محمد الشاوياتسمت التجربة التشكيلية للفنان عبد السلام نوار ببصمة خاصة، فهي تَنتحُ من التوجه الانطباعي الجديد الذي أرسى دعائمه على تاريخ الفن بطابع خاص. وهو توجه تميّز به هذا الفنان داخل مدرسة تطوان التشكيلية خاصة، وبالمغرب عامة. فغني عن البيان أن يقف كاتب هذه المقالة وقفة تأمل متسائلا:

لماذا لم يُجرِّب عبد السلام نوار أساليب أخرى؟

ولماذا ظل وفيا لأسلوبه الفني رغم التحولات التي عرفتها منظومة الفنون التشكيلية في صيغتها المعاصرة؟

يمكن تَبيُّن معالم التوجه الانطباعي الجديد لدَى الفنان عبد السلام نوار من خلال مبدإ الاختيار الذي أسعفه في جعل هذا التوجه الفني أسلوباً للتجربته داخل مدرسة تطوان. فقد ظل وفياً لهذا الاختيار، راسما لنفسه أنموذجا خاصا يستحق الدراسة والبحث من طرف النقاد والمهتمين. فانطباعيته هي فرع من الأصل، إذ تختلف عن الانطباعية الجديدة للرواد أمثال جورج سورا وكلود مونيي وبيسارو، لتعانق أعمال بول سيزان وبول غوغان، مُقتفية أثر تشارلز انغرند، وهنري روسو، لكن بأسلوب مغاير تماما يجد ضالته داخل مشاريع مجاوزة الانطباعية الكلاسيكية

Le dépassement de l'impressionnisme والبحث عن  ما بعدها، وما أعقب ذلك من توجهات أسلوبية تروم الابتداع والتجديد لعالم الطبيعة والناس

يقول تولتسوي: "إذا أراد الفن أن يكون أصيلا، فلا بد أن يكون مفهوما.. وخاصة لدى هؤلاء الذين يخاطبهم". ولهذا فإن فنان الانطباعية الجديدة يميل إلى إثارة مشاعر المتلقين بطريقة التمثل Représentation وباستخضار موضوعات ترتد إلى عالم الطبيعة بشساعته اللامتناهية وباتساع دائرة شخوصه، لكن دون كثرة الدقة والنقل على سبيل الايضاح.وكما يقول فيكتور هيجو: " كثرة الايضاح تُفسد رؤية الفن".

1594 عبد السلام نواروالجدير بالذكر أن مصطلح الانطباعية الجديدة من نحت الناقد الفني الفرنسي  فيليكس فينيون  سنة 1886، حيث ارتبط بالحركة الفنية التي أسسها جورج سورا،  بالنظر إلى لوحته الشهيرة سنة 1884 التي عالج فيها موضوع الطبيعة المتمثل في نهر السين المار على الجزيرة الكبيرة بباريس بالاضافة إلى الناس الذين يتنزهون والمتحلقون داخل مجموعات. وبنفس المدينة كان ميلاد حركة الانطباعية الجديدة في معرض صالون قصر المعلقات لتنتقل إلى بلدان أخرى كبلجيكا وهولاندا وإيطاليا والنامسا وأمريكا...

ذلك، أن عبد السلام نوار مارس هذا الأسلوب على مستوى التدريس الأكاديمي بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، باعتباره أسلوباً ينضاف إلى أساليب فنية أخرى داخل أرومة واحدة، قعَّد لها جيل الرواد بهذه المدرسة من الذين دَرَس عليهم، ومنهم:

محمد السرغيني، التهامي داد، المكي مغارة، علي نخشى، سعد بن سفاج...

ليأتي بعد ذلك تأثير المدرسة البلجيكية في تكوينه العلمي والفني، وهي محطة مهمة أغنتْ رصيده التشكيلي. كانت في سلك الدراسة العليا بالعاصمة بروكسيل حيث نال درجة الأستاذية لتدريس الرسم والصباغة من الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة والهندسة.

ومن أساتيذه بهذه الأكاديمية الذين تأثر  بتجربتهم وسار على منوالهم، حيث تنبأوا له بمستقبل مشرق في الفنون التشكيلية، أذكر على سبيل المثال لا الحصر: جون رَاوْسِي المتخصص في الرسم الواقعي والجذاري، والباحث في تاريخ الفن، وهو الذي أخذ عنه أصول الرسم والصباغة. وقد نشر راوسي دراسة نقدية للمنجزات الفنية عند الفنان السلام نوار، وهي دراسة تدل على التقدير والحب اللذين يحظى بهما من طرفه. وأستحضر أيضا تأثير أستاذه الفنان والأكاديمي دُومِيلْغْرْ ذي الأصول الفلامانية والمتخصص في الرسم الطبيعي، وهو الذي أخذ عنه أسس ومبادئ الرسم المنظوري وتقنيات التعامل مع اللوحات الخاصة بالطبيعة الحية والميتة.

أصر عبد السلام نوار على اتباع المدرسة الانطباعية الجديدة التي اختارها  عن حب أولا وعن تكوين أكاديمي متين ثانيا، فهو لم يترك اختياره عن قلى ولم يهجره عن ملالة. فقد ظلت انطباعيته تصحبه طوال رحلته الفنية التي راكم فيها منجزات وأعمال متميزة: معارض فردية وجماعية داخل المغرب وخارجه، تأطير أبحاث طلبة الفن، مشاركات في الندوات، معارض إستيعادية لتجربته أثناء تكريمه، تأطير أوراش الفن لفائدة الناشئة...

وعلى هذا الأساس فإن تعامله مع اللوحة يُجسد وبحق أصالة الفنان وتفرد المُتخصص. فنادرا ما نجد بعض الفنانين المعاصرين يتسمون بأسلوب محدّد، في ظل التحوُّل الذي عرفته منظومة الفن في صيغتها الراهنة.  فكانت ها هنا جمالية اللون وتعدد الموضوعات التعبيرية أهم خاصيتين رئيستين تندرجان ضمن نسقه الإبداعي. وهو نسق خبر فيه ديداكتيك الفن وطرائق تدريسه خلال مسيرته المهنية. ولعل تدرجه في أنواع الصباغة والخامات والأسندة، لم يمنعه من الاستقرار على أرض اللوحة، فجعل منها وعاءً يثوي داخله أجمل أحاسيسه الإنسانية. وهي أحاسيس تُعانق الوجود في أبهى تجلياته داخل قماشات تنبضُ بالحياة وتعانق أسمى تجليات التعبير الفني.

 

بقلم: الدكتور محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي وباحث في الجماليات

 

 

الكبير الداديسيتعد الفنون التشكيلية والرسم خاصة من أقم الأشكال التعبيرية وأقدرها تعبيرا عن الجمال، وقد تعددت الأدوات والوسائل والمواد الأولية التي يعتمد عليها التشكيلي لإخراج أعماله الفنية عمارة كانت، نحتا، نقشا زخرفة أو رسما... وبما أن الإبداع لا حدود له، فإن التشكيليين لا زالوا إلى اليوم يجددون في ما يشتغلون به من أدوات وتقنيات، مما وسم تجاربهم بالحداثة والتجديد، وإن ظلوا يستعملون بعض الوسائل الموروثة كالريشة، الفرشاة، القلم، القماش، الصباغة والأسندة... فاستبدل بعظهم القماش بالزجاج، والفرشاة بالسكين، والقلم بالفحم، والصباغة بالشكولاتة أو القهوة لكن تبقى غاية الرسم واحدة هي تفجير الطاقات، التعبير عن المكنونات وإمتاع المشاهد...

ولعل من أهم صيحات في الرسم العربي المعاصر، الرسم بالقهوة، وتحويل لحظة الاستمتاع باحتساء فنجان قهوة من متعة آنية ذاتية يستفيد منها شاربها فقط، إلى لحظة إبداع خلاق تتغير فيها الوسائل والأهداف فيغدو الفنجان محبرة والمتعة الآنية متعةً سرمدية وخالدة يستمتع بها الفنان وكل من يتأمل حمال لوحة تتجاوز رسم الظاهر إلى رسم الأحاسيس وبواطن النفس... كما تجلى في تجربة الفنان العراقي "أبو علي العميري" الذي ركب مغامرة اعتماد ألوان جديدة مستخلصة من القهوة تارة وحرق الخشب تارات أخرى في رسمه لبورتريهات شخصيات معاصرة مشهورة أو مغمورة، مقتصرا على اللون الوحيد وتدرجاته لتقديم بورتريهات آسرة بذوق ورائحة البن أو الخشب المحروق، في ابتكار تغدو فيه القهوة والرماد أشبه بالصباغة المائية في تدرجاتها بين الكثافة والشفافية.... لتنبني هذه الفكرة الجنونية على إحالة فنجان القهوة إلى محبرة، والاقتصار على القهوة دون باقي الألوان والأصباغ الطبيعية والصناعية، مع اللعب على إبراز الملامح والتركيز على الضوء والظل

1566  الرسم بالقهوة 1

إن المتأمل في بورتريهات أبي علي العميري يدرك كيف أضاف اللون البني ونكهة القهوة لمسة جديدة لعالم التشكيل، من خلال الجمع بين بساطة الأداة وحداثية الفكرة، فكانت لوحاته لمسة تكسر قواعد الزمن فتعبُر باللحظي الآني إلى الخلود والسرمدية، وهذا ما يفرِّد الفنان عن الإنسان العادي، فإذا كان ملايين الأشخاص يحتسون فناجين القهوة كل يوم، ويظل فعلهم آنيا لحظيا منتهيا في الزمن، فإن الفنان لقادر على أن يبدع من ذات الفنجان تحفا تسخر من الزمن، وتصرخ بأن الإبداع الفني لا حدود له، وأن تلك المواد السريعة التلف، القابلة للتبخر يمكن أن تمسي معينا لا ينضب يرسم منها الفنان تحفا خالدة... هذه هي تجربة أبي علي العميري في اللعب باللون البني في تدرجاته...

1566  الرسم بالقهوة 2تنطلق تجربة كل لوحة بإعداد مسبق لخلفية مناسبة متمردة على القواعد المعتادة في رسم البورتيريهات: فإذا كانت البرورتريهات التقليدية تقوم عادة على خلفية داكنة، ويتدرج الضوء نحو واجهة اللوحة ليكون بياض بؤبؤ العيون والأسنان مصدر الضوء، فإننا ألفينا أبا علي في بورتريهات بالقهوة والحشب المحروق يقلب المعادلة، فجاءت جميع لوحاته بخلفيات مضاءة، وبألوان فاتحة هكذا كانت خلفية لوحة عمر المختار مثلا بيضاء، و كان البياض سيد الفضاء ليبرز من خلاله الوجه معتما ويتدرج التعتيم ليتركز في العينين بخلاف المألوف في رسم البورتريه... وكذلك الأزرق في خلفية لوحات كثيرة كلوحة: كوفي عنان، عبد المنعم مدبولي، الكبير الداديسي، والطفل الباكي الذي الذي حكم عليه رسامه الأصلي أن يظل باكيا إلى الأبد جاعلا من دمعتيه مصدر إضاءة، وحولهما أبو علي العميري دمعتان مترقرقتان من القهوة مصرا على الحفاظ على بؤرية بياض العينين كمصدر إضاءة وسط في هذه اللوحة لكن وسط تعتيم داكن تفوح منها رائحة القهوة لونا ورائحة، ويتضح هذا القلب للمعيارية أكثر في صورة أنطوني كوين عند مقارنة اللوحة بالصورة الأصلية ذات الخلفية السوداء التي جعلها الفنان عن قصد خلفية بيضاء خدمة لفلسفته التشكيلية....

 وبالقهوة وحدها والخلفية الفاتحة استطاع الفنان تمييز الشعر الأبيض عن الشعر الأسود في لحية عمر المحتار ورأس كوفي عنان، وبتدرجات اللون البني يستطيع المتلقي التمييز بين الضوء والظل في الوجوه، نظرا لصرامة الفنان الدقيقة، وموهبته التي مكنته من كشف تفاصيل الوجوه رغم محدودية اللون وتناسل الأبعاد في هندسة ومعمارية الوجه بتجاعيده وثناياه، على الرغم من صغر حجم الكتلة وقرب اللقطة المرسومة التي تتطلب إبراز تعبيرات الوجه، وصفاء العيون وما تعكسه الملامح من حالة نفسية مع السعي إلى إظهار الوجه أحسن مما هو عليه في الواقع دون تزلف أو مبالغة في محاولة لنيل لإعجاب المتلقي وإدراكه لمدى تعاطف الفنان مع الموديل المرسوم

إن رسم بورتريهات لشخصيات لها تأثيرها في المشهد الثقافي والساسي المعاصر اعتراف و تخليد للرسام وللمرسوم، وسير على نهج متوارث - من القدماء الذين رسموا ونحثوا الملوك والألهة - سلكه أبو علي في رسم عباقرة وعظماء زمانه... بحثا عن الخلود... فقد يموت المرسوم ويتحلل جسمه لكن يبقى بجسده وابتسامته في اللوحة، وقد يفنى الرسام ويخلد توقيعه وإبداعه... ليصبح الموت أمام الفن أصغر من شعرة، وتقف اللوحات ساخرة من عبثية القدر الذي يحب أن يضع حدا لكل شيء، إلا الفن فإنه لا يتأثر بالزمن، بل لا يزيده الزمان إلا قيمة وجمالا، وتبدو فلسفة الرسام واضحة أكثر عندما يختار رسم البورتريه بمواد سريعة التلف كالقهوة أو رماد الخشب المحروق، لتغوص التجربة بالرسم في جذور الإنسانية وتحرك في الأعماق حنينا، وهي تعود بالرسم إلى أصل الوجود، وفكرة الخلق والبداية: فكما كان الانفجار الكبير والاحتراق الأول سبب نشوء المادة، فإن أول عملية في تجربة أبي علي بعد الحرق هي خلط المحروق لتشكيل اللون بالتقاء مواد أصل الوجود (الماء،النار،الهواء والتراب) وفي عملية مقصودة يستبدل الفنان التراب بالرماد متعمدا خلق الحياة من الموت، ومقتصرا على تدرّج الأبيض والأسود الذي يسهّل التعامل مع اللوحة بصريا لما بين اللونين من تباين ويغدو من اليسر التمييز في لوحات أبي علي بين الضوء والظل وإن قامت لوحاته على لون وحيد فقط، هو البني في الرسم بالقهوة، و الأسود في الرسم بالحرق الخشب، ليتدفق هذا اللون على القماش الأبيض ويحول الوجوه إلى أيقونات تبحر بالمشاهد في رحلة بصرية عبر عدد لا متناهي من النقط والخطوط فيرى المشاهد في تلك الملامح الفيسيولوجية مرآةً روحيةً تجلو صفاء النفس، ونقاء الجوهر، وهو يرى كل تلك الوجوه سعيدة بقدرها بما فيها الطفل الباكي، لأن اللون المختار يكسو الوجوه وقاراً وأصالة لقربه من أصالة اللون الطبيعي للبشرة ولما فيه من تناسل قريبة من ألوان فطرية كالصمغ والحبر...

1566  الرسم بالقهوة 3

بهذه التقنيات البسيطة تتجاوز بورتريهات أبي علي العميري الصورة الفتوغرافية وحتى الصور الرقمية، لما تحويه لوحاته من حيوية بلمسات تعكس أسلوبا خاصا في التشكيل يجعل كل مهتم بالرسم قادرا على تمييز لوحات الفنان وأسلوبه، وتقنياته التشكيلية التي تمنحه هامشا يتيح له التبديل والتحوير في وجوه الشخصيات بفنيه تنقلها من وجوه مادية وأشكال مجسمة بأبعادها الواقعية إلى بورتريهات فنية ببعدين على مسطح، في تجسيد لعلاقة حرية الإبداع بالقدَر وتحويل الإنسان الفاني إلى كائن فني سرمدي داخل تحفة فنية تحافظ على هوية الشخص وإبداع الفنان وتمنحهما إكسير الخلود، خاصة إذا كان هذا الفنان مقتنعا بأن لا حياة دون حرق واحتراق، وبأن هاتين العمليتين ضروريتان في الحياة نجدهما في الحياة اليومية العادية كما في تشغيل السيارات، تحليق الطائرات، وتدفئة البيوت... أو في الصناعات الأساسية كإنتاج الكهرباء،صناعة الإسمنت الزجاج والمواد المعدنية. ولا حرج إن وضفتا في الرسم..

 لذلك أبى أبا علي العميري أن لا يلج عالم الفن إلا عبر بوابة الحرق والاحتساء... في برهنة منه على أن الفن لا حدود له، وفي تأكيد على أن الإبداع وإمتاع الآخرين يمكن أن يكون من أشياء لا حياة فيها، وأن الحياة برمتها يمكن اختزالها في لحظة احتساء فنجان قهوة... وفي ذلك إطفاء لظمأ ابدي في أعماق النفس للخلود حاولت أساطير وحكايات كثيرة التعبير عنه من خلال فكرة البعث من الرماد والحياة من الموت كما في (أسطورة الفينيق و أسطورة العنقاء) لما تحمله تلك الأساطير من دلالات على قدرة الإنسان على أن يكون صلبا أمام الضربات، وقادرا على النهوض بعد العثرات... فكانت لوحات أبي علي بعثا من الرماد، وهِبة من فنان يمنح اللون الرمادي رمزية وقيمة نغمية متدرجة بين الشدة والنسبية أبعدته عما التصق به من دلالات تحيل على الحياد والسلبية فجاء الرمادي والبني في لوحات العميري مشحونين بالدلالات والمعاني يختزل شدة ولمعان باقي الألوان الأخرى... فيبتعد الرمادي والبني عما التصق بهما من دلالات الحزن الإحباط والكآبة، وتمرد الرمادي عن سلبيته وتموقعه في الوسط بين الأسود والأبيض... لكن أبا علي باعتماده على اللون الرمادي والبني، واستغنائه بحرق الخشب والقهوة لونا بدل أقلام الرصاص، الفحم والصباغة المائية أو الزيتية المستعملة في رسم البورتريه والاكتفاء بلون واحد يتدرج بحسب قربه وبعده من الضوء يكون قد أعاد الاعتبار للرمادي، فرض نفسه أسلوبه الفني رائداً من رواد البورتيريه في التشكيل العربي المعاصر الذين جددوا شكلا ومادة على الرغم من قدم هذا الفن في التشكيل الإنساني، واستطاع تطويع البن رغم صعوبة الرسم بالقهوة لميوعة وسيلان القهوة وسرعة خروج الفنان المبتدئ عن الإطار المراد رسمه، وما يحويه النمقيط بالقهوة من صعوبة....

 

ذ. الكبير الداديسي

 

 

علاء اللاميفي هذه المقالة سأعرف جيلَ الشباب ببعض رموز الفن الفطري العراقي نحتا ورسما، ممن وجدت شيئا من المعلومات عنهم على النت ونسقتها بتصرف أسلوبي طفيف، ليكون هذا التعريف بهم صرخة احتجاج ضد سيطرة الرثاثة الفنية المحمية بحكم الطائفية السياسية المطابق لها في الرثاثة والفساد وانعدام الذوق لدى الزمر الحاكمة وحاشيتها: في ستينات وسبعينات القرن الماضي وما بعدهما نشأت وراجت ظاهرة الفن الفطري والفنانين الفطريين، وكانت موجودة وغير ملحوظة قبلا بزمن طويل، واشتهر بعض منهم في السبعينات خصوصا. وهؤلاء فنانون شعبيون لم يدرسوا الفن وليس لهم أي تحصيل علمي ودراسي فني وكانوا يرسمون وينحتون بتلقائية وطلاقة لا تخلوا أعمالهم من بعض الغموض والأخطاء الأكاديمية أحيانا لأنهم لم يدرسوا النسب والتشريح الفني وماهيات وعلاقات الألوان والكتل والتكوينات...إلخ. وفي السبعينات، تعرفت على والدة الصديقين الفنانين فلاح ويوسف غاطي وهي نحاتة فطرية لها أعمال جميلة شاهدت بعضها، ولا أتذكر جيدا إن كانت قد عرضتها في معرض فني شخصي آنذاك أم لا. ومن الفنانين الفطريين المعروفين في هذا الباب أعرف هنا بـ:

1- النحات العراقي الفطري منعم بربوت وادي الجنابي، الذي اتخذ له اسما فنيا هو "منعم فرات". ولد عام 1900 في محلة باب الشيخ ببغداد، وتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم عن طريق الكتاتيب. كان فلاحا وبائعا للأغنام في شبابه، إلا انه ترك الفلاحة لينتقل للعمل كعامل في عدة مجالات ككاسب.

* شارك منعم فرات في مهرجان الفن الفطري العالمي بإيطاليا عام 1966 بعرضه لعشرة أعمال نحتية متنوعة بموضوعاتها وتقنيتها البسيطة ونالت إعجاب مَن حضر المعرض. وتضمنت تلك الأعمال النحتية أشكال طيور وحيوانات وكائنات خرافية وموضوعات أخرى ذات طابع انساني، ونال الفنان في هذا المهرجان عدة جوائز منها شهادة دبلوم وجوائز أخرى تثمينا لأعماله.

* كما تحصل منعم فرات على الجائزة الاولى بدرجة ممتازة في المهرجان الدولي الثالث للفنون الفطرية الذي أقيم بمدينة (براتسلافا) في تشيكوسلوفاكيا في شهر أيلول - سبتمبر سنة 1972 وشارك فيه خمسة وخمسون فناناً. وقد حظي هذا الفنان باهتمام ودعم كبيرين من الفنان نوري الراوي وتلقى منعم فرات دعوة في الخارج للمشاركة في المعرض الدولي للفن الفطري في أوربا، ولكن القدر حرمه من المشاركة، إذ توفي بحادث دهس بالسيارة، فقام الفنان نوري الراوي بإتمام إيصال أعماله للمشاركة قبل بدء المعرض بعد وفاته مباشرة، وحاز على الجائزة الأولى، ولكن للأسف فقد حصدته المنية قبل أن يحصد هو جائزته وفرحته بالفوز.

* كتب عنه الناقد الإيطالي البرتو جاتيني (منعم فرات اختار بمفرده طريقة الذي يقوده نحو غاياته الفنية، هذا الاختيار انبثق من أعماق نفسه الأصيلة، وأول عمل قام به هو رفضه لأي شكل ولأي تأثير أوروبي، سواء كان ذلك في التكنيك أو في الشكل الظاهري، ففضل في عمله الفني مستوحيا الماضي بكل ما فيه من جلال...)

* قال عنه النحات العراقي الراحل محمد غني حكمت (إن أعمال منعم فرات أصبحت وستصبح أمثولة لأكثر من فنان عراقي، ذلك لان أعماله الخاصة، وأسلوبه في تصوراته برمتها لا تتصل بمدرسة فنية معينة، ولا تشتبك بجذور من مؤثرات خارجية، أنها خلاصة ملاحظة عامة للمنظورات وتعبيرات مبهمة لأحاسيس وأخيلة عن الحيوان والإنسان في حبهما وفرحهما، في غضبهما ورضاهما، في أحلامهما وأمانيهما، إن شخوص منعم فرات، تتحدث عن قصص وأساطير تعيش في عالم لم نصل بعد إليه.. ولكم تمنيناه! فليس منا من رأى أنسانا برأس حيواني، نعم، فرات بعفويته وجرأته وانتصاره على الحجارة الصلدة استطاع أن يخرج بقامته ووضوحه إلى هذا العالم الذي يفتش عن كل ما هو جديد ويقول للجميع ها أنا ذا اطرح أسلوبي العراقي المتفرد والمتجذر والمنحدر من صلب المبدعين الأوائل، في سومر وأكد وآشور.

1539  محمد فرات

الصورة للفنان الراحل منعم فرات وبعض منحوتاته

* كتب عنه الناقد الفني محمد الجزائري: وقال الناقد الايطالي "البرتو تشاتيني" المختص بالفن الفطري، عن فن منعم فرات إن هذا الفن يمثل الاتجاهات الفنية في كل القارات، من الاسكيمو إلى الهند والمكسيك إلى جزر الأوقيانوس.. ويمثل الفنون البدائية والعراقية القديمة، كما يمثل الأصنام الجاهلية الأولى ويضيف الجزائري : أن أعمال فرات بمثابة استجابة للحالات كلها التي كان يعيشها، والذي يبدو كشفاً لعلائق إنسانية تتشكل عنده على نحو خاص، إنما هو نوع من الاطمئنان للحالات التي اكتسب عنده وجودها مرحلة اليقين، إن بالرفض أو القبول، فجسدها بمباشرة وفطرية وصلت حد الدهشة، فهو لم يكن يحطم الواقع ليعيد تشكيله، إنما كان يعريه من خلال قدراته التعبيرية، ومن هنا، يمكن اعتباره ممثلاً أصيلاً للفن الأصفى الذي لا يعاني نوعاً من أنواع الفصام، لكونه سيد الفن الفطري وسيد الفن الصافي.

2- الفنان النحات عباس جابر: ولد في محافظة ميسان سنة 1954 هو مثال حي على الفن الفطري. منذ طفولته كان يتابع حركة اليدين لوالدته وهي تعجن الطحين لعمل خبز التنور الطيني، وهي تخلط الطحين بالماء فتصنع عجيناً طيّعاً على شكل كرات، فانطبعت في ذاكرته تلك الصور الفنية البسيطة، فضلاً عن عوامل عدة أخرى بيئية وعائلية أثرت تأثيراً مباشراً في تكوين وتنمية هذه الموهبة التي زرعت في مخيلته الذكية فكرة الفن. لتكون منطلقاً في التعامل مع الأشياء. بدأ بالطين ثم الخشب والحجر وتمكن من النحت على نواة التمر والرز والعدس التي لا تستطيع الاطلاع على الأشكال المنجزة منها إلا بواسطة مكبّرة يدوية. كان يطلق ليديه العنان والخيال ويجعلهما تحاوران كل تلك الأشياء، معبراً عن حالات الخوف والحرمان التي تواجه الإنسان مجسداً الواقع العراقي بكل تفاصيله، أقام العشرات من المعارض الفنية عن أعماله بالتنسيق مع مديرية النشاط المدرسي ونقابة الفنانين ودار القصة العراقية.

3- عبد الكريم ناصر منصور الغريباوي: ولد سنة 1962 محافظة واسط. إنَّ الأقلام الخشبية وما تنتجه على الورق كانت هوايته المفضلة في طفولته، انتبهت عائلته لتلك الموهبة شجعته فضلاً عن معلمه في الدراسة الابتدائية الذي حفزه وشجعه أيضاً, الغرباوي لم يدرس الفن لكنه امتلك موهبة فطرية خاصة أثارت زملاءه الفنانين ما جعله يستفيد كثيراً من تجاربهم, في ثمانينات القرن الماضي رسم أولى لوحاته وهي الرحى التي تستخدم في طحن القمح ليستمر فيما بعد في تجسيد بيئته، فكانت لوحة (الدربونة) التي جسد فيها طفولته في قضاء الحي محافظة واسط ، اعتمد الغرباوي على نفسه دون أن يقدم له أي دعم رسمي. شارك في الكثير من المعارض داخل العراق وتلقى دعوات عدة في روما وباريس، إلا أن إمكانيته المادية المحدودة حالت دون إقامة معارضه في تلك العواصم. يجيد رسم الكاريكاتير، لكنه ميال إلى المدرسة الواقعية، ويحلم أن يمثل العراق في محافل عربية ودولية ليرسم للعالم صورة جميلة عن وطنه وشعبه.

4- محمد الخزرجي، مواليد 1972من بغداد، من عائلة متوسطة الدخل. أحب الرسم منذ الصغر منذ كان عمره 8 سنوات بدأ الرسم على الورق يوجه إحساسه وتدفعه الموهبة, تردد على نادي الثقافة والفنون في حي القاهرة ببغداد في حينها في الثمانينات، وبدأ تجربته الأولى مع الألوان، كان الأستاذ المسؤول في النادي فنان فطري أيضاً، صقل موهبته لينطلق فيما بعد في عالم اللون والظل والضوء والسماء ومفردات الحياة الواقعية. الاستمرارية في الرسم هي من ولدت لديه الخبرة والاحترافية. فانجذب إلى المدرسة الواقعية دون المدارس الأخرى ورسم الشناشيل البغدادية وذوي الحِرف العراقية الأصيلة ووجوه أهالي المحلة، فكان اكتسابه لكل هذه الاندفاعات الفنية بالفطرة، كان الإحساس يحركه ويعتقد أن الفطرة هي البديهية التي تحرك أنامله وعقله وإحساسه دون تدخل من جانب العلم المكتسب.

