 مقاربات فنية وحضارية

تقارب العقل السومري مع العقل المعاصر (4)

كاظم شمهودكان العقل السومري مكتمل الرقي والتطور وكان يحمل نسيجا فكريا وخياليا واسعا ونضوجا سياسيا واجتماعيا لا يختلف عن عقل الانسان المعاصر بل هو هو.. ولكن الاختلاف يقع في الجانب الخارجي منه اي الموضوعي في التطور التجريبي المادي والتمدن والتكنولوجيا ووسائل النقل وطرق التواصل الحديثة وغيرها . (وخلقنا الانسان في احسن تقويم)

ورد في كتاب –من الواح سومر- لعالم الآثار المعروف كريمر حكاية طريفة حيث كشف لوح طيني قديم مدون عليه جريمة قتل في بلاد سومر حدثت في حدود 1850 قبل الميلاد، وهي ان ثلاثة رجال قتلوا احد موظفي المعابد لاسباب غير معروفة وقد اخبروا زوجته بذلك ولكن الزوجة احتفظت بالخبر ولم تخبر به السلطات الحكومية .

ولكن الخبر بالاخير وصل الى الملك فاحال القضية الى محكمة الفصل في القضايا فحكمت على الثلاثة بالاعدام، ولكن الغريب ان المحكمة اعتبرت الزوجة شريكة في الجريمة لانها سكتت ولم تخبر السلطات، ثم برأتها لان الزوج لم يوفي في اعالة العائلة .

1880 آشورفي عام 1930-1945 ارسلت القصة الى عميد كلية الحقوق في جامعة بنسلفانيا اوين ج روبرتس يستفتيانه رأيه القانوني، فكان جوابه ذا اهمية خاصة اذ ابان ان القضاء المحدثين يتفقون مع القضاء السومريين القداما ويحكمون بالحكم نفسه.. وهذا يشير الى مدى النضوج والمستوى العقلي الذي يتمتع به القضاء السومري والذي لا يختلف كثيرا عن واقع قانون القضاء المعاصر .

وكانت الطبيعة في ذلك الوقت المصدر الحي لنشوء الاساطير والحضارات القديمة . وكان الانسان السومري استطاع ان يشخص دور قوى الطبيعة في مسيرة حياته فجعل لكل قوى اله .. وكانت الاسطورة الاولى هي اسطورة اله السماء - آن –(آنو- في البابلية) والذي اطلق عليه اسم الاب ثم جعل له ابناء واحفاد وانصاف الهة وشفعاء .. هذا البناء الهندسي في المعتقد السومري نجده في الديانات السماوية كاليهودية والمسيحية والاسلام من حيث ان الله رب السماء وهناك ملائكة حول العرش ورسل وانبياء واولياء يبشرون وينذرون الناس، ويتشفعون لهم .

وكان الانسان السومري يعتقد بان هذه القوى الطبيعة التي تتدخل في حياته وتقرر مصيره كالشمس والقمر والرياح والماء والهواء وغيرها هي قوى عاقلة وحية لكل واحدة منها لها مهام ووظفية خاصة بها تؤديها في الحياة، ولهذا جعلها آلهة وعبدها وبنى لها المعابد وقدم لها القرابين والطقوس وجعل الكهنة واسطة بينها وبين البشر تخبرهم عن نهيها واوامرها ..

1881 برج بابل

نحن اليوم عندما نقرأ القرآن نجد هذه المفاهيم السومرية داخلة في صلب المعتقد الديني الاسلامي .

(ثم استوى الى السماء وهي دخان فقال لها وللارض اتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين)

وهنا جملة – قالتا اتينا طائعين - اشارة الى وجود العقلانية والروح التي تملكها هذه القوى الطبيعة وانها مسيره من قبل رب السماء ..

(لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) هذا الخشوع والعبادة والسير المنظم الدقيق للحياة يكشف عن ان كل شئ في الحياة له روح وعقل يتناسب مع درجة خلقه .

1882 حمورابيلكن الانسان السومري وابتداعه لهذا الفكر والمعتقد الديني الوثني استطاع ان يبعد الانبياء عن ميدان الحكم والسلطة ويصفهم بالسحرة والكذابين لهذا لم نجد في علم الآثار اليوم قصص للانبياء والرسل ورسالاتهم واسمائهم.. لان التدوين كان بيد الملوك والكهنة . ولهذا نجد آلاف الالواح الطينية من سومرية وبابلية وآشورية وقد دونت بها اعمال الملوك وحملاتهم العسكرية والاساطير التي تبين صراع الآلهة على السلطة.و الحكايات الخرافية وقصص الملاحم والتراتيل الدينية والمراثي والرسائل والمقالات التي يكتبها ارباب الادب والكتبة السومريين الذين كانوا مسخرين من قبل السلطات العليا .

ويقول الاستاذ طه بالقر عن الاساطير السومرية (بان الخليقة في اساطير وادي الرافدين حدثت بالصراع والاحتراب ما بين الآلهة)

1883 سرجونوعندما ننظر الى الفنان الصيني نجده يرسم الطبيعة بقدسية واحترام ودقة واجلال كبير لانه يعلم علم اليقين وحسب معتقده انها حية ولها روح وانها مرتبطة بالسماء وقد رسخت الهندوسية والبوذية هذه المفاهيم في معظم ناس الشرق ومن خلال نظرية تناسخ الارواح . ويعرف مفهوم تناسخ الأرواح أو رجوع الشخص البشري إلى الحياة في جسد إنسان آخر او شجرة او حيوان، بأنه فكرة فلسفية ودينية، تبدو في الحقيقة كأنها أمر خيالي، لكن بعض العلماء يعتقدون بأنها مفهوم علمي بحت ومنهم علماء مسلمين .. بينما نجد الفنان الغربي الذي كان يرسم في القرون الماضية قد اهتم بمظاهر الاشياء والاعتناء بالتشريح والمنظور والجماليات، ولكنه عاد في العصر الحديث فتغيرت مفاهيمه واصبح يعتقد بما يعتقد به الفنان الصيني من ان وراء كل شئ روح ومضمون . ولكن كيف حور وحول اهل الرافدين الرسالات السماوية الى قصص واساطير تمتزج بها الحقائق والخيالات والخرافات مثل حادث الطوفان حيث ورد في النصوص السومرية والبابلية اسم- اتو نابشتم أو يسمى اتراحسس - صاحب الطوفان وهو نوح –ع- . وحسب تاريخ الطبري وكتاب التوراة انه مكث في ارض سومر حوالي اكثر من 1600 سنة يبلغ رسالة السماء فكذبوه ووصفوه بالشيخ المخرف والساحر، فهذا العمر الطويل والكفاح الراسالي العجيب لم يترك لنا اثرا الا بضعة الواح طينية مختصرة ... ؟ ولم يجد علماء الآثار اليوم شيئا عن قصص الانبياء والذين وصل عددهم الى 24 الف نبي ومرسل .فاين هم وآثارهم واسمائم وصحفهم؟ اعتقد انه سيجيب على هذه الاساله وغيرها علم الآثار في المستقبل . اما الكتب الدينية فهي مليئة بالاساطير .

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5149 المصادف: 2020-10-10 02:45:49