أقلام فكرية

محمد يونس محمد: ما بعد نظرية الإنسان.. في سيرورة المحنة

إذا كانت الحداثة بمجمل آفاقها كانت تضيع قيمة الإنسان أولا، وهو مركز وجود العالم، وأيضا هرمية الوجود البشري، وهو مثال الأخلاق العامة، على الرغم من  بعض الحيوانات قامت تنافسه، ومن مثل الكلب في الوفاء، بل أصبحت الفقمة تسألين الصغار والكبار أيضا، ونحن استثنينا الحيوانات الشرسة، والتي بعضها في السيرك يكون يمثل ويلعب أيضا، وتلك القيمة التي قد مثلها الإنسان كدور فاعل في روح الحياة ومظهرها، وكانت الحياة فيها نوع من الأمل، والأمثلة الإنسانية كثيرة، والكل يقف احتراما لها، وتلك الفلسفة المكتسبة من الفلسفة القديمة، حيث اعتبر الفرد البشري حيوانا متكلما، ولم تقل الفلسفة يمتلك عقلا راقيا في ظروفها واعتبرت أن الكلام وسيلة عقلية، وفي هذا الجانب تجاوز البشر الصفة الحيوانية، وبالتدريج صار يكتسب الصفة الإنسانية، ووقف كثيرا يدافع عنه، وفي الثقافة اهتم بها من خلال الفن والأدب، واجتماعيا يدعمها ويشير لأي فعل إنساني، لكن الحداثة عندما وصلت أقصى آفاقها، والذي هو آخر عصر للحداثة، وقد سبقت بعض الموضات التي تمثل عصر ما بعد الحداثة عصرها، وقد أثرت تلك الموضات في جعل فكرة الإنسان أن تخرج من إطارها للتحول إلى إطار آخر، والإطارية لا نقصدها بنفسها، بل في تمثيل جوهري، وصراحة اثرت تلك الموضات في اطر شخصية، وليس في الافق العام، والذي هو مثال، ولا وجود لشخصية تمثله بشكل كامل، والتغير لا بد من أن  يؤثر على المبدئية الإنسانية المتعددة، والتي تشابه الافق الغيبي، لكن هي اطارها بشري، ولم تتمكن الحداثة بذلك حفظ المعنى الإنساني، وتشابه المعنى بالأفق الغيبي جعل الحداثة عاجزة بشكل نوعي.

هل نقر بأن المعنى الإنساني اختفى تماما في عصر ما بعد الحداثة وزال مفهومه، واعتقد رضينا أو لا نرضى الأمر أصبح بصيغة مختلفة كثيرا، ففقد الفرد البشرية الهرمية التي كانت تميزه، وأيضا فرضت الظروف الجديدة عليه التخلي عن مركزه والذي هيمنت عليه الأشياء والحاجات، وصارت هي البديل للفرد البشري، حيث إن العالم اختلف بعدما كان عالم الإنسان أصبح عالم الحجات والأشياء، والحاجات نفسه تغيرت بعدما امتد إليها أفق العولمة، وصارت الشركات مثال الإنتاج بدلا من الدول الأساس التي كانت صيرورة الإنتاج فيها، وإذا فقد الفرد البشري قد فقد هرميته، وأصبح موقعه كمركز للوجود يخلو منه، والحاجات هي التي تقوم نيابة عنه، واستبدال البشر بالحاجة هو بحد ذاته أمر مهين، لكنه قد تحقق وبسهولة نستدل عليه، والحاجة إذا تكون ليس توازي قيمة الإنسان، بل أصبح الإنسان أدنى منها قيمة، فالحياة أصبحت بصورة مختلفة، وصراحة هناك آثار سلبية عاشتها الحداثة، وهي أصلا ضد المعنى الإنساني، فجريمة قتل حيوانات برية تسمى رياضة، فذلك الامر مثير للأسى، والطبيعة المنعدمة اخلاقيا في هكذا نوع – رياضة-، التي (مقبولة شعبيا يبرهن على الصفة الفطرية للذة في القتل يقدم شهادة على الموقف الساذج الى حد كبير في السلوك الاجتماعي)1، وطبعا تنحدر القيم الإنسانية الى ادنى الحدود، اذا يعتبر ذلك القتل اللذيذ رياضة، ولا يعتبر جريمة اخلاقية تتنافى تماما مع اصول اخلاقيات المجتمع، وتتنافى مع القوانين والاعراف في حماية الحيوان، وكان الاجدى أن يكون بدلا من حماية الحيوان من الانقراض، أن يقدم معنى حماية الحيوانات من القتل، وبالرغم من قيام  بعض الدول بتنفيذ حمالات نسبية لمنع صيد الحيوانات، والامر يقودنا الى ما اخزى واكثر الما، حيث اليوم البشر يقتل البشر بدم بارد لوجود اختلاف ايدولوجيات سياسية او دينية.

