أقلام حرة

حميد طولست: جرائم النصب والاحتيال!

في المجتمعات التي تتوارى فيها القيم، يختزل الإنسان مسعاه إلى تلبية غرائزه وتامين حاجاته المادية بأكثر الأشكال فجاجه مستعملا النصب والاحتيال الذي عمت جرائمه المؤسفة غالبية المجتمعات البشرية، والتي لم يسلم من أداها مغربنا الحبيب حتى في عز الكوارث والنوائب التي كثرت فيها قصص النصب والاحتلال  التي كان يتمتع غالبية أبطالها بمواهب خاصة للغاية في الخطابة وبلاغة القول، كبعض شيوخ الدين الذي يعملون على إقناع الناس بأنهم كتلة متحركة من الخطايا والذنوب والآلام والحطام ليسوقوهم بعدها كالنعاج إلى حظيرتهم، ليسلخوهم بها، والرقاة الذين يدعون إخراج الجن وإبراء المرضى، أو الدعاة المشعودين الذين يزعمون رؤية الغيب، أو فتيات الهوى اللواتي يوقعن بالرجال، أو غيرهم كثير ممن اتخذوا النصب والاحتيال مهنة للإيقاع بالغفلة والسذج ومتوسطي ومحدودي الذكاء والقابلين للانخداع، الذين يصدقون كل ما يسمعونه أو يتلقونه من الأكاذيب، بطرق وحيل كثيرة وعلى درجة عالية من الإتقان في الخطابة وبلاغة القول، التي يستخدمها المحتال في إقناع من حوله وتغييب قله، ودفعه إلى طاعته، والاستسلام لمطالبه، ليتمكن من الاستيلاء على أمواله أو ممتلكاته،  دون مقاومة وعن طيب خاطر، مستعملا أهم سبل النصب وأخطرها المتمثلة في: إيهام المجني عليه بوجود مشروع كاذب، أو خلق الأمل في ربح وهمي، أو إحداث وقائع مزورة، أو اتخاذ أسماء كاذبة، أو انتحال صفات غير صحيحة،وغيرها كثير من أساليب الاحتيال الصادمة من فرط سذاجة سيناريوهات صورها الكربونية المتكررة في الإيقاع بالضحايا السذج وضعيفي الشخصية ومتوسطي الذكاء ومحدوديه، الذين لم يستفيدوا مما تلقوه من النصوص الحكائية ذات الأبعاد الثقافية والتربوية المشجعة على الفطنة والنباهة وأخذ الحيطة والحذر، والمنبهة من مغبة الغفلة والسذاجة، والتي سمعوا الكثير منها في حكايات التراثية المسلية التي كانت تسرجها الجدات للأطفال، كحكاية "جحا"و"حديدان لحرامي" أو تلك التي تلقوها في المدارس والتي حفظوا بعضها عن ظهر قلب ، ولم يهتموا بما حملته من الحكم والمغازي، كحكاية "الثعلب والغراب "للافونطين  le corbeau et le renard de Jean de la Fontaine  القصة الشهيرة التي أحبها ورددها الأطفال بحماسة اندفاعية عبر العالم ولعدة عقود، والتي تدور أحداثها حول ثعلب ماكر وغراب غافل ينتهي به المطاف إلى فقدان طعامه بسبب سذاجته وتملق الثعلب، والتي استخلصت منها  الحكمة الشهيرة القائلة: Tous flatteur vit aux depens de celui qui l ecoute

والتي صارت مثلا مشهورا ليس في الغرب وحده، والتي تعني أن كل كذاب ودجال ومتملق يعيش على حساب الشخص الذي يستمع إلى كلامه ويثق به.

صحيح أنه يستحيل تجنب جرائم النصب والاحتيال، وأنها واقعة في كل زمان ومكان، وستقع مهما تباكى ضحاياها، ولن تتوقف أو تختفي طالما أن هناك غفلة وسذج يصدقون الأكاذيب وطماعون يهرولون خلف الربح السريع ، ومع ذلك، ودون شك، قد تتعاطف الآراء مع المجني عليه المتضرر من نصب النصابة واحتيال المحتالين، لكنه، في الغالب، لن يسلم من اللوم والعتب، كونه لم يُحسن استعمال عقله، ولم يعد ترتيب أوراقه وتدارك الوضع ويرتد على المحتال والنيل منه.

ويظل واجب الناس الانتباه، حتى لا تُخدع، وتخسر أموالها، وتهدر حقوقها بسبب الغفلة والسذاجة، التي ترفض بعض مصالح الشرطة والنيابة العامة والمحاكم في بعض الدول، تسجل الإبلاغ عنها، لكن لحسن الحظ فغن نفس المصالح في بلادنا، غالبا ما لا تغلق الباب في وجه ضحايا الاحتيال، حتى لا يفلت الجاني من العقاب ويهنأ بجريمته، وربما يتلقى المجني عليهم لوماً وتقريعاً لاذعاً على غفلتهم وسذاجتهم وتصديقهم لما يتلقونه من أكاذيب؟

***

حميد طولست

في المثقف اليوم