 

علاء اللامي

 

 

مِن الجنون ما يَقتل، ومِن الجنون ما يَجعلك تتسلى وتَلْهُو وتَلعب كما لم يَلعب طفل، لكن ليس الأطفال وحدهم يَلعبون، فهذا صاحبُنا سلفادور دالي SALVADOR DALI  أَقْسَمَ أَلاَّ يَسمح لنفسه بغير أن يَلعبَ، وأول ما قرر أن يَلعبَ به هُو شاربُه..

مثير حدّ السخرية أن يَكون للإسباني سلفادور ذلك الشارب الغريب الْمُعَلَّق أعلى الشفة بطريقة لافتة للانتباه حدّ التشكيك في سلامة ذوقه وفق ما يَقتضيه العرف ودِين العقل.. أليس من الباعث على الضحك أن يَتعلم أحدُهم فنونَ التخطيط على لَوحة مُحَيَّاه؟!

شاربُ صاحبِنا المسكون بحُبّ الجنون لَعِباً يجعل وجهَه بمنظر الشارب لوحةً تشكيلية سريالية.. ولا غرابة، فالرجُل سلفادور هذا ماذا نتوقع منه أن يَكون إن لم يَكُن حقيقةً قد رضعَ حليبَ السريالية والجنون..

1526 سلفادور دالي

لوحة إصرار الذاكرة للفنان سلفادور دالي

السريالية جعلت سلفادور دالي يُثير ذائقتك الفنية بما كان يَرسمه من لوحات تشكيلية قِمَّة في الغرابة، ومازالَتْ إلى الآن مَضرب المثل في رَسْم مَشاهد مِن الحياة بخطوط وألوان وأشكال وأحجام فوق واقعية على طريقة النموذج السريالي في الفَنّ..

لكن هل كان سلفادور يَكتفي بالإيغال في الحِسّ السريالي فَنّاً فقط؟! من المؤكد لا، والدليل القاطع الذي لا يَتوانى عن لَيِّ عُنُقِ الشك هو زَحْف الْمَدّ السريالي إلى الحياة الشخصية والواقعية لسلفادور..

سلفادور في حَدِّ ذاته يُمكنك أن تَقول عنه إنه لوحة سريالية متحركة، بدءاً من شاربه، مُروراً بملابسه التي كانت تَصدم بذوقها من يَتقاسم سلفادور معهم الزمنَ والمكانَ، وُصولاً إلى مواقفه وأحواله وتصرفاته..

تصرفات سلفادور الصبيانية دفعَتْه مراراً إلى مغادرة صفوف الدراسة بسبب الانطباعات السيئة التي كان يَتركها عند أساتذته نتيجة المشاكل التي كان يَتسبب فيها لزملائه أو تلك المقالب الباردة التي كان يُلَفِّقُها لهم..

أن تَستهويكَ الكتابة التشكيلية سريالياً، هذا أمر مفهوم ولا مَشَقَّة في قبوله، لكن أن تُجَسِّدَ اللوحةَ السريالية على شاكلة الكتابة الفنية بالجسد (جسدك) من باب التمادي في اللعِب، فهذا ما لا يَتفق معه عقل ولا منطق..

اَلْمَنْطِق هنا بَيت القصيد، لماذا؟! لأن سلفادور عُرِفَ بكسره لكل قاعدة ومنطق، فلا قانون يَضبط مزاجَه سِوى الجنون، ولا فلسفة تَكون لطريقه المصباحَ سِوى الخروج عن النص..

النص الغائب عن حياة سلفادور هو الحكمة، الحكمة بما تَفرضه من تخطيط سَوِي وما تَقتضيه مِن هندسة للحياة في مستوى التطلعات التي يَرسمها العاقلُ لنفسه..

نَفْسُ سلفادور كانت بأهوائها المتقلبة والخارجة عن نطاق سيطرة العقل السليم تَستدرجه إلى السقوط في مُسْتَنْقَع الألوان الغامضة للحياة، تِلك الحياة التي كان صاحِبُنا يُفَصِّلُها على مقاسات جُنونه الخَلاَّق..

عَظَمَةُ الجنون (وليس جنون العظمة) أَوْحَتْ لسلفادور بأن يَتَّخِذَ لشخصيته الخارجة عن التصنيف مَساراً يَتجاوز حدودَ الممكِن في الحالة الطبيعية، فالرجُل لم يَكُنْ يُخفي ولعَه بالمغامرة وصعود جَبَل الرغبة، وأيّ رغبة؟! إنها الرغبة المجنونة في الانقياد لسطوة الأفكار المجنونة..

الأفكار المجنونة التي كانت تَدور في فلك رأس سلفادور كانت تَرقص وتُغَنِّي، وتُرَفْرِف وهي تَرى رُؤيةَ اليقين كيف أن ذلك الربان المجنون الذي يَقود سفينتَها (الربان سلفادور) يُطيعها طاعةً عمياء، ويمتثل لأمرها مُسْتَسْلِماً بَاسِم الثغر والعينين، مهما رَمَاه الآخَرون بحجارة الجنون الذي لا يَغيب عن أبله أو سفيه..

هل كان سلفادور مُتَيَّماً بقراءة معنى الاستياء في وُجوه المحيطين به؟!

أم كان عقلُه يُصَوِّرُ له استياءَهم في صورة إعجاب؟!

أم كان يَشعر بنشوة التميز عن غيره بما يُحدثه في شكله من فوضى عابرة لحدود الجسد؟!

أم أنه لم يَكُنْ منبهراً بآيات الجمال في صورة التناسق أو التناغم الذي كان يُغَلِّف كل ما يُوجَد حوله؟!

لِنَقُلْ إنها لعنة الجنون وكفى، تلك اللعنة التي قد يَطيب لك يا صديقي أن تُسميها لعنة مقدسة، لماذا؟! لأن صاحبَنا سلفادور المسجون خلف قضبان سرياليته كان يَتَلَذَّذ بلعنة الجنون..

درس في الجنون يُعَلِّمُك إياه سلفادور مِن مدخل اللذة الفنية التي تُشبِعُها الممارسةُ السريالية، سواء في حدود الإطار التشكيلي للإبداع على الورق، أم على امتداد أرض الواقع التي لا تَنفي تأثر سلفادور بِـ «عَبْقَر» السريالية على مستوى تَجربة الحياة الشخصية..

هذا سلفادور، الفنان التشكيلي والمفتون بالصورة المجاوِرة عشقاً وممارسةً لصُنَّاع السينما، وأيّ صورة؟! لقد كان يُخطط لتجسيد صور تَتخلل مَشاهد سينمائية مُخْتَلَسَة من حقيبة الأحلام الْمُهَرَّبَة من بلاد اللامعقول..

في تجربة سلفادور يَتوقف الزمنُ، وتتعطل ساعاتُ الحياة، لكن هل تُصَدِّقُ يا صديقي أَنْ يَقوى سلفادور على تجسيد إحساسه هذا بذوبان الحياة؟! يَقوى يقيناً، ولهذا ظَلَّتْ إلى الآن لوحةُ «إصرار الذاكرة» التي رَسَمَها سلفادور وفق ما تَسمح به بنود المدرسة السريالية من أروع لوحاته وأكثرها جودة وشهرة..

إنه مَشهد قد لا يَتحقق إلا على سرير الحُلم، فهل تَصَوَّرْتَ يَوماً أن تَزورَك صورة كهذه في غير مدينة الأحلام؟! طبعاً لا، ولهذا يَشعر الرائي بعين التأمل بنشوة فنية قَلّ نظيرها وهو يُبْحِر في قراءة لوحة الساعات الذائبة تِلْكَ..

لَعَلّه من الحيف حقاً أن نَتَوَاطَأَ مع الباطل ضد حكمة الرجُل هذا، لماذا؟! لأن مَن يَغوص بريشته وأقلامه في بحر الإبداع التشكيلي بهذه الروعة وتلك الدقة لن يكون إلا سَيِّدَ الإبداع..

إنه جنون الإبداع الذي يَرفَع مًنْجَزَكَ في عيون مَن يُقَدِّرُ جمالَ الإبداع، جنون يَرتقي بك إلى معارج التميز مهما بَدَوْتَ للآخَرين غريبَ الأطوار فوضوي الشكل شارد الذهن تَحضر وتغيب كأنك الضوء الشارد الذي لا تُغريه محطة بين سماء الزمن وأرضِ المكان..

الفنان المبدع بحق والسابق بخطواتٍ ضوئية لزمنه لا يُقَدِّرُه إلا شبيه له أو مُتَذَوِّق لِفَنِّه بِعَينِ إحساسِ المجنون بإبداعه، لذلك كان من حُسْن حَظّ سلفادور أن يزفّ إليه القَدَرُ زوجةً متفهمة لمزاجه الإبداعي، ومن هنا كان من الطبيعي أن تُعينَه زوجتُه على جنونه..

زوجة سلفادور الروسية المعروفة بِـ «غالا» (مع أن اسمها الحقيقي إيلينا) قَدَّمَتْ له خدماتٍ جليلةً بسهرها على رعاية إبداعه وإدارة علاقات الترويج له، ولذلك كان من غير العدل ألا يَحزن سلفادور على موتها وقد تَرَكَتْه كالنخلة اليتيمة المشنوقة في صحراء قاحلة..

صحراء قاحلة هي الحياة التي مِن النادر أن تَجد فيها من يَشعر بشهوة رغبتك الإبداعية الجميلة ويَتعاطف مع خيوط إحساسك بما تُشَكِّلُه مِن فَنّ رقيق وعابر للقلوب الذَّوَّاقة للفَنّ الحقيقي..

بِرَحيل زوجته كان في انتظار سلفادور مَوْعِد مع الحُزن الذي جَعَلَه يَرى الحياةَ بألوان كئيبة تَقتل رغبتَه في الاستمرار بعيدا عن شمعة الأنثى التي كانت تُعَبِّدُ طَريقَه إلى النجاح..

زوجة مثالية تلك التي تَستجيب لرغباتك الدفينة وتُنَفِّذُ دون أن تَطلبَ منها، تُضيءُ غرفةَ حياتك وتُزَوِّدُها بما يَكفي من حرارة العاطفة التي تَتَّخِذُ منها أنتَ مَصْدَرَ طاقة، طاقة مُحَفِّزة على العَطاء ومُحَفِّزَة بالْمِثل على البَقاء..

ما جدوى البَقاء بعد رَحيل الغالية؟! هكذا نُقَدِّرُ السؤالَ الذي ربما كان يَسأله سلفادور لنفسه مراراً، لكن القَدَرَ كان رحيماً هذه المرة أكثر مما يُمكن لامرئ أن يَتصور، ببساطة لأن الحياةَ في قلبه غادَرَت حالفَةً ألاَّ تَعودَ..

كان سُكوتُ ساعةِ قلبِ سلفادور يؤذن بالرحيل إلى ما لا رجعة، وهكذا أَنْقَذَتْهُ أزمتُه القلبية من جحيم حياةٍ أَصْبَحَتْ قاسيةً بعد غياب نِصفه الثاني وتَوأم روحه..

بَيْنَ روح الإنسان وروح الفن مسافةُ صِفْر. لهذا لم يَطُلْ عذابُ سلفادور، وسرعان ما سكتَتْ ساعةُ حياته التي كانت تَذُوب شيئا فشيئا، إلى أن تَبَدَّدَتْ كُلِّيا فتَلاشَتْ معها صرخَةُ الحياة..

صحيح أن سلفادور قد رَحَلَ، لكن ساعاتِه الفنيةَ مازالَتْ حاضرةً بقوة، ساعاته تَشْهَد بها لوحاتُه الفنية التي طَفَقَتْ تَقول: مِنْ هُنا تَاريخُ عبقريةٍ مَرَّ، مِن هُنا مَضَتْ حِكاية..

 

بقلم الدكتورة سعاد درير

 

 

سامي عبد العالذات لوحةٍ قال الفنان الاسباني سلفادور دالي: "كلُّ ضربةٍ لفرشاة الفنان ناتجةٌ عن معايشةِ مأساةٍ يُعانيها ". كأنَّه يُذيب تجلط الآلام بالتقاط المستحيل باعثاً فينا روحاً جميلاً. ينطبق القولُّ على الفن المغموس في ظلام المآسي التي تكابدها الشعوب مع انكسار الأحلام الكبرى، كحال إحباط الشعوب العربية بعد جدب ربيعها العاصف. وأنْكي من الفشل أنْ يظل الفنان حبيساً لتفاصيله الموحشة أينما ذهبَ، لتخرج حواشي الخطوط والوجوه كطيَّات تشكيليةٍ في هوة اللوحة وتقلباتها. فدوماً خلال تحرر الشعوب، كانت الفنون التشكيلية هي الحاضرة في طليعة الحراك، هي الفاعلة ثورةً وأداةً ووصفاً ودموعاً وسخريةً وهذياناً.

اللوحة عندئذ وثيقةٌ مرسومةٌ بألوان سريةٍ. تحكي التفاصيل الدقيقة، ترسم الآفاق، توقظ الحواس الشغوفة، تحول الأشكال إلى طاقة متفجرةٍ وتثير آمال المتلقي كجزءٍ من أبداعها الحي. أي حين يتلقاها يجدها " عالماً فنياً " يجتذبه للإحساس المجنون بالحقيقة الأخرى دون الحقيقة، بالمعنى الآخر دون المعنى، بالإمكان الآخر دون الإمكان!!

ليس شيئاً عابراً - هذا اللجوء العاري الذي يعيشه السوريون - حتى يطويه الخيال، وليس شيئاً صلباً كي يجد موطأَ صوتٍ في صخب العالم. فهل وقفت بقايا المجتمعات العربية- إن وجدت- مثلاً أمام إنسانيهم الضائعة؟ هل اهتم أحدٌ بتضميد جراحهم ولملمة فوضاهم؟ إنَّ وضع اللاجئين الكئيب أشبه بالعدم في أوصال التاريخ الراهن للغسق السياسي. ولم يعدّ هنالك إلاَّ فضاء الفن الذي يجسد الأشياء على مسرح الدهشة. وكأنَّها أشياء لم تكن من قبل، تاركاً خطوطها الأثيرة على جسد اللوحات وراسماً مشاعرنا الدفينة التي لا يمكن إطلاق سراحها.

101  عبد الله العمري 1

ريشةُ الفنان السوري" عبد الله العُمري " بمثابة الخيال الغرائبي الذي صور واقعاً فاجعاً على نحو فذٍ. لقد أبرزَ الفنان المفارقة فيما يجري للاجئين السوريين: بأنْ رسم قادة العالم في نفس الحال المزري، في الوحل الذي أغرقوا داخله شعباً مشرداً. صَورَّهم الفنان العمري شخُوصاً رثة بتقنيات فنية وإنسانية وسياسية تبوح وتندد وتثور أكثر مما تُخفي. شخوص الرؤساء تقف هشة بريشة الفنان في طوابير الخبز انتظاراً للقيمات المجهول، حيث تعلوها الأتربة وتلتهما فوبيا المصير وينقشها غبار الأوطان وتتوزع نظراتها مع مظاهر الخوف.

101  عبد الله العمري 2الفن يدخل السياسة من الباب الخلفي لقلب منظومة القهر إلى موضوعٍ مفعولٍّ به على ذات الصعيد. أي أنَّه يُطَّهِر هذه البقع الآسنة من رواسبها حين يأخذ أدوار المقاومة الشرسة لقبح السياسات المفروضة على الإنسان. فتنشط دلالات الفن عند الحدود القصوى للعجز القسري عن الفعل. إنه لا عجز لدى الفن إلى نهاية المدى، لكونِّه عملاً يحمل المفاجأة الإبداعية باستمرار. الفن هو الخالق الآتي من أقاصي الحياة للثأر الناعم من قاتلي الإنسانية، من مشردي الأطفال، ومن مرملي النساء، ومن مدمري المجتمعات.

إنَّ اللوحات تبعث للمتلقي شعوراً بما قد يفعله الفن قصاصاً من الجناة. تعري هؤلاء الذين كانوا سبباً مباشراً في مأساته. هؤلاء الذين تآمروا ودمروا سوريا الوطن والحياة  باختلاف مشاربهم. قادة أمريكا (أوباما وترامب)، قادة روسيا (بوتين وسواه) قادة العالم العربي (بشار الأسد وأمراء النفط وسماسرة المؤامرات وتجار الكلام) قادة أوروبا (ميركل وساركوزي) قادة إيران (خامنئي وأحمدي نجاد وحسن روحاني وحسن نصر الله) قادة تركيا (أردوغان وغيره).

أكد عبدالله العمري - لشبكة " AJ " الإنكليزية- أنَّ ما دفعه لذلك كانت بمثابة ردة فعل شخصية على قصته كشخصٍ مهجر، وعندما تنامى الغضب داخله أراد أن ينتقم بشكل لطيف عبر الفن. ويقول إنَّه عبر لوحاته يمنح المتفرج الفرصة للتعرف على القوة الحقيقية للهشاشة. ويوضح أنه خلف "واجهة السلطة لا يتبقى لدى الديكتاتوريين شيء."

والفنان العمري من سكان العاصمة السورية دمشق، وقد درس الأدب في جامعتها. ثم ترك بلاده، في شهر سبتمبر ألفين واثنتي عشر، كي لا يجند بجيش النظام "بعد أنْ أصبح كل شيء فوضوياً "، متجهاً نحو أوروبا، حيث يعيش في بلجيكا. يقول العمري إنَّه كان يشعر في البداية بالغضب عندما يفكر بسياسي كبشار الأسد، ليلاحظ بعدها أنَّه من الأفضل قلب الغضب إلى قوة، التي من خلالها يجرد القوي من قدرته .وعُرضت أعماله في بريطانيا ولبنان وفي العاصمة الألمانية برلين وفي دبي1.

لكن هل تثير اللوحات الفنية فكرة العقاب أم أنَّه يترك الإبداع لاستدعاء الأصداء؟ هل يمكن اشهار الجمال أمام وجع القبح أم أن جماليات القبح تصبح جزءاً لا يتجزأ من طبيعة الفن؟ كيف يصل الفنان إلى أغراضه بأعمال فنية هي قيد التلقي؟ لماذا يكون الفن أبعد أثراً وخطورة إزاء واقع مأزوم؟ هذه أسئلة تشق الطريق نحو فهمٍ أعمق لخلفيات اللوحة الفنية.

أولاً: الأثر التعويضي بين الضحية والجلاد لون من الثأر الرمزي. فشخصيات الرؤساء مرسومة بحرفيَّة عالية الدلالة، حتى أنك تلمح مأساة اللجوء لدى القادة فعلاً، رغم حضور كيانِّهم المستقل عبر التفاصيل.

ثانياً: صحيح الشخصيات مختلفة إلاَّ أنَّ الفنان عبد الله العمري لا يغفل القضية الأساسية: كشف ويلات النازحين والتعبير عن معاناتهم.

ثالثاً: تداخل السياسي والفني غير مرئي، لكنه فاعل عن كثب في اللاوعي. اللوحة تحرر المتلقي من قيود الواقع، من القهر الذي يعيشه تاركاً العنان لتداعيات الملامح والأحوال. وهي ناشطة في فضاء اللوحات بشكلٍّ يكاد ينطق بالمسكوت عنه.

رابعاً: كشف القبح بواسطة المتورطين فيه هو فعل باقٍ طوال الوقت. وربما العمل الفني أشرس من الواقع ذاته. فهو قابل للتلقي بقدرات الفن الابداعية وطاقات التأويل دون حدود.

101  عبد الله العمري 3

خامساً: اكتفاء اللوحة بذاتها لا يتم إلاَّ بعدم اكتفاء الواقع بذاته. لأن الأخير قميء وتنتقل أشباحه إلى لوحات هي الصورة الفاضحة لشخصيات معروفة. أوضح العمري لموقع "بينتو" الألماني: أنه لا يريد تجريدهم من السلطة، كي يشعر على نحو أفضل، بل الأمر متعلق برغبته في "جعلهم بشراً مرةً أخرى"، كناية عن تجريدهم من الهالة المرسومة حولهم، في كونهم غير عاديين.

101  عبد الله العمري 4سادساً: دلالة اللوحات الفنية تمثل " لعنة " تحل بالقاتل. وهذا تصور انثروبولوجي قديم تعبر عنه ريشة الفنان. فروح الضحايا تلاحق الجاني طوال الوقت. لقد جسدَّها الفنان بهيئة كاملةٍ، القادة كيانات فنية تتحرك بشخوصها الأصلية. بل جعلهم الفنان عنصراً تراجيدياً لوضع مؤلم. وكأنَّ المتلقي سوف يتساءل ماذا لو كانت الدول التي أسهمت في أزمة سوريا تعيش الأحوال ذاتها؟ الإجابة سريعة بمجرد النظر إلى اللوحات!!

سابعاً: يشتغل فضاء اللوحة على الحكي الذي يسرد نوعاً من العدالة المضمرة. فلنتخيل لو تساءل إنسان ماذا حدث؟ وما مصير هؤلاء اللاجئين؟ فالقادة كلاجئين جدد هم النتيجة التي تحقق العدالة.

ثامناً: أسست اللوحات لقوة الهش والمهمش والمقهور، فالبطل لم يعد هو الرئيس الفاعل إنما  هو إنسان ضائع رغم أنه في حال اللجوء لا يملك حتى حياته الخاصة.

تاسعاً: هناك مغايرة لصورة القوة الدولية. فهل الرئيس هو اللاجئ أم هو الديكتاتور السابق.  إبقاء الشكل المبدئي للشخصية حتى النهاية حيلة فنية لخلط الحالين. بحيث يقنع صاحبها ماذا سيجد لو كان لاجئاً وكذلك يقنع الضحايا بالتطلع إلى حياة كريمة وتحرير وطنهم.

وفي هذا  أشار " عبدالله العمري"  إلى إنه يرغب من خلال لوحاته هذه في التمكن من تصوير كيف ستبدو " كبار الشخصيات " إن كانوا مكاننا نحن السوريين، كيف سيبدون لو كانوا في موضع الفقراء، واللاجئين والمهجرين!!

إحدى اللوحات تحتفظ بالملامح الأمريكية في شخص ترامب. وقد أشارت حالته إلى مأساة التشرد هرباً من الخراب. ومع رتوش الرسم يحس المتلقي كأن الخَطُب جلل وأن الموضوع ليس مصادفة، لأن الوجه (وجه ترامب) يعكس ما فعلته قواته بكل لاجئي العالم. حيثما توجد قوات أمريكية يوجد لاجئون، يدمرون منازلهم ويحصدون غنائم دولهم ثم يلقون لهم طعاماً وأغطية بالطائرات.

وها هو الموعد يأتي فنيَّاً لنرى ترامب يحمل حاجياته المهلهلة على ظهرة رافعاً ابنته فوق كتفه ولا يملك من حطام الوطن غير صورة العائلة. بينما تأخذ خلفية الصورة ألوان الصحراء الدالة على الموات الغائر بين إحساس المتلقي بالواقع وما ستؤول إليه الأمور. وأنَّه لا عودة إلى الحياة بعدما انطفأت الأشياء. فهل سيعود الفارُ من الموت إلى قحط الصحراء كمن يستجير بالرمضاء من النار؟

101  عبد الله العمري 5

المفارقة كون الرئيس الأمريكي اللاجئ يحمل كيساً هو كل طوق النجاة بعدما كان مهيمنا على الأحداث. الكيس رمز الاحتفاظ المخيف بأي نوع من الحياة في شكل طعامٍ أو كسرة أمل. أين ذهبت السلطة؟ أين القوة العسكرية المُرعبة؟ أين الثروات الضخمة العابرة للقارات؟ لا شيء من هذا على الإطلاق. ويقف الفنان كأنَّه يشكل أقدار العالم ويجرد الزعماء من أنيابهم القاتلة وليذيقهم بعضاً مما صنعت أيديهم.

تبدو الفكرة بارزة حين ننظر إلى لوحة باراك أوباماً، ملامحه لم تفلت من العوز والضعف الإنساني. جاء معجوناً بالخراب الذي لحق بالشعوب وذاق الافقار والإجهاد، وانحنى نتيجة الحمل الثقيل الذي يتلاعب بظهره كما تلاعب هو بظهور المعدمين. ثم كان انتصابه وقوفاً باللوحة اعترافاً وجهاً لوجه بمصير لهذا الحال. ولا يغيب عن المشهد هذا الامتثال في الصورة من قبل أوباماً كأنَّه يقر بحقيقة الحادث له. وتناولته الألوان بقسمات المستكين جراء المعاني الإنسانية التي تلهب إحساس المتلقي.

101  عبد الله العمري 6أما بشار الأسد، فقد جاء بصورته غارقاً وسط البحر، يقف بالكاد داخل المياه حاملاً فوق رأسه مركباً ورقياً.  مركب لا يجدي فتيلاً وسط أهوال الدمار الذي سببه لدولته ومع عمليات القتل وهدم القرى والمدن. والمعنى أن الرئيس نفسه قد غرق حتى أذنيه وعلاه الخراب وتمزقت ملابسه وضاعت هيئته.  إن الطوفان الحرب هو الذي شارك فيه ورعى قمع الثورة حتى نال منها.

المركب الذي يحمله الأسد فوق رأسه مجرد هوام ورقي لا يجدي نفعاً. ولأن نظامه القاتل غير مجدي. وقد يشير المركب إلى بقايا سوريا الدولة، أصبحت مجرد شراعٍ ورقيٍّ والنجاة التي تبشر بها لا تحتمل أيَّ فعل. وبإمكان أية مياه تمزيقها كما لا تقوى على حمل الوطن إلى بر الأمان. فضلاً عن أنَّ المركب قد يشير إلى الوطن الذي يتصور الأسد أنه يخرج به عالياً بينما هو وطن ممزق ومفتت ومتحارب حتى الموت.

ويأتي أردوغان في لوحة تعود به إلى كونه شيخاً يدفع بحاله الضعيف إلى الواجهة. و المعروف أنَّ غطاء الرأس يميز الإسلاميين غير أنَّه مفتوح الملابس لينال منه الإهمال كثيراً. وبوجود اللحية تقفل الدائرة التي تحيط بسورياً حين يراقب أردغان الأوضاع مسلحاً المعارضة الإسلامية ومؤَّمنا طريق الامداد والخروج والعودة لهم. وإذا جردنا اردوغان من سلطته لن يكون سوى شخص له رأس ولحية وصدر عار وانحناءة واهنة تستجدي المارَّة.

وفلاديمير بوتن العنيد ترسمه اللوحة طالباً المساعدة من العابرين. قد ظهر غائماً منهكاً يجتاحه العوز حتى وإنْ غرِب عن المشهد. فهو خال الوفاض من أية قوة وبات مهمشاً دون حول ولا إرادة. ولم يعد له إلا التسول على قارعة الحياة. والكتابة التي يحملها عبر لافتة إنما تدل على وهن وجوده لدرجة كونه لم يستطع رفع صوته. والملاحظ أنه جاء رجلاً طاعناً في السن ذا شعر أبيض وتجاعيد منهكة وعيون زائغة. وهذه دلالة أكبر من اللوحة والمشهد تجاه إشارة ذكية إلى كون روسيا دولة عجوز تقع تحت قائمة طويلة من العقوبات الأمريكية.

أما اللوحة الأعمق تعبيراً فهي لوحة يظهر فيها الفنان العمري وأمامه طابور من الدكتاتوريين الذين ينتظرون بقايا الطعام واشباع شأفة جوعهم. يظهر الفنان وهو منهمك في اتمام الرسم واضعاً الرؤساء ضمن قائمة طويلة من الواقفين. وتبدو القدرة الفنية على معالجة الأثر الفالت من قبضة الوعي المباشر، حيث يكون على الرؤساء ابداء الخضوع لما ينتظرهم كما خضعَ اللاجئون عنوةً لذلك. لقد حرص الفنان على وضع إنسان عادي في أول الصف لتأكيد إنسانية المشهد واتمام الدلالة إلى غايتها. ووجود الفنان بالمقدمة بمثابة المعالجة التي تتحكم في المشهد لخلق الأبعاد والرمي نحو مأساة السوريين المشردين.

