صحيفة المثقف

لقاء مع السوسيولوجي الإيطالي فابيو بيروكووكوF. Perocco

زينب سعيدابيو بيروكو

أجرى الحوار: محمود منير

ترجمة: زينب سعيد


1 - تلفت إلى أن استقدام الحكومات الأوروبية للمهاجرين، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية بسبب نقص الأيدي العاملة، كان بطريقة انتقائية وبظروف غير عادلة لم تتغيّر إلا بفعل نضالات العمل في الستينيات والسبيعنيات. هل يمكن القول إن "ادماج" المهاجرين الذي كانت تتحدث عنه أوروبا محضّ خيال؟

- أجيب محيلا إلى مفكرين كبيرين، إلى عملاقين في الدراسات الاجتماعية: عبد المالك صياد وجون ماري فانسون Jean-Marie Vincent. كان اندماج المهاجرين الوافدين في أوربا وما يزال تحديدا اندماجا في الجزء الأكثر دنيوية للطبقة العاملة في البلدان الاوربية، وتكون مندمجة غالبا في البروليتاريا الدونية. ويعود ذلك بالضرورة إلى أن الادراج الاجتماعي للمهاجرين الوافدين قد حدث ويحدث باسم عبودية الأجور على اعتبار انتمائهم إلى الطبقة التي تعيش من العمل (حسب تعبير Ricardo Antunes). وباسم العنصرية على اعتبار انتمائهم إلى شعوب وأمم مهيمن عليها من طرف الاستعمار التاريخي والاستعمار الجديد. المهاجر الوافد مستغل ومهيمن عليه مرتين: باعتباره قوة عمل، وباعتباره أجنبي قادم من بلدان مستعمَرة. يعتبر اندماج المهاجرين الوافدين خرافة، لأن الاستبداد المؤسساتي، والعنصرية، ودونية العمل والدونية السياسية والقضائية والرمزية يتحكمون في تحديد ظروفه ـ بمعنى الدونية الاجتماعية.

ورغم ذلك، فالشغالون الوافدون يتقاسمون نفس الظروف والاحتياجات مع الشغالين الأصليين لانتمائهم إلى نفس الطبقة الاجتماعية؛ ولهذا السبب، فمصير الشغالين المحليين ومصير نظرائهم المهاجرين الوافدين هو مصير مشترك، مصير استغلال الرأس مال للعمل أو مصير التحرر الجمعي من قوانين الرأس المال. هذه الظروف المشتركة، وتقاسم الظروف الطبقية، هي عنصر ذو أهمية كبيرة، يجب التأكيد عليها بشكل أساسي.

حتى اليوم، مسير المهاجرين النازحين من افريقيا ومن الشرق الأوسط اتجاه أوربا هو مسيرة الادراج في سوق العمل العالمي، هو مسير حيث يلقون ظروفا، ومصائر، وتوقعات الشغيلين الغربيين، وحتى النضالات الاجتماعية والسياسية أيضا من أجل العمل، ومن أجل الحقوق الاجتماعية، والسكن، المتواجدة في البلدان الأوربية. من خلال هذا اللقاء قد تبزغ تضامنات جديدة، وروابط اجتماعية جديدة، وفرص تبادل جديدة، ومقابلات، والتعلم المتبادل. يشكل المهاجرون النازحون حقيقة تولد نضالات ومطالب تهدف إلى تأكيد الحقوق، وكرامة الانسان وكرامة الشغيلة؛ وتطمح هذه النضالات إلى تحقيق ظروف معيشية وظروف عمل كريمة، وبالتالي فإنها تساهم في إعطاء الصوت للشغيلة الوافدة ولكل الشغيلة ودعمها. ولهذا وجب الإشادة بمجهوداتهم ودعمهم.

