أقلام ثقافية

محمد تقي جون: صغار في الحرب

في عام 2020 التقيت (سيد وهاب) أو العريف (وهاب خضير عبد الباري). وجدته يشوي البقصم في السوق ليبيعه،. كان آمر فصيلي. استذكرنا أيام حرب الثمانين وجرّنا الحديث الى قساوة الحرب وما تركت من ضحايا ومآسٍ وخسائر مستمرة.

قلت له:

(الان توضح لي أن الموت في الحروب غير الموت الذي قدره الله سبحانه، وتكلم عنه الفلاسفة. أنه محوَّر الى (لعبة قذرة)، فيكون هو والحرب وجهين للعبة واحدة. وفي الحروب يظهر الانسان حقيقة كونه (حيوانا مفترسا) لأخيه الانسان فقط، بعكس الذئب الذي يفترس كل المخلوقات عدا أخاه الذئب، بل هو كما يقول الشاعر (يعطي أخاه الذئب ان شبعا).

قال سيد وهاب:

(أتذكر (الزغار)؟ التحقوا بالجيش عام 1985 بعمر 18 سنة، يعني لو عاشوا الى الان لأصبح عمر أحدهم (53) سنة.. وتمتم بحسرة (حرامات).

 تفارقنا ومضى كل منا لطيته. وحين رجعت الى البيت تعاصى عليَّ النوم، ورحت أقلب تلك الاوراق العتيقة التي أصبحت صفراء من القدم والاحتراق، وقلبت ببطء وحذر أوراق (الاصدقاء الصغار) الذين كنا نسميهم (الزغار) وقد زجهم قدرهم في تلك المحرقة.

 خمسة خرجوا توا من شرنقة الطفولة والجهالة الى باحة الشباب والادراك، فقطع عليهم الطريق الى الحياة الجميلة والمستقبل الزاهر مسعرو الحروب فرسموا على رؤوسهم طاقيات بلون التراب اسمها (البيرية) أو صبغوا رؤوسهم باللون الخاكي (الترابي) أو وضعوا عليها التراب ليعيشوا هاجس الموت طول الوقت.

 لقد عرفت (لاحقا) أن لفظة الخاكي أصلها كردي من (خاك) وهو التراب، و(لاحقا) عرفت ان العسكرية والعكسر اصلها فارسي من (لشكر) فادركت (لاحقا أيضا) ان العرب لم يهتموا (بالتنظيم الحربي) لانهم لم يفكروا أبدا باحتلال الآخر، حنى (الديوان) أو (سجل الجنود) عرفوه في الاسلام عند الفتوحات، وأخذوه من الفرس أيضا.

 شباب بعمر الورد وعنفوان العطاء بدلا من أن يكملوا دراستهم ويعينوا للعمل في الدوائر والمؤسسات لبناء البلد وتكوين النفس، قذفوا الى صحارى قاحلة وانفاق مخيفة يعيشون مع الحيوانات والحشرات ويحصد ارواحهم الرصاص والشظايا. كانوا صغارا في كل شيء وعلى كل شيء، ولاسيما على الموت.. كان يجب أن يقضوا في بيوتهم مدة اطول كثيرا قبل الذهاب الى مكان أقل كثيرا من هذه العسكرية. فجلبوا عنوة وأجبروا أن يقبلوه واقعا.

 هم :(قاسم قيطاز) و(فلاح عباس) و(عماد رسول) و(نجم طاهر) و(اسماعيل ولي) هذا ما أذكر من اسمائهم. التحقوا من التجانيد مع مواليدهم  1985 الى مركز تدريب تكريت، وفي المركز التدريبي تعارفوا وجمعتهم مودة كبيرة، فكانت صداقتهم مشهورة يتداولها الجنود، وبعد التدريب وزعوهم على الالوية والقطعات، وبقيت بينهم صلات ولقاءات في الجيش او عند الاجازة.

 كان عماد يقهقه عاليا ويمزح بصوت مرتفع يسمعه كل المعسكر، وكثيرا ما طلب الضابط احضاره وثم معاقبته ولكنه قليلا ما كان يرتدع فتلك عادته حتى في المدنية. بعدها نقل عماد واسماعيل الى منطقة (ميدان) وهناك عرفتهم وعرفنا سيد وهاب أو العريف وهاب. وميدان قريبة من جبلين عملاقين متقابلين هما (بمو) و(خوشك) وبينهما (فتحة سرتك) التي تقود الى الجبهة الشمالية، وفد حفرت بالديناميت. وبعد أيام الدورة وزعونا، فصرت أنا ومجموعة من الجنود على جبل بمو، وصار عماد واسماعيل ومجموعة معهم على جبل خوشك.