كما أنَّ وجود الفنان في وجه اللوحة يطل على الواقفين. أخذ مكان مصدر تلبية احتياجات المنتظرين وإغاثة الجوعى. فالفن أصبح هو مصدر الغذاء الروحي لانتظار المصير المجهول وابداع الحياة مرة أخرى. وحين يمارس الفنان لمسات لونية فكأنما يعطي الرؤساء قبلة الحياة المفتقدة، أي يلامس ضعفهم الهش أمامه بدلاً من كونهم هم المستبدين الذين لم يسمعوا يوماً استغاثة الأطفال وصراخ الثكالى والشيوخ أثناء قصف المدن السورية.

وتبلغ قمة دراما الفن التشكيلي ذروتها حين ندرك وجود لوحتين في لوحة واحدة، مما يضاعف مستويات الحياة ويجعل الصراع فنياً سياسياً. فالفنان ممسك بقدر اللوحة والتصرف فيها بينما السياسيون لا قيمة فاعلة لهم. وقد نقل المشهد إجمالاً مساحة الهامش التي يحتلونها ليس أكثر. وكأن الفنان يختزل العالم إلى نوع من الاعتقال الفني للديكتاتورية تحت الشطب. وقد أصبح رموزها (الرؤساء) كائنات منزوعة السلطة. ولو أنَّهم قد رأوا أنفسهم في تلك الوضعية لكفوا عن تدمير الأوطان والتآمر عليها. لكن الثأر ههنا ليس عنيفاً، ليس انحرافاً خشناً، ليس دموياً. إنه ثأر إبداعي بدون ضحاياً، بدون ألمٍ. هو قوة " محو وشجب " لا ينتهيان، يظلان يمارسان دورهما حتى بعد غياب المشاهد.

 

سامي عبد العال

........................

1- لمزيد من التفصيل ولد الرسام والمخرج السوري عبد الله العمري في دمشق عام 1986. تخرَّج العمري عام 2009 من جامعة دمشق، وحصل على شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي وعلى معهد أدهم إسماعيل للفنون البصرية. خلال دراسته عمل في العديد من أفلام الرسوم المتحركة وسلسلة افلام الفيديو " الوصية الحادية عشرة " وهو فيلم من إخراج المخرج السوري موفق بركات. وشارك في مهرجان دمشق الدولي للسينما 2010. وقد برز العمري في العديد من المعارض والمهرجانات في لبنان وسوريا بما في ذلك ثلاث سنوات متتالية في الصالون السنوي الشباب عام 2011 مهرجان الرسوم المتحركة الدولية في المركز الثقافي الفرنسي في دمشق حيث حصل على الجائزة الثالثة. وشارك في مهرجان دبي 2012 " محفوفة العاطفة"، ركز العمرى في لوحاته على تراكيب القماش ومعالجة حالات نفسية معقدة مع الحفاظ على عمق الجمال من خلال تطبيقه التصويري الواقعي وكفنان متفرغ في معرض كمال بدمشق قام العمرى بالاشتراك مع غسان السباعي وفؤاد دحدوح في ورشة عمل جديدة. عُرضت لوحاته عام 2012 لأول مرة في مزاد صغار مقتني اللوحات الفنية حيث حصلت لوحاته على الكثير من الاهتمام والتقدير.

راجع الرابط التالي لمنتديات ورد للفنون:

https://www.ward2u.com/showthread.php?t=18658

 

 

سمر محفوضأحمد الصوفي فنان سوري تشكيلي وإشكالي بامتياز، يدفعك للشغف والإرباك كمعادلة جديدة لاكتشافاته على مختلف الأصعدة يمتلك دفة الأفق والاتجاه، يحملك إلى مشارف الدهشة والترقب لتكون بمواجهة ما مع تجربته المتميزة، حيث استطاع أن يجد لنفسه مكانا خاصا في الوسط المليء بالمتاعب والألغاز والجماليات أيضا، منغمس بمشروعه الإبداعي عبر بحثه الدائم عن مفردات لونيه بالفن التشكيلي وخاصة التصوير الزيتي ..تنوعت أعماله فى التصوير من الواقعية إلى الواقعية الرمزية إلى التجريدية -يختار موضوعاته وينفذها بمنتهى الجدية، مشحونا دائما بالاحتجاج ورفض القهر الاجتماعي والشخصى،، ينبع أسلوبه الخاص من طبيعته ومن رؤيته الخاصة للموضوع الذي يعبر عنه، يتميز بشخصية فنية واضحة ترتكز على الجدية والإخلاص - دفاتره كل شيء الورق والتراب والمساحات البيضاء للغيم يهوي بك بضربة ضوء قاصمة إلى سواد كفيف، بباطن كفه او لوحته حيث لافرق بينه وبين مخيلته أو يده، وهو الذي أكد أن لا حافة للإبداع او قمة تستكمل بعدها التجربة فضولها للاكتشاف ..

100  احمد الصوفي 1بل تنتهي تجربة الفنان بانتهاء حياته والتجربة لا تكتمل بل هي في نضج متوالي، فالمنجز الإبداعي عنده عمل فردي يتطور باستمرار، يحملك عبر منعرجاته الى مناطق خطرة، ممسوسا بالتوهج على جغرافية اللوحة حيث يتلامح البعد الثالث المتعلق بالعمق كقيمة جمالية مبنية على المعاينة، فيما تُشكِّل هذه الأخيرة أساس فلسفة الفن الحديث والمعاصر -اغلب لوحاته المنفلتة من الإطارات على شكل رسالة مبطنة بان السيل الذي يسكنه لاتحده الحواجز يعتمد التجريب منهجا للابداع، واللوحة لديه تحمل مستويات عدة، وكأنها أنجزت على مراحل بالرغم من وحدة التشكيل واللون والفكرة، ينقل محتويات مخيلته على السطح الأملس للعمل فيعج الفراغ بالسكينة كما بالفكرة، على اعتبار أن الفن هو انعكاس لروح الفرد والمجتمع، ربما لهذا السبب بالتحديد كانت التعبيرية التصويرية-النزقة- هي الأقرب اليه منهجا ضمن تناغمها العميق.. واختزالاتها التي تمنح مساحة مناسبة للانفلات من قيود الوعي ليقدم لنا هذا الاستبصار الجمالي الاستثنائي.

‏ الأبيض \ الأسود - نضج المقولات الداخلية

100  احمد الصوفي 7

عكس الكثيرين ممن اشتغل على تناقض الأبيض \اسود كان الصوفي متفائلا بأسوده الدال على الطمأنينة، والسكينة، والدعة -تزامنا مع أسئلة عديدة تطرح عن تحولات العصر، يميل إلى تقطيع لوحته إلى مقاطع عرضية وطولية متوازية في اللون، وذات انسجام ممتع في تدرجاتها النغمية والتشكيلية...حيث يمكن ان نطلق عليها" نضج المقولات الداخلية"، والتأمل ..قد لايهتم الصوفي بمدى قدرتنا على فهم/ وعي، الارهاص الفني لان اللوحة عنده فضاء للتجلي ولا تخفى النزعة التجربية، إن على مستوى اللون، أو على مستوى الموضوع، وهو غير منشغل بالتبسيط والحياد أبدا بل فارس نور أدواته الضوء واللون، الأسود لديه بوابة زمنية لاجتياز التداخل بالعماء المطلق، والأبيض انعكاس لجميع الألوان، تشف تشكيلاته عن كتل أجساد متداخلة، متحدة بقلق وترقب، كأنما هي رؤية للعالم المتفتت، قوامها التشتت حول الفكرة الواحدة،.. هذا التوظيف الفني المتفرد لمساقط الضوء والظل الذي تجاوز التركيبة الأحادية لكليهما ليصبح أكثر تمثيلا، وأوسع أداء لمعنى التشكيل الجمالي – الدلالي، .. عن تجربته والحرب، (يقول لازال لدينا سنوات طويلة لنتمكن من رؤية الحرب بمنظور آخر وعقل أكثر كثافة وأقل تشنجاً.) تلك بعض آيات اللوحة عند الصوفي، لوحة تقرأ الحياة، لوحة ترسم الحياة.وانعكاسات الضوء والظل بما يحمله الواقع من هذه الحديّة، يفكك المشهد ويعيد صياغة الأشياء واقتناص الأثر الإنساني من خلال التكوين البصري كتكثيف الحياة ..

100  احمد الصوفي 2

الايقاع اللوني وتدرجاته

لم تتوقف ألوانه عن نقل الحدث او التهويم ليخط هرموني اللون الداخلي ومكنوناته، أسهم في هذا التأثير الحضور اللوني اللافت لدرجات الترابي المائل للأحمر في درجاته الأكثر مكرا وشفافية، ودفئا، مع تجاوره اللوني بالرمادي في لا مركزيته مما منح الأصفر مزيدا من الانتشار ممثلا بالبعد الاقصى للتكوين ومفسحا المجال لتناغم منتظم ببعد فلسفي فكري.، وبالبحث والاكتشاف الدائم على صعيد الأسلوب والتقنيات، .مستشرقا عبر اللوحة عوالما قيد الانجاز في عصر ينحدر بسرعة نحو التغول والتوحش.

100  احمد الصوفي 4

بطاقات الوجوه المحو والتجسيد

من الملاحظ عند الصوفي حين يرسم الوجوه المجردة وهي المرآة الحقيقية لما يحمله الإنسان من وعي وثقافة وحزن وفرح وأمل، الاهتمام بالتفاصيل والتقسيم لشرائح كل جزء يحكي تاريخا مرسوما بدقة عبر التقاطيع، ومن الملاحظ أيضا غياب الملامح حين يريد رسم الجسد كاملا وكأنما لا ضرورة للملامح فحركة الجسد هي الأصل وهي المعبر العميق لكافة التفاصيل، من أدق خطوط انكساراته حتى انضج تكوراته المغوية، يعرض وجوه، هي في الغالب لرجال ونساء، بدون ملامح في إسقاط عن مرحلة محددة، تضع ذواتنا بمواجهة محو معلن، في تحريض الدلالات وإثار الأسئلة، ليعيد طرحها وجوه أبطاله وكأنهم من قلق يغسله الدمع كل صباح.

100  احمد الصوفي 3

الزمكنة والتأمل كحامل جمالي

يحرر المشهد من أسر الظرف الزماني والمكاني.. في تجاوز للإرادة نحو التأمل.ولان أن الفنان هو أحد أهم عناصر الحالة الجمالية، لإعادة صياغة العناصر برؤية جديدة مبتكرة.. يبدأ من رغبته بإنكار اليقين، وبحثنا عبر المحتمل. ليقود اللحظات المنبثقة من هيكل الهيئة إلى حضور بصري، مستخدما تقنيات الاكرليك والألوان الزيتية والكولاج ناقلا أرواح شخوصه ضمن عوالمها الداخلية وتفصيلات انفعالاتها عبر الإيحاء وهو بذلك يشير أن لا تركنوا للمشهد ولا للشخوص فهي تتغير بسرعة مرعبة، . معلنا أن لا إيديولوجية لديه تسيطر على آلية الفن، عند تجليات وتعبيرات، التشكيل وما يعايشه والفنان، في وجوده، وتجاربه الانفعالية، كاختبار فردي نقوم على تبينه في إنتاجه بوصفه تجربة، نعتمدها وفق منطلق التلقي المستقى تحديدًا من فكرة التذوق، من جهة، ومن الجمالية الحديثة، بمفهوم التجربة في الفن من جهة تالية، لنؤكد أن الفنان - الصوفي ابتعد كثيرًا عن التشخيص، ولم تعد عنده اللوحة إظهارًا للمرئي، بل باتت مقطع رؤيوي يجمعه بما هو خارجه، كبيان تأملي هو وجهة نظره في وصف العالم، باعتباره واصف حيادي للعلاقة التي تنشأ بين الجزء والكل، . ما يجعل من التجربة والتجريب فعلًا جماليًّا وفرديًّا بمعنى ما بوصفه ممارسة وتعبيرًا ومنتهى وفق ما يصل إلينا، عبر تذوقنا، لا وفق شهادة صنعٍ مسبوقة.

100  احمد الصوفي 5

المراة \ جماليات التكوين والرمز

هي معادلا موضوعيا لتحقيق التوازن، والجسد الأنثوي يحتل حضورا فارقا في اللوحة، وفي حرارة الألوان وتجانسها المشبع بالرمزية الخالصة ليتدخل وعي الفنان بكسر الرتم وتبسيط الخطوط، التي حفلت بالخيال مع أنوثة طاغية مستلهمة من المرأة الخلق، والزمن الفقد، والتكوين بالفضاء التالي، حيث استمرار التوالد والتخليق وتوغله في الفنون البصرية منتقلا للتجريد كحامل لوني في مساحته المضاءة والمعتمة أيضا، وصولا إلى المناخات المستعصية في براعتها وسهلة القراءة في رسالتها التشكيلية. ليس سعيا للاختلاف، بل وصولاً إلى بلورة المعاني العميقة، في تشابك يزداد نضجاً مع تنامي التجربة.

استقلالية التحفيز والذاتية

بين الانشغال بالهمّ العام والشخصي والعمل على الخلاص منه، .كل ما لديه عبر اللوحة يشدك نحو غواية الغرق، اللوحة لا تدعوك بل تحفز المخيلة للنزول الى دوامات اللون، امعانا في التحريضٍ على المزيد من الايغال والافتتان. انكسارات، منحنيات تكعيبات تداخلات طولانية وعرضانية للون تماهي، وتصدع، تراكيب، تهاويم. كلها هوامش تالية لفكرته -الفنان إما أن يكون فنانا، أو لا شيئا على الإطلاق..وفى حالة كونه فنانا عليه أن يتحمل كل شيئ.. فتجربته ذاتيه ومستقله ولا يمكن لأحد أو لقوه التدخل فيها -والفن لديه رؤيا جمالية وبدائل لفساد الروح، معتبرا أن المواجهة مع سطح اللوحة هي البحث عن نقاط الإرتكاز لكى يتصادى الإيقاع وتنفسح محدودية المكان. فى ملامسة لافحة الضوء.. تتجاوز وتتصالح فى هدوء .. وتصطخب فى أطوارها كائناته فلا تحدها قيود ولا حدود.. الأداء المراوغ والمشاكس .. يرسم بحب وشوق وتوق وعنفوان وتمرد وصخب والحركة الكامنة .. تجمع بين الصمت والسكون لكثافة العناصر وثقلها .. والتي تؤكدها الحركة الدائرية للضوء .

فى تحديد الشكل والكتلة ..

استلهم الفنان مفرداته من الخيال مرة ومن الواقع مرة أخرى، حيث لا مثيل لتلك التهويمات اللونية إلا في عالم خاص، يعمل على تجريد المشهد ثم بعد ذلك نلاحظ ان الخطوط تتناغم بموسيقى الإيقاع الداخلي.. وكثيرا ما تحيلك الرموز إلى معان مجتمعة أو متفرقة في سيطرة، على مجريات تدفق اللون عبر السطوح البيضاء. حيث الخوض فى تفاصيلها الدقيقة المتواصلة. يحيلنا إلى الخلق الأول بألوانه التربية متماهية العمق لتأتي اللوحات خالية من أي صخب تشكيلي، وذات منحى تصميمي يعتمد التقشف الانفعالي، مقابل ثراء شديد على المستوى الإسقاطي.. محققا بذلك نتائج وتأثيرات مختلفة تضافرت فوق مساحاته العناصر بالعفوية الخاصة، من هنا يصبح العمل هو كل المساحة باعتبار الفراغ المحيط جزء آخر من العمل أو عامل مكمل للشكل، حيث لا يمكن الاكتفاء بالمساحة الملونة المحدودة ب ومحتواها بل المساحة الكلية.. إذ يعد الفراغ المحيط بلون السطح أحد عناصر التشكيل والتلقى على حد سواء.. هذا الاختبار الصعب، وإن يبدو بديهيًّا للغاية فهو شائكًا وجدا، حتى لا أقول إشكاليًّا’متعدد الشواغل والتجليات..لان عمق التجربة وتأصيلها مرتبط ارتباط كلي بحجم الجهد والإصرار وتكثيف الحوار الداخلي، وصولا إلى منطقة الصدع او الانجراف ومن بعدها التسامي والشغف، وهو باختصار التصالح مع موضوع اللوحة ليؤكد أن الفن بالإجمال هو سابق للحدث ويتقدمه بخطوة او خطوات، هذا اذا ما آخذنا بعين الاعتبار أن الفن يستشرف الواقع وينبئ بالمتغيرات.

100  احمد الصوفي 6

التجربة جماليّا من دون تبني مقولاتها، الإيقاع اللوني والشكل

الهرموني اللوني والشكل هو السمة الغالبة على أعمال احمد الصوفي في التشكيل الذي اعتاده وتألق به كحالة توهج تسكنه، وتلح عليه وسائط أخرى لإنتاجً بصري، مشغول بجزيئات اللون وتفاعله، يخلق أشكاله بتلقائية ويملك قرار تشظيه على سطح العمل ضمن تجسيد متعة النقل من الذاكرة، وتجلي كثافته وعمقه حسب رغبة تكوينات اللون بوصفها مولدًا حيويا، لتجربة داخلية، تتيح، جمالية لتشكلات مبنية على المعاينة، فيما تُشكِّل هذه الأخيرة أساس فلسفة الفن الحديث والمعاصر، بما فيها الفن العربي الجديد نفسه، وهي اكثر فاعلية في تحقيق ما يصبوا إليه من من منجز زيتي على سطوح الفنان أحمد الصوفي بحيث يعمل على أنسنة المنجز البصري في هذا الحقل الجمالي المهم، والذي يُسهم في صياغة الرأي الفني وبناء التفكير البصري. كموضوع على قدر كبير من الجمالية. وقد نالت أعمال أحمد الصوفي اهتمام دولي على هذا الصعيد ما دفع الخارجية الروسية إلى اقتناء إحدى لوحاته، كما تتربع لوحة أخرى للفنان في القصر الجمهوري اللبناني.

وجهة نظر تجاه الحياة والفن

الفن التشكيلي هو وحدة الفنون العضوية والمتابع لتجربة الصوفي سيلاحظ مدى التنامي بالعمل من بدايته التى تجردت من الصنعة والافتعال إلى اليوم حيث غدت عبر امتدادها أكثر تبسيطا وقوة ودلالة وفهما لآليات التكوين واللون فى محاولة جديدة منه لتحقيق خصوصيته ضمن عناصره التى اختارها، وتوظيفها بطرائق مختلفة، ويشدد الفنان التشكيلي أحمد الصوفي على حرية الفن قائلاً أنا مع الحرية في الفن، والتي من خلالها يطرح الفنان أفكاره المدنية العلمانية بعيداً عن الاصطفافات ذات الطابع الفئوي أو الحزبي أو السياسي ).والفنان بنظر الصوفي يعمل لأجل الإنسان بكل ألوانه واختلافاته الفكرية والبيئية ويعالجها بأسلوبه.

بطاقة تعريف

الفنان التشكيلي أحمد الصوفي مواليد 1969الجنسية: سوري \خريج كلية الفنون الجميلة بدمشق \1999\ قسم الرسم والتصوير الزيتي \عضو اتحاد الفنانين التشكيليين في سوريا

المعارض الفردية: المركز الثقافي العربي في إدلب 2010\ غاليري النهر الخالد في حمص 2010 \ في غاليري زمان في بيروت 2008 \ في صالة الفنون الجميلة بحمص أعوام 2003- 2004-2007 \في صالة نقابة الفنون الجميلة في اللاذ قيه عام 2004

المعارض الجماعية: معرض خريجي كلية الفنون الجميلة عام 1999 \ معرض خيري دير الآباء اليسوعيين في حمص 1999 - 2009 \معرض الخريف في نقابة الفنون ي حمص منذ عام 2000 حتى 2007 \ معرض في برج السباع الأثري في طرابلس لبنان 2000 \ معرض الفنانين التشكيليين في سوريا من عام 2001 حتى 2007 \معرض الشباب في سوريا أعوام 2002- 2003 \ معرض الربيع 2002 حتى 2007 \ معرض في غاليري زوايا أعوام 2003 - 2004 \معرض في وارسو مع مجموعة فنانين بولونيين عام 2019\ ملتقى أهدن في لبنان عام 2004 \ فناني من حمص النهر الخالد في حمص 2009 \اللوحة الصغيرة نقابة الفنون حمص 2009 \ملتقى الفن العالمي في اليونان (باترا) \ملتقى الواسطي الدولي للفنون في العراق

 

سمر محفوض – سورية

شاعرة وناقدة

 

 

علي حيدر الحساني الخطّ العربيّ نور أضاء في هذا الوجود وأشرق في هذا الكون فهو الممثّل لكل لوازم الإنسانية والمعبّر عن مشاعرها والممثّل لمعانيها والمسدّد لتعبيراتها والمؤكد لحقوقها والموضّح لمرادها أينما ظهر بهر وأينما زُرع أثمر، فكان زرعه في بلاد العرب التي تلقت الكتابة وهم على حالة من البداوة فالعرب أمة غير كاتبة ضاع تراثها ولولا الشّعر سهل الحفظ لم تبق لهم باقية، حتى شاعت عبارة (كل علم ليس في القرطاس ضاع).

ولم يكن لدى أمة العرب من أسباب الاستقرار ما يدعو إلى الابتكار في فنّ الخطّ الذي وصل إليهم، ولم يبلغ الخطّ عندهم مبلغ الفنّ إلاّ عندما أصبحت للعرب دولة تعدّدت فيها مراكز الثقافة، ونافست هذه المراكز بعضها بعضاً على نحو ما حدث في الكوفة والبصرة وبغداد والشام ومصر فاتجه الفنان نحو الخطّ يحسّنه ويجوّده ويبتكر أنواعاً جديدة منه، حتى أصبح فنّ الخطّ العربيّ فناً إبداعياً لم ينل عند أمةٍ من الأمم أو في حضارة من الحضارات ما ناله عند العرب والمسلمين .

 ماهي العوامل التي ساهمت في تطوُّر فنِّ الخط العربي وازدهاره وانتشاره؟

هذا سؤال طرحته في الفضاء الألكتروني (فيس بوك) لأصدقاء الصفحة وجلّهم من المتخصصين والمتذوقين والمهتمين بفنون الخطّ العربيّ فكانت الأجوبة التالية:

 يرى الخطاط المغربي والحروفي الأستاذ محمد نبيل الرقيبي أنّ "الحب والثقة" هما من ساهما في تطوّر فنّ الخطّ العربيّ .

في حين يرى الخطّاط والمهندس العراقي محمد الزكي :الإتقان اللامتناهي وتعدد المدارس هي من ساهمت في تطوّر فن الخطّ العربيّ .

وكان للناقد الفني الفنان التشكيلي الأديب محمد لقمان الخواجه رأي وإضافة متنوعة حيث كتب :

الاهتمام الزخرفي جاء بديل عن الاهتمام بذوات الأرواح في الفن الإسلامي وبما أنّ الزّخرفة واحدة من مزّوقات الخطّ العربيّ، فشمل التطوّر الخطّ ومذاهبه المدرسية التي ظهرت بعد الخط الكوفي غير المنقط فالحاجة بدأت مع النسخ والكتابة التي هي بمثابة الطباعة .

تطوّر فن صناعة الكتاب في القرن السابع الهجري مع مدرسة بغداد للتصوير على يد الواسطي الذي صوّر مقامات الحريري وهي مرحلة نضج للخطّ، وكانت حاجة كتابة الدّواوين الحكومية ليتناسب مثلاً معها الخطً الديواني .

ابن مقلة وضع مقاسات لخطّ الثلث مثلاً وتصرّف بضوابط خطوط أخرى وأدخل معها قواعد الخط الكوفي، ابن البواب الآخر دوّن ضوابط للأنواع من الخطّ العربيّ .

وتابع الخواجه: في الكتب تطوّر فنّ الخطّ منذ عصر التّدوين في القرن الثاني الهجري وتطوّرت معه المنمنمات وفن التجليد وصناعة الكتاب كما اقترن هذا التطوّر بظهور المذاهب منها المعتزلة، وتدوين كتب الجاحظ بنفس القرن وهو معتزلي، حتى ظهور الحركات وضبط النحو ظهرت كتب خاصّة بالخطّ العربيّ وأوزانه وكتّابه وماشقيه، كما دوّن القرآن الكريم كأول ضابط للحركات ودراسة القراءآت السبع، مشكلة جمع القرآن الكريم ظهرت بعد حروب الرّدة الحرب مع مسيلمة، حيث قتل الكثير من حفظة القرآن الكريم الّذي كان بالمشافهة فقرّر عثمان بن عفان الخليفة بجمعه وتدوينه وتوحيده بلهجة قريش خارج عنعنة وظئظئة وتاتئة القبائل وحفظ قراءآته الصحيحة التي رضا عنها النبي الكريم .

واستدرك الخواجه قائلاً : التطوّر الآخر في الاختلاط فمثلاً في بلاد فارس اكتسب الخطّ العربيّ ثلاثة خطوط والرابع حديث معاصر، التعليق أو الفارسي

النسخ تعليق وخط الشكسته، كما أخذ من الأتراك في الفترة العثمانية الطرّة أو الخطّ الطغرائي، أما الفارسي المعاصر فأقصد الخط المعلى.

ثمّ أخذت التّسميات المحليّة تتفرع في الخطّ الكوفيّ المنقوط، الكوفي المغربي، الغرناطي، الكوفي المظفور وووووو .

وكتب الخطاط مهند فاضل أستاذ الخط العربي في معهد الفنون الجميلة للبنين فرع النّجف الأشرف :

قد حظي الخطُّ العربيّ بعد نزول القرآن بعنايةٍ خاصَّةٍ جعلت فنَّاني الخطِّ العربي يتعاملون مع هذا الفنِّ معاملة الاحترام والتقديس، بل واعتبروا تدوين القرآن الكريم «ترتيلًا صامتًا» له، ممَّا ساهم في حرصهم على ظهور الخطِّ في أبهى صورةٍ وأجمل شكلٍ، وساهم في إخلاصهم للتطوير والابتكار والإبداع في شكل الحرف العربي كما ساهم توسُّع المسلمين في فتح البلدان خارج شبه الجزيرة العربية في انتشار الإسلام وبالتالي اللغة العربية بشِقَّيْها المنطوق والمكتوب، وكان لتمدُّد الحضارة الإسلامية من أقصى الشرق (الصين) مرورًا بالهند وبلاد جنوب شرق آسيا والعراق والشام وتركيا ومصر وشمال أفريقيا وبعض الدول الأفريقية والأوروبِّية وصولاً إلى أقصى الغرب (الأندلس) أثرٌ بالغٌ في تطوُّر فنِّ الخطِّ العربي وازدهاره، كما ساعد وجود حضاراتٍ قديمةٍ في تلك البقاع المفتوحة كحضارة بابل وآشور وسومر في العراق، والحضارة المصرية القديمة في مصر، وحضارة الهند القديمة؛ في وجود ذخيرةٍ ثقافيةٍ وبشريةٍ هائلةٍ ومُتنوِّعةٍ، ممَّا ساعد على ابتكار أشكالٍ جديدةٍ ومُتنوِّعةٍ للحرف العربي أدَّت إلى ظهور أنواعٍ جديدةٍ، منها ما هو بأسماء المدن والبلاد التي نشأت بها، كالخطِّ الفارسي (نسبةً إلى بلاد فارس)، والخطِّ الأندلسي (نسبةً إلى الأندلس)، أو سُمِّيت بأسماء البلاد التي انتشرت بها، كالخطِّ الكوفي (نسبةً إلى مدينة الكوفة بالعراق)،حتى اصبح الخط العربي ايقونة المسلمين .

