محمد الشاويتوطئة: لقد سبق وأن تحدثنا عن الفن المعاصر وخصوصياته ومختلف الإشكالات التي من الممكن أن يطرحها في مقال سابق وسمناه ب: "الفن المعاصر من الدلالة إلى المدلول"؛ لذلك فإن مسألة العصرنة نعتبرها امتدادا لما دأبنا على معالجته.

وعلى هذا الأساس يمكننا بسط التأملات الآتية:

ما دلالة العصرنة contemporanéité ؟

وما علاقتها بالفن المعاصر؟

وهل من الممكن للفن المعاصر أن يبتعد عن العصرنة؟

بتعبير آخر كيف يستحضر الفن المعاصر مسألة العصرنة؛ وكيف يبتعد عنها بخلق تحديثات  modernisations بصيغة معاصرة؟

1- دلالة العصرنة:

ليس من السهل إقامة قطيعة بين محطات تاريخ الفن وصيرورة تكوُّنِه، إذا لم نستحضر خصوصيات تطور تاريخ الفن نفسه. ولعل هذه الخصوصيات -بصيغة الجمع- ستدفعنا إلى تعميق النظر في الأطروحة التي نتبناها ومؤداها أن السابق يؤسّس للاحق فكرا وفنا وعلوما. فإذا أردنا تحديد دلالة العصرنة فإننا ملزمون بالخضوع لسمة ماهو معاصر؛ فهي بصيغة صريحة تستدعي جميع السياقات التخطابية والجمالية لمرحلة التاريخ الراهن الذي نحيا داخله. إنه تاريخ ينقلنا للحديث عن "العالم الذي يحيط بنا" كما ذكر الفيلسوف والسوسيوجي ريمون أرون. فهو  تاريخ  في متناولنا، ومن السهل بلوغه، على خلاف "عالم الذين عاشوا قبلنا" كحديثنا عن الفن خلال فترة ما قبل الميلاد أو الفن عند الإغريق أو  في العصر الوسيط... وهذا مثبت في سجلات التاريخ، وسبق للمؤرخين توثيقه بالسند والمادة التاريخيتين.

فالتاريخ الراهن يحتوي دلالة العصرنة بالنظر إلى مختلف العوامل المأثرة في الفن المعاصر من الناحية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية والدينية...

فدلالة العصرنة تستدعي أيضا الوقوف عند أهم البرادايمات (النماذج الارشادية للعلم وللمعرفة العلمية) التي ساهمت في تحوُّلِ منظمومة العلم، وتاريخ الفن في صيغتهما الراهنة.

2- الفن المعاصر وتحديات العصرنة:

لقد جرى القول عادة حسب المهتمين بالفن المعاصر - وجلهم باحثين ونقاد - بأن مسألة القطيعة مع اللوحة تشكل أساسا يرتكز عليه الفن المعاصر. إنها قطيعة من حيثُ التعاطي الفني شكلا ومضمونا، مع ضرورة طرح أساليب جديدة تُوَسِّعُ من أفق التلقي. لكن ظلت العديد من التجارب المعاصرة (مع استثناء بعض التجارب الجادة) تركن لإعادة إنتاج التجارب السابقة لمدارس فنية -لها تاريخها العريق- داخل نسق معاصر.

إنها حسب اصطلاحنا تحديثات جديدة بصيغة معاصرة. وهذا من شأنه أن يجعل قاطرة الفن المعاصر تنزاح عن مسيرتها داخل نظام يتكرر فيه ما تم تناوله من تجارب ومنجزات تشكيلية.

لذلك فإننا نتساءل ها هنا هل استطاع التشكيليون أنفسهم استيعاب معنى الفن المعاصر؟

وهل استطاع نقاد الفن إفهام التشكيليين بمقومات الفن المعاصر وأهم ركائزه؟

لقد صدق المنفلوطي في قوله: " فمحال أن يعجز الفاهم عن الإفهام والمقتنع عن الإقناع".

 

بقلم: محمد الشاوي - فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن.

 

كاظم شمهودورد معنى المقدس في القاموس العربي انه يعني المعظم، المحترم، المبارك، مثلا، قدس الله (بالضمة) فلانا اي طهره وبارك فيه، وقدس الله (بالفتحه) عظمه وبجله ونزهه، (فاخلع نعليك انك بالوادي المقدس طوى) يعني انك في ارض طوى المباركة .. نحن اليوم نعاني من اشكالية التقديس لبعض الاشخاص والافكار والمذاهب والفنون والثقافات والتقاليد والعادات التي نقلتها لنا الاجيال منذ العصور الغابرة واخذتها عامة الناس دون تحقيق او تعقل .. فاصبحت الامة العربية والاسلامية اليوم لكي تحقق التطور والمعاصرة عليها ان تعود الى تقاليد الماضي ومفاهيمة الفكرية وكل من يعترض فهو كافر ... لقد احرقت كتب الغزالي وابن رشد والاصفهاني وكفر الفرابي والرازي وابن سينا والكندي وقطعت اوصال ابن المقفع وطبخ وخنق لسان الدين ابن الخطيب واحرقت جثته . وكل ذلك جرى باسم الحفاظ على المقدسات؟ .. وعندما قام جمال الدين الافغالي ومحمد عبدة بثورة الاصلاح العربية، جاء اخوان المسلمين في مصر عام 1928 وافشلوا تلك النهضة ودعوا ان الحل هو العودة الى الماضي؟ ومن الماضي وجد في صحيح البخاري 14 حديثا تتكلم عن فضل شرب بول البعير في صحة الانسان وعلى اثر ذلك اصيب اليوم مئات الاشخاص بامراض الكلة .. ؟

التقديس الخاطئ

الانسان مهما كان يملك من علم ومعرفة فهو عرضة للخطأ، حيث يذكر علماء الاجتماع ان الاخطاء صفة انسانية يقع فيها الجميع وهي صفة تساعد الانسان على تجنب السلبيات في الحياة، كما انها تصقل الانسان وتزيده منعة وقوة في مواجهة الحياة ووضع الحلول الصحيحة لها . ولما كان الانسان بهذا النمط فعليه الا يحمل نفسه فوق طاقته (لا يكلف الله نفسا الا وسعها)، وبالتالي تكون صفة التسامح والاخاء سائرة في المجتمع. ولهذا ليس هناك قدسية لاي شخص مهما كان سواء في حقل الادب او الشعر او الفلسفة او التاريخ او الفن وما شاكلها (ما عدا الاعتقاد بالرموز الدينية من الانبياء والكتب السماوية المقدسة) ..

605 الفن والمقدس

في بلداننا العربية بدأت نهضة ثقافية وفنية بعد الاستعمار الانكليزي والفرنسي للدول العربية وقيامها بتأسيس المدارس الفنية على المناهج الدراسية الاوربية، وقد شجعت عدد من الشباب للدراسة في الخارج، وبعد انتهاء دراستهم عادوا الى بلدانهم يدرسون مادة الفن على المناهج الاوربية.. وكان الرواد يرسمون باساليب اوربية حديثة ولكن المواضيع مأخوذة من الواقع الاجتماعي بما فيه من تقاليد وعادات ومن الارث الشعبي والحضاري ... هؤلاء الاساتذة اصبحوا عند البعض اليوم مقدسين وعليهم هالة ويحرم مسهم او نقدهم او طرح وجهة نظر في اعمالهم وتنظيراتهم الفكرية ؟ .. هذا الغلوا هو نوع من الجهل ويعمي احيانا القلوب قبل الابصار ويحبط او يغلق الاجتهاد والابداع في الفن الذي اصبح له اليوم آفاق عالمية غير محدودة، وانا اعتقد واكاد ان اجزم بانه ظهر فنانون بعد الرواد افضل واحسن واكثر تطورا وامكانية من الرواد انفسهم، نعم للرواد كل الاحترام ولكن ليس التقديس .. يذكر لنا التاريخ بان جيوتو كان تلميذا للفنان الايطالي المعروف شيمابويا ثم تفوق على استاذه واصبح من رواد عصر النهضة وتأثر به مايكل انجلو .. ولهذا اتمنى ان يعي فنانو او رسامو الغلو والتقديس بان المسيرة الفنية والفكرية هي تكاملية تطورية واكتسابية يشترك فيها الجميع .  

606 الفن والمقدس النظرية العلمية

اولا ان النظريات العلمية هي نسبية وليس مطلقة وهي قابلة للتغيير والتعديل وتبعا للظروف الموضوعية وخاضعة للتطور الاجتماعي والعلمي والحضاري، كما انها تخلوا من التناقضات والتنافرات، وفيها تكون الفكرة واضحة وعقلانية ومنطقية وغير مبهمة وغامضة، ولهذا فان النظريات الصحيحة اذا تكررت دراستها في اماكن وازمنة مختلفة تعطي نفس النتائج.

اليوم نجد كثير من النظريات العلمية السابقة كانت مقدسة ومسلما بها لفترة طويلة ثم اثبت خطأها مثلا وجود عروق زرقاء في جسم الانسان ؟، كما كان يعتقد بوجود قنوات مياه على سطح المريخ، ثم اثبت خطأها في وقت قريب، كما كان يعتقد ان الكون لا يزيد حجمه ولا ينقص، حتى انشتاين كان يعتقد بذلك، ثم اثبت العلماء اليوم ان الكون يزداد كثافة وتوسع مع مرور الوقت . وبالتالي فان النظريات العلمية والفنية هي نسبية وغير مقدسة .

الفن المقدس

مر الانسان في فترات تاريخية سابقة كان يقدس فيها الصور والمنحوتات وكذلك الايقونات الصغيرة والكبيرة، وهي رسوم دينية مسيحية توضح مبادئ الديانة المسيحية بشكل ملموس ومعظم، وكان الفن المسيحي مبني على الرموز والايحاءآت، واكثرها رموزا صورة مريم والمسيح –ع- وكذلك مشاهد للقديس بطرس وهو يحمل المفاتيح بيده، وتعني مفاتيح الجنة . ولازالت بعض الشعوب في الشرق الاقصى تقدس الصور والتماثيل وتعدها آلهة او واسطة للآلهة. (ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى) . وكان الفنان المسيحي مشغولا بالفن المقدس وكان واعيا بالقانون الالهي وواعيا بالعرف الذي ينقل النماذج المقدسة والمتفق عليها من قبل رجال الدين وواعيا لعمله والذي يضمن بالتلي الشرعية الروحية للاشكال المقدسة . وهكذا نجد كل فناني عصر النهضة اشتهروا من خلال الفن المقدس والذي رسمته لهم قوانين الكنيسة .

 

د. كاظم شمهود

 

77 persephone2.fwمن ضمن القصص التأريخية التي ألهمت الفنانين الكلاسيكيين في أورپا خلال عصر النهضة وما قبله هي قصة پيرسفون وربيع الحياة.

بيرسفون   Persephoneهي آلهة الخصب والخضرة في الميثولوجيا الأغريقية، وهي إبنة كبير الآلهة زيوس Zeus وآلهة الحصاد ديميتراDemetra  . تدور أحداث القصة في جزيرة صقلية عندما خرجت پيرسفون الجميلة الى الحقل وهي تتلألأ مع شمس الربيع في يوم مشرق لتقطف الازهار. 

77 persephone1.fw

وكان شعاع فتنتها قد وصل الى ملك الموت هيدس Hades  وهو في عالمه السفلي، فانشقت الأرض من تحت أقدام پيرسفون ولم تر إلا أياد قوية متحجرة تمسك بها وترمي بها في عربة تجرها خيول سوداء لتنحدر بها الى عالم مظلم دامس.

77 persephone4.fw

هامت ديميترا والدتها تبحث عنها في كل ارجاء الجزيرة فيما لم يبدو على زيوس أي إكتراث. لم تترك ديميترا أي ركن من الجزيرة لم تفتشه وأي أحد لم تسأله عن ابنتها الى ان اهتدت لمن أخبرها بقصة اختطاف بيرسفون من قبل هيدس وانه قد يكون زيوس قد تواطئ في الامر. 

77 persephone7.fw

غضبت ديميترا  ولعنت الجزيرة بالجفاف والقحط حتى ان ساءت الأمور فأمر زيوس هيدسا بأعادة پيرسفون الى الأرض. لكن هيدسا اقنع پيرسفون أن تأكل خمسا من حبات الرمان قبل ان يطلق سراحها، وكان عصير الحبات السحري يؤكد لهيدس بأنها ستعود اليه لتمضي نصف كل عام معه. 

77 persephone6.fw

وهكذا كان الحال، فحين عادت پيرسفون الى الأرض بدأ الربيع وامتلأت الأرض بالخضرة والزهور، وعندما حان وقت رجوعها الى هيدس انحسر الماء وتجف الأشجار ويحل الجفاف والقحط.

77 persephone5.fw

ومنذ ذلك الوقت عرفت البشرية سر تعاقب الفصول كل عام على انها سنة إلهية لابد منها. ولهذا فقد قيل قديما ومنذ الأزل: 

77 persephone8.fw

هناك موسم لكل شيء، وموعد لكل ظاهرة

موعد للولادة وموعد للموت

موعد للنور وموعد للظلام

موعد للزرع وموعد للحصاد

موعد للخير وموعد للشر

موعد للفرح وموعد للحزن

وموعد للسلم وموعد للحرب

77 persephone3.fw

 د. مصدق الحبيب

 

76 صادق طعمة 1لوحات تغادر التشخيص والانطباع والحياة الصامتة

نظّم غاليري The Room بتوتنهام معرضًا شخصيًا للفنان صادق طعمة، وقد ضمّ المعرض الذي انضوى تحت عنوان "تجريد غير معنون" 16 لوحة موحّدة حجمًا وموضوعًا فكل اللوحات بقياس 20 x 20 سم نفذّها الفنان بالأكريلك على ورق مقوّى. قد تبدو هذه اللوحات الست عشرة مختلفة للوهلة الأولى عن تجاربه السابقة لكن المتأمل لمشروع صادق طعمة الفني سيكتشف على عجل أنّ هذا المعرض لم يُشكِّل قطيعة مع مَعارضه السابقة وإنما هو ضرب من التنويع على تيارات فنية سبق وإن اشتغل عليها مثل التشخيصية والتجريدية والتعبيرية التجريدية التي تقترن بأسماء كثيرة أبرزها هانس هوفمان وجاكسون بولوك وفاسيلي كاندينسكي وغيرهم من الفنانين الذين انهمكوا بالعمل في المناطق الرمادية المتاخمة للمدارس الفنية الحديثة في محاولة جديّة للابتعاد عن الواقع وتشخيصاته الانطباعية لأن الفنان المبدع يسعى بشكل محموم لأن يُعبّر عن مشاعره الداخلية العميقة، ويكشف عن رؤيته الجمالية للعالم الذي يحيط به من الجهات الأربع. ولكي نكون أكثر دِقّة لابد من القول بأن لوحات هذا المعرض برمتها ليست جديدة وإنما تعود إلى عامي 2004 و2005 أنجزها الفنان حينما كان منهمكًا في الدراسة بجامعة ميدلسيكس للفنون الجميلة بغية الحصول على درجة الماجستير، ومثل سائر الجامعات والمعاهد الفنية التي يقتضي فيها النجاح مشروع تخرّج يُعبر عن رؤية الطالب الذي يسعى لتحقيق بصمته الفنية التي تُحيل إليه ولا تومئ إلى أي فنان آخر مهما كانت مرجعيته أو سطوته الفنية في المشهد التشكيلي العالمي، كانت هذه اللوحات هي مشروع تخرّج الفنان صادق طعمة التي رسّخ بواسطها توجهاته الفنية الحديثة التي تغادر إلى حدٍ كبير التشخيص والانطباع والحياة الصامتة.

76 صادق طعمة 2

يمكن قراءة هذا المعرض على شكل كتاب بصري شديد التكثيف تمثّل فيه كل لوحة فصلاً من فصول الكتاب الذي يمتحّ مواده الأولية من فعليّ الاستذكار والاستشراف ليخلق واقعًا تجريديًا جديدًا على السطح التصويري الذي يراهن على التجليات اللونية ولا يعوّل كثيرًا على الثيمات التي اختزلها بموضوع واحد غير معنون ألحقهُ بالشكل التجريدي وكأنه يوحي لنا من طرف غير خفيّ بأن جهوده الفنية منصبّة على الشكل أو المبنى، ولا علاقة له من قريب أو بعيد بالمضمون أو المعنى المُتاح لكل المشتغلين في حقل الفن التشكيلي. قبل أن نتوقف عند هذه الأشكال التجريدية دعونا نستأنس برأي الشاعر الإنجليزي أنتوني هاول، صاحب الغاليري الذي دوّن وجهة نظره بالأعمال الفنية المعروضة وقال:"مثلما بدأ موندريان بالتجريد من شجرة، ففي هذه الأعمال الصغيرة القوية التي أنجزها طُعمة يمكن أن تكون هناك حقيقة  مادية- شجرة، نهرًا،  برجًا سكنيًا- ربما، لكن في الوقت نفسه لديها ببساطة حضور في حد ذاته، كصياغات مادية قوية في الرسم، مليئة بالألوان والطاقة". ومثلما ينطلق الحلم من نتوء واقعي كذلك ينبثق التجريد من تكوينات مادية مألوفة للمتلقي العادي لكن شطحات الفنان تأخذنا إلى فضاءات جديدة تنطوي على أشياء ومعطيات غريبة ومدهشة تهدف إلى إبهار المُشاهد وهذا هو سرّ اللعبة الفنية. فهذه اللوحات المتشابهة حجمًا تفتح لنا آفاقًا جديدة مختلفة تتيح لنا السياحة والترحال في عوالمها اللانهائية وكأن الفنان يهدف إلى سحب هذه الأطر من زوايا الأربع لتغطّي أبعد مساحة ممكنة تستطيع أن تلّمها الباصرة البشرية.

76 صادق طعمة 3

يُفرط صادق طعمة في استعمال أكبر عدد ممكن من الألوان الصريحة والمُخففة في بعض لوحاته وكأنه يراهن على بريقها المتناسق، ويدوزن سطوعها في مدارات النص البصري الذي لا يسرد قصصًا واضحة وإنما يكتفي بأشباه الحكايات التي تُحيلك إلى شيء ما وتجعلك تتلقى الومضات الفنية التي وزّعها المؤلف- الرسّام على لوحات مشروعه الفني الذي يمكن اعتبارة مجموعة بصرية تضمّ بين دفتيها ست عشرة قصيدة قصيرة وامضة تحتفي بسطوع الألوان الحارّة، ووهجها المُرهف الذي لا تلتقطه إلاّ الأعين الخبيرة الحساسة. وفي المقابل هناك تقشّف لوني قد يصل إلى ثلاثة أو أربعة ألوان رئيسة باردة في الأغلب لكنها تستوفي شرطها الفني وخاصة في اللوحات التي يهيمن عليها البنفسجي والأصفر والأزرق والرمادي بدرجاته المتفاوتة. ثمة لوحات شديدة الأهمية لجهة استعمال الفنان للون الذهبي بضربات فرشاة سريعة لكنها متقنة وتأتي غالبًا في منتصف اللوحة أو مركز توازنها الأفقي أو العمودي وكأنها تؤدي مهمة الترصّيع أو التشذّير اللوني المتشابك الذي يتعشّق بتقنية مدروسة يجيدها صادق طعمة الموالي كثيرًا للتجريد وللتعبيرية التجريدية التي تستنطق أعماق الفنان وهواجسه المُلحّة التي تترجم موضوعات تبدو عصية على الترجمة لكنها قابلة للتأويل النثري الذي يجنح إلى الإفاضة والإسهاب.

