أقلام فكرية

رونالد ارنسون: الماركسية الوجودية في فكر سارتر (2-1)

بقلم: رونالد ارنسون

ترجمة: علي حمدان

***

بعد ما يقرب من أربعين عاما من وفاته في عام 1980، الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر يعرف بانه رائدا للفلسفة الوجودية، معروف اكثر على انه فيلسوف الحرية والاصالة "وسوء النية" Bad Faith  في المؤلفات الفلسفية مثل "الوجود والعدم"(1943) والاعمال الأدبية "كالغثيان" (1938) "ولا مخرج" (1944). تطغى هذه الاصدارات المعروفة على انتاجه الرائع من اعماله الجادة وخاصة ثمرة نشاطه السياسي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى وفاته، فترة تتسم بالانخراط الثري والمستدام مع الماركسية.

يعمق عمل سارتر فهمنا لكيفية ممارسة الفعل في ظل ظروف لا نتحكم فيها.

 ان اللقاء في منتصف القرن بين الماركسية والوجودية لايزال حيويا اليوم. بينما نبحث عن اتجاهات سياسية وفلسفية في هذا الوقت عندما تتجدد الدعوات لبديل اشتراكي للرأسمالية. فان جهود ما بعد الحرب للجمع بين الماركسية والوجودية لديها الكثير لتعلمنا إياه- ليس فقط بسبب الأهمية المستمرة لكل نمط من أنماط التفكير للعمل السياسي والتنظيمي. ولكن أيضا لان تفاعلهم في عمل سارتر يعمق فهمنا لكيفية ممارسة النضال في ظل ظروف لا نتحكم فيها.

الوجودية الماركسية

بدا سارتر الشاب اللامع النشر عام 1936  في سن الحادية والثلاثين. وعلى مدى العقد التالي، اصدر مجموعة من الاعمال السيكولوجية والفلسفية والأدبية الرائدة وطور علاقات عمل قوية مع المثقفين الباريسيين الشباب الاخرين مثل سيمون دي بوفوار ( التي ستصبح شريكته مدى الحياة) وموريس ميرلو بونتي. في البداية اظهر القليل من الاهتمام النظري بالنشاط السياسي والماركسية. بدلا من ذلك انجذب بشغف الى الأفلام والروايات الأمريكية، واخذ اتجاهاته النظرية من الفلاسفة الظواهريين الالمان ادموند هوسرل ومارتن هايدجر. تكشف اعماله في هذا الوقت عن مفكر شاب مصمم على إيجاد طريقه الخاص، لخلق نهجه الفريد للعالم.

نشأت وجودية سارتر المبكرة – تأكيدا على العبثية والحرية والمسؤولية – من الفردية التي بدت وكأنها لا تترك مجالا كبيرا للتحليل الاجتماعي او أهمية للتاريخ او العمل الاجتماعي. لم يبدا سارتر في العثور على اتجاهاته الاجتماعية حتى منتصف اربعينات القرن العشرين بفضل تأثيرين متناقضين: صديقه الجديد البير كامو، ولقاء مع الأفكار والمفاهيم الماركسية. استعرض سارتر كتاب كامو " الغريب " و"اسطورة سيزيف" بعد وقت قصير من نشرهما في عام 1942، والتقى كامو في بروفة مسرحية الذباب في باريس عام  1943، بعد ذلك بوقت قصير اصبح كامو محررا ل Combat، الصحيفة السرية لواحدة من اكبر حركات المقاومة الفرنسية. بعد تحرير فرنسا في صيف عام 1944، خاض كامو معركة في افتتاحياته القتالية مع ماركسية الحزب الشيوعي. تبلور الكثير من تطور سارتر بعد الحرب بوعي ذاتي ضد هذه الانتقادات- وبعد سنوات شكل ماركسيته الوجودية غير الشيوعية.

كان اكتشاف سارتر للالتزام السياسي والاشتراكية والماركسية هو الذي مكنه من الابتعاد عن المآزق المزدوجة التي خلدها في مبادئه " الجحيم هو الاخرون" " لا مخرج" و "الانسان شغف عديم الفائدة" (الوجود والعدم). عندما ولج العالم ليعرف ككاتب مقالات سياسية ومسرحي وفيلسوف اجتماعي، فان ذلك كان على صلة بالحركات والتجمعات والأفكار الماركسية.

بعد التحرير اتاح الحديث عن الثورة، ووجود الاتحاد السوفياتي، وحيوية الحضور الضخم للحزب الشيوعي الفرنسي، اعتقد الكثيرون انه مهما كانت الصورة مشوهة وقبيحة فان عالما افضل كان يهم بالبزوغ والتفجر. انشغل سارتر سياسيا وفلسفيا بالماركسية، وظل كذلك لمدة ثلاثة ارباع حياته المنتجة.

