطر والمطر

 

 

saad jasemحتى لا اكون مُغالياً في تساؤلاتي التي سأطرحها هنا، سأقول في البدء اننا وللكثير من الظروف والاسباب والعوامل الموضوعية اصبحنا نمتلك الكثير من الثقافات التي منها ماهو سايكولوجي ومنها ماهو سسيولوجي ومنها ماهو سسيو- ثقافي ومنها ماهو خارج كل التسميات والتعريفات. ومن هذه الثقافات التي اصبحنا نمتلكها الآن وبقوة هي ثقافة النسيان التي ارى انها قد اصبحت شائعة ومستشرية في جميع اوساط مجتمعنا وخاصة وسطنا الثقافي.وإزاء احساسنا بوطأة وقسوة هذه الثقافة نريد ان نتساءل :

 مَنْ منا يتذكر شخصياتنا الفكرية والعلمية ومنها على سبيل المثال: (الدكتور علي الوردي والدكتور احمد سوسه والدكتور طه باقر والدكتور جواد علي والدكتور مصطفى جواد والدكتور فيصل السامر والدكتور عبد الجبار عبد الله والدكتور بهنام ابو الصوف وهادي العلوي وكوركيس عواد وعبد الحميد العلوجي والدكتور قيس النوري والدكتور حسين علي محفوظ)؟ وكم منا يتذكر مبدعينا وروادنا في الشعر والقصة والرواية والنقد مثل (عبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري وعبد الحق فاضل وجعفر الخليلي وحسين مردان وغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي ومحمود عبد الوهاب ومهدي عيسى الصقر ود.علي جواد الطاهر وعبد الجبار عباس ود.عمر الطالب ومحمد الجزائري وعبد الجبار داود البصري)؟ ثم ألسنا نحن متناسين للكثيرين من مبدعينا الحقيقيين الذين غاب البعض منهم في ظروف قاهرة وموجعة والبعض منهم قد مات مغدوراً امثال: (محمود جنداري ومحمود البريكان وحسن مطلك وحاكم محمد حسين وخليل المعاضيدي وعزيز السيد جاسم ود. حياة شرارة)؟ وهل يمكننا ان ننسى الادباء: جليل القيسي ومحيي الدين زنكنه وعبد الستار ناصر وحمد صالح وكاظم الاحمدي ومحمد شاكر السبع وحامد الهيتي ومهدي علي الراضي ومحسن الخفاجي وزيدان حمود ومهدي جبر؟

والمحزن في ثقافة نسياننا هو اننا لم نعد نتذكر او نستذكر مبدعين منا قد رحلوا وهم في قمة حضورهم وعطائهم الابداعي ومن امثال هؤلاء الشعراء: يوسف الصائغ وسركون بولص ومؤيد الراوي وآمال الزهاوي ورعد عبد القادر وكمال سبتي ومحمد علي الخفاجي واحلام منصور وعقيل علي وصاحب الشاهر وكزار حنتوش وحسين عبد اللطيف ورياض ابراهيم وعبد اللطيف الراشد وخالد جابر يوسف واديب ابو نوّار)؟

اما الاكثر شجناً فهو نسياننا لادباء غابوا عنا وهم في أوج شبابهم ومنجزهم الابداعي ومنهم على سبيل الذكر: عبد الامير جرص واسماعيل عيسى بكر ورعد مطشر واحمد آدم ومحمد الحمراني وحسين السلطاني وخضير ميري)؟

نعود ثانية لنتساءل: ترى أليس من حق هؤلاء المبدعين الراحلين علينا ان نقوم باستذكارهم بطرائق وسبل مختلفة ومنها اقامة الجلسات الاحتفائية بذكرى رحيلهم وطباعة مخطوطات ابداعاتهم الادبية التي لم يتسنَّ لها ان تُطبع من قبل، وكذلك اعادة طباعة بعض نتاجاتهم التي نفدت في المكتبات؟ ويمكننا ان نتساءل ايضاً: هل ان ثقافة النسيان اصبحت سائدة لدينا اكثر من ثقافة الذاكرة وثقافة المحبة والوفاء العاطر احتفاءً منا بالغائبين من ادبائنا وعلمائنا ومفكرينا واعلامينا وفنانينا الجديرين بالاحتفاء والذكرى؟

 

سعد جاسم

 

 

saleh altaeiيوما بعد آخر وبسبب المنافسة بين الكتاب الالكتروني والكتاب الورقي بدأت المكتبات تزيد من درجة عنايتها بالخدمات التي تقدمها للقراء لكي تستقطبهم إليها، وأكيد أن هذا ليس في بلداننا العربية وإنما في العالم المتقدم، لأن المشاريع العربية جاءت لذر الرماد في العيون وتمجيد الحكام، وللمباهاة لا أكثر، لأن المشاريع التي بدأ العمل بها لا تتناسب أبدا مع حجم أصغر دولتين عربيتين، بادرتا إلى تقليد العالم، وأنشأتا مكتبتين، تكفي كل واحدة منهما لإسكان جميع شعبيهما سوية، فدبي استثمرت مبلغ مليار درهم لإنشاء مكتبة بمساحة تتجاوز المليون قدم مربع، وبإجمالي كتب يبلغ 4,5 ملايين كتاب، بين كتب مطبوعة وإلكترونية ومسموعة، وبعدد مستفيدين متوقعين يبلغ سنويا 42 مليون مستفيد، بحجة  أن العالم العربي يواجه فجوة معرفية حضارية، ولابد من مشروعات بحجم هذا التحدي الثقافي التاريخي لسد الفجوة. وستكون المكتبة ببنائها الضخم الذي يقع على خور دبي بمنطقة الجداف، محطة لأكثر من 100 فعالية ثقافية ومعرفية سنوية، ومعرضاً دائماً للفنون، وحاضناً لأهم المؤسسات المتخصصة بدعم المحتوى العربي. وستعمل على طباعة وتوزيع 10 ملايين كتاب في العالم العربي خلال الأعوام المقبلة.

وعلى نهجها ولكن بشكل ساذج وبسيط، حذت الشارقة مع المكتبة القاسمية التي أنشئت عام 1925 كمكتبة خاصة للشيخ سلطان بن صقر القاسمي وورثته، وبقيت في الحصن حتى سنة 1956م حيث نقلت إلى مبنى جديد أقيم في ساحة الحصن تحت مبنى المضيف. ثم انتقلت إلى الحاكم الشيخ خالد بن محمد القاسمي، وبعده إلى الحاكم الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، حيث نقلها إلى مبنى البلدية بالقرب من قاعة أفريقيا، تحت مسمى مكتبة الشارقة.

في مرحلة لاحقة، انتقلت إدارتها إلى وزارة الإعلام والثقافة مدة بسيطة، ثم استرجعها الشيخ سلطان لتتبع الدائرة الثقافية بالشارقة. وعند تأسيس دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة عام 1980 تم نقل إدارة المكتبة لتتبع الدائرة، حيث كانت قاعة أفريقيا مقرا لها.

وفي عام 1987 نقلت إلى مبنى المركز الثقافي بالشارقة. وأخيرا، وفي عام 1998 تم نقلها إلى المدينة الجامعية باسم "مكتبة الشارقة". وفي مايو 2011 افتتح الحاكم الشيخ سلطان المبنى الجديد للمكتبة في ميدان قصر الثقافة، وهي تضم الآن عدة فروع، منها: مكتبة خورفكان العامة، مكتبة دبا الحصن، مكتبة كلباء، مكتبة الحمرية، مكتبة وادي الحلو، مكتبة الذيد.

ومع وجود نوع من الحراك المكتبي في مصر والمغرب العربي وبعض دول الخليج فضلا عن سوريا قبل الأحداث، إلا أن أهم البلدان العربية وهو العراق لم يشهد حراكا مكتبيا حقيقيا منذ عام 1963 ولغاية هذه الساعة، بل إن الكثير من مكتباته أغلقت وحولت بناياتها إلى دوائر عسكرية وأمنية وإدارية بعد أن أخليت من الكتب والمواد، وحتى التي سلمت منها، تعرضت بعد التغيير إلى النهب، والقلة التي نجت من كل ذلك، بقيت على حالها، ولم تجر عليها أي عمليات تطوير أو تحديث.

أما في الجانب الآخر فالموضوع يختلف كليا، فاليابان مثلا فيها مكتبة "ناكاجيما" بجامعة أكيتا الدولية، إحدى أجمل المكتبات في اليابان. وهي مفتوحة أمام الزوار للقراءة على مدى 24 ساعة في اليوم، وعلى مدى 365 يوماً في السنة، بمعنى أنها لا تغلق أبوابها طوال العام.

تأسست المكتبة في عام 2004، وسميت باسم مؤسس ورئيس جامعة أكيتا الدولية الأول الدكتور "مينيو ناكاجيما". وتحتوي على ما يزيد عن 70000 كتاب وأكثر من 180 مجلة ومحطات متعددة للقراءة بدرجات حرارة وإضاءة مختلفة ومقاعد بأطوال مختلفة، مما يمكن جميع الطلاب من إيجاد البيئة المناسبة لهم للقراءة. وهي ليست حكرا على المنتسبين للجامعة فحسب، فدخولها والإفادة منها مسموح لجميع أفراد الشعب. ومقارنة بسيطة بينها وبين جامعة دبي تكشف لك جدية منهج الآخر وعبثية مناهجنا التي لا تختلف كثيرا عن أطول جسر وأعلى برج وما شابه!

أما في أمريكا وتحديدا في جامعة "ستانفورد" فقد وصل عدد المكتبات داخل الحرم الجامعي إلى 20 مكتبة ، توفر الكتب والمجلات والأفلام والخرائط والبيانات والصور، إلى جانب خدمات البرمجة والتكنولوجيا والخدمات المكتبية المختلفة.

وقد خصصت كل مكتبة منها إلى أحد العلوم، فمكتبة "كرين" مخصصة للعلوم الإنسانية والاجتماعية، ومكتبة "لاثروب" لخدمات التكنولوجيا، وتخصصت المكتبات الأخرى في الفنون والعمارة والعلوم والقانون والموسيقى وغيرها. ومن بين مكتباتها المهمة مكتبة "ديفيد رامزي" للخرائط من القرنين 18 و19 عن أميركا الشمالية والجنوبية، ومكتبة شرق آسيا المتخصصة في المواد باللغة الصينية واليابانية والكورية. وهكذا يتواصل طلاب الجامعات الأمريكية مع العالم كله!.

أما بريطانيا ذات التاريخ المكتبي العريق فقد قامت عام 2013 باستبدال مكتبة "برمنغهام" المركزية القديمة، بتحفة هندسية معمارية  تعتبر أكبر مكتبة عامة تفتتح في المدينة بتكلفة 189 مليون باوند، وهي من تصميم  المهندس المعماري "فرانشين هوبين" الذي وصف مبنى المكتبة بقصر الناس. وإلى جانب المكتبة، هناك المبنى ذو الطوابق العشر الذي يستضيف أهم الوثائق والصور والكتب النادرة عالمياً. وتمكن المرافق الجديدة في مبنى المكتبة كالمعرض الفني الجمهور من مشاهدة صور ووثائق هامة وثمينة للمرة الأولى.

كما ستضم المكتبة مسرح أستوديو جديد ومدرج في الهواء الطلق وأستوديو تسجيل. أما شرفتها  فتطل على حديقة خارجية غنّاء. وتحوي المكتبة اليوم ملايين الكتب والموسيقى والأرشيف والمصادر التراثية  والصور الفوتوغرافية والكتب قديمة جداً.

ولم يقتصر أمر التغيير والتبديل والتطوير على البلدان الأوربية، فعلى بعد ساعتين من وسط العاصمة الصينية بكين، وفي قرية صغيرة تدعى "جياوجيهى"، ستجد نفسك محاطاً بالطبيعة الخلابة ومنازل القرويين التي تقع بينها مكتبة ليوان وهي من تصميم المهندس المعماري الصيني "لى شياو دونج". وفي تصميمها الذي ينسجم مع الطبيعة، استخدم المهندس آلاف العصي المجمعة من الأشجار التي يجمعها أهل القرية سنوياً.

المكتبة المحاطة بالجبال ومناظر الغابات الطبيعية تقع على مسافة 5 دقائق من منتصف القرية، وتضم من الداخل مساحات واسعة للقراءة الهادئة والتأملية و سلسلة من المنصات التي تدمج رفوف الكتب وتحوي مقاعد للجلوس.

وأوجد المهندس "لى شياو دونج" نظاما هندسياً يحافظ على اعتدال درجة الحرارة بالمكتبة، يجعلها تحافظ على دفء المكان في فصل الشتاء من خلال امتصاص أكبر قدر من حرارة الشمس فيما يجري تبريد الهواء في فصل الصيف بواسطة ماء النهر المجاور للمكتبة. مع واجهة خارجية من الزجاج مغطاة بعصي عادية، لتظهر وكأنها تلتئم مع  الطبيعة المحيطة بها من غير أن تنافسها.

ولم يترك المصمم شيئا للصدفة أو بدون فائدة فالمواد الخشبية التي بنيت منها الواجهة الخارجية تستخدم لتسخين مواقد الطهي للقرويين. وبالنظر لموقعها وتصميمها لا تعتبر مكتبة ليوان مكاناً للقراءة أو استعارة الكتب لأهداف الخدمة المجتمعية فحسب، فهي تعد مكاناً يوفر الهدوء وفسحة للاختلاء بالذات والكتاب.

ومثلها سعت سنغافورا من خلال خطط طموحة للتحول إلى أمة تقنية ذكية، ومع ذلك نجد اهتماما كبيرا بالمكتبات ولاسيما المكتبة الوطنية التي أنشئت عام 1823، والتي تضم أكثر من 8,5 مليون كتاب وأكثر من مليون ونصف المليون من العناويين، والتي تملك أربعة وعشرين فرعا منتشرة في أنحاء الدولة. ويبلغ عدد أعضاء المكتبة قرابة المليوني عضو، يستعيرون أكثر من ثلاثة وثلاثين مليون كتاب في العام الواحد، ويتجاوز عدد زوارها سنويا الستة والثلاثين مليون زائر، فضلا عن أكثر من ثمانية ملايين زائر عن طريق شبكة الانترنيت.

ولكي تتيح المكتبة فرصا أمام المستفيدين استنبطت نظام إعارة جديد لا يشترط إعادة الكتاب المستعار إلى نفس المكان الذي استعاره منه، حيث يمكن إعادة الكتاب إلى أقرب مكتبة أو إعادته آليا عبر أجهزة الكترونية وضعت لهذا الغرض في مناطق متفرقة من البلاد. في وقت منعت فيه الاستعارة في المكتبات العامة والمركزية في العراق ولأي سبب كان. وحينما تبحث مكتباتنا عن جهة ترتبط بها وترعاها بدلا عن الإدارة المحلية أو مجالس المحافظات وغيرها، نجد المكتبة الوطنية السنغافورية قد تم ربطها بإدارة المتاحف منذ عام 1874.

وفي الوقت الذي عجزنا فيه عن دعم مكتباتنا العامة والمركزية حتى بالكتب العراقية، نجد مكتبة سنغافورة الوطنية غمار تجربة أتمتة المكتبة، وتحويلها بالكامل إلى مكتبة رقمية تفاعيلة متاحة للجمهور في أي مكان وفي أي وقت.