من الممكن أن ينشأ من هذا اللقاء ـ الذي يعتبر لقاء طبقيا ـ تضامنات جديدة، وروابط اجتماعية جديدة، وفرص جديدة للتبادل؛ في هذا اللقاء يتعلم المهاجرون النازحون أشياء جديدة ويقدمون في الوقت نفسه اسهاماتهم المعرفية وتجاربهم، ويمكنهم أن يصبحوا جسر وصل بين انتظارات تحرر شغالي جنوب العالم وشماله، مساهمين في تحول العلاقات الاجتماعية وتجاوز الحواجز الضيقة مثل القومية.  ومع ذلك، لتتحقق هذه المساهمة، من الضروري اسقاط العنصرية والتمييز، الموضوعتان عن قصد كعقبة في طريق تحرر الشغيلة الجماعي؛ لهذا السبب فالطبقة الشغيلة، والحركات المناهضة للعنصرية، مدعوتان للاستجابة استجابة تامة، وأن يوحدوا كل ما من شأنه أن يفرق بينهم، والتأكيد بأن الهجرة الوافدة تهم عالم الشغل بأكمله ومصير الشغيلة جمعاء.

2 - سعت السلطات الأوروبية إلى "أسلمة" حركات المهاجرين المسلمين العمّالية المطالبة بتحسين ظروف حياتهم، وتحويلهم من "عمّال وافدين" إلى "أقلية دينية متخلّفة". كيف تمّت هذه الأسلمة؟

- يشكل المهاجرون الوافدون من البلدان العربية ـ الإسلامية أول ساكنة، غير منتمية لأوربا، الأكثر عددا والأكثر تجذرا التي قدمت إلى أوروبا المعاصرة من أجل العمل. وقد أصبحت مع الزمن بطل عملية استقرار وتجذر اجتماعي عميقة، أصبحت مكونا هيكليا وعامل تحول لعدة بلدان اوربية. أقاموا علاقات وثيقة في أماكن العمل، وربطوا علاقات مع المحيط ومع الساكنة المحلية، وحصلوا على حقوق، ووسعوا وعززوا وجودهم في الفضاء العام. إن هذا التجذر الاجتماعي القوي قد جعلهم عصيين على أن يكونوا أكلة سائغة للظروف المفروضة من سوق العمل، جعلهم أكثر مقاومة للظروف الاجتماعية التي فرضت عليهم، ورفعت من تكلفتهم الاجتماعية، ليصيروا ساكنه مطلوبة ولكن غير مرحب بها wanted but not welcome.

إنهم يشكلون النواة الأكثر تنظيما من المهاجرين الوافدين الحاضرين في أوربا. وقد تحدوا كل من أرباب العمل، والدول والرأي العام، في عدة مناسبات، وأول من طرح وبطريقة حاسمة قضية ظروف عمل المهاجرين الوافدين وظروفهم المعيشية، والحقوق والتمييز الذي يطالهم، وقضية الاعتراف بهم واحترام بلدانهم الأصلية، رافضين الانصهار والعزل. وقد شاركوا منذ السبعينات في الحركات العمالية والنضالات النقابية؛ وقد شدد، الجيل الجديد الذي ولد وكبر في أوربا، على رفضهم معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية. وشددوا، في أماكن العمل وفي الفضاءات العامة على تحسين ظروف معيشتهم، والاعتراف بهويتهم، واحترام أصولهم. هذا يعني أن، التناقض الفعلي لتوقعات ومطالب نظام الإنتاج، والحكومات، وسياسات العمل وسياسات الهجرة، التي تفرض يد عاملة مؤقتة، أقل تجذرا، غير مستقرة، بحقوق أقل، وأثمنة رخيصة، معزولة، ومرنة، التي يمكن استعمالها في الوقت المناسب just in time  حسب مطالب احتياجات النظام الإنتاجي.

أصبح التجذر الاجتماعي واثاره موضوع سياسات مركبة، وممارسات وخطابات، تهدف إلى عرقلة اندماج كامل وعادل، وتهميش المهاجرين المسلمين الوافدين. فقد تشكل، منذ عقدين على الأقل، نظام حقيقي من الاسلاموفوبيا ضد المهاجرين المسلمين الوافدين، تشكل من ميكانيزمات اجتماعية محددة ومتعددة، ومواضيع رئيسية، وفاعلين اجتماعيين، وسياسات، (هويتية، وامنية، واستبعادية)، يهدف إلى ابعاد الهجرة المسلمة الوافدة إلى الخلف مخندقا إياها في اقلية دينية محرومة ومتخلفة.