 كان جبل خوشك وعراً جدا ليس فيه الا طريق واحد ضيق للصعود، ويستغرق صعوده ست ساعات اذا يحمل الجندي سلاحه الشخصي فقط (البندقية وجعبة العتاد)، اما اذا حمل الماء والارزاق فقد يستغرق نهارا كاملا. وهو ما كان يحدث، لان وعورة الجبل لم تسمح بالنقل على الحيوانات. جربوا البغل فانتحر؛ وكانت البغال (عزيزة النفس) اذا حملوا عليها فوق طاقتها ترمي نفسها من الجبل، اما الحمير فلا تنتحر، ولكنها ليس لها طاقة البغال، وقد استعملوا أكثر من حمار فمات، ولم يعد الا حمل الماء والارزاق يدويا.

أما بمو فهو، وان كان صعوده بست ساعات ايضا، أقل وعورة من  خوشك، لذا فتحوا عليه طريقا دائريا بالديناميت يصعد الى قمته، وكان يُصعد اليه بـ(التركترات) سابقا حتى انقلب احدها ومات من عليه، فتركوها واستعملوا البغال والحمير فقط. وقد مارستُ الصعود والنزول كثيرا على بمو. ولم نكن نستعمل القدم كلها، بل نستخدم عند الصعود مشط واصابع القدم فقط، وعند النزول كعب القدم فقط، وهذا يزيد من المشقة.

 حين صعدتُ على قمة جبل بمو فوجئت أن أرضه مستوية وليست مدببة كما تبدو من الاسفل، كانت مفتوحة على مد البصر، وفيها تضاريس مختلفة: وديان عميقة، وهضاب وتلال مرتفعة، وجبال أعلى منها. وشاهدتُ صخورا ملونة خلابة، واشجار البلوط العملاقة وكانت رخوة سهلة الكسر، فحين صعدت على احد اغصانها الضخمة انكسر وهوى بي، وشاهدت اشجار السماق، وأشجار الجوز، واشجار الچقچق التي يشقون لحاءها فتقطر مادة (علك الماء = علچ ماي) واشجار الحمضيات والزعرور وغيرها، فضلا عن نباتات البطنج والريحان والادغال والحشائش. وشاهدت البوم، ورأيت سهام الدعلج على الارض، يبدو ان عدوا هاجمه فرماه بها، ولاول مرة ارى أفاعي حمراء وخضراء وسوداء، ورأيت حشرة الحُباحُب (المضيئة). وشاهدت الغزلان، والورل (الأرول)، وبدا قطيع من الخنازير يعدو امامي فرميت عليه شاجورا كاملا فكانت تتقافز واصبت بعضها ولكنها لم تسقط، قيل انها تحتمي بطبقة شحم تحول دون قتلها ولا تموت الا اذا رميت في منطقة الرأس، وقالوا احذر من (القصير) فهو يظهر كثيرا، يقصدون (الذئب). فأحسست بالانفكاك والانعتاق من قيود العسكرية ولو مؤقتا، وتملكني سحر المكان فصرت أمشي وأعدو وأركض وكأني اليسا في بلاد العجائب.

 ولكن نغَّص كل فرحتي المؤقتة أو الزائفة خبر مؤلم من اصدقائنا الذين صعدوا على جبل خوشك. فقد قتل عماد صديقه الحميم اسماعيل بالخطأ.  كان عماد مع مجموعة من الجنود يصعدون إلى أعلى الجبل، وكان إسماعيل قد وصل القمة قبله. وحينما وصل عماد إلى القمة أراد الجلوس من فرط التعب، وكانت الملاجئ تبنى منخفضة حيث يحفر لها مقدار متر او يزيد في الأرض لتكون أوطأ من الساتر، وهكذا جلس عماد على الملجأ بينما كان يجلس أمامه على ارتفاع يوازي ارتفاع الملجأ جنود سبقوه في الوصول ومنهم إسماعيل. فجلس عماد على بندقية مفتوحة الأمان، فصارت أصابع يده اليمنى على الزناد، فانطلقت أربع رصاصات لتضرب إسماعيل: واحدة في حنكه وواحدة في جبينه واثنتان في صدره.