تُحيل غالبية هذه اللوحات إلى مرجعية أوروبية في الثيمات المجردة التي تسرد أشباه حكايات مُضببة ولعل وجود الفنان لسنوات طوالا في لندن هو الذي رسّخ في ذاكرته الشخصية منجمًا من الصور والعلامات الغربية التي تظهر على شكل أبواب ونوافذ وبيوت وجسور وعمارات تتلامع في أفق اللوحة ولا تسيطر عليها تمامًا لأنه لا يعتد بها أصلاً ولكنه يستثمرها لخدمة خطابة البصري ذي المرجعيات المتعددة العربية والإسلامية والأوروبية على حد سواء.

76 صادق طعمة 4

ثمة لوحات قليلة لم تنجح في طمس ذاكرة الفنان الشرقية التي تنبثق في لوحاته مثل الأحلام المتداعية التي تفاجئه على حين غرة فتظهر الأشكال الهندسية المثلثة تحديدًا وكأنها ذات الأشكال التي نراها في البُسُط والسجّاجيد الشرقية بلمستها الشعبية المتعارف عليها ولعلها قريبة من تقنيات الفنان الراحل شاكر حسن آل سعيد مع احتفاظ صادق طعمة ببصمته الفنية التي كرّسها عبر أربعة عقود زمنية، غير أن هذه اللوحة ماكرة لأنها تجمع بين مرجعيتين أو أكثر فبعض المثلثات المقلوبة يوحي بالأسقف القرميدية الأوروبية فيما تذهب التكوينات الأخر إلى مرجعيات إسلامية لم يستطع الفنان أن يمحوها من الذاكرة رغم تقادم الأعوام. ثمة لوحة تُذكِّرنا تقنيتها اللونية بأسلوب مارك روثكو وبول كلي اللذين يركزان كثيرًا على المنحى التقليلي للفكرة التي تقوم عليها اللوحة الأمر الذي يوفر في نهاية المطاف عملاً فنيًا مُقتصدًا في عناصره وتكويناته الرئيسة التي تُريح المتلقي ولا تجعله يتخبط في غابة من الموضوعات المتداخلة التي تُشعره بالعجز والنكوص والتراجع أمام عمل فني يُفترض أن يستمتع به المُشاهد ويجد ضالته فيه لا أن يهرب منه ويفرّ من صعوباته العصيّة على التأويل.

جدير ذكره أن صادق طعمة هو فنان عراقي يحمل الجنسية البريطانية، وحاصل على دبلوم من معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1974، كما نال شهادة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة ميدلسيكس عام 2005. عمل صادق إثر تخرجه في معهد الفنون كرسّام ومصمم للملصقات الخاصة بالمتحف العراقي. شارك في العديد من المعارض الشخصية في لندن وأسكتلندا وفرنسا والدنمارك وألمانيا والشارقة وجدّة وجزر المادليف. أما معرضة الشخصي القادم فسوف يكون في إيطاليا في يونيو/ حزيران 2019.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

590 Basquiatالتناقضات في مفهوم البعد الواحد:

يقول شاكر: (وهكذا فان السطح التصويري وامكانياته للتعبير عن الذات سرعان ما يتقبل الحرف اللغوي لاقحامه عالم اللوحة، ولم يعد اذن اقتباس الحرف في الفن سوى الموقف الكوني للمتأمل لانه اقتباس يتوخى الكشف عن وحدة عالمين يعيشهما في آن واحد هما عالم الفكر (اللغوي) وعالم المشاهد (التشكيلي) .

وقد ذكرنا سابقا بان شاكر حسن وصف الانسان بالبعد الواحد اي النقطة وان النقطة هي مصدر كل شئ فهي مصدر الخط والحرف وتعبر عن الموقف الكوني. وبالتالي فان النقطة (البعد الواحد) عندما تجر وتتحول الى خط فانها تصبح ذات بعدين والحرف اللغوي هو خط ذو بعدين، وفي هذه الحالة تسقط نظرية البعد الواحد (النقطة) وتبقى مجرد نظرية صوفية بعيدة عن فن التشكيل .

نجد هنا تناقضات في طروحات وافكار شاكر حسن بين التنظير والتطبيق العملي، فاستلهام الحرف في الفن التشكيلي يعني استحضار المادة اللغوية التراثية او اقتباسها والاستفادة منها في العمل الفني. ولكن شاكر حسن يعتبر استلهام الحرف وسيلة وليست غاية وان العمل الفني ليس خلقا وابداعا وانما موقف تسائل فتأمل ...؟. والتأمل هو محاولة الوصول الى الحقيقة، فالرؤية للعالم الخارجي يختلف عن التأمل الذي يخترق عالم الماديات الى كشف الروحانيات. فالاشكال عند شاكر تعتبر وسائل تعبيرية عن النفس البشرية وهي تطرح نفسها بصورة عفوية زاخرة بالتعبير والوعي واللاوعي معا .

و هكذا يطرح شاكر افكاره ونظرياته بين الوعي واللاوعي، بين التأمل والصوفية، بين التشكيل والبعد الواحد . بحيث يجد القارئ نفسه في بحر متلاطم من التناقضات والتسائلات .

590 ci twombly   2

التأمل في الفن:

التأمل هو محاولة ادراك الاشياء عبر العقل ومعرفة اصلها وماهيتها والهدف من وجودها والدخول الى اعماق الفكر والروح.. والتأمل في الفن التشكيلي هو رسم صور في الذهن لشئ معين اي رسمه في العقل او ما يسمى بالتصورات العقلية. ثم تأتي مرحلة التنفيذ اي نقلها من عالم التصور العقلي الى عالم المادة . وقد اشرنا لها سابقا .

و قد ذكر الفنان جوزيف كوزوت ان الفن غير موجود في الاشياء انما موجود في مفهوم الفنان وان الفن المفاهيمي اسألة عن طبيعة ما يفهم من فن .. كما ذكر شاكر حسن ان الفن ليس خلقا وابداعا وانما موقف تسائل وتأمل .. ولهذا فان الفن الذهني او التأملي نجده عند عدد كبير من الفنانين الاجانب سبقوا به شاكر حسن آل سعيد، وصدر في هذا الاتجاه عدد من الكتب . بينما تكونت جماعة البعد الواحد عام 1971 واقاموا لهم معرضهم الاول في نفس السنة ثم انفرطت الجماعة بعد عام لاختلافهم في الرأي، حيث فهموا الحرف كعنصر تشكيلي صرف، بينما فهمه شاكر حسن كبعد كوني وربطه بعالم التأمل والتصوف والتصورات الذهنية ...

الاحرف والارقام:

ان موضوع الاحرف والارقام ومعانيها ودلالاتها موضوع قديم ظهرت فيه عدة كتب تتحدث عن اسرارها ومعانيها ويسمى علم – السيميا – (سيمائهم في وجوههم من اثر السجود) وهي سارية في الاسماء وسارية في الكون وتستخدم في الطلاسم منذ زمن البابليين والى اليوم عند بعض الشعوب . وقد ذكر القرآن الكريم قصة الملكين هاروت وماروت وقد نزلا في بابل يعلمان الناس السحر ويقولان انما نحن فتنة. وبالتالي اخذ الناس يستخدمون اسرار معاني الاحرف والارقام في الحياة الاجتماعية ويستخدمونها للسحر وما يفرق بين المرأ وزوجه. وقد اشار اخوان الصفا في رسائلهم الفكرية الى تفسير معاني الارقام والاحرف وقد ذكروا ان وجودنا في ظاهره وباطنه هو عبارة عن لغة من الارقام والتناغمات، علما ان اخوان الصفا هم مجموعة من الفلاسفة المجهولة ظهرت في البصرة في القرن العاشر ميلادي وقد كتبوا 52 رسالة(كتاب) في مختلف صنوف المعرفة . 

و يذكر فيثاغورس ان كل شيئ في الحياة مرتبط بالارقام، علما ان فيثاغورس 580-490 ق م – قد زار بابل ومصر وربما درس في مصر وتأثر بعلومها وثقافاتها، وقال ان ذبذبات اوتار الآلة الموسيقة تنتج اصواتا متناغمة عندما تكون اطوال الاوتار اعدادا صحيحة، وقد عمم هذه النتائج على الكون كله .

كما ذكر جاليلو: ان الطبيعة كتاب مكتوب بلغة الارقام .

اليوم نرى بعض الفنانين والجماعات الفنية قد ادخلوا الاحرف والارقام في الفن التشكيلي كعناصر زخرفية تشكيلية صرفة تساهم في البناء المعماري للوحة كما هو عند بول كلي وخوان غريس وتابيس 1892 وجماعة الكرافيتي التي ظهرت في فرنسا ونيويورك في نهاية الستينات، وهذه الاخيرة اخذت ترسم في الشوارع على الجدران وعربات القطارات وغيرها . واتخذت الحروفية والرقمية اساسا لبناء اعمالها ومزجها مع الاشكل التجريدية والشخوصية . وانتشرت هذه الحركة في اوربا ووصلت الى الدول العربية وتأثر بها عدد من الفنانين العرب مثل شاكر حسن آل سعيد ..

وكان من رواد فن الكرافيتي الحديث هم: جون دو بوفيه (1901-1985)Jean Dubuffet وسي تومبلي 28 – 19 - Cy Twombley وآندي وارهول Andy Warhol 

- 1987 -1928- واخوان ميغيل باسكيت -1960 -1988 Juan Basquiat 

و في سنة 1961 نشر المصور جورج براسايBrassai Georges كتابا حول فن الكرافيتي وكان قد كتب مقدمته بابلو بيكاسو، وكانت اعمال دوبوفيه هي المحور الرئيسي الذي يدور حوله البحث والتي نفذت على الجدران سنة 1945 . وكان دوبوفيه قد استخدم عنصر الكتابة او الحروفية الى جانب الاشكال الاخرى وعلى خلفية ثرية بالالوان كما لجئ الى تقنية الاخاديد والشقوق والخدوش على الجدار وبحرية كبيرة في المعالجة ليعطي العمل اكثر انسجاما مع طبيعة الجدار .

 

د. كاظم شمهود

 

588 شاكر الالوسيقبل العروج الى الحديث عن اعمال الفنان العراقي شاكر الآلوسي احب ان اذكر بعض الملاحظات ذات الصلة، وهي ان الكثير من النقاد والباحثين في مجال الفن قد انشغلوا في مسألتين مهمتين هما الهوية والخصوصية ومفهومهما في مجال التطبيق العملي .. والجميع يعرف ان الهوية هي ماضي وحاضر الامة وما انتجه المبدعون من المفكرين والعلماء والفلاسفة والادباء والكتاب والفنانون وغيرهم، بمعنى آخر هي تراث الامة..و اطلق على هذا الاتجاه في الفن اليوم اسم - ما بعد الحداثة – اما مسألة الخصوصية فهي ليست الهوية وانما هي من مظاهرها او من مزاياها وهي الابداع والمهارة في الخلق والتكوين الشكلي، ولكل فنان له خصوصية في لمسات الفرشة والالوان والخط، وحتى لو كانوا من نفس المدرسة الواحدة . مثلا نجد براك وخوان غريس وبيكاسو يرسمون بنفس الاسلوب والمدرسة والتقنية، ولكن لكل واحد خصوصية في حركة الفرشة واللون والبناء الانشائي ومفرداته التي تعود به الى جذوره التاريخية وتقاليده الفنية .

مكانة التراث في اعمال الفنانين العرب:

بقول جبرا ابراهيم جبرا: (قد نقول ان عمل الفنان العربي مازال قاصرا في الاغلب عن تجربته الحقيقية، اي ان تجربته اكبر من عمله ...) ويقصد هنا بتجربته الحقيقية هو تراثه العظيم الذي يمتد لآلاف السنين .

اما الاستاذ محمود حمادة وهو احد النقاد والرواد في الحركة التشكيلية السورية فيقول: (بان الحركة التشكيلية العربية ضعيفة في الوقت الحاضر وليس هناك شخصيات كبيرة مميزة اصيلة في الفن العربي وان وجدت فهي تعد بالاصابع، والفنان الجيد هو الذي يعمق تجربته باستمرار واعماله تشير اليه... كما اشار الفنان العراقي شاكر حسن بان الفنانين العراقيين يرسمون باساليب اوربية حديثة ولكن مواضيعهم من البيئة والتراث العراقي .

وقد طرحت فكرة تعريب الفن في الاقطار العربية من قبل الفنان العراقي نزار سليم في قاعة وزارة الثقافة في الرباط في ندوة جمعت عددا كبيرا من الفنانين والنقاد العرب في مطلع السبعينات ولكنها لم تحضى بقبول واسع، حيث تسائل المعترضون: هل ان الواسطي حين راح يرسم احداث مقامات الحريري قد تسأل كيف اجعل فنا عربيا ؟ ام ان المحيط الثقافي والفني والاجتماعي والديني والارث الحضاري هي التي كانت القاعدة الاساسية في الابداع والمهارة الشخصية لرسم تلك المقامات ...؟

شاكر الآلوسي فنان استوظف التراث الشعبي والارث الحضاري في اعماله للتعبير عن متعة الجمال والكمال بتقنية معاصرة وخطاب بصري وفكري مؤثر في المتلقي من خلال الرموز والدلالات التراثية . 

588 شاكر الالوسي2

شاكر الآلوسي والتراث:

بنى الفنان شاكر لنفسه قاعدة اكاديمية صلبة وذلك من خلال دراسته في اكاديمية الفنون الجميلة وعلى يد رواد الحركة التشكيلية المعاصرة في العراق، ثم انطلق بعد ذلك منفردا يبحث عن خصوصيته وشخصيته في الفن وكذلك عن هويته التي تعود الى آلاف السنين . رسى شاكر على ضفاف التراث ليغرف من مدرسة بغداد الواسطية ما يتلائم مع ذوقه وفن المعاصرة، وقد وجد في التراث ما وجده ماتيس عندما حل في بلاد المغرب عام 1911 حيث وجد ضالته التي يبحث عنها في الفن الاسلامي، ولم يعد الشكل غاية لديه انما اصبح اللون والضوء والمساحات المحاطة بخطوط سوداء والزخارف الاسلامية المبهرة هي من اساسيات اعمال ماتيس الجديدة . لقد شاهدنا عند شاكر تأثيرات المدرسة الوحشية حيث الالوان الساطعة الحارة، والخطوط القوية التي تحيط بالشكل احيانا، كما انه يملئ اشكاله بمساحات لونية متنوعة الدرجات ويطغي عليها اللون الاحمر والقهوائي الفاتح . ونلاحظ التوزيع اللوني في الاشكال مسطح احيانا ومضلل احيان اخرى . ويبدو ان شاكر يعيد صياغة التراث من خلال الايحاء والخيال والرموز والحدس فهو يرسم النساء ليس كما يراها انما كما يفهمها ويتخيلها داخل اطار التراث الشعبي .. وكان الفن عند ماتيس كشأنه عند العرب هو الفرح والايقاع والنغم وبالتالي هو التعبير عن المتعة والجمال . وهذا ما نجده عند شاكر حيث امتازت اعماله بنور اللون، اللون المضيئ وهو اكثر سطوعا وكثافة وبالتالي يصبح اللون مخصص للتعبير عن النور وليس نور الطبيعة انما النور الذي يبحث عنه حس الفنان وذوقه ومشاعره .. وقد انصبت تعبيرية شاكر الجمالية على الوجه المدور الذي نجده عند بعض الرواد وفي تراث مدرسة بغداد فقد حور في الوجه ولكنه رسم بقية الجسم باكاديمية وانطباعية واضحة كما نجد هناك جرءة في حركة الفرشة وضرباتها وكذلك امكانية وقدرة كبيرة في تخطيط الشكل الواقعي .. اما الرومانسية فقد طغت على اشكاله والوانه ومن خلال عذوبة واسترسال الخط وليونته وانحناآته في حركة الايدي والارجل وميلان رأس المرأة بتواضع ورقة وجمال (ملء السنابل تنحني بتواضع - - والفارغات رؤسهن شوامخ) .. واخذ شاكر مواضيعه من التراث الشعبي المعاصر حيث الافراح والاعراس والجلسات النسائية الخاصة والساقيات من بنات الريف والبيوت البغدادية ومشربياتها وتقاليدها العريقة . كما نجد التأليفة الانشائية متكررة على الاكثر والوجوه منظورة ومرسومة من الامام وقلما نجد وجها جانبيا . ولكنه حافظ على التوازن حيث ان الجمال الشكلي يعتمد في صميمه على التناظر والتوازن، وهما في نظر ماتيس (الاهرام الراسخ يفرض نفسه على القرون) ورغم التعبيرية والتشويه القليل لم ينفك شاكر عن معالجة الصورة بكل تأني لكي يصل الى نقطة الجمال والكمال .. وقد ذكر ماتيس ان فن المدرسة الوحشية مصدرها الشرق . ولهذا نجد ان التراث الاسلامي هو المنهل السرمدي الذي يغرف منه الجميع من فنانين عرب واجانب .

74 شاكر الالوسي

وقد بحث شاكر عن ذاتيته وهويته في التراث واعتقد انه هو الاكثر بحثا وعمقا وسعة في استنطاق الموروث الحضاري من غيره من الفنانين العراقيين المعاصرين . نعم كان جواد سليم قد بدأ البحث في التراث وانشغل به ولكن عمره القصير لم يسمح له بتعميق تجربته ونضوجها . وقد اتهم الغرب الفنون المشرقية بالموضوعية وفقدان الذاتية، كما اتهمها بالسحر ولكنه سحر صوفي نتيجة للاختزال والايقاع والنغم في الوانه وزخارفه الاخاذه الساحرة .. ويقول المفكر بيرابين R. Biraben (ان السحر العربي دائما مشترك تقريبا مع الصوفية انه نتيجة لتفكير قديم عند العرب الساميين)، وطبعا هذه وجهات نظر تفتقد للدقة احيانا، فالفن الاسلامي فن عام شامل اشتركت في بناءه امم وشعوب لها جذور وتقاليد فنية متنوعة عريقة وفي داخل هذا الاطار العام نجد مدارس لها خصوصيتها وملامحها التي تميزها عن غيرها فهو فن موضوعي وفي نفس الوقت ذاتي .

وعندما حل بول كلي في تونس عام 1914 قال انه وجد ذاته في روح الفن الشرقي وانه بدأ رحلته الفنية من جديد ولكنه كان خائفا من خطورة الفن الغربي على عالمه الروحي الشرقي الداخلي واصبح فن كلي مشبعا بالارابسك وذلك البعد الروحي لتلك المظاهر الساطعة الصافية .

شاكر اصبح مشبعا بروح التراث ودلالاته الفكرية وكأنه وجد ذاته فيه، وطرحه بقيم شكلية معاصرة وهي قيم تبرز من خلال مشاركتنا العاطفية الانسانية العامة مع تلك الاعمال وبعدها الفلسفي الذي يشير الى عمق خيال ورؤى الفنان الفكرية.

وبالاضافة الى التراث الشعبي الذي ظهر في اعمال شاكر فانه رسم اعمال ذات طابع ومواقف نضالية من خلال اعماله التي اطلق عليها اسم - مانشيتات - وهي بمثابة بوسترات او اعلانات احتجاجية حديثة الاسلوب لما مر به العراق من مآسي وخراب ايام الاحتلال الامريكي واصدر لذلك كاتالوك يحتوي على مجموعة من القصص الواقعية المأساوية، ويذكرنا ذلك بالرسام الكولومبي فرناندو بوتيرو 1932 الذي عمل معرضا عن سجن ابو غريب ووكيف تعرض السجناء الى التعذيب والقتل من قبل الامريكان ..