وقد شمل الخطاب السائد بالإضافة إلى العديد من المؤسسات هؤلاء الشغيلين، وهذه الساكنة، المنعوتة بـ "المسلمين"، بتفخيم حرف الميم، بالشروع في عملية مسيرة من فوق لأسلمة المشاكل الاجتماعية، وللامساواة الاجتماعية (محولة إياها الى اختلافات طبيعية). انهم موضوع عملية أعادت تحديدهم كـ"آخر مسلم:"، مع معنى استثنائي سلبي وقدحي بالكامل لمصطلح "الآخر" كنعت مميز. لقد تم تجسيد احتجاجات ونضالات ومطالب الشغيلة، والمهاجرين الوافدين، والشباب، على اعتبارها "مشكل الإسلام"، على اعتبارها "مشكل الهجرة الوافدة المسلمة"، بداخل عملية اسلمة القضايا الاجتماعية من فوق.

3 - يتمّ قلْب العلاقة بين السبب والنتيجة في استيعاب أوضاع المهاجرين، والتغافل عن البطالة وظروف العمل باعتبارها العنصر الأساسي في خلق هذه التفاوتات بينهم وبين المجتمع.. ما هي أبرز الآليات التي تكرّس هذه العلاقة المقلوبة؟

- ظاهرة هيكلة العالم الغربي، ذات الجذور التاريخية والثقافية العميقتين، التي تعتبر الاسلاموفوبيا اليوم عضويا حتى في جعل المهاجرين المسلمين الوافدين دونيين ومهمشين، ووظيفيا في إضفاء الشرعية وإعادة انتاج اللامساواة الاجتماعية التي تمسهم بطريقة هيكلية في كل أنحاء اوربا.

تتم عملية إضفاء الشرعية وإعادة انتاج اللامساواة الاجتماعية من خلال عملية عرقنة (إضفاء الطابع العرقي عليهم) المهاجرين المسلمين الوافدين. هم موضوع عملية اجتماعية التي ـ من خلال تداخل عوامل العرق والثقافة والدين، من خلال عرقنة البعد الديني وتطبيع الثقافة الإسلامية ـ تحددهم كـ"عرق" أو "شبه عرق": "العرق المسلم". مثل هذه العملية تصور ساكنة غير متجانسة على الاطلاق على انها وحدة مترابطة وتصنفهم كاستثناء: الاستثناء المسلم.

من خلال فكرة "الاستثناء الإسلامي"، تعمل السياسات والخطابات العامة على تطبيع حضور "طبقة دنيا" "معرقنة" في انتمائها الديني. في تطبيع اللامساوات ـ بجعلها تنتسب الى طبيعة الثقافة الإسلامية ـ تجعل الاسلاموفوبيا من قضية "الهجرة الوافدة المسلمة" مشكل رقم واحد الذي يستوعب كل المشاكل الاجتماعية، وتحول القضايا الاجتماعية الى صراع حضارات التي سببتها الثقافات الاخرى. والنتيجة هي تثقيف وعرقنة الظرف الاجتماعية للمهاجرين الوافدين المسلمين، مهما كانت علاقتهم بالثقافة والدين الإسلامي.

تقدم الاسلاموفوبيا الثقافة والدين الاسلامي على أنهما المسؤولان المباشران عن اللامساواة الاجتماعية التي يعاني منها المهاجرون المسلمون الوافدون كضحايا ثقافتهم الخاصة؛ تقر وتضفي الشرعية على اللامساواة، محولة هذه المجموعة الاجتماعية إلى "أقلية دينية متخلفة".

تنسب للمهاجرين المسلمين الوافدين مسؤولية ظروفهم الاستبعادية، هناك حيث تكوين مجموعة اجتماعية جد مضغوطة وغير مستقرة وهي نتيجة سياسات، وميكانزمات اجتماعية وخطابات تمييزية. فـ"الاستثناء الإسلامي" يصير مطبعا معزيا الاستبعاد الاجتماعي الذي يهم جزءا من المهاجرين المسلمين الوافدين فيهم لأنفسهم ولطريقة وجودهم. في حين، أكرر، أن هناك جذورا اجتماعية بعينها ـ اللامساواة في العمل، واللامساواة الاقتصادية، والسكنية، والمدرسية ـ هي أساس حالات الاستبعاد أو أساس الصعوبات الاجتماعية.

