صحيفة المثقف

هل أذربيجان دولة شيعية؟

جاسم الصفارفي التقارير الصحفية والتحليلات السياسية المنشورة في وسائل الاعلام العربية، كثر في الفترة الأخيرة وصف جمهورية أذربيجان بانها دولة شيعية. ومع أني اتجنب الخوض في مواضيع تخص التركيبة الطائفية للسكان، خاصة عند عدم توفر معلومات أكيدة ومن مصادر رصينة، الا ان الحرص على ان لا تعزز تلك التوصيفات نهج خاطئ في الدراسات الاجتماعية-السياسية تفضي في نهاية المطاف الى استنتاجات مضللة، فرض عليَ ان أكتب ما أعرفه في هذا الشأن.

بدايةً، لابد من الإشارة الى انه وفقًا للدستور الحالي لجمهورية اذربيجان، تعتبر أذربيجان نفسها دولة علمانية، لذا لا يوجد دين رسمي في أذربيجان الحديثة. وهذا يكفي في حد ذاته لنفي الصفة الدينية أو المذهبية عن دولة أذربيجان وعن جميع الدول التي تقيم دساتيرها على أساس علماني، بغض النظر عن علاقتها بالمؤسسة الدينية في بلدانها.

الا أن البعض، يعتمد خطأً، لتوصيف الدول دينيا او مذهبياً، التركيبة السكانية في تلك الدول، وتحديدا في أذربيجان ونسب المؤمنين فيها، من حيث الانتماء الديني والمذهبي. ولا شك في أن سكان جمهورية أذربيجان يدينون بالعديد من الديانات، منها الديانات الكبرى المعروفة بالإضافة الى الديانات غير المعروفة، والتي ربما لم يسمع بها بعض القراء من قبل. فمع أن الديانتان الرئيسيتان في أذربيجان هما الإسلام والمسيحية. الا ان من بين سكان أذربيجان من ينتمي الى الديانات اليهودية والزرادشتية والبهائية والعديد من الأديان الأخرى.

خلال سنوات الحكم السوفيتي في أذربيجان، كان يُعتقد أن 70٪ من إجمالي عدد المسلمين في أذربيجان هم من الشيعة، و30٪ من السنة. الا ان هذه النسب لم تعتمد على احصاء حقيقي للسكان في الحقبة السوفيتية، واغلب الظن انها اعتمدت على احصائيات سبقت تلك الحقبة.

وبعد حصول أذربيجان على الاستقلال، لم تتوفر بيانات دقيقة عن عدد السنة والشيعة في البلاد لذا أصبح من المعتاد استخدام بيانات الحقبة السوفيتية، رغم توفر بيانات نشرتها مؤسسات استطلاع اعتمدت على استبيان رأي مجموعات صغيرة من السكان مختلفين في موقعهم الجغرافي، وهي بيانات تقريبية لا يعتد بها في الدراسات الاجتماعية الرصينة.

إضافة الى ذلك فإن العديد من الباحثين، وبدرجة عالية من اليقين، أكدوا على تغير التكوين الطائفي للسكان منذ اخر إحصاء اجري في بداية القرن العشرين. ففي دراسات نشرتها مؤسسة الأبحاث والدراسات الامريكية  «Jamestown Foundation»، التي تبحث في مشاكل القوقاز ، جرى التأكيد على أن هنالك تغير واضح في التركيبة الطائفية لمعتنقي الإسلام في أذربيجان، وأن حالات تحول الشيعة إلى الإسلام السني أصبحت أكثر شيوعًا بين الشباب في أذربيجان ، خاصة في العاصمة باكو.

