أقلام ثقافية

يَحيَى غَازِي الأَميرِي: من خزين ذاكرتها الذهني التأملي تتوهج الأفكار لتتبلور الصور الساحرة

يغطي اللون الأزرق معظم مساحات فضاءات لوحاتها ... تعتمد بعناصر تكوين لوحاتها على (الكتلة والضوء واللون الأزرق) لتنسج من هذا الخليط عبر خيالها المتوهج الشكل المثالي لجمال لوحتها. ففي اللون الأزرق تمتزج الفلسفة بالأساطير والسحر بالجمال والهدوء بالمتعة والرفاه حيث سحر البحر، والمحيطات والشفق، وأفاق السماء الشاسعة في الليالي الصافية المرصعة بملايين النجوم المتلألئة والتي يهيم فيها القمر سابحاً مترفعاً مزهواً.

هكذا وجدت ابداع الفنانة الإيطالية (لاورا بولاتي) المقيمة في مالمو، والتي تقيم معرضها الفني على قاعة (كاليري أور) في (مالمو) والتي يديرها الفنان التشكيلي المبدع (جعفر طاعون).

في صالة العرض وعلى إحدى الجدران التي علقت عليها لوحتها الفنية كانت معظمها تصور أشكال وحالات وأوضاع ومنازل القمر (الهلال، البدر، المحاق) وهو بدورانه الأبدي الذي لا يهدأ حول محوره وحول الأرض.

يبرز مع كل لوحة (كأس أو أكثر) مترعة بعصير العنب الإيطالي أكسير اللذة والحياة، تبدعها من الواقع  والخيال، ومن خزين ذاكرتها حيت الأفق البعيد وهو يحفز الخيال للانطلاق والإبداع.

في لوحتها التي تستمد معظم صورها من مكان أقامتها السابق حيث تعيش في شمال (إيطاليا) قريبة على سماء جباب الألب، ومن صيف (إيطاليا) التي تحيط بها من كل الجهات سواحل الخلجان والبحار، ونوافذ وشرفات البيوتات الإيطالية المحاطة باللبلاب والزهور والورود والقصص المفعمة بالحب والغرام!

في مدخل قاعة العرض (علقت) مقالة طويلة مطبوعة على ورقة كبيرة (باللغة الإنكليزية) تتحدث المقالة عن انطباع كاتبها وأعجابه بلوحات وإبداعات الفنانة (لاورا بولاتي) المقالة بقلم (ماريو فانيلي) يقول في مقدمة المقال (يبرز اللون الأزرق، مثقل بذكريات لا تنسى، مطرزة بالنجوم، وإلهام القمر).

أثناء تجوالي في المعرض تبادر الى ذهني (الحديقة الغناء و البيت الأزرق في مراكش) والتي تعد من ابرز الأماكن السياحية في المدينة، والتي زرتها في (مراكش/المغرب ) في خريف عام (1919) أنها التحفة الفنية (المحمية النباتية) القصر والمنشأة العديدة التي تحتويها الحديقة المتنوعة النباتات النادرة، والتي تعود ملكيتها للرسام الفرنسي (جاك ماجوريل 1886- ت1962) الذي أسسها عام (1924)، المنشأة والحديقة تقع على مساحة تقدر بـ (10000) متر مربع، وأقد ابتكر من إبداعاته اللون (الأزرق) المتميز الخاص به وقد لون به هذه التحفة الجميلة ( القصر والبنايات والتحف الفنية التي يحتويها)

فذهب للفنانة (لاورا بولاتي) المنهمكة بتلوين احدى المنحوتات باللون الأزرق، وسلمت عليها وسألتها عن سر اللون الأزرق الذي اختارته لجميع لوحاتها وهل له علاقة بحديقة الرسام الفرنسي (جاك ما جوريل) في مدينة مراكش/ المغرب؟

تمهتْ قليلاً وأجابتني: 

أنا لا أعرف أي شيء عن هذه الحديقة ولا عن الرسام (جاك ماجوريل) ولمْ أزر مراكش.  

سريعاً تداركتُ الموقف وذهبت الى الاستعانة بالعم (كوكل) وكتبت حديقة (جاك ماجوريل) واخترت لها فيلم قصير عن الحديقة وبناياتها المطلية باللون (الأزرق) ونباتاتها الساحرة هي الأخرى، عندما شاهدتْ الفيلم، اعجبتْ به جداً.

وعند التحدث مع صديقي الفنان (جعفر طاعون) الذي كان بالقرب مني وهو يرصد المشهد، أخبرني أن هنالك فنان مشهور (ألماني) أختار اللون (الأزرق) لجميع لوحات إحدى معارضه، لا بل كان قد عمل شراب خاص (باللون الأزرق) وقدمه لضيوف المعرض لتكون المفاجئة الأكبر عندما أي شخص تناول من هذا الشراب (الأزرق) ويذهب الى التواليت للتبول يكون (الإدرار) قد تلون باللون الأزرق، أنه رسام الكرافيك والنحاة والمنظّر الفني الشهير (جوزيف بويس 1921- ت1986).

كان يرافق جولتنا في المعرض عزف موسيقي شجيّ جميل لفنان (موسيقار) أنهمك يداعب بأنامله مفاتيح آلة البيانو، فيما كانت شابة تقف بجانبه تقرأ باللغة السويدية مقاطع من أشعار الشاعر العربي الكبير(أدونيس) تختارها من كتاب أنجز حديثاً باللغة السويدية ديوان (حلم الألوان) لوحات الفنية في الديوان شارك فيها الفنان (جعفر طاعون) مع الشاعر القدير (أودنيس).

رغم الجو البار جداً خارج القاعة لكن الحضور للمعرض كان جيداً ومتنوع الجنسيات.

***

 يَحيَى غَازِي الأَميرِي

مالمو/2023

في المثقف اليوم