شاكر الآلوسي من مواليد 1962 من منطقة آلوس في اعالي نهر الفرات وهي جزيرة صغيرة وسط النهر وتقع قرب الحفلانية وحديثة غرب مدينة الرمادي، خريج كلية الفنون الجميلة في بغداد ومحاضر في مراكز جامعية متعددة منها كلية الفنون الجميلة في بغداد وكلية الهندسة وغيرها، كما اقام عددا كبيرا من المعارض الشخصية والمشتركة في داخل وخارج العراق وقدم بحوثا دراسية عن التراث والفلكلور الشعبي العراقي . ولازال شاكر يتمتع بطاقة حيوية كبيرة وحركة مستمرة في مجال النشاطات الفنية والثقافية..

 

د. كاظم شمهود

 

جمال العتابيالتعبير عن جوهر الحياة وما يجري في جوفها من أحاسيس وتأملات وصراعات، ضرورة إنسانية تمتلك قوة تأثيرها وعمق فاعليتها في أعمال الفنان التشكيلي كاظم الداخل، وتبدو قيمة الفن بحق، في محاولته الدائبة لإنقاذ الحياة من الإضطراب والخوف والإرتباك الذي يكاد يطمس ملامحها، كاظم يعي مهمته، لكي يخلق لنا عالماً أفضل ووجوداً أكثر إتساعاً وأجمل فضاءً .

في أعماله هناك معنى خافٍ لايدرك مباشرة، انه يخلق هذا المعنى بطريقة لاشعورية، قد يتضمن عمله أكثر من معنى، ليس من الصعب أن نتقصى عنه، لكن الصعب حقاً هو التوصل إلى كشف النقاب عمّا ينبض في الخفاء وراء كائنات العالم المرئي، لأن الشيء الأهم حقاً هو بلوغ السر الخفي وراء الأشياء العادية .

كاظم الداخل يدعونا الى أن نفتح عيوننا وننتبه الى الحياة الخفية للأشياء والأماكن والأشخاص، انه لايقفز بنا الى هوّة الخيال مباشرة، بل هو يحاورالواقع ويتحدى قوانينه ويدور حولها، ويختبرها حتى ينجح في خلق عالم مجاور له قوانينه أيضا،

أربعة عقود أو أكثر على مغادرة كاظم وطنه العراق، هرباً من الديكتاتورية والحروب، لكنها كانت سنوات من العمل المتواصل الشاق، المثابر الدؤوب، درس الفن في أكاديميات إيطاليا في مطلع حياته الفنية، ولم يصبح مدرساً أكاديميا، بل فناناً تعبيرياً يمتلك القدرة على التحول والتغيير، وإستطاع أن ينقل ما إستفاده من أساتذة الرسم الإيطالي تقنياً في إنجاح عمله من الناحية التركيبية بمضامين جديدة، غير أن أبرز ما إستطاع الإحتفاظ به من خصائص هو التفرد في الأسلوب، وإغناء تعبيره بشحنات إنفعالية في رسم الأشياء، وقدرته على تحميل الصورة رسالة فكرية، بجانب ما تحمله من قيم جمالية وفنية، في لوحة العشاء الأخير (عمل انستليشن)، ثلاثة عشر شخصية، المسيح وأتباعه على المائدة جوازات سفر عراقية، إنها اشارة صادمة للمتلقي، وإستجابة واضحة لرفض وإدانة عمليات التهجير القسري للمسيحيين، في السنوات التي أعقبت الإحتلال، انها صورة للوجع العراقي، وجع الغربة والموت ومصادرة حريات وكرامات الإنسان، الطاولة التي فرشت عليها جوازات السفر، هي دكة الموت والإحباط وتكسّر الأحلام، في عمل آخر بالإكريلك اسماه كاظم ( الإسطوانات) لجأ فيه الى إستخدام إسطوانة الغراموفون، الإسطوانة دلالة رمزية لحال العراق عبر دورات الزمن المتتالية، صراع على السلطة، وإستحواذ على الكراسي، قصة لاتنتهي بموت الحاكم أوقتله، لذلك عَمد الفنان الى ترك الأسطوانة الأخيرة سوداء، تحمل معها غضبها ومكابداتها، ظلت فارغة بإنتظار من يملأها . في عمل ( الواح طينية ) يتألف من 20 قطعة، القطعة الواحدة تشير الى اللوحة الخشبية المصنوعة لفرم اللحم، علقها كاظم بنسق تعبيري واحد، حملت تبريراً منطقياً لمفرمة الحروب العبثية، الفنان إستطاع ان يصطاد كل تلك الأحزان وكاشفا بشاعة الحرب ودمويتها .

هذه الموضوعات إستأثرت بإهتمام كاظم، ففي معرض (الرأس) الذي أقامه عام 2010، حاول داخل أن يمنح الحياة مجدداً للضحايا، لابد من العثور على ثغرة في الزمن وثقب المكان، نتسلل منها الى ذاكرة الأرض، ونكشف جماجم الضحايا، ومن دفنوا أحياء في المقابر الجماعية لكي يهبهم الرسام اللحم والدم، هذه الرؤوس لبشر وعقول مفكّرة ومبدعة، فلوّنها ومنحها قيمة جمالية نابضة بالحياة، لم يتعامل معها كعظام بالية غابت تحت غبار الصحراء، إنها صورة دموية لإستشهاد الإنسان فكراً وعقلا ً .كما صوّرها في لوحة (واحة المبدع)، التي ترمز لأستشهاد المفكر كامل شياع، جمجمة تحلق في سماء بغداد بنصفين، العلوي منها : مياه وبحيرة، والأسفل بغداد والرافدان، كل شيء في اللوحة مفروش بذكاء، وعناية تامة، الفضاء يتعذر فصله عن الأشكال الأخرى .

75 كاظم الداخل

نساء عراقيات، قرويات، أو من عامّة النساء البسيطات الأميّات، يجهلن ما يعرضن من بضاعة،! انها تماثيل مسروقة، تاريخ وحضارة العراق معروض للبيع بأبخس الأثمان، اللوحة في هدوء ملامحها، أشبه بصيحة، أو وحشة مرّة، كاظم الداخل مقاوم كتوم، يلجأ للرمزية والتورية أو المواربة، ليكشف البشاعة المرعبة التي عاشها أو عايشها .

منذ أعوام، بدأ الداخل العمل في مشروع فني جديد، منذ إجتياح الوحش الداعشي أرض العراق، بفتاوى للقتل، تشرّع ذبح الإنسان، تستبيح شرفه وجسده وكرامته، تهدر حياته ووجوده، منحى جديد في أعمال كاظم، في الفكرة والبناء والإسلوب، تفحّص النص المقدس بإدراك ووعي لمحاولات التأويل، وتقليص مساحة التضليل والتشويه فيه، فراح متمسكاً بالحقيقة، وغاص داخلها، بما يفرضه عليه واقع الفجيعة، دون أن يتخلى عن البعد الفني، هنا تكمن الأجوبة لأسئلة محيرة، فثمة خيط منظور يجمع فتاوى القتل وأساليبه، انه لون من ألوان التعزية لمن يعاودهم الحنين للسيوف والرماح والدروع والغزو والإستباحات الى إستعادة التاريخ المضرّج بالدم .

في أعمال كاظم، أحلام وذكريات وينبوع من الماضي، ذلك الصوت العميق الذي يوّحد الكون والكائن، ويوازن بين روح كليّة وروح أخفقت، هذا ما يمكن متابعته في معرض نوافذ للحنين، الذي أقامه الفنان عام 1993في لندن بكاليري4،إشتياق للماضي في الليلة الاخيرة، أبواب وشبابيك،شناشيل وأزقة، وجوه ومقاهٍ، هكذا يبدو الاثر الانساني وسيلة يمتلكها الفنان ليستخدمها في التعبير عن رؤيته المعاصرة، وهو يمارس عبر ذهنه الدينامي، إبداع الأساليب التي تستطيع حمل أعلى طاقة روحية ممكنة . إنه يرسم أشياءً دفينة في قلب مدينته الناصرية ووطنه العراق الذي ثُلمت أسواره

إمتدت رحلة كاظم الفنية سنين طويلة، كان فيها ينقب عن حوافز تحمله على تكوين رؤيته الفنية وهويته التشكيلية، فوجد في مفردات متناثرة متباينة تحيي رجيع قلبه وأسئلة وجوده، يجمع مذاق الماضي ودفء الحاضر، من ملحمة كلكامش ولقى سومر، الى بيئته الريف والاهوار،

ان ما يحملنا على النظر بإمعان الى اعمال الداخل هو الباعث نفسه الذي يغرينا في إستغراقه التأمل في الحياة والبيئة، معرض (الوحدة )مثلاً، إقامته في الغرب، دعته الى إرتياد الحانات الليلية، وراح يغور في أسرارها، فإقتنص بنات الليل والراقصات والسكارى والمتسكعين والشاذّين، فقدم معرضاً بتلك الاعمال وصوّر هذا العالم الذي لاسبيل لإدراك أبعاده إلا في التوغل بأعماقه .

إنشغل الداخل بهاجس التعبير عن النزعة الإيروتيكية في أعماله الفنية، فأقام معرضا خاصا عام 2002 في السويد أسماه (إيروتيكيا )،وبنظره لم تعد موضوعة الجنس إحدى التابوات التي يتوقف عندها الفن التشكيلي هناك، مثلما تبدو معضلة واضحة في بلدان المشرق العربي والإسلامي، إزاء إحتمال الرفض الرسمي أو الأخلاقي الذي يزعم انها تروّج للفن الأباحي أو المكشوف، فلجأ كاظم الى إختيار منهج آخر في نقل التجربة الحسية بكل ما إنطوت عليه من تفاصيل بجرأة عالية وصريحة، لكن بنسق تعبيري آخر، فالممارسة الجنسية يتعامل معها لابوصفها ممارسة حسية حميمة وتجربة مفعمة بالخيال والشوق والغبطة اللحظية، اوهي حالة تجلٍ وغياب، انها وفق رؤيته حالة من الهيجان والإجتياح بالعنف والقوة، هي أشبه بالإفتظاظ القسري، يريد كاظم ان يستكمل قوة التعبير من خلال حركة الألوان الحارة الطاغية على اللوحة، وحركة الجسد التي تستر أعضاء الغواية فيه، أجساد بشرية متشابكة، ملتحمة، متسلقة، رجال عراة، ونساء مكتنزات ورشيقات،إختفت ملامح وجوههن، قابعات خلف الستائر، أومستلقيات على وسائد وأسرّة . وهكذا نجد ان ملامح القهر والإستبداد والعنف، ما تزال تنخر في متخيلنا الإبداعي ووجداننا الجمالي

عناصر أليفة تتجاور وتتحاور في أعمال كاظم المنفذة بالاكريليك بعد أن هجر ألوان الزيت أو أُجبر على تركه بنصيحة طبيبه، لما يسبب له من حساسية عالية في إستخدامه، فراح يتعامل معه بطريقة تقنية تقترب من الزيت،ويبتعد فيها اللون عن البريق، بمعنى آخر ان كاظم خرج عن طاعة الزيت الذي كان يخفق على بياض اللوحات، فقدّم لنا أعمالاً بإنصات حميم هادىء مع بعض الشخصيات من الشعراء : السياب ومظفر النواب والجواهري، في أعمال فنية إرتقت فيها المهارة التقنية حد التنغيم اللوني في التشكيل، الجواهري في مقهاه في براغ المغرم بالنساء البدينات الممتلئات جسداً، والسياب يطلّ على شباك وفيقة، ومظفر النوّاب المسافر في ( الريل )الى جنوبه العميق، والشاعر محمود البريكان المقتول غدراً والآخر الشاعر العراقي الذي مات في الغربة ضياء مجيد، في هذه الأعمال إستطاع أن يعيد تأليف المنثور من حبّات القصائد، وحوّلها قطعاً فنية متكاملة تستحث الرغبة في الدخول الى العوالم الخاصة بالشعراء، المشاهد تحمل حرارة الحياة أو تلك العاطفة الانسانية الودود، جميلة حد الألفة، تدخل في حدود مملكة التعبير الفني بقدر ما هو مشحون بها من شعور يملك القدرة على احياء ذكرى المادة المنسية والمهجورة معا .في المجموعة هذه من الاعمال نبرة لونية ساطعة، وتظليلات هادئة لسواكن الشعر، لتمنح سطح اللوحة المترع بجمالية التشكيل،نوعا من التوازن المتناغم كما يرى (موندريان) .

لم ينشغل كاظم في النحت كثيراً، كان مهتماً في اللون المضمّخ بالعاطفة، الا انه قدم بعض المجسّمات في معارض محدودة أقامها في الخارج، وهي أعمال لاتترك أثراً تشكيلياً يحمل هويته وتفرده الفني، لكننا نتوقف عند أحد الأعمال المجسمة وهو (11 سبتمبر)، مكعبات من الخشب، تمثل برجي نيويورك اللذين تعرضا للتفجير بعمل ارهابي عام 1991، هناك 3 الآف صورة أو اكثر تمثل عدد الضحايا في حادث الإنفجار، الفنان هنا يريد القول ان هذه الصور غابت عن الأبصار، غير انها لاتغيب عن البصيرة، قد تعود من جديد بصور جديدة وفي زمن آخر لتشهد على حجم الجريمة التي تتعرض لها الحضارة والإنسانية، برجان عملاقان من مكعبات مرصوفة بالوجوه، تثير شعوراً بالقلق على عصر مخترق من الأعماق ومطعون بأخلاقيته، انها لغة كاظم الهجائية المرّة، هناك إستدلالات تختفي دائما في الوراء، إلا ان الإشارات الرمزية واضحة لإيجاد نوع من التوازن في اللوحة .

كاظم الداخل من مواليد 1950 في مدينة الناصرية، تخرج من أكاديمية الفنون الجميلة في روما عاصمة ايطاليا عام 1987، يقيم الان في مالمو – السويد ومتفرغ للرسم، غادرالعراق عام 1979 لاسباب سياسية، أقام 38 معرضا شخصيا، و21 معرضا مشتركا، نال الجائزة الأولى في بيناله الكويت عام 1982، من مؤسسي جماعة كاليري 75 في البصرة، أقام معارضه في أغلب عواصم ومدن اوربا : لندن، روما، فلورنسا، مالمو، برمنغهام، كوبنهاكن، وفي دمشق كذلك، ونال جوائز عديدة

 

جمال العتّابي

 

584 فاطنة شوافشهد رواق المسرح الملكي ليلة أمس معرضا تشكيليا للفنانة العصامية فاطنة شواف، بحضور جمهور غفير وشخصيات وازنة في الحقل الثقافي والفني، وقد تشكل الرواق من خمسة وأربعين لوحة جسدت خلالها المبدعة قوة تعبيرية عميقة من خلال تجليات البوب أرت والانطباعية. فرسمت للحضور وللقراء صورة انطباعية وتعبيرية في سياق فني واقعي معاصر حمل في طيه تقنيات جديدة أبدت من خلالها الفنانة فاطنة تعبيرات مختلفة عكست تصوراتها وأفكارها الفنية، وقد جسدتها بتشكيلات دقيقة رامت مجموعة من القيم الفنية والجمالية والإنسانية في نطاق أسلوب فني معاصر تنوعت فيه المواد والموروثات الحضارية.

وبذلك تعد هذه التجربة المائزة للفنانة فاطنة شواف مرحلة قوية تضطلع بتقاطعات مليئة بمجموعة من المكونات التي تتغيا المادة التشكيلية في عمقها الفني والدلالي. وهو نهج تشكيلي غاية في السحر، اعتمدته بغية إرساء التخصص المبني على الأسس التعبيرية المثقلة بحمولة من العوالم المتنوعة، والتي تروم العناصر الفنية الجديدة والمفردات التشكيلية المعاصرة التي تؤطر المنحى الجمالي والتعبيري المستبطن في كنف العملية الإبداعية ككل.

73 فاطنة شواف 1

إنه مسلك في التشكيل تؤطره الرؤية البصرية التي تعتمد السمات الجمالية في العمل الفني. وبذلك تتبدى أعمال الفنانة فاطنة من خلال هذا المعرض الشخصي مثقلة بجملة من التعابير العميقة وفق منهج شكلي بصري صرف، ووفق اشتغال يأخذ بعين الاعتبار الاكتنافات الداخلية والانفعالات والأحاسيس ذات الأبعاد المنضوية في حكم المطلق، ترسلها المبدعة بشكل غير مباشر إلى القارئ، لا تحدها حدود ولا يسعها مكان ولا زمان، وبذلك فهي ترسم لها الاستمرارية من خلال مسلك التعبير الواقعي بأسلوب معاصر.

ولا شك أن التقنيات العالية التي وظفتها في هذا المعرض المتكامل الأنساق قد لعبت دورا رئيسا في توجيه أعمالها نحو ما ترغب توصيله. كما أن مؤهلاتها الكبيرة وقدراتها الفائقة مكنتها من أن تؤثث أسلوبها التشكيلي الفريد بدقة وعناية وفق منظور خاص وبطرائق متنوعة، وهي بذلك تخضعه لسلطة التصور التشكيلي الممنهج لتتحكم في المادة التشكيلية، وتنتج من خلال استعمالاتها التقنية وعمليات التوظيف المتقنة للألوان والأشكال والعلامات مادة فنية حابلة بالمعاني والدلالات.

73 فاطنة شواف 2

لذلك أضحت موفقة في ربط مجموعة من العلاقات التشكيلية بالمضامين الباطنية، والحد من مجموعة من التباينات داخل الأنساق اللونية في علاقاتها بالأشكال المختلفة والألوان والشخوصات. الشيء الذي مكنها كذلك من توطيد أسلوبها الفريد التحاوري، وفق مادة معرفية وسيطة تؤلف بين استخدام الأدوات التحولية، وأشكال التعبير المختلفة، والمضامين الداخلية. فقد سعت من خلال الألوان تكثيف التداخلات العلاماتية والأشكال والشخوصات لتقدم رؤية تعبيرية انطلاقا من أعمالها الواقعية، وبسط نوع من الانسجام بين هذه المواد والكتل التي تتراءى بين الحين والفين في أعمالها، وهي في التحقق الفني تقدم جهدا يتخطى المجال التشكيلي الجاهز لتقفز إلى مجال تشكيلي تعبيري معاصر مدجج بعوالم رمزية وعلاماتية مبنية على أبعاد ذاتية وحسية تنهل من القضايا المادية واللامادية والفكرية والفلسفية في تجدد لوني وبأدوات متنوعة تشكل وسيلة دون قيد حتى تستجيب لرغباتها الباطنية بشكل مطلق. الشيء الذي ينتج فضولا لما وراء ستار التعبيرات المتنوعة وما تضمره على مستوى المضمون وعلى مستوى المادة الجمالية، فتجعل القارئ يضع أكثر من تساؤل عن الصيغ الجمالية التي تتلاءم مع هذا التوجه الفريد في التعبير بأدوات مختلفة وبمضامين تمتح مقوماتها من الحس عبر إطار مادي إلى أبعاد فلسفية عميقة الدلالات.

إنه مسلك تعبيري جديد يجعل الفنانة المقتدرة فاطنة شواف في صفوة الفن المعاصر.

 

محمد البندوري

 

583 الملوك1الملك (أورنمو) السومري حاكم مدينة (أور) يحمل على رأسه إناء أو (سلة من التُراب) = (طاسة مال عمّالة) دلالة على مُشاركة (الملك) = (صانع القرار) لشعبه في البناء والاصلاح والإعمار كي يُشيّد زقورة (اي كور) قبل (٢٠٥٠ ق. م) في مدينة (نفر) المُنحدر توليفة لفظها من اللفظة السومرية (نيبور) التي ورد ذكرها في الأساطير السومرية والأخبار البابلية.

كانت (نيبور) مركزاً لبلاد سومر وثقافتها.

