صحيفة المثقف

أثر المكان في صناعة الديكتاتوريه

اياد الزهيريمما لا شك فيه ما كان ويكون للبيئه الجغرافيه من أثر كبير في التكوين الجسدي والنفسي على قاطنها . فعلى سبيل المثال سكان منطقة القوقاز يتميزون جسدياً بالقوه والضخامه، ونفسياً بالشجاعه والقسوه، والميل الحربي، لما يتمتعون به من طباع الفروسيه التي جبلتهم عليها بيئتهم القوقازيه، وهذا ما جعل الخلفاء العثمانيين أن شكلوا منهم ما يسمى بالجيش الأنكشاري، الذي يتمتع أفراده بمهاره قتاليه عاليه، ونزعه وحشيه عاليه، في حين يتميز المواطن البحراني بالجسد المعتدل والنفسيه السمحه والمسالمه. يقول جلبرت (أن الجغرافيه هي فن التعرف على شخصيات الأقاليم...) . فأختلاف البيئه الجغرافيه أنتج أختلاف واضح في الأجناس البشريه . يقول عالم الآثار المصري الدكتور أحمد فخري (لقد أستمدت مصر شخصيتها الحقه من شخصية أرضها ونيلها)، وهذه حقيقه ماثله للعيان فأبن الصحراء برمالها وجفافها، وخلوها من الغطاء النباتي أنتجت أنسان بمواصفات،غير مواصفات أبن بغداد بنهرها وعمرانها ومنتزهاتها ومنتدياتها، فخشونة لهجة أبن الصحراء وطبعه يختلف عن نعومة ودلال أبن بغداد وهكذا، لذى ترى أغلب قادة الجيوش بالوطن العربي هم من أبناء القرى، وأغلب من يقوم بالأنقلابات أيضاً من أبناء الريف لما يمتلكونه من جسارة الطبع والقدره على المخاطره . نحن لا نميل الى التأثير الحتمي للجغرافيه وأنما نميل الى التأثير المتبادل بين البيئه والأنسان، فهناك عوامل أخرى لها تأثيراً لا يقل عن تأثير الجغرافيه، فمثلاً من غير الممكن التعرف على العوامل المشكله والمؤثره في ملامح الشخصيه من غير أن ندرس التاريخ الذي مرت به أمتدادات هذه الشخصيه عبر الزمن، فالأنسان هو ظل التاريخ . فالشخصيه مركب معقد يشترك فيه التاريخي مع الجغرافي، مع البنيه الأجتماعيه، مع البايلوجي، فهي توليفه من كل هذه وتلك.