في حين اكتفى الفنان التشكيلي الدكتور لبيد مالك بالسؤال:

الخطّ العربيّ ما يتطور، كيف يتطوّر مثلاً ؟

وكان للمفكّر الإسلامي المعروف الشيخ غالب الناصر رأي في ذلك حيث كتب : تطوّر الخطّ في العواصم الإسلامية مثل بغداد قديماً ثم اسطنبول اخيراً، في زمن ما قبل انتشار الطباعة الآلية أي بسبب غياب المطبعة، كانت جميع الكتب الرسمية للدّولة ورسائل الخلفاء والسّلاطين والسّجلات تحرّر بخطّ واضح وبشكل أنيق، ومن ثم كانت تصرف رواتب ضخمة للكتّاب بمعنى كان يوجد قطّاع اقتصادي للخطّ وصناعة الكتابة وهذه العناية أسّست للخطّ الأنيق وللفنون في مجال تجويد الحرف ورسم الكلمات، وكذلك تقدم فن الزخارف الرائعة المرتبطة بالخطّ، ازدهار هذه الصناعة هو من أسهم في تطوير الخط العربي .

فنان الكاريكاتير الشهير الأستاذ علي المندلاوي اكتفى بنشر تعليق عبارة عن لوحة كاريكاتيرية رسم فيها الخطّاط والحروفي العالمي الأستاذ حسن المسعودي كنموذج ساهم في نشر فن الخط عالمياً .

في حين كتب الأستاذ الباحث والفنّان حامد رويد:

حسب علمي المتواضع، لتحريم الرسم والنحت فجاء الخطّ والزّخرفة والعمارة عوضاً عنهما، والأمر الآخر أنّ الغالبية العظمى منه كانت ولا زالت تخطّ لغة القرآن، وأخيراً وليس آخراً طبيعة الحرف العربيّ جعله مطواع للخط .

ويرى الأستاذ هادي كاصوص الخطّاط والفنّان الحروفي السوري :

الخطّ العربيّ لم يتطوّر من ٢٠٠ سنة هناك خطاط وحيد عمل تطويرعلى الخطّ وهو منير الشعراني، والحروفية نقلت الخطّ العربيّ الى التشكيل الفني نقلة جميلة لكن هناك استياء كبير من الخطاطين الكلاسيكيين لعدم ضبط ميزان الحرف مع العلم في رواج واسع له في كل مناطق العالم .

ويشير الكاتب والفنان علي الدليمي مدير المتحف الوطني للفن الحديث في وزارة الثّقافة العراقية أنّ : الخطّ العربيّ قاعدة ثابتة منذ أيام ابن مقلة وحتى يومنا هذا، ولكنّه (تجوّد) وليس تطوّر على يد فطاحل الخطّ العربي كل على أسلوبه .. وأنواع الخطوط المعروفة ثابتة أيضاً .. أما ما ظهرت بعد هذه الخطوط المعروفة من تنوع وأشكال خطوط فيها اجتهادات لخطاطين ليس لها تأثير على الخطوط السابقة المعروفة، فلكل نوع من الخطوط له مكانته وأصوله وجماليته.

وكتب الخطّاط علاء مهدي أستاذ فنّ الخطّ العربيّ في معهد الفنون الجميلة للبنين فرع واسط :

لا يخفى على الخطاطين أنّ الاهتمام التركي بالخطّ العربيّ وخاصّة رعاية ودعم الدولة آنذاك ومنزلة ومكانة الخطاط حينها كانت أحد أسباب تطوّر الخطّ حيث لم يشهد الخطّ العربيّ على مدى تاريخه اهتماما جديا كما في هذا الوقت.. هذا اولا كان الجانب المادي والمعنوي.

الثاني الجانب الروحي ان الذوبان الروحي مع القران والقدسية ايضا كان له اثره المباشر في تحفيز الخطاط على الابداع والتجويد في كتاباته.

ثالثا في عصرنا الحديث للتكنولوجيا اثرها وخاصة النت بحيث صار الخطاط يطلع على الاف اللوحات للخطاطين المشهورين والتي لم يكن يستطيع الحصول عليها بسهولة. وافلام الفيديو للخطاطين في تعلم الخط ايضا اختصر الزمن والمكان على الخطاط في تحصيل المعلومة .

ويشير الأستاذ ماهر حميد المهندس المعمار والباحث الآثاري السوري: أعتقد انّ عوامل كتيرة منها، خروجه من جزيرة العرب الى منطقة بها خليط من الثقافات و الفنون، و منها تحريم الرسم الذي جعل الموهوبين يصبّون موهبتهم بالخطّ، ومنها انّه أصبح صنعة، والصنعة تجعل الصانع يعمل بجد للتفوق على منافسيه .

في حين يرى خبير التّراث المعمار الأستاذ الدكتور علي ثويني: ورائها السوق ونشاط الورّاقين المحموم لسد الحاجة لشعب تصاعد أداءه الفكري وأصبح إقتناء الكتب ديدن وتنافس، حتى أنّ بعض الورّاقين والخطّاطين ورسّامي المنمنمات أصبحوا دالّة معرفية مثل ياقوت الحموي وأبو حيان التوحيدي ويحيى الواسطي وغيرهم . قرأنا (نقلها هادي العلوي) بأنّ الكتاب الذي يخطّ بسوق الورّاقين ببغداد كان يباع بعد شهر في قرطبة بأعلى الأثمان، وهذه الحركة في الجدوى والمردود صاعدت نوع الأداء، فأمست حرفة وبعد الحرفة تأتي المهارة والدقة والضبط ووضع القواعد. هكذا هي سنن الإنسان في الارتقاء من الوظيفية المحضة للجمال الأدائي المتسامي .

وكتب الخطاط الباحث الأستاذ رسول الزركاني رئيس جمعية الخطّاطين العراقيين فرع بابل:

 ينبغي أن نميّز بين تطوّر الخط وتحوله ..الخلط بين المفردتين يقودنا الى انّ الخطّ جامد لا يتطوّر . وهذا خطأ، الخطّ لا يتحول لكن يتطوّر . التحول تغيير جذري قد لا يمت للأصل بصلة أما التطوّر فهو بخطوات متسلسلة مترابطة يعتمد اللاحق منها على ما سبق ويكون بطيء بالعادة . لقد ارتكز تطوّر الخطّ قديماً على ثلاثة عوامل رئيسية أولها الحاجة الوظيفية قبل اكتشاف الآلة الطابعة، والتي جعلت من الخطّ الوسيلة الوحيدة لنقل وتوثيق العلوم من خلال نسخ الكتب باليد ومنها كتاب القرآن الذي له من القدسية ما يجعله في مقدمة الكتب حيث دفعت قدسيته الخطاطين لتجويد فنون الخط والتذهيب والتجليد وكل ما يتعلق بها .العامل الثاني اهتمام الدّولة بشريحة الخطّاطين وإيلائهم المناصب المهمة والأدوار الرئيسة في المؤسسات الحكومية في بغداد واسطنبول .العامل الثالث الحرص على تقديم الفاضل على المفضول فمكانة الخطاط وصفته وما يتقاضاه مرهون بتجويده، ما دفع الخطاطين للتجويد والاعتكاف على تقديم الافضل، وهناك عوامل أخرى أقل أهميّة ساهمت بتطوّر الخطّ العربيّ .

ويرى الباحث اليمني وسفير التّراث الأستاذ عبدالغني الابارة:

بلا شك أنّ هناك عدة أسباب أدّت الى تطوّر وتنوع الخطّ العربيّ وازدهاره ومن أهم الأسباب نزول القرآن باللّغة العربيّة دفع الفنان المسلم بالاعتناء بالحرف والكتابة العربيّة قبل أن تصبح فنّ الكتابة أو الخطّ العربيّ بعد أن صار لها قواعد وأسس ولا تكتب بصورة دارجة أضف الى ذلك تطوّر الحياة في المجتمعات تطلب حدوث تدخل حس الفنّان المسلم الّذي أضاف بحسه الفنيّ العالي بعض الإضافات والتعديلات وأصبحت الكتابة العربية تتمتع بروح الجمال بعد أن كانت حروف يابسة خالية من الجمال والانسياب العذب وهناك سبب آخر يتعلق بتحريم الرسم مما دفع الهواة للرسم بتوظيف طاقاتهم الإبداعية لصقل الحرف العربيّ حتى خرجت الحروف العربيّة بحلّتها البهيّة تنافس كل كتابات العالم بل إنّ الحرف العربيّ أصبح ملهماً للفنانين التشكيليين في أوروبا وأمريكا وعنصر أساسي في لوحاتهم التي تعرض في أرقى المعارض الفنية التي تقام هناك .

ويشير الباحث الخطّاط الأستاذ حسين الحلو مدير شعبة الخطّ العربي في أمانة مسجد الكوفة:

نعم حدثت تطوّرات على فنّ الخطّ العربيّ في كثير من الأزمنة وعبر تواريخ بعيدة الحين والآخر، نعم تحدث تطوّرات ومن خلال تعديلات تجري تدريجياً في ظهور أساليب تختلف نوعاً ما عن سابقاتها يقوم بها الخطاطون وأكيد هنالك رؤى وأفكار منثرة لمعرفة الأسباب، ولاشك انّ من هذه الأسباب هو الحداثة التي تتجدد والتطوير المستمر وبقية الآراء أكيداً تندثر معهم وكما تم إعادة النظر فيها من خلال طرحها كنوع من انواع الخط العربي المطلوب في المسابقات الخطية التي أقيمت في السنوات القريبة الماضية كأن تكون في أرسيكا تركيا أو الإمارات والخليج بصورة عامّة وفي الكوفة مسابقة السفير لفنّ الخطّ العربيّ وغيرها وكلّها لها تأثير على تطوّر فنّ الخطّ العربيّ وهذا السياق يعتبر المفصل أو المحور الرئيسي الذي يتبعه الخطاطون في تناقلهم في التحديث الذي يطرأ علي أي نوع من أنواع الخطّ ليسهم في تطوّره ويقود الحراك الفني في أي زمن أو وقت وبقية المعلومات قد تطرق لها الاخوة الاساتذة مشكورين طبعاً أوافقهم الرأي في كثير ممّا طرح في التعليقات السابقة .

في حين يشير خبير المخطوطات العراقيّ الأستاذ صلاح الخاقانيّ:

الخط بدأ بالمدني ثم المكي والبصري والأنباري والكوفي ليأخذ الكوفي مجال واسع من الانتشار والتطوّر من المشرق إلى المغرب ليضع كل بلد سمته عليه فظهرت خطوط جديدة لها قواعدها حسب متطلبات الحياة السياسية والاجتماعية والثّقافية للدّولة فأصبح لكتابة المصاحف خطوط معينة ولتدوين العلوم خطوط ولكتابة الدّواوين وللمراسلات أيضاً، لتستقر خطوط وتندثر أخرى فالتي ثبتت جرت عليها تحسين وتهذيب ولهذا أصبحت فترتين فترة استحداث واندثار خطوط وفترة تحسين.

ويشير الخطاط والأديب الأستاذ ذوالفقار سبتي الى أنّ دعم السلاطين العثمانيين أدّى الى ازدهار الخطّ العربيّ .

ويرى الباحث في شؤون الخط العربي وجمالياته الأستاذ محمد كاظم : بصراحة سؤال عميق ومتشعب ولا يمكن إيجازه في سطور، كالواقف على بحر محاولاً رؤية امتداده وعمقه وإحصاءه. كذلك تطوّر الخطّ العربيّ له جذوره الموغلة في القدم تجلّت بمراحل لكل مرحلة سماتها وظروفها وعواملها، فهنالك عوامل ثقافيّة وعوامل مكانيّة وعوامل مجتمعيّة وعوامل إعتبارية وعوامل حضارية لكل منها شرحها وتوضيحها قد لاتسع سطورنا إحتواء موضوعاتها، لنا بحث مستقبلي عن ذلك بإذن الله . والأهم في هذه العوامل هو تطوّر ذائقة الخطّاط والجمهور المهتم بفن الخط العربيّ، حيث يسعى الخطّاط لكسر رتابة المألوف وينشد المتسامي المضاهي للكمال، مستعيناً بتجارب الأقدمين وما تمليه ملكته الفنيّة وذائقته الخلّاقة، ولا يمكن أن ننسى التحول الكبير في الخطً العربيّ على يد عمالقة الخطّاطين العثمانيين كـ حمد الله الأماسي والحافظ عثمان وراقم ومصطفى عزت ونظيف وسامي وحامد رحمهم الله، لا سيما وارتباط الحرف المخطوط بالمقدس من القرآن الكريم. إضافة الى عوامل الانفتاح وتداخل الفنون الأخرى وتزاوجها وتمازجها مع الخط العربي ليكون بانوراما بصرية مبهرة بنظمها وإخراجها.

 

عليّ حيدر الحسّاني

 

سامي عبد العالتعدُّ لوحة "موت سقراط" للرسام الفرنسي جاك لويس دافيد 1Jacques David  توثيقاً لهذه الحادثة بصيغة فلسفية فنيَّة متأخرة. تترك الألوان والشخوص تقول تشكيلياً ماذا جرى. ليس يجدي التذكر ولا اعادة القراءة حول تناول فيلسوف اليونان لجرعات السُم، لأن الكلام الصامت، جدل العلامات، الحوار الآسر بالألوان، هي أشياء تحكي(همساً وصراخاً) كما لو لم تحكِ لوحةٌ فنيةٌ من قبل.

ذلك أنَّ الفنَّ لا يَقُول شيئاً عن الواقعَ كما هو ولن يفعل. كذلك لن يترك أيَّ توقِيْع طارئ emergent signature بالألوان دون أساسٍ. لأنَّ أثر الفن( كتقنيةٍtechné  ) ليس وسيلةً لتمثيل معطى خارجيٍّ ولا عملاً مكرّراً، لكنه يبرز دلالة الوجود الإنساني كتجلٍّ لماهيةٍ تأخذ صورها باستثناءٍ خاصٍ، حيث يتَّوحد الفني- التقني بما هو جوهري في حيواتنا الإنسانية. ورغم تنوع الحياة إلا أن ثمة علاقة مشتركة ما كنوع من الأصالةِ، إذن الوحدة بالنسبة إليهما(الفني والتقني) ليست اتحاداً، بل" اختلافاً إبداعياً "creative difference عبر فضاءٍ أرحب اسمُه الحياة. وبالتالي فإنَّ تجربة الفن هي اختلافٌ" في in " وليست اختلافاً " على  on".

فلربما تُؤكد هويةُ الموت بالفن لونَّاً من الحياة، أي تكشف الحقيقةَ بأكثر أشكالها غرابةً وخفاءً. من زاويةٍ كهذه لا يَحْضُر الفنيartistic  عرَّضاً، لكنه يكَّثِف فائض الحياة عندما يجسدُها بأبسط المشاهد. حينئذ لم تعد ثمة قفزةٌ في فراغ، لأنَّ اللوحة الفنية مكتفيةٌ بذاتها الثرية حدَّ الثمالة. هي العالم، هي الإحساس كرغبة جامحة في صياغة الأشياء، هي الأسطورة المنحدرة كصخرةٍ تجاه ما يقابلها. إنَّ اللوحة تبرز احساساً بما يتفلت من قبضة لحظتها الحاضرة. كلُّ لوحةٍ في الأفق تتشكل بطريقة المفارقة: سابقةٌ على أوانها منذ أزمنة سحيقةٍ وبالوقت ذاته آتيةٌ متأخرةً عن موعدها لدرجة المستقبل!!

وحتى فعل التعبير، إذا نُسِبَ إلى الفن لا يجري بمقاييس اللغة، ولا بضروب التشابه اللفظي. فالفنَّ يستحضر أصالةً المعاني بإدماج الجانب الإنساني بالزمن. وإنْ أراد الفنان إخفاءَ مشاعره وراء لمساته اللونية، لن يستطيع مغافلة ريشته، مثلما لا تغفل اللوحةَ أبعاداً ممتدةً سلفاً في حركة التاريخ مع فضائها التعبيري.

1461 موت سقراط

نحن إذن أمام معضلةٍ فنيةٍ: ماذا تقول الصورة بكل مخزونها التشكيلي، رغم أنَّها لا تنطق؟ وكيف يكون الكلام مصورّاً كحفريات في أحد المعابد الفرعونية؟ هنا فإنَّ لوحة موت سقراط لدافيد أكثر من مجرد أطياف لونيةٍ على سطح مضيئ. هي " نص فلسفي" في كيفية رسم الحياة لا تجسيد لمشهد الموت فقط( موت سقراط). صحيح أنَّ تجرُع السم هو الجانب الرئيس فيها، لكن التفاصيل تصوغه بشكل مغايرٍ. المشهد لقطة متجددة لعلاقة عضوية بين الفيلسوف واختيار "نقطة نهايةٍ " لمسيرته إزاء المجتمع اليوناني. لقطة تطرح سؤالاً فلسفياً: كيف تكون جدِّة النهاية novelty of end داخل اللوحة وخارجها معاً؟ بأيَّة طريقةٍ ترسم جدل الحياة والموت إفرازاً لرؤى باقيةٍ لدينا حتى الآن( جدل المرئي واللامرئي بكلمات موريس ميرلوبونتي)2؟

المثيرُ للتأمل أنَّ ما لم يقُله سقراط سيقُوله جاك دافيد مضاعفاً، متنوعاً، بريشته الفنية، فصمت مشهد الموت كما يبدو من وجه اللوحة هو كلام. كلام فيما وراء الكلام، كلام يقول الكلام، أي كلام على كلام كانضغاط التاريخ في كبسولات من الزمن والرؤى والأحداث. لأولِّ وهلةٍ سيكون الحوار السقراطي صمتاً ناطقاً في زمن تالٍ(زمن اللوحة وزمن المتلقي) وبواسطة غير اليونانيين بحرفية الكلمةِ. لقد كانت فلسفةُ سقراط شفاهيةً كفيلسوفٍ جَوَّال بين الناس، لكنها جاءت كعلاماتٍ ورموز تشكيلية مُضمخةً بالهمْس الخارجي. نقوش لونية تقتضي فكَّ شفراتها لمن لم يشارك في قتله أو لمن سيشارك لا حقاً (باتخاذ موقف غير سقراطي). أي كيف يتمُّ إحياء سقراط مرة ثانيةً بهذا الوقت المتأخر من الراهن الفلسفي للبشرية؟

في قلب اللوحة المرئية لدافيد، يتجرَّع سقراط السُمَّ القاتل بالنسبة لنا الآن، بالنسبة لهؤلاء الأحياء. ذلك أننا نرى اللوحة حاملة لهذا المضمون ومازلنا نتلقاها من وقتٍ لآخر. فالموت السقراطي كأي موت لا يكتسب معانيه إلاّ داخل الكائن الحي مهما يكن زمنُه، بدءاً من تلامذة سقراط والمحيطين به وبالنسبة للشعب اليوناني وصولاً إلينا نحن. تاريخياً نحن الذين أعطيناه موتَّه وأصبح له كل الزخم وفقاً لرؤيتنا. ومن لحظاته الأخيرة بالحياة نحن الذين كتبنا سيرته بميتات قادمة وسردنا حكايته الفكرية لسنوات وجاء اسمها تاريخ الفلسفة (حوارات سقراط).

تفترض سرديات التفلسف اشتغالها على موت الفلاسفة وبقائهم، سيَّر نهايتهم وحياتهم. ومن ثمَّ سيكون لدينا المقدرة على إعطاء سقراط الحياة بالمثل. وسيكون له الزخم الفلسفي طالما يُشاهد عبر وسائط وبمرات لا تنتهي. لقد تجرَّع السمَّ ليعيش الآخرون في زمان آخر، في عصر آخر يقع الموت منهم موقعاً لتأويل الحياة. وهذا هو المعنى الكلاسيكي الجديد عبر تأكيده التاريخي داخل اللوحة الفنية.

وتبدو أصوات اللوحة مقفلةً تجاه من يشاهدها بطريقة قد لا تدرك أهمية المشهد. لكن تفاعل الأصوات والحوار وتداخل الإشارات والإيماءات يقولان أكثر مما نتوقع. وخاصة إذا ما اقتربنا أكثر مما يحدث بوصفنا مكان الشخوص بجوار سقراط، كأننا نرى المشهد بصيغة الجمع مع المشاركين فيه. كلُّ ما في الأمر أننا لا نسمع أصواتاً رغم شعورنا بها عن كثبٍ. بالطبع علينا أنْ ندخل اللوحة دخولنا لزمن مغاير، مراوغ، مخاتل إلاَّ أنه يمسنا في الصميم. ويحكي عنا ولا سيما لمن يشعر بقيمة الفكر حين يُحاصَّر ويُلاحَق وحين يكتب نهايته بنفسه باختلاف عصوره.

إنَّ التلقي جزءٌ لا يتجزأ من تكوين اللوحة، لأنَّها ابتداءً خيط من نسيج الحياة وحركتها التي تلامسنا. وسقراط لن يكون هو سقراط بمفرده منعزلاً، لكن بالطريقة ذاتها سيتعدد في مواقف تالية. ولن تجري دلالته هناك دون دلالته هنا، لأنَّه ترك ظلالاً في اللوحة والحياة والفكر. أصبح سقراط رمزاً لإمكانية القول والذهاب إلى حيث تريد الحياة دون ضجيج. ومن خلال المشهد، نرى الجوهر الإنساني مشبعاً بالتراجيديا الإنسانية إذا توافرت عناصرها ودلالتها. وربما تتحقق في أكثر من سياقٍ تاريخي حين نتابع ملاحقة المثقفين والكتَّاب وحرق كتبهم كما في الثقافة العربية والغربية على السواء. ليست حالتا حرق مؤلفات التوحيدي وابن رشد بأقل دلالة من حالتي حرق جسد جوردانو برونو وتمزيق جسد هيباتيا.

- اللوحة فعل حياة (شريحة حية) تعيش أمامنا.

- الأصوات تكاد تتناهى إلى أسماع من ينصت.

- ذاكرة المشهد أبعدُّ من لسان حاله.

- السياق الجديد للوحة يتكلَّم إلى من يتابع الحدث3.

- هناك تجاوز للحظة بوصفها في حكم النهاية المؤقتة إلى نهايات أخرى.

الحدث السقراطي حدثٌ استثنائيٌّ في تاريخ الإنسان المتفلسف، حين يمارس طقس الموت إزاء نفسه طائعاً بحسب اعتقاده. فهل الفلسفة تعلمنا اختياراً وجودياً نتحمل مسؤولياته طوال الوقت حتى لو مثل نهاية لنا؟ هل الفيلسوف يعطي مراناً على تقبل المصير ساعياً لجعله أفضل قبلما يحين موعده؟ وبخاصة أنَّ المصير قد يكون حياة إنسانية حرَّة وتطوراً إنسانياً مفتوحاً وليس تزلفاً لقوة تمسك زمام الأمور في المجتمع. بطريقة أخرى: كيف تلتقط الفلسفة الحياة طليقة من فم الموت المحدق بنا؟ هل التفلسف تأجيل خفي لنوع من الموت الهش إذا ما قُرن بانفتاح الحياة؟

سقراط في لوحة الموت يخاطب قدرات الحياة، يستنطقها عبر التفاصيل التي رسمها الفنان. الضوء والظلال والألوان والأشكال حروف حيَّة كتب بها جاك دافيد نصه التشكيلي.  حتى أن هناك سهراً تاريخياً ما ينقل المشهد من عصر إلى عصر. لقد كان الحوار والنقاش هما أبرز ما يميز فلسفة سقراط خلال محاورات أفلاطونية(على لسان أفلاطون) وما تناقله الآخرون كالسوفسطائيين. وها هو يحافظ على تيمة كهذه حتى أثناء مشهد موته4. يعلم أنَّ السُمَّ قريبٌ من فمه، ومع ذلك يأتي جسدُه المنتَّظر بمثابة مأدبة النقاش. مثل حركة الأصابع وعلامات الوجه وإيماءة الصدر وتوزيع الأعضاء والنظرات مع استقبال كل الواجهة .... جميعها تستعيد أجواء محاورات افلاطون خلال سياق مختلفٍ.

في غير موضع من مؤلفاته أبرز نيتشه كراهيته لسقراط واعتبره عدو الحياة الماكر بامتياز. لكن قال عنه أيضاً: إنَّه الذي لم يكتب حرفاً واحداً. وهذا صحيح، بينما الأصح أنَّ موتَّه يفتح عمل اللغة حتى بعد رحيله. لأنَّ حواراً حياً هو شكل من الكتابة الأثرية التي جاءت متأخرة. لقد فقدت حضورها الحي living presence بمصطلحات جاك دريداً. هي وثيقة فنية في كيان صور نصية باقية للقراءة. وجاءت لوحة موت سقراط لدافيد رسماً معبراً عن موت الحاضر الحي آنذاك، وتغدو حفرية تشكيلية تحت التنقيب البصري. دوماً عندما يأتي حال سكوت الفلسفة خلال عمل فني ما، تتجلى هناك الصورة التي تكتب أصداء ما تقول دون سيناريو فَاتَ أوانه.

إذن ضوء اللوحة الذي يمسح حوار سقراط وتلاميذته هو الأساس، ضوء الصورة المتخلل كحبر أثيري ينقش تفاعل الشخوص. حيث نقطة التماس مع النهار الذي يرسم الوجوه، ليبدو التباين كأنَّه كاميرا بالداخل توجِّه عيون المتابعين. فالضوء كوَّة تنفتِّح على مركز اللوحة، بينما سقراط قائم بمهابته رغم كونه في أضعف لحظات حياته الآفلة. والضوء يستدعي أثراً فرعونياً بكون الموت خروجاً إلى النهار. أي هو العتبة بين الظلام والنهار نحو الانعتاق، إنَّه الوسع الذي لا ضيق بعده.

والموت ليس ينقصه إلاَّ الضوء كي يتضح وضوح الحقيقة، إنْ لم يكُن نفسه هو ذروة الحقيقة. سقراط بمثابة التجسيد الحي والميت لها مع أنَّه في الحياة اتهم بالتجديف على الآلهة وإفساد عقول الشباب5. هل يكشف النهار زيف الآلهة؟ هل الآلهة تعيش في ظلام الحياة لدرجة أنَّها تبقى طي الكتمان؟ هل المطلوب ألاَّ يعِي الشباب بمصير الحياة و بالتالي فكل حوار هو تهديد بانكشافه؟

جسد اللوحة ينوِّه أنَّ الضوء ليس زائراً طارئاً، لكنه تشكيل فني مقصود. لأنَّ حادثة الإعدام تتم فيما يبدو داخل مكان مغلق، ربما هو السجن أو موقع مخفي عن الأنظار على الأقل. والطبيعي ألاَّ يصل الضوء إلى هذا السجن. فهناك الدهليز المؤدي إلى أعلى مع درجات سلمية تقود نحو السطح. وهو يشي بأن مكان الإعدام أقل من مستوى الأرض. والضوء هو اللغة الشفافة التي تستنطق الشخوص. وتعطيها مساحة الدلالة التي تستحقها. ويستقر الضوء كرداءٍ لجسد سقراط المنتظر فوق أريكه، بينما تتوارى الأضواء الجانبية معطية مساحة أقل من الاهتمام وتلفت الانتباه إلى الحوار بصيغة أو بأخرى.

ومع جوانب اللوحة، هناك يميناً بعضُ تلامذة سقراط المتداعين جسمياً من هول المشهد نتيجة ارتباطهم بمعلمهم. والواضح أنَّ كلام سقراط قد اسهم في هذا الحال، فإصراره على ما يؤمن به جعله يدفع بنقطة الأحداث نحو النهاية. وظهر بأقصى الصورة إلى الأعلى أحدهم مائلاً على الجدار وفاقداً لقواه. وهذا يعني أنَّ الأمل في خروج سقراط من هذا نفق الموت غير وارد. ووجود الدرَّج مؤداه أنَّ الطريق أقرب إلى حياة أخرى لها ضوئها الخاص. كما يوجد في يسار اللوحة أفلاطون وقد أدار ظهره إلى سقراط في ايماءة إلى مغادرته بؤرة الحدث تاركاً إياه خلف ظهره. هل معقول أنْ يهمل أفلاطون معلمه؟!

يظهر أفلاطون المواجه لسقراط واقعاً في المدخل وقد أدار ظهره. وهذا فحواه فتح طريق خلفي للنسيان إنْ لم يكن هو النسيان ذاته. لقد اعتبر افلاطون من خلال معرفته بسقراط وبالمجتمع اليوناني أنَّ موت سقراط ذكرى رغم حضوره القوي في المشهد. ففي العادة أنَّ للذكرى بعداً زمنياً لا يخطئه الفهم، لكن الحضور الافلاطوني يعني أنها ذكرى حية وستكون على هذا المنوال. وبخاصة أن أفلاطون جعل فعل الكتابة بالحروف فعل تذكر، استرجاعاً، استعادةً لما مضى. وكأنَّه سمح لنفسه بأنْ يكون حرفاً في الصيغة الفنية للصورة كي يغدو جزءاً من استعادة ذكرى أستاذه الأثير.

