المثقف - شهادات ومذكرات وشخصيات

شاهد على مأساة وطن (3)

جعفر المهاجرالتعليم والواقع المأساوي: تعتبر المدرسة في أي بلد من بلدان العالم مركز الإشعاع الذي تنطلق منه شتى صنوف المعرفة. وتتباهى بها الأمم التي تريد أن تحتل موقعها تحت الشمس. لأنها المقياس الحقيقي لنهضتها، وصعودها لايتم إلا عن طريقها . وكلما كانت النظم التعليمية مواكبة لروح العصر ساعد في تقدمها وازدهارها . لذا تختار الحكومات التي تسعى للتقدم العلمي والمعرفي والحضاري خيرة الكفاءات التربوية والعلمية للنهوض بأجيالها من خلال جعل المدرسة بيتها الثاني .

وغالبا ماتجعل التعليم إلزاميا حتى تنقذ شعوبها من غمرات الجهل والتخلف.

ومن مدارس العراق وجامعاتها تخرج فطاحل وعمالقة أجلاء تركوا بصمات خالدة في كل المجالات العلمية والثقافية والتربوية، ويشار إليهم بالبنان في كافة أنحاء العالم ولا أريد أن أدخل في قائمة الأسماء التي ستطول. وقد سعت الدول الأجنبية إلى إغراء العديد منهم بتوفير الظروف الملائمة لعيشهم التي لم يجدوها في وطنهم لكي يساهموا في تطوير تلك الدول. واليوم تزخر مدن الغرب بآلاف الكفاءات العراقية التي تعمل في هذه البلدان بعد أن ضاقت بهم سبل العيش بكرامة في وطنهم من قبل حكومات لاتقيم وزنا للعلم والعلماء. وقد حث ديننا الإسلامي على طلب العلم حيث قال الله في محكم كتابه العزيز:

بسم الله الرحمن الرحيم:

قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ-الرعد 16

وقال رسولنا الكريم محمد ص (أطلب العلم من المهد إلى اللحد) وقال الإمام علي ع (من علمني حرفا ملكني عبدا ).

ومن أسعد اللحظات في حياة المربي الذي مارس مهنة التعليم لأعوام طوال حين يلتقي بطلبته الذين كانوا يوما ما أغراسا يانعة على مقاعد الدراسة وقد أصبحوا رجالا وحصلوا على شهادات عالية.وقد شعرت شخصيا بتلك اللحظات السعيدة كلما إلتقيت بأحدهم، وأسمعني كلماته الطيبة النابعة من أعماق وجدانه التي أعتبرها ذخيرتي الكبرى من هذه الحياة.

ومن خلال هذه الحقائق. فلاشك ولا ريب بأن مهنة التعليم تعتبر من أشرف المهن لأنها تتعامل مع كائنات بشرية لها مشاعر وأحاسيس، وتعتبر المدرسة الحقل الذي تنمو فيه أطيب وأجود أنواع الثمار لو توفرت لها التربة الخصبة والرعاية المستمرة. ومن واجب أية حكومة عراقية توعية الناس وحثهم على إرسال أبنائهم إلى المدارس ويقوم المعلمون بواجبهم التربوي والأخلاقي والوطني على أكمل وجه بعد إنصافهم ماديا ومعنويا ،وتهيئة سبل العيش الكريم لهم من قبل حكومتهم.لأن المعلم الحقيقي هو الأب الروحي للطالب .ولابد أن يمتلك قدرا كافيا من العلم في مجال إختصاصه وثقافة عامة تؤهله لأن يكون مربيا ناجحا مقتدرا ملما بالمادة التي يدرسها . ومن أولى مهامه معاملة التلميذ معاملة أبوية راقية تتناسب مع رسالته السامية. لكي يلتصق الطالب بالمدرسة، وينهل من معينها ويتقدم في دراسته ،وبالتالي يساهم مساهمة عملية فعالة في تطور بلده وأمته. يقابل ذلك إدراك أولياء الأمور لدور المعلم بتكوين رابطة إنسانية قوية بينهم وبينه من خلال الزيارات واللقاء المباشر للإطلاع على أوضاع أبنائهم والمساعدة على حل مشاكلهم.

إن أجيالنا هم الدم المتجدد في شرايين الوطن.وهم أمانة في أعناق حكوماتهم التي يجب أن تتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والدينية والوطنية نحوهم بتوفير الكتب المدرسية والأبنية الجيدة،وغيرها من الأمور التي توفر مناخا ملائما لإحداث عملية تربوية ناجحة.