 وحين وجد عماد صديقه وهو يسبح بالدم الفائر وجروحه الفاغرة تشخب، ثم دقائق وأسلم الروح لبارئها، حاول الانتحار بإلقاء نفسه من أعلى الجبل فامسكوا به.  بعدها قدم الى محكمة عسكرية حكمت عليه بالسجن ستة اشهر يقضيها داخل الفوج ويمنع من الاجازات، لعدم قصديته. وقد عايشته في محكوميته، كانت فيه بقايا هستيريا، ويتهرب من الكلام في الحادث، ولكنه لم يعد يقهقه كعادته ولا يمزح بصوت عال.

 في (كفري) التقيت العريف وهاب مجددا، ونقل الينا بقية (الاصدقاء الصغار)  قاسم قيطاز وفلاح عباس ونجم طاهر. جمعتنا عشرة طيبة. وعلى الرغم من ان العريف وهاب من اهل الكوت الا ان علاقتي به كانت سطحية. حتى تشاجر معه ضابط السرية، عندها قال لي سأعطي اسمك شاهدا، لان القانون مع الضابط، ولا يدافع عني الا (ابن ولايتي) وقد دافعت عنه في المحكمة العسكرية ولكن ظهر الحكم لصالح الضابط.

 كان الجنود مذعنين يساقون الى حيث يؤمرون، وكأنهم قطع شطرنج يلهو بها لاعبون بكل قبول استسلام، ويعاقبون بشدة واهانة على أخطاء عسكرية تافهة. والمفروض ان جنودا يبذلون ارواحهم يعاملون بكل احترام، وتكون لهم شخصية قوية. كان الجنود يخافون من الضباط والانضباطية خوفا نهائيا بحيث لو ان ضابطا او انضباطيا سحب جنديا لراح معه الجندي الى حيث يريد بلا مقاومة، كما يطيع الخروف الذئب حين يعضه ويركض به حيث يريد.

 كنا ذاهبين في كوستر بإجازة دورية، فصعد الانضباطي وقال بصوت خشن (شنو أنتو.. وين رايحين؟) فأجاب الجميع بصوت ضعيف مستخذٍ (مجازين). فتخيلت - انسجاما مع حالة الضعف وجرس لفظة مجازين- انهم قالوا (عجايز) ورحت في نفسي اصوغ على وزن اغنية فيروز (شتي يا دنيي تيزيد موسمنا ويحلى / وتدفق مي وزرع جديد بحقلتنا يعلى) كلمات تناسب الحالة هي (عجّوزه بنت العجايز گاعدة ومتعجزه/ عجّزوها وسميعده همين انطوها) واقصد بالسميعده المساعدة التي تعطى للجندي يوما او يومين على اجازته الاعتيادية وهي سبعة ايام.

 في الجيش تتعرف الى اصدقاء وتجمعك معهم صداقة ومودة ثم تنقل الى مكان آخر فتتركهم الى غيرهم، فالعسكري لا يعرف الاستقرار. وهكذا تشتت شملنا. وفي مقر السرية رأيت فلاح مسجونا، وحين سألته عن السبب قال تشاجر معي العريف لأني استلمت (القصعة) ولم استلم الصحف، فجن جنونه لانه شغوف بالصحف لا يهمه منها الا الصفحة الاخيرة لان فيها صور فنانات وبنات. وعرفني الى صديق تعرف اليه في السجن يسمونه (ايگزي) وهو تجميع من (Eggs = بيض) وياء النسب، لانه يشبه كتكوت خرج من البيضة توا.

 (قاسم قيطاز) كان موتورا من الدولة؛ فقد اعدم أبوه واخوته. قال: (في كفري لا أهتم فانا استحم في السوق وآكل زهمول گيمر وأنام بقية الوقت) يقصد ان كفري وتوابعها ليست في الجبهة، ولكن تقع عليها غارات البشمرگة بين الحين والاخر، (اما اذا ارسلت الى الجبهة فلن اقاتل). وكما توقع طلعت له نقلة الى الجبهة في الشلامجة فأعلن ما كان يخفي.