الى ان تنصف الماركسية الفرد، كما ادعى سارتر، فان الوجودية ستستمر كفلسفة شبه مستقلة.

يمكن العثور على لمحة عن هذا الاهتمام المتزايد بالماركسية في مقالات سارتر في الصحف الفرنسية وقت زيارته للولايات المتحدة في عام  1945، في هذه المقالات غير المعروفة في الولايات المتحدة حتى عام 2001 ولم يعاد نشرها بالفرنسية، استخدم لأول مرة مصطلحات ماركسية لشرح المجتمع الأمريكي وطبقته العاملة. وشدد ان العمال الأمريكيين" ليسوا بروليتاريين بعد" لانهم "سجنوا" بالفردية ويتمتعون بما يبدو "بمساواة واضحة". بعد بضعة اشهر جاء جهد نظري الى حد ما في " المادية والثورة" لتقديم الوجودية كبديل للماركسية الستالينية. لا يظهر هذا المقال أي قراءة لماركس او انجلز- لن تظهر حتى إعادة نشرها في عام 1949 لكنه يستشهد بالمادية الجدلية والتاريخية لستالين (1938). كان هدف سارتر هو استبدال حتمية الماركسية السوفيتية بالدافع الإنساني للتحول والابداع- أي بالحرية كأساس للثورة. وظهر هذا المقال في نفس الوقت تقريبا مع دعوته للكتاب للمشاركة في الادب  السياسي الملتزم.

جاءت جهود اكثر واقعية لإضفاء الطابع الدرامي على موضوع الالتزام الثوري في السناريو الدرامي الشبكة (1946 Mesh ,) ومسرحية الايدي القذرة (1948).  كانت هذه السنوات الأولى من النشاط السياسي لسارتر: في أواخر عام 1947 حيث ساعد في تأسيس الحزب اليساري قصير العمر التجمع الديمقراطي الثوري  RDR))، الذي دعا الى طريق ثالث بين الستالينية في الحزب الشيوعي الفرنسي والاشتراكيين الديمقراطيين الإصلاحيين في الفرع الفرنسي للأممية العمالية. في هذا المناخ المكثف من الفكر والسياسة اليسارية تشكلت مجلة الأزمنة الحديثة Les Temps modernes  كاهم مجلة يسارية مستقلة في فرنسا، مع سارتر كمدير تحريرها وميرلو بونتي كمحرر سياسي لها. جنبا الى جنب ميرلو بونتي، الذي اعتبره معلمه السياسي. استوعب سارتر لغة الماركسية وطرقها في فهم التاريخ والمجتمع. وفي الوقت نفسه ذهب الشيوعيون الى حد وصف الوجودية بأنها "فلسفة دنيئة وتافهة للمرضى". خلال هذه السنوات من المشاركة السياسية المتنامية، نشر سارتر أيضا مقالتين رائدتين عن القمع والمقاومة: معاداة السامية واليهود (1946) و اورفيوس الأسود (1948).

على الرغم من ان سارتر بذل قصارى جهده للتمييز بين الوجودية والماركسية الستالينية، الا ان نقاط الالتقاء المحتملة بين التفكير الماركسي والوجودي كانت واضحة بالفعل في "الوجود والعدم". بعد كل شيء، فان اي قراءة لماركس كانت ستقود سارتر عاجلا او اجلا الى هذه الجملة الشهيرة من برومير الثامن عشر لويس نابليون (1852): "الرجال يصنعون تاريخهم بأنفسهم، لكنهم لا يصنعونه كما يحلوا لهم. انهم لا ينجحون في ظل ظروف مختارة ذاتيا، ولكن في ظل ظروف موجودة بالفعل، معطاة ومنقولة من الماضي".  تم التعبير عن هذه النقطة بشكل فلسفي اكثر في الجزء الثالث من اطروحات ماركس عن فيورباخ (1845)" ان البشر، في الإنتاج الاجتماعي لوجودهم، يدخلون في علاقات محددة، ضرورية، مستقلة عن ارادتهم، وعلاقات الإنتاج هذه تتجاوب مع درجة معينة من التطور المقرر لقواهم المنتجة المادية، ومجموع علاقات الإنتاج هذه يشكل الأساس الواقعي الذي يرتفع عليه بنيان فوقي حقوقي وسياسي والذي تتجاوب معه اشكال محددة من الوعي الاجتماعي". توضح هذه الفقرة ان ماركس فهم الفعل البشري على انه تقرير ذاتي في الأساس، حتى لو حدث في ظروف غالبا ما تكون خارجة عن سيطرتنا. (هكذا فان العناصر التي ازعجت سارتر في الماركسية جذورها تكمن في تشويهها الإستاليني).

***

في المثقف اليوم