لم يكن (أورنمو) يحمل (الطاسة) للدعاية لأنها لم تكن من وسائل الترويج الإعلامي من قبل، فلم يكن هُناك (تلفاز) ولا (فيس بوك) ولا ولا ولا...

في سُلالة أور الثالثة (٢٠٠٠ ق. م) أعاد (شلكي) ثاني ملوك هذه السُلالة بناء الزقورة (المعبد). ووجد تحت أسسها سبعة من الآجر المطلي بالزفت داخل كُل منها تمثال من البرونز للملك (شلكي) وعلى رأسه سلة من التُراب ليضع الحجر الأساس للمعبد.

ما يجدر ذكره أنه لم يُكتب من قبل أن زقورة (إي كور) في مدينة (نفر) = (نيبور) قد وضع حجر اساسها (أورنمو) ولا (شلكي).

لم يُشر بأي لوح طين على أن العمل بها قد أُهملَ، إنما كُل ما تُشير له (الحفريات) الآثارية أن العمل فيها كان على قدخ وساق، ولم ينشغل الملك (صانع القرار) بتصوير الإعلان ونقل وسائل الإعلام له، لغيابها في ذلك الوقت أولاً، ولحرص صانع القرار على أن تُدون أفعاله لا أقواله ولا إظهارها بمشهدية لا مصداقية لها في (المابعد) من حياته السياسية.

583 الملوك

من بنى الزقورة (المعبد) عراقيون من دون الاستعانة بشركات ولا مكاتب استشارية عربية أو أجنبية، ومن دون توأمة ولا أتمتة، بل ومن دون عناء في كسب رضا جامعات الدُنيا لو كانت هُناك جامعات، إنما كُل حضارات الدُنيا يطيب لها أن تنهل من معارف أرض (بلاد ما بين النهرين)، فلا جوّدة ولا أداء يُتقنُها البعض قبل اتقان أبناء الرافدين لها.

صناعة التاريخ وبناء حضارة مُثلى إنما يشترك بها صاحب القرار (الحاكم) مع الجماهير، فكُلما زادت اواصر الثقة بجدّيته في العمل تجد الجماهير أكثر إلتصاقاً به.

إبحث عن ذاتك في فضائك الاجتماعي والجغرافي لا تبحث عنها في فضاء آخر، فأنت من تجود وأنت من ينبغي عليك الإجادة في العمل، وستجد كل دُعاة الجودة والأداء يضعون نتاجك مقياساً للنجاح.

نحن بُناة الحضارة فلا نستجدي أحداً في (الاعتراف) إن عملنا بما كان يعمل به الأجداد السومريين والبابليين والآشوريين ومن بعدهم المُسلمين في نتاجهم الحضاري في العصر الذهبي (العباسي).

كل أمم الأرض كانت تبحث عن (اعتراف) منّا، وهذه حقيقة تاريخية وليس تمشدقاً بنتاج الماضي، وهي ليست دعوّة اتبناها للعودة للماضي والركون عليه، إنما هي دعوّة للثقة بالذات وترك نزعة الاستجداء للحصول على (اعتراف) الآخرين بنا، لأن العمل الجادّ أُس النجاح، وفي كل نجاح يتلوه نجاح ستجد الآخرين يضعون رؤيتك للتنمية مقياساً لتحسين الفكر والعمل، وستكون مُتبعاً لا تابعاً، ومُقلَداً لا مُقلِداً، وتلك من مظاهر التقدم عند الأمم التي يُجيد العمل عليها وإنجازها (الملوك) = (صُنّاع القرار) الذين يعرفون قيادة مُجتمعاتهم كي يكونوا قادة لا مقودين.

 

د. علي المرهج

.........................

ملاحظة: المعلومات التاريخية والآثارية مأخوذة من كتاب (نفر) للدكتور فرج بصمه جي مُدي المُتحف العراقي، مطبعة الربطة ببغداد، ط١، ١٩٦٠.

 

 "اذا لم تكن صانعا للجمال فلا تكن منتجاً للقبح"

 إذا كانت العمارة هي منظومة للاتصالات والتفاهم تنتقل فيها المعلومات من باعث يتمثل بالمصمم إلى متلق يؤدي دور المفسر كائناً من يكون ؛أما "التفسير" فيقصد به هنا "النقد" أو "المعنى" .([1]) فلا شكّ أنّ لهذه المنظومة مرجعيّات تظهر تحولاتها وما يصيبها من تجديد وبخاصة ونحن نعيش ارهاصات عديدة في ظل خطاب ما بعد الحداثة([2]) لقد غيّرت من القوالب الجاهزة وبعثرت القواعد والقوانين و الأنظمة التي تبني الخطابات الفكريّة والفنيّة والعلميّة أيضاً .هذه الخطابات هي خطابات الفنانين والعلماء والمفكرين والمثقفين .([3])،ولعل هذا يظهر في رفضها الخطابات الذهنيّة والأخلاقيّة و السياسيّة والاجتماعيّة نفسها على كل المجتمعات "فالحكايات الكبرى " لم تكن تعتقد بشيء سوى أنّ الذات المستقلة، ومن هذا انتجت مركزيّة الأنا (الإحساس بقيمتها ) وعنه نجحت أنظمة كليانيّة، أرادت أن تخضع الكل لنظامها .([4]) وبالآتي كان مفهوم ما بعد الحداثة هو بمثابة الحقل الفكري والفلسفي الذي عمل على نقد المذاهب الفكريّة في المشروع الغربي .([5]) ؛ لكن يبقى من الضرورة التأكيد على إنّ المشاعر التي ينقلها المعماري، ليست هي المشاعر التي ينقلها الأديب، أو المسرحي، أو الموسيقي، أو الشاعر، إنّها مشاعر لها لون خاص ؛لأنّها تتعلق بمعاني الأشكال المعماريّة التي يصممها المعماري، و لذلك فإنّ لغته التي يعبر بها تتعلق بعلاقات تلك الأشكال ببعضها، و بين العناصر و محيطها، حينما تتآلف في وحدة معبرة تحمل مشاعر المعماري .فقد ظهرت تحولات مهمة في فن العمارة لما بعد الحداثة والتي يمكن أن نجد لها مقدمات كما جاءت به "جماليات المستقبليات" في العمارة إذ هيمن على تلك المدرسة رهان " جمال السرعة " ولعل هذا ما أشار اليه الايطالي فيليبو توماس مارينيتي (1876-1944م) من خلال بيانه في صحيفة لوفيجارو الفرنسيّة عام 1909م؛ ليبشر بولادة فن المستقبل ونهاية الماضي.( الحركة المستقبليّة – مجلة الكلمة ) ([6]) يبدو أن هناك انبثاق لخطاب جمالي جديد يحاول أن يخلق قطيعة مع ذائقة وحركة الماضي ويبشِر بشيء جديد فهو يتخذ من تجميع العنف الى جانب الجمال وإرادة التدمير والحرب آليّة في ازاحة الآخر وتشيِد جماليّات القوة والسرعة .

لكن تبقى جماليات "التفكيكيّة في العمارة "اذ عرفت إحدى الفلسفات التي مثّلت ما بعد الحداثة، فالتفكيك يشترك مع المستقبليّات في موقفه من التراث الغربي وبخاصة نقد التمركز العقلي، داعيا إلى دور حر للغة بوصفها متتاليّة لا نهائيّة من اختلافات المعنى ؛لهذا لم يقتصر أثره في الفكر الفلسفي، بل امتدّ إلى النقد الأدبي ([7])؛ لكن من أهم مقومات التفكيك هو الاختلاف وهو مشتق (différence) من الصيغة الأولى ذات الدلالة المكانيّة أساسا، أما الصيغة الثانيّة ذات الدلالة الزمانيّة، فقد اشتق منها مصدر جديد لا عهد للغة الفرنسيّة به، هو الإرجاء أو التأجيل أو الاختلاف .([8])،ولعل هذا الموقف المنفتح على المستقبل وخلق أفق للمستقبل تجلّى في جماليات العمارة، اذ ظهر في نهاية الربع الأخير من القرن العشرين تيار معماري و فني و تصميمي خلق فضاءً للإبداع والابتكار في حريّة الشكل.(([9]) علماً أنّه جاء بوصفه رد ة فعل صارمة على حركة الحداثة (Eclectism) التصميم و الانتقائيّة معناه، من بعض الوجوه، في مجال النقد الأدبي والعلوم الاجتماعيّة( ([10]) اذ كانت حالة إبداعيّة تتجه إلى آفاق جديدة من الأشكال المستحدثة، تعرض ما هو غريب بأسلوب صادم من التكسير والتجزئة. تعتمد العمارة التفكيكيّة على المبالغة في التشكيلات الغريبة،والتي تؤدي إلى عدم القدرة على التعرف على هويّة المبنى كما تعتمد على عدم التعبير عن الإنشاء والذي قد يصل إلى صعوبة التعرف على العلاقات الانشائيّة التي تحكم التكوين نظراً؛ لعدم التفاتها للمشاهد،وعدم مراعاة الظروف البيئيّة وعدم انتمائها للمكان الذى تقع فيه وإن كانت هذه المباني تعبِر عن الظروف الاقتصاديّة والفكريّة لهذا العصر. ([11]) ؛لكن تبقى عمارة ما بعد الحداثة تتضمن أشكالاً معماريّة حديثة و بلُغة شكليّة تحمل دلالات رمزيّة مبالغ فيها مشوبة بالتناقضات كما تتضمن عمارة ما بعد الحداثة تيارات متعددة انتقل روادها من تيار إلى آخر، الأمر الذي أدى إلى غموض معناها إلى إثارة الجدل من حولها. ولعل هذا يمكن رصده بظواهر متنوعة منها: التناقض، و هذا ما يميز عمارة ما بعد الحداثة ؛فهي الحاضر الغائب، و هي الديناميكيّة التي تحرك المعماري بموضوعه إنّها الآليّة التي تدفع عمليّة الإبداع في المبدع، و حاولت تحقيق مصالحة بين العمارة و التاريخ، بين الزمان و التزّمن، و الوصف و التطور، هذا يأتي من الثبات في الحركة، و الحركة في الثبات، إنّ أساسها التسلسل الهرمي الذي يعطي عدة مستويات من المعاني من ضمن عناصر ذات قيم مختلفة، و بناءً على ذلك بالإمكان ضم عناصر تعد رديئة و جيدة معاً، كبيرة وصغيرة، و عمارة كهذه تضم مستويات متنوعة من المعاني تولد الغموض و التوتر والتناقضات. ([12])،وقد اصبحت على وفق تلك المرجعيات تتحرك في سيولة تتجاوز صلابة المدلولات الطبيعيّة والتعارضات التقليديّة ومن أمثلة ذلك، التباين بين شكل المبنى والأرض المقام عليها،التباين التقليدي بين الهيكل الإنشائي والزخارف .

هذا الارتحال من الفلسفة الى العمارة خلق أفقاً جمالياً جديداً منفتحاً على المستقبل وهو ما يعرف بعمارة " الديكونستركشن " التي أصبحت مركز نظريات الفن والعمارة في أمريكا في حقبة الثمانينات وهي الحقبة التي انتشر بها التفكيك أيضاً في تلك الثقافة أصبحت هي الاتجاه الأكاديمي الرسمي في بعض أقسام العمارة والأدب والفن في الجامعات الأمريكيّة، تدعو عمارة " الديكونستركشن" إلى هدم كل الأسس الهندسيّة الاقليدسيّة، تدعو إلى تفكيك المنشآت إلى أجزاء، تدعو إلى إعادة النظر في العلاقات سواء كانت الإنسانيّة أم العمرانيّة .لكن " الديكونستركشن " لا تعني الهدم كما يدل ظاهرها ويرى تشومي أن هناك (هدم ايجابي أو هدم أو إعادة بناء)، هي مرتبطة بفطرة الإنسان فالطفل يفكك اللعبة والراديو بشغف ؛ لمعرفة محتوياته وكيف يعمل من هنا يمكن إدراك أن " الديكونستركشن" من الغرائز الأساسيّة المبهجة للإنسان. 

يقول المفكر شارلز جنكز (Charles Jencks)، في كتابه ([13]) new modernsim وقد ناقش من خلال نظرياته في عمارة ما بعد الحداثة في كتبه ومنها " لغة ما بعد العمارة الحديثة" 1977) م)، مدعياً إن العمارة الحديثة تركِز على أشكال غير متكافئة مثل الزوايا القائمة والمباني المربعة في كثير من الأحيان تشبه مباني المكاتب. ومع ذلك، تركِز الهندسة المعماريّة لما بعد الحداثة على أشكال مشتقة من العقل والجسم وسياق المدينة، والطبيعة. وقد عرف " الديكونستركشن" بوصفه يمثل "عمارة التكسير واللا تماثل واللا اتساق،هي عمارة مليئة بالمفاجآت غيرالمتوقعة،تستعمل مفردات العمارة الكلاسيكيّة بصورة معكوسة أو مشوّهه،عمارة كلاسيكيّة وضد الكلاسيكيّة ." ([14])

وهو يشير أيضاً في تناول مميز الى أن الثقافة الحديثة تسعى إلى "البناء الأيقوني"،وهو ما يتجلى أكثر في تأويله:" إنّ "الدوال الغامضة" يمكن أن تستعمل بطريقة فعالة لدعم المعنى الأعمق للمبنى. "([15])

ظهرت فكرة عمارة ما بعد الحداثة لتقابل السلبيات، و كردّة فعل ما أحدثته عمارة الحداثة و نادت بالعودة التاريخيّة، وما خلفته العمارة الماضية باعتبارها ذات ارتباطات و تداعيات ضروريّة.أشارت الأدبيات إلى إنّ عمارة ما بعد الحداثة تحقق تخاطب الإنسان و تعبِر عن الانتماء و التواصل الحضاري.([16]) 

وهنا نجد أنّ أشكال العمارة سواء كانت المستقبليّة أم التفكيكيّة، على الرغم من الفروق الواضحة بينهما إلا إنهما اتفقا على شيء جوهري وهو الاختلاف والبعد ونقد كل ما هو تقليدي ومألوف .ومن أبرز الأفكار في هذا التيار التفكيكيّة المثير للجدل منحى لحالة استئصاليه ثنائيّة التوجه:العلاقة بين أشكال الإسقاط وبين الأشكال وسياقها العام، من خلال كبح جماح الانسيابيّة.تشويش وقطع دابر العلاقة بين الداخل والخارج.

وبغض النظر عن تلك القطيعة الحادثة بين الخارج وسياقه الداخلي؛ فإن التفكيكيّة تقوِض المسوغات المتعارف عليها بما يخص الانسجام والوحدة والاستقرار الظاهري .ولعل هذا ما قادها الى تحطيم الفروق بين الرسم والنحت وإعادة خلطها في بوتقة معماريّة، ويمكن تلمس الاتجاه الوظيفي فيها ..؛ ولكنه ينحصر في القيمة التعبيريّة للإنشاء، فقد نبذت حالات الزخرف، وانحصرت القيمة الجماليّة للمبنى بما تبديه العلاقات الشكليّة للحجوم والكتل والفراغات كما تبرزُها المعطيات الإنشائيّة.

فضلاً عن استعمال خامات جديدة كـ(المعدن والزجاج واللدائن)؛ لكي تتبع فكرة تعبر عن الحياة بالهيأة التي يشكلها العلم.     

((تعتبر درب من العمارة موازياً لعمارة ما بعد الحداثة فى أنهما يتجها الى التعقيد والتجزئة في الكتلة بجانب التلاعب في الأسطح الخارجيّة او الغلاف الخارجي للمبني في مقابل البساطة التي كانت تتميز بها الحداثة. مما يحول السطح الى إشكال يصعب تمييزُها ويعطي إحساس أن العناصر المعماريّة للكتل خارجة عن مكانها المألوف فمعظم معمارين التفكيكيّة يستخدمون الغلاف "envelop" و هو ما يري من الخارج و لا يؤثر في الهيكل الداخلي و يصعب التنبؤ بتوجيه الشكل أو ببدايتة ونهايتة و التشكيل في الكتلة يعتبر فوضى متحكم بها )). ([17])

وقد أخذ في بعض شطحاته مع التكعيبيّة والتراكب القطري،ولاسيما بالنسبة للأشكال المستطيلة والأشكال شبه المنحرفة، والسطوح أو المقاطع المتعرجة .

أمّا أهم روادها فهم: (زُها حديد،وفرانك جيري،وغونتر بينش، وبيتر ايزنمان،بيرنارد تشومي، وريم كولهاس)

الأعمال المعماريّة لدى زُها حديد

حياتها: زُها حديد هي معماريّة عراقيّة، وُلدت في بغداد في الحادي والثلاثين من أكتوبر 1950م.. وظلت زُها تدرس في مدارس بغداد حتى انتهائها من دراستها الثانويّة، وحصلت على شهادة الليسانس في الرياضيات من الجامعة الأميركيّة في بيروت 1971م، ولها شهرة واسعة في الأوساط المعماريّة الغربيّة، وحاصلة على وسام التقدير من الملكة البريطانيّة، ولقد تخرجت عام 1977 م من الجمعيّة المعماريّة آي آي بلندن،وعملت كمعيدة في كليّة العمارة 1987م، وانتظمت كأستاذة زائرة في عدة جامعات في دول أوروبا وأمريكا منها هارفرد وشيكاغو وهامبورغ وأوهايو وكولومبيا ونيويورك وييل.

2- أعمالها: لقد تجلّت أشكال الابداع المستقبليّة عندها في اعمالها التي راعت بها المقومات المستقبليّة الجديدة على الرغم من أنه يقال عنها- بحسب الأبحاث – بالتزامها المدرسة التفكيكيّة في كونها كانت " تهتم بالنمط والأسلوب الحديث في التصميم" إلا إن اعمالها ايضا تصنّف من ضمن المستقبليّة الجديدة في العمارة إذ كانت قد تأثّرت " تأثراً كبيراً بأعمال أوسكار نيمايير، وبخاصة إحساسه بالمساحة، فضلًا عن موهبته الفذة. ؛فأعماله كانت قد ألهمتها وشجعتها على إبداع أسلوبها الخاص، مقتديّة ببحثه عن الانسيابيّة في كل الأشكال "

" إنها كانت تستعمل الحديد في تصاميمها فهو يتحمّل درجات كبيرة من أحمال الشد والضغط، مما مكَّنها من تنفيذ تشكيلات حرّة وجريئة. كما تميزت أيضاً بأعمالها المعماريّة ذات الكمونيّة في الطاقة، فضلاً عن عراقة أعمالها وأصالتها، من خلال الديناميكيّة العاليّة. وقد أدّت حديد دوراً فعالاً في تغيير مفهوم العمارة في العالم. "

فهذه الحريّة والانسيابيّة يضاف إليها المتانة التي يوفرها الحديد، وقد تجلّت في أعمالها إذ نفذت 950 مشروعاً في 44 دولة. وتميزت أعمالها بالخيال. وهذا ما ظهر في الاعمال:

أولاً: مشاريع محطة إطفاء الحريق في ألمانيا عام 1993م،

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/0/06/VitraFireStation-pjt1.jpg/220px-VitraFireStation-pjt1.jpg" />

كانت فرصة ذهبيّة نالتها "زُها حديد"، على الرغم من المواقف النقديّة لهذا التصميم ؛لأنه كان يكسر الوقع بالمقارنة مع المباني التقليديّة،وقد وصفت زها تصميمها بالقول:" يعمل مبنانا مثل الطربوش، يغطي الموقع ويعطيه تعريفاً. ولكن عندما تتحرك خلال المبنى، فإنه يبدو كما لو كان جهاز عرض. لقد تم تصميمه؛ لكي تدرك التغيرات الفراغيّة والحسيّة بالكامل بينما تتحرك عبر المناطق المختلفة للحيز"

ثانياً: مشاريع محطة إطفاء الحريق في سينسياتي الأميركية عام2003 م:

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/6/6e/Contemp_Art_Center.JPG/220px-Contemp_Art_Center.JPG" />

 

مركز روزنثال للفن المعاصر عام 1993 م، وهو مركز ثقافي وهذا يجعل منه موقع صاحب رمزيّة، وقد فازت حديد في مسابقة لتصميم المبنى الجديد للمركز، وعُدَّ تصميم هذا المبنى من أول التصاميم فهو لم يكن معهوداً في ذلك الزمان، وقد لاقى انتقاداً واسع النطاق، إلا أنه في نهايّة الأمر قد تم اعتماده، وقد اكتمل إنشاءه عام 2003م.