ثم يقول الضوء إنَّ كثرة تلاميذ سقراط باللوحة ليست أمراً اعتباطياً، فها هم يخْفُون وجوههم وهو مظهر الحضور القوى مكتفين فقط بدعم استاذهم لعلَّه يتراجع عما يعتقد6. وفي الاثناء يشير سقراط بحركة الأصابع إلى أنَّه لن يتراجع عما عقد العزوم عليه رافضاً فكرة الهروب كما اقترح البعض. هل يهرب الفيلسوف من فلسفته في الحياة؟ كيف لا يواجه إمكانية بلوغ ذروة الحياة بالموت؟

وتباعاً يلقي الضوءُ دلالةً على يده اليمنى متناولة سم الشوكران القاتل. وهي أصابع هادئة مطمئنة ليست مرتعشة ولكنها مقبلة على الموت بلا جزعٍ. أما المسافة بين الأصابع وقِدْر السُم، فلها كل المعنى في قراءة القرار، وهي مسافة التأمل فيما سيحدث لسقراط وأنَّ الحياة ستأخذ بالأفول تمهيداً للعيش بهيئةٍ أخرى. ودوماً المسافة التشكيلية فرصة لمعرفة حال سقراط وقوة عزيمته التي لا تلين. فالذي لا يهابُ الموت هو الفيلسوف على الأصالة. الفلسفة في الأفق اليوناني كانت مراناً على الموت، لأنَّ مصيراً كنهاية للجسد أضيق من براح الأفق الروحي، وهو القاعدة التي تجلب الاستثناء لا العكس. وذلك رداً على الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت تحيط بالفلاسفة7.

كما أنَّ الموت فعل تحرر من عبودية الجسد نحو الانطلاق. وربما كان الفنان جاك دافيد حريصاً على وضع " آلة موسيقية " متوارية بجوار سقراط، تحديداً بجوار القيود الحديدية التي تكبله. كأنَّ الفنان يرسم كون الجسد أسيراً، موضوع تحت الإقامة الجبرية، وطالما أنَّ الإنسان مازال مرتدياً للجسد، فمن السهولة قمع حريته. وليس أقرب إلى ذلك من وضعه في الأغلال سواء أكان من قِبل السلطة الحاكمة أم سلطة الغوغاء أو سلطة المقدس.

والاشارة لطيفة بأن النَّيْل من الفكر بالأغلال قد يجدي مؤقتاً، لكنه لن يفيد كل الوقت حتى وإنْ أدى إلى الموت. والعكس إذا مات صاحبُ الفكر، فإنَّه سيتحرر روحياً من هذا القانون الطبيعي مثل نغم طليق عبر الآفاق. وبالتالي يصبح لكل إنسان آخر أنْ يلامس روح سقراط كنغم يندمج مع الكون بمعناه الفيثاغوري( العالم عدد ونغم).

إنَّ النغم مع الضوء والموت بمثابة الرجوع إلى الأصل الذي لن يكون أصلاً دون الفن. وضع سقراط أشبه بحلم لا يصدق وبخاصة شكل أفلاطون وبعض مريديه الأشبه بالنيام. فإذا كانت الذكرى مسيطرة على الحال رغبة بمرور الحدث من غير ألمٍ، فالحدث يماثل الحلم غير المباشر من خلال العناصر المتوافرة فيه. فبعض العيون المغلقة من هول الأثر بمثابة العلامات التي تفتتح حلماً للقاء مؤجل بعد تجاوز الموت. أي الخروج إلى نهار آخر هو الحلم كاستعارة هي شكل آخر من الحضور الروحي بين سقراط ومريديه. في مكان ما وفي تاريخ ما وفي حياة ما بحسب ما يتمنون داخل قرارة أنفسهم.

وربما وجود الأريكة وفراشها علامة ضمنيةٌ تؤدي الهدف وتلح عليه. والحلم والنوم علامتان تدلان على الحياة. ففي  الحلم هناك حياة تعيش على أنقاض الواقع وفي الحلم لن يكون الواقع كما هو، والنوم كذلك هو الوصول إلى حالة تعادل بين الوجود اللاوجود.

وبالعودة إلى حركة أصابع سقراط مع تناول السم، نجدها أصابع قرار ماضٍ إلى غايته مقارنةً بيدِ أحد تلامذته (كريتو) قابضاً على فخذه، لإشعار سقراط بضرورة الرفض تمسكاً ببصيص الأمل. لكن الأهم أنَّ ثقة الأصابع فوق السم نابعة من حرية الاختيار ارتباطاً بمكانته وبما كان يقول. الموت يكلل عبارة سقراط الشهيرة (اعرف نفسك بنفسك)، لأنَّ جسده ينادي مصيره الفاني بوصفه الحاجز الأخير. كما أنَّ بعض العُري لا يغفل وجود قماش حول جسده، ليس ستراً لمناطق خفية لا يود سقراط إظهارها، بل لأنَّ اللحم هو نبض الحياة في الكائنات. فهل سيموت الإنسان حقاً وإنْ عرف نهايته؟ وهل إذا مات ستعود الحياةُ إلى بعضها (حين يتغذى النبات والحيوان من جسده)؟ والدلالة بجوار الحلم تشكل عودة إلى الحياة كوعدٍ لا يستوفي الناظر زمانه ومكانه. والدليل أنَّه موجود داخل إطار لا نهائي من التشكيل الفني. وهذا ما جعله قيدَ التجدد الآن وبعد كل آنٍ8.

هنا تمثل لوحة جاك دافيد اسهاماً في تخليد الحدث السقراطي وابتكار حيوات جديدة له، فاللوحة مازالت تتجاوز عتبة الموت مع اختلاف الأزمنة. وبالتأكيد لم يرسمه الفنان دافيد من فراغ، لكن لتلبية الحاجة إلى تجديد رمزيته إزاء موتٍ هو أصلاً في حاجةٍ إلى معنى. فكم في الحياة من سقراط ومن ميتات أشبه باختيار فلسفي خلال معارك الإنسان ضد القهر والجهل والتخلف والمرض والديكتاتورية. ومع إنسانية النهاية أيا كانت، هناك ما يُشفي غليلَّ الموت، لكنه لن ينال من الرمز بحالٍّ. وهذا ما جعل جاك دافيد يترك توقيعه الفني حين نسج فضاء اللوحة بأكبر قدر من المعاني.

 

سامي عبد العال

........................

1- جاك لويس دافيدJacques Louis David (1748 ( 1825 - كان رساماً فرنسياً مبدعاً، وأحد أبرز فناني مدرسة الكلاسيكية الجديدة Neoclassicism. ولد لعائلة باريسية من الطبقة المتوسطة وبعد أن اغتيل والده، عاش مع أعمامه. حين بلغ من العمر ستة عشر عاماً، درس الفن بالأكاديمية الملكية Académie Royale في عام 1774 ربح جائزة روما. بعد ذلك سافر إلى إيطاليا حيث تأثر بالفن الكلاسيكي وبأعمال فنان القرن 17 نيكولا بوسان ومكث هناك لست أعوام. ابتكر دافيد أسلوباً كلاسيكياً جديداً وخاصاً به. وكان أحد الداعمين للثورة الفرنسية بشكل كبيرٍ. وكان أحد أقرباء الفنان بوشيه الذي ساعده في بداياته حين تتلمذ عليه. أشهر أعماله: " قسم القتال" (1784)، و "موت مارا" (1793)، و" نساء سابين " (1799). توفي عام 1825 في بروكسل.

راجع الرابط التالي:

https://www.marefa.org/%D8%AC%D8%A7%D9%83-%D9%84%D9%88%D9%8A_%D8%AF%D8%A7%DA%A4%D9%8A%D8%AF

2- يشير ميرلوبونتي إلى أن الحاضر والمرئي  لا يهمنا إلا بقدر ما يعكسان المضمون الهائل من الماضي والمستقبل... وفي اطار هذا الرأي  تجسد الأعمال الفنية هذا الجدل بشكل واسع كما في لوحة موت سقراط.... (موريس مرلوبونتي، المرئي واللامرئي، ترجمة وتقديم عبد العزيز العيادي، مراجعة ناجي العونلي، سلسلة المنظمة العربية للترجمة، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 2008، ص 192).

3- وهذا جزء من مضامين العمل الفني عند جاك لويس دافيد، حيث تمثلت ثورته بالعودة الى الجذور والاصول الاغريقية والرومانية في الفن، أي العودة الى الكلاسيكية من جديد مبتعداً عن فن الروكوكو الزائف الذي ارتبط بالقصر الملكي. إنَّه أحد مبدعي التصوير الفرنسي وصاحب التعاليم الكلاسيكية الصارمة. كان دائب التفتيش في التراث الاغريقي والروماني القديم عن مواضيع مناسبة لأعماله خدمة لأغراض الثورة ورغبة في تصديرها الى شعوب أوربا. وكان مدعوماً من كبار رجالات الثورة، فقاد الفن والفنانين إلى اعتناق مذهبه في الفنون الكلاسيكية المحدثة.

راجع الرابط التالي:

https://www.marefa.org/%D8%AC%D8%A7%D9%83-%D9%84%D9%88%D9%8A_%D8%AF%D8%A7%DA%A4%D9%8A%D8%AF

4- لقد اعطت محاورات أفلاطون سقراط دور الاستاذ والمعلم والحكيم والفيلسوف. وهي الفكرة نفسها في المشهد. بالتالي ينضاف حدث الموت إلى حوار طويل يمارس فيه سقراط استاذية تعليم الآخرين: كيف يفكرون ويناقشون قضايا الحياة والوجود والحقيقة. واللوحة الفنية حافظت على هذه الخاصية في جميع التفاصيل، وهي إمكانية الكلام سواء أكان لغة أم تصويراً. لأنَّ ( الصورة والكلمة ) شيئان في جسد العلامة. أحداهما تغذي الأخرى وتفرط عقدها بالأخيلة والتداعيات.

5- Romano Guardini, The Essential Guardini: An Anthology, Edited by Heinz R. Kuehn. Liturgy Training Publications, 1997, P19.

6- Romano Guardini, The Death of Socrates, Kessinger Publishing, 2007, P 53. 7- Matthew Dillon and Lynda Garland, Ancient Greece: Social and Historical Documents from Archaic Times to the Death of Socrates (c.800 – 399 BC), Routledge London and New York, 2000, PP 395 - 400.

8- هناك من تتبع العلاقة بين سقراط والمسيح بناء على فكرة الموت والحياة الأخرى( قيامة الرمز). فسقراط مات نتيجة إيمانه بالخلاص من القهر واعتقاداً في بقاء أفكاره وعدالتها. والمسيح صُلب فداءً للبشر ولتخليصهم من الخطايا. لكن جوهر الشخصيتين هو التجدد في أشكال متشابهة الدلالة من واقع الحياة.

- Michael E. Hattersley, Socrates and Jesus: the argument that shaped western civilization, Alegora publishing, New York, 2009.

- Robert Mark Wenley, Socrates and Christ: A Study in the Philosophy of Religion, Cambridge Scholars Press, London, 2002.

 

1446 لوحة"فوتوغرافيا" الفنانة سلافة المبروك

جدران سخية تسرد حكايات وألغازا وخرافات وقصصا..

وماذا لو تعلق الأمر بالفنان وهو يقف تجاه الجدار المتخير قولا بالبوح والنظر والتأويل حيث الكتابة واللون وما تمنحه المساحة من فن تلقائي في الشقوق والخربشات والألوان وأحيانا ما ينبت من الحشائش والأزهار..الجدار وهكذا هو بمثابة القماشة الأخرى فيها تلوينات لم تبتكرها اشتغالات الفنان والرسام ..انها الحكاية الباذخة كالبراءة البينة.

الفن على قارعة الطريق.. كالحكمة تماما لا تلوي على غير من يلتقطها فالعين مجال للاكتشاف والكشف.. نعم هكذا هي لعبة التلقي الجميلة في مجالها الحسي والبصري وهنا أذكر العنوان الشعري اللافت للشاعر الجزائري الرائع عمار مرياش حين أطلق على أشعاره ذات تسعينات من القرن الماضي عنوانا جماليا مكثفا ودالا هو "اكتشاف العادي".

هذا يأخذنا الى الطريق بعناصره ومكوناته ومنها المباني والجدران وغيرها..فعلى الجدار الذي نمر به يوميا عوالم شتى ليس الادراك تجاهها بالأمر الهين وخاصة اذا كانت المسالة تتصل بالثقافي والقيمي ..

الجدران عليها أثر الزمن والناس والأحوال وما شابه ذلك والمتمعن في الأثر بعنفوان النظر والحواس يكتشف مجالا وحيزا مهمين لقراءة المنظور اليه فما بالك بالمساحة الهائلة من الأثر الماكثة على الجدران التي فيها القائم والمتداعي والمتشقق بفعل السنوات العابرة ..

هكذا أخذتنا الفنانة سلافة المبروك الى هذا المسرح التشكيلي الكبير الذي هو الجدار تبتكر من خلاله قولها الفني البليغ ذات معرض سابق بقاعة علي القرماسي بالعاصمة تحت

 عنوان " حكاية جدار ".

سلافة شغلت الكاميرا وفق تخيرها لما يتلاءم مع دواخلها لقنص ما منحته جدرانها المبثوثة في أمكنة من تونس العتيقة وغيرها لتبرز اللوحة الفوتوغرافية المعروضة بكثير من الاعتمال الذي عليه قماشة فنان يدير تشكيليا مساحة اللوحة..

عناوين شتى للوحات "تجاور" و"انصهار" و"حفريات" و"انطباع" و"فصول" و"حركة"...و غيرها .. يجمع بينها ماأرادت أن تعبر به وعنه تشكيليا الفنانة سلافة البياتي لنجد جانبا من الاشتغالات التجريدية وهناك صور فيها من الألوان ما هو نتاج الطبيعة وفعل الزمن.

بعض الأعمال وكأنها حفريات وصور مأخوذة من علو ومنها ما يشبه تفاصيل وجزئيات عبر المكروسكوب وتحيل الى المساحات المجهرية وغير ذلك وهذه كلها من ذاك الحوار المفتوح بين الفنانة وبقاع مخصوصة من الجدران..

صور رائقة وفيها دقة ورهافة عوالم الجمال الفني والجدار هنا يمنح الناس الكثير من التشكيل من ألوان باذخة ولطخات ملونة وخربشات وعلامات وكل ذلك في انصهار وتلاؤم مع الحالة التي تعبر عن زمن هو من أسرار الحكاية عند هذا السيد الجدار.

لوحات وحالات بأسرها تعانق العدسة لينظر المتلقي باتجاه الفكرة السردية الملونة بالتواريخ ..

انها لعبة الآلة والحالة..العدسة والجدار وما ينتج عنها من كلام ومعان ..و حكايات خبر الفنان منذ القدم بلاغة فحواها وبالعودة الى الكهوف والخربشات والرموز وغيرها نلمس هذا العناق القديم بين الفن والمكان...

أيتها اللغة المرسومة على الجدار..

قولي للكائن

علميه معنى اللون والشقوق

عله يلقى وجهه العامر بالتواريخ..

أيتها اللغة الزاخرة بالنعاس

و بالجواهر..

امنحينا عذب الحكايات

و المسرات..

فلك البهاء..

و لنا الحدائق الماثلة على الجدار....

نكتفي بالغناء ونمضي هانئين الى مطر قادم...

حكاية جدار واللعبة السردية تشكيليا ففي 18 صورة كمنت هذه التفاصيل الجميلة المقيمة بالجدران ولكن من ينتبه...غير الفنان الرهيف المؤلف للعلاقة العالية مع التفاصيل والعناصر والأشياء بفعل ما يقتضيه الفن من فطنة وانتباه تجاه الكل..الآخر الأنا.

تقول الفنانة سلافة عن هذا العمل المعروض ومختصر فكرته "...كنت كلما مررت بشوارع وأزقة تلك الحارات القديمة شدتني تعابيرها وآثار الزمن وفعل الانسان بها وأراها لوحات تشكيلية تجريدية ذات جمالية قد لا تشد العابرين ...".

و في هذا الجانب وبخصوص هذه التجربة يقول الفنان علي الزنايدي "...نقرأ لوحات فنية أهدتها لأعيننا جدران سخية تسرد حكايات وألغازا وخرافات وقصصا ...هي أهازيج الجدار في أفراحه وأتراحه في صيغ ثرية تبعث على الحلم والخيال .."

حكاية جدار مساحة جمالية تقولنا عبر السرد من خرافة وأسطورة عبر اللون والرمز والعلامة والتوقيع لتمنحنا مساحة القماشة حيث الفضاء المتاح للعمل الفني.. هي التقاط الفنان للمتروك والمهمل والمنسي والموجود الذي لا نعيره حواسنا واهتمامنا ونحن نمر به ومعه مرة ومرات..و لكنها فطنة الفنان يجترح منجزه وأعماله من ممكنات الأمور والأشياء ..

 

شمس الدين العوني

 

99  صلاح جياد 1كانت الصدمة مدوية حينما وصلني نبأ موته المفاجئ صباح يوم الاثنين 16 مارس ـ آذار 2020 عن طريق الصديق المبدع، فنان رسوم الكاريكاتير منصور البكري، حينما قال لي عبر الهاتف بصوت اجش: [لقد فارق صلاح جياد الحياة!. وأردف: [كانت "لحظة الرحمة" صدمة كبيرة لكافة الاصدقاء في الوسط الثقافي والفنون التشكيلية].. عسى ان يجد الراحة في فضاءات أكثر وجدانية، بعيدا عن عبء الاضطرابات النفسية وعذابات الانحسار والآلام التي عانى منها طويلا.

توأدت خطابات اصدقاء الفقيد على صفحات التواصل المختلفة. لاهميتها، اقتبس بتقيد: نعم هذا الطيب والوديع والمثابر في العطاء بلغة يعجز عنها اللسان في وصف اعماله التشكيلية، صلاح جياد، ذهب بصمت وهدوء "صفاء عبد الحميد".. خبر صاعق ومؤسف جدا برحيل الرسام والفنان الكبير صلاح جياد وخسر الوسط الثقافي والفني العراقي احد اهم اعمدته وركائزه هذا الفنان الراقي والملتزم فنانا وطنيا وديمقراطيا وعلمانيا "المخرج ناصر حسن" .. فاجعة كبيرة وخسارة فادحة لفقدان حبيبنا الفنان صلاح جياد الذي اذهل حتى أساتذته بامكانيته الفنية الفريدة. يا لخسارة العراق ويا لخسارة رفاقه وزملائه الذين رافقوه بالعمل في مجلتي والمزمار وفي مجلة الف باء، كنت مذهلا بكل شيء في فنك وفكرك وأخلاقك العالية "منصور البكري".. الفنان الكبير والفذ والصديق الحبيب صلاح جياد (أبو يمامة) الجميل في ذمة الخلود خسارة فادحة للفن العراقي والعربي ولنا نحن أحبابه ولأم يمامة الفنانة مليكة حاتم وليمامة ابنتهما الوحيدة، كل العزاء القلبي الحار. فصبراً جميل. ستبقى يا صلاح ما بقينا "الفنان فيصل لعيبي".

99  صلاح جياد 2

وتحت عنوان صلاح جياد وداعا، نشر "المنتدى العراقي في فرنسا" ـ بألم وحزن عميق فقدنا صباح هذا اليوم 16 آذار 2020، الصديق والأخ والمناضل الفنان صلاح جياد المسعودي، عن عمر 73 عاماُ، بعد صراع مرير مع المرض. فقدنا رجل من ابرز شخصيات الجالية العراقية في فرنسا وكذلك على الصعيد الفرنسي والعراقي والعربي، وكان احد المناضلين الأشداء ضد النظام الدكتاتوري الصدامي، فنان من الطراز الأول ترك اثراُ وبصمةُ في تاريخ الفن التشكيلي. كان الراحل من أكثر العراقيين التصاقاُ بقضية العراق وعمل الى آخر لحظات حياته من اجل رفعة وعلو العراق وشعبه من اجل تحقيق أمانيه بالحرية والديمقراطية ومن اجل بناء عراق ديمقراطي فيدرالي متقدم. كان لطيف المعشر ودودا ولا يكل عن السؤال عن الأصدقاء وأبناء الجالية، ويقدم كل ما باستطاعته لمساعدة الآخرين.

99  صلاح جياد 3

لظروف استوجبتها "محننا" دون أن يبق لنا القدر نحن عراقيي المهجر أثر التواصل، انقطعت صلتي بالصديق الفنان التشكيلي المتميز ـ فنيا واخلاقيا وانسانيا ـ صلاح جياد المسعودي، ذلك البصري الاسمر الممشوق، البهيج الابتسامة، خفيف الظل، لاكثر من تسعة عشر عاما على الرغم من قرب المسافة ووفرة وسائل النقل.. وكنا نلتق اثناء زيارات شخصية متبادلة بين برلين حيثما انا اقيم وباريس اذ هو، وتتكرر في مناسبات ثقافية وسياسية تنظم هنا وهناك مثل احتفال جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي "اللومانيتيه" السنوي التقليدي، أو اجتماعات جمعيات الطلبة العراقيين في الخارج أو لقاءات سياسية تتعلق بالشأن الوطني العراقي.  

99  صلاح جياد 4

ذات يوم في نهاية السبعينيات رن الهاتف، وكان الصوت في الطرف الآخر ذكوريا، يبعث على الاطمئنان والسرور.. آلو مرحبا .. مرحبا، من معي، أجبت.. صلاح جياد، قادم من باريس وحصلت على رقمك من فيصل لعيبي الذي يبلغك التحيات.. التقيته بعد ساعة في محطة القطارات الشهيرة "زوو Zoo" وكان برفقته شابين تعلو وجنتيهما البشاشة وابتسامة عريضة.. عرفني عليهما بلطف: الفنان التشكيلي غسان فيضي والفنان المصور عبد الحسين.. ثم توجهنا نحو السيارة وغادرنا الى الدار. زوجتي التي في انتظارنا، كانت قد انتهت من تحضير الطبيخ على الطريقة الالمانية توا، وراحت ترتب أدوات المائدة باهتمام بالغ بدت كلوحة فنية ـ تناسق تام بين الوان الصحون والكؤوس المختلفة الاحجام والاشكال.. انتهت امسيتنا عند الفجر وكانت صاخبة لا تخلو من الفكاهة والحديث عن الثقافة والفنون والنقاش السياسي حول الشأن العراقي ـ  وما بين هذا وذاك كان الفنان غسان يمسك العود، يسمعنا أغاني من التراث العراقي والوطنية للحزب الشيوعي.

مكث عندنا الاصدقاء، صلاح وغسان وعبد الحسين سبعة ايام ممتعة. زوجتي وانا كنا في غاية السرور خلال فترة اقامتهم. تركت ذكريات مليئة بالمفاجئات وعبث الحياة، تراكمت خلال الأزمنة ولا تزال حاضرة لم تنته.

في حديثي مع الصديق الفنان غسان فيضي بعد رحيل الفنان المبدع صلاح جياد باسبوع، وكنا بصدد الحديث عنه قال: [خسر العراق والفن التشكيلي فنانا عملاقا لقبه خبراء فن الرسم ومشاهيره "ملك الالوان"] اشارة الى اسلوبه النادر في كيفية صناعة اللون في لوحاته. مهوس بابتكار الالوان المناسبة من مستحضرات طبيعية، تحاكي المرئيات والسمعيات كحروف الهجاء. اللون عنده صعب الوصول اليه كالكلمة التي تدل على معنى في نفسها ولا تقترن بزمان ومكان.. 

99  صلاح جياد 5

أعماله الفنية في الغالب ذات اتجاهات متنوعة غير محددة، فهو بالاضافة الى ممارسته اعمال رسم البروتريه أيام نهاية الاسبوع عند كنيسة القلب المقدس الواقعة في قلب باريس على تلة الشهداء مونتمارتر Montmartre في المكان الذي اعدم فيه مطران باريس الأول دبينسوس في القرن الثالث عشر للميلاد عقاباً على ايمانه. فان أعماله تتنوع بين الواقعية والانطباعية والتعبيرية التي تخلق مزاجا معينا، وبين السريالية أو تمثلها بشكل مختلف. لكن جميعها تُظهر صورا للواقع، وليس بالضرورة أن تكون شكلا مجنونا، انما يمكن ان تعني أيضا الوانا مجنونة غير معتادة كاستعماله ماء الذهب ولون الكازين "الكستانيا" وبذر الكتان والطلاء الزيتي، بالغة الترتيب، لا تحتوي على النظرية الجمالية للألوان، انما على نظريات جمالية وعلمية حول وظيفة وتأثير الألوان، تعريف واضح، يقتصر على الأساسيات لـ "ترتيب الألوان". هنا عادة ما يتم تمثيل شيء أو شكل بطريقة مفصلة للغاية، هو كل شيء ونهاية كل شيء.

99  صلاح جياد 6

في حديثي المطول حول سيرة الراحل الفنان المتميز صلاح جياد مع غسان أخبرني بمرارة: [رغم أنه من الفنانين التشكيليين العراقيين المتميزين فنيا وفق المعايير العالمية ويمتلك رؤية فنية مؤثرة، الا ان صلاح للاسف لم يحظ بأية اهتمام يستحقه على كافة المستويات].. والجدير بالذكر وبحكم معرفتي الطويلة لهذا الفنان البصراوي الشفاف، انه لم يهرول يوما وراء المجد والغنائم حتى في احلك الظروف المعاشية.. بقي الى يوم رحيله زهيدا، تنتشي له النفس، يملأ القلب قوافي. 

 

عصام الياسري

 

 

اسعد عبداللهللعراق رموز فنية وابداعية عديدة في العقدين الاخيرين، لكن الاعلام العراقي غائب تماما عن تسلط الضوء عليها، لذلك فالعراقيون لا يعرفون شيئا عنهم، وهنا اجد من المسؤولية الاعلامية ان اكتب عن تلك الرموز الابداعية، وايضاح بعض الصور العراقية المشرقة، واليوم قررت ان اكتب عن الفنان ستار كاووش، رحل من بغداد، وحط رحاله في هولندا عام 1999، جاء إلى الفن حاملاً مشعل التعبيرية، لكنه لم يستمر فيها، تتلمذ على يد أستاذه القدير الفنان الرائد فائق حسن، لكن لم يقلده، عاش في بلد فان كوخ دون أن يكون ظلاً له. جرأته الفنية جعلته يتجاوز كثيرا من المدارس الفنية، التي ظل البعض أسيرًا لها، انه ابن الرافدين الذي خرج من اسر المحلية ليصل الى العالمية.

كافح كاووش كثيرا في صومعته، الواقعة في مدينة صغيرة في طرف العالم الجميل، لينتج لنا الجمال مقابل القبح المستشري في الكون، وهو رسام تشخيصي يبعث الدفء والحياة بلون قوس قزح عبر شخصياته.

الفنان دوما يمتلك فرنا ساخنا، وهكذا يفعل كاووش حيث يدخل الوانه لفرنه الخاص لتتشكل وتنتج لونا تركوازيا امتاز به، مشعا كسحر اغواء النساء في الف ليلة وليلة، وتتشابك خطوطه والوانه لتنجب لوحة تلو اللوحة بتفرد عجيب وهو كاووش العراقي.

كاووش والحب

الفنان يبرز ما يلهمه، بعضهم يرسم عن المرض والمحنة والجهل، والبعض عن الحرب والدمار، وهنالك من يهتم بالطبيعة، اما كاووش فكان ما يلهمه هو الحب، عندما تنظر للوحاته تحس ان الوانه تتراقص وتتمايل على لحن حب الحياة، ان التفاؤل يشع منها، ان كاووش يعتبر اللوحة كالانثى فان الاعجاب بالفتاة الجميلة لا يعني ان اصبحت عاشقا، فالاهم في لعب الحب ان تعرف كيف تصل الى قلب الفتاة، وهنا ياتي الجد والاجتهاد الى ان تجعلها تحبك، كذلك اللوحة يجب ان تستخدم كل حيلك وبراعتك كي تدخل القلب وتستقر فيه.