 

صالح الطائي

 

ayad alzouhiriلا يختلف أثنان ما للمثقف من تفرد وميزه لا تتوفر لغيره من سواد الناس، هذا التميز يتأسس على ما يمتلكه من دقه الرصد، وعلمية التحليل لواقع يعيشه الناس ولم يلتفتوا له ويمعنوا النظر فيه، كما يفعل المثقف، بالأضافه الى هذا تراه يتسلح بأدوات معرفيه من آليات بحث، وأدوات تدقيق ورصد لا يتمتع بها غيره، ناهيك عما يتأبط به من غزير معلومات، يفتقدها غيره، كذلك على ما يتجشم من عناء اللهث وراء تطورات مادة بحثه أملآ بأستيفاءها لشروطها العلميه، كما يحلق عاليآ فوق محددات المكان والزمان . أنه النحله التي تقف على أكثر من زهره لكي يعطي رحيقآ ثقافيآ غنيآ لقراءه حتى يساهم في حصانته ويدفعه بحركه واعيه نحو هدف سامي مصداقآ للآيه الكريمه (وقصد في مشيك...).

هذه ملامح مختصره وصفات عامه للمثقف، وهو ما يغاير به زميله الحافظ الذي لا يجيد الا خزن المعلومات وأعادت أجترارها على الناس من غير تنقيح ولا تحصيف ولعل الكثير ممن لا يحسن حتى أختيار مناسبتها مما قد يسئ لها ولقصدية واضعها.

يتضح من هذا ما للمثقف من دور ورساله في بناء الأمه والمجتمع الذي ينتمي اليه، وهذا هو ما دعاني للخوض في غمار ممارسات الكثير من مثقفي النخبه من عراقيين وعرب من جنايات لا يمكن أن يتطهروا منها ولو سبحوا بماء زمزم، ولا يغفر لهم ولو تعلقوا بأستار الكعبه لبشاعة الخطيئه ولجسامة الخساره التي تسببوا بها لمجتمعهم من خطل في الرؤيا وتشوهات في الفهم وتشتت في النسيج الأجتماعي بسبب مواقفهم الهزيله وبيعهم لشرف الكلمه والتسويق لتجار الحروب من الحكام والأندكاك بالمشاريع السلطويه من أمثال الترويج للحروب العبثيه والمشاريع الأستسلاميه وتزويق واجهات ملوك الخيانه وأمراء العبث والمجون، مقابل هؤلاء هناك فئه أخرى أعتزلت الجمهور وتنكرت له، وتعالت عليه، بل ونعتته بأقذع الصفات، مكتفيه بما تنقله من فتات النظريات العابره للقارات، مستنسخين تحليلات غيرهم ممن لا قبل لهم بواقعنا، متشدقين بكلمات طنانه وأسماء رنانه جاعلين منها مطيه للصعود لبروجهم الخاويه، والأدهى وياللخيبه لهم تسمعهم يصرخون ويندبون حظهم العاثر على تخلي الناس عنهم والتنكر لوجودهم بعدم الأستماع لهم والأخذ بأرائهم.

التاريخ سوف يحمل هذين الفئتين من المثقفين كامل المسؤوليه الأدبيه والأخلاقيه بتركهم لأقدس مهمه، الا وهو ما أسميه بالخدمه الأرشاديه لجمهور يعيش حاله من الضياع والتخبط الفكري والأخلاقي، تاركين الساحه لأرباع المثقفين، بل ولكثير من الجهله التي تعج بهم الساحه العراقيه والعربيه ممن يكتبوا بالصحف الصفراء، ويظهروا من على شاشات التلفاز المدفوعة الأجر من حيتان المال وتجار السياسه، داعيك لمجموعه تصول وتجول ومن أعلى المنابر وأكثرها قداسه ممتهنين حرفة الخطابه ينشرون الكثير مما لم ينزل الله به من سلطان ناشرين ومحرضين للفوضى بكل ما تعني كلمة فوضى من معنى وطبعا هذا لاينطبق على الجميع لأن هناك من الخطباء ممن أسهم بأطفاء الكثير من الحرائق التي أشعلها أصحاب أيديولوجيات الحروب وتجار السلاح.

أن ما نعيشه اليوم من معاناة وشقاء هو نتيجه حتميه لبؤس الثقافه والمثقف وتقاعسه المفرط عن أداء أشرف واجب وطني وأنساني عن طريق تخليه بل وتخاذله عن مشروعه التوعوي والمساهمه بالحركه الواعيه للجمهور، فهم بدل أن يتلمسوا هموم الناس ويأخذوا بأيديهم الى مشاربهم الحقيقيه وتنبيههم الى مصالحهم الحقيقيه، تراهم يولوا بوجوههم الى رهط من المغامرين والطغاة يأدلجوا لهم أجرامهم ويزينوا لهم قبيح أعمالهم .

اليوم حري بالمثقف أن يكرس حالة الأنتماء الوطني في نفوس وعقول مواطنيه، والمساهمه بتكريس حالة الأنتماء لهويتهم الوطنيه وذلك عن طريق بناء سياجآ أساسه الوعي العالي والروح التواقه للسمو الحضاري والأرتقاء بالنفس العراقيه لكي تتعالى على الصغائروتهاجركل هفوات النكوص والأبتذال والتبعيه للأخر، أن تقاعسهم في أداء هذا الواجب الوطني والأنساني يجعلهم في مصاف من يرتكب الخطيئه العظمى بحق شعبه ووطنه .

أياد الزهيري

 

mohanad salahمنحت بعض المدارس الأدبية والفنية معايير خاطئة للكتابة أتاحت الفرصة أمام الكثير من الكتابات الهشة والمبهمة أن تمتلك نوعا من الشرعية عند طرحها أمام العين المتفحصة للقارئ، وأدخلته في متاهات لا نهاية لها أدت إلى عدم إنسجامه مع أغلب ما يتم طرحه عبر الساحة الثقافية بحجة أن الكاتب يجب أن (يكتب ثم يرحل)، وهي بإعتقادي عملية إحتيال من قبل الكتاب وليس المنظرين . حيث إن المنظرين دأبوا على وضع مساحة كافية أمام القراء لفهم وتصور النص كلا حسب وجهة نظره، وليس المراد أن يبتعد النص عن درجات الوضوح القرائي وينتج العديد من علامات الإستفهام التي يجب أن يجيب عنها الكاتب .. تمخضت الدراسات الحديثة للكثير من المشتغلين في مجال البحث والتقصي عن نواة النصوص . بأن النص يولد متمردا ومنفلتا حتى يتدخل الناص فيروضه ويمنحه الدرجة التي يستحقها ليتخذ مكانه على مقياس الكتابة . تبدأ الكتابة من لحظة الصمت، لحظة اللاشيء، حيث يكون الفكر فيها متعاليا جدا، ولكنه يضطر - وتحت ضغط دوافع معينة - لأن يهبط من عليائه، لتدخل الكتابة في لحظة التأمل، وهي لحظة يتخير فيها الفكر ويتراوح بين اللغة والوعي، بين التشكل والتجريد، وذلك قبل أن يدخل تمامًا في لحظة الفعل، والتي يتلبس فيها الفكر ثوب اللغة بشكل كامل . ما يحصل في هذه اللحظة هو أن الفكر يتكثف في اللغة، فتولد الكتابة . الكتابة بذلك ستحمل مكوِنين: مكون اللغة، ومكون الفكر . وما من كاتب إلا ويتراوح بين هذين المكونين: مكون الشكل والقالب، ومكون المعنى والروح . اللغة - كما يعبر عنها رولان بارت – (خطُّ الأفق الذي تلتقي عنده السماء بالأرض . فهي الوسيلة والمقياس الذي نرسم ونحسب به حدودنا . كما لو أن الفكر يتنازل عن حريته عندما يتشكل ويتقولب في اللغة، وهو يفعل ذلك اضطرارا في سبيل التمدّد والوصول إلى الكونية) فاللغة تضمن له الانتشار لأنه سينزل عن عرشه المطلق .. قارئ اللغة هو قارئ لسجن محكم الإغلاق، سجن مضبوط تاريخيا وجغرافيا، وفي هكذا مناخ يكون القارئ أقدر على التخلُّص من قبضة الكاتب، ولكن عليه أن يفكر في قبضة اللغة، لأن سجن اللغة يتبعه بالضرورة اعتبار اللغة نفسها كائنا حيا يلزم محاورته دون أي تأثير إيجابي أو سلبي من منتج اللغة.  ومع فقدان الحرية داخل السبك اللغوي لا تعود اللغة معنية - تحت أي عنوان- بأي شكل من أشكال الالتزام الاجتماعي. وعلى ذلك، فالقارئ للكتابة سيكون قادرًا على اختبار اللغة دون أن يضطر لإبداء أي التزام تجاه الكاتب. سيستمتع بلغة الكاتب ويندمج فيها ويصنع عوالمه من خلالها أو سيمزجها، دون أن يعني ذلك موقفا ما تجاه الحرية التي أنتجت هذه اللغة، أي تجاه الكاتب. وهنا عليه أن يكون متسامحا ومنبسطا - بل ومبتهجا- وهو يتعامل مع مكوِّن اللغة في الكتابة، ﻷنها لغة بلا روح، وهو - أي القارئ - مسؤول عن إعطائها شيئا من روحه. كما لو أن اللغة تخلق الفضاء، ونحن كقراء من يملأ هذا الفضاء. وإلى هذا الحد لا يزال القارئ بعيدا عن درجة الصفر في القراءة . ذلك لأنه ملتزم تجاه السجن الذي وضعته فيه اللغة. ولو أراد أن يُعيد إنتاج النص ففي الغالب سينتج نصا بعيدا كل البعد عما يريد كاتب النص أن يقوله . لذا يجب على الكاتب أن يلتزم تجاه نصه كي يعطيه الصبغة الرسالية التي جاء من أجلها .. أستغرب حقا عندما أجد الكثير من كتابنا الشباب وفي شتى المجالات الأدبية والفكرية والفنية، وهم يتبنون (الفوضى) ويستقتلون من أجلها . وأقصد هنا فوضى (القراءة) التي يحتملونها على القارئ بمجرد ولادة نصوصهم وترحيلها إليه . فهم بمعنى أصح _ يعتقدون _ بأن الغرابة والفوضى والغموض اللامتناهي داخل ثيمة النص ولغته، هي من يتولى تقديم نصوصهم على إنها (الأمثل) والأحدث والأكثر رواجا وقبولا لدى القراء. بينما يقف هذا القارئ لينتج الكثير من الأسئلة بدل أن يغترف الخلاصة التي جاء من أجلها النص ويحولها إلى تطبيق فعلي يستثمره في حياته اليومية. ومع هذه الدوامة الغريبة التي يعيشها القراء . تجد الكتاب وهم يعيشون نشوة الإنتصار المزيفة، وكإنهم يخوضون حربا ضروسا مع القراء .. ما أنتج هكذا أدوار عائمة في المشهد الثقافي . هي النظريات المخطوءة التي بنيت زورا وبهتانا على أنقاض النظريات الأم، ومنحت (حصانة) مفرطة لا وجوب لها للكتاب أمام عمليات التلقي، جعلتهم غير ملزمين بالتفسير أو التنظير لنصوصهم . وجعلت القراء في دائرة الإتهام بعدم الوعي، وإنهم ليسوا بمستوى ما يكتب .. على كتابنا الشباب أن يعوا جيدا بأنهم إذا ما إستمروا بهذه الطريقة من التصور اللامنطقي للكتابة . فإنهم سيجدون أنفسهم مرغمين على الكتابة لنخبة النخبة، أو الرحيل بكل ما يكتبونه خارج الدوائر التاريخية والمعرفية التي يكون فيها القارئ أولا وليس الكاتب . فهو من سيحدد ديمومة وبقاء النص ومنتجه . وعلى المتحذلقين ممن يريدون أن يستمروا في طعن خاصرة المشهد الثقافي عبر تنمية هكذا فوضى. أن يفهموا بأنهم لن يوقفوا عجلة الكتابة، بل على العكس، سيصنعون أدوارا جديدة تبتعد تماما عن غاياتهم، وستجد لها قراء يفهمون محتواها . كل ما سيحدث . إنهم زرعوا بذور شذوذهم النفسي المفرط في مساحات معينة لدى بعض المواهب الشابة التي للأسف سلمتها مفاتيح الولوج لها والتحكم برصيدها المعرفي دون أن تعي بأنها ستأخذها نحو فراغ عميق لا نهاية له ...

 

مهند صلاح

 

ahmad khameesaljanabiتعد الصحافة الاستقصائية من اصعب وأخطر انواع الإعلام كون عملية الوصول لحقيقة المعلومة تواجه الكثير من التحديات. فياترى هل هذا النوع من الإعلاميات يستحق التدريس في الجامعات؟

من خلال تجربتنا المتنوعة في الإعلام التلفزيوني وجدنا أن هذا النوع من الصحافة لا يحظى للاسف بالاهتمام الكافي في كليات الإعلام برغم اهميته وضرورة تدريسه، حيث يرى مختصون أن السبب يكمن في عدم معرفة بعض الاساتذة بكيفية تدريس الصحافة الاستقصائية وعدم حرص الجامعات نفسها على تعليمه للطلبة.

 نرى انه من الضروري تعليم الطلبة منهجية عمل تمكنهم من الدخول الى عالم الصحافة الاستقصائية وذلك من خلال تلقينهم كيفية التخطيط لتحقيقاتهم وجمع المعلومات من المصادر المفتوحة والتدرب على كتابة القصة الصحفية.

يقوم الأستاذ الجامعي المتخصص بهذا النوع بتقديم الشرح الوافي للطلبة عن الصحافة الاستقصائية واعطاء نماذج لتحقيقات استقصائية الى الطلبة يمكنهم الاطلاع عليها ، كما من الواجب ايضا على الاستاذ ان يزودهم بقائمة من قاعدات البيانات المفتوحة التي تساعدهم في الحصول على المعلومة.

إن نشوء الصحافة الاستقصائية في اي مكان يحتاج الى قدر كاف من الديمقراطية التي توفر الحماية للصحافة والصحفيين وهو الأمر الغائب في الكثير من الدول العربية التي تشهد احداثا مضطربة مما يصعب النشر والتعبير بحرية والحصول على المعلومات. وظيفة الصحافة الاستقصائية إجراء تحقيق في قضية ما والوصول الى الحقيقة قد تكون هذه القضية على سبيل المثال تتعلق بالفساد وسرقة المال العام وغيرها من القضايا التي تكون على هذه الشاكلة.

 يؤكد علماء الإعلام ضرورة نشر ثقافة العمل الاستقصائي وتدريسها في كليات الإعلام في الوطن العربي ومستوى العالم.

إن من أبرز التحديات التي تواجه الصحافة الاستقصائية اليوم محدودية ثقافة العمل الاستقصائي بالوسط الصحفي ،عدم وجود بيئة مشجعة على فن الصحافة الاستقصائية ،غياب المعلومات وحجب الوثائق، ضعف وغياب العمل الجماعي، عدم تعاون المسؤولين مع الصحفي الاستقصائي، ضعف تأثير الصحافة الاستقصائية في الرأي العام.

صحافة الاستقصاء تحتاج إلى قدر كبير من التفرغ، والجهد للبحث والوصول الى الحقيقة. ويعزوا أهل الاختصاص أسباب غياب التحقيق الاستقصائي عن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة إلى العقلية التقليدية التي تتحكم بالقائمين على هذه الوسائل.

إن غياب الحريات في معظم بلدان العالم النامي يعد احد الاسباب الرئيسية في ضعف التحقيقات الاستقصائية التي تمثل نوعا مهما في علم الصحافة والتي يمكن ان تستخدم في خدمة الشعوب وسلامتها ومواجهة الفاسدين والمتعدين على حقوق الناس.