4 - تعتبر أن الفاعلين المشاركين في تصنيع الإسلاموفوبيا، هم: الأحزاب والحركات السياسية، والمنظّمات المختصة بمعاداة الإسلام، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الحكومية، والباحثون المثقفون والمحللون. كيف يلعب كل فاعل دوره؟

- تنظم المنظمات المناهضة للإسلام ذات الخلفية الثقافية (الجمعيات، المنظمات غير الحكومية، المؤسسات، مراكز الدراسات) عدة أنشطة لنزع الشرعية وتشويه الهجرة المسلمة الوافدة: انتشار في الفضاءات المادية والافتراضية معارف مشوهة ونظريات مكيدة؛ الضغط السياسي من اجل الموافقة على تدابير تحدد حقوق المهاجرين الوافدين أو الغاء تدابير الاعتراف العام بالإسلام، ابلاغ السلطات المحلية بالسلوكات والاحداث غير التقليدية؛ مظاهرات ضد الاحتفال بلحظات الإسلام القوية وضد حضور الإسلام في الفضاء العام.

تشكل هذه المنظمات سلسلة مهمة للانتقال من العنصرية المذهبية الى العنصرية الشعبية، فهي تنشر المواضيع المفتاح للاسلاموفوبيا من النخبة المتخصصة إلى العامة من الساكنة، وتخلق "أقوالا" و"شائعات" تولدان الذعر الأخلاقي الهستيرية اتجاه الاسلام. ويعود هذا التأثير الى حضورهم القوي أيضا في الويب وفي وسائل التواصل الاجتماعي، الذي ينتج انتشارا مروعا للاسلاموفوبيا في الفضاءات الافتراضية. هذه المنظمات مرتبطة فيما بينها كما انها مرتبطة بالشبكات الدولية network internazionali، انها مندمجة مع المجتمع الذي يحسب له ألف حساب ولديها علاقات جيدة مع صحفيين ووسائل الإعلام، ورجال السياسة وقطاعات الأحزاب، ورجال الحكومة وممثلي المؤسسات، والمقاولين ورجال الاعمال، والمثقفين.

والحركات المعادية للاسلام ذات البعد السياسي، مثل بيجيدا  Pegida أو بريتاين فورست Britain First، نشيطة في الحركات اليمينية مع تعبئات، ومظاهرات، وعرائض،  وهجوم واحتلال قاعات الصلاة، والمدارس العربية والأماكن المراد استخدامها كفضاء للعبادة. هذه الحركات تعزز الصور النمطية في حق المهاجرين المسلمين الوافدين كمنغلقين ومتطفلين يلوثون الهوية الوطنية والنقاء العرقي للساكنة المحلية، لها تأثير قوي على المشهد العام مساهمة في التأثير سلبا على الرأي العام الأوربي، والتشجيع في تعبئة المواطن العادي من أجل إصدار مزيد من السياسات الخاصة بالرقابة والامن.

هناك أيضا أحزاب اليمين المتطرف "الجديدة". على الرغم من الاختلافات، تجمعهم وتميزهم اتهام النخبة السياسية ـ الاقتصادية والمهاجرين الوافدين بقمع "الشعب"، وقمع القومية المختلطة بالأهلانية، والخوف من الأجانب والمعاديين للعولمة الثقافية، والاسبقية للساكنة الاصلية في الحصول على الرفاه، والتشكيك في الوحدة الاوربية والوفاء للتقاليد؛ الا ان العنصر الذي يميزهم أكثر ويقربهم أكثر فيما بينهم هو كونهم "أحزابا معادية للمهاجرين الوافدين"، وخاصة "الأحزاب المعادية للإسلام". هذه العلامة التجارية هي عامل التواصل فيما بينهم ونقطة وصل مع أحزاب اليمين التقليدية.