 ابرز ما يمكن ملاحظته في لوحات كاووش ان الظل يغيب تماما الا في تفاصيل الجسد، واشارة بعض المختصين ان كاووش يقترب كثيرا من الفن التشكيلي الفرعوني المرسوم في قبور الفراعنة والاهرامات والتوابيت الفرعونية، والتي تم حفظها في الرمال لالاف السنين، بخلاف بيئته العراقية حيث لم تصلنا  من الحضارة السومرية والبابلية الا القليل بسب الصراعات والحروب التي دمرت كل شيء.

رؤية لمنجز كاووش

عند مشاهدة لوحات كاووش وهي متوفرة على عديد المواقع، تلحظ ان اسلوبه عبارة عن مزيج متنوع بين ثقافات عديدة، مع ابراز سحر الشرق، هنالك حياة تنبض في لوحاته، الفرح، الحب، البهجة، يمكن القول هنالك نوع من التفرد في اسلوبه التعبيري، انه اسلوب ابن الرافدين العاشق لقوس قزح، فكأنني اشاهده في اغلب لوحاته عبر الوان صارخة، انه يرسم الحب والجمال في مقابل القبح والدمار، فمن الجميل ان يكون للفنان رسالة عبر لوحاته، وكاووش هذه رسالته الواضحة، تلخص بكلمتين (الحب والانثى).

الرحلة بين لوحاته تكشف محاولات مثيرة للاهتمام لكسر التقاليد، لكن ايضا لا يمكن اغفال ان لوحاته مستوحاة من البيئة العراقية، مثل الملابس الشعبية في وشاح المرأة وطاقية الرجل، وهذا لا يلغي سعيه للجمع بين الشرق والغرب في لوحاته، الجمع بين بيئتين عاش فيهما ــ العراق + والمهجر ـــ كما يقول هو في حوار: " امزج بين أجواء بغداد والف ليلة وليلة التي أعرفها وبين المناخ الهولندي الذي اعيش فيه الان".

 

رموز الموروث العراقي

في لوحات كاووش ظهر الطائر الاسطوري العنقاء، والذي يتكرر حضوره في الفن الشرقي بصورة عامة وفي الفن العراق بالخصوص، وهنالك اختام شبيه بالأختام السومرية برزت في بعض لوحات كاووش، انها الرمزية الواضحة للشرق، ويقول في احد حوارته عن هذه الرمزية فيقول: "تراني في أعمالي أعيد بعض الرموز والإشارات بطرق مختلفة لأنها أثرت عليّ وهي تنسجم مع مناخي الفني وأسلوبي، ومن هذه الرموز، التفاحة والطاقية وظرف الرسالة والأصابع التي تتحرك بغنج والعيون الساهمة والمظلة والأجنحة التي تحلق بالعشاق والحالمين، هذه وغيرها الكثير تمثل لي تفاصيل ورموز أثرت عليّ بشكل أو آخر ووظفتها في أعمالي".

كثير من لوحات كاووش تجدها ليست محاكاة للواقع بل هي كالحلم المفرح، او تنتمي لزمن سعيد فيه الكل مبتهجون، بل هي التقاطات جميلة من واقع مزري، هو يلتقط السعادة ليحولها الى فكرة وحدث وفن، بعض تلك الجزئيات مهملة من الاغلبية، وهي لحظات سعيدة وجمال مميز، من قبيل المقاهي المكتظة بروادها، والعشاق وهم يتبادلون النظرات، والنساء في الاسواق والكراجات، خصلات الشعر، العيون الانثوية بسحرها الخاص، الشتاء والشاي والانثى، الشبابيك، كل هذا يمكن ان يعطي جمالا غير متنبه له.

فالتفاصيل الصغيرة كاووش يهتم بها كثيرا مثل ظرف رسالة، الذي تكرر كثيرا في لوحات كاووش والذي يرمز للغربة والابتعاد والانتظار والحنين والاماكن، هكذا هي لوحات كاووش ورمزيتها العجيبة.

من هو ستار كاووش؟

ولد في بغداد 1963، وحصل على شهادة البكلوريوس من أكاديمية الفنون الجميلة

 في بغداد 1990، أقام أكثر من 20 معرضا شخصيا وحوالي 60 معرضا مشتركا في العراق، الأردن، إيطاليا، الولايات المتحدة، أوكرانيا، السويد، ألمانيا، فرنسا، الأمارات العربية المتحدة وهولندا.

صدرت خمسة كتب ملونة عن تجربته التشكيلية :

1- غواية الحركة ورنين اللون في تجربة ستار كاووش الفنية للناقد عدنان حسين أحمد، باللغة العربية.

2- أصابع كاووش De vingers van Kawoosh ويحتوي على 23 قصيدة لشاعرات وشعراء هولنديون كتبت خصيصا عن لوحات كاووش، باللغة الهولندية.

3- كاووش غموض الرسام (Mystery of a painter ) أصدره إتحاد الفنانين الهولنديين بمناسبة مرور عشر سنوات على وجود الفنان كاووش في هولندا، وباللغتين الهولندية والإنجليزية وقد ضم الكتاب مائة لوحة ملونة، وهي مختارات من اللوحات التي رسمها في السنوات العشر الأخيرة. وقد كتب مقدمة الكتاب البروفيسور ميشيل فان مارسفين مدير متحف درينته.

4- مدينة كاووش باللغة العربية وهو السيرة الشخصية للفنان كاووش حين كان في بغداد، كتبها الكاتب خالد مطلك وصدرت عن دار نشر تشارلستون الأمريكية.

5- نساء التركواز باللغة الأنجليزية والهولندية، وقد كتبت المقدمة السيدة شارلوتا هوخنس التي تعمل في متحف بانوراما مسداخ ومؤسسة موندريان.

6- الجائزة الثالثة في معرض الفن العراقي المعاصر، بغداد 1992.

الجائزة الأولى في معرض الفن العراقي المعاصر، بغداد 1993.

جائزة العنقاء الذهبية كأفضل تشكيلي عراقي في هولندا سنة 2011

زينت لوحاته أغلفة العشرات من الكتب الهولندية والعربية والإنجليزية.

7- عضو جمعية التشكيليين العراقيين. عضو إتحاد التشكيليين الهولنديين.

عضو أتحاد التشكيليين الهولنديين.

8- اختارت منظمة العفو الدولية لوحة ستار كاووش (الحديث بصوت هادئ) وطبعتها بطاقة بريدية وزعت في مختلف دول العالم. سنة 2006

اختير من قبل مجلة باليت الهولندية والمتخصصة بالفن التشكيلي عضو في لجنة التحكيم في معرضها السنوي عام 2006.

9- اختيرت لوحاته لتزين أحد أعداد (كتاب في جريدة) التي تصدره منظمة اليونيسكو والذي صدر مع أكثر من عشرين جريدة عربية في وقت واحد سنة 2011.

 

الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

 

إن الوعي بالبعد الجمالي للخط العربي وتناميه تماشيا مع التطور الحضاري العربي، يظهر بجلاء في الشعر العربي، وبذلك نجد بعض الشعراء قد أنجزوا نصوصهم وفق المعطى الجديد للشكل البصري، واعتمدوا الخط العربي في تشكيل المكان، من خلال مشاريع رؤيوية نظرت لتجربة جديدة بالرغم من بعض الأخطاء التي وقعت فيها.

وبشكل عام، فقد كان لهذه التجربة التي لاحت بوادرها في محاولات – وإن كانت محدودة – والتي كانت مع الشعراء: بنسالم حميش، من خلال ديوانه: كناش إيش تقول، المحاولة اليتيمة في هذا التوجه البصري. وعبد الله راجع من خلال: سلاما ويشربوا البحار. وأحمد بلبداوي من خلال ديوانه سبحانك يا بلدي، وناصر لقاح من خلال ديوانه أشجار نصيرة الجدلى، واحمد بلحاج آية وارهام من خلال ديوانه طائر السمسمة، ومحمد بنيس: في اتجاه صوتك العمودي وكذلك من مواسم الشرق، وأيضا من خلال كتابه ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب الذي يمكن اعتباره حلقة تنظيرية تروم بنية المكان فيما يخص المنحى البصري باعتبار أهمية المكان من الناحية الدلالية وأيضا من خلال دعوته للعودة حنينيا الى الخط المغربي. في حين  بلغت العلاقة بين الشعر والتشكيل محطة أساسية من خلال الكتاب المشترك بين الشاعر المغربي حسن نجمي والفنان التشكيلي محمد القاسمي بعنوان:" الرياح البنية". والذي يعد إنتاجا جديدا في القصيدة البصرية والتوجه البصري.

إلا أن هذه المحاولات وإن تميزت باستنادها إلى الخط المغربي في تحقيق البعد البصري أو إلى الأساليب المختلفة في تشكيل الجمل والمقاطع الشعرية واختزال المساحة وتنويع الفضاء، وإخراجها في منظور مغاير عما هو مألوف، فخصت قصائد شعرية محدودة من الشعر المغربي المعاصر فقط، ولم تتسع لتشمل النثر ولتمتد إلى الأعمال الكتابية في التراث المغربي في شموليته، كما أن عدم تشكل الوعي النقدي الذي يروم هذه المتغيرات؛ جعل هذه التجربة محدودة، خصوصا لدى محمد بنيس الذي فاقم من حدة عزلة هذه المحاولة حين أضاف رسومات لأجساد عارية حكمت مباشرة على القصائد الشعرية بالموت. وفي الوقت الذي أشار فيه إلى بنية المكان في الأشعار القديمة وإلى الأشكال البديعية التي تخطت الشكيل التناظري للقصيدة العربية الى منجز يروم البعد البصري، رسم دعوته التي تبدت في بعدها التنظيري تجديدية لكن مع التطبيق تبدت فيها مجموعة من الاختلالات، يتعلق بعضها بالتناقض والبعض الآخر بتعدد الدال كما أن بعض النصوص الشعرية أصبحت شبيهة في شكلها بالنصوص القرآنية، لأن بعض الأشعار كتبت بالخط المغربي المبسوط على النمط القرآني.

في حين يمكن اعتبار تجربة الشاعر احمد بلبداوي أكثر حظا في استمالة البصر، ونجحت إلى حد ما في وضع لمسة بصرية وفي تقريب المتلقي من الشعر الحديث، أو من التجربة الشعرية الخطية الجديدة، خصوصا وأن احمد بلبداوي اعتمد على تخطيط أشعاره بيده في تحقيق شعرية النص موظفا جماليات الخط المغربي المجوهر والمبسوط، كما وظف الخط الكوفي بشكل جمالي. وفي ذلك يقول: "حينما أكتب القصيدة بخط يدي، فإنني لا أنقل إلى القارئ معاناتي فحسب، بل أنقل إليه حتى حركة جسدي، أنقل إليه نبضي مباشرة، وأدعو عينيه للاحتفال بحركة جسدي، على الورق يصبح المداد الذي يرتعش على البياض كما لو كان ينبع من أصابعي مباشرة لا من القلم"  وهذا يحيل الى العلوم العقلية التي ظهرت في الآونة الأخيرة من بينها ماعرف بالغرافولوجيا (Graphology) الذي  يعنى بتحليل شخصية الإنسان انطلاقا من خط يده الذي يعتبر جزءا من شخصيته  وتكوينه البشري، بالرغم من كون  هذا الاتجاه (الغرافولوجيا) لايهتم بجمالية الخط.

إن تجارب هؤلاء الذين جعلوا من التركيب الخطي بعدا بلاغيا يفتح النص على البصر قد ساهمت في لفت النظر الى هذا المجال الابداعي، والانزياح إلى عالم مغاير جعل المتلقي يغير طريقة تفاعله مع النص المكتوب، بعدما قويت العلاقة بالخط والمكتوب في نطاق الرؤية البصرية وعملية الاستيعاب. خصوصا وأن تلك  النصوص بكل مفرداتها وعناصرها، قد تميزت بالأيقنة الفضائية والتلوين ومخاطبة لغة الألوان ومحاورة مختلف الخطوط.

 

د. محمد البندوري

 

محمد الشاويتوطئة: ليس غريبا أن يعرف الفن المعاصرة ثورةً كليةً على التيارات والمذاهب السابقة. فسيرورة تطور الفن وصلت حسب هذه الثورة إلى مستوى التبخيس والاستهزاء، إذا تأملنا هُزأة ما يُقدم. بل ربما إلى مستويات أخرى تجعلنا نُفكر في نُكتٍ معاصرة عن موزة مارويسيو كاتيلان الفنان. وهي موزة ليست ككل الموز. لقد وصلت في السوق الأمريكية للفن إلى مبلغ 120 ألف دولار في معرض "آرت بازل" المقام على شاطئ ميامي. وهذا الارتفاع في ثمن البيع يجعل قاطرة الفن المعاصر تدق ناقوس الخطر. لذلك علينا أن نطرح سؤال المعاصرة من جديد في علاقته بلُحمته الأساس ألا وهي العصرنة، وفي ضوء التأمل الآتي:

هل من الممكن للفن المعاصر أن يبتعد عن العصرنة contemporanéité

بتعبير آخر كيف يستحضر الفن المعاصر مسألة العصرنة، وكيف يبتعد عنها بخلق تحديثات modernisations بصيغة معاصرة؟

وما موقع الموزة من كل هذا؟

1398 الفن والعصرنة 2

1- العصرنة ومدلولاتها:

ليس من السهل إقامة قطيعة بين محطات تاريخ الفن وسيرورة تكوُّنِه، إذا لم نستحضر خصوصيات تطور تاريخ الفن نفسه. ولعل هذه الخصوصيات -بصيغة الجمع- ستدفعنا إلى تعميق النظر في الأطروحة التي يرتكز عليها مقالنا النقدي، ومؤداها أن السابق يؤسّس للاحق فكرا وفنا وعلوما. فإذا أردنا تحديد دلالة العصرنة فإننا ملزمين بالخضوع لسمة ماهو معاصر. فهي بصيغة صريحة تستدعي جميع السياقات التخطابية والجمالية لمرحلة التاريخ الراهن الذي نحيا داخله. إنه تاريخ ينقلنا للحديث عن "العالم الذي يحيط بنا" كما ذكر الفيلسوف والسوسيوجي الفرنسي ريمون أرون. فهو تاريخ في متناولنا، ومن السهل بلوغه، على خلاف "عالم الذين عاشوا قبلنا" كحديثنا عن الفن خلال فترة ما قبل الميلاد أو الفن عند الإغريق أو الرومان أو في العصر الوسيط... وهذا مثبت في سجلات التاريخ، وسبق للمؤرخين توثيقه بالسند والمادة التاريخيتين.(1)

فضلا عن ذلك فالتاريخ الراهن يحتوي دلالة العصرنة، بالنظر إلى مختلف العوامل المؤثرة في الفن المعاصر من الناحية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية والدينية... فمدلولات العصرنة تستدعي أيضا الوقوف عند أهم البارادايمات (النماذج الارشادية للعلم وللمعرفة العلمية) التي ساهمت في تحوُّلِ منظمومة العلم نفسه، وتاريخ الفن في صيغتهما الراهنة. (2)

لكن أن تصل المسألة إلى درجة التبخيس، فهذا دليلٌ على كَبْتٍ داخلي refoulement تحمله الذات الفنية التي جعلت من المزة موضوعا يرتبط بالعصرنة.

وإذا تأملنا وأمعنا النظر، فالموزة رمز معاصر للتوجه الشواذي (نسبة إلى الحالات الجنسية الشاذة وغير المألوفة بين الذكور والإناث إذا ما قارناها بالعلاقات الطبيعية) شأنها شأن الراية القزاحية، ووسادة النوم... وتوظيف هذا النوع من الرموز المعاصرة، يدل في الأصل على اضطراب نفسي ارتبط بالانحرافات الجنسية. ولعل تصنيف رائد التحليل النفسي فرويد للاضطرابات النفسية، يجعلنا نقف عند ثلاثة أشكال رئيسة: العصاب والذهان والانحرافات الجنسية.(3) لكن علماء النفس والطب النفسي في تصنيفهم للأمراض والاضطرابات النفسية والعقلية لم يجعلو للشواذ والسحاق موضعا داخل كُتب التصنيف المُؤمركة(نسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية) إيمانا منهم أنها ليست حالات مرضية، ولأن منهم من يُحبُ المثلية والسحاقية، بل هناك من ينتمي إلى دائرة المجموعة. (4)

ذهب أحد الباحثين إلى اعتبار الموزة قضية ثورية. وأساس ذلك ارتباط الموزة بالاقطاعية الزراعية التي تتحكم في محاصيل الموز بالولايات المتحدة الأمريكية. وهي كما تبين لنا إقطاعية تخدم مصالح الليبراية الجديدة بمرجية الربح أولا، ليتم تعضيدها بالرأسمالية التي تخدم الفرد قبل كل شيء. فهذه مقاربة تُحترم إذا ما طبقنا المنهج الاجتماعي في تحليلنا للعمل الإنشائي للفنان مارويسيو كاتيلان. وكذلك هو الشأن بالنسبة للمنهج الماركسي الذي يلتقي مع نفس المنهج الاجتماعي، لكن باستحضار الصراع الطبقي بين طبقة الفلاحين ومُلاك الأراضي من الإقطاعيين. وما دام الإنسان في ظل الاقتصاد الرأسمالي"يُنتج البضائع، والبضاعة تباع قبل أن تُستهلك"(5) فإن الفنان هنا يُعبِّرُ عن صميم هذا الإنتاج برؤية جمالية نقدية. فهل تتحقق هذه الرؤية مع مارويسيو؟

لكن دعونا نعود إلى رمزية الموزة فنتساءل: هل مارويسيو شاذ جنسي؟ أم إن الأمر فقط مسألة تعاطف مع فئتين مختلفتين:

فئة الشواذ والسحاقيات، وفئة المزارعين من الفلاحين الصغار؟

لا شك أن الميكانيزمات الديفاعية Mécanismes de défenses التي تحظى بها شخصية الفنان ماريزو قوية جدا، إلى درجة التعتيم عن ما يجول بداخله، وما تحمله طاقته الليبيدية Libido من ميول انحرافية/جنسية. المسألة أشبه بورعِ قسٍ وعفتِه، وقَلبهُ يهيم بالغِلمانِ من صغار الدير، هيام المُحبِّ لمحبُوبه. أو كالراهبة التي لم تستطع قتل غريزتها الطبيعية (الجنسية)، فأيقظتها خلسة مع ثوأمها الروحي في الدير على شكل ثنائي متكامل.

2 - تحديات الفن المعاصر عند مارويسيو كاتيلان بين مقعد التغوط الذهبي واستبانة الموزة:

1398 الفن والعصرنة 1 لقد جرى القول عادة حسب المهتمين بالفن المعاصر - وجلهم من الباحثين والنقاد - بأن مسألة القطيعة مع اللوحة تشكل أساسا يرتكز عليه الفن المعاصر. إنها قطيعة من حيثُ التعاطي الفني شكلا ومضمونا، مع ضرورة طرح أساليب جديدة تُوَسِّعُ من أفق دائرة التلقي. لكن ظلت العديد من التجارب المعاصرة (مع استثناء بعض التجارب الجادة) تركن إلى إعادة إنتاج التجارب السابقة لمدارس فنية -لها تاريخها العريق- داخل نسق معاصر، لتعود اللوحة من جديد لكي تطفو على السطح.

كما أن حضور الإنشاءات الفنية والفيديو آرت والتركيبات الفنية والأحجام والمنممات الجديدة... قد ساهم في خلق فكرة << الموضوع/الشيء الفني>> objet d'art في قوالب متباينة تحذو حذو النعل الفرانكوفوني، وتتوق إلى التعالي عن الكعب الأنجلوسكسوني حسب الطلب. ووفق أهواء وميول السوق الفنية. لذلك فقد أدرجنا هذه التوجهات الجمالية ضمن ما اصطلحنا عليه ب: <<التحديثات معاصرة>>.

وهذا من شأنه أن يجعل قاطرة الفن المعاصر تنزاح عن مسيرتها داخل نظام يتكرر فيه ما ثَم تناوله من تجارب ومنجزات تشكيلية يصعب الاقرار معها بالقطيعة. لكن أن تصل المسألة إلى التعبير بواسطة مقعد التغوط في حُلةٍ ذهبية أو بواسطةِ موزةٍ مع لاصقٍ يُستغدم في اسكات المعتقلين من ضحايا التعذيب... فتلك موجة جديدة تجعل المتلقي يستصغر الفن المعاصر، ويسخر من الفنان مارويسيو كاتيلان. إنه "موت الفن" (6) كما تنبأ له الفيلسوف الألماني هيجل في محاضراته حول علم الجمال التي جمعها تلميذه هغليش غوسطاف هوطو Hotho.

لذلك فموت الفن عند هيجل دليل على نهاية النسق الجمالي بالنظر إلى النسق الفلسفي الذي انتهى مع فلسفته المثالية الجدلية. فتأويل فكرة موت الفن أو نهايته يجعلنا أمام فنٍ جديد لم يستطع الفيلسوف هيجل أن يتنبأ به، نظرا لما حققته الرومانسية من طفرات نوعية داخل سيرورة تاريخ الفن. بتعبير آخر فالرومانسية هي الفن الذي كان يحلم به هيجل والذي لطال ما تأثر به. وعلى هذا الأساس فإن السابق يؤسس للاحق كما سبق أن أشرنا فكرا وعموما وإبداعا، وفق مرجعية دائرية شبيهة بكرة الثلج التي تتدحرج. وهذا ما اقتنع به هيجل، وشكل به فكرة الروح المطلق وأطروحته في تاريخ الفلسفة وفي الفن أيضا. أما بالنسبة للفنان مارويسيو كاتيلان فقد أعلن موت الفنان نفسه تحت رجلي الرأسمالية الجديدة. هي رأسمالية أسعفته بنقودها من أجل العرض حسب الطلب. فهل مات الذوق الفني ومات معه الفنان؟

 

بقلم: محمد الشاوي

فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن.

.....................

هوامش وإحالات مرجعية:

(1) R. Aron, Leçon sur l'Histoire. Cours du Collège de France. Établissement du texte, presentation et notes par Sylvie Mesure. Revue Belge de Philologie et d'Histoire. 1992.

(2) voir: Nathalie Heinich, Le paradigme de l'art contemporain. Structures d'une révolution artistique, Gallimard, Paris, 2014.

(3) S.freud, Névros, psychose et perversion, Traduit de l'allemand sous             

la direction de Jean Laplanche. Introduction de Jean Laplanche, Paris ,             

 P.U.F,  2010.

(4) voir:

La classification prédominants pour les troubles mentaux- La classification internationale des maladies réalisée par l'organisation mondiale de la sonté (OMS) et le Manuel diagnostique et statistique des troubles mentaux (DSM-IV) (DSM-V) (DSM-X)réalisée par lAssociation Américane de psychiatrie (AAP).

(5) عبد الله العروي، مفهوم الإيديولوجيا، المركز الثقافي العربي، 2003، ص.87.

(6) Hegel, Cours d'esthétique, t,I. trad. J.P. Lefebre et V. Von Schenck, Paris, Aubier, 1995. p. 17.

 

 

محمد آيت لعميمينحدر الفنان التشكيلي العراقي فائق العبودي من سلالة باذخة، تضرب بجذورها في فجر التاريخ، ينتمي إلى بلاد الرافدين، وأرض الهلال الخصيب، بكل ما لهذه التسميات من شحنات دلالية في متخيل، ووجدان من يرتبط بهذه الجغرافية الولود، والمعطاء، بدءاً من ابتكار حروف الكتابة وسنّ القوانين، والبحث عن نبتة الخلود احتفاء بالحياة، ضد رهاب الموت والعدم، أرض أساطير البعث والخصب،أرض النبوءات المؤسسة، أرض التعدد اللغوي، وبرج بابل شاهد على ذلك ،تمددت فيها الحضارات حتى آخر ما يفخر به العرب في الزمن العباسي، الذي تشكلت فيه الهوية المتعددة، وانتجت لحظة لم تتكرر في التاريخ، فمن يجر وراءه هذه الأحقاب من التحضر لن يكون إلا مبدعاً، وفناناً تتلبسه روح الابتكار، والإتيان بما يدهش ويمتع.

ينتمي الفنان العبودي بالوراثة لهذه الجغرافية الممتدة في الزمن، وإلى كل الترسبات الراسية في ذاكرة المكان، فهو الجنوبي الأصل، البغدادي المولد الذي فتح عينيه في بيئة تحتفي بالفن، وتوليه أهمية كبرى ،حيث يتميز العراق الحديث بالاعتناء بالرسم، والتشكيل كجزء من التكوين في المدارس، ناهيك عن أن المدرسة العراقية في الفن رائدة بأسمائها المشهورة، التي بصمت المشهد العربي بأسلوبها المتفرد الأصيل، وبفتوحاتها التجديدية والتجريبية، في هذه الأجواء المشحونة بالإبداع، والريادة في مجالات الإبداع المتنوعة نشأ  الفنان فائق العبودي، وتشربت ذاكرته البصرية بأساليب عديدة لفنانين اجترحوا طرقاً متنوعة في الإبداع الفني والتشكيلي، إضافة إلى هذه المرجعية الفنية القوية ،هناك مرجعيته البصرية التي أتاحها المعمار العراقي، بكل تنويعاته وتشكيلاته من خلال المراقد والأضرحة، وكل زينتها وزخارفها،والأبواب العتيقة ، والقباب، فهذه المكونات المعمارية للمدينة القديمة تترسخ في الذاكرة، وتفعل فعلها في الاختيارات الجمالية للفنان، فيستدعيها بطريقة لاشعورية عند ابتكار صور تجريدية لها، بغية خلق عالمه الموازي لعالم الأشياء المعروضة في الواقع.

98  فائق العبودي 1

إضافة لكل هذه العناصر المرجعية،هناك المتحف العراقي في بغداد الذي يضم عصارة الحضارات المتعاقبة، فوحده المتحف يولد لدى الفنان طاقة هائلة للإبتكار، والاستلهام، والتحاور الجمالي، والاستزادة من التدفق الروحي، والإشباع البصري، وتقوية الانتماء، والإحساس بالسند التاريخي.

يتميز الفنان فائق العبودي بهدوء يستضمرغلياناً، وحركية غير معلنة، تتجلى في تجافيه عن كل منجز، وكأنه قلق تجري من تحته ريح، وكأني به يردد مع المتنبي:

 أريد من زمني ذا أن يبلغني... ماليس يبلغه من نفسه الزمن.

هذه الروح المتوثبة تنعكس في التنوع الذي يصاحب تجربته، التي يعكف على بنائها بتؤدة، ووعي جمالي، وفكري ضروري لإنضاج أعماله، ومنحها بعداً وجدانياً.

استطاع فائق العبودي أن يبتكر لنفسه إسلوباً خاصاً به  لاتخطئه العين، قوامه تحقيق التناغم بين جمالية الرمز، والعلامة، واللون، وتنويع المساند، ومواد الإشتغال.

98  فائق العبودي 2

ينوع العبودي المواد، والخامات التي يشتغل عليها، بين خشب، وورق، وقماش، ويبحث عن تعتيق اللوحة إلى درجة أن المشاهد يتلبسه إحساس، وكأن هذه اللوحات أخرجت للتو من باطن الأرض، من ضمن لقى، وكنوز مطمورة، أعتقد أن هذا النزعة لتعتيق اللوحة يكمن من ورائها مفهوم فكري، حول مسألة الزمن التي حيرت العقل،وكانت محط تأمل فلسفي وأدبي وعلمي، كيف لنا أن نوقف سيلان الزمن الذي يجري ويجرنا معه؟ فجواب العبودي عن هذا السؤال المؤرق، هو الرصد الواعي لما يخلفه الزمن في الأشياء التي تبدو في اللوحة متآكلة، وباهتة، وممحوة، إن فعل المحي، والأثر يوظفهما العبودي بشكل فني يوازن فيه بين جمالية الأداء، وعمق الفكرة.