 

بقلم د. احمد خميس الجنابي

كاتب عراقي

 

mustafa maroufiما ذا يمكن للمرء أن يقوله حول شعر الشباب من حيث القضايا التي يطرحها ومن حيث الواقع الذي يعيشه والآفاق التي يستشرفها؟

يبدو أن الحديث عن هذا كله يحتاج قبل الخوض فيه إلى شيء من التأمل والتفكير، ولا بد في البداية من أن نرصد بعض الظواهر التي تشكل ملامح قصيدة الشباب بالشكل الذي تكتب به حاليا.

نلاحظ بأن قصيدة الشباب هاته تشهد على مستوى الكم والتراكم انتعاشا ملحوظا، وهو أمر يشير إلى عدة حقائق تشي في أغلبها بأن التراكم إياه وفي جانب كبير منه هو نتيجة أسباب ليست أدبية، لأن الشعر غير متحقق فيه إن كليا أو جزئيا.

من هنا كان الحديث عن التجربة الشعرية أو الحساسية الشعرية عند الشباب محفوفا بالمطبات والمزالق، نظرا لكون هذه التجربة أو الحساسية لم تتبلور بعد بشكل كاف يسمح لنا بالحكم عليها حكما عادلا، بيد أن هذا لا يمنع من القول بأن الشعراء المفروض فيهم أن يكونوا في مستوى تجربة ذات خصوصية باعتبار المدة الزمنية التي قضوها في كتابة الشعر لم يفتأوا يراوحون مكانهم داخل دائرة مغلقة، وكأن هذه المراوحة قدر مفروض عليهم لا يجدون عنه للخلاص منه محيصا، فقصائدهم تتشابه في الشكل أو في المضمون أو فيهما معا، وتعوزها مواصفات الاكتمال والقدرة على الرقي في الثاني منهما ـ أي المضمون ـ ، والسبب في نظري يعود إلى احتمالين اثنين أرجح الثاني منهما:

الاحتمال الأول هو أن هؤلاء الشعراء الشباب يصدرون في كتاباتهم عن واقع واحد، يستقون منه تجاربهم، فالواقع له تأثير واحد عليهم أدى بهم بشيء من الصرامة إلى التشابه في الكتابة، فما دام واقعهم واحد فلماذا لا تكون كتاباتهم واحدة، بمعنى أنها كتابة متشابهة.

الاحتمال الثاني هو أن هؤلاء الشعراء الشباب يستنسخون تجارب غيرهم ويترسمون خطاها، حتى أن القاريء لا يعدم في قصائد هؤلاء لمسات أدونيس أو درويش أو حجازي أو عبد الصبور أو غيرهم جلية واضحة للعيان، ولذا كان خلوها من معاناة حقيقية شيئا طبيعيا، ونحن هنا مدعوون إزاء هذه الحالة أن نحذر السقوط في بئر الحديث عن كتابة تفتقر إلى الأصالة.

إن تجربة الشعر لدى الشباب تبدو لكأنها مرْبدة الملامح، ولربما هي غامضة لا تكاد تبين. وحتى لا نكون عدميين وحتى لا نتهم بأننا مغرقون في التشاؤم نقول بأننا أحيانا قد نقع على أسماء بعدد أصابع اليد الواحدة تسعى جاهدة للإنفلات من قبضة هذه الحالة الرديئة التي يشهدها الواقع كي تكون لنفسها خصوصيتها وفرادتها.

داخل المشهد الشعري نلاحظ مجموعة من الأسماء خاضت غمار الكتابة منذ مدة، وتلح على الحضور المستمر أو هي تعلن عن حضورها بين الفينة والأخرى في منابر إعلامية وفي ملتقيات شعرية، لكنها لم تتزحزح قيد أنملة عن النقطة التي بدأت منها مشوار الكتابة، فبقيت متخلفة لم تحقق أي تقدم نوعي، رغم أن بعض هذه الأسماء يمتاز بإسهاله في الكتابة مقارنة مع أسماء أخرى، ويتجلى تخلفها في اللغة التي تكتب بها، والتقنيات التي تستخدمها في إنشاء القصيدة.فاللغة لديها تقريرية خطابية أو مبهمة أو هي مزج بين الخطابة والإبهام، لكنها لا تسمو أبدا إلى مرتبة الشعر بما يتطلبه من انزياح على مستوى الكلمة أو الجملة أو على مستوى الصورة الشعرية.

أما التقنيات التي تستخدمها فهي ضعيفة ومبتذلة، كاللجوء إلى التكرار أو التقديم والتأخير على صعيد أجزاء الجملة، بحيث يخيل للقاريء أنه أمام نص من السخف أن ينسب إلى الشعر.

أنبه أنني هنا لا أتحدث عن قصيدة النثر، والسبب هو أن هذه القصيدة لم تكتب لحد الآن بشكل مرض وبصيغة تخولها لأن توضع في خانة الشعر، فهي وإن كانت تحتضن العديد من الممارسين لها إلا أنها لم تستطع أن تقدم لنا أسماء مهمة يشار إليها بالبنان كما هو الشأن بالنسبة للشعراء الكبار فيها أمثال أنسي الحاج ومحمد الماغوط وعباس بيضون وسركون بولص، أقول هذا وأنا أعي بأن الشعر قد يتحقق في النثر ولا يتحقق في قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية، ولو أن القصيدة الموزونة لا بد أن تجد فيها شيئا جميلا حسب ما يراه صديقي الشاعر المغربي إدريس الملياني.

ونحن نتحدث عن التجربة الشعرية لدى الشباب لابد أن نعرج على أولئك الذين يحلو لهم أن يتكلموا عن الإيقاع بمناسبة وبدون مناسبة، ويرفضون التعامل مع عروض الخليل بدعاوى سخيفة بعيدة عن المنطق وليست بذات حجة، تدفع المرء إلى السخرية منهم والرثاء لهم في أن واحد، فأنا أزعم بأن هؤلاء المتنطعين يجهلون الإيقاع والعروض معا، ورفضهم للعروض ناتج عن أمور لا تخفى عن اللبيب، ولهؤلاء نقول بأن القصيدة الحرة ـ أعني قصيدة التفعيلة ـ لم تأتي من فراغ هكذا ضربة لازب، بل أتت من صميم الشعر العربي وبالإستناد إلى عروض الخليل أساسا، فكانت تطويرا للقصيدة العمودية وليست إلغاء لها كما يتوهمون ويريدون أن يوهموا الغير بذلك، وقد أعطى هذا التطوير للقصيدة إمكانيات جديدة للشاعر لم تكن متاحة له من قبل، فتخلص من الروي والإلتزام بالقافية [1]، وأصبح بوسعه الانطلاق إلى فضاءات أرحب وأوسع، هذا الفتح الشعري منح القصيدة العربية الحرة نفسا جديدا وكبيرا، بيد أنه لم يسحب البساط من تحت أقدام القصيدة العمودية، فهذه الأخيرة ما زال لديها أن تقول أشياء كثيرة[2].

وإذاَ فالتطوير لا يتم عبر التنكر لميراث أصيل متين من تراث الأمة العربية، بل يتم ذلك عبر تمثل ما هو كائن لاستشراف ما هو ممكن للوصول إليه في ظل أصالة الشعر العربي، فمن السخف والصفاقة أن نتحدث عن شيء ونحن نجهله، ونمضي إلى أكثر من ذلك فنرفضه، والأدهى من هذا كله أن جد من يصغي إلينا ويأخذ بكلامنا.

إن الذين يفعلون هذا إنما هم يدافعون عن الرداءة لتحتل مقعد الشرف، و فعلا هذا ما حصل، وها نحن نرى الحضيض الذي وصل إليه الشعر على أيديهم، لكن التاريخ حكمه وقاس وعادل، وهولن ينسى لهم هذا، وسيعلمون أي منقلب ينقلبون.

والآن لنلتفت قليلا إلى القاموس الشعري لدى الشباب فنقول إنه قاموس يغلب عليه طابع الاقتباس، فجملة من المفردات ترد في قصائدهم كرموز تحمل نفس الدلالة التي وظفت بها لدى شعراء آخرينِ [3]، العامل الذي يفقد العمل الشعري حرارته ويهبط به درجات عن مرتبة الإبداع والخلْق.

أما أهم ما تشكو منه قصيدة الشباب وهو القاصم لظهرها فهو خلوها من الرؤية نظرا لــ:

- عدم إدراك طبيعة الشعر كعمل فني يتطلب الفرادة.

- التعامل مع المواضيع المتناولة بقليل من الانتباه والمبالاة.

- التقليد ومحاكاة تجارب الآخرين.

وهكذا يكون الحديث عن شعر الشباب حديثا ذا شجون، إن لم يؤرق صاحبه فهو على الأقل سيتركه يتساءل عن المصير الذي سيؤول إليه الشعر العربي على يد هؤلاء الشباب. ونحن بدافع الغيرة على الشعر نقول بأننا نريد من هؤلاء الشباب أن يكونوا في مستوى المسؤولية، وأن يضطلعوا بها خير اضطلاع حتى يمكنهم أن يضيفوا إلى الشعر عمقا تزهى به القصيدة بوصفها فنا.

 

مصطفى معروفي

........................

إشارات:

[1] بعض الرواد ـ نازك الملائكة مثلا ـ يلحون على أن تحضر القافية والروي من حين لأخر في القصيدة الحرة كإثراء للإيقاع.

[2] من الملفت للنظر أن تظهر القصيدة العمودية بشكل صارخ مع انتفاضة أطفال الحجارة وحرب الخليج الأولى والثانية،و مع ما يسمى بالربيع العربي،فهل القصيدة العمودية لا تتحرك إلا بالأحداث الكبيرة؟

[3] مثلا لفظة "مطر" توظف بنفس الدلالة التي وظفت بها عند بدر شاكر السياب، مع أن مفردة كهذه غنية بالدلالات تكفينا الرجوع فيها إلى السياب أو غيره.

 

ahmad khameesaljanabiكثير من المحررين الصحفيين الجدد تظهر لديهم مشكلات في كيفية كتابة التقرير التلفزيوني لهذا الحدث او ذاك وهذا الامر طبيعي فمن خلال الممارسة والاصرار على التعلم يمكن صقل مهارات الكتابة. إن التقرير الاخباري في التلفزيون يعد دعامة اساسية لنشرة الأخبار فهو اي التقرير يجب ان يكون محتواه سلسا وبلغة مفهومة ومن مصادر موثوق بها. إذن كيف يمكن كتابة التقرير التلفزيوني؟. إن كتابة التقرير الإخباري تعتمد على الفكرة الرئيسيّة التي يدور حولها خبر أو حدث ما، ويختلف التقرير الإخباري الصحفي عن التلفزيوني؛ لأنّ التقرير المُعدّ للكتابة الصحفية يعتمد على أسلوب الكتابة فقط، وليس على الكتابة والإلقاء كما في التلفاز. نرى انه على كاتب التقرير الالتزام بالمعرفة الكافية بلغة كتابة التقرير، إتقان القواعد النحوية إتقاناً تاماً، امتلاك الموهبة في فن الكتابة، القدرة على توصيل الأفكار، استخدام عنوان مفهوم وواضح.

 مهم جدا ان يركز كاتب التقرير على انتقاء العبارات القوية والقصيرة في طرح الفكرة الرئيسية التي تكون في بداية التقرير الأخباري وان تكون مشوقة ومقنعة. ضروري ان يختار كاتب التقرير عنواناً مميزاً له، حتى يتمكّن من جذب المشاهد.

التقرير الإخباري هو وصف تفصيلي للأحداث ويمكن لكاتب ومحرر التقرير ان يبدي رأيه الشخصي اثناء الكتابة وفقا للسياقات المهنية.

يجب ان يتصف التقرير التلفزيوني بالمصداقية، والموضوعية، أي لا يحمل الكثير من المبالغة في الوصف، أو إضافة كلمات، وجُمل قد تسبب تغيير الفكرة الرئيسية التي يعتمد عليها وبالنهاية جعله غير واقعي.

ان اختلاف المواضيع له التأثير على طريقة كتابة التقارير، لذلك لكل خبر أسلوب كتابة خاصة فيه، فمثلاً  النصوص التي تُكتب حول مواضيع سياسية، أو اقتصادية، تمتاز بطبيعتها الجدية؛ لأنها تطرح قضايا مهمة، وتختلف عن نصوص القضايا العامة، كالاجتماعية والثقافية، وغيرها من الأنواع الأخرى، لنصوص الأخبار الصحفية.

 

بقلم د. احمد خميس الجنابي

كاتب عراقي

 

amar hamidالمثقف، هو فرد يتميز عن باقي افراد مجتمعه بتناول الافكار والقضايا المختلفة ان كانت علمية او ادبية او تاريخية واخضاعها وفق مدى معرفته الى النقد والتحليل والاستنتاج، وعادةً مايؤثر المثقف على المجتمع الذي يعيش فيه ويعمل على توعية افراده بتوجيه الرأي العام الى قضية تهمه وتدعوا الى تطويره، وعندما نتناول موضوع المثقف العراقي المعاصر سنرى انه مر بمراحل معقدة تعكس ما مر به العراق خلال فترة ظهور وتطور الحركة الثقافية.

شهدت هوية المثقف العراقي الحديث عدة تغيرات في بٌنيتها منذ البداية فمع وصول المطبعة والتي تعتبر من اعظم الاختراعات البشرية الى العراق ثم ظهور اول جريدة في بغداد (الزوراء) سنة 1869 أدّت الى بروز فئة تختلف عن باقي فئات المجتمع آنذاك تُعرف بأسم (الافندية)، لم تكن هذه الطبقة بداية نشوئها تلعب دورا ايجابيا للتفاعل مع المجتمع المحيط بها والغارق في الجهل فتميزت شخصيتها بالنرجسية والاستعلاء على الناس، يذكر علي الوردي "ان الافندية في العهد العثماني يشكلون طبقة تتميز عن سائر الناس بصفات خاصة بها لايشاركها فيها غيرها الا قليلا وكان افراد هذه الطبقة يتعالون على الناس فلا يخالطونهم الا بنطاق محدود ولهم نواديهم الخاصة بهم واسلوبهم في الحياة" وعلى هذا الاساس فأن الافندية كطبقة مثقفة عاشت زمانها لم تكن فيه على استعداد لتأخذ دورها الحقيقي كمؤثر توعوي بل اتجهت بما تمتلكه من مميزات عصرها الى التزلف للطبقات الحاكمة والولاة في سبيل المنفعة والتسلط، ان النزعة السياسة المسيطرة في ذلك الزمان وما انتجته من طبقة مثقفة "تابعة" لها لم تكن لتشغل نفسها بأمور مثل توعية الشعوب او المطالبة بحقوقهم.