يُوحي المبنى من الخارج بأنه عبارة عن بناء تقليدي، فهو عبارة عن بناء يتكون من ستة طوابق إضافيّة للقبو، من ضمن تقاطع في مركز مدينة سينسيناتي. وهو مبنى ذو لون أبيض مائل للرمادي ومنتصفه ذو لون أسود مع بروزه قليلاً؛ لتحسبه وكأنه قطعة معلّقة غير متصلة بالمركز ومستقلة بذاتها.. وتتشابك أجنحة العرض مثل القطع المخرمة الثلاثيّة الأبعاد المصنوعة من المصمت والمفرغ. تتميز قاعات العروض بأنها ذات أحجام متعددة وأشكال مختلفة، بأسقف ونوافذ زجاجيّة تظفي نوعاً من الجمال الفني، الذي يسمح باختراق الأضواء لها ليلاً..

في هذه الأعمال المميزة وفي غيرها " لعبت حديد دوراً فعالاً في تغيير مفهوم العمارة في العالم. وأسهمت حديد في خلق عالم أفضل عبر تصاميمها الراقية للأبنية، وقد عدت تصاميمها فريدة من نوعها، وكأنها تنتمي إلى عالمِ الخيال في كوكب آخر".

"وكانت حديد ترى أن تصاميمها تتفاعل مع المدينة،وتمنح الناس مكاناً يتواصلون فيه، إذ قالت إن المتابعين لأعمالي يعرفون أن خلق أماكن عامة يمكن للناس استعمالها بحريّة، كما تسمح للمدينة بأن تنساب بطريقة سلسة وسهلة. وما ميز هذه التصاميم أنها اتخذت اتجاهاً معمارياً واضحاً يتكئ على خلفيّة فنيّة وفلسفيّة؛ لذلك فكانت تجنح لما هو تخييلي وتجريدي" ؛ولهذا عرفت عمارتها بحسب " جينكز لعمارة " التجريد الديناميكي. ولعل هذا ما ظهر في مشاريعها إذ أنجزت زُها العديد من المشاريع التي أوصلتها بجدارة إلى الساحة العالميّة، وقد فازت في مسابقات معماريّة عديدة.

إن من أهم ملامح هذه الاعمال وغيرها أنها كانت تتمسك بتلك الملامح التي جاءت بها التفكيكيّة ومن قبلها المستقبليّة ؛ فهي تسهم في تقويض التجنيس الذي وجدناه في الآداب، وهو ما نجده في الأعمال التفكيكيّة عند زُها حديد؛ فهي تخلق تداخل بين النحت والرسم في تصاميمها المعماريّة التي هي بمثابة بوتقة صهرت بها تلك الفنون، ثم إننا نلمس تجليات الخطاب المعماري في: (الأشكال، والحجوم والكتل والفراغات) ؛ فقد اعتمدت في اظهار تصاميمها الخلّاقة على توظيف وجدناه من قبل عند النماذج التي طرحتها العمارة التفكيكيّة في توظيف المعادن (كالحديد ) فضلاً عن توظيف الزجاج واللدائن ؛ لكي تتبع فكرة تعبِر عن الحياة في الهيأة التي يشكلها العلم. وقد انعكست تلك الآليّة والرؤية عبر التعبير الملموس في أعمال زُها حديد في التعبير الحر والمرونة في التشكيل الذي أظهر تصاميم تعبِر عن خطاب جمالي يوجد داخله الزخرفة، في جماليات جديدة تخلق قطيعة مع جماليات الحداثة، اذ اشتملت تلك الأعمال الملهمة على تصاميم تحتوي الوظيفة المنشودة منها،وقد مزجتها بشفافيّة عاليّة .في تعبيراتها التي اتسمت بالانسيابيّة .

الجوائز:

نالت العديد من الجوائز الرفيعة والميداليات والألقاب الشرفيّة في فنون العمارة، وكانت من أوائل النساء اللواتي نلن جائزة بريتزكر في الهندسة المعماريّة عام 2004م، ؛ وجائزة ستيرلينج في مناسبتين؛ وحازت وسام الإمبراطوريّة البريطانيّة والوسام الإمبراطوري الياباني عام 2012م.

وحازت على الميداليّة الذهبيّة الملكيّة من ضمن جائزة ريبا للفنون الهندسيّة عام 2016م، لتصبح أول امرأة تحظى بها .وقد وصفَت بأنها أقوى مُهندسة في العالم، وكانت ترى أن مجال الهندسة المعماريّة ليس حكراًعلى الرجال فحسب، تُوفيت في 31 مارس عام 2016م عن عُمر ناهز 65 عاماً، إثر إصابتها بأزمة قلبيّة في إحدى مستشفيات ميامي بالولايات المتحدة.

تم -

 

د. عامر عبد زيد

..................

[1] خوان باباو بونتا، العمارة وتفسيرها دراسات للمنظومات التعبيرية في العمارة، ترجمة: إحسان فتحي، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1996م، ص7.

[2] تتركب ما بعد الحداثة من لفظتين ما بعد و الحداثة يبدو ضروريا الوقوف على مفهوم الحداثة الذي يدخل في الجذر التكويني لمصطلح ما بعد الحداثة .

[3] جان فرانسوا ليوتار، في معنى ما بعد الحداثة، ترجمة وتعليق السعيد لبيب، المركز الثقافي العربي،ط1، بيروت، 2016م، ص8.

[4] نفس المصدر،ص20.

[5] ليندا هتشيون، سياسة مابعد الحداثة، ترجمة، حيدر حاج اسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2009م، ص102.

[6] عبد الكريم سليم علي، الحركة المستقبلية: جدلية العلاقة بين الفن والسلطة، مجلة الكلمة: http://www.alkalimah.net/articles?IssueID=154&TypeID=2

[7] عبد الله إبراهيم، التفكيك، الأصول و المقولات، سلسلة عيون، الدار البيضاء، 1990م، ص27.

[8] يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح، في الخطاب النقدي العربي الجديد، منشورات الاختلاف،ط1، بيروت، 2008م، ص360.

[9] Nouveau Larousse encyclopédique dictionnaire en 2 volume, larousse, vuef edition, Paris, 2003,2003,p

[10] عبد الوهاب المسيدي و فتحي التريكي، الحداثة و ما بعد الحداثة، آفاق معرفة معتمدة، دار الفكر، دمشق، 2003 م،ص 81

[11] https://ar.wikipedia.org/wiki

[12].Robert venturi, de la l'ambiguité en Architecture, Dunod, Paris, 1999,1999,p40-

[13] تشارلز ألكسندر جينكس (ولد في 21 يونيو 1939م) هو المنظر الثقافي، ومصمم المناظر الطبيعية، والمؤرخ المعماري، والمؤسس المشارك لمراكز الرعاية للسرطان ماغي. وقد نشر أكثر من ثلاثين كتابا وأصبح مشهورا في 1980م كما نظر لما بعد الحداثة . في السنوات الأخيرة خصصت جينكس الوقت لتصميم البنية الأرضيّة، وبخاصة في اسكتلندا. وتشمل هذه المناظر الطبيعية حديقة التكهنات الكونية وجوبيتر أرتلاند خارج إدنبرة. مشروعه المستمر "الكراك متعددة"، بتكليف من دوق بوكليوتش، افتتح في عام 2015 م،وبالقرب من سانكوهار في اسكتلندا.

[14] Jencks Charles, Architecture Today, Academy Editions, London, 1988.

Jencks charles, The language of post modern architecture, Academy editions,London ,1984.

[15] https://en.wikipedia.org/wiki/Charles_Jencks

[16] Broadbent, Geoffrey, Emerging concepts in urban space desingn, van nostrand reinhold, London, 1990,1990,p81.

[17] https://ar.wikipedia.org/wiki

 

575 مكي عمرانمكي عُمران فنان تشكيلي من مدين الحلة ببابل مواليد (1961). حصل على (البكالوريوس) عام 1983. وقد حصل على (الماجستير) عام 1989، وأكمل (الدكتوراه) عام 2000.

ـ عضو نقابة الفنانين العراقيين وجمعية التشكيليين وعضو رابطة الفنانين التشكيليين الدوليين عام 1998، ومؤسس جمعية الفن البيئي عام 2005، ورئيس تحرير مجلة (نابو) للبحوث والدراسات الجمالية التي تُصدرها كلية الفنون الجميلة/ جامعة بابل، وهو حالياً أستاذ الفن التشكيلي بكليفة الفنون بجامعة بابل.

ـ أسس منبر إبداعنا لنقابة فناني بابل، وأقام 17 معرضاً شخصياً في العراق وخارجه في العراق وأوربا.

شارك مكي عُمران في معارض عدَة منها:

ـ له معرض شخصي في قاعة حوار ببغداد عام 1995.

ـ وله معرض شخصي على قاعة الأندى بعمان عام2001، من أهم لوحاته فيه كانت لوحته المُسماة (المرحلة السومرية)..

ـ شارك بمعرض شخصي في السُليمانية على قاعة (سردم) عام 2014، بلوحات: (أطفال وأضاحي) و(عيون أتعبها رمد الانتظار) و(انعتاق، متى الخلاص ياوطني) و(أضاحي).

ـ أُقتنيت لوحاته ي العديد من دول العالم منها: فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، وكندا، وأمريكا، والأردن، والبحرين، والسعودية.

72 مكي عمران 1

مكي عُمران فنان من طراز خاص، لا يستنسخ تجربة ولا يستنهض أنموذجاً في التشكيل ليُعيد ترميمه، إنما هو يُنتج تشكيله الخاص، فلا تجده مرمياً في أحضان مدرسة تشكيلية مُعينة، ولا يقبل التصنيف: انطاباعي أو تجريدي أو تعبيري أو ضمن (البوب آرت)، هو نحلة تتحرك بشتى الجهات تمتص جمال اللون من أي مدرسة شاءت، لتنتج لنا تشكيلاً أخَاذاً عسله له طعم تراث الأقدمين وحضارتي سومر وبابل وهو وريث سلالتها، ولا يكفيه امتصاص رحيق ورد التراث لأنه شغوف بالمُعاصرة، فيخلط ما استلهمه من هذا التراث ليخلطه بممستخلص نتاج المُعاصرة وتلوين فنانيها ليصبه عسلاً بطعم فيه المُعاش بتلوين جمالي مُبهر، والإبهار عنده لا يعني الهيام أو التمتع بالفرح، إنما هو كشف وتعرية لمكامن الألم. فالمُتعة ليست في تلقي العمل الفني بوصفه موضوعاً للمُتعة التي تُردف الفرح، بل هو إبهار ودهشة حينما يكون في العمل كشف عن مكامن الألم عبر التشكيل اللوني.

72 مكي عمران 2

اللون والتشكيل لعبته الأثيرة، فهو سليل حضارة النتاج الفني فيها سجية وطبع لكن الفن بطابعه الموروث يعتمد على تناغم التشكيل اللوني ومعمارية الجسد واتقان ترسيم تفاصيله، ولك في أسد بابل مثال يُحتذى وبوابة عشتار أمثلة في تقفية اللون وضبط تلوين المساحات داخل جسد اللوحة (بوابة عشتار) أو في تلوين ما في داخلها.

لم يتنكر مكي عُمران لبهاء النتاج التشكيلي والعُمراني لحضارة ورثت ريشته كثيراً من ترسيماتها وتخطيطاتها المُتقنة التي لا يُجيد اخراجها سوى فنان تكوياناته اللونية أصلها أعشاب بابلية فيها بقايا من عشبة الخلود التي قتلت كلكامش، ولكنها أحيته في التشكيل الفني والضمير الأخلاقي ونظرية الوجود في الفكر الفلسفي.

يصنع مكي عُمران لوحته خارج التصنيف الاجرائي لمدارس التشكيل، تُلامس ريشته اللون لتحرير الجسد داخل اللوحة.

يختار ألوانه بعناية، شغوف بالتداخل اللوني وكأنه يروم مُداعبة فُرشاته لترسم لنا مرةبعشق للون واحد يخترقه نقاء اللون الأبيض بتداخله مع لون الجسد بحُمرة أخاذة فيها تدليل وتأويل لتبني فضاء الحُرية في اللوحة ساعة غيابه في حياتنا.

72 مكي عمران 3

يرسم وجوهنا الحالمة كما الأطفال نعشق تداخل الألوان ببهائها حين عناقها من النقاء الذي يُمثله اللون الأبيض الذي يشي لنا من خلاله عُمران عن أمل نبحث عنه في تعدد أشكال الوجوه الحالمة بغدٍ أفضل تُعبر عنها بعض تشكيلات لوحاته التي خطتها ريشت فنان يرنو للجمال في بلدٍ لطالما كان الحُزن نغمه الأثير وصوت نايه الشجي.

لوحات عُمران يلعب اللون الأبيض فيها دور رُبَان السفين في الحفاظ على نسق الجمال في القيادة الفنية للألوان، أو ربما يكون هو اللازمة للقصيدة للُحافظة على (رتم) الجمال فيها وإن اتسم هذا (الرتم) بالتكرار، أو هو كما الجُملة الموسيقية التي تحكم (دولاب) اللحن أو تحولاته في الأغنية.

لقد كان ولا زال حال اللون الأبيض في لوحات عُمران كحال (قائد الأوركسترا) الذي نظن أنه يُحرك يديه ذات اليمين وذات الشمال وأعلى وتحت من دون وعي لدوره وبعض منَا يرى أن لا دور له ويُمكن الاستغناء عنه، ولكن ما لا نعلمه أن (قائد الأوركسترا) هذا يضبط أداء الموسيقيين لـ "اللحن" ويُحافظ على النزام في توزيع المهمات بين الموسيقيين وتوزيع الأدوار لهم في عزف الجملة الموسيقية.

وتلك هي مهمة اللون الأبيض في لوحات عُمران، فكلما كان التداخل اللوني زاخرٌ في كثير من لوحاته ستجد عُمران يُمزاج ألوانه بتعدد مداليلها بالأبيض الذي يحكم به جمال التعبير التشكيلي ومحاولته ردم فجوات الألم في تلقينا لأعماله.

72 مكي عمران 4

تكثر البقع الداكنة في لوحاته للتعبير عن حجم المُعانات، ولكنه لا يستكين للألم لتجده يُبدل ريشة رسم الألم بريشته التي تكتنزها روحه الحالمة بغدٍ أبهى ليُحيط بُقع العُتمة باضاءات روحية نابعة من حُبه للحياة وعشقه لها، ليكون اللون الأخضر البهي يزرع فينا الحُلم، والأزرق ليكون مُعبراً عن صفاء السماء فلا زُرقة فيه يُحيق بها نزوعنا للحُزن، إنما هي زُرقة يطويها اللون الأبيض بحثاً عن نقاء الروح، أو زُرقة يتداخل معها عطايا اللون الأحمر بتوهجهه المُضيء وكأنه الشمس باشراقها.

الجسد في لوحات عُمران إعادة تشكيل لرؤيتنا له خارج المألوف من حياتنا. وجوه ناظرة نظرة وإن غيَر طريقة رسمها كما المعهود، فهي وجوه تتعدد تشكيلات حضورها في اللوحة، ولكن الأبهى والأكثر حضوراً هي الوجوه الباحثة عن قيم الجمال ليعلو بهاء رسمه لها داخل فضاء اللوحة على وجوه عابسة قزَم وجودها عُمران في فضاء لوحته انتصاراً للحياة والجمال.

لم ينس الطفولة في لوحاته وفي بعض نتاجه تقارب مع نتاج (د.عاصم عبدالأمير) زميله وصديقه ومواطنه.

الطفولة في تشكيل مكي عُمران عنوان التأصيل والوصل، بل وعنوان العودة للذات في نزعاتها اللامسؤولة عن قهر السنين بقدر ما فيها من تأكيد على قيمة المُعطى الجمالي المُستوحى من رؤية التكوين البشري في برائته.

 

د. علي المرهج

 

577 شاكر حسنتابيس وشاكر حسن: تأثر الفنان العراقي شاكر حسن بالفنان المفاهيمي انتونيو تابيس 1923 وقلده في الاتجاه الصوفي والتأمل العقلي وكذلك في التقنية والاسلوب، حيث استخدم اسلوب التجريد والاختزال والتركيز على الرمز متماشيا مع نظرية التأمل، والرسم بعفوية الاطفال وادخال الحرف الى سطح اللوحة كما هي عند تابيس . كما كان شاكر يؤمن بدور العقل اللاواعي في عملية التكامل الذهني اي يؤمن بالمدرسة السريالية .. يقول شاكر

(الرؤية السريالية هي في صميمها رؤية انسانية لانها ترى الشعور هو الشكل الصادق للكيان البشري ولكن الشكل الصادق له اقتران التعبير بطبقاته التحتيه اللاشعورية او العقل الباطن ..) 

و يقول احد منظري السريالية وهو ماركس ارنست ان هدف الفنان السريالي ليس هو ان يخلق نوع من الصلة الودية بينه وبين اللاوعي، بل ان هدفه هو ان يحطم السدود الفيزيقية والسيكولوجية معا بين الوعي واللاوعي ثم يخلق حقيقة اسمى حيث يمتزج الحقيقي وغير الحقيقي، التفكر والعمل .

ومن هنا نرى ان رؤية الاستاذ شاكر حسن تتطابق مع رؤية وافكار رواد الحركة السريالية وان التعبير الصادق والحقيقة السامية تأتي من امتزاج او اتحاد الشعور الواعي مع اللاشعور او من العقل الواعي واللاواعي . كما يقول شاكر:

(اما الرؤية التأملية فترى ان الشعور الانساني بما هو عليه كشعور موجب ازاء الكون يثلب (ينقص) باستمرار الوجود الحقيقي له، لانه لا يكفي للتعبير عن حقيقة الوجود المكاني والزماني معا، الا انه يمكن ان يكون شعورا مثمرا اذا ما اصبح متفانيا بالكون بمجرد ان يستحيل الى وجود سلبي ..)

من خلال هذا النص يدخل شاكر في عالم الصوفية وانطلاق النفس نحو الكون والفناء فيه وحديث الروح للروح، فالانسان بما هو انسان ايجابي متفاعل ومبدع في الحياة، وان هذا لا يكفي الا اذا اصبح متفانيا في عالم الكون اي ان يفني نفسه او روحه ويمتزج في عالم الارواح والخلق، فاستحالته الى وجود سلبي يعني افتقاره ونقصه وحاجته الى ذلك الخالق العظيم ...

يقول الحلاج (انا اهوى ومن اهوى انا، نحن روحان حللنا بدنا) ويقول ابن عربي (انا الحق)

و بالتالي فان هذه الاقوال تشير الى الفناء والذوبان الروحي مع الخلق . وحسب التفسير الصوفي ان الله الحق عندما خلق الانسان من روحه اضفى عليه صفة الحق .

يقول شاكر (فاذا كان- المدهش- هو النموذج للسريالية فان المتفكر هو النموذج للانسان المتأمل او انسان البعد الواحد ..)