ولهذه الظاهرة أسباب عديدة، منها انتشار وترسخ الإسلام السني التركي، بشقيه الحنفي والشافعي، في أذربيجان لأنه، حسب تصور النخبة السياسية في أذربيجان، يعتبر الأنسب للنموذج العلماني للبلاد. يقول رفيق علييف، الرئيس السابق لـمؤسسة إدارة الشؤون الدينية في أذربيجان، إن "الإسلام التركي هو الاتجاه الإسلامي الوحيد الذي يتوافق مع النموذج العلماني للدولة الأذربيجانية"، وهذا يشير الى ان الدولة تقدم بعض التسهيلات لنشر الإسلام السني التركي في أذربيجان على حساب المذاهب الإسلامية الأخرى. لذا فإن تأثير الإسلام السني التركي أصبح ملحوظاً في المناطق الشمالية من البلاد، حيث يزداد احتمال حضور المؤمنين إلى المساجد الرسمية. وفي هذا الصدد، تتعاون أذربيجان في القضايا الدينية مع وزارة الشؤون الدينية التركية، التي تم تمكينها للترويج للإسلام التركي في الخارج.

خلص محللو جيمستاون إلى أن من المناطق التي لوحظ فيها نشاطا متميزا للجماعات الإسلامية السنية في سومجيت. وهي ثاني أكبر مدينة في أذربيجان وتعتبر رأس جسر لانتشار الإسلام السني في أذربيجان. وعلى الرغم من أن العدد الأكبر من السنة يعيشون في شمال أذربيجان، إلا أن الحالات الجماعية لتحول الشيعة إلى الإسلام السني شائعة بين الشباب في باكو وغانجا وجاخ. كما ان الإسلام السني الراديكالي، بسبب ضغط الأجهزة الحكومية، انتقل في نشاطاته نحو الجنوب الذي يتقاسمه الشيعة والسنة الشافعية.

عدا ذلك، ففي سياق المواجهة المتصاعدة مع إيران، اعتمدت أذربيجان سياسة اضطهاد للطائفة الدينية الشيعية وقادتها، المتهمة من قبل السلطات بصلاتهم مع النظام الديني الإيراني. في البداية كان الضغط على أتباع هذه الطائفة الدينية مقتصرا على تحجيم نشاطها الديني والسياسي، ثم تطورت أساليب هذا الضغط في أواخر التسعينيات، ليكتسب في السنوات الاخيرة الطابع القمعي الأكثر وضوحًا. يتضح هذا من خلال "مذبحة نارداران" المثيرة، التي بررها النظام بالدفاع عن العلمانية في البلاد، الا انها جاءت في سياق حملات القمع المتواصلة لانتشار ظاهرة الاستياء المتزايد للشيعية من السياسات الداخلية والخارجية للنظام.

الحقيقة هي أن أذربيجان، التي تقدم نفسها كدولة علمانية ذات تقاليد دينية معتدلة، تتبع في الواقع سياسة نشطة لإدراج العامل الإسلامي في أجندة مستقبلها الجغرافي الاستراتيجي. فأثناء تشكيل جمهورية أذربيجان المستقلة الجديدة، لم تختر النخبة توجهاً دينيًا، بل اعتمدت الانتماء القومي أساسا إستراتيجيا لبلورة هوية الدولة الناشئة، والتي هي هوية تركية، مما أدى حتماً إلى التقارب مع تركيا السنية. لذا، عندما وصل حزب العدالة والتنمية الإسلامي برئاسة أردوغان إلى السلطة في تركيا، فبالإضافة إلى الانجذاب المتبادل بين مجتمعات تركيا وأذربيجان على أساس لغوي قومي، بدأ بحث احتمالات الاندماج الثقافي والديني لشعبي البلدين بشكل مكثف. علما بأن الأتراك الأذربيجانيين يشكلون غالبية سكان البلاد.

فهل يصح بعد ذلك وصف أذربيجان بالدولة الشيعية، كما عبر عن ذلك، على سبيل المثال، الصحفي المعروف عبد الباري عطوان في تسجيل نشره قبل أيام على صفحته؟

 

د. جاسم الصفار

07/10/2020

 

 

 

في المثقف اليوم

في نصوص اليوم