تأخذ موجة الوعي الثقافي خطاً تصاعديا مع دخول القوات البريطانية لتفتح الطريق امام سيلٍ من الافكار والأعمال الادبية والثقافية التي تُعرف بالأدب الحديث الداعية الى التحرر والحقوق المدنية وفي تلك الفترة ظهرت اولى بوادر المثقف الطامح الى تحريك المجتمع والتعامل مع معطيات مثل مبادئ الثورة الفرنسية وتحرير المرأة والخروج على العُرف والتقليد وكان اهم اقطاب تلك التيارات في ذلك الزمن عراقياً هم كل من (معروف الرصافي) و(جميل صدقي الزهاوي) لكنها ايضا لم تترك ذلك الاثر الواضح في المجتمع حيث مثَّلت تلك الفترة بداية الصراع بين الاحزاب المُشكَّلة حديثا ومصاعب تشكيل الوزارات واللغط الذي كان يدور حولها،يأتي بعد تلك المرحلة تعاظم دور الحركات الثقافية المؤدلجة بالتوجه السياسي خصوصا اليساري التي شاع تأثيرها بعد سقوط النظام الملكي وتطبيق مبدأ ما يسمى (المثقف العضوي) الذي أسس له الفيلسوف اليساري الايطالي أنطونيو غرامشي  الذي يبين فيه انه على المثقف (والذي يصفه بالمثقف العضوي) ان يحمل هموم كل الناس وهموم الطبقات الفقيرة ويرتبط بقضايا امته وقد ذهبت الطبقة الثقافية في العراق الى ذلك حين استقطبت الحركة اليسارية أغلب الطبقة الثقافية في العراق ونجحت نجاحا لافتاً في تحقيق ما دعى اليه (غرامشي) ويمكن اعتبار هذه الفترة هي الفترة الذهبية او قمة الهرم في مجال ارتباط المثقف بمجتمعه وهمومه وقضاياه ومايميز هذه الفترة ايضا انها شهدت صراعا آيديولوجيا بين الفكر الثقافي ذي الصبغة اليسارية وحزب البعث المناوئ الذي تبنى الفكر القومي المتعصب عنوانا له وصعوده نحو السلطة بشكل سريع ومشبوه تلا مرحلة عبدالكريم قاسم ومع صعود المد القومي الذي ركز على التوجيه بأجبار المجتمع على أتباع نهج يُلغي الاتجاهات الثقافية المتعددة ما ادى الى تراجع تدريجي في ارتباط المثقف العراقي بقضايا مجتمعه الى ان دخل العراق في مرحلة التعبئة العسكرية في الثمانيات وسنوات الحصار حيث ضعف هذا الترابط مابين المثقف والشعب ووصل الى ادنى درجاته.

بعد التغيير وسقوط النظام الشمولي الذي ثَقَّفَ (للقائد والحزب) طوال عقود مضت، شهدت الحركة الثقافية انتعاشاً كبيراً وشهدت تلك الفترة رجوع او سهولة اتصال المثقفين والادباء الذين عاشوا في المنافي بوطنهم وساهمت تكنلوجيا البث الفضائي ومواقع التواصل الاجتماعي في تقريب المسافة بين المثقف ومجتمعه ويبدو ان الامر في تصاعد ايجابي مستمر ولكن وبسبب الفساد الحكومي الحالي والنفوذ الحزبي تواجه العلاقة بين المثقف ومجتمعه نوعا من التصادم المستمر مع الدولة بشكلها الحالي والطبقة المثقفة التي يمكن القول انها تقف الان على اقرب مسافة لهموم المجتمع وحاجاته اصبحت مركزا تجتذب حولها المجتمع خصوصا من الشباب من اجل معالجة قضاياه وبسبب ذلك اصبح المثقف عامل قلق لما يشكله حاليا من تهديد لمصالح واطماع الاحزاب المنضوية في نظام الدولة الحالي في العراق.

في الواقع نحن نشهد الان نوعا من المثقف العراقي متمردا على الحالة التي يعيش عليها ابناء بلده داعيا اياهم الى الانتفاض على واقعهم والتنبيه الى افكار الطائفية والفئوية واخطارها فيما تحاول التركيبة الحاكمة الان وبسبب ما حققه المثقف العراقي حالي من حضور أما مهادنته او ركوب الموجة لجذب اكبر عدد من الناس وضمان تواجدها وسط المجتمع وعلى ذلك للمثقف ان يكون واعيا لجهود تقويض ارتباطه بقضايا مجتمعه والحرص على الاستمرار بهذا الارتباط.

 عمار حميد

evan aliرغم التطور الحاصل في البشرية بداية بأشكال التكنولوجيا المتعددة ونهاية بتطور وسائل الدمار والفوضى والحروب التي تجتاح الامم والشعوب وما بينهما لا حصر ولا حدود لما يصنع وينتج في مصانع ومعامل ومنشأت العالم فأن هنالك اشياء قيمة بقت على حالها ولم تجرها مسيرة التطور الى صفوفها ومهما طال الزمن فأن قيمتها تزداد اضعافا من هذه الاشياء (الكتاب) فرغم اجتياح العالم الكترونيا اي سيطرة الشبكة العنكبوتية على كافة مفاصل حياة الانسان اعلاميا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا فأن الجانب الاخر (الكتاب الورقي) يقاوم ويناضل ويكافح ويتصدى بكل بسالة وشجاعة لمحاولات الاجتياح الالكتروني لذا وان تطورت وسائل واشكال التكنولوجيا الرقمية فأن هذا غير كافي للعزوف والانصراف عن الكتاب الورقي فشبكة الانترنيت مليئة ومتشعبة بكافة صور العلم والمعرفة والفكر والثقافة والمعلومة لكن من المستحيل ان تتخطى (الورق) الذي يصنع منه الكتاب وان مضت السنوات والقرون والعصور لأن العالم الالكتروني هو افتراضي غير ملموس بل مرئي وقابل للتغير والتبديل بفعل التطورات الحاصلة للمعلومة على مدار الوقت اما الكتاب الورقي فهو ملموس ومرئي وغير قابل لفرضية قطع الغيار لذا فأن الاجواء التي تحيط بالمبدعين لا تخلو من الورق فهو وسيلتهم لنقل رموز عقولهم اليه وبالتالي وسيلتهم لنقل الافكار والقضايا لعقولهم وهذا ما يحدث مع الوسيلة الرقمية مناصفة بينهما لكن مع نقطة هامة جدا الا وهي الكتاب الورقي يحتفظ بشكله الهندسي وكتلته التي تحتل الفراغ وفكره وسطوره وحروفه وكلماته وفواصله وهوامشها الذي يمد العقل في الماضي والحاضر والمستقبل اضافة الى اشياء اخرى منها ان الوسيلة الانجح لترفيه العقل هو الورق الملموس المقروء لذا فالعملية تنقل مشاهد حية وحقيقية لحالة التواصل الناجمة بينهما بفعل اقترانهما الحسي ......

1235 zibaryفهنالك فرق كبير بين المكتبة الالكترونية والورقية فالاولى يمكن الاحتفاظ بها في قرص صغير مكون من خلايا وجزيئات جامدة تعمل بفعل الترددات الالكترونية ويمكن وضع الالاف الملفات والمستندات فيه بينما الثانية فهي تحتل المكان وتخترق الفراغ وتزين الاجواء الملحمية نقاءا وصفاءا التي يعيشها الفرد المبدع شاعرا وكاتبا وقاصا وتتشكيليا ومسرحيا وموسيقيا .... الخ هنا يمكن تشبيه القضية بأشياء كثيرة مثلا أنواع السيارات وكلفتها ورفاهيتها فهنالك سيارة اقتصادية بينما في الطرف الاخر سيارة ذات مواصفات تكنولوجية خارقة هنا الفرق واضح بينهما حيث الاولى تكلفة التواصل معها ضئيلة مناسبة للفرد بينما الثانية باهضة الثمن قطع غيارها نادرة وان وجدت فتكلفة الحصول عليها تعادل اضعاف الحصول على قطع غيار السيارة العادية لكن هنا يطرح السؤال نفسه ......

اي موقع الرقي والفخامة؟

هنا مربط الفرس هنا القضية هنا الكلمة السحرية التي تفصل جملتين متباعدتين عن بعضهما فالكتاب الورقي يتسم بالرقي والفخامة على عكس الكتاب الالكتروني الذي وان اجتاح العالم فلن يزلزل عرش الورق قيد انملة فدور النشر ستواصل طبع وتوزيع ونشر الحروف والكلمات بصيغتها الحقيقة والقراء الحقيقيون والمبدعون سيقفون في المكتبات وطوابير المهرجانات الدولية التي تجمع تحت سقفها ما لذ وطاب من الحرف والكلمة والعلم والمعرفة والثقافة والفكر والفلسفة على شكل كتل هندسية فنية حاضنة للمكان والفضاء تنتظر موعدها لتحتفل مع القراء الحقيقيين والمبدعين .......

فتحية لاربيل الحبيبة التي تحتضن في نيسان من كل عام اضخم مهرجان واعظم كرنفال للكتاب ......

لذا ما ان دخلت باحة المعرض هذه السنة للمرة السابعة على التوالي ضمن الدورات السابقة وقفت منتصب القامة خرجت حينها ابتساماتي وهطلت دموع الحرف والكلمة من عيناي والقيت تحية الثورة والابداع على الالاف الكتب وقلت .....

ها نحن نلتقي مجددا يا رفاق الدرب ......

فالمجد لمن يقرأ المجد لمن يتثقف لمن يهزم الجهل والتخلف

رأيت حينها رايات الابداع عالية شامخة خفاقة تحيني .....

فبدأت اولى خطوات حصاد الكتب بالعقل والقلب

 

ايفان زيباري - شاعر وكاتب

 

mohamad aldamiقضّ دخول الماكينة جميع مفاصل الحياة في بريطانيا عصر الثورة الصناعية مضاجع أذكى العقول حقبة ذاك، من كارلايل Carlyle إلى وليام موريس Morris، من بين آخرين كثر، إذ قلبت الماكينة الحياة من أنساقها الاجتماعية والإنتاجية المترسبة من العصر الوسيط، لتنتقل بريطانيا نحو أبواب العصر الحديث. وإذا ما كانت استجابات العبقريات حقبة ذاك لهذا الحدث الجلل متنوعة، ومتناقضة أحيانًا، بين “اشتراكي يوتيوبي” متفائل من نمط موريس، وبين متشائم رجوعي من نمط رسكن Ruskin، فإن ما يجري اليوم في عالمنا المعاصر مما لم يكن يخطر على بال هؤلاء المفكرين الفكتوريين قط يدل على أننا حيال أنماط جديدة من المآزق والهزات والرجات العنيفة.

وإذا كانت الحساسية الفكتورية قد استجابت لدخول الماكينة الحياة الحضرية والريفية بشيء من “القلق الحضاري والروحي” مع شيء من الخوف من المستقبل ومصير الإنسان المنظور، فإن ما يواجهنا الآن أعسر بكثير من ذلك الذي بقي يواجه عبقريات العصر الفكتوري. ودليل ذلك لا يستعصي على الفهم والإدراك، وهو: أن بواعث الخوف الفكتوري كانت تتلخص في الخوف من احتمالات أن تحل الماكينة محل العضلة الآدمية في الإنتاج الصناعي والزراعي والتجاري، بينما أن خوفنا اليوم لا يكمن في مواجهة هذا الاستبدال (المكننة بديلًا عن العضلة) فقط، وإنما يكمن في حذف النوع الآدمي كليةً من الأنشطة الفكرية، زيادة على الأنشطة الآلية والحركية.

لذا يواجه النوع الآدمي اليوم معضلة الاستغناء عنه، بل وحتى عن ملكاته الذهنية والتفكيرية والمنطقية، باعتبار تدشين العصر الجاري لما يسمى بـ”الذكاء الصناعي”، لأن هذا الذكاء (الذي أنتجه الذكاء الفطري للإنسان في بداية الأمر) يجعل الحياة تستغني عن استعمال الذكاء البشري الطبيعي: فأنت اليوم لا تحتاج حتى إلى خريطة تساعدك على الوصول إلى موضع ما. الهاتف الذكي هو الذي يقوم بكل شيء، بل هو الذي يكون رفيقك بدلًا عن اصحابك القدماء.

إن مركب “المكننة والذكاء الصناعي” إنما يضع البشرية أمام مفترق طرق من النوع الذي لا يمكن أن يصدق من متاعب وتعقيدات، مبعثها المقولة المشهورة: “استعمله، أو افقده” Use it, or Lose it، فإذا أنت لم تستعمل أقدامك، على سبيل المثال، فإنك يمكن أن تخسرهما عبر مرور الزمن ليستحيلا أعضاءً أثريةً، كالطيور الداجنة التي فقدت القدرة على الطيران، بسبب التدجين وعدم استعمالها أجنحتها. وكذا هو الحال مع الإنسان، فهو إن لم يستعمل أي عضو مما حباه الله له، فإنه يمكن أن يخسره حسب قانون التقادم وعدم التوظيف. وإذا كان فيلم “الأزمنة الحديثة” Modern Times لتشارلي شابلن قد أماط اللثام عن مخاطر المكننة الزائدة على إنسانية الإنسان، فإننا اليوم بحاجة إلى أفلام وكتابات وتشكيلات ثقافية كاملة كي نتمكن من الحفاظ على أدمغتنا التي تتعرض اليوم إلى غزو الذكاء الاصطناعي: فبعد أن كنا نحسب الحسابات بعقولنا دون حاجة للحاسبات، لم نعد نحتاج لذلك الآن. بل إني قد شاهدت قبل بضعة أيام سيارة أجرة صالون “ذاتية القيادة” Self-driving أو Autonomous ، أي أنها لا تحتاج لقائد يجلس وراء المقود، فهي تقود نفسها بنفسها، ولا داعي لوجع الرأس وللنقابات ولرجال المرور وسواها من هيئات حماية حقوق العمال والعمالة. أما شركة Amazon التي تضطلع الآن بطباعة ونشر وتوزيع كتبي باللغة الإنجليزية، فلديها الآن أسطول كامل من “الـــدرونات” Drones التي حذفت دور البريد ودور “البوسطجي” معه، على تنوعاته، لأنها ترسل إليك ما تبتاع على الكومبيوتر عبر الإنترنت بالدرون إلى بيتك، بل وربما إلى غرفة نومك، عبر النافذة المطلة على الشارع، إن شئت! ناهيك عن ظاهرة إغلاق المئات من مراكز التسوق عبر العالم الغربي بسبب حلول الإنترنت محلها.

إن تسريح العقل الآدمي من العمل، كما يحدث الآن على نحو تدريجي، عبر العالم الغربي، إنما سيقود إلى “إحالته على التقاعد” كي يستغني النوع الآدمي عن خدماته بالذكاء الصناعي/الرقمي.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة بالعبرية، رواها الكاهن الأكبر عاطف (ليڤي) ابن الكاهن الأكبر، ناجي بن خضر (أبيشع بن فنحاس) (١٩١٩-٢٠٠١، كاهن أكبر ١٩٩٨-٢٠٠١، شاعر ومرنم وعالم بالشريعة السامرية) بالعربية على بنياميم صدقة (١٩٤٤-) الذي سجّلها وقام بترجمتها إلى العبرية وصياغتها. نُشرت هذه القصّة في  الدورية السامرية أ. ب. - أخبار السامرة، العددين ١٢١٩-١٢٢٠، ١ تموز ٢٠١٦، ص. ٤٩-٥٣.

هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين بالدراسات السامرية، في شتّى دول العالم. هذه الدورية، ما زالت حيّة تُرزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحررين الشقيقين، بنياميم (الأمين)  ويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”سجّلتُ هذه القصّة التي رواها عليّ الكاهن عاطف بن ناجي (ليڤي بن أبيشع). يجلس الكاهن مسترخيًا على الأريكة في غرفة الضيوف عند مضيفيْنا مريم وفياض (زبولن) ألطيف اللذين استمعا للقصّة بتشوّق، كما أنّني تابعت بأذنين مرهفتين أحداثَ القصة مع وردة ألطيف والدة زبولن. اعتقدنا أنّه من الخطأ جعل هذه القصة مقتصرةً على هذا العدد المحدود من المستمعين، لذلك ننشرها هنا بدون زيادة أو نقصان.