من الطبيعي أن نؤمن بوحشية الحرب، وندرك أن الحرب آفة مشوهة لا تبرد نارها حتى لو استعلت نار الألم البشري بين الجنبات، وتصرخ الحياة مستغيثة أن تتوقف وتهمد نيرانها، لكن الدول نتتبع خيط الأيدولوجيات لوجدناه فتيلا وليس بنسيج أفكار مقبولة في الأفق العام، فالسياسة صراحة جحيم لا يحتاج إلى عود ثقاب في وجه الانفعالات السياسية، وأخط ما يكون من تأثيرات لذلك الجحيم البارد أحيانا هي اختراقه لبنية المجتمع الطبيعي، وصراحة تفسير مدى خطورة ذلك ليس بالسهل، لكن كمن يضع في قنينة عسل أحد السموم، فالمجتمع الطبيعي أولا هناك فطرة عامة تلزمه، وثانيا هناك قانون اجتماعي يفرض عليه الالتزام به، وثالثا هناك أعراف عامة تمنع المجتمع الطبيعي من الانهيار، وتلك أركان المجتمع العام أو الطبيعي، وإذا انهار أحدها تأثرت الأخرى بشكل بالغ، والحمية البشرية هي فطرية وليست كما الحمية السياسية فهي ملوثة، وهذا الاختلاف لا بد من أن  يستمر ولا يتوقف، فهو إحدى سمات عزل سبيل أمثل إنسانيا عن سبيل التلوث والاستغلال والهدم، فتداخل المتناقضات يعني أن يكون المعنى الإنساني استغل ببشاعة ووضاعة، أو هدمت مقوماته الأصيلة الحيوية في عدة وجوه إنسانية، والتي بوجودها تقل آفاق العنف وتنخفض نسبة تضخم الذات، وينحدر انفعال النفس البشرية السلبي حتى الحدود التي يمكن من خلالها يكون البشر بصفاء روحي مقبول، فيما العكس يعني أن العامل الإنساني في خطر، والحياة لا تحتمل إلا التوافق والتالف والمحبة الصافية والعرفان والإيثار، ومن دون ذلك تكون في حساسية شديدة، وتجد هناك ركنا سينهدم، وحتى لو كان في شخصي فنحن لا نرضى أو نقبل بانهياره، فالفرد مثال للحياة، وهو شبكة من علاقات متعددة، وجميعها ستتأثر طبعا، ونحن كما نراهن على المعنى العام، كذلك نهتم بأفق خاص، فذلك الأفق الخاص عبارة عن شبكة علاقات متعددة المعنى، ولا يمكن أن نجزم بأن المعنى الإنساني مفقود كلي في مجمل العلاقات ولا اثر له، ولا بد من أن نتجاوز فكرة العام والخاص في تفسيرنا.

العالم الواسع المترامي في أفقه العام إلى أقصى الحدود من التضاريس كان في التفسير الموضوعي للوضع النفسي بين الإيجاب أو على العكس، ولكن هناك نموا للعامل الإنساني في بعض الحالات، فشخصي قريب إلى نفسك قصي وبعيد يحضر وتلتقي به، من الطبيعي هنا يرتفع المؤشر الإنساني، وهذا ما يعزز في النفس الراحة النفسية، ومن الطبيعي أيضا المسافر بالقطار أو بالحافلة يشعر بأناسه حين يواجه الطبيعة الجذابة بصريا، والنفس البشرية تشعر براحة كبيرة تعزز جوهرها الإنساني، وأما في إطار ما بعد الحداثة فقد تغيرت الأمور فقد أصبح ذلك العالم المترامي قرية عصرية، وصار من خلال التطورات الإلكترونية الهائلة التحول من أفق المشاهدة العضوية إلى مشاهدة مرئية، وطبعا لسنا مع الوضع السابق للبشرية وأيضا لسنا ضد الوضع الحالي، بل نحن نهدف إلى عرض وتحلي كل وضع وما هي امتيازاته وسماته وأثره، وصراحة محنة الإنسان أصبحت واسعة جدا، وهي ببعد شخصي، وأما في البعد العام فقد تختلف الفكرة فكريا، فالبعد العام هو بعد مفهومي وهو صراحة بلا معيارية محددة، ويتبدل حسب الموافق التي تمثل المفهوم في سلوكيات لا يمكنها رسم المفهوم بدقة، وذلك احد الاشكالات التي وقفنا عليه، ففي تفسيرنا الموضوعي ليس لدينا تأكيد على وجود توافق كلي بين المفهوم واثره في الواقع، والحياة هي بدورها تختلف من معنى الى اخر ايضا، وليس من الممكن تحديد المفهوم ولا حتى اثره في الواقع ايضا.

***

محمد يونس محمد

..................

1- تشريح التدميرية البشرية، أريك فروم، ترجمة محمود منقذ الهاشمي، منشورات أفكار، ص 221

في المثقف اليوم