أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: البحث عن الحقيقة في عصر الفيسبوك

كان مصطلح"ما بعد الحقيقة" post-truth هو"كلمة العام" في معجم اكسفورد لعام 2016. ونظرا للضجة التي أحاطت بهذا المصطلح منذ ذلك الحين، لابد من محاولة إعطاء تقييم  موضوعي ودقيق له. انطوى المصطلح على كل من فوائد وعيوب المبالغة التي تجسدت فيه. فمن جهة، هو يثير الانتباه للتحديات العميقة التي تواجه الميديا الجديدة والديمقراطيات الليبرالية في عالم اليوم. ومن جهة اخرى، انه يجعل الامور تبدو كما لو اننا دخلنا في عالم بائس جديد فيه لم يعد السياسيون يريدون او يحتاجون لقول الحقيقة، حيث الميديا غارقة جدا في "الاخبار الكاذبة" التي لا يثق بها المواطنون.

من السهل تصوّر ان مساعد رئيس الوزراء الاسترالي السابق بارنبي جويس Barnaby Joyce، يرى ان الميديا لم تعد تمتلك الرغبة او الوسيلة لقول الحقيقة، هو أعلن ان الوقت قد حان لتنظيم شركات التواصل  الاجتماعي، اما رئيس الوزراء سكوت موريسن فقد وصف التواصل الاجتماعي بـ "قصر الجبناء" حيث يمكن للناس الذهاب اليه، لكن دون ان يقولوا منْ هم، فيقومون بتحطيم حياة الناس". عندما سمّى المستشار السابق لترامب ستيف بانون Steve Bannon تيار الميديا السائد بـ "حزب المعارضة"، فمن الواضح انه ارادها ان تكون صادقة. مع ذلك، فان السي ان ان والواشنطن بوست ونيويورك تايمز لاتزال في التداول. بانون هو الذي خرج من السلطة. في استراليا ايضا، تستمر اسواق الميديا في التعبير عن الإساءات وكل النواقص التي تؤذي الكائن البشري. غير ان محاولة قول كامل الحقيقة والفشل في ذلك،هو شيء مختلف جدا عن نبذ الحقيقة كليا.

تواجه خدمة الاخبار التقليدية الآن منافسة غير مسبوقة في عصر الانترنيت والتواصل الاجتماعي. الحاجة هي لجذب أكبر عدد من النقرات التي تفضل الإثارة والحزبية على البحوث الجادة والتقارير الهادئة. مع ذلك لا شيء من هذا يجعل قول الحقيقة مستحيلا، وهذا ادّعاء يميل الى الاشخاص الذين يريدون التضليل ونقل أنصاف الحقائق، ويبررون أنفسهم بالقول ان الجميع يفعلون ذلك.

ترامب هو أكبر المعجبين بعبارة "أخبار كاذبة". ومثل هذه التحديات لن تزيل الدور الحيوي لقول الحقيقة في الحفاظ على المجتمعات المنفتحة. على عكس ذلك، المواطنون يحتاجون ليكونوا قادرين لجعل السياسين يتصرفون بإنصاف وانفتاح ومسؤولية عن أعمالهم اكثر من أي وقت مضى، خاصة عندما يرتدون ملابس الإنقاذ. الاستجابة الأخلاقية للمشكلة والايمان بقيمة الافكار هو التحدي الاخلاقي العظيم في زماننا.

فرنسيس باكون و الفيسبوك؟

في بداية الثقافة العلمية الحديثة، طرح الفيلسوف فرنسيس باكون (1626-1561) سلسلة ملاحظات حول الكيفية التي يعمل بها الذهن. تلك الملاحظات بقيت ملائمة لهذا العصر- ما بعد الحقيقة. فمثلا:

"ان الذهن الانساني يشبه المرايا الغير مستوية التي تضفي خصائصها على مختلف الأشياء، التي تنعكس منها أشعة تشوّه الحقيقة. عندما يوضع أي افتراض فان ذهننا يجبر كل شيء آخر لإضافة دعم وتأكيد جديد. بالمقابل، نحن نمر بوقت قاس فيه نقبل أي شيء لا نحبه كثيرا" و "رغم توفّر الكثير من الأدلة الوفيرة والمقنعة لما هو مضاد، مع ذلك نحن اما لا نلاحظ تلك الادلة او نحتقرها، .... احيانا مع تحيزات ضارة وعنيفة بدلا من التضحية باستنتاجاتنا الاولى".