أيّام جميلة في عورتا

ينبغي أن أقصّ عليكم أعجوبة حصلت لنا في حوزة قبر إلعزار بن أهرون الكاهن الأكبر، عليه السلام، بجانب عورتا. زيارة هذا المكان، هي إحدى المُتع بالنسبة لي. وأفضل وقت في السنة للزيارة، هو في فصل الصيف. كنّا نتجمّع مجموعاتٍ مجموعات للخروج من نابلس، مشيًا على الأقدام أو على ظهور الدوابّ، متوجّهين إلى القرية الواقعة قُبالة جبل جريزيم، بيت الله.

أجمل أيّام السنة، كانت تلك التي قضيناها بحوزة القبر، تحت شجرة البُطمة، حيث كنّا نردّد الصلواتِ والأناشيدَ في مدح ذكرى الكاهن إلعزار عليه السلام.

ما زلت أذكر وكأنّ الأحداث تجري أمام ناظريّ الآنَ، في ثلاثينات القرن الماضي، كنت  فتى ودأبنا على زيارة ذلك المكان برئاسة عمّي الكاهن الأكبر توفيق بن خضر بن إسحق (متصليح بن فنحاس)، رحمه الله (ظلل الله على روحه الطاهرة). يغمرني الانفعال عندما أتذكّر منظر عمّي توفيق، وهو جالس في صدر الساحة بجانب شاهد القبر، إنّه منظر مهيب، مفعم بمخافة الله، يحرّك رأسه على صوت الأناشيد، ولحيته الكبيرة البيضاء تُضفي عليه شخصية قدّيس. ما أروع ذلك المنظر.

في تلك الأيّام كنّا نقضي بعض الأيّام في ذلك المكان، ومعنا الزاد الكافي وبعض الخِراف، كنّا ننحر كلّ يوم ونشوي اللحم في الأفران الكثيرة التي حفرناها هناك. أطلتُ المقدّمة أكثر من اللازم، ولم أصل بعد إلى بداية القصّة. من الواضح، أنّ ما كان آنذاك، كان أكثر إثارة ممّا لدينا اليوم. اليوم، أنا أنضمّ إلى مجموعات، تتوجّه لإحياء ذكرى الكاهن الأكبر إلعزار. إذا كانت تأخذ معها الزاد، فلا يكفي التزوّد فقط بالعرق، إذ لا معنى للمكوث في المكان بدون نحر الخراف وشيّ لحمها في الأفران.

من الأفضل لمن يجلب معه لحمًا مشويًّا، أن يحترم نفسه ويبقى في بيته، ولا يذهب إلى عورتا. لذلك إنّي مستعدّ للانضمام لمجموعات تُحضر معها لحم الخروف للشواء، كما هي الحال في عيد الفسح، ومن نافلة القول أنّني سأساهم في تسديد التكاليف مثل الآخرين.

من لم يكن هناك؟

عن إحدى هذه الزيارات، بودّي أن أروي لكم. كان ذلك عام ١٩٥٢، أذكر العام بالضبط، لأنّ حاييم ڤايتسمان، رئيس دولة إسرائيل الأوّل، توفي وانتُخب بعده صديقُنا الكبير السيد إسحق بن تسڤي (بن صابي، في اللفظ السامري) ليكون الرئيس الثاني. تجمّع عشرون رجلًا وامرأة للذهاب إلى عورتا.

من لم يكن هناك؟ راضي بن الأمين صدقة (رتصون بنياميم صدقة) ما كان، لأنّه قبل ذلك بسنة انتقل من نابلس إلى تل أبيب. حضر جميع أصدقائي وأقاربي. كان معنا والد الكاهن الأكبر  ناجي (أبيشع) وشقيقي عادل (صديق) أمدّ الله في عمره، أبناء عمّي خضر (فنحاس) بن إبراهيم وعاهد بن غزال (بريت بن طابية)، يوسف بن أبي الحسن (أب حسده) اللاوي، العبد بن سليم (عوبديا بن شالوم) الطيف، إسماعيل بن إبراهيم (شموئيل بن أبراهام) ألطيف، الكاهن أبو الحسن (أب حسده) بن يعقوب رحمه الله، راضي (رتصون) بن إبراهيم ألطيف، إبراهيم بن فيّاض (زبولن) ألطيف، توفيق بن صباح المفرجي (متصليح بن صفر مرحيڤ)، رحمهم الله، وهناك آخرون.

من النساء اللواتي رافقننا أذكر عينية التي أصبحت زوجتي في ما بعد، وسمية بنت توفيق بن يوشع (سمحه بنت متصليح يهوشع) رحمها الله.

أخذنا معنا الأواني وبعض الخضراوات والفواكه. علمنا بأنّ خرافًا للبيع موجودة في القرية نفسها. لا أدري كيف، إلا أنّنا قطعنا مسافة سبعة كيلومترات من نابلس لعورتا بسرعة. عند وصولنا المكان لم نشعر بأي تعب، لأنّ العمل كلّه كان ينتظرنا. بعض سكّان القرية جاؤوا نحونا إلى المسرب المؤدي إلى حوزة القبر. واحد منهم، طويل القامة وضخم الجسم، كان يجرّ كبشًا ضخمًا بقرنيه.

أشرتُ إلى الكبش وقلت: بكم؟

وحياة النبي، كبش مليح، هادا الكبش، مش أقلّ من عشر دنانير، قال القروي.

وكيف يعني عشر دنانير، بعشر دنانير بشتري قطيع كامل، سألت.

وحياة النبي، مش أقل، قال الفلاح بصوت عال.

كان أخذ وعطاء شديد إلى أن رضي الرجل في النهاية وقال: من شان العُزير المقدّس ببيعكم إيّاه بخمس دنانير! رضينا ودفعنا له خمسة دنانير وأخذنا الكبش. فجأة، لم يعد الكبش يُعجب أبناء عمّي خضر وعاهد. قال عاهد: الكبش كبير وجيّد حقًّا ولكنه ليس كبيرًا وجيدًا بما فيه الكفاية لكل الحاضرين، كان من الأفضل لو لم نشتره. من أين أحصُل لكم على كبش آخرَ، في كل القرية لا يوجد إلا هذا الكبش؟ صرختُ بهم! ليكن بدون لحم خروف، أعِدِ الخروف له والنقود إلينا، قال خضر.

لم أستطع قَبول أقوالهم، ما المجيء إلى عورتا، إلى قبر سيّدنا الكاهن إلعزار، بدون تناول لحم خروف مشوي، خارج لتوّه من الفرن (التنور)؟ وين بتصير، هادا مستحيل! عقدت العزم على الذهاب إلى نابلس لإحضار خروف آخر. حاول خضر وعاهد أن يثنياني عن ذلك قائلين: ها هنّ النساء معنا، نطلب منهن تحضير المجدرة [أرز وعدس] لكل الموجودين. مجدرة، آكلها في البيت أيضا، بسوى كان نيجي لهون لعورتا من شانا؟ صرخت بهم وأردفت قائلًا: قفوا هنا وسأعود بعد قليل من نابلس بخروف. هزّوا لي برؤوسهم من أعلى إلى أسفل، تابعتِ المجموعةُ سيرَها نحو حوزة القبر، وأنا قفلت عائدًا إلى نابلس عدْوا. تمتّعت بقوّة كبيرة، فوصلت نابلس بعد وقت قصير.

خروف من نابلس

يا لها من صدفة، رأيت أمامي قرويًّا يجُرّ خروفًا برأسه إلى الذبح. كان حجمه صغيرا، حوالي نصف حجم الخروف الذي اشتريناه في عورتا. لم تتوفّر لي فرصة للمفاصلة لوقت طويل؛ دسست بيد البائع مبلغ خمسة الدنانير الذي طالب به، حملت الخروف بيدي إلى خارج المدينة، إلى القرية.

وصلت عورتا، ولم أشعر بأيّ تعب رغم المسافة الطويلة، التي قطعتها في ذلك اليوم. صوت الغناء والصلاة ينطلق من حوزة القبر، جررت الخروف نحو المكان. رآني خضر وعاهد من بعيد وبدل أن يُشجّعاني لأنّني تكبّدت مشقّة جلب الخروف الثاني، سارعا بإحاطتي علمًا بصوت عال جدًّا بأنّهما لا يرغبان بلحم خروف اليوم، شهيتهم ولّت، وثانيًا ذلك الخروف الكبير الذي اشتريناه وأودعتهما إياه للمحافظة عليه قد هرب، ولا يعرفون إلى أين.

أسمعتم مثل هذا الأمر؟ صفقت يديّ بحزن وأخذت في تأنيبهما، وفي تلك الأثناء أرخيت قليلًا الحبل المربوط بقرني الخروف الذي معي. انتهز الخروف تلك الفرصة وولّى هاربًا هو أيضا. وبما أن عشرة دنانير لم تكن مبلغًا زهيدًا بالنسبة لي، طاردت الخروف الهارب بين الشجيرات وسرعان ما رأيت أمامي فجأة خروفين هاربين، الخروف الأوّل والثاني اللذين اشتريناهما.

هرب الخروفان وأنا خلفهما، وعلى حين غِرّة تبيّن لي أنّ وجهتيهما منطقة القبر، أسرعا ووصلا هناك ودخلا من بوابة حوزة القبر.

إنّها آية من السماء، قال عاهد وأضاف قائلا: كُتب على الخرفان النحر وإلا لما فرّت إلى حوزة القبر.

فرن العجيبة

خضر هزّ رأسه موافقًا، وسمعت هتافات الموافقة من قبل كل الحاضرين، ودبّت الحيوية فيهم وكأنّ دمًا جديدًا ضخّ فيهم. أولائك الذين قد قبلوا المجدرة، سرّوا بسماعهم أن لائحة الطعام فيها لحم خروف مشوي أيضا. راح خضر ويوسف يبحثان عن فرن لتنظيفه وإعداده للشيّ. كانت هناك بعض الأفران التي حفرناها في خلال زياراتنا السابقة، وطممنا فوّهاتها قليلا بعد الشيّ لاستخدامها في زيارة أخرى. صاح يوسف فجأة: إلى أين أنتما ذاهبان، هنا فرن بجانب شجرة البطمة.

ما هذا، فرن بجانب البطمة؟ صحتُ وأنا أركض إليه، لم يُحفر هناك فرن قطّ، وأردف يوسف: وأنا مستغرب من هذا أيضا! تقدّمنا إلى المكان ورأينا على بعد بضعة أمتار من البطمة فرنًا في الأرض نظيفا جدّا من الحطب والشجيرات والتراب والحصى. حجارته مرتبة بشكل جيّد وكأنها تدعو شيّ لحم الخراف، فرن كبير، بعمق مترين تقريبا.

نظرات الاستغراب ارتسمت على وجوه كلّ الحاضرين. كلّ واحد نظر إلى الآخر: ما هذا الذي فعله الله لنا؟ أقسم يوسف أنّه لم ير لا هو ولا أيّ واحد آخر من الحاضرين أيّ فرن في هذا المكان قطّ.

ها هي النار والحطب

لم يكن وقت لمزيد من الدهشة والاستغراب فعمل كثير كان ينتظرنا. خرج الجميع خارج المكان لجمع الحطب والشجيرات لتسخين الفرن. وفجأةً أحسست بدافع للنظر نحو الزاوية الشرقية، هناك في المحراب من تحت النقوش على الحجر وهي شهادة على شراء إبراهيم وسلامة (شلومو) ولدي يعقوب [بن مرجان لطيف] الدنفيְֶ[اللذين رمّما حوزة القبر وأعاداها كما كانت في أواخر القرن التاسع عشر] وضعت ثلاث سلات كبيرة الواحدة فوق الأخرى.

تقدّمت إلى هناك ووجدت مستغربًا في السلة الواحدة عددًا كبيرًا من جذوع الشجر مقطوعة  وفي السلتين الأخريين ورق عنب وأغصان يابسة. بدأت أصيح فرحًا وناديت كلّ الموجودين ليأتوا ليروا بأمّ أعينهم. تفاقم التعجّب والدهشة، ها هي النار والحطب للصعيدة.

أعليّ أن أقصّ عليكم بأنّ ما وجدنا من الحطب والفروع والأغصان التي في السلات، كانت كافية لتسخين الفرن لدرجة كافية لشيّ اللحم جيدا؟ هل تستغربون إذا ما قلت لكم، أنّنا تمكنّا من تسخين الفرن قبل تحضير خضر ورفاقه اللحمَ للشيّ، شكّ قطع اللحم في الأسياخ الحديدية الصغيرة التي جلبناها معنا؟ هل هناك حاجة لإبلاغكم بأن اللحم قد شوي جيدًّا بعد وقت قصير وكان مذاقه كمذاق قربان الفسح؟

عمِلتِ النساء جاهداتٍ أيضًا، وطهون لنا مجدرة بطعم جنّة عدن، وكانت وجبة تستحقّ اللحم المشوي جيّدا. وهكذا والبطن ملآن، وبحنجرة مشبعة ببخار العرق السامري الأبيض، أنشدنا بصوت عالٍ مديح الكاهن الأكبر إلعزار:

يا سيّدنا إلعزار

برضاك ها أنت معنا

بفضل مرتدي التاج

من فضلك لا تضيّعنا

في صباح اليوم التالي رجعنا إلى نابلس وآثار العجائب التي عايشناها مرتسمةٌ على وجوهنا. قصّة مماثلة، سمعها أبناء الطائفة من المشتركين، تسبّبت في زيادة التسبيح والمديح لعظمة إلعزار عليه السلام.