578 انتونيو تايس

صفصطة نظرية البعد الواحد:

يطرح لنا شاكر نظرية البعد الواحد ويصف الانسان المتأمل بالبعد الواحد، والبعد الواحد يعني النقطة . ويبدو ان شاكر حسن قد قرأ عن فلسفة الامام علي –ع- وانه اخذ مفهوم البعد الواحد منه، وشاكر ابن السماوة والبيئة التي تعج بالفكر الشيعي ومجالس الدين والخطباء . حيث يقول الامام علي (انا النقطة، انا الخط) (انا النقطة، تحت الباء) ويقول الرسول –ص- (خرجت الموجودات من تحت الباء) فالباء بصحنها الذي تدنوه النقطة والتي هي اساس كل حرف وكل خط مستقيم او حلزوني . وبالتالي فان النقطة هي الكون واختصار لآلاف بل ملايين الكائنات والمجرات بأمر الله واسمه والخاضعة لجبروته . ومن هنا تكمن اهمية حرف الباء في البسملة – بسم الله الرحمن الرحيم – لانه هو ما يجر الاسم الاعظم ويشير اليه، فالباء هي التي تشير الى المخلوقات والله الرحمن الرحيم هو الخالق . وهذه التفاسير تحتاج الى تأمل فلسفي . وليس من السهل فهمها الا اذا قرأ احدنا الفكر الصوفي .. (و بالمناسبة فان الجماعات الصوفية في شمال فريقيا تدعي بان الامام علي هو مؤسس الصوفية؟).

فالنقطة او الصفر هي رحم الوجود الذي يستوعب انطلاق كل الاشكال الهندسية والكتابات والكلمات، فهي سر العلوم والمعارف وسر الحياة كلها . واشار الامام علي الى سر نقطة الباء والتي تشير الى الكون والموجودات بأمر الله، فهو بذلك يشير الى الوحدة التي تجمل كل ما دون الله كشئ واحد حجمها كحجم النقطة عندما تكتب . ولهذا فان الباء التي تحتها النقطة اندرج فيها الكون كله . والنقطة هي اللامحدود في دورة الحياة، وتعبر عن الولادة، والموت، والنهاية والبداية . والنقطة او الصفر توضع في نهاية الكلام والجملة، كما انها تشير الى الصمت والسكون، وترمز ايضا الى النهاية ..

و بالتالي فان نظرية البعد الواحد لشاكر حسن هي مستنبطة من تلك المعاني الغيبية واسرار الكون والحياة وتلك المعاني الصوفية في الاندماج والفناء مع الخلق والخالق .

(و هذا المتأمل هو انسان يشعر بكيانه الكوني من خلال انسانيته عندما يجعل من سلبيته عنصرا جديدا للتوحد مع الخليقة جمعاء، فهو لا يعيش ذاته كايجابية ازاء سلبية العالم الخارجي بل يعيش ذاته كسلبية ازاء ايجابية نفس العالم ..)

هنا شاكر يشير الى مفردتين في فلسفته الصوفية وهما السلبي والايجابي ويبني عليهما مفهوما جديدا ويربط الانسان من خلالهما بالكون . فالسلبي هو الذي يتلقى الاختراق ويذوب في الآخر الاكثر منه سعة وطاقة وجمعا، وهو بالتالي يشعر بكيانه عندما يتوحد مع الخليقة . اما الايجابي فهو النافذ المخترق الذي يولج في الشئ او يدخل في الشئ وهو بالتالي مصدر قوة وفكر .

و لهذا فان الانسان لا يعيش بهذه الايجابية ازاء سلبية العالم، يعني اندماج وامتزاج وذوبان الخليقة بعضها ببعض اي لا يعيش وحده ذاتيا بل يعيش كسلبية فانية في هذا العالم المتحرك الايجابي الحي فالعالم هو سلبي وايجابي في نفس الوقت سلبي لان الخليقة جمعاء تفنى وتذوب بعضها في بعض وكل شئ يصبح جزءا من هذا الكون وايجابي لان الجمع يعطي قوة وحيوية ويكون مصدر فكر وتأمل . وهكذا انشغل شاكر حسن بالنقطة او البعد الواحد والفناء والتأمل وربط الفنان الانسان بالكون في خط صوفي عمودي بحت  وابتعد شيئا عن التشكيل ذو البعدين .... (والتكملة في الحلقة القادمة) .

 

د. كاظم شمهود

 

 

كاظم شمهودرقي وتفوق الفن الاسلامي على الاوربي: يذكر الدكتور زكي محمد حسن بان ابن المقفع ترجم كتاب كليلة ودمنة الى العربية في القرن الثاني هجري (الثامن ميلادي) وجعله مصورا. كما ذكر انه عثر على اقدم التصاوير الاسلامية على الورق في اقليم الفيوم بمصر وهي الآن محفوظة في المكتبة الاهلية بمدينة فينا . وفيها تصاوير تعود الى القرنين الثالث والرابع هجري (التاسع والعاشر) . كذلك ما وجد في عدد من القصور التي شيدها الخلفاء الامويون منهم الوليد بن عبد الملك مثل قصير عمرة في الاردن من رسوم جدارية 94-97 هجرية .) 712– 715) م وكذلك ما وجد في قصر خربة المفجر في اريحا وينسب تشيده ايضا الى الوليد بن عبد الملك، وفيه لوحة جدارية فسيفسائية تمثل شجرة وغزالان يهاجمها اسد، وقد نفذت الشجرة والحيوانات بتدرج لوني لم يعرف من قبل، مما اعطى الاشكال صبغة طبيعية قريبة من الواقع واستعمل فيها الضوء والظلال باسلوب طبيعي واقعي وكان يشكل خروجا عن الاسلوبين البيزنطي والساساني اللذين كانا سائدين في ذلك الوقت . ونلاحظ هناك دقة في التشريح والالوان والتظليل مما يعطيها جمالية راقية في الاسلوب والاتقان .. واذا امعنا النظر في تواريخ هذه المخطوطات المصورة ورسوم الجدران نجد انها واقعة في عصر انتشار الفن البيزنطي وحرب- الايقونات – في اوربا . وقد تحدثنا عن ذلك سابقا . وبالتالي نجد ان تصوير المخطوطات وتزويقها وكذلك رسم الجداريات –الفريسكو – في المشرق قد فاق وتقدم على المصورين الغربيين بعدة قرون حتى ظهور شيمابوية وجيوتو . في القرن الثالث عشر م ..

و تعتبر تصاوير مخطوط مقامات محمد الحريري 1054 م، صورة ناصعة لحالة المجتمع الاسلامي في القرن السابع هجري (الثالث عشر م) ومثلا اعلى لمميزات ورقي مدرسة بغداد، وكانت تصاويره عبارة عن تسجيل وثائقي صادق عن حالة المجتمع الاسلامي في ذلك الوقت وتعكس مختلف طبقات المجتمع من حكام ورعية، وكذلك التدريس عند الفقهاء او الاطباء والتقاليد من زواج وولادة وخطب في الاسواق والمساجد وكذلك طرز العمارة وصور عن القوافل التجارية والخيل والجمال وغيرها .

و قد نسخ الكتاب وصوره يحيى الواسطي في 634هجرية / 1237 ميلادية ويحتوي على 99 تصويرة بحجم 37 في 20 سم وهو الآن في المكتبة الاهلية في باريس، وقد زرت المكتبة حوالي عام 1981 واطلعت على المخطوط وكان في حالة بائسة واوراقه متهترة تكاد ان تسقط وتنفرط منه .

569 الواسطي

مدرسة بغداد وفنون الغرب:

عندما نضع مقارنة بين رسوم الواسطي الذي يعتبر مؤسس مدرسة بغداد للتصوير ورسوم جيوتو الذي يمثل قمة تطور الفن الايطالي والاوربي في العصور الوسطى نجد هناك بعض الفروقات والاختلافات وكذلك التشابهات، ويمكن حصرها في عدد من النقاط :

1 – اكثر الرسامين المسلمين والعرب انصب عملهم في تزيين المخطوطات العلمية والادبية ولم يلتفتوا الى رسم الجداريات الكبيرة الا قليلا كما هو ظاهر في رسوم قصير عمرة في الاردن وقصر الجوسق في سامراء .. بينما اتجه شيمابوية وجيوتو وغيرهم الى رسم الجداريات الكبيرة على جدران الكنائس بطريقة الفسيفساء والفريسكو حيث اتخذت طابعا روائيا وتعليميا دينيا لعامة الناس الامية .. في الوقت الذي كانت رسوم المخطوطات العربية توضيحية وتزينية ومتعة وغير دينية .

2 – لا يعني ولا يهتم رسام مدرسة بغداد بعلم التشريح واحترام النسب عكس الفنان الغربي في العصور الوسطى حيث اهتم بعلم التشريح رغم ان البداية كانت متعثرة، وقد ابدع في التعبير عن العواطف والانفعالات .

568 giotto 8

3 – الفنان المسلم في مدرسة بغداد كان يشعر انه مراقب من قبل العلماء والفقهاء في مسألة تحريم الصور لهذا التجئ الى التحوير والتسطيح لسلب الاشكال الآدمية من التجسيد والواقعية التمثيلية او الطبيعية (وهذا الامر له حديث طويل وجدلي) . بينما الفنان الغربي لاقى تعضيدا ودعما كبيرا من قبل الكنيسة .. ويذكر قصة طريفة ان شيمابوية رسم لوحة جدارية كبيرة تمثل العذراء والمسيح –ع- وتحيط بهما الملائكة فزاره احد الامراء وازال الستار عن اللوحة وسط جماهير غفيرة من المؤمنين ثم بدأ الناس يشكلون طوابير كبيرة لمشاهدة اللوحة . كما عملوا احتفالية خاصة عرضت فيها رقصات وموسيقى فلكلورية ..

4 – لم يعتني المصورون المسلمون بعلم المنظور واتخذوا منظور الطائر سبيلا لهم ولهذا اعطوا اللوحة سطحا وبعدين ووزعوا عليه المشاهد والرسوم .. كما هو الحال في الفن الحديث المعاصر . بينما نجد الفنان جيوتو بدأ يطبق المنظور ولكن بشكل متواضع وغير متقن مما فتح الباب الى رسامي عصر النهضة لاكتشافه وتطبيقه في اعمالهم، ويذكر ان علم المنظور كشف عام 1436 من قبل الكاتب الايطالي ليون باتيستا البرتي .. ولكن بقى تصوير المخطوطات الغربية يشبه تصاوير المخطوطات العربية .

5 – كان مصوري مدرسة بغداد يتبعون في اساليبهم الموروث الفني من المصورين القداما ولكن الواسطي استطاع من تحريك الذهن والخيال من حيث رسم الاشكال الآدمية كما هي في الواقع مع التحوير القليل، كما نجد ملامح الوجوه متنوعة منها ما عليها سحنة عربية واخرى ايرانية ساسانية او سلجوقية، اما القامات فهي قصيرة والعيون جوزية والوجوه مدورة او بيضوية والانوف قصيرة وقلما نجدها معكوفة .. وبالتالي فان الاشكال الآدمية في رسوم مدرسة بغداد عبارة عن خبطة او خلطة من التأثيرات المختلفة المنابع .

6 – امتازت رسوم العصور الوسطى بوضع هالة خلف الشخصية المهمة في الصورة وكانت هذه المفردة معروفة في الفنون القديمة عند البوذية والمسيحية والفارسية والرافدية والمصرية وغيرها واستمرت في الرسوم الغربية والاسلامية على حد سواء الى عصور متأخرة ..

7 – صور الرسام الاسلامي الملابس وزينها بالزخارف المتنوعة من نباتية وهندسية والاحرف العربية، وعادة ما تكون الملابس فضفاضة والاردان عريضة وهي مسطحة وليس لها ظل او نور .. في الوقت نفسه نرى جيوتو يرسم الملابس ولها طيات ونور وظل متدرج من نفس اللون وليس فيها اي نوع من الزخارف والزركشة . ولهذا فان ما يميز مدرسة بغداد عن فنون الغرب هو هذه الغنائية الراقية في الالوان والايقاعات الجميلة في الخط الذي يحدد الاشكال وتلك البهجة والمتعة في تنوع الزخارف وبريقها وعطرها المنبثق من زخارفها النباتية المورقة والمزهرة. ولهذا نجد الفنان الفرنسي ماتيس قضى عدة سنوات يدرس الفن الاسلامي في بلاد المغرب، ثم اسس المدرسة الوحشية على قواعد الفن الاسلامي ... وبهذا المنحى يقول الاستاذ الدكتور عفيف بهنسي، من حقنا ان نطلق عليها اسم المدرسة العربية ؟؟؟

8 – اما الالوان فهي قوية وبراقة ومباشرة، وكان الفنان المسلم يهدف من ذلك التعويض عن القصور في ميدان التجسيم وعن التعبير عن المساحات والمسافات، وقد استخدموا جميع الالوان خاصة الذهبي .. وكانت الالوان عند جيوتو وبعض زعماء عصر النهضة مثل مايكل انجلو ورافائيل قوية ونقية ومباشرة ..

9 – كانت تصاوير مخطوط مقامات الحريري للواسطي تمتاز نوعا ما بواقعية تمثيلية ظهر ذلك في رسم الجمال والخيل كما نرى قوة تعبيرية في حركة قوافل الحيوانات ورسوم الاشخاص وتقاسيم الوجوه وتنظيم الالوان وعادة ما تكون تشكيلات هذه المشاهد متأتية من الواقع الذي يعيشه الفنان وحركة المجتمع وتقاليده وثقافته .. وفي نفس الوقت كان الرسام جيوتو قد خرج عن الفن البيزنطي الجامد واقترب من الاسلوب الطبيعي .. وبالتالي فيعتبر الاثنان الواسطي وجيوتو من طلائع المجددين لفن التصوير في العصور الوسطى ..

 

د. كاظم شمهود

 

70 صبيح كلشكثير من العناوين في الكتب والتاريخ القديم والحديث تحدثنا عن الاستبداد عبر عناوين واسماء مختلفة ومدعمة بالوثائق والصور التي تؤكد المعنى والدلالالة لمفهوم الاستبداد ولا تزال الذاكرة المعرفية تحتفظ بالكثير منها قديما وحديثاة وعلى الرغم من هذا فلا يزال البعض لم ولن يقتنع بالصور والوثائق /يشكك/ خاصة بعد ان تطورت وسائل الاتصال واصبح التزوير سمة العصرة و اصبح الاستبدا يحمل معنى ودلالالة اخرى كالحرية او القوة اواواصبح العالم مهدد بالفناء في اي لحظة استبدادية من هذا الطرف او غيرة هكذا اراد ويريد اصحاب السلطة و الجلالة والفخامة باستبدال المعنى والدلالة بمعنى ودلالالة اخرى اليس هذا هو الواقع الذي نعيشةتحت شعار الاستبداد اقصد الحرية والديمزقراطية وووالخ

كل هذ وغيره قد ادركة المتالق د. كلش وقدم لنا لوحة فنية بعنوان المستبد/ يخاطب فيها العقل والمنطق والحس والشعور واللاشعور في ان واحد بعيدا عن الاسماء والعناوين والجرافية والتاريخ والزمان والمكان اذ انها هلوسة وبصمة وفكر وعقل فلسفي وفني في ان واحد وترجمة حرفية لمعنى ودلالات الاستبداد عبر الالة السحرية التي تسمى الريشة واللون والخط والكتلة تحركها قوى فنتازية في الشعور واللاشعور وواقعية اكثر من الواقع ذاتةاذ انها فلسفة وفن عبر صورها العقلية والفنية ولهذا ة لا تضاهيها الكلمات والوثائق والصور من التعبير عن معنى الاستبداد بل انها تقف عاجزة امامهاا حتى وام كانت تلك الوثائق تختزن في ارقى المتاحف لاتها تخضع للعقل المبرمج بينما اراد د كلش تحرير العقل والمعرفة من الارادة التي تخظعها لمقوماتها والسمو بالعقل الى التامل اللارادي عبر الصراع ما بين ارادة الوجود وارادة الانسان عبر مفهوم ومعنى ودلالالة / المستبد او الاستبداد/

فعلا انها ملمحمة مصورة بريشة ساحر قلب الموازين لمعنى ودلالال الاستبداد / المستبد جماليا وفنيا بعيدا عن الجغرافية والتاريخ ولهذا يضعنا امام التامل والمراجعة الذاتية سواء كانت تلك المراحعة شعوريا او لا شعوريا وربما يقودنا التامل الفكري والجمالي / اللوحة / لمعنى الاستبداد/ منذ الخليقة كعصيان واستبداد ادم واستكبارة على خالقة او استبداد فرعون وتحدية الى نبي موسى ع تارة بالسحر وتارة بالفناء او استبداد قوم نوح او لوط مرورا بالزمنكاني والقصص والاساطير والخرافات والاسقاطات الشعورية واللاشعورية في العقل الواعي وغير الواعي مروراا بستالين وهتلر وموسليني وووواقعنا المعاصر المهدد بالفناء والانقراض وتحت شعار الاستبداد والقوة.

70 صبيح كلش

ولهذا اعتبراعتبر هذه اللوحة الابداعية ملحمة جمالية وفلسفية ة تجاوزت مفهوم الفن باعتبارة كوسيلة من وسائل الجمال لتصبح فلسفة وفن عبر التامل الميتافيزيقي والصور العقلية قبل الصور التخيلية ولهذا تجاوزت المعنى الضيق والغير مدرك لمفهوم الاستبداد / ضمن وحدة الصراع ما بين العقل والحس والتخيل فاذا كان المتذوق ينظر الى اللوحة ضمن منظور عقلي مثلا فانة فانة سيصف اللوحة بالفن الحميل عبر تدرجات اللون الاصفر والتدرجات الداكنة والباردة واشكال الموميات المختلفة ومدى تناسقها جماليا وفنيا ضمن وحدة الابعاد الثلاقة متناسيا البعد الرابع وهو الغائب الحاضر كما يقال والذي لم يحدثنا به د كلش بل تركة الى المتذوق واسقاطاتة الشعورية واللاشعورية والتامل في الماضي والحاضر والمستقبل ولربما كان المستقبل لدى كلش هو الاهم والمهم في نفس الوقت عبر مفهوم الباطن او الحدس والتي اعتبرها الفيلسوف شوبمهور /حقيقة عمياء لا عقل لها ولا تسعى الى هدف لان حوهرها الارادة/ اي بمعنى ان د كلش قد اعرنا عيناة للنظر الى العالم وما يحيطنا من خوف عبر شعار الاستبداد حتى لو كان هذا الاستبداد ذاتي لا نشعر به لانه مختزن في العقل اللاشعوري وما ان تتاح له الظروف حتى ينفجر كالبركان الهائح لانها خصلة متوارثة عبر الموروث او عبر المعرفة الناقصة ولهذا اتفق البشر على ان الاسد هو سيد الغابة لانه يمثل القوة والثعلب هو الماكر/ المتلاعب/ في العقول والطير حمامة السلام والغراب هو نذير شؤم لانه مرتط بقتل هابيل وووووالخ كل هذا نجدة في عمق اللوحة عبر ا شكال الموميات ومدى قدرة المتذوق في تحديد تلك الاشكال عبر الخيال والتخيل والممازجة ما بيم العقل والارادة او العقل والمخيلة والتي يطلق عليها الفيلسوف كانت / الجلال/ والتي لا تختلف عن عن الممازجة ما بين اللون الاصفر وتدرجاتة المرعبة والتي تذكرنا بقنبرة هيروشيما وتحت شعار المستبد او / الاستبداد وهذا ما سعى و يسعى الية الفنان د كلش لايصالة الى المتذوق عبر الحركة الذهنية للمتذوق سواء كانت تلك الحركة رياضية او ديناميكية اي تلك الحركة التي تنطلق من مفهوم الارادة او المعرفة ومدى انسحامها مع المخيلة لان الفن عند د كلش هو شكل من اشكال معرفة الواقع ولاا يمكن معرفة هذا الواقع الا عبر اشكال الوعي الاجتماعي والانساني ولهذا قد ابهر د كلش المتذوق بالالوان الحارة التي تحرق العقل قبل الشعور ولا ينطلق د كلش من مفهوم حسي فقط بل من خلال الممازجة بين العقل والمخيلة والحس والارادة وصولا الى اللذة الجمالية التي قد تكون عقلية او حسية او حدسية او فنتازية مثالية كما وصفها افلاطون عبر اشكال الجمال الذي يبدا بالشكل ولا بنتهي بالمعرفة قبل المرور بالجمال النفسي او الذاتي وصلا الى الخلود عبر الجدل الصاعد وما الاستبداد / او المستبد الا رغبات دنيئة عند الانسان يصورها البعض باشكال مختلفة ويحببونها للناس وهذا هو المضمون والشكل للوحة المستيد للفنان د كلش والذي تجاوز الفنتازيا بالواقع وتجاوز الواقع بالتامل وتجاوز التامل بالارادة بالسمو بالعقل الى التاءمل اللارادي

فاذا قال بعض بعض فلاسفة الحمال والفن بان الطبيعة تحتاج الى صناعة فقد قال د كلش في لوحة المستبد بان الواقع بحاجة الى التامل والسمو بالعقل الى مرتبة اخرى كي ندرك معنى ودلالة المستبد شكرا لك ايها المبدع والمتالق د. صبيح كلش لانك اعرتنا عينيك كي نرى الواقع ونتاءمل انفسنا اولا قبل ان نتحدث عن الاستبداد والمستبد.