من خلال الإشادة بنبل البشرة البيضاء والنضال ضد الشعوب الدونية، واستحضار نقاء الأوطان الأصلية وسيادة الشعب المتفوق، هذه الأحزاب تؤسس لخطاب حول الهجرة المسلمة الوافدة على أساس أنها تهديد عالمي لا يأتي منها إلا التخلف والظلامية، وعدم الكفاءة؛ يقدمون أنفسهم كمعارضين للتجذر الاجتماعي واندماج المهاجرين المسلمين الوافدين، الذين يعتبرون غرباء، وغير قابلين للانصهار، ويفتقرون للقدرة والإرادة في الاندماج.

ثم هناك "الكتاب"، إن كان بإمكاننا تسميتهم كذلك (حتى لا يؤاخذوني كل من فولكنر Faulkner ليوباردي Leopardi وشيكسبير Shakespeare على ما قلت). فالنوع الأدبي المناهض للاسلام، المتمثلة في الكتب الأكثر مبيعا best-seller  المناهضة للاسلام، من بين أكثر القطاعات عدوانية في صناعة الاسلاموفوبيا. إنه يحين التركيب الخطابي، الذي أنتج تاريخيا التمثيل الكاريكاتوري للعالم الإسلامي وللآخر "المسلم".

يوجد بداخل تيار محدد ينشر صورا نمطية للدونية ونظريات مؤامرة حول الهجرة المسلمة الوافدة، حيث يسود سجل شعبي ـ متجذر بدون وعي وآخر فكري ـ علمي". هذا التيار مهيكل جدا ويعتبر جزءا لا يتجزأ من عملية الدونية، والحط من القيمة، والإنكار التي تولدها الإسلاموفوبيا. إنها تنشر بين القراء العاديين مواضيع مفتاح الاسلاموفوبيا وتمثل أحد العناصر الرئيسية لإضفاع الطابع الاجتماعي المسبق على الهجرة المسلمة الوافدة. التي تعتبر مرجع رجال السياسة، وممثلي المؤسسات، والصحفيين، والمنظمات المناهضة للإسلام، والعاملين في مجال الثقافة والتواصل، الذين يعتمدون على المواضيع والمفاهيم التي يستعملونها في سياقاتهم اليومية.

وهناك حتما وسائل الإعلام. الذين تخصصوا في العقود الأخيرة في إنتاج خطابات سلبية حول الهجرة الوافدة من خلال الاستعمال المشوه لمفهوم "الآخر"، وأقروا بأن المهاجرين المسلمين الوافدين من يمثلها بامتياز، مصورينهم كحاملي اختلاف راديكالي، وعضوي، كحضور غير طبيعي ومهدد يجب عزله وإبعاده. وقد ركزت وسائل الإعلام على "اندماج المهاجرين المسلمين الوافدين" معتبرين هذا الأخير، أي الاندماج، مسبقا مستحيل وغير قابل للتحقيق؛ فعلوا ذلك من خلال بناء صورة المهاجر المسلم الوافد ككيان متميز ببلورته بالبعد الديني (الانسان المسلم المشبع بالدين) ومن الانتشار العضوي للبعد الجمعي.

لقد اتبعت وسائل الإعلام عملية ثلاثية هي: التشهير المفرط، وبهلونة، وشيطنة الهجرة المسلمة الوافدة، التي تم تمثيلها كأنها كل متخلف totum revolutum، كصخرة تفتقد ملامح التمييز، بحجب تعدديتها وتغييرها الداخليين. من خلال ميكانيزمات محددة للتمثيل والديمومة ـ صور بلاغية، وصور مرئية، وسلسلة من المعاني الدلالية ـ مثلوها كمرض وربطوها بمخيال الغرابة، والعزلة والاستبعاد الذاتي، مغذين بذلك النفور والرفض اتجاهها. موضوع تقلبات لا متناهية، والاختزالية والتعميم، لتصبح العدو العام رقم واحد.

وقد شجعت وسائل الإعلام باستخدامها لروتين الطوارئ والامن، على تهميش المهاجرين المسلمين الوافدين وتبني سياسات اقصائية وانضباطية في حقهم. وقد اتجهت الحملات الصحفية العنيفة في مختلف الدول الاوربية اتجاه سياقات محلية محددة (مدن، "احياء صعبة")، واشخاص افرادا منهم وجماعات (كالمثقفين، وممثلي الجاليات، والجمعيات)، وجوانب الحياة الاجتماعية (كالمساجد، والحجاب، والجيل الثاني، والبوركيني).

