المثقف - تقاريروتحقيقات

كريم مرزة الأسدي: أخوانيات وطرائف أشهر شعراء النجف بين 1775 م - 2016م (1)

karem merzaتمهيد: ليس تعصباً، بل تراثاً كبيرا!: ليس بمستغرب، ولا الأمر بحاجة إلى دليل، وما أنا إلا عابر سبيل على مدينة ولدت فيها وأبائي وأجدادي، ونشأتُ ترعرعت فيها حتى شرخ الشباب، وغادرتها منذ 1965م دارساً، مدرساً، إدارياً، تربوياً، وهاجرتها - ووطني الحبيب كلّه - قسراً ومرغماً منذ 1978م، وخلّفت خلفي كلّ شيء من عشرات التشكرات على أوراق صفراء، ومن أهلٍ ومن نسبِ، ومن مالٍ ومن نشبِ، ولم أتزود منه بقرشٍ أبيض، ولا قطرة ماء، سوى أصالتي وعراقتي وعراقيتي وعروبتي ولغتي والتراث، ولم يذكرني لا وطني ولا مدينتي حتى بكلمة طيبة، أو ذكرى حسنة، أو لمسة وفاء، رغم مؤلفاتي الأكاديمية المهمة عن النجف ومدرستها وشعرائها وعباقرتها كـ (تاريخ الحيرة ... الكوفة ... الأطوار المبكرة للنجف الأشرف)، و(نشأة النحو العربي ومسيرته الكوفية ... مقارنة بين النحو البصري والنحو الكوفي)، طبع مرتين، ويوجد - كغيره من مؤلفاتي - في معظم الجامعات العربية ومكتباتها العامة من أغادير حتى البحرين قطراً قطراً ...ناهيك عن عشرات البحوث والمقالات عن أشهر عباقرة العراق وعمالقته، والنجف خاصةً،، بل حتى دواويني الكاملة (قصائد موشحة بحزن العراق)، و(الهاشميات) ما هزّت لهم رقبة، ولا حرّكت فيهم نخوة، ولا استيقظت بهم شهامة، وأنا أتكلم على المستوى (الرشمي) العراقي، وليس على المستوى الشعبي، فلدي قرّاء عراقيون كرام من جميع المحافاظات العراقية دون استثناء، ومن القرّاء العرب على امتداد الساحة العربية، وأنّى كانوا في أقطار العالم، فلم تعد للنشر حدود ولا حواجز ..!!

نعم يبحث هذا (الرشمي) ومن (رشمه) عن العيوب والأخطاء والسهو، وتناسوا أن الكمال لله وحده، ومن كان منكم بلا خطيئة ...، وكفى المرء نبلاً أن تُعد معائبه ...!! أقول قولي هذا كي يعذر من يعذل أن كتاباتي قد تكون لمصالح ذاتية، أو تعصب مني لتعصب لي ...!!

هذا لا يعني أنني سأحرف قلمي عن قول حق تراث مدينتي ووطني وأمتي الأدبي والشعري واللغوي والثقافي، هيهات منّا الصغر واللؤم، حرية الكلمة ديدني، وإنسانية لإنسان غايتي، وقلت ذات يوم ...!!

حرية ُ المرءِ قبلَ الخبز ِ مطلبُها***إنْ أدركَ المرءُ أنَّ الخبزَ سجّانُ

نبلُ الجهودِ بأن نسعى لغايتها*** حتّــى يُقالَ إلى الإنسان ِ(انسانُ)

 

ومن هنا أكرر ما بدأت، ليس بمستغرب، ولا الأمر يحتاج إلى دليل:

وليس يصح في الأفهام شيءٌ ***إذا احتاج النهارُ إلى دليلِ

عندما أقول: إنّ المثلث المتساوي الأضلاع تقريباً، والذي يبلغ طول ضلعه عشرة كيلومترات، وتقع على رؤوسه مدن الحيرة والكوفة والنجف، وأصبحت هذه المدن الثلاثة مدينة واحدة كبيرة - والنجف هي مسنّاة من الأرض لا تصل إليها مياه فيضانات نهر الفرات، والنجف نجفان، نجف الحيرة، ونجف الكوفة، والنجف الحالية هي نجف الكوفة، وكانت تسمى أيضاً، ظهر الكوفة، لأنها أرص مرتفعة جافة، وبطن الكوفة هي الأرض السهلة الرخوة التي تمتد على ضفاف فراتها -.....هو أكثر من أنجب عمالقة الشعر والأدب واللغة والثقافة وأنبغهم على الساحة العربية كلها، كالنابغة والأعشى ولبيد، وحتى عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة اليشكري تحاكما بلسان قبيلتيهما، بكر وتغلب، على ربوعه بين أيدي ملك المناذرة عمرو بن هند،، ومن ثم احتضن الأخطل والكميت وأبا دلامة وأبا العتاهية ومسلم بن الوليد، صريع الغواني، ودعبل الخزاعي، ونسير بك بأبي حنيفة ومدرسة قياسة، والكندي وفلسفته، وابن حيان وكيميائه، وابن الكلبي ونسّابته، وابن أبي النجود والزيات والكسائي وقراءاتهم وأستاذيهم السلمي وزر بن حبيش،وابن خثيم وزهده، والثوري - أمير مؤمنين الحديث - وأبي هشام وتصوّفهما .