لقد هاجر العبودي من الشرق حيث الشمس، والعوالم العجائبية التي رصدتها مخيلة الكتاب المجهولين، للنص الخالد ألف ليلة وليلة ،إلى الغرب حيث تغرب الشمس، وكأنه في مهجره يحاكي مسار الشمس، التي ظل يحتفظ بها معه، فهو المقيم في سويسرا في لوزان تحديداً،إلا أن هواه الفني ظلّ مشدوداً إلى وجدانه، وذاكرته، التي تشبعت برموز، وعلامات حضارة عميقة، وسحيقة، فالرمز الذي تحفل به لوحة العبودي ضارب في القدم ،يحقق به مجموعة من الوظائف الجمالية والهوياتية.

98  فائق العبودي 3

فعلامات الكتابة السومرية هي في أساسها رسومات تجريدية، هذه العلامات مشحونة بعناصر هندسية، ويتم توظيفها كجزء بنيوي في اللوحة، باعتبارها رسماً، وتشكيلاً، يتغير كشف حجب الرؤية، وإزالة الرتابة، والألفة التي تحول دون رؤية البعد الجمالى لهذه العلامات، ولو لم يتم فهم معناها فإنها تثير الدهشة، والاستغراب.

من العلامات المتواترة في لوحات العبودي ذلك الرمز الدال على الخصوبة المرتبط بعشتار وإنانا، وقد تم اقتراض هذا الرمز في الثقافة الاسكندنافية، ولدى الأمازيغ في شمال افريقيا، وهو حرف الزاي لديهم، واتخذه الصوفية قديماً رمزاً للإنسان الكامل، بحيث تحول هذا الرمز إلى علامة كونية يشحنه كل شعب برمزيته الخاصة، والفنان العبودي استثمره جمالياً، وتعامل معه بطريقة جعلت منه مادة ينوع عليها أشكاله الفنية، وكأنه يسعى إلى استنفاذ كنهه، والغوص فيما وراء الحرف، فلوحات العبودي تحرر هذا الرمز بالتنويع فيه هندسياً، ويتخذ الرمز هيئات متعددة تتناغم مع اللون، الذي يوظفه العبودي بشكل مكثف،وينوع الأصباغ الحارة القوية، محدثاً بذلك نوعاً من الدهشة لدى المتلقي، فلوحة العبودي تراود المشاهد لتشبع عينه باللون، لذلك تحتشد اللوحة بالكامل، ولا تترك الفراغ،في رغبة ملحة لغمر القماش، أو الخشب، أو الثوب، أو باقي المساند الأخرى بالألوان. 

98  فائق العبودي 4.jpg

هناك شبه موسيقى هادئة تنبعث من ألوان العبودي، هدوء يحافظ للعين على راحتها، ليستدرجها لولوج النوافذ المطلة على عوالم الفنان، لترى كيف يصوغ الأشكال، أبواب مشرعة، رقُم في هيئة وسادات، لوحات توهم بالقدم مثل مخطوطات دبغها الزمن، وتآكلتْ بفعل التعرية، والكشط، زرابي مرقومة عليها آثار البلى، أعمدة مكتوبة بطريقة متاهية.

إذا كان كبار الفنانين الغربيين من أمثال فان غوغ، الذي اعتمد في بعض لوحاته الحرف الياباني، وأيضاً بعضاً من ثقافة اليابان لاعطاء لوحته بعداً غرائبياً، والانفتاح على الشرق من أجل أن يعطي فنه دافعاً تجديدياً، في لحظة عرف فيها الفن الغربي ركوداً، فإن العبودي استوحى ثقافته الشرقية المرتبطة بهويته ووجدانه، ليجعل منها رافداً فنياً لاينضب، وليقدم للغرب، وأيضاً للشرق شيئاً فيه طرافة، وجدّة، وخلق ألفة لدى المشاهد لعلامات، ورموز تحتاج إلى زمن كي تُقرأ وتفك شيفراتها، بهذا يحاول فن العبودي أن يروض عراقة العلامة في أشكال متجددة على الدوام لتبقى راسخة في ذاكرة المتلقي.

 

د. محمد آيت لعميم

كاتب وناقد ومترجم - المغرب

 

 

أعمال صالون صفاقس السنوي أنموذجا

نتيجة لتطور المفاهيم الجمالية والفنية في الفن المعاصر، قد أوضحت الأعمال الفنية أن هناك مفاهيم متباينة نحو استخدام الخامة كوسائط مادية في بنائها، فهناك أعمال فنّية تبدو وكأنّ لا علاقة لها بالمادة بوصفها عنصرا أساسيا يدخل في تكوينها، فيقتصر استخدامها كوسيط لتسجيل بعض المظاهر، وتظهر بعض الأعمال الفنّية اهتمام الفنانين بمدى أهمية العنصر الجمالي للمادة. وقد استفاد بعض الفنانين من الإمكانات التشكيلية والتعبيرية للخامة في تأكيد أفكارهم الفنّية وقيمهم التعبيرية، ونتيجة للتطور التكنولوجي والعلمي الذي ساعد على تحقيق أفكار إبداعية تتخطى كثير من المفاهيم التراثية.

إنّ لكلّ مادة جسد يتحدث بلغة خاصة عن نفسه، هذه اللغة هي روح المادة التي يسعى الفنان إلى كشفها والسماح لها بالإنطلاق والتحليق من خلال عمل يضج بالحيوية والحركية. فالخامة تتضمن في ثناياها جوانب لا حصر لها، يجب البحث فيها عن كلمة السر لفتح أبوابها لتظهر صورة أو شكل العمل، واستبعاد ذلك الوسيط أو الخامة، يجعل من العمل الفني غير متكامل.

ولعلّ عودة افتتاح معرض صالون صفاقس الذي تأسّس منذ سنة 1986، والذي احتجب خلال العديد من السنوات، قد رجع تدريجيا سنة 2017 في دورته الخامسة والعشرون، ثمّ انقطع لمدّة سنتين، وعاد بكلّ جدّية في دورته السادسة والعشرون، ولعلّ من أبرز مزايا هذا المعرض أنّه يحتكم إلى مهمّة التواصل ما بين العمل الفنّي والمتلقي، فوسائل الإعلام هي وسائل اتّصال بالدرجة الأولى ويهمّها أن تثير أثناء تغطيتها للمعارض الفنّية، هاجس التواصل بين الفنان والجمهور، وأن تثير فيه رغبة الزيارة لهذه المعارض والتواصل مع مختلف تلك الأعمال التي تبرز ثقافة تشكيلية لونية وتقنية. فهل على الفنّ التعبير فقط؟ أم يمكنه المساهمة في تغيير وجهة المتلقي؟

إذ ليس العمل الفنّي هو ذاته لكلّ المتذوقين، ذلك لأنّ لكلّ عمل دلالاته التي تثير خيال المتلّقي وتحفّزه على التأمّل والتساؤل، فينفتح المجال واسعا للتحليل والتأويل والاكتشاف، كلّ حسب قدراته وخبراته وثقافته، فتختلف قراءات اللوحة الفنّية بتنوّع الرؤى والتفاعلات الوجدانية ويصبح خطابها متعدّدا. فقد أكّد هذا المعرض على إصرار الفنان ومدى حرصه على إرساء علاقة متينة مع المتلقي من جهة، لتحقيق مستويات من الاستجابة على إحياء تذوّق تلك المتلقي للعمل التشكيلي، سواء على مستوى الإنجاز أو ما يعقب هذا الإنتاج من نتائج. إذ إتّسمت معظم الأعمال بأسلوب ورؤية جديدة على مستوى مختلف التقنيات المادوية والتكنولوجية المعاصرة.

فما على المتذوق سوى أن يدرك الأبعاد التعبيرية والإيحائية للون ولما وراء اللون، وبذلك فإنّ الإبداع لدى الفنان هو حيرة، فكرة، فعلا، فنتاجا، إذ أنّ معظم الأعمال سعت إلى إثارة مفاهيم ذهنية تعبّر عن قيم ورؤى ومواقف وأحاسيس إنسانية. إذ نرى في مثل هذه الأعمال تفاعلا بين الوعي باللاوعي والموضوعي بالذاتي والوجداني بالحسّي، وصولا إلى اللامرئي ليصير مرئيا ودّالا،  باعتبار أنّ الفنّ هو فعل وتفاعل وحوار بين الفنان ومحيطه ونتاجه من جهة وبين ذاته والآخر من جهة أخرى. وبهذا فإنّه يكفي أن نتعرّف على بعض توصيفات لأعمال فنّية مشهورة، وجدت اعترافا بانتسابها لمجال الفنّ التشكيلي، التي من ضمنها ماهو ذو مضمون ومحتوى، ومنها ماهو تجريدي بحث، ومنها ماهو ميدان للتأمّل والتأويل، ومع أنّها جميعا أعمال فنّية فإنّ طرق الإنجاز لها متعدّدة.

إذ استوقفنا هذا المعرض، لكونه قد اشتمل على مجمل الاختصاصات،  والاشتغال على تنويع المحامل والوسائط والدمج بين تقنيات مختلفة، ممّا أفرز نتاجا قد تميّز بخاصيات تشكيلية وتقنية ومادوية نوعية، ولنستهلّ في البداية بما حظي به الرسم من تقنيات مختلفة  بالنصيب الأوفر في منتوج بعض الفنانين الذين نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر كلّ من الفنان عبد اللطيف الحشيشة وصفوان علولو وخليفة البرادعي ورضا الغالي وكلّ من الفنانات نجوى عبد المقصود وهندة بوحامد وهيفاء عبد الهادي وغيرهن من الفنانات والفنانين، الذين اتّسمت أعمالهم بنزعة تجريبية وبجرأة عالية التي جاءت من فهمهم العميق لقوانين وخصائص المواد التي يشتغلون عليها، إذ نستطيع أن نرى إلى ما يمكن أن نسميه بالإيقاع التعبيري اللوني، ربّما لأنّهم أرادوا تقديم  نفس آخر، إذ سعوا في مثل هذه الأعمال إلى تقديم تناول بصري لإيقاعات مختلفة من حيث التقنية والأسلوب.

وبهذا يكون العمل الفنّي، هو حوار متواصل مع المادة اللونية والأشكال والخامات في تكوينات لا متناهية تنزع إلى التجريد أكثر من نزوعها إلى التشخيص والتمثيل، وهو أيضا حوار الحسّ مع الفكر والأداة لإنشاء خطاب جمالي، إذ  حاول هذا المعرض أن يبني ما يمكن أن يثبت خطوات المبدع من خلال تعاضد مختلف الاختصاصات، فمن تشابك الخيوط وتعاضد مختلف التقنيات والوسائط، فللفنان محمد سحنون على سبيل الذكر لا الحصر، له العديد من الأعمال التي تندرج ضمن نسق فنّي واحد إلاّ أنّها في الوقت ذاته تمثّل منعطفات مختلفة وأبحاثا متفرّقة في تركيب الشكل وبناءات العمل إجمالا وفي طبائع الخامات والتقنيات مثلما هو مجسّد في عمله المشارك به في هذا المعرض، حيث أنجز أعمالا فنّية ذات خصوصية عالية، حملت تمثيلات شديدة التنوّع لتصوّراته وعبّرت إلى حدّ كبير عن سعيه نحو التجديد والإبداع المستمّر.

ولعلّ في ذلك ما يجعلنا ننبهر بالتكوينات الحروفية التي أنجزت من قبل بعض الفنانين، محاولين إعطاء قراءة مغايرة للخط العربي. إذ أنّ كلّ فنان حاول أن يتمرّد على القوالب المعرفية الجاهزة، حيث سعى كلّ منهم إلى استدعاء سياقات رؤيوية وجمالية من مصادر غنّية، ولكن أثناء بحثهم لا يتجاوزون الإرث الفنّي المحلي، بل إنّهم لا يتجاوزون أي موضوع يجدون فيه إثراء لأعمالهم الفنّية.

إنّ مثل هذا التوّجه في انتهاج التكوين الحروفي قد مثّل بالنسبة للفنان خالد الفقي، هاجسا دفعه إلى خوض تجارب فتحت له مسارات جديدة، إذ أنجز هذا الفنان تكوينا اتّصف بقيم فنّية متنوّعة، والعمل على صياغة الحلول الجمالية التي تضمن له اندماج الأجزاء في الكلّ مع استثمار حضور الخط العربي في خلق طرح إبداعي يثير الدهشة، ولتحقيق خطاب متعدّد المعاني والإنفتاح على العديد من الأبعاد التعبيرية، إذ عمل على إمكانية الدخول فيما يشبه التناص أو إنتاج قراءة بصرية للخط العربي، توازي الشكل الفنّي العام للوحة وتستوحي المحتوى، إلاّ أنّها لا تفقد إبداعيتها ولا تستحيل إلى صور. فقد عمل هذا الفنان على إعادة تمثيل الخط العربي عبر محاولات إثراءه  بنماذج فنّية أخرى، حيث يقول الناقد محمد أبو رزيق "بأنّ قراءة العمل البصري هي نوع من القراءة المكافئة  لقراءة النصّ المكتوب"،   وهو توجّه قد نجد له صدى في العديد من التجارب العربية التي احتفت بتوظيف الخط العربي والعلامة الخطية، ولذا تأتي ممارسة هذا الفنان إضافة هامّة إلى من سبقه في هذا المجال، معتبرا بأنّ  الحرف هو الهيكل العظمي للوحة التشكيلية الحروفية العربية.

كما تستوقفنا الأعمال الخزفية لكلّ من الخزاف كمال الكشو وبلحسن الكشو ومنجي والي ...وغيرهم التي أفصحت على تفرّد تقنياتهم التي تتميّز بخصائص مميّزة تتوافق في تعزيز ما قدّمه هؤلاء الفنانون للبحث عن ماهو جديد ومبتكر، فكلّ منهم قد استخدم طرق متعدّدة ومتباينة في آليات التطبيق مثل تلك التقنية التي أصبحت نهجا خاصّا لكلّ فنان في تفعيل آلية تجربته، وذلك لأنّها تعدّ من أهمّ التقنيات المعبّرة وذلك للتعبير عن قيم شكلية من خلال استغلال الطين والطلاء بطرق مختلفة في الإنجاز والتقديم.

ذلك أنّ تناول أهمية التقنيات وأساليب التنفيذ والمهارات العملية للأداء الفنّي، نجدها تعطي الفنان حرية في التعبير، وتكون ذات تميز وتفرد خاص، كما أنّها تميز العمل الفني حين لا يظهر أي التباس بين تلك التقنيات وأساليب التنفيذ، ممّا يوضح تمكّن الفنان وقدرته على الأداء ، دون أن تفقد الخامة قيمتها داخل العمل الفنّي، فهذه الخامات والتقنيات والتنوّع في الإنجاز، تعين الفنان لإيجاد حلول غير تقليدية تجمع بين التعبير ومختلف الوسائط، ولعلّ ذلك ما نتلمّسه في بعض الأعمال النحتية مثل عمل الفنانة ريم معلى ونزار الطريشيلي وعادل الجموسي، وهنا نجد أن الخامة والتعبير يساهم كلا منهما بدور فعال داخل كيان العمل الفنّي، فالتعبير يتطلب تقنيات محكمة تساهم الخامة كثيرا في إظهاره، فالخفة أو الثقل، والتألق أو الإظلام، والنعومة أو الخشونة، كل تلك الخصائص تزيد العمل الفنّي من قدرته التعبيرية، حيث يقول شاكر حسن آل سعيد " بأنّ مهمّة الناقد هي إيصال شحنة الانفعالات في العمل الفنّي من الفنان إلى الجمهور" ، ولكنّ عمق الاختلاف ربّما يتجلّى في مسألة كيفية قراءة العمل التشكيلي.

تستوقفنا أيضا أعمال الحفر التي قد تنوّعت من فنان إلى آخر كلّ حسب أسلوبه وخامته المفضلة، حيث نقف على عمل الفنانة لبنى عبد المولى وفاطمة دمق والفنان عبد الله كمال، فكلّ قد عبّر بطريقته عن نزعته التجريبية بجرأة عالية التي جاءت من فهمهم العميق لقوانين وخصائص المواد التي يشتغلون عليها، وبين هذه الدوغمائية الخطية تتسرّع التفاصيل الموحية في المثول، قد تكون أجسادا بشرية أو كائنات حيوانية ذات هيئة فانتازية، ممّا فتح لهم مجالا أوسع وإمكانيات أكبر وبدائل قد مكنّتهم من التحرك والتعبير بحرية وبما يتفق مع رغباتهم واتجاهاتهم الفنّية.

فالتركيب والخامة، لا يمثلان عملا أو قيمة فنّية، ما لم يتضمنا التعبير، وهو عنصر له ارتباط كلي بماهية الشكل والخامة، حيث سعى كلّ فنان إلى توظيف خصائصه الشكلية والتعبيرية في تحقيق فكرته، والتعبير في العمل الفني قد يكون مباشرا أو ضمنيا أو رمزيا. فلا بد أن يحتوي العمل على تعبير ما، ولا يعني ذلك انغماس الفنان في جماليات الخامة والشكل، لإهمال هذا الجانب العام، الذي بدونه يفقد العمل طبيعته الفنية والجمالية، ما لم توظف هذه الجماليات في إظهاره وتوضيحه، فالخامة والشكل والتعبير، لبّ وجوهر الفكرة الفنية، و بصرف النظر عن الخامات وهدف الفنان، فإنّ هذه الاعتبارات الثلاث تبدو وكأنّها تشكل النواة لكلّ محاولة أو سعي لعمل فنّي.

إذ أنّ قيمة العمل الفنّي تنتج من تضافر عناصره الثلاثة، الخامة والشكل والتعبير، وقيمة كلّ عنصر ترتبط بالعناصر الأخرى، فمن الأهمية تبيان جوانبها في تقييم العمل، من حيث قيمته التشكيلية والتعبيرية، ويوصف التعبير بأنه هو الهدف والفكرة التي يحتضنها الفنان ليخرجها في شكل جمالي يحتوي على نظام تتجاوب معه الأحاسيس الإنسانية، لهذا لا يكون التعبير عنصرا إيجابيا إلا بتفاعله مع عنصري الخامة والشكل، حيث لا يوجد عمل بدون شكل وخامة، وعندما يفكر الفنان في العمل الفنّي، فإنّه يختار خامته ويعمل على صياغتها بطريقة تحقق له أقصى عطاء تشكيلي وتعبيري.

غير أنّ قناعاتنا تزداد يوما بعد يوم بأنّه لا مجال لفنان عصر التكنولوجيا الحديثة والبرمجيات الذكية والعوالم الافتراضية أن ينغلق ويعتكف في برجه ليتمسّك بنفس تقنياته وأشكال تعبيره، وذلك لأنّ العلاقة بين الفن والتقنية أو الفنون والتكنولوجيا هي علاقة ديناميكية، علاقة إبداع تدفع بالفنّ إلى ابتكار أشكال تعبيرية دائمة التجدّد والتنوّع، إذ نلاحظ بأنّ مجال التصوير الفوتوغرافي أصبح يتقدّم بالتوازي مع كلّ المساحات التعبيرية الفنّية، حيث نجد حضورا لهذا التناول في تجربة كلّ من الفنانة سماح بوشعالة من خلال اعتمادها على تقنية الفوتومنتاج وكذلك حنان المعزون على التصوير الرقمي، والفنان حمدي المعلول وغيرهم من الفنانين الذين أخذوا من تقنية التصوير الفوتوغرافي أداة في أعمالهم، ليصبح إمكان اختراقها وتحويلها من بعد ذلك إلى أشكال فنّية، وذلك من خلال تعمّقهم وتحكّمهم في مسارهم الفكري والذوقي. إذ نلاحظ بأنّ مثل هذه الأعمال قد اتّسمت بصبغة تجاوزية للمرئي الذي تمثّلته وأعادت صياغته برؤى مختلفة، فالفنّ الرقمي ليس مجرّد وسيلة توثيق، بل وسيلة إنتاج لصور فنّية تجمع بين الواقع والخيال مع إمكانية نسج علاقات تفاعل بين طريقة عرضه وطريقة إعادة تمثيله كوسيلة إبداعية أكثر منها توثيقية.

فقد سعى كلّ من هؤلاء الفنانين لردم الفجوة والهوة ما بين الفن التشكيلي وعالم الرقميات، وتركيزهم على اختيار المادة المناسبة التي تعبّر عن عمق التعاطي مع اللون بكلّ دلالاته الرمزية، وما على الفنان سوى أن يسعى لتطوير وسائله التقنية لتطوير عمله الفنّي والارتقاء به نحو المعاصرة، إذ فتح هذا المجال التكنولوجي ما لا نهاية من إمكانات تشكيل رؤى جديدة ومتعدّدة في تحديد نسق بناء العمل الفنّي، حيث استبدال ورشة التصوير الزيتي بالحاسوب، فحاسوب الفنان هو بمثابة ورشة العمل الفنّي الذي تنبثق منها الرؤية الفنّية والمنجز التشكيلي، من خلال انتهاج الرسم الرقمي واتخاذه كآلية تطوير لمبدأ التمثيل.

وفي الأخير لا يسعنا القول سوى أنّه لا يستقيم للعمل الفنّي أيّ وجود وفهم من دون وجود تلازم بين وجود العمل الفنّي وبين الطبيعة الإنسانية التي تحتضنه وتغذي قيمه. فللعمل الفنّي قيمة هو بمثابة ذاكرة فنّية أو أثرا حضاريا أو جزءا من الضمير الثقافي للمجتمع، وهذا راجع إلى مدى تطوّر ثقافة النظر إلى الأعمال الفنّية، وبهذا فإنّ الثقافة هي المؤشر الأساسي في التعبير الفنّي، وبذلك فإنّ البعد الخصوصي الثقافي لن يتأتّى إلاّ بمعرفة حقيقية لما نريد أن نعبّر عنه من دواخلنا وتحرير التشكيل من مسميّاته وقوالبه التقليدية وتوفير المناخات الحرّة في التناول والتعبير.

 

مكية الشرمي

أستاذ ة مساعدة بالمعهد العلي للفنون والحرف بصفاقس

 

كاظم شمهودهل يمكن لعلم الآثار ان يكون المصدر الوحيد في قراءة احوال الامم السابقة؟ اما هناك مصادر تاريخية اخرى تساهم في توثيق المعلومات؟ .

- قبل ظهور عمليات التنقيب والحفريات في المناطق القديمة من بلاد ما بين النهرين ومصر والتي بدأت في حوالي نهاية القرن الثامن عشر ثم بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وقبل حل رموز الكتابات السومرية والهيروغليفية، كان المؤرخون وو الكتاب والناس عموما يعتمدون في معلوماتهم على التاريخ المدون والكتب المقدسة ومؤرخي الاغريق وعلى كتب الرحالة وغيرها .

علم الآثار:

- اصبح علم الآثار اليوم في حفرياته وتنقيباته يعتمد على طرق علمية حديثة تقوم بحسابات غاية في الدقة والاهمية كمعرفتنا وايماننا بالعلوم الاخرى كالفيزياء والطب وله مصداقية ودرجة عالية في عملية النقل والترجمة حيث يضع لكل مادة تفسيراتها ومبرراتها العلمية . . فمهمته اذن هو اولا توفير الدليل المادي التاريخي وثانيا الاهتمام بترجمته وتفسيره . كما ان علم الآثار يختص بدراسة بقايا ما خلفه الانسان من عمارة ومعابد وفنون وعظام وقبور واثاث وادوات وغيرها وخاصة احداث ما قبل عصر ظهور الكتابة والتاريخ كالحضارة السومرية وحضارة تل العبيد وحضارة التاسية في مصر وغيرها .

1346  حضارة العراق 1

الشك:

ولكن ما يعترض هذا العلم من مشاكل هو وجود ثقافة الاساطير التي كانت تسيطر على تلك الاقوام السحيقة سواء كان ذلك ما قبل التاريخ اوما بعده ولهذا نجد العالم الاثري يبذل جهودا كبيرة لمحاولة الفصل بين ما هو خرافي وما هو واقعي او عقلاني ومنطقي . يضاف الى ذلك ان بعض العلماء يبني تفسيره على ما متوفر لديه من مادة تاريخية ثم بعد فترة يغير رأيه نتيجة لعثوره واكتشافه على مواد اخرى جديدة تختلف عن الاولى واكثر واقعية، كما ان عالم الآثار يعطي شرحا وتفسيرا بالظروف التي وجدت فيها المادة وحسب مستوى وعيه وثقافته .

لا يختاف عالم الآثار المادي عن المؤرخ الراوي الذي يسجل الاحداث، فعالم الآثار عندما تتوفر له المادة يبدأ بترجمة النصوص القديمة المكتوبة والمنقوشة على الالواح وتدوينها وتفسيرها او ترجمة الصور من رسوم ومنحوتات وخزفيات وزخارف اخرى وربطها بالنص، ومن المؤكد انه ليس في هذا التحقيق شك، لكن المشكله ليست عند عالم الآثار وانما في الكاتب الاول السومري او الاكدي الذي دون الحوادث على الالواح، هل هو صادق وحيادي في ذلك وهل انها مملوئة بالاساطير والخرافات ام هي حقائق يقبلها العقل ؟.. كذلك المؤرخ الراوي والكاتب للاحداث، هل انه اعتمد على نقله للمعلومات والحوادث من رجال يتصفون بالامانة والصدق او انه عاشها بنفسه؟، وهنا في هذه الحالة يتدخل علم الرجال لدراسة سيرة المؤرخين والرواة القداما لمعرفة مدى مصداقية الرواية .. كما انه احيانا يحدث تحريف في النصوص لخدمة الحاكم او السلطان او فئة او مذهب معين، ولهذا نجد اليوم لم يسلم شئ ابدا من التزييف والتحريف، سواء كان ذلك في التاريخ او الفقه او حتى في الحديث النبوي الشريف؟.

1346  حضارة العراق 2

يذكر ان هناك اليوم في جامعتي شيكاغو واكسفورد عدة آلاف من الالواح تعود الى عصور السومريين وانها محفوظة في قدور . وان هذه الالواح ترجع الى عصور اقدم من كل النصوص التي نشرت حتى الآن وانها سوف تمد العلماء بمعلومات هامة عن حضارة سومر وبابل . ويعني ذلك انه لازال هناك نقص في المعلومات وان العلماء عاجزين عن حل رموزها و كل يوم يتفاجئون باكتشافات جديد .

– اما رجل التاريخ فهو الذي يتتبع الاحداث ويرويها، ويسجل الظواهر والاشياء التي تجري في المجتمع وهو يوفر الاخبار والقرائن ويعلق عليها ويجمعها ويفسرها ويكتبها، وبالتالي فهو يسند علم الآثار في كثير من الاحداث والتفاسير ولا يختلف عنه . وهناك علم يسمى علم الرجال كما ذكرنا ذلك سابقا مهمته تتبع الراوي ودراسة حياته وصدقه وشرفه ومن اين يأخذ الاخبار، فاذا وجد خلل في سيرته الذاتية لا يؤخذ بروايته وماكتبه .

1346  حضارة العراق 3

اما الكتب المقدسة كاليهودية والمسيحية وغيرها فهي لا تختلف عن حقل التاريخ حيث تذكر فيها الاحداث وقصص الانبياء والامم الماضية والاحكام والعبادات وغير ذلك . وكما هو معروف ان اليهود حرقت كتبهم الدينية ومملكتهم في زمن الملك البابلي نبوخذ نصر في القرن السادس ق. م،، فاعاد انبيائهم وعلمائهم كتابتها من جديد في بابل وظهر التلمود البابلي المشهور وهو كتاب فقهي ... غير ان هناك بعض الكتب محرفة كتبت بايدي علماء او ناس عاديين ولهذا نجد فيها بعض الاساطير التي لا تتماشى مع العقل، مثلا يحكى ان ملك الموت جاء الى موسى فسأله موسى هل جئت قابضا ام زائرا، قال بل قابضا فضربه موسى على وجهه وفقس عينه فرجع الملك الى الله يشتكي ؟ او ان موسى كان يصحح اخطاء الله تعالى .. وغيرها ؟؟

ولهذا عندما سقط النظام عام 2003 كان اليهود يخططون لسرقة الآثار السومرية والبابلية، وفعلا تم ذلك وهجم عملائهم على المتحف العراقي ونقلوا حوالي 25 الف قطعة اثرية تعود الى الحضارة العراقية القديمة وهي الآن موجودة في اسرائيل . فهل يا ترى طالبت الحكومة العراقية بحقها التاريخي الشرعي واعادت ممتلكات العراق؟

1346  حضارة العراق 4

واما القرآن الكريم فهو كما قال الامام علي –ع- (كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل وليس بالهزل ..) ويعني ذلك ان القرآن فيه قصص الامم الماضية وخبر الاحداث التي تجري في الحاضر وهو تشريع للاحكام والقوانيين الانسانية لاقامة العدل على الارض يالاضافة الى فقه العبادات .