ليس من المبالغة إذن القول إن الصناعة الإعلامية للاسلاموفوبيا قد اشتغلت بلا كلل في جعل المهاجرين المسلمين الوافدين دونيين، مساهمة في تحديد وضعيتهم (التابعة) في مختلف السياقات الاوربية.

وفي النهاية لا يجب أن ننسى اسلاموفوبية الدولة. إن مؤسسات الدولة، سواء على المستوى الحكومة المركزية أو على المستوى المحلي، لعبت دورا مهما في انتشار وتطبيق الاسلاموفوبيا. وقد تم تحقيق هذا الدور حسب طريقتين: بطريقة "متقاعسة": لا تدخل، لا تشريع، ولا تطبيق للقوانين المناهضة للعنصرية ضد الهجمات اللفظية والجسدية، وضد التخويف والشطط في استعمال السلطة، مدعمة العنصرية المناهضة للمسلمين؛ وبطريقة "نشطة"، بتشجيع الاستبعاد والتمييز داخل السياسات العامة، وسياسات الاندماج المحلية، في مجال تنظيم الحقوق، والانضباط في الاستقلال الذاتي الخاص، مغذية الدعاية التي نجد امثلتها في اوربا وفي الولايات المتحدة الامريكية بشكل يومي.

5 - أدت مجمل هذه السياسات إلى خلق "استثناء إسلامي" باعتباره ناتجاً عن جذور ثقافية فقط في تجاهل للجذور الاقتصادية الاجتماعية. كيف تنظر إلى راهن هذا "الاستثناء" ومآلاته في ضوء الأزمات الاقتصادية التي تضرب الشرق والغرب. وهل من سبل للالتقاء؟

- أجيب بإيجاز لأني أطلت كثيرا في الحديث. الوضعية صعبة للغاية، والعنصرية المؤسساتية في ارتفاع مهول في كل بقاع العالم وتحمل معها العنصرية الشعبية. في هذا السياق يقدم الاسلاموفوبيا نفسه على أنه الشكل الأكثر حدة والأبلغ تعبيرا عن العنصرية الاوربية، كرأس حربة عنصرية العصر الليبرالي الجديد. تضرب الاسلاموفوبيا المهاجرين المسلمين الوافدين بشكل مباشر وفي الوقت نفسه تسمم وتخدر الاوربيين الذين تم حثهم ـ من فوق ـ على حفر خنادق لا يمكن ملؤها. يحضرني كلام ايمي سيزير Aimé Césaire حينما قال إن الاستعمار يبيد المستَعمَرون ويوحش المستعمِرين.

ومع ذلك فان اللقاء ممكن، حتما أنه كذلك، لسبب بسيط: هو أن العنصرية ظاهرة اجتماعية تنحدر من فوق في اتجاه تحت، ويتم تعلمها من الخارج في عملية تنشئة اجتماعية، وليست عنصرا طبيعيا، بالتالي يمكن عكسها وتحييدها. شانها شان الفيروس، يمكن هزيمته، يوجد له لقاح. تشكل الاسلاموفوبيا اختبارا مهما بالنسبة للطبقة الشغيلة، وبالنسبة لمناهضة العنصرية السياسية، والراديكالية، والطبقية. يتعلق الامر بكل تأكيد بعملية صعبة، ومركبة للغاية، لكنها ليست مستحيلة. فبديل اللقاء بين الشعوب والتضامن بين الشغيلين يكون هو المذابح، والصراعات العرقية، والحرب بين الفقراء، في حين أن المنظور الوحيد بالنسبة لنا هو منظور التبادل العادل، والاندماج المتبادل اتجاه تحول ديناميكي للآفاق والهويات، والتثاقف كعملية التحرر الجماعي.

 

أجرى الحوار محمود منير ترجمة زينب سعيد

.................................

رابط الحوار

https://www.alaraby.co.uk/

فابيو-بيروكو-الإسلاموفوبيا-وأوروبا-المتناقضة

 

 

 

في المثقف اليوم

في نصوص اليوم