وما وقف هؤلاء لوحدهم على ساحته، بل وقف بالمرصاد لهم المغني والشاعر النصراني حنين الحيري، وعارضهم مغنون آخرون، ومغنيات أخريات، بل أصحاب دور للغناء أمثال عبد الله بن هلال (صاحب أبليس !!)، ومما يذكر لما قدم عمر بن أبي ربيعة، شاعر الغزل الإباحي الشهير بدعوة من هذا (الصاحب ...!!) ليستمع لمغنيتين حاذقتين، ما تملك نفسه حتى قال:

يا أهل بابل ما نفستُ عليكمُ ***من عيشكم إلا ثلاث خـــلالِ

ماء الفرات، وطيب ليل باردٍ**وسماع منشدتين لابن هلالِ

 لا تتخيل انتهى أمر هذا اللهو الغنائي الموسيقي في الساحة الآرستقراطية العربية الكوفية عند هذا الحد ...وإنما امتد للمجّان الخلعاء كجماعة مطيع بن أياس ويحيى بن زياد ووالبة الحباب الكوفيين، وعصابة الزنادقة الحمّادين الثلاثة براويتهم وعجردهم وزبرقانهم

 نعود للكسائي والهراء معه ونحوهما، والرؤاسي وصرفه، وابن قتيبة وشعره وشعرائه وإمامته وسياسته، والفراء وثعلب وابن السكيت وابن كيسان وابن الأنباري ونحوهم، وابن الأعرابي ولغته وووو حتى تكلل ذلك كلّه بالمتنبي العظيم، ابن الكوفة الحمراء، وهو أدرى بما مضى:

آتى الزّمان بنوه في شبيبتهِ*** فسرّهم وأتيناه على الهرمِ

 ولكنه ما درى أنّى أتينا الزمان بعد أن مضى هو ساخطاً على هرمه ؟! نحن - يا سيدي - طمُرنا في هدمه...!!

آتى الزّمان بنوه في شبيبتهِ*** فسرّهم وأتيناه على (الهَدَمِ)

مهما يكن تسير الدنيا بنا كما تشتهي هي، لا تبالي بمدحنا ولا ذمّنا، كما يقول هو نفسه في مطلع قصيدته في رثاء جدته:

أَلا لا أَرى الأَحداثَ حَمدًا وَلا ذَمّا *** فَما بَطشُها جَهلاً وَلا كَفُّها حِلما

 نواصل معك مشوار التمهيد قائلاً....

هذا المثلث يخفت طوراً، ويزداد توهجا ً وأدباً وشعراً تارةً، فليس عجيباً ولا غريباً أن يولّد بحر علومه وكاشف غطائه بجعقره الكبير ومحمد حسينه، وحبوبيَّه السعيد والمحمود، وحليّه السيد الجعفر وصافيه الأحمد، وجواهريه الجوهر ومحمد المهدي الشاعر العملاق، وخليليه الجعفر، والشبيبيين بجوادهم الكبير ورضاهم وباقرهم، ومظفريه برضاه وحسينه المحمديَن...، وحكيميه بتقيه العالم وحسنه البروفسورناهيك عن مراجعهم، وصائغيه البروفسور عبد الإله الموسوعي، والشاعر العدنان، ويعقوبيه بخطابته وصندوق صدره، وشرقيه العلي ومخزوميه المهدي، وحصيريه المشرد،، ومحي دينه العبد الرزاق وجمال دينه المصطفى الشاعر، ووائليه بخطابته وشعره، وأسديّه الكريم يرجو رحمة ربه وعفوه، لا من عبده ....!!

نسيت أن أقول لك مثل ما مرّ عليك من العصور القديمة لهذا المثلث ممن تشتهي ويشتهي غيرك من الأفنان ألوانا،ومن الفنون جنونا، ستجد مثله في عصرنا هذا، وعلى أغلب ظني كانت تلك العصور أكثر مجوناً وتهتكاً وزندقة وانفتاحاً ولهواً وزهواً، بل زهداً وتصوّفاً وقراءة وحديثاً وفقهاً من عصرنا هذا، لانفتاح الدولتين الأموية والعباسية من قبلُ على العالم القديم كلّه، فاستقطبت الجواري والغلمان والقيان والتجار والفقهاء والقرّاء والعبّاد، فكانت حواضرها - والكوفة منها - بلدناً للجن والملائكة وما يعبثون ويعبدون ...!!