لن أنسى أبدًا ما حدث لنا في حوزة قبر الكاهن الأكبر إلعزار، السلام عليه وعلى روحه الطاهرة. يا ليت الله يجعلنا نلتقي به في عاقبة الأيّام، في جنّة عدن، مع الأنبياء والصدّيقين الكاملين.“

 

ترجمة حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

mohanad salahقبل الحرب العالمية الأولى لم يكن للسينما وجود في العراق وبالرغم من إن أول فيلم عرض في العام 1909، لكن لم يكن هنالك نشاط سينمائي واضح قد برز للساحة بعد . حيث ظلت الأفلام الأجنبية الصامتة هي المتاحة . حتى قام بعض التجار في تشييد دور للعرض السينمائي في بغداد وقسم من المدن العراقية الكبيرة. وفي عام 1922 بدأت دور السينما بالإزدياد تدريجيا وزاد معها عدد الأفلام الصامتة حتى الوصول الى عرض الأفلام الناطقة . وبعد عام 1927 ومع إزدهار الحركة الفنية بين القاهرة وبغداد وبزوغ عصر السينما المصرية . بدأ أول تعاون بين البلدين ولم يكن هذا معتمدا على الحكومات، بل على الفنانين .. زخرت السينما العراقية برصيد ضخم ولا يستهان به من الأعمال التي وصلت إلى الذائقة المحلية والعربية، وإكتسبت إقبالا واسعا منذ إنبثاقها الأول الذي تزامن مع حركة السينما عالميا وعربيا . فتمخض عن ذلك نشوء أرض خصبة مهدت لإنتشار دور السينما وإزدهارها، والتأسيس لعلاقات وثيقة بين (الجمهور والنتاج) .. كانت الإشعاع الساحر الذي خطف لب العقول وإنتقل بالقارئ من مساحات الكتابة والخيال نحو الترجمة الصورية المتحركة التي كان يحلم بها، أو يطمح بجزء بسيط  يسد رغباته في الجنوح نحو تحقيق هذا الكم الهائل من الأفكار المقتصرة على قدراته في إستحضارها كأطياف مرسومة فكريا .. إنها المزيج الأمثل الذي جمع كل الفنون والآداب في عمل واحد حمل مسمى (فيلم)، وأصبحت هذه الأفلام فيما بعد تغزو أركان المجتمع

(المتحضر) وتعتبر من دلالات تقدمه على باقي الأنسجة المجتمعية .. الشاشة الكبيرة اللامعة التي كانت في يوم ما تمثل المشهد الثقافي المتقدم وتتصدر الذائقة الفكرية للجمهور . أصبحت ذات طابع نخبوي تدريجيا بعد ظهور (التلفاز) وإنبثاق عصر التطور التكنولوجي الذي سمح للناس بأن يتوسعوا في رغباتهم نحو أفق يكون أكثر إنفتاحا وتنوعا . لم تستطع (السينما) تقديمه لهم . بينما إنحسرت الرغبة السينمائية على (المشاهدة) الأولى . التي يكون فيها المتلقي قد حقق قصب السبق على أقرانه لفرصة الإستيعاب المتقدم قبل تصدير المادة المعروضة وإستهلاكها من قبل الجميع على شاشات التلفاز . هذا بالإضافة إلى الرؤية الجمالية التي لم توفرها الشاشة الصغيرة في بدايات ظهورها. وكحال المسرح أضحت السينما تتحول تدريجيا من كونها ممثل إنساني لما تطمح الشعوب لطرحه، ويجعل العائلة بأكملها حاضرة دون حرج أو إمتعاض قد تسببه بعض اللقطات التي تؤدي إلى خدش الحياء، لتكون ممثلة لما يريده روادها الذين يطمحون بغالبهم لأفلام فيها الكثير من الإباحية والإيحاء الجنسي، أو تحتوي على الأكشن والمعارك والخيال في أفضل الأحوال .. مما جعل مجتمعا كالمجتمع الشرقي يبتعد تدريجيا عن دور السينما كي يحافظ على التكوين النسقي للتربية التي نشأ عليها، ويكتفي بما ينتقيه هو من الأفلام التي يجدها ملائمة للعائلة عبر شرائها أو إنتقائها عبر ما تعرضه القنوات التلفازية .. بينما بقيت السينما الحقيقية مقتصرة على ما يتناوله طلبة المعاهد والأكاديميات المختصون بمجال السمعية والمرئية . وهي لا تتعدى كونها مجرد أفلام وثائقية أو بحثية بجهود ذاتية لا تلبي طموح التطور .. وفي الوقت الذي تبتعد فيه بعض البلدان عن المساحة الثقافية الخاصة بالسينما . نشأت على دمارها وتشظيها بلدان أخرى أعدت نفسها كي تعرف ما هي الأخطاء التي بسببها وصلت السينما لكسادها .. فبدأت تشتغل على نقاط مشعة تمثل الواقع المجتمعي والتاريخي والذي لا ينحرف عن مسارات السينما النظيفة الخالية مما يسيء للآخر . فأصبحت المواد التاريخية والمشاكل التي يواجهها المجتمع في الحياة اليومية والخيال العلمي القريب من التحقيق . هي المواد التي وظفتها هذه البلدان لتعيد تشكيل الخارطة السينمائية في المنطقة . ومع هكذا نتاج سيكون من المستحيل دخول جمهور منحط لدور السينما، لتكون هذه الدور إنطلاقة حقيقية ورصينة لإعادة تكوين ذائقة التلقي . وإستعادة التكوين الصوري الذي تطمح له . دون اللجوء إلى ما يسمى بـ (السينما التجارية) .. كما إنها تواكب في الوقت ذاته حركات التطور الصوري والحركي عند الدول التي إزدهرت فيها شاشات العرض وبقيت محافظة على كيانها . مثل فن الأكشن والتنوع الحركي والخدع البصرية، وإعتماد التكوين الإنتاجي للأفلام على سعة كبيرة من الثقة بقدرتها على تحقيق واردات تكفي لتجاوز تكاليف الإنتاج . مما أسهم في تشجيع الحركة الفنية على الإستمرار في إنتاج المزيد . وكلما تطورت الأفلام تتطور معها الرغبة في تطور حس المشاهدة والتأثير في ما يحتويه العقل البشري من غايات (إنسانية)، وهو في حقيقته معتمد على وجود هكذا غايات أصلا، ولن يكون بحاجة لخلقها. إنه يمارس دور تحفيزها فقط، ويجعلها هي الغالبة على كل مظاهر التشوه الأخلاقي والفوضوي التي ربما تتجه لها السينما التجارية .. على المختصين في مجالات العرض المرئي على المساحات الكبيرة أن يخرجوا من دائرة اليأس التي وصلوا لها . ويثورا على سبات إكتفائهم بأمجاد السينما التي تحققت سابقا .. عليهم أن يستعيدوا الثقة بأنفسهم أولا للقدرة على الإستفادة من كل الأخطاء والمساوئ التي وصلت بالفن السينمائي لهذا الركود والتشظي . والإنتقال به من مرحلة الإنقراض إلى التنوع والإزدهار . عليهم أن يتيحوا المجال أمام العديد من تجارب المواهب السينمائية الشابة والإستماع الى مشاريعها وإعطائها الثقة الكافية على التغيير . هنا فقط نستطيع أن نشرع في التأسيس لحقل سينمائي جديد يعيد للمجتمع الثقة في أن يرتاد دور العرض ...

 

مهند صلاح

 

faroq mawasiيُخَـطِّئ مصطفى جواد في كتابه (قل، ولا تقل!، ص 156) من يقول:

هذا أمر هامّ، والصواب لديه: هذا أمر مُهِـمّ،

ذلك لأن الفعل في رأيه هو (أهَمَّ)، واسم الفاعل مُهمّ.

...

ولكن،

ذكرت المعجمات أن (همّه) الأمر بمعنى (أهمّـه).

وهمَّه الأمرُ همًّا ومَهَمة: إذا أحزنه وأقلقه (كأهمه فاهتم)، واهتم به".

(الزَّبيدي: تاج العروس).

ونحو ذلك تجده في المصباح المنير للفيومي، القاموس المحيط للفيروز آبادي، لسان العرب لابن منظور، والمعجم الوسيط والمنجد.

..

(همّه) و (أهمّه) من معانيهما: أقلقه وأحزنه فاسم الفاعل لكلمة (همّ) هو (هامّ)

واسم الفاعل لكلمة (أهمّ) هو (مُهِـمّ).

(هامّ ومهمّ) اكتسبتا دلالة جديدة فأهمني الأمر أو همّني = أثار قلقي وبالتالي- تركيزي أو اهتمامي، وجعلني أتابع الأمر.

..

أما الأمر الذي يكون في شغلنا ومتابعتنا فهو: مَهَمّـة أو مُهِـمّة،

 فالكلمة الأولى مصدر ميمي  من الفعل (همّ)،

والكلمة الثانية بضم الميم فهي اسم فاعل مؤنث من الفعل: أهمّ- فالمُهِم هو الأمر الشديد، والمؤنث = مُهِمّـة.

في هذه الأخيرة عادة ما نحذف الاسم الموصوف، فبدلاً من قولنا:

 سافرت في مسألةٍ مهِمَّة، نقول: سافرت في مُهِمّة.

..

وردت (أهمّ) في القرآن الكريم:

{وطائفة قد أهمَتْهم أنفسهم}- آل عمران، 154 أي حملتهم على الهمّ، أي القلق.

كما وردت كثيرًا في الأدب القديم شعرًا ونثرًا،

قول تأبط شرًّا:

قليلُ التشكّي للمُهمِّ يُصيبه ***  كثيرُ الهوى شتَّى النّوى والمسالكِ

حسان بن ثابت:

ونُحاولُ الأمرَ المهمَّ خطابُهُ ***  فِيهِمْ، ونَفصِلُ كلَّ أمرٍ مُعضِل

الخنساء:

الحاملُ الثّقلَ المهمَّ ***  مِنَ المُلِمَّاتِ الفَوادحْ

البحتري:

وألقيت أمري في مُهمّ أموره *** ليحمل رضوى ما تعمّد كاهلهْ

..

يقول إبراهيم اليازجي:

"إن قولك هذا أمر مُهمّ أفصح من قولك- هذا أمر هامّ".

(نقلاً عن كتاب الأب جرجي جنن: مغالط الكتاب ومناهج الصواب، ص 125.)

نلاحظ في قول اليازجي دليلاً على صحة (هامّ)، فلا وجه لتخطئة استعمال "هامّ" بمعنى الأمر المقلق أو الشاغل للبال، حتى وإن كان أقل فصاحة- على رأيه.

في تقديري أن سبب دعواه هو كون القرآن استخدم (أهمّ)، وهي أيضًا اللفظة الواردة في الشعر القديم، ثم إن في المزيد لفظًا يدل على  زيادة في المعنى؛ وقد أشار الرضيّ في شرح الشافية إلى أن هذه الزيادة تعني التأكيد والمبالغة.

وعليه فالمُـهِـمّ والمُـهِـمّـة أكثر استخدامًا في اللغة،

وليس ثمة من خطأ في قولنا: هامّ ومَـهَـمّـة.

..

الأمر الجدير بالإشارة إلى أن المُحْدَثين استحدثوا بناء مصدر صناعي من (أهمّ) فكانت لفظة (أهمّية) موفقة في التعبير عن الأمر الذي شأنه جليل أو خطير.

..

السؤال هنا: هل لهذا التوضيح أهميّة؟

 

ب. فاروق مواسي

 

said alsheikhالكاتب الذي لا تقف خلفه مؤسسة ما رسمية كانت أو خاصة، هو كاتب محاصر بلا شك. لا يدرك الشهرة كما يدركها أقرانه المكرّسون من قبل المؤسسات. وهذا لا يعني أنه أقلّ إبداعاً منهم، بل هو ربما يفوقهم في موهبته وفي نصاعة صوته الذي يختلف ولا يتماشى مع همهمات القطيع.

 وعلى ما يبدو أنّ الكاتب في الغرب استطاع أن يكسر دور المؤسسة في صناعة الكاتب، ليؤسس لنفسه مؤسسة تنقل صوته وتضعه على تماس مباشر مع العامة من القرّاء، بعيداً عن الدور الوظيفي للمؤسسة الرسمية التي تخلق لكاتبها المكرّس نخبة تجتمع على النفاق في إعلاء قيمة نصوصه دون أي حس تجاه العملية الإبداعية.

الظاهرة التي لفتت انتباهي في السويد، أنّ كتاباً مشهورين يجلسون خلف طاولات يعرضون عليها آخر إصداراتهم، وذلك عند مداخل المحلات الكبيرة ويوقّعونها لمن يريد اقتناء الكتاب. وطبعا بإمكان الناس الحوار مع الكاتب حول إبداعه. ويظل الكاتب ينتقل بمعرضه الشخصي (إذا جاز لنا التعبير) من محل إلى محل في المدينة الواحدة إلى أن ينتقل إلى مدينة أخرى. واللافت أن الكتب لا تحمل اسم دار للنشر، وأنّ حقوق الطبع محفوظة باسم الكاتب.

 لقد استفاد الكاتب من نظام الطباعة الحديثة التي باتت توفرها الأنظمة الرقمية، في أن يطبع فقط احتياجاته الشخصية والتسويقية من الكتب.. هو من يكتب وهو من يسوّق، وللكتاب صفحة على الإنترنت بإمكان المتابعين حجز نسخهم من خلالها ليصار بعد ذلك إرسالها إلى عناوينهم. وكل شيء يجري تحت إدارة الكاتب، بعيداً عن سلطة دور النشر التقليدية التي غالباً ما تخفي حقيقة أرقام المبيعات وعدد النسخ المطبوعة.

إن نظام "الطباعة عند الطلب" قد وفّر للكاتب، إن كان مبتدئاً أو مهما علا شأنه استقلالية تامة جنّبته محاباة السلطات المُمْسكة بعمليات النشر والتوزيع. وهو ما ألغى دور الرقيب أيضاً لتجد حرية الرأي والتعبير لنفسها مساحة أكبر وتتوسع باضطراد نحو فضاء يخلو من المداهنة. ومع هذا النظام ما عادت الكتب تتكدس في مخازن دور النشر أو عند الكاتب في مواسم بوار الكتاب.

الكاتب بات يمتلك الناصية، وبعد أن كانت دور النشر تدوّخه في تحمّل نفقات طباعة كتابه من دون مردود يذكر، وبعد أن كانت تتجاهله السلطات الثقافية إن كان يغرد خارج السرب ومحافظاً على استقلاليته وحريته، بات هو من يزوّد شركات التوزيع بإصداراته حتى إلى خارج مكان إقامته وهو عزيز وحر بكلمته وعمله في إطار مؤسسته الخاصة.

 

سعيد الشيخ - كاتب فلسطيني 

 

rasheeda alrakikيبدو أن الإنسان يعيش وجودا متفردا، وجود فيه من الصفات الإنسانية ما يجعل كل إنسان ذات مفكرة، يردد مفاهيم وكأنها لصيقة به، معتقدا أنها لا تجد معنى إلا في الوجود الإنساني:الحرية،الإرادة، القدرة، الإختيار، و المسؤولية.

تتمايل الذات وكأنها في عز شبابها بقوة وصمود، تتباهى بما قد تفعل في هذا الوجود، لكنها تصطدم عادة مثلما يصطدم من يجري بقوة وهيجان بحائط ليعيده إلى الوراء مسافرا إلى الحدود الأخرى على اعتبار أن لكل ذات حدودا تلقى فيها كل صفاتها في عالم الضياع، حينها تبقى الحرية مجرد شعار يغيب فيه الإحساس بالمسؤولية. أما الإرادة والقدرة لم تعد سوى أجنحة الإنسان في عالمه الإستيهامي كلما وقع وجد واقعه بعيدا عما تخيله.

تلك الحدود هي لحظات العيش في ما نسميه بالقلق الوجودي تنتاب الإنسان ككائن عاقل يمنطق ويدبر ويهندس ولكن ربك تدبيره أعظم، ويسير بنا القدر إلى المنال.

القلق الوجودي، لا يمكن أن يعيشه ويتعايش معه إلا كائن واحد، كائن زمني يعيش الحاضر في انتظار المستقبل، يعيش الحاضر ممزوجا بمخاوف قد تعد مرضية، تحف بكل واقع إنساني، والخوف دائما خوف من مجهول يباغتنا، خوف من مستقبل يصفعنا أو من مصير يستصغرنا، ومن قدر يحطمنا أومن أخبار تهزنا ، مع أننا نعيش على أمل تحقيق ما لم نحققه.

القلق الوجودي هو صوت العاصفة المخيف، والقدر الذي يعطل كل قدرة على التفكير وكل إرادة إنسانية متبجحة وكل شموخ يجعل كل نبتة تحارب التراب لتلامس الأفق مقررة التغيير.

 يبدو الإنسان ضعيفا محاطا بموتى أحياء لا تستطيع إنتشاله من براثين الضياع، يعم الصمت القاتل غير أنه يبدو ضجيجا من الكلمات، كل كلمة تحمل دلالات ومعاني، وكأنه عمق الوجود الذي على الإنسان الغوص فيه.

يتكلم الإنسان بثقل المعاني وصبيب الأحاسيس معبرا عن قلقه الوجودي، حينها لا يستطيع العقل أن يبرر الأوضاع ويمنطقها ويصنفها وفقا لقواعد الفكر.