 

د. طارق المالكي

 

جمال العتابيتوقف أحد النقاد التشكيليين أمام إحدى أعمال الفنان الفرنسي بول سيزان (1839-1906)، أحد كبار رواد الإنطباعية في الرسم، فكتب الناقد في دفتر زيارات المعرض: من المستحيل التسلق على أشجار سيزان، ومن المستحيل، لمس أجسامه، ولا يمكن أكل فاكهته، مشيراً بذلك الى انها تحويرات للطبيعة، وليست الطبيعة ذاتها. أي انها العالم الذي يبدعه الفنان، الكثير من الناس من لايستهويهم الفن الحديث، فذلك لأن لديهم ميل نحو الصور الإيضاحية، المباشرة، وما يطلبونه من الفن ليس إلا التسلية، أي العالم المقرر. بينما يذهب الفن الحديث في رحلته نحو الداخل في جعل حدود المرئي تتراجع الى ما لانهاية، ما دامت الأشياء الظاهرة ليست في حاجة إلى إكتشاف، فلابد للفن أن يبحث عما وراء الأشياء من أجل معالجة مسائل الداخل .

تساؤلات عديدة طرحها الكاتب (بل*) في كتابه (الفن) مترجماً عام 2013، والسؤال الاساس الذي يعالجه هو: ماالصفة التي تميز العمل الفني عن الأعمال العادية والأشياء الطبيعية؟ وللإجابة عن هذا السؤال يأخذ (بل) الفن التشكيلي كنموذج في تحليل طبيعة الفن .

كيف تكتشف هذه الصفة؟ أو بأية طريقة، أو منهج؟ السبيل لذلك هو التجربة، وبالتحديد هو (التجربة الجمالية)، هل بالإمكان أن أقول أو أحدد ما إذا كان هذا عملاً فنياً، إذا لم أختبره؟ أو ما يطلق عليه تسمية (الإنفعال الجمالي) .

هذا الإنفعال بتقديرنا هو نوع من العاطفة والتأمل، مع دور للخبرة الجمالية لدى المتلقي ليحسم الموقف لصالح الأثر الفني أو العكس، وهو دور يمثل الإستجابة الإنفعالية بدرجات، لأي شكل منظور أو موقف خارجي، ويعتمد على مقدار حساسية الفنان التي توصلنا الى مرتبة الشعور بالقيمة الجمالية في الطبيعة وما وراء الأشياء، وهكذا تصبح الرؤية ذات قيمة خاصة لما لها من صلة وطيدة بالحس والإنفعال وتوتر الداخل.

542 بول سيزان

لقد عبّر عن ذلك قبل قرون، الإمام السهروردي في إحدى تجلياته: الناس يقولون، إفتحوا عيونكم وإبصروا، وأنا أقول، إغمضوا عيونكم وإبصروا . انه يثير فينا إنفعالاً يتميز بالمتعة والإنفتاح الخيالي، ويحرك لدينا مشاعر إنسانية يصعب علينا تسميتها . وعلى هذا الأساس فالفنان لايضع الحلول لمعاني الأشياء، بل ليثيرها أمام المشاهد، ويفتح باب الحوارمعها، كما يقول الفنان الفرنسي ديكا (1917- 1834)، ولأن الفن ينتمي إلى الإنسان، ويجري مع نسوغ الحياة، فهو خاضع للتجربة، العين هي التي تأمر، لكنها ليست العين التي ترى السطح الخارجي للأشياء والوجوه، بل انها العدسة النفاذة التي تستطيع ان ترى ما خلف الخطوط، العدسة التي تسجل ما نرى من المدهشات اليومية بكيمياء غامضة، بروح الإندهاش أمام الحركة والألوان والعطور والأضواء، والفنان وإن أقصى الألم من إهتماماته وأعماله، فانه لايستثني الدعوة الى الفرح والى الحياة والإنفتاح، لابل الى التحليق .

ذلك لأن الحياة في نظر الفنان المبدع ليست حمقاء الى الحد الذي تبدو فيه حقيقية منذ الوهلة الأولى، بل انها مليئة بالرموز والألغاز، التي تتطلب لمعالجتها قدرة حلمية وتنبؤية لاحدود لها، وبقدر إلتحام الفنان بحركة الحياة، فهو مشارك لها في خياله، بحاسّة حادة تتجاوز الإعتيادي، فما من أحد نحت رائعة أو رسمها إلا في ضوء الخيال، فالفنانون العظام كلهم (رؤاة)، والنظر في أعمالهم، كرؤية الأحلام، كما يعبر عنها (ديكا) كذلك .

الرحلة في (الإنفعال الجمالي) تبدأ من هنا، حول مدار الرؤية إذ يمتد الزمن إلى أعماق الماضي، ويتنفس جسد العالم كل الظلمات المحبوسة وراء الأسوار، وينبع شعور سخي من الداخل، مفصحاً عن تجلياته وفيوضه الروحية الجديدة .

أنت تستطيع الإستمتاع بعمل فني خالد كـ (الموناليزا) للرسام الشهير (دافنشي) لأسباب معرفية أو أخلاقية أو تقنية، ويمنحك هذا الإستمتاع قدراً من الرضا، لكن هذا الرضا ليس جمالياً بالضرورة، التركيز على الوجه، إن كان تأملياً أو لطيفاً أو متواضعاً، يحبط إمكانية الخبرة الجمالية، ويصرف النظر عن البعد الجمالي للوحة، فإختبار اللوحة جمالياً يأتي من خلال التركيز على حبك الألوان والخطوط وتشابكها، فلو كانت غاية دافنشي محاكاة الواقع، لكان من الأفضل له ان يلجأ الى الكاميرا، فهي تعطي صورة أصدق للواقع من لوحة الفنان .

لم تكن اللوحة رسالة سياسية أو إجتماعية أو دينية، انها التعبير عن معنى إنساني معين، فالشكل الدال يعبر عن هذا المعنى، المتوهج ذاتياً وبإستمرار، منفتحاً على فردوس من الأسرار، خافت النبرات، متقد وعفوي اللمسة، يأتينا بوداعة طفل، منهلاً كغيمة ربيعية .

الموناليزا تبدو كنجمة طافية لألاءة، ما تفتأ حتى تبزغ في الأفق مرة آخرى، كما لو كانت لازمة نشيد أبدي التردد .

 

جمال العتابي

.......................

* كلايف بل :ناقد فني انكليزي (1964-1881)

 

69 Goya3rd3.fwالثالث من مايس عام 1808 هو عنوان لوحة الرسام الاسباني فرانسسكو گويا التي تخلد انتفاضة الشعب الاسباني ضد الاحتلال الفرنسي الذي قاده جيش نابليون من أجل تقسيم اسبانيا وابتلاعها وتأمين منفذ هام لفرنسا على البحر الأبيض المتوسط.  كان گويا قد رسم هذه اللوحة بعد ست سنوات من ذلك التأريخ،  أي عام 1814 عند جلاء القوات الفرنسية من بلاده. وفيها أراد الفنان أن يصور بشاعة الحرب ووحشية سلطة الاحتلال. فعندما انتفض الشعب في مدريد في ذلك اليوم الذي اصبح عنوانا لعمله، انتشر جنود الاحتلال في كل ركن من المدينة واعتقلوا مئات المتظاهرين وكل من وقع عشوائيا بيد العسكر، حيث كان الأمر قد صدر من قائد الجيش المحتل وكان مفاده ان يتم اعدام المعتقلين جميعا. وهكذا فقبل فجر اليوم التالي اقتيدت مجاميع كثيرة من المتظاهرين ومن اعتقل معهم الى ساحات الإعدام خارج المدينة وتم رميهم بالرصاص بشكل جماعي وبدم بارد .

69 Goya3rd1.fw

حرص گويا ان يجعل السماء التي احتلت ثلث اللوحة مكللة بسواد الليل، وقسّم اللوحة انشائيا الى طرفين بمجموعتين من الشخوص، فرقة الإعدام على اليمين حيث يقف الجنود، الذين لانرى وجوههم ، كجدار حديدي وهم يشهرون بنادقهم الطويلة على مقربة من رؤوس المعتقلين. وفي الجانب الايسر من اللوحة يقف المعتقلون بوضعيات وتعابير مختلفة تصور رعب الانسان وهو يواجه الموت. وبين المجموعتين آثر الرسام ان يضع مصباحا كبيرا يبدد ظلمة الليل ويشرق بنوره على وجوه الضحايا خاصة الشاب ذي القميص الأبيض الذي يواجه الظلم والموت بشجاعة وتحدِ رافعا يديه الى السماء في وضع يشابه مشهد صلب المسيح. وقد ذهب كويا الى ابعد من ذلك فوضع أثر ثقب في راحة يده اليمنى يحاكي أثر مسمار الصلب الذي اخترق يد المسيح.

69 Goya3rd2.fw

يجمع اغلب نقاد الفن بأن هذه اللوحة بدأت عصرا جديدا من حيث الموضوع والأسلوب فألهمت عددا من الفنانين الكبارالذين رسموا تحفا فنية تاريخية لاحقة في موضوعات مشابهة عن نضال الشعوب واستبداد السلطات، فجاءت لوحة "الحرية تقود الشعب" لديلاكروا عام 1830،

69 Goya3rd4.fw

ولوحة "اعدام الامبراطور ماكسميلان" لمانيه عام 1868، ولوحتا بيكاسو "گورنيكا " عام 1937 و"مذبحة في كوريا" عام 1951، وتلتها آلاف اللوحات لفنانين آخرين عبر العالم منذ ذلك الوقت ولحد الان وهي تخلد نضال الشعوب من اجل الحرية والسلم والعدالة. 

69 Goya3rd5.fw

مصدق الحبيب

 

533 giotto 5كان الفنان جيوتو قد دفع بالفن الايطالي الى التألق والارتقاء وتفوقه على  الفن الاوربي واتصف اسلوبه بالواقعية التمثيلية وكان التبسيط واستخدام النور والظل المتدرج من نفس اللون خاصة في طيات الملابس ودراسة الاشكال تفصيليا كلها كانت تعتبر من مميزات اعماله، كذلك نلاحظ اهتمامه بدراسة الاشجار وتفاصيل اغصانها واوراقها . ولذا يرى بعض المؤرخين ان جيوتو قد اعاد الواقعية في رسم الاشياء رغم ان هناك ضعفا في التشريح للشكل او الجسم وكذلك في تشابه سحنات الوجوه وضعف في علم المنظور .. ولكن هذه النواقص تجعلنا نغض الطرف عنها نتيجة للواقعية والغنائية التي تطغي على اعماله وتجعلنا نتعاطف مع مواضيعه خاصة في جداريات كنيسة فرانثيسكو في مدينة آسيس Asis .

وكان جيوتو يعتبر الممهد الاول لظهور اسلوب عصر النهضة وتأثر به اساتذة ذلك العصر خاصة في المعالجات اللونية والشكل والتخطيط منهم مايكل انجلو. وقال فيه دافنشي (لقد ظهر جيوتو وصور ما رآه) وهي اشارة الى اسلوبه الواقعي التمثيلي وخروجه من الفن البيزنطي الرمزي والجامد . ولهذا فقد حمل جيوتو لواء المصوريين الايطاليين الطلائعيين في ذلك الوقت، وكان متعدد المواهب فكان مصورا ومثالا ومهندسا معماريا وراسماليا .. واعتبرت اعماله ثورة على الاوضاع الفنية السائدة في ذلك الوقت، كثورة الانطباعيين في القرن التاسع عشر على الاوضاع والتقاليد الفنية الكلاسيكية القديمة . فقد غير اتجاه الفن الايطالي برمته فرسم الكائنات الحية كما هي ويوم كان صبيا راعيا يرسم في اغنامه. فرسم الرجال والنساء والاطفال وبحركتهم وتعابيرهم الحياتية المختلفة واخرج الفن الايطالي الى النور والسرور .. وظل الفن في فلورنسا مائة عام بعد وفات جيوتو على هذه الواقعية الجديدة حتى قيام عصر النهضة .

فلورنسا ايام جيوتو:

كانت فلورنسا في القرن الرابع عشر من اجمل واغنى المدن الايطالية وكانت بعض العوائل الغنية تنفق اموالا طائلة في سبيل رصف الشوارع وبناء الجسور والمستشفيات والمدارس وانشاء المجاري وبناء القصور وكان الشعور بالجمال وصناعته والاهتمام به لا يقل عن شعور اليونانيين القداما، وقد دفعهم ذلك الى تزيين المدينة بالتماثيل والصور والساحات العامة وبناء البيوت المزخرفة . وكان الناس يزينون صدورهم وايديهم ومعاصمهم بانواع الحلي من الذهب والفضة والجواهر الاخرى . وانعكس ذلك الترف على الفن فزينت القصور والبيوت بالصور والمنحوتات وانواع الخزف .. كما خضعت العمارة الى هذا التوجه من الزينة والترف . وكانت التجارة بين الدولة الاسلامية وايطاليا في حركة نشطة ومتطورة خاصة مدينة فلورنسا فانتقلت اليها منتوجات وصناعة العرب وفنونهم وثقافتهم وتقاليدهم . وكانت الانسجة والاقمشة والاواني الخزفية العربية مزينة ومزركشة بانواع الزخارف والنقوش تغزوا اسواق فلورنسا . ولهذا ليس بعيدا ان يطلع جيوتو على فنون الشرق من خلال هذه المنتجات الفنية المستوردة . بل واكثر من ذلك فقد رسم جيوتو له عدد من الصور الشخصية بتقنيات مختلفة وهو يرتدي الزي الشرقي منها صورة محفوظة الآن في متحف اللوفر .. اما لوحة – عناق امام الباب المذهب – 1304 فتظهر هناك امرأة وهي ترتدي العباءة الشرقية او (الجادر) وبعض الاشخاص ايضا تظهر بازياء شرقية .. وكان التجار العرب يتجولون في ازقة وشوارع المدن الايطالية بزهم الشرقي .

534 giotto 6

الواسطي مؤسس مدرسة بغداد:

ظهر يحيى بن محمود بن ابي الحسن كوريها الواسطي في نهاية القرن الثاني عشر او بداية القرن الثالث عشر خاصة اذا علمنا انه زوق مخطوط الحريري سنة 1237 بمعنى انه ظهر في زمن الرسام الايطالي شيمابوية 1240 م المذكور سابقا، وقبل ولادة الرسام الايطالي جيوتو 1267 ربما بخمسين سنة ولم يعثر على مصدر قديم يتكلم عن حياة الواسطي وتاريخ ولادته ما عدا انه من مدينة واسط – الكوت وهذه من مآسي تاريخ حركة الفن العربي حيث هناك فترات مجهولة ومحذوفة من التاريخ . ويذكر ان العالم العربي المقريزي – 1364 - لديه كتاب (ضوء النبراس وانس الجلاس في اخبار المزوقين من الناس) ذكر فيه اعدادا كبيرة من المصورين العرب في العصور الاسلامية، ضاع هذا المخطوط او حرق .؟ علما ان البعد الزمني بن الواسطي والمقريزي قليل جدا .

– اذن نحن امام قطبين عالميين متوازيين في حركتهما الفنية احدهم ظهر  في الغرب وتزعمه شيمابوية وجيوتو والاخر في الشرق وهي مدرسة بغداد وتزعمها يحيى بن محمود الواسطي . وكان الواسطي يعتبر مؤسس مدرسة بغداد لفن التصوير،  وازدهرت هذه المدرسة في القرنين الثاني عشر والرابع عشر ميلادي  واثرت على انتاج  المصورين المسلمين في ذلك الوقت . ولم يعرف عن الرسامين المسلمين الذين عاصروا الواسطي الا القليل منهم : المصور ابن الرزاز الجزري وكتابه – الحيل الميكانيكية 1206- م، وعبد الله بن الفضل مزوق كتاب- خواص العقاقير 1224 م - وعلي بن حسن بن هبة الله 1209 مزوق كتاب البيطرة  وغيرهم . وقد حملت مدرسة بغداد خليطا من التأثيرات من اسلامية ورافدية وساسانية  وسلجوفية وتيمورية .  وان الصناع كانوا من مختلف الجنسيات والاديان وخاصة المسيحيين العرب الذين هم اكثر حنقة وبراعة وكانوا يزوقون كتبهم المقدسة بالصور قبل ظهور الاسلام وبعده . هؤلاء المسيحيون هم عرب من بلاد الرافدين والشام ومصر الاقباط وبالتالي  كانوا يشكلون جزءا من حركة التصوير في البلاد الاسلامية وكانوا من ابرع المصورين في تزويق المخطوطات العربية وكذلك رسم الجداريات في الكنائس المسيحية والقصور العربية مثل قصير عمره في الاردن . وربما كان الواسطي من اصول وجذور مسيحية واشار الى ذلك الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد لان لقبه– كوريها – وكذلك جرأته في رسم الكائنات الحية وعدم اهتمامه بمسألة التحريم وهي من مميزات الفنانين المسيحيين .

واتذكر قصة حدثت قبل الاسلام وهي حدوث فيضانات كبيرة في مكة وقد ادت الى تهديم الكعبة، ثم اعادوا بنائها وكان هناك رسام مسيحي يدعى – باقوم – ساهم في اعادة بناء الكعبة وطلب منه تزويق داخل الكعبة فرسم صور ابراهيم وعيسى ومريم والملائكة –ع- وعندما دخل الرسول –ص- مكة وامر بتهديم الاصنام يقال انه وضع يده على رسوم مريم وعيسى وقال: (الا هذه ...) ويذكر ان هذه الرسوم بقت داخل الكعبة الى تاريخ ثورة عبد الله بن الزبير حيث ضربت الكعبة بالمنجنيق وهدمت مرة اخرى عام 73 هجرية من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي . هذه القصة ينقلها  الازرقي في كتابه –اخبارمكة -

ومهما يكن فان التصاوير التي تنسب الى مدرسة بغداد لم تكن كلها من انتاج المصورين في عاصمة الخلافة العباسية بغداد بل ان الكثير منهم من اصول وبلدان وعواصم ومدن اخرى . وكان المصورون يومذاك يتنقلون بين البلدان الاسلامية بدون تأشيرة او جواز سفر (باسبورت) كما كانت المخطوطات تتنقل بين المراكز الاسلامية وهي مصورة ومزوقة مما جعل تأثيراتها الفنية تعم جميع الامبراطورية الاسلامية وبذلك اتخذت لها طابعا فنيا امميا .