علينا الآن بعصرنا إذ يقف الجواهري بعريانته وجربينه:

 " اِلطمِيني"إذا مَجُنتُ فعمداً أتحرَّى المجونَ كي تَلْطمِيني

وإذا ما يدي استطالتْ فمِــــــنْ شَعركِ لُطفاً بخُصلةٍ قيِّديني

ما أشدَّ احتياجةِ الشاعر الحسَّاسِ يوماً لسـاعةٍ مِن جنون

 وبحر العلوم الأخير بأين حقه وصرخته:

اللأجل الكون اسعى أنا أم يسعى لأجلي ؟

وإذا كان لكل فيه حقٌ:

أين حقي؟

 والحصيري بتشرده، إذ تهرب من أقدامه الطرقُ...!!

وياس خضر بغنائه وطربه و(تايبين):

تايبين وللمحبه مايرجعنه الحنين

غلطه ودفعنا ثمنها أجمل أيام السنين

غلطه صارت يا خساره ياخساره

ليلكم ضيع نهاره يا نهاره

غلطه مرت وأنتهت

أمّا المؤلفات والموسوعات في الفقه والتاريخ والتراجم وتاريخ الأدب والدواوين والشعر الحسيني وشعر آل البيت والمنطق والفقه المقارن والنحو والبلاغة وعلم العروض والنقد الأدبي والقصة فهي عديدة جدا، لا يمكن حصرها بسهولة.

كلً ما كتبت تمهيداً على سبيل المثال، لا الحصر، فالقلم يجفّ، والورق ينفد، والذهن يشرد، والعقل ينسى، وأكرر قولي: قد يعذر من يعذل، والله غفور رحيم ...!!

عليكم بالحلقة الثانية عن معركتين أدبيتين في عهد المرجع الديني الكبير الشهير السيد محمد مهدي بحر العلوم (1155 - 1212هـ / 1742 1797م)، وهما مسألة التحكيم ومعركة الخميس ...

 

كريم مرزة الأسدي   

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

عذراً للقارئ الكريم : أبائي : آبائي ، المدن الثلاثة : المدن الثلاث .

كريم مرزة الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذي المبجّل كريم مرزة الأسدي
ودّاً ودّا
قرأت هذا الجزء من مقالتك وبصراحة كثيرة هي الأسماء اللامعة وهذا
ما دفعني للمقارنة بين البصرة ومدينتك فوجدت ان مدينتي لا تقل عن
مدينتك في العطاء بل ربما رجح ميزان بصرتنا , (أقول هذا مازحاً )يا استاذي
فجميع هذه الأسماء نجوم في سماء لغة الضاد التي يستظل بأنوارها جميع
الناطقين بالعربية .
من طرائف احمد الصافي النجفي فقد قال يصف مدينته النجف :
فصادرات بلدتي عمائمٌ
وواردات بلدتي جنائز ُ
وهناك ميزة اخرى كبيرة لمدينتك يا استاذي وهي كونها مركزاً لنشر
الكتب وطباعتها فما أكثر الكتب التي صدرت من هذا الصعيد الطاهر .
انتظر الأجزاء الأخرى من مقالتك الغنية بالمعلومة والتاريخ والأدب .
دمت في صحة وبحث وإبداع استاذي العزيز .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العزيز وأخي الكريم الشاعر الناقد المترجم الكبير الأستاذ جمال مصطفى المحترم
السلام عليكم والرحمة
أشكرك جدا على المرور الكريم النبيل الثمين ، عند كتابتي ثلاث حلقات مطولة عن تاريخ البصرة من تمصيرها حتى خرابها في ثورة الزنج 257 ه’ وختمت الحلقات بقصيدة لي عن البصرة ، تناولت معم عباقرة البصرة في العصرين الأموي والعباسي ، لاريب كانت تنافس الكوفة ، ومن ثم امتصت بغداد عباقرتهما ، ولكن أنا لم أتكلم عن الكوفة وحدها ، وإنما عن المثلث الذي تقع ثلاث مدن على رؤوسه ، وهي الحيرة بتراثها وعباقرتها وحضارتها ، والكوفة المدرسة التي نافست البصرة وغلبتها في عصور المنصور والمهدي والرشيد والمأمون والمعتصم ، ثم من بعد النجف وجامعتها التي سبقت حتى جامعة بولونيا في إيطاليا والأزهر الشريف ....النجف والحيرة والكوفة ثلاث مدن عريقة في مدينة واحدة ، وهذا ما قلته عن المثلث ....احتراماتي ومودتي الخالصة .

كريم مرزة الاسدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3731 المصادف: 2016-11-22 01:53:05


Share on Myspace