باختصار: "الناس دائما يعتقدون وبسهولة كبيرة ان ما يفضلونه يكون صائبا"، بدلا من ان يكون صائبا صدفة . عندما يأتي باكون لإستخدام "وسيلته الجديدة" للتحقيق، هو يدرّب قرّاءه على أين وكيف يبحثون بنشاط عن الأشياء التي تراوغ وتتحدى وتزعج او تعيد صياغة عقائدهم القائمة. وبهذا يمكنك ان ترى كيف ينظر فرنسيس باكون للفيسبوك.

الفيسبوك تنتج معلوماتك وأفكارك بالارتكاز على اعجاباتك في الماضي. في ضوء خطة الشركة في العمل، انت من المحتمل جدا ان تبقى على المنصة عبر تغذيتك بمواد تسعدك بدلا من ان تتحداك او تعارضك. بكلمة اخرى، تقوم وسائل التواصل الاجتماعي بتعبئة "أصنام العقل البشري" كسلاح لها، والذي من شأنه حسب باكون سيمنع الناس من العثور على الحقيقة. فيسبوك باكون ستختار موادك الإخبارية بالارتكاز على ما يُحتمل انك لا تتفق معها بدلا من التصرف بما يتلائم مع أحكامك المسبقة.

الليبراليون واليساريون يتم تحويلهم الى أصدقاء مخصصين لقرّاء بريتبارت Breitbart(موقع اخبار وآراء وتعليقات اليمين المتطرف الامريكي). وهم بدورهم سيتم تغذيتهم بشبكة اخبار نيويورك تايمز وواشنطن بوست. وهذا ربما يجعل الاستقطاب غير المتحضر والمتسارع في الحياة العامة بطيئا.

وماذا عن مشاركات سبينوزا في الفيسبوك؟

بعد وقت قصير من باكون، برز فيلسوف عملاق آخر وهو سبينوزا(1632-1677). ايضا سبينوزا ميّز بين الطرق التي نُظهر بها تحيزاتنا و"إعجاباتنا" لقبيلتنا والكيفية التي اعتقد ان الناس يجب ان يبحثوا بها عن الحقيقة. لاحظ سبينوزا اننا مخلوقات اجتماعية. كتابه (الأخلاق) يحلل ببراعة الطريقة التي نشعر بها عاطفيا وفكريا باننا لسنا وحيدين. نحن غالبا ما نفعل او نؤمن بالاشياء فقط لأن الآخرين الذين حولنا يفعلون ذلك. اضافة الى ذلك، "كل شخص يحاول قدر الإمكان ان يجعل الآخرين يحبون ما يحبه هو ويكرهون ما يكرهه هو".

في الحقيقة، نحن حين نتغذى بهذا الصدى والانعكاس لمعتقداتنا العاطفية سوف نقفز بسهولة للتعميم حول كل الجماعات، بالارتكاز فقط على ما اذا كنا نحب او لا نحب بعض الاشخاص: "اذا كان الانسان قد تأثر بشكل ممتع او مؤلم من أي شخص ينتمي  لطبقة او امة تختلف عنه، واذا كانت المتعة او الألم ترافقتا مع فكرة الغريب  .. فان الانسان سيشعر بالحب او الكراهية ليس فقط للشخص الغريب وانما ايضا لكل الطبقة او الامة التي ينتمي لها".

الميديا الاجتماعية اليوم تعيش على هذه الخصائص، تشحذ القبلية واللامدنية. لكن سبينوزا يتفق مع باكون بان الطريقة الوحيدة لوقف الكراهية هي ترسيخ وعي الناس بميولهم لإختيار، وتبسيط وفحص المعلومات. نحن لسنا ما بعد الحقيقة. لكن الامر يعتمد على المواطن ليكون حذرا امام الاكاذيب والتشوهات، ويعتمد ايضا على مؤسساتنا التعليمية في المحافظة على بقاء العديد من الموارد وعناصر القوة في تقاليدنا التي يمكن ان تحول دون ان يصبح التطرف حقيقة.

***

 حاتم حميد محسن

......................

* الحلقة الثانية من سلسلة مقالات كتبها مجموعة من الفلاسفة عام 2018 تناقش أكبر تحدّي أخلاقي يواجه العالم في وقتنا الحاضر، The conversation,March12,2018 .

في المثقف اليوم