وسنكمل الموضوع في الحلقة القادمة .

 

د. كاظم شمهود

 

68 كريم الوالي 1عرفت كريم الوالي في أواسط تسعينيات القرن المُنصرم، كان يرسم لوحاته مُتنقلاً بين البروتريه والتعبيرية والواقعية، ولكنه اختط لنفسه رؤية في التشكيل فيها ابهار لوني يخترق أفق المألوف في التلقي البصري، فكنت أقف أمام لوحاته مُنبهراً كيف بمقدوره تشكيل اللون ليجعل منه تعبيراً عن الأمل المكنون في مُخيلة الألم التي تشي بها أعماله.

إنه يرسم ويُشكل لا وفق معيارية سبقت، إنما هو من يُعطي للرسم معيارية مُفارقة.

في استعاراته اللونية شغف بالحياة فتجده يكشف عن نقاء ضامر في حُزن الألون ليكشف عن بهاء الألوان في تعالقها مع البياض.

في مزاح ليَ معه له وبدعوة منه لحضور معرضه الشخصي في قاعة (حوار) قال ليَ ما رأيك بأعمالي، فأجبته على جهلي في ذلك الحين "أنها أعمال تتميز بـ "البهاق اللوني"، فكانت اجابتي مُفاجئة له، فضحك بعلو صوت شفيف، فبادرني بالقول "ولك علي هاي منين جبته" وبتلقائيتي التي يعرفها جميع من عرفني أجبته "خويه كريم الأزرق في لوحاتك يخترقه اللون الأبيض والأحمر كذلك، بل كل الألوان الغامقة يخترقها اللون الأبيض ويصطف معها" فأجابني وأنا قلت ما شعرت به "والله علي شو انت كاعد تتفلسف"، ولا أطيل الحديث في مساجلتنا معاً، لكنني بعد مرور الزمن وبعد قراءات في فن التشكيل ومناقشة لرسائءل وأطاريح في كليتي الفنون الجميلة بجامعتي بغداد وبابل تأملت كثيراً بلوحات كريم الوالي القديمة في "بهاقها اللوني" والجديدة في بهائها التشكيلي وتراكم خبرة كريم ودراية الفائقة بمدارس الرسم وجدَت أنه يرسم بروحه لا بريشته، وكل ما ذكرته بسذاجة مني حول "البهاق اللوني" إنما هو ضامر في مُخيلته التي تشف محبة ونقاء، وبياض الروح ينعكس على ترسيماته اللونية رغبة منه في الكشف عن نقاء سريرة الإنسان.

68 كريم الوالي 2

كريم الوالي علمني وإن لم يعلم أن المحبة تغلب التعقل، فكان من قبل وبعد زمن هو هو ولو تغيرت تقنياته وأحسن التعبير في تمكنه من أدواته.

كريم الوالي تجريد ذات وتنقية وتنقية للرؤية البصرية في تحديه للمتن التشكيلي الشائع في الرسم العراقي، ليضع نفسه بمصاف التشكيليين المابعد حداثيين الذين يهيمون بكسر كل الأطر "الدوغمائية" و "النسقية" ليكشف لنا عن الهامشي والمُغيَب، ولم يكن لون البياض الذي تعشقه ريشته سوى نزوعه الروحي للزهد والعيش بعوالم التصوف وعشق حياتهم بكل ما فيها من زهد وتقشف.

68 كريم الوالي 3

رغم أن بعض من النُقاد يُحاولون ربط تجربته بفنانين عراقيين روَاد، إلَا أنني أميل للقول بأن لكريم الوالي تجربته الخاصة رغم اتقانه لأساليب من سبقوه من أساتذته، بل ودرايته بتاريخ التشكيل العراقي حضارياً، لكنه بوعي ضامر أو بوعي قصدي تمكن من أن يجعل من رسوماته تمثيلاً حقيقياً لحياته وطريقة عيشه كفنان مُدرك ومتابع لتحولات التشكيل، لكنه ليس نسخة ولا تجديد لتشكيل سبق.

كريم الوالي ابن النجف الأشرف بكل روحانيتها فانعكست تلك الروحنية بلوحاته، وكريم الوالي نتاج حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس، ولكنه لم يقف عند عتباتها يائساً بقدر ما سعى ولا زال يسعى لترسيم حدوده المُلتهبة لا بتلوين لوحته بالسواد ولون الدم، بل بتصيير بقايا الألم وذاكرة الشجن أو الحُزن الراكس في نفوسنا ليُعيد انتاجه بريشة الأمل ليصنع حياة أفضل.

68 كريم الوالي 4

كريم الوالي تشكيل ليس على غرار تصميم، إنما هو يعمل تشكيل يُعيد للآخرين تصميم تشكيلهم، شغوف بالحياة ببعدها الأرحب في الحُب، وهذا ليس كلام إنشاء، إنما هو تمحيص بعد فحص للوحاته، فلك أن تتأمل فيها لتكشف مقدار خساراته، ولكنها لم تستطع أن تكسر ريشته لأنه يعي بروحه قبل تعقله لمتغيرات الألم والأمل أن للفنان دور رئيس في صناعة حياة أبهى وأجمل.

كريم الوالي صاحب جيل مُبدع منه فاخر محمد ومنه عاصم عبدالأمير ومنه بلاسم محمد ومنه محمد الكناني ومنه كاظم نوير ومنه محمود شاكر ومنه شوقي الموسوي ومنه ستار كاووش، وعدد ماشئت إن كان لك دراية وهواية وغواية بعوالم التشكيل العرقي الأبهى.

68 كريم الوالي 5

بعد هجرته تمكن الوالي من تحقيق نجاحات كبيرة، ففي ولاية كاليفورنيا بأمريكا كان لمعرضه الشخصي "شيفرة الحضارة" تميزُ وحضور بهي.

قرأت لكثي من النُقاد من الذي يهيمون بربط الماضي بالحاضر، فوجدَت الكثيرين منهم يُحاولون ردَ نتاج الوالي التشكيلي ماض تشكيلي رافديني عبر قراءتهم لمعرضه "شيفرة الحضارة" الذي أقامه في متحف "ترينون"، ولكنني أختلف معهم فرغم أن الوالي ربيب سلالة يمتد تاريخاً لستة آلاف سنة قبل الميلاد ورغم أنه يصف نفسه بـ "المُنقب الآثاري" ومحاولته ربط الخط المسماري بنتاج مدرسة الكوفة في التشكيل الحروفي، إلَا أنني أُصر على أن للوالي تجربته الخاصة التي لا يُمكن لنا أن نعدها نتاج "التراث" = "الأنا" فقط، ولا نتاج "الآخر" بقدر ما هي تشكيل ليست على غرار أنموذج من مُعطيات "الأنا" أو "الآخر" بقدر ما هي نتاج فنان تمكن من أدواته وتمعن في النتاج التشكيلي الذي سبق للـ "ألأنا" أو للـ "الآخر" ولكنه ينطبق عليه قول الشاعر الإيطالي (فاليري) "الذئب مجموعة خراف مهضومة" ولا يُمكن لنا بأي حال من الأحوال أن نردَ تجربة الوالي التشكيلي للتراث أو للحداثة بكل مُعطياتهما، ولكنها تجربة فردية مُستمدة من تفرد الذات ومن هذا وذاك، أي من التراث والحداثة.

 

د. علي المرهج

 

519 الواسطيالعصور الوسطى: يتفق غالبية المؤرخين على ان العصور الوسطى تبدأ من القرن الخامس الى القرن الخامس عشر ميلادي اوبداية ظهور عصر النهضة، وتأتي هذه المرحلة بعد سقوط الامبراطورية الرومانية ونزول القبائل الجرمانية البربرية من شمال اوربا واحتلالها وسيطرتها على جميع المستعمرات الرومانية في اوربا،

اما فنون القرون الوسطى في اوربا فيعتبرها المؤرخون والنقاد فنون دينية مسيحية حيث اعتمدوا بشكل واسع على الرموز والاقلال من اهمية الشكل او تغييبه وبالتالي عطلت التقاليد الفنية الموروثة من اغريقية ورومانية، كما ادت بعض هذه المعتقدات الدينية المسيحية الى تحريم الشكل التشبيهي والتشخيصي، لكثرة تقديسها من قبل عامة الناس وعلى اثر ذلك اندلعت الحروب بين اباطرة القسطنطينية وكنيسة روما دامت حوالي مائة سنة اطلق عليها اسم حرب- الايقونات – (القرن الثامن ميلادي) ثم عاد بعد ذلك تقديس الصور بالظهور من جديد في الكنائس ..

الفن المشرقي:

كانت فنون الشرق في العصور الوسطى متفوقة في تنوعها وطرزها ومدارسها على فنون الغرب وكانت الحضارة المشرقية اعظم حضارة على وجه الارض في ذلك الوقت حيث كانت امبراطوريتها تمتد من جدران الصين الى بلاد الاندلس، وكانت مستقلة ومتميزة عن الحضارات الاخرى.. وكان الفن الرافدي والمصري والساساني والاسلامي والصيني في اوج عظمته حيث حملت هذه الفنون قيم عالية من حيث الاتزان والابداع في الرسوم والنقوش الجدارية والعمارة واعتمدت الرسوم على الخط والتسطيح وايضا توزيع الاشكال على المساحة بشكل واعي وابداعي وزخرفي وذهني .  وفي بداية القرن الثامن ميلادي حط الفن العربي والاسلامي في الاندلس (711 م)، ودخلت الحضارة الاندلسية اوربا يوم كانت تعيش في عصور مظلمة متخلفة وكانت شوارع لندن وباريس مظلمة ليلا وغاطسة بالوحل والنفايات، بينما شوارع قرطبة كانت مرصوصة بالحجاة ومضيئة ليلا بمصابيح الزيت . كما اخذ الطلبة الاوربيون يأتون الى الاندلس للدراسة في جامعاتها مختلف العلوم والمعارف ومنها الموسيقى .. كذلك اخذ طراز العمارة الاندلسية يغزوا اوربا .. ولازال هذا الطراز يشاهد في كثير من عماراتها القديمة لحد هذا اليوم ...

520 جيونو

الواسطي وجيوتو:

ظهر الفنانان الواسطي وجيوتو في نفس العصر اي في القرن الثالث عشر ميلادي ، فالاول يعتبر من مؤسسي المدرسة الاسلامية او مدرسة بغداد في الفن والاخر يعتبر من عظماء الفن الايطالي والممهد الاول لظهور الفن الواقعي وبداية عصر النهضة في اوربا . الواسطي من المحتمل انه ولد في بداية القرن الثالث عشر وجيوتو في الثلث الاخبر من القرن الثالث عشر ...

وولد جيوتو دي بوندوني عام 1267 Giolto de Bondoni في احد قرى فلورنسا وكان راعيا للاغنام وفقيرا يرافق والده في الرعي وكان يقوم احيانا برسم اغنامه على قطع لمساء من الحجر . وصادف ان رآه الرسام الايطالي المعروف - جيوفاني شيمابوية Cimabue - اثناء تجواله في الحقل – فابهر بموهبته وطلب من والده ان يعلم ابنه حرفة الرسم ويصاحبه الى مرسمه في فلورنسا . وفعلا تم ذلك واصبح هذا التلميذ بعد ذلك من اعظم مصوري ايطاليا. ..

يعتبر شيمابوية 1240-1302 م من ابرز رسامي ايطاليا وآخر فنان من طراز الفن البيزنطي . وكان قد نشأ في فلورنسا واشتهر في رسم الجداريات – الفريسكو – وكان نقطة جذب لكل طلاب الفن ورجال الدين والذين اعتبروه الاول في رسم المواضيع الدينية وكان يلقب بشيخ الرسامين .

وتتلمذ على يده عشرات الرسامين منهم الرسام جيوتو .

كان جيوتو في بداية حياته متأثرا بالفن البيزنطي من ناحية التبسيط والزخرفة والجمود والوقار والبساطة، ثم دخل في جماعة فنية يتزعمها استاذه –شيمابوية – واخذوا يعملون سوية في تنفيذ الاعمال التي تكلفهم بها الكنيسة او رجال الدولة والاغنياء من النبلاء، وكانت مواضيعهم دينية ومأخوذة من الكتب المقدسة عن حياة المسيح –ع- والقديسين والرهبان، وكان جيوتو قد نفذ 28 جدارية في كنيسة فرانثيسكو في مدينة آسيس Asis - - وفيها ظهرت تأثيراته باستاذه ثم برز كافضل رسام في ذلك الوقت .

كانت الاعمال الفنية في ذلك الوقت توثيقية وتسجيلية لقصص الانبياء والقسيسين وازداد الاهتمام بالموضع واعتبر فوق كل شيئ وتعلو فيه الفكرة والقصة على العمل والاسلوب وبذلك فان دور الرسم هنا روائيا وتو ضيحيا يخاطب الاكثرية من الناس المؤمنين الذين لا يقرأون ولا يكتبون – امية –

ثم اخذ جيوتو يتجول في انحاء ايطاليا، وتكاثرت عليه العروض الفنية وكان رسمه واسلوبه مرغوبا من قبل الجميع وكان يرسم في اي مكان يحل فيه . وتذكر له قصة طريفة حيث كان معجبا بافكار دانتي وكتابه – الكوميديا الالهية - فرسمه في احد اعماله الجدارية، ولكن عندما لاقى الكتاب رفضا من قبل المجتمع ونفي دانتي من بلده، هاجم الناس عمل جيوتو وخربوه وطمسوه بالاصباغ . وفي سنة 1841 كشفت اللوحة وكشطت منها الاصباغ وظهرت صورة دانتي من جديد ويأتي ذلك بعد ثمرة الثورة الفرنسية وتحرر الفكر الانساني من قيود وتقاليد الكنيسة .

وسنأتي على تكملة الموضوع في المقامة القادمة .

 

د. كاظم شمهود

 

هنا في مجتمعاتنا الإنسانية، ذات الثقافات المختلفة مشاربها، تتعد أساليب التعبير عن الرغبات الدفينة في نفوس الأفراد، التواقين للبوح، وقول ما يختلج صدورهم ويسكنها، وتتنوع الدوافع والأسباب وراء بزوغ هذه الرغبة، في تمخيض الحرقة الجِبِلية التي وجدوا أنفسهم عليها منذ أن رأت أعينهم النور، وحاربت رموشهمُ الظلام.

فمنذ عصور خلت، مرورا بحقب الزمان وتقلباته، وصولا إلى يومنا هذا، يلجأ الكثير إلى الالتفاف حول مجموعة من أشكال التعبير الفنية -ذات الصبغة المشروعة والمحظورة أحيانا أخرى- فأناهم لا يهمها المشروع من المحظور، بقدر ما يهما البوح والقول والتفريغ، حتى تتحقق بذلك لذة الإفصاح ومتعة التعبير ومؤانسة الفن.

ومن بين الأشكال التعبيرية التي انتشرت بشكل لافت في الآونة الأخيرة، في ظل التطور السريع لمنظومة التكنولوجية المعاصرة، وتقارب الأقطار، وتقريب المسافات وتعدد الخبرات، فن "الجرافيتي" أو الكتابة على الجدران Graffiti.

507 اسامة الدواح

فالمقصود بهذا الفن، هو ترك بصمات متحفة بمجموعة من الرسومات أو الأحرف على الجدران، وغالبا ما يستعمل في هذا الأثر ما يسمى "بالبخاخات" ذات اللون الواحد، أو الألوان القزحية تارة أخرى، وترجع أصوله للحضارات العتيقة (قدماء المصريون والإغريق والرومان وغيرهم)... أما في عصرنا الراهن، استلهم هذا الفن مبادئه وقواعده من موسيقى (الهيب هوب) الذائع إلهامها في نيويورك الأمريكية، التي كانت مرتعا خصبا لبعض فناني الطبقة الكادحة للفت الأنظار إلى معاناتهم الاقتصادية، وحالتهم المأساوية المزرية.

فن غضب الشوارع، أو ثورة الألوان على الجدران، هكذا لقبه البعض، نظرا لثراه، وغناه،

وتضاربت الآراء حول مشروعيته المتحضرة، وخربشاته المتسلطنة، إلا أن كلمة فنانيه وألوانهم، لا يعلوا عليها كعب، ولا يجادل في قضيتها مجادل.

ففي خضم الزوبعة الهوجاء الظالمة التي عصفت وتعصف ببعض أقطار المعمورة، لم يجد الجرافيتيون بدًّا من مجابهة الظلم بألوان القزح والأرجوان، ومن مبارزة الخوف والفقر والتهميش وكل أشكال الغطرسة والتظليل بأقلام الرصاص، ودهانات الفحم، معبرين عن طقسهمُ الرامز ذو البعد الإرسالي المحض، الذي يعرف بقضيتهم المركزية، وإيمانهم الحق ببسط العدل والمساواة بين بني جلدة آدم، فهذا يعرف بثقافته التي طمستها زعانف أخطبوط العولمة السامة، وآخر يناشد جهات برفع الحيف والظلم عن مجتمعه العميق، وآخر يحلق بريشته فوق جناحي حمامة السلام، باتجاه فلسطين الأبية، متوسلا الله أن يفك قيد الأسرى، ويرفع الاحتلال عن أرض الكنانة الطاهرة، وآخر في خلسة ظلام الليل، يضيء العتمة، برسمه مصباح الأمل تحذوه شمس التفاؤل المُغَيبَّة...

أما الناظر والمار والمتلقي لهذا الفن، يجعل منه فسيفساء خلاصٍ مريح لرتابة يومياته المعتادة، ماتعا رؤيته ورؤاه، منفِّسا عن كرب فؤاده.. وتردف عين لأخرى قائلة: يا للروعة ! لقد بصموا وعبروا عن ما يختلجهم، وفتحوا أزهار قلوبهم وقلوبنا، أبكوا المَرِح، وأضحكوا الباكي، وقدموا دروسا وعبرا، اعتمادا على ما قد استلهمت ملكتهم الإبداعية من تعدد مدارس الفن ومجالاته.

لم يتقيدِ الفن أبدا بمكان، أو طوق رقبته بحبل زمان، هو هكذا رحالة بلا وجهة، وسهم بدون اتجاه، فتقييد أساليب التعبير كيفما عُدت أشكالها، يعتبر ضربا في جوهر روحٍ فياضة بالأمل، وقمعٌ لملكة لم يخلق بها الكل.

فالجرافيتي منتشر في كل مكان، أمامك على الجدار، في مترو الأنفاق، هناك في الأفق على السطح، أو تخطيطا على عربات القطارات الحديثة منها والمتهالكة...

من المرامي التي يصبوا إليها الفن والجرافيتي خاصة، هي التعبير المتحضر عن حالة تخبط الأنا وصراعاتها، أو عن شعورها بالغبطة أو السعادة تارة أخرى، وليس المراد منه التخريب، أو التشويه أو ما لف في فلكه، فإيماننها بالفن يجعلنا نحب تلك الخربشات، ونقرأ سطورها المضمرة، ونلمس أحاسيسها المختفية وراء ستار المنع  وسُترة الظلام.

إن الفن كما عبر أحد الفنانين عند سؤاله عن عدم مشروعية الجرافيتي باعتياره تخريبا، -قال- " الفن هو أسلوب حياة ووظيفته إسعاد البشر، والنتفيس عن أرواحهم".

 

بقلم: أسامة الدواح