لحظة القلق الوجودي، ينصهر فيه العقل باللاعقل وتتوه الأحاسيس وتضيع الذات باحثة عن موقفها مستسلمة لمصيرها المؤكد والذي لا تملك سوى قبول دون رفض، هو نيل لما قدمه القدر وصوته القاهر لكل البشر.

أُسكتت الذات الناطقة عن الكلام المباح، بعدما بحثت عن كل صيغة للإرادة و القدرة و الإختيار، سكتت عن الكلام لأنها أدركت حينها أنها لا تملك سوى الكلام الخال من المعنى الوجودي، المؤدي أكيد إلى المعنى العميق، وأن حقيقة الإنسان كائن لا تتجاوز قدراته مجالها دون أن تحاول الدخول في مجال أعظم غير مجالها.

هي إذن إشكالية الإنسان بين الضرورة والحرية وكأننا أمام حرية بشرية في إطارها بوجود ضرورات أخرى تعجزها وتظهر الإنسان مخلوقا كباقي المخلوقات.

لحظة القلق الوجودي هي لحظة الخوف من الضرورات التي لا تقهر.لحظة لا يستطيع الإنسان التحكم في نبضات قلبه الخائف ولغة جسدية مثيرة لأن العقل في لحظة فقدان توازنه وسيطرته على الإندفاعات الجسدية.

يبدو وكأن الإنسان تورط في تفرده وتمنى أن لا يعيش إلا كما تعيش باقي الكائنات لحظاتها بكل هدوء.

لم هذا العمق الوجودي الذي قدّر للإنسان أن يعيشه بهذا القلق؟ لما هذه السلطة الوجودية؟ هل يقبل الإنسان الرفض و اختيار نمط وجوده دون المغالاة في التفكير و دون أن يشغل المستقبل حاجزا بالغ الأهمية في حياتنا؟ أليس في ذلك انطواء الإنسان وتجاهل لكل القدرات الوجودية الأخرى؟

لن يخرجنا إذن من هذا الغضب و القهر الوجودي سوى الإحساس بالرضا والإستسلام للقدر المحتوم.

يبدو أن هناك مكونا رابعا في حياة الإنسان بعد المكون العقلي والنفسي و الجسدي ولربما هو أساس توازن الإنسان في لحظات القلق الوجودي، إنه البعد الروحي الذي يجعل الإنسان يتمتع بواقع الإحساس بأنه في أيدي آمنة مصدر قوته، لتجتاحه نسمة الإرتياح والهدوء على المستوى الوجودي، هو الإحساس بالجلال والعظمة في كُنه الوجود، وما الوجود الإنساني إلا فاعل مثلما هو منفعل فيه.

هكذا بين الوجود والعدم قلق الوجود وما تعيشه الذات من مخاوف قد تصبح وساوس تكون سببا في انهيارها، ليصبح وجودها عدما تستطيع تلفظ آخر أنفاسها معبرة عن سخط وعن هوس في شكل حكم ترددها الذوات مستنيرة بالعقل محبطة المشاعر ومكبلة لكل القدرات مثيرة لكل توتر وانطواء وحذر.

العيش في القلق الوجودي يجعل الإنسان في ملتقى الطرقات بين كائن يتباهى بما راكم من أعمال ومن تحديات ومن قهر للوجود الطبيعي وبين كائن عليه أن يتناسى كل شيء وينسى حقيقته ، ليعترف بحقيقة أخرى أنه كائن عاجز وأن حريته لا تكاد تتجاوز إطاره كمخلوق وأن ما يستطيع تغييره لن يكون إلا فكرة ليغير سلوكه، ويصطدم اليوم بفكرة هي أن للحرية الإنسانية حدودا وأن الفعل فيما يمكن فعله بعد مراجعة وهدم وندم.

كان على الوجود الإنساني أن يعرف حقيقته هو أنه قد يتحول العقل كمسبب لعذاب الإنسان خصوصا عندما نلخص قدراته فيه. يبدو أن العقل ليس وحده جوهر الإنسان، ربما ما خفي كان أعظم بل هو عمق الوجود الإنساني.

حقيقة استطاع الإنسان أن يلامس الكواكب الأخرى وأن يحلم العيش فيها غير أنه لم يستطع أن يعرف كُنه حقيقته، فالغريب يسكننا على نحو غريب و الظلمة العتمة هي ما يسكن فينا زاخرة بكل المتناقضات. غير أن معرفة ما يوجد في الكون وعظمته دليل على عظمة الخالق وضعف الإنسان. فهل نستطيع أن نواجه الموت أو نأخره؟ هل نستطيع أن نمحو المرض من قاموسنا البشري؟ أو موت أعز الناس أو نزيح عنهم الألم وكل معاناتهم اليومية مع المرض المزمن؟

أكيد لا يمكن أن تكون للحياة معنى طالما هي حياة عادية لم يستطع الإنسان الخروج عن كونه كائنا حيا.

فحين يُسائل الوجود و يُمشكله من أجل الوصول إلى عمقه وجوهر حقيقته يتحقق ما يُنتظر منا، وإلا سوف يتوه الإنسان في لحظات من الوجود الصاخب، بعيدا عن كل تأمل يستطيع الكشف من خلاله عن المفارقات الوجودية باحثا عن حدود السواء فيها، فيستحق نعمة الوجود المتميز الذي لا يخلو من الفكر المتنور ومن النفوس المضطربة ومن الجسد الموشوم بالتعب والتوتر مهتديا بلحظات الهدوء،عندها ستظهر القيم الإنسانية التائهة ليستقيم الوجود الإنساني في إطار أخلاق كونية ثابتة فنشعر بأمان وجودي و القدرة على حياة بسيطة هادئة، فيها من التفاؤل ما يكفي لنحب الحياة ونقبل عليها.  

عموما وإن سكتت عن الكلام المباح، فعذرا سيظل القلق الوجودي جوهر الوجود الإنساني يكتسحنا في جل لحظات حياتنا. قد لا نخرج منه دون فك شفراته و أخد المعاني التي تقودنا إلى وجود الإنسان بعد لحظات من الضياع المؤقت و قبل أن يوصنا للعدم، لنعيش حالة أخرى بين الوجود والعدم.

 

بقلم رشيدة الركيك

mohanad salahالتعامل مع النتاج الثقافي برمته يضعنا أمام معايير مهنية يجب أن نتبع أساسياتها قبل الولوج في أي تجربة نضعها على طاولة القراءة والتلقي . لأننا سنقع في أخطاء لا نهاية لها بمجرد إنحرافنا عن المسار الصحيح الذي يجب إتخاذه عند البحث أو التناول . الذي سينحرف بشكل طبيعي من كونه معرفي إلى مناطق إجتماعية تخضع للتأثير العاطفي و(الآيروسي)، مما يتيح المجال أمام العديد من المزيفين والمزيفات في الوسط الثقافي لإختراق الثوابت الفكرية، وهم يعزفون ألحان (الغنج أو الصداقة) عند مجسات الآخرين . الذين يشكلون بدورهم النوافذ التي ستطل من خلالها هذه التجارب المعاقة لذائقة الجمهور، وهو يثق تماما بأن ما يقرأه أو يتلقاه قد خضع للفلترة قبل تصديره له كمادة قابلة للتناول الفكري . لم يعرف حينها بأنه قد خضع لجريمة قد إشترك فيها صاحبي النتاج المصدر (النافذة / التجربة) .. ربما يكون المجتمع الغربي قد تجاوز لحد كبير هكذا ظواهر قد تشوه معالم مشهده الثقافي، أو إن جمهوره قد إمتلك ثقافة ووعي تؤهلانه لكشف أي خدعة قد تمارس معه . وفي كلا الحالتين، فهو يعيش حالة صحية على العكس مما تزخر به الحواضن الشرقية والعربية من أمراض إجتماعية متظخمة أثرت بشكل كبير على نتاجه الثقافي . وجعلته يعيش مراحل من الإزدواجية اللامتناهية راحت ضحيتها العديد من المواهب التي إندثرت وتلاشت بين (الأعراف والتقاليد المجتمعية وإستغلال المصدر للنتاج) . أنا أحاول أن أضع يدي على جرح عميق يتهرب الكثيرون من تناوله أو الإقتراب منه . لأنهم بذلك سيكشفون الوجه الحقيقي لما وصلت له الساحة الثقافية ومدى التخبط الذي تعيشه . الوسط الثقافي الذي تلجأ له (المرأة المثقفة) للنجاة من أنياب العرف المجتمعي الذي ظلمها كثيرا وأثرا سلبا على عملية تحويل موهبتها إلى نتاج يستحق الفخر والرعاية . المرأة التي تتخيل بأن هذا (الوسط) سينصفها وينتشلها بكل مهنية ومعرفة من كل براثن الجهل والظلامية التي تعيش ضمن نطاقها . إنه الحلم الكبير الذي تحاول بكل قوة أن تصل له كي تتنفس .. إنها كـ (مثقفة) تقرأ وبشكل دائم عن مناصرة المرأة ومساواتها مع الرجل . وعلى الآخر أن يتناولها كتجربة بعيدا عن شكلها أو لونها أو محاسنها . لكنها للأسف وبعد تحمل المشقة لكل هذا الطريق الذي قطعته كي تصل لحلمها . ستصدم بالواقع المؤلم جدا، الذي سيجعلها تلعن اليوم الذي ولدت فيه (إمرأة) تحمل بين طيات عقلها بذور المعرفة والوعي . عندما تكتشف بأن كل ما قرأته كان تمهيدا لدخولها شباك (المصدر) الذي يتعامل معها

 كـ (أنثى) خلقت لإرضاء رغباته وملذاته . بدل أن يقدم لها يد العون في إخراجها من الدوامة التي ستقضي على موهبتها مهما كان شكلها .. إنه يمارس معها أقسى أنواع الحيل والألاعيب فقط كي يستغل (جسدها) ويصل بعد ذلك إلى مراحل متقدمة من الإبتزاز والمساومة . فإما أن تنسحب من هذا الوسط (المريض) أو تستمر في حالتين . الأولى تجعلها خاضعة لما وصلت له . والثانية أن تلجأ إلى تكوين مجاميع ثقافية (نسوية) لا تخضع لمعايير الرجل، والحالة الثانية هي الأكثر رواجا هذه الأيام .. هذا لا يعني بأن الوسط الثقافي هزيل وخالي من أناس يملكون أدوات فكرية وثقافية حقيقية للتعامل مع تجارب (المرأة المثقفة) . إنهم موجودون لكن بقلة . فهم يتعاملون مع هذه التجارب من خلال نتاجها فقط . إن ذلك يشبه لحد ما نظام المسابقات (الشريفة) والخالية من الغش . عندما تقوم لجنة التحكيم بفحص النصوص بدون أسماء الكتاب، فهم بذلك سينظرون لحجم التجربة فقط، وليس لإسم أو نوع أو شكل كاتبها . وبالتالي سيكون الفائز هو النص المنتج دون الحاجة لمعرفة كاتبه . متى يفهم الكثير من مجانين الثقافة بأنهم يسيرون بالمشهد الثقافي (النسوي) نحو متاهة كبيرة سيكون الخاسر الوحيد فيها هم (الجمهور والمرأة المثقفة) ..؟! متى يعي الجمهور بأن هنالك العديد من التجارب النسوية تستحق منه الوقوف بوجه (المصدر المزيف) الذي يتلاعب بعقله ..؟! . لو تصفحنا للحظة بعض مواقع التواصل الإجتماعي سنكتشف الكثير من المواهب (الأنثوية) التي تجاوزت بإبداعها وألقها ما نقرأه في الكتب والصحف لـ (بعض) الكاتبات والفنانات (المزيفات) . لماذا لم تجد هذه المواهب (نافذة) إعلامية تطل من خلالها علينا ؟!! الجواب بسيط جدا . ما علينا سوى أن ننتزع هذا المشهد المشوه الذي ترتديه عقولنا كي نرى الحقيقة المؤلمة كما هي دون كذب أو رتوش .. علينا أن نفهم بأن

(المرأة المثقفة) تخضع اليوم لأبشع أنواع الظلم والإستغلال وبطرق عدة لا حصر لها. علينا أن ندافع عن حقوقها متى ما فهمنا بأنها (تجربة ثقافية) وليست عاهرة نستغل جسدها ومفاتنها متى شئنا ...

 

مهند صلاح

 

faroq mawasiيخَطّئ مازن المبارك في كتابه (نحو وعي لغوي، ص 102) وزهدي جار الله في كتابه (الكتابة الصحيحة، ص 396) وغيرهما من يقول: تَوَفَّى فلان (بالبناء للمعلوم) ومن يقول "رأيت المُتَوَفِّي".

والصواب في رأيهم أن يبنى الفعل للمجهول، فنقول: تُوِفّي فلان فهو المُتَوَفَّى، ويستشهدون بالآية الكريمة:

{الله يَتوفّى الأنفسَ حين موتِها}- الزُّمَر، ص 42.

فتبعًا للآية فإن الله هو المتوَفِّي.

..

أما الآية- {والذين يُتَوَفَّون منكم ويذرون أزواجًا}- البقرة، 234- بالبناء للمجهول، فقد قرأها علي –كرّم الله وجهه- بالبناء للمعلوم (والذين يَتَوَفّون منكم...)-

قال ابن جِنِّي في (المحتسب، ج1، ص 125):

"ومن ذلك ما رواه أبو عبدالرحمن السُّلَمي عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام: {وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُم}- البقرة، 234 بفتح الياء. قال ابن مجاهد: ولا يُقرأ بها.

 قال أبوالفتح: هذا الذي أنكره ابن مجاهد عندي مستقيم جائز؛ وذلك أنه على حذف المفعول، أي: والذين يَتَوَفَّون أيّامَهم أو أعمارَهم أو آجالهم".

كذلك علّق أبو جعفر النحاس في كتابه (إعراب القرآن) على هذه القراءة قائلاً "فمعناه يستوفي أجله".

(نقلاً عن كتاب أحمد مختار عمر- العربية الصحيحة، ص 135.)

...

جاء في (لسان العرب) وفي (تاج العروس):

تَوَفّـي فلان: استيفاء مدّته التي وُفِّيَـت له، وعدد أيامه وشهوره وأعوامه في الدنيا.

أما فعل المصدر (تَوَفِّـي) فهو تَوَفّى تَوَفَِـيًا- أي استوفى المدة المقدرة لبقائه حيًا.

..

الخلاصة أننا لا نخطئ إذا قلنا أو كتبنا: تَوَفّى فلان، وهو المُتَوَفّي، وذلك بمعنى استوفى أجله، فهو المستوفي.

..

 لكني شخصيًا أفضّل البناء للمجهول، وربما بتأثير الآية في قراءة حفص، وكما هي واردة في المصحف الشريف.