– وبالتالي نصل الى نتيجة ان علم الآثار وحده لا يمكن ان يكون له مصداقية مئة بالمئة مالم تدخل علوم وعناصر اخرى في معرفة تاريخ الامم السابقة، مثل مادة التاريخ والدين والفلسفة والعقل وعلم اللغة والاخلاق . فدوره هو مترجم ومفسر للمادة التريخية القديمة، وكذلك التاريخ الذي يتتبع الاحداث وينقل ويفسر عن الآخرين او يشاهدها عينيا، اذن فكلاهما لديه ايجابيات وسلبيات . وكلاهما يعتمد على اهم الاسس الحضارية وهي الاخلاق . ولن تكتمل هذه الصورة الا بالاعتماد على كل المصادر الانسانية ..

 

د. كاظم شمهود

 

1312  شمهود 1في القرون الوسطى كان الاوربيون قد سأموا من التقاليد الفنية اليونانية الموروثة وكانوا تواقين الى التجديد والبحث عن نوع جديد من الفن يثير الابداع والابتكار واكثر بهجة .. وقد وجدوا ضالتهم في الفن الاسلامي وكانت اسبانيا قد سطعت على اوربا بحضارة جديدة واصبحت قرطبة اكثر المدن الاوربية ازدهارا وعظمة، وتأسست فيها جامعات يدرس فيها مختلف صنوف المعرفة والعلوم، وكان ملوك واغنياء اوربا يبعثون ابنائهم للدراسة في قرطبة .. كما كانت الحروب الصليبية جسرا في نقل المنتجات الصناعية والفنية الاسلامية يضاف الى ذلك ان جزيرة صقلية هي الاخرى كانت بابا آخر لنشر الثقافة الاسلامية في الغرب .

وفي القرن الخامس عشر كانت مدينة البندقية الايطالية قد سكنتها جالية مشرقية منهم صناع مسلمين كانوا قد اسسوا لهم ورشاة يعملون فيها على انتاج التحف الفنية والصناعات الشرقية فانتشرت في المدن الايطالية، حتى انه نشأة مدرسة - بندقية شرقية - كانت خليطا بين الموضوعات والزخارف الاسلامية وبين الذوق الايطالي في عصر النهضة . كما ان مدينة البندقة قد سكت عملة ذهبية عليها احرف عربية وآيات قرآنية للتعامل بها مع المسلمين، وانتشرت الازياء العربية بزخارفها المبرقشة والفضفاضة والوانها الحارة الجذابة وكذلك طراز العمارة الاسلامية وكان التجار الشرقيون يتجولون في شوارع المدن الايطالية بازيائهم العربية الفضفاضة والملونة باجمل الالوان والزخارف، حتى وصلت الزخارف الى ورشاة الرسامين منهم دافنشي الذي رسم عدد من الزخارف الاسلامية . وبالتالي ااختلطت المجتمعات المشرقية مع الاوربية وانتشرت الفنون الاسلامية في اوربا حتى انطبعت بطابع شرقي لازالت آثاره ظاهرة حتى اليوم خاصة في عمارة ابراج الكنائس .

1312  شمهود 2

– بعد فتح القسطنطينية عام 1452 م احتلت الدولة العثمانية عدد من الدول الاوربية الشرقية حيث بدأ الاختلاط مع الاجناس الاجنبية يعم، فادى ذلك الى اتساع افق الفن وان يخرج المسلمون رسوم جديدة تختلف عن تقاليدهم الموروثة . وفي هذه الفترة دخل شيئا مهما وجديدا على المسلمين وهو الاهتمام بالحياة الدنيا والترف بعدما قتلهم الزهد والتصوف، فسرعان ما انتشرت القصور الخيالية ومجالس الطرب واللهو حيث مال اليها الحكام الذين لم يلتزموا بتعاليم الدين .. ومنذ ذلك الحين ضعفت المسحة الدينية في قصور الخلفاء والامراء ثم تسرب ذلك الى المجتمع . ومن ناحية اخرى انتعشت الفنون الاسلامية في الدولة العثمانية والدولة الصفوية وظهرت مدارس فنية في مدن تبريز وهراة وسمرقند ودلهي وبغداد اسطنبول وغيرها. وظهرت الرسوم تزين القصور والاقمشة الحريرية الفاخرة والاواني والفخاريات المزججة بانواع الالوان الاخاذة، ثم انتعشت رسوم الجدريان خاصة في قصور الامويين والعباسيين ومنها صور اباحية . ويذكر الرحالة الفارسي ناصر خسروا انه دخل عام 1047 م في احد قصور الفاطميين وانه اخترق 11 قاعة حتى استقر في قاعة 12 وهي قاعة العرش فشاهد فيها من الذهب والجمال ما لا يوصف منها مناظر صيد وزخرفة وكتابات عربية تزين جدرانها .

1312  شمهود 4

ولكن هذا الاختلاط المجتمعي الشرقي الغربي احدث معه فنون مختلطة الاساليب والاذواق فاخذت الفنون الغربية تدخل الدول الاسلامية بالتدرج واستدعى السلاطين العثمانيين رسامين من ايطاليا للعمل في البلاط مثل الفنان بلليني الذي رسم السلطان محمد الفاتح باسلوب غربي، كما تطور التبادل التجاري بين ايران الصفوية والغرب فدخلت المنتجات الغربية وهي محملة بصنوف فنونها وتقاليدها واختراعاتها خاصة في زمن الشاه طهماسب واصبح هناك لوحات غربية معلقة في البلاط الى جانب اللوحات الاسلامية . كما ان الشاه اكبر الهندي استدعى فنانين اوربيين ليعلموا الفن الغربي لبعض الرسامين المسلمين الهنود وفتح لهم ورشة عمل في البلاط . وعندما دخل الاستعمار الغربي الدول العربية والاسلامية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بدأوا بتأسيس مدارس فنية تدرس الفن الغربي . كما اخذت تبعث ابنا العرب لدراسة الفن والادب في عواصمهم مثل روما وباريس ولندن، وهكذا بدأ الفن الاسلامي ينسحب ويتوقف عن الممارسة والنموا والتطور في المجتمع الاسلامي .

1312  شمهود 3  

غروب الفن الاسلامي 

ماذا يعني توقف او انهيار الدولة وفنونها وثقافاتها؟ هل هو انهيار مادي او روحي ثقافي ..؟ قبل كل شيء، يجب ملاحظة ان موت الدول في بعض الحالات يكون علامة لحياة جديدة اكبر. وهذا يعني ان الحضارات تعبر من امة الى اخرى، فاذا ماتت امة انتقلت حضارتها الى امة اخرى بالمفهوم المعنوي اي الثقافي والعلمي .

فموت الامم قد يعني موتها ماديا، أي اختفاء المجتمع من الوجود. وقد شهد تاريخ البشرية نماذج كثيرة لأمم وحضارات قامت وازدهرت ثم اختفت من الوجود. لكن المثال الابرز الذي يرد فورا الى الذهن هنا هو دولة العرب والمسلمين في الاندلس التي عاشت لثمانية قرون كاملة متصلة ثم اختفت سلطتها السياسية من الوجود . نعم اختفت ولكن عبرت حضارتها وفنونها الى امم واقوام اخرى كالتقاليده الاجتماعية واللغة والثقافة والفنون خاصة فن العمارة حيث استمر المدجنون العرب والموريسكيون والمستعربون في بناء العمارات الدينية والمدنية على غرار الطراز الاندلسي .

غير ان انهيار الدول والامم ينصرف ايضا الى معنى آخر غير معنى الاختفاء المادي الفعلي. الامم قد توجد على قيد الحياة، لكن بلا وزن ولا تأثير ولا دور فاعل في عالم التقدم والمكانة وسط الامم الاخرى المتقدمة ومقارنة بها . بمعنى تبقى امة مستهلكة سلبية يتحكم بها الاجنبي السيد ويأتيها قوت حياتها من الخارج، مثل الدول العربية .

 

د. كاظم شمهود

 

1304 شمهود 2يعتبر قصر طوب قابي من اقدم البلاطات العثمانية حيث كان مقرا للسلاطين منذ عام 1465 الى عام 1856م وفيه مسجدا يسمى اغلار يحتوي على مكتبة تضم على آلاف المخطوطات المصورة والتي لاتقدر بثمن. وتحتوي مكتبة طوب قابي على 21438 كتابا و18622 مخطوطا بجميع اللغات، كما يذكر ان هناك 13.533 لوحة منمنمة داخل المخطوطات والكتب والالبومات، وتتألف من 451 مجلدا تعود الى الفترة المحصورة بين القرن الثاني عشر والثامن عشرم.

وقد جمعت هذه المخطوطات من دول العالم الاسلامي في ايام سيطرة العثمانيين عليها خاصة الدول العربية والتي افرغوها من ارثها الحضاري والثقافي والفني تماما، بل حتى النسخ الاولى من القرآن الكريم التي خطها بعض الصحابة مثل الامام علي-ع- وعثمان بن عفان وغيرهم، فقد حملوها معهم الى اسطنبول. ويقال ان هناك آلاف المخطوطات قد تلفت اثناء النقل وغرق بعضها في البحر.. وهذا يذكرنا ايضا بحملة نابليون على مصر عام 1798 حيث جلب معه اكثر من 500 عالم بجميع الاختصاصات انيطت اليهم نقل الآثار والعلوم والمخطوطات المصرية الى باريس، منها - حجر رشيد – والذي نقشت عليه علوم المصريين القداما بثلاثة لغات قديمة، غير ان هذا الحجر وقع بيد البريطانيين عندما استسلمت القوات الفرنسية الى البريطانية عام 1801 م، ثم نقل الحجر الى المتحف البريطاني ولازال معروضا فيه، وقد حل شيفرة اللغات العالم الفرنسي شامبليون عام 1822 م.

1304 شمهود 1

و كانت عادة الامبراطوريات التي قامت في العالم القديم هو اهتمامها في عواصمها وترك باقي المدن، فكانت دمشق عاصمة الدولة الاموية وبغداد عاصمة الدولة العباسية والقاهرة عاصمة الدولة الفاطمية وهكذا. وقد اهتم الخلفاء والملوك بهذه العواصم واهملوا غيرها. وكان المغول والتيموريون قد اهتموا بعواصمهم مثل تبريز وسمرقند وهراة، وكان التطور العمراني والثقافي قد اصابها، وجلبوا اليها خيرة المصورين والنقاشين والمزخرفين والمذهبين والمجلدين والخطاطين وغيرهم. وكذلك ينسحب هذا على الامبراطورية العثمانية التي اهتمت بعاصمتها اسطنبول وتركت باقي الولايات والمدن العربية تحت التخلف والفقر منها العراق.

1304 شمهود 3ولهذا ليس غريبا ان تتوقف الحياة الثقافية والفنية في العراق وتخلو البلاد من المكتبات و المصادر العلمية والادبية، فكان الطلبة عند دراساتهم وبحوثهم العلمية والفلسفية عليهم ان يشدوا الرحال الى اسطنبول حيث توجد هناك المكتبات العامة التي تحتوي على آلاف المخطوطات الاسلامية والعربية من علمية وادبية وفلسفية وفقهية وغيرها. ولهذا كان العراق شبه فارغ من المكتبات العامة ما عدا بعض علماء الدين الذين يحتفظون بعدد كبير من المخطوطات الفقهيه والعلمية في بيوتهم الخاصة مع ذلك تعرض بعضها الى الحرق.

ومن ضمن المخطوطات الموجودة هناك 600 مخطوطة تحتوي على رسوم منمنمة لاشهر رسامي ذلك الوقت منهم : احمد مرسي، رئيس عبدالحي، شيخ سلطان محمد، محمد صياح كالم، كمال الدين بهزاد، بيري رئيس، حيدر رئس المعروف (نيجاري)، نقشي، ولفني وغيرهم. وضمن كنوز المتحف توجد صورة شخصية للسلطان محمد الفاتح رسمها المعماري سنان بك وكان يشغل رئيس النقاشين في البلاط – نقش خانة – علما ان محمد الفاتح استقدم الفنان الايطالي بلليني ورسم له صور شخصية عام 1479 – 1480 وفي زمنه بدأت التأثيرات الفنية الاوربية تدخل البلاط السلطاني، ومن ثم على الفن الاسلامي بعدما كان الفنان المسلم يقتصر عمله على تزويق المخطوطات بالرسوم التوضيحية.. ثم انتشرت الرسوم الشخصية في زمن السلطان سليم الثاني وحضيت برعاية القصر وكان من اشهر الرسامين الاتراك في رسم الصور الشخصية هو حيدر رئس المشهور بنيجاري.

ويعتبر المصور- بيري رئس- من اشهر رسامي الخرائط حيث يوجد له رسم لخريطة العالم نفذت عام 1513م كما توجد له خرائط اخرى عن حوض البحر المتوسط ومدنها وموانئها وتمتاز بالتفاصيل الدقيقة وله كتاب اسمه – كتاب البحرية – وقد اعترفت منظمة الامم المتحدة للثقافة والعلوم بأهمية اعماله واعلنت عام 2013 عام بيري رئس.

ومن الكنور ايضا هناك 1600 مصحف يعتقد ان سبعة منها تعود للخليفة عثمان بن عفان وتسعة تعود الى الامام علي – ع – واثنين الى الحسن والحسين ومنها يعود الى القرن الاول الهجري وقد خط بعضها من قبل خطاطين مشهورين.

وتوجد نماذج اخرى من المصاحف خطت بيد ابن البواب عام 1018 م وكذلك لاشعار سلامة بن جندل ومخطوط آخر لاشعار خمسة نظامي كنجوي – يعود تاريخه الى 1481 نفذ بخط نستعليق.

1304 شمهود 4

كما قام الخطاط - ياقوت المستعصمي- بصيانة وتذهيب وخط عدد من المصاحف وكذلك قام بالمثل الخطاط -عبدالله الصيرفي- في القرن الر ابع عشر. وكذلك- ارغون كاميلي - خلال عهد السلطان سليمان في القرن السادس عشر ويعتبر مخطوط كتاب الحشائش اقدم مخطوط في المكتبة حيث يؤرخ عام 1131 م.

كما نجد من اقدم المنمنمات في كتاب مرقع الفاتح (البوم الفاتح) حيث تبين لنا كيف تطور فن المنمنمات حتى وصل الى عصره الذهبي في زمن السلطان سليمان القانوني 1520 – 1566 وقد ظهر في زمنه كثير من الرسامين المعروفين مثل : حيدر رئس والنقاش عثمان الذي يعتبر من اكثر المتشددين في الالتزام بالتراث الفني التركي.

وكان – مرقع الفاتح – يحتوي على رسوم تمثل حياة السلاطين وحروبهم واحتفالاتهم ومواضيع الصيد والصور الشخصية.

ومن ابرز المخطوطات التي حضيت بأهمية كبيرة في التزويق هو مخطوط –السورنامه – ويضم 437 صورة نفذها النقاش عثمان وتلاميذه وكان عثمان يشغل رئيس مرسم البلاط – نقش خانه – في زمن السلطان مراد الثالث عام 1582 م وتمثل الصور احتفالات السلطان بختان ولده محمد في عام 1582 وبعد غياب عثمان انفتح الباب لدخول التأثيرات الفنية الغربية وقد لاقت دعما كبيراً من السلطان مراد الثالث وغيره من سلاطين بني عثمان وفي نفس الوقت بدأ الفن الاسلامي بالتراجع والانحدار... وقد حول القصر والمكتبة اليوم الى متحف يعتبر ضمن لائحة التراث العالمي منذ سنة 1985.

 

د. كاظم شمهود

 

95 علي رشيد 1مرت بورتريهات الفنان العراقي المغترب علي رشيد بعدة مراحل: الأولى والمبكرة غلبت عليها الخطوط. الثانية والوسيطة تراوحت بين كولاجات وألوان متجاورة. ولكنها كانت تؤكد حصرا على تشكيلات بصرية مألوفة ولها وجود في ذاكرتنا. أما آخر مراحله فكانت في تجميع الألوان أو عزلها. وهذا ماجعل لوحاته هدفا للتكهن أو للاحتمالات.

ماذا يمكن أن تقصد بلون دون خطوط واضحة وبلا أشكال أو مساحات لونية، ولكن يحتلها لون واحد يختلف بدرجات السطوع والشفافية فقط؟.

لا يمكن أن تضع إجابة تامة لسؤال غامض. و لكن بالنسبة للون الأبيض، يمكن أن نعزو له قيمة تركيب أو دمج. والبياض هنا له علاقة بالحركة وليس بالسكون. فالهدوء الظاهر زائف ومصطنع وهو نقاب يخبئ وراءه مجموعة حزم ملونة. ومن أبسط قوانين الفيزياء أن الإفراط بالسرعة هو الذي يساعد على هذه الخدعة البصرية. ولقد عرف علي رشيد كيف يترك لنا مفاتيح أو علامات تمنع أبصارنا من التخبط. فاللون الأبيض في لوحاته لم يكن مرادفا لسهولة الرؤية ولكن لمصاعبها. إنه عمى أبيض بلغة ساراماغو (وبالمعنى الذي أشارت له نجاة الذهبي في إحدى مقالاتها)*. وأكاد أقول هذا البياض هو دلاليا سواد فاحم، ويتطلب من المشاهد أقصى درجات التيقظ والحذر. وربما لهذا السبب أضاف الفنان عدة لمسات خفيفة بالأسود أو الأزرق وأحيانًا الأحمر ليساعدنا على النفاذ من خلال جدار اللون الواحد. وهذه العلامات بمثابة دعوة للمشاهد ليخمن ماذا خلف دكتاتورية هذا البياض. ولكن أي تفسير لا يمكنه أن يصمد. وحتى لو اتفقنا أن الأبيض هو حالة مصالحة مع الذات، فالعلامات تبقى بمثابة شوائب لا تستطيع أن تجد تفسيرا مستقرا لها.

وقل نفس الشيء عن المرحلة الزرقاء. فقد مهدت لمرحلة البورتريه الأبيض، ووضعتنا أمام فضاء مائي، صامت، ودون أي مفردات. بمعنى أنها كانت جملة تامة لها أفق مغلق أمام العين وأفق مفتوح أمام الإفهام. وإذا وضعنا إلى جانبها الأزرق الرمادي، بلون السحاب، سوف نقترب من حالة افتراضية. فهل هذا اللون نافذة على عالم بلا خلافات، ويكرر نفسه، أم أنه باب موصد على تجربة ذهنية، ولا تسلم نفسها لأي تفسير أو تفكيك؟!.

95 علي رشيد 2

لم يلعب الفنانون باللون الأبيض، وإنما استعملوه كرمز للسلام بكل أشكاله: سلام طوعي (هدنة) أو إجباري (استسلام وإقرار بالخسارة). غير أن الأزرق كانت له عدة مدلولات سياسية وبيولوجية. فهو لون أممي عابر للقوميات والحدود. وأيضا هو لون راديكالي ويدل على الاضطراب والاحتراق والتهيؤ للترمد (ولنتذكر هنا الشعلة الزرقاء فهي أعتى أشكال الاحتراق). وربما لهذا السبب استخدم الشعراء اللون الأزرق ليكون عنوانا على فلسفة الحركة، ومعنى دورات الطبيعة، ودورات الحياة (كما في الأزرق والأحمر لمحمد عمران، ورقصة البراري الوحشية لحيدر حيدر، وفيلم على اللائحة الزرقاء لغراهام غرين، على سبيل الذكر). لقد أصبح الأزرق في رحلة الفنان علي رشيد عنوانا يدل على الموت والحياة. وتساوت أمامه المعاني الاستراتيجية كأنه ينكر ذاكرته، أو أنه يشك بها وبحقيقة وجودها كله. وترتب على ذلك نوع من الحزن البارد الذي يغلفه عالم بديل هو نوع من الخلاص، أو أنه شكل من أشكال التوسيع، أو الهرب من النهاية وربما من الموت. ويذكرعلي رشيد في أحد لقاءاته: إنه يتهادن مع الحزن، حتى أنه في أكثر لحظات حياته فرحا وابتهاجا لا يتخلى عن أحزانه. ويضيف الفنان سمير عبد الجبار الممثل في مسرح الشمس الباريسي: إنه يرى في أغلب التجريديين روحا غنائية إلا مع علي رشيد يتحول التجريد إلى نص شعري يخيم عليه الزهد. وباعتبار أن أي شيء مبني على كل شيء والمعنى هو مرادف لشرط الحرية والحركة، وبالتالي المعاني هي ماهيات مشكوك بمضمونها وبموضعها من عالم الصور، انتقل علي رشيد إلى آخر مراحله، وهي مرحلة اللون الرمادي أو الرصاصي، واستعمل اللون كخلفية وأضاف إليه أشكالًا طفولية كأنها رسوم بيد أطفال أو تخطيطات بسيطة. مثل رسوم الإنسان البدائي على جدران الكهوف. في هذه المرحلة دخل الفنان في نزاع مع نفسه.. اختزل اللون الساطع إلى لون ظل، وانتهك الكولاج المتكامل وأعاده لخطوطه الأساسية، أو لشيء هوبحدود الضرورة. ويمكن القول إنه عزل ما بين الإشارة ومعناها، وبدأ يدل على غنى الواقع وفحشه وكثرته بتخطيطات تحطم الأصل. ولكن يبقى فرق جوهري و أساسي بين الفنان المجهول وعلي رشيد.

95 علي رشيد 3

الأول كان يبحث عن طريقة للتحكم بالبيئة وتسخيرها. أو أنه بأفضل الأحوال أراد من العالم أن يكون متمما له. بينما ترك علي رشيد مخلوقاته في حالة ترقب ومشاهدة. إنها أشكال اغترابية، لا تعي نفسها ولا تفهم ماذا يدور من حولها. وتفضل أن لا تخاطب العالم وإنما أن تعتزله. وأعتقد أنه بهذه الطريقة يعبر عن آخر حلقة من حلقات الزهد الفني، ويدعونا بكل ما يملك من قوة للاحتكام إلى بداهتنا، وللتعبير عن قلقنا من مشكلة الصدام مع الواقع. كذلك إنه يتخلى عن سياسة عصر النهضة بما حفل به من جداريات في داخل المباني الهامة وبالأخص القصور والكنائس، ويبدأ بعصر النهضة الثاني الذي يلح على إزالة طبقات اللامبالاة والعنف المترسبة في “نفوسنا المعقدة”، وإضاءة ما وراءها من طفولة وعشق وغرام وارتباك. وهو بذلك لا يحارب الحاضر بالماضي وإنما بالجوهر المستقر للإنسانية أو بتثبيت الطفل المحمول في أعماقنا، فهو نقطة الانطلاق والتوازن.

ولا يوجد أفضل من هيغل لوصف هذه التحولات في مسيرة علي رشيد.. لقد بدأ بعكس تطور وعي البشرية. باشر من تسجيل أثر الواقع المعاصر على الإنسان (حداثة غير رومنسية)، وانتقل إلى أدوات تعبير كلاسيكي، لينتهي مع أول وأبكر طور فني عرفته الحضارات، وهو الترميز، حيث يمكن تجريد الانطباعات بإشارات تعبرعنها ولكن لا تصفها. وفي الحقيقة هذا هو مبدأ ما بعد - بعد الحداثة ذاته. إنه يعبر عن الشيء بإلغائه وبخلق ذاكرة مضادة له**.

 

صالح الرزوق

..........................

* الفنان العراقي علي رشيد في عتبة البياض وعلى حافة العتمة. ألترا صوت. 15 كانون ألأول 2019.

** عن ما بعد الحداثة انظر: الذاكرة والذاكرة المضادة لجيمس يونغ، ترجمة صالح الرزوق. جريدة العراقية الصادرة في سيدني. أعداد متفرقة من عام 2018.

 

1257  شمهود 2بعد ان سيطر المغول على العراق وايران عام 1258م انتقلت المراكز الفنية من بغداد الى سمرقند وهراة وتبريز واصفهان واسطنبول، وجلب اليها السلاطين المصورين والنقاشين والمزخرفين من كل انحاء الامبراطورية الاسلامية، وقد اسسوا فيها اكاديميات فنية تعلم جميع صنوف الصناعة من الرسم والنقش والخط والتجليد والتذهيب، وكان شاه رخ بعد موت والده تيمور جمع المصورين في هراة من شيراز وتبريز وسمرقند وبغداد والصين، وكان المصورون العراقيون قد توزعوا على هذه العواصم، ويذكر ان هناك مصور عراقي يدعى عبد علي عاش في بلاط سمرقند مكرما، وقد تجمع في هذه العاصمة مئات المصورين من كافة الجنسيات للعمل في البلاط .

وقد اختلطت الاساليب فيما بينها من صينية ومغولية وساسانية وتأثر بعضها ببعض بحيث انتجت فيما بعد فنا عاما اطلق عليه بالفن الاسلامي، وظهرت في زمن الصفويين مدرسة تبريز أبهة وعظمة البلاط والقصور الجميلة وكان الشاه طهماسب 1524 م رساماً بارعاً أسس مجمعاً فنيا في البلاط يشرف عليه الفنان المعروف جلال الدين  بهزاد وقد تجمع فيه كبار وخيرة المصورين من كافة انحاء الامبراطورية وكان المصورون يقلدون مصوري البلاط في تبريز وقزوين .

1257  شمهود 1

ثم ازدهر الفن التركي خاصة في زمن السلطان العثماني سليم الاول 1512 ويعود الفضل الى عدد من الرسامين الايرانيين الذين جلبهم السلاطين للعمل في البلاط. وقد اسس هؤلاء في بلاطهم مدرسة فنية اطلق عليها اسم - نقش خانه - وفي مرحلة من المراحل كان هناك يعمل في البلاط اكثر من الفي رسام ومزوق ومصور وخطاط جلبوا من كافة الاقطار العربية والاسلامية للعمل فيها، وكان هؤلاء ينتمون الى بلدان متنوعة ذات تقاليد فنية عريقة وثقافات ولغات مختلفة .

وبما ان السلاطين كانوا يقدمون الاموال والهدايا بسخاء الى  المصورين فأن هؤلاء يبحثون عن معيشتهم الافضل والاحسن ويأتون للعمل في البلاط، ولهذا فقد خلت بغداد من رساميها ومصوريها ونقاشيها ومرت بعصور جفاف وتخلف .

1257  شمهود 3

وكان السلطان مراد الثالث مولعاً بالرسم 1574 – 1595 وحب الاعمال الفنية وجمعها حيث جمع في عهده مايقارب 2839 لوحة ثمينة وعالية الجودة .

1257  شمهود 4وبعد فتح القسطنطينية عام 1452 اتجه السلاطين العثمانيون الى الفن الاوربي واستدعوا فنانين للعمل في بلاطاتهم، و بذلك بدأ الفن التركي يتأثر بالتقاليد الفنية الاوربية خاصة في عصر النهضة ثم الباروك والركوكوا، من ناحية الظل والنور والبعد الثالث وغير ذلك.

كما ظهر في زمن الشاه عباس الصفوي في ايران بداية لظهور التأثيرات الاوربية من خلال الرحلات الاوربية الى بلاد فارس وتبادل السفارات والتجارة كما ذكرت بعض المصادر الادبية ان المصورين الايرانيين اخذوا يقلدون الاوربيين في اساليبهم الفنية وبذلك بدأ الفن الاوربي يدخل ايران وينسحب على كل المجالات الفنية من التصوير والخزف والجداريات والصور الشخصية وكان يلاحظ احيانا في بلاطات السلاطين لوحات اسلامية الى جانبها لوحات غربية الطراز .

هذا التراجع في الفن الاسلامي والانحسار والغروب في الدولتين الصفوية والعثمانية انعكس سلبا على واقع الفن العراقي (ان وجد في ذلك الوقت) وزاده ظلاما وتخلفا حيث أهمل تماماً وأبعد عن الحياة الاجتماعية و بذلك توقفت حركة الثقافة والادب والفن خلال تلك القرون العثمانية المظلمة..

 

د. كاظم شمهود