 عند حلاق الوحدة (وكان مكانه مكتظا دائما بالجنود) جاهر بالقول وقال (لن اقاتل من اجل مع أعدم عائلتي) انه صار على محك مع الموت الطوعي من اجل من امات اهله، ولم يعد السكوت مجديا. فوشى به الحلاق. وفي غرة يوم قبل طلوع الشمس جاءت مجموعة من بغداد وكبلت يديه بالجامعة واخذته. بعد ذلك صار الجنود لا يذهبون الى غرفة الحلاق. وبمرور الوقت أحس الحلاق بالعزلة وانه منبوذ من الجميع، وفي احدى الصباحات سمعت طلقة مخنوقة من غرفة الحلاق، فهرعنا الى غرفته فوجدناه مضرجا بدمائه وقد وضع البندقة على صدره واطلق منها رصاصة... أما قاسم فلم يعد أبدا.

 ونجم، وهو من البصرة، كان ذا خيلاء وزهو على اتفه الاشياء. فقد أخذ بالملابس العسكرية فيكات ووضعيات صور مختلفة وكأنه شخصية مشهورة. ودخل دورة اتصالات ليصبح مخابرا لانه يعجبه أن يحمل على ظهره جهاز المخابرة ويضع في اذنه السماعات ويمسك الحاكية بيده بتظاهر وتفاخر. وحدثني مرة عن نفسه فقال انه من عائلة فقيرة وانه يتقاضى مخصصات مخابرة (40 دينار) ويقرأ (أربِعين) بكسر الباء، وانه يوميا بسهر الى الصباح او كما يصف نفسه (حيوم قيوم).

وفلاح، وهو سيد ياسري، كان طويل القامة يسكنه الخوف لصغره وقلة تجربته. نجح من السادس الاعدادي بمعدل قليل، ليس ذنبه، بل ان الدولة في سنوات الحرب كانت تصعّب الاسئلة وترفع معدلات القبول لزج الطلبة في اتون الجندية والحرب. كنا وقافين أنا وهو قرب برج طيور نتحدث في هدوء الليل، وفجأة دخل كلب حقل الالغام، كنت اراقبه بعيني وخشيت ان يضرب لغما فينفجر، وبالفعل ضرب اللغم وحين انفجر ودوى صوت الانفجار لم اسمع الا صيحة استغاثة (يمه) وحين بحثت عن فلاح لم اجده، فعجبت أين اختفى بعد انفجار اللغم. وبعد قليل خرج فلاح من برج الطيور وهو يقول (هذا لغم).

 كان فلاح ونجم لا يتفارقان، ويذكران دائما أصدقاءهما الثلاثة: عماد فُقِدَ في قاطع البصرة، واسماعيل قتل، وقاسم أعدم حتما. وزج فلاح في دورة اسناد (مقاومة الطيارات) على سلاح الرباعية (لها اربع سبطانات) والشلگه  (سبطانتان) والاحادية (سبطانة واحدة) وكنتُ معه في الدورة. كانت حياة المعسكر في الدورة قاسية، والضباط قساة، فقد اجبروا الجنود على المبيت على (اليطغ فقط) وهو قطعة نايلون غير سميكة، قالوا الغرض تعويدكم على الحياة الصعبة! ويصيحون على الجندي (قشمر).

كان الجنود متذمرين من الدورة يتمنون ان تنتهي عدا جنديا واحدا اسمه رعد من الكاظمية قال (أعد هذه الدورة فرصة للحياة والنجاة) وتمنى ان تطول أو لا تنتهي! قال (أنا في قاطع ديالي في (عارضة سانوبة) وهي خطرة جدا، ففي ايام الهجومات تأكل يوميا (500 شهيد) في الاقل، ولا ينقطع سيل الدم حتى في الاوقات الاعتيادية).

 بعد الرجوع من الدورة بمدة قصيرة أبلغ امر الوحدة فلاح بأنه منقول الى عارضة سانوبة!! نزل هذا الخبر عليه كالصاعقة، وخاف جدا لاسيما ان عارضة سانوبة تخوض غمار هجوم!. وهنا أقنعه صديقه نجم بضرورة التشجع فدخول المعركة لا يعني الموت الحتمي، ولا يخيفك ما سمعت من تهويلات عن سانوبة,, هي جبهة كالجبهات. واضاف: (اذا كنت خائفا فأنا سأتطوع للنقل لاجيء معك وأعلمك كيف تواجه الحرب بالتحدي والاستهزاء)! كان فلاح يطمئِن نفسه ويتقوى بصديقه المغرور، وغاب عنه انه مقاتل وصديقه مخابر فحتما سيفترقان في ساحة المعركة.