 

ب. فاروق مواسي

 

mohanad salahتمخض التاريخ الحديث للآداب والعلوم والفنون عن بزوغ تجارب مغايرة ومختلفة . شقت طريقها داخل المجتمعات، وغيرت خارطة القراءة والتلقي (النمطية) بأدوات وأساليب جديدة. كسرت كل الأنساق الثابتة وأجبرت الساحة الثقافية على الإنزياح نحو مناطق جديدة لطالما كان هاجس الخوف من الإقتراب منها هو الغالب على معاصريها . وذلك لإتجاه أغلب الكتاب والمفكرين نحو (أسطرة) الموروث وعدم الحياد عنه. مما خلق عمليات لا نهاية لها من الإجترار، والإلتفاف الدائم حول بؤرة الثقافات (الكلاسيكية)، وإندفاع الكثير من ممثلي المشهد الثقافي نحو إتخاذ موقف المدافع عن هذا التراث، ومهاجمة أي تكوين إجتهادي وإبداعي يتعارض مع القواعد والمناهج التي يحاولون من خلال إحاطتها بهالة من (القدسية) . منع أي تعدي على خطوطها أو حتى الإقتراب من البحث في تكوينها الفكري . فكيف يكون الحال مع (نتاج جديد) لا يستمد سماته من الجذور، أو إنه يمثل التأسيس لـ (ثورة أو إنقلاب) على كل ما هو معتاد ؟؟ .. إنها (الظاهرة) التي أعادت تشكيل ملامح المشاريع الثقافية، وزرعت بذور تكوينها في مساحات لم يكن في الحسبان إنها ستكون صالحة ذات يوم لهكذا حرث في خاصرة التلقي . فبالقدر الذي يكون فيه مؤلما بكل ما يحمله من حراك داخل دوائر الركود والثبات التي أنتجت الكثير من التقرحات في مناطق متعددة داخل العقل الجمعي للجمهور . لكنه أنتج صراعا مفرطا مع القوانين الوضعية لكسر رتابتها وإستبدالها بمناطق (متحررة) . توفر للجميع القدرة على توسيع قائمة الخيارات بعد أن كانت محدودة ومقيدة . إلا إن عصر

(الظواهر) بدأ بالتلاشي تدريجيا رغم التقدم والتطور الذي عصف بالمجتمعات نهاية القرن الماضي وبداية القرن الجديد . وهذا يتعلق بالعديد من المؤثرات التي حكمت على الوسط الثقافي بالتراجع بدل التقدم . كالحروب والتأثير الآيديولوجي للفكر السياسي المتطرف، وعدم إجتهاد المثقفين للنزوح نحو مناطق إبداعية جديدة، وتهربهم من مسؤولية الإقتراب من الجمهور وردم ثغرات عدم الثقة معه، هذا بالإضافة إلى لجوء هذا الجمهور إلى مراحل من السبات والإكتفاء بالوجبات الفكرية السريعة التي تقدمها التقنيات الحديثة، وهي في غالبها مستوردة ولا تمثل الإجتهادات الإبداعية التي نطمح لها .. المشكلة الأكبر بأننا في الغالب لا نعي أهمية (الأنثروبولوجيا الثقافية) التي تهدف إلى فهم الظاهرة الثقافية وتحديد عناصرها . كما تهدف إلى دراسة عمليات التغيير والتمازج الثقافي، وتحديد الخصائص المتشابهة بين الثقافات، وتفسّر بالتالي المراحل التطوّرية لثقافة معيّنة في مجتمع ما .‏ ولهذا استطاع علماء الأنثروبولوجيا الثقافية أن ينجحوا في دراساتهم التي أجروها على حياة الإنسان، سواء ما اعتمد منها على التراث المكتوب للإنسان القديم وتحليل آثارها، أو ما كان منها يتعلّق بالإنسان المعاصر ضمن إطاره الاجتماعي المعاش .‏ وهذا يدخل – إلى حدّ بعيد - فيما يسمّى (علم اجتماع الثقافة) والذي يعني (تحليل طبيعة العلاقة بين الموجود من أنماط النتاج الفكري، ومعطيات البنية الاجتماعية) .. ليس المهمّ من وجهة النظر التحليلية إثبات العلاقة بين النتاج الفكري والواقع الاجتماعي، بقدر ما هو تحليل لأشكال هذه العلاقة في مرحلة معيّنة لمجتمع معيّن . ويعد هذا التحليل مصدرا أساسيا في المناقشات المتعلّقة بالروابط الموجودة بين البنية التحتية والبنية الفوقية، والتي أفضت إلى تأكيد فكرة التبادل الديالكتيكي القائم بينهما . وتجدر الإشارة هنا، إلى أنّ اجتماعية الأدب والفن، ساهمت مساهمة متطوّرة في تحليل أشكال العلاقة بين النتاج الفكري، ومعطيات البنية الاجتماعية .‏. إن تحديد الكيفية التي يحوّل بها نتاج فكري، كالقصّ أو المسرح مثلاً، معطيات الواقع، لا يكفي، بل لا بد من إبراز الوظيفة الاجتماعية / السياسية لهذا النتاج، ولا سيما أن المنتجين ينتمون إلى فئات من المثقفين يؤدون أدوارا قد يعونها أو لا يعونها لصالح أصناف أو طبقات اجتماعية معينة. وهذه الوظيفة ليست مظهرا ثانويا أو تكميليا، بل هي بعد من أبعاد العلاقة بين الثقافة والمجتمع، ولا يمكن تفسير أي حدث فكري من دونها. وهي في الوقت ذاته، توجد حلا لما يسمى ” استقلالية ” القيم الفكرية والجمالية، وذلك من خلال اكتشاف وظيفة استمرارية هذه القيم، أو بعثها في ظروف تاريخية محددة .‏ إن دراسة الوسط الثقافي، تكشف عن الآلية السيكولوجية التي توجه سلوك الفرد، وتصرف النزعة العدوانية في مجالات تنفيس مهذّب .. من الممكن تحديد مجموعة متناسقة من أنماط السلوك الإنساني، والتي يمكن اعتمادها في دراسة السلوك الفردي، لدى أفراد مجتمع معين، حيث أن جوهر الثقافة هو في حقيقة الأمر، ليس إلا تفاعل الأفراد في المجتمع بعضهم مع بعض، وما ينجم عن هذا التفاعل من علاقات ومشاعر وطرائق حياتية مشتركة هو النتاج الذي يطرح كظاهرة تكسر كل الحواجز النمطية . إلا إن التأثيرات الإجتماعية بما فيها من (عادات وتقاليد وأعراف) أثرت كثيرا في إستنزاف خلق ظواهر أو حتى إستيعابها من قبل الجمهور . وهو ما جعلنا نعود الى المربع الأول ما قبل (النتاج الظاهراتي) .. الأزمة في حقيقتها تكمن بأننا إستسلمنا للواقع الذي نعيشه والإكتفاء بتراجعنا يوما بعد آخر عن خط التماس مع الثقافات العالمية وظواهرها، وأصبحنا نحارب أي تجربة جديدة ونتهمها بـ (الغربنة) أو (الجنون) ، وأصبح أكبر هموم المسؤولين عن الثقافة هي مصالحهم الشخصية وكيفية التسلق على أمجاد الماضي لتحقيق الرغبات الذاتية .. نحن بحاجة جادة لدولة تمتلك من الوعي ما يؤهلها لتبني المشروع الثقافي بعيدا عن الفئوية والمصالح السياسية . ومؤسسات ثقافية تمتلك القدرة على ترميم ما تبقى من النتاج الثقافي للنهوض بواقع مغاير جديد، وإلا فإننا نسير نحو الفراغ بدرايتنا ...

 

مهند صلاح

 

faroq mawasiيخَطّئ بعض اللغويين أن ننسب للجمع، كأن نقول: مباحث أخلاقية، القانون الدُّوَلي (انظر مثلاً: زهدي جار الله، الكتابة الصحيحة، ص 113، ص 116) وذلك لأن البصريين يرون أن ننسب للمفرد، فـ "بساتين" ينسب إليها= بستانيّ، و "كُـتّاب"= كاتبيّ....

أما النسبة للجمع في رأي البصريين فتكون للاسم الذي ورد جمعًا، بشروط منها:

* جمع لا واحد له، نحو "أبابيل"، أو لا واحد له من لفظه: قوم، جيش.

* جمع يجري على غير مفرده: ملامح، محاسن وواحده لَمحة، وحسن.

* جمع يُفرّق بينه وبين مفرده بياء النسب أو تاء التأنيث: عرب، أعراب، تمر، تفاح.

* علم منقول عن جمع تكسير، نحو: الجزائر= جزائري، الأخبار (صحيفة)= أخباري، الأهرام= أهراميّ...

...

لكن الكوفيين أجازوا النسب إلى جمع التكسير الباقي على جمعيّته مطلقًا (أي الذي لم يُسمَّ به)، وذلك اعتمادًا على عشرات الأمثلة مما ورد في لغة العرب، وقد ارتأى المجمع اللغوي في القاهرة رأي الكوفيين، وقال:

"إن النسبة إلى الجمع قد تكون أبيَن وأدقّ في التعبير عن المراد من النسبة إلى المفرد".

من "محاضر جلسات مجمع اللغة العربية في دور انعقاده الثالث"، ص 4- نقلاً عن إميل يعقوب: معجم الخطأ والصواب في اللغة، ص 131.

..

 فعليه يجوز أن نقول مباحث خلقية عامة، ويجوز أن نقول: مباحث أخلاقية سواء أكانت تتعلق بعلم الأخلاق أو بالأخلاق عامة، وخبر صَحَفي أو صُحُفي، ومواد كتابية ومواد كتبية، وألحان كنائسية وكنَسية...

...

ومثلها يحق لي أن أقول: القانون الدّوْلي أو الدُّوَلي عند النسبة للدول،

وفي رأيي أن تُفضّل الأخيرة، لأن الدَّوْلي قد تكون محصورة في دولة واحدة، و "الدُّوَلي"- كما ذُكر في قرار المجمع: "أدقّ في التعبير عن المراد من النسبة إلى المفرد".

ثم إن استخدام اللغة أخذ يمايز بين النسبة للمفرد وبين النسبة للجمع من غير أن يُحدّد ذلك في كتب اللغة تخصيصًا، نحو:

شعبيّ- شعوبي

من أمّة- أمّي- أممي

ملَكيّ- ملوكيّ

حقّـيّ- حقوقيّ....إلخ

 

ب. فاروق مواسي

mohanad salahالنتاج الثقافي بكل أشكاله. هو الحصيلة الفكرية التي يطرحها الكاتب لتكون بالتالي على طاولة التلقي لدى القراء. وبدون جمهور يستوعب ما يتم تقديمه من أعمال، لن يكون لهذه النتاجات جدوى من تصديرها أو عمليات تسويقها . فأي تكوين فكري يصنع بمجرد خلقه خطا موازيا يواكبه ويستمر معه في مسيرته حتى تحقيق الغايات المثلى لنواة الكتابة . وهي بغالبها تقف عند تحديد المشاكل ووضع الحلول المناسبة لها بصياغات ثقافية .. المشكلة الأساسية التي يحاول الكثير من (الكتاب) الهروب من حقيقتها المؤلمة. هي إنفلات الحلقات الرابطة بين (النتاج والقراء) . وهو ما صنع فجوة كبيرة أدت إلى تراجع نسبة القراءة مع ما يوازيها من نتاج يملأ الساحة الثقافية دون أن يجد له مكانا في التراكيب القرائية التي يجب أن يتناولها (المستهلك) . بإعتبارها المادة الفكرية التي تم إعدادها لتغطي المساحات الشاسعة من إحتياجات المتلقي ومتطلباته . ولو حاولنا أن نؤشر عبر الخط البياني لمبيعات الكتب وحجم ما يتم طباعته من هذه الكتب في المطابع مع الأخذ بعين الإعتبار المادة التي تحتويها، لوجدنا حقائق مرعبة تضع المشهد الثقافي برمته على حافة الهاوية . إن لم يكن أصلا قد بدأ بالتساقط . فنسبة مبيعات الكتب التي لا يمكن أن تكون ضمن المشاريع الثقافية التي تفتخر بها الشعوب قد تجاوزت بكثير ما يمكن تخيله من أرقام . وتأتي بعدها الكتب الدينية وكتب المناهج الدراسية التي غزت المبيعات في الآونة الأخيرة بسبب تلكؤ وزارة التربية في توفيرها للطلبة . وفي آخر القائمة ستكون هنالك أعداد بسيطة من الكتب ذات الصلة بالواقع الثقافي لا تقارن مع حجم ما يطبع من الكتب سابقة الذكر . وحتى هذه الكتب التي من المفترض إنها تمثل الحركة الثقافية، فإنها في واقعها تمثل نتاج مستورد من خارج رقعة الخارطة الجغرافية للإشتغال الثقافي . يتم إعادة طباعتها لإقبال القراء على النتاج (الأجنبي) أكثر من النتاج المحلي . وذلك يعود للأسف إلى عدم ثقة القارئ في الغالب بما ينتجه الكاتب المحلي . أو إقتصاره على ما يتم الدعاية له بشكل جيد . بينما تقتصر النتاجات المحلية بشكل كبير على الكثير من المطبوعات بمختلف الألوان والتي توزع في الغالب بالمجان لتكون حبيسة الرفوف .. المشكلة التي يغفلها الكثيرون في الساحة الثقافية تكمن في أن هنالك حلقة مفقودة بين (الكاتب والقارئ) . هذه الحلقة هي (الثقافة القرائية) لدى الجمهور . فالكتب حالها كحال أي مادة تخضع للإعلان والتسويق قبل الشروع بتقديمها في الأسواق . وهنا أقصد عملية التمهيد للمنتج . وهو ما سيحقق نسبة مبيعات عالية تجبر المقتني للكتاب على قراءته، وبالتالي ستبدأ بوصلة القراءة لديه بتغيير إتجاهها نحو المسارات التي يجب أن تكون عليها بعد أن وصلت لمراحل من الإبتعاد اللامتناهي عن مفهوم القراءة المنتجة لمجتمع يحمل ثقافة تجعله مفتخرا بها . وهذا سيكون بحاجة لمراحل مدروسة تشترك في التأسيس لها (المؤسسات الثقافية / الكاتب / دور الطباعة والنشر) للسيطرة على ما يتم عرضه في الأسواق من نتاج . وما سيضمن نجاح هكذا أفكار، هو قدرة المجتمع الشرقي على الإنسلاخ مما يحمله من ثقافة لإستبداله بثقافة أخرى . إذا ما وجد بأن الإقبال على ما هو جديد سيكون الطريق الأمثل له كي يواكب أقرانه من القراء . لكننا في الوقت ذاته سنكون بحاجة لقوانين تدير آلية النشر والطباعة يشرف عليها أناس مختصون وخاضعون للمصلحة الثقافية العليا للبلاد، وليس لهم إنتماءات سياسية أو فكرية تنعكس على ما يتم منعه أو السماح بطباعته . كي يتم الحد من طباعة وعرض النتاج التجاري السلبي، وإستبداله بنتاج يستحق القراءة والتلقي . وترك الفرصة أمام القراء لتناول الكثير من النتاجات التي لم تجد لها المساحة الكافية للعرض من خلالها، والوصول الى مستويات عالية من القراءة كي تستعيد الساحة الثقافية عافيتها التي فقدتها مع النتاجات السيئة التي كانت تحتل أروقتها . ويتحول النتاج المحلي الى نتاج عربي وعالمي يتسارع له قراء الخارج لإقتناءه .. إن كل هذه الأفكار لن تتحقق أو تجد لها حيزا ضمن الاشتغالات المؤسساتية ما لم تتكاتف جميع مكونات العملية الإبداعية للشروع في المضي لتحقيقها، وإذا ما إستمر وضع المشهد الثقافي وما يتضمنه من نتاجات معروضة أمام القارئ بهذا الشكل المتردي الذي نراه اليوم، فلن يكون هنالك ما يستحق تقديمه للأجيال القادمة . بل سيكون المحتوى خليطا من النتاجات الرديئة والسيئة الصيت التي ستسبب في تدهور المستوى الثقافي لعقود طويلة ...

 

مهند صلاح