ولكن مما يحز في نفس كل مواطن متابع لسير هذه العملية وخطها البياني يرى نكسات كبرى أخذت تعصف بها لها أول وليس لها آخر بعد أن أصبحت وزارة التربية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي وزارتان خاضعتان لنظام المحاصصة السيئ الصيت وكان من نتيجتها تراجع هذا القطاع تراجعا مخيفا . حيث تردت الخدمات داخل الأبنية المدرسية المتهالكة،وباتت المئات من تلك المدارس مشققة الجدران، وتقبع بين أكوام النفايات ، وجيوش من الحشرات في المدن ، وإهمال للوضع الصحي للطلبة .أما في الريف فحدث ولا حرج فهناك ما يزيد على ألف مدرسة طينية سقوفها متآكلة، ومرافقها الصحية مهملة تماما. وتخلو من أبسط المستلزمات الأساسية. ويفتقر الطلاب إلى الرعاية الطبية، وتنهار بعض صفوفها وغرفها بسبب الأمطار. ولا من مغيث. علاوة على دخول أشخاص طارئون على هذه العملية بعد أن صار همهم الوحيد إقامة الدروس الخصوصية في بيوتهم للحصول على المال الذي توفره طبقة غنية تعيش في بحبوحة من العيش الرغيد، ومستعدة للدفع . أما فقراء الوطن فقد وقعوا بين نارين إما إرسال فلذات أكبادهم إلى المدارس الحكومية التي تدنى فيها التعليم، والتي تفتقر إلى أبسط الخدمات،ويجلس كل ثلاثة طلاب على رحلة متهالكة ووصل العدد إلى أكثر من خمسين طالبا في غرف مظلمة لاتتوفر فيها الشروط الصحية من إنارة وتهوية.ويلجأ الآباء إلى شراء الكتب المدرسية من السوق السوداء في بداية كل عام دراسي أو يضطرون إلى دفع أبنائهم لترك الدراسة وزجهم في أعمال لاتتناسب وأعمارهم لمواجهة الظروف المعيشية الصعبة التي تمر بهم.

ووزارة التربية تختلق دوما المبررات تلو المبررات لهذا التدهور مادام كبار المسؤولين في الدولة يتصارعون من أجل مكاسبهم وامتيازاتهم، ويرسلون أبناءهم إلى المدارس الخاصة التي تكاثر عددها وأصبحت بالآلاف على حساب المدارس الحكومية التي أخذت تتراجع يوما بعد يوم.

يقول أحد التربويين:

(أن أسوأ ما يمكن تخيله هو أن يتحول المدرس في نظر الطالب إلى (رجل أعمال) أو صاحب مشروع اقتصادي يسعى لاستغلاله، بدل تقديم العلم والمعرفة له، مما يفقد العملية التربوية معناها، ويحولها إلى (مشروع استغلال)، أو نصب واحتيال في بعض الأحيان.

وفي ظل هذه الأوضاع المأساوية تسرب الكثير من الأطفال من المدارس الحكومية فتلقفتهم الشوارع ، وضاعوا في لهواتها . ويقدر الخبراء عدد الأطفال المتسربين في العراق بمليوني طفل من بينهم نسبة عالية من الأيتام . ومن المؤكد سيتحول معظمهم إلى معول هدم وتدمير لوطنهم ما لم يتم إنقاذهم من حالة التشرد والضياع. ومما زاد من المأساة تدمير المدارس والجامعات حين غزت داعش الوطن . وحولت ماتبقى منها إلى مراكز لتلقين الفكر الداعشي الظلامي المبني على القتل والحرق والكراهية والتدمير.

إن التعليم في عراق اليوم يشهد أسوأ أيامه في ظل هذه الحكومات بعد أن كثرت المدارس والجامعات الأهلية التي يمتلكها متنفذون في الدولة لايهمهم مصيرالأجيال حتى لو ضاعت.

وكان من المفروض على هذه الحكومات المتعاقبة بعد سقوط صنم الإستبداد عام 2003 وفي ظل الموازنات الضخمة التي مرت أن تسارع إلى بناء مدارس حديثة تتناسب ومكانة العراق الحضارية. ولكن ذهبت تلك الأموال الضخمة إلى جيوب الفاسدين.

لقد وصل التعليم إلى هذا الحال المزري بشهادات من منظمات دولية ولا يدري أحد إلى متى سيستمر هذا التردي الذي عجزت الحكومات المتعاقبة عن معالجته . ترى هل يجد المواطن العراقي في المستقبل المنظور حكومة نزيهة قادمة خارجة من قيود المحاصصات بوجود وزراء وطنيين تكنوقراط ليلتفتوا إلى إنقاذ هذا القطاع الحيوي من واقعه المأساوي بوضع دراسات وبرامج وخطط معمقة مقرونة بالعمل لإصلاح ماأفسده المفسدون؟ والأيام القادمة كفيلة بمعرفة الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

 

جعفر المهاجر.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4273 المصادف: 2018-05-18 05:21:10


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5741 المصادف: الاربعاء 25 - 05 - 2022م