 ذهبا معا، ووصلا الخلفيات معا. في الخلفيات كانت ملاجئ الجنود كانها جحور من الضيق، واصوات قذائف المدفعية والاسلحة الثقيلة الاخرى لا تنقطع، وحين تنزل القذيفة ترجّ الارض تحت الاقدام رجَّا. كان فلاح ممسكا ببندقيته والفوهة الى الاسفل|، وكلما نزلت قذيفة ودوت يضغط فلاح لا اراديا على الزناد فتثور طلقة من بندقيته فيصيح مذعورا (هاي شنو) فقال له أحد الجنود (اضبط نفسك.. لو تروح للمتقدم شلون)؟؟

 حين أركبا ناقلات الاشخاص تفرقا هناك. قال فلاح لنجم (راح اهرب) قال له نجم (وكيف تهرب)؟ قال (سآخذ شهيدا الى اهله ولا أعود) قال نجم سيلاحقونك، وتؤذي أهلك واخيرا يصيدونك كالفأر ويقتلونك.

 ما يخص فلاح، تقدم مع مجموعة من الجنود الى الامام، وكان الرمي يخبط خبط عشواء فيمشي الحي ويسقط الميت بين الصياح والانين. كانت يد فلاح ترتعش خوفا مما جعله (يخرط) مجموعة من اصحابه دون قصد فجرحهم. عندها سحب الى الخلفيات، ولانه لا يقصد لم يحكموه بل ادخلوه دورات تأهيلية.

 وهناك تعرف الى العريف (طرخوم مايع مهلس) وهو قروي قال له: (فقط عندما لبست في الجيش عرفت البنطرون). كان طرخوم يائسا لذا كان يقتل الوقت بالنوم، وكلما أراد ان ينام يقول جملة حفظها الجميع (اللي ما بيه خير نومه اَخَير)، وعندما يجلس على الساتر في الواجب (يگمبص) وهو نصف نائم وكأنه ديك هرم ينتظر الفجر حتى (يعوعي). ومرة وهم مجتمعون على القصعة سأل احدهم صديقا له هل تعرف  (فلان) قال لا، فوصفه له فلم يعرفه، ثم زاد في التوصيف فتذكره مع صوت (أووووووو) فاندفع طرخوم صائحا به بغضب (عويت بباب اهلك). وانفض المجلس ركضا على (ربدة قذيفة). صار فلاح يفكر بحدية في الهروب، والحقيقة ان طرخوم هو الذي زرع فكرة الهروب في رأسه.

انتهى الهجوم وتنفس الجنود بعض الراحة، والتقى الصديقان نجم وفلاح. كان يبدو على نجم زهو النصر وابهة الظفر، مذكرا صاحبه بما قاله له (أن دخول الحرب ليس يعني الموت)، و(الجبان يموت والشجاع لا يموت)، واشياء اخرى ذكرها نجم لم تقنع فلاح، فالهروب صار قراره المؤكد وهو ينتظر أن تسمح الفرصة فقط.

 وجاء الهجوم، كان عاصفا هذه المرة، ماطرا بالموت والنار، لم تكد نقطة واحدة في الارض لم تصبها رصاصة او شظية. كان فلاح يتحين الفرصة فوجدها في شهيد حمله الى اهله ولم يعد بعدها. لم يحسده الجنود على خلاصه لانه ترك خطرا واحدا ليواجه اخطارا كثيرة، وترك نوعا من الموت ليواجه انواعا كثيرة محتملة. ولم يعرف نجم ان صديقه فعلها وهرب لانهما لم يلتقيا بعدها ولا سمع خبر صديقه الهارب من احد.

 أما نجم فكان يخابر فوق المدرعة فأصابته شظايا كثيرة في جسده فسقط ارضا. عندها استيقظ هاجس او احتمال الموت القوي لديه، لم يقلقه الدم الذي أخذه والجروح الفاغرة الشاخبة بل خاف أن يموت. وعن شهود عيان أنه (مات وهو يبكي).

***

د. محمد تقي جون

في المثقف اليوم