يقول أستاذ الجغرافيه الدكتور جمال حمدان (فكما النيل ساهم بنشوء الطغيان السياسي في مصر بسبب الحاجه الى دوله مركزيه قويه لما يتطلبه الأمر من قوه طاغيه للسيطره على المنازعات التي سببها توزيع الماء، فيكون لابد من وجود قوه غاشمه تكبح جشع المتنازعين، ولكن قاد هذا الى تأسيس نظام أستبدادي غاشم، وهو سبب فاعل في نشوء الفرعونيه في مصر....)، هو الأمر نفسه وبسبب التماثل الجغرافي بين مصر النيل وعراق الرافدين، أدت الزراعه التي تعتمد على نظام الري النهري الى صراع بين المزارعين الذي يتحول الى نزاع بين العشائر على الحصص المائيه . هذا النزاع الذي أخذ طابع دموي عبر الزمن، وبسبب كثرة الهجره من الجزيره العربيه نحو الأراضي الخصبه في العراق، قاد هذا أيضاً الى شدة التنازع على الأرض والمياه معاً . هذه النزاعات المستمره قادت الى ظهور مشيخه قويه مما أدى الى تشكيل كيانات على شكل أمارات صغيره، حتى أخذ الشيخ يحكم ويعاقب ويقسم العمل بين أبناء العشيره وهو الآمر الناهي الذي كما يقولون لا تنزل كلمته للأرض، وهو الحاكم بأمره،وهنا تكونت في العراق أمارات متعدده، وبدأت كل عشيره تحاول أن تتمدد على أراضي وحصة مياه العشيره الأخرى، حتى كانت لعلاقاتهم سجل طويل من المعارك الداميه، وهي عشائر مدججه بالسلاح، حتى قال يوماً الملك فيصل الأول ملك العراق، أن الحكومه تمتلك خمسة عشر ألف بندقيه في وقت تمتلك العشائر مئه وخمسون ألف بندقيه، فلاحظ الفرق الشاسع بين قوة الدوله والقوه العشائريه. هنا أشار الملك فيصل الأول الى ضرورة زيادة العده والعدد للقوات المسلحه للدوله لتكون قوه قادره على فرض النظام والقانون في البلد . من هنا وبما أن العراق وكذلك مصر بلدين زراعيين، وهناك رؤساء عشائر تتسم بالجشع والأستبداد، يستلزم هذا أن تكون الدوله في غاية القوه ومرهوبة الجانب . فالمجتمع التنازعي،التغالبي يحتاج الى قوه تردعه، لأنه لا يؤمن الا بالقوه، حتى عندنا مثل شعبي يقول (الأمام الي ما يشور يُسمى أبو الخرك). هذا الواقع المتوحش الذي يعيش ويتفاخر بالقوه ألزمت رعاة الدول الأهتمام بالقوه بأعتبارها الرادع الوحيد لهذه التجمعات العشائريه التي لا يردعها رادع الا القوه، ونحن قد لمسنا في فترة ما بعد السقوط البروز الواضح لقوة العشائر حتى بدأت تزاحم بل وتتحدى الدوله، حيث عطلت العشائر الكثير من المشاريع، مثل شق الطرق وبناء المشاريع الصناعيه والأستثماريه بحجة أن هذه الأرض هي ملكنا ولا يجوز للدوله التجاوز عليها،في حين هي بالأساس أرض الدوله لأنها أما أميريه أو مفوضه بالطابو أو باللزمه، وأكثرها تبع وزارة الماليه العراقيه ولكن أستأساد العشائر وتنمرها على الدوله وَقفت الكثير من المشاريع ومنها النفطيه كذلك. هذا الوضع شجع الحكومات على بناء الجيوش والقوات المسلحه الأخرى، وزيادة حجمها لأنها الوسيله الوحيده لحفظ النظام . طبعاً من الملاحظ أن حصر القوه بيد رئيس الدوله يقود الى بروز الشعور بالقوه، والغرور بها،وهذا ما أشار اليه أول رئيس للولات المتحده الأمريكيه (جورج واشنطن عندما حذر من جمع السلطات بيد شخص واحد هو الرئيس لأن ذلك يؤدي الى الغرور وأمكانية سوء الأستغلال، لأنها تغري بالنزوع للدكتاتوريه، مما يؤدي الى تشجيع الطغيان لدى الفرد الماسك بتلابيب هذه القوه . هذا تجمع القوه والمال قاد الى صناعة أعتى الدكتاتوريات في عالمنا العربي وخاصه الدول النفطيه،حيث تجمع لدى الحاكم سلطان المال وسلطان القوه العسكريه، وهذا من أهم أسباب أستمرار الدكتاتوريات في العالم العربي لحد هذه الساعه، وشجع الى بروز ظاهرة الأنقلابات العسكريه بسبب التنافس بين العسكرين لتولى المناصب الأولى في الدوله، والتي تعني المال والجاه والقوه، وهذا الأمر هو عز ما تطلبه النفسيه العربيه التي يحركها هاجس التغالب، وهذا ما حصل طوال تاريخنا السياسي منذ نشوء الدوله في أراضينا منذ فجر التاريخ ولهذا اليوم . من الملاحظ ليس البيئه النهريه والزراعيه وحدها هي من تساهم بصناعة الدكتاتوريه،بل هناك عوامل عديده، فتشكيل صورة الحدث لا يعتمد على جانب واحد، فهناك جغرافية الصحراء، وجفاف بيئتها وقلة مراعيها قادت الى التنازع بين القبائل، وهو تنازع بقاء بالحقيقه، هذه البيئه الجغرافيه القاسيه لم تشجع فقط على قيام حكم دكتاتوري كما هو في السعوديه وباقي دول الخليج، بلد قاد الى نشوء قيم تعتمد على القوه والعنف، فالصحراء يكون البقاء فيها للأقوى، وهذا ما أنتج صفة التغالب في عالم الصحراء الذي أنتقل الى المدن بعد هجرة أبناء الصحراء وأستيطانهم في المدن، حتى أنك تلمس العنف الذي ظهر بالمدن العراقيه والذي يكون أحد أسبابه هو تريف المدن والذي يعني نزوع الأعراف والتقاليد الريفيه والبدويه وأصطباغ المدينه بقيم الريف والصحراء القائمه على القوه والأسراع الى أستخدام العنف، حتى ترى كل محافظاتنا وحتى العاصمه أصبحت عباره عن قرى كبيره يتسيد بها شيخ العشيره الذي فرض فيها قيمه وعاداته التي تكون القوه أحد أهم مفرداتها، وما ظاهرة (الكوامه) في المدن الا دليل على ذلك، حتى أن الدوله أصدرت قرار أخيراً بأعتباره من يمارس الدكه العشائريه يعاقب بقانون (٤) أرهاب. هذه الفوضى التي سببتها العشائريه وتقاليدها، جعل الكثير من الناس تتمنى أن يكون هناك نظام حكم قوي ودكتاتوري لكي يضع حد لهذا الأنفلات بالقوه، وهذا هو ما يفسر أنتعاش الظاهره الدكتاتوريه في العراق والمنطقه العربيه المجاوره للعراق.

 

أياد الزهيري

 

في المثقف اليوم

في نصوص اليوم