 مقاربات فنية وحضارية

ظاهرة اللون الازرق في الخزف السومري (5)

كاظم شمهودكان اللون الازرق مقدسا عند اهل الرافدين لاعتقادهم انه حجر كريم محاط باسرار الهية وقد ظلت اهميته عالقة بالفكر الانساني الديني في العصور التالية واستخدم كأسلوب فني يربط مكان العبادة ولون السماء.. كما اعتقدوا بان اللون الازرق يطرد الشرور والحسد ولهذا نرى ابواب المدن السومرية والبابلية مغطات ببلاطات الخزف والتي يطغي عليها اللون الازرق مثل باب عشتار.. وانعكس وتجسد هذا المعتقد على الحجر والخرز والسبح فكانت - ام سبع عيون – عند البابليين لها دور وقائي في دفع الشرور او الاشعاع المنبعث من العين الحاسدة حتى يتشتت الى سبعة اقسام ويفقد قابليته على الاذى. وهذا يعني ان البابليين قد كشفوا الطيف اللوني الذي يتكون من سبعة الوان قد سبقوا به العالم اسحاق نيوتن 1642 م .....

اما العين الحارسة فجائت من الآله - حروس – ذو العين الزرقاء وهو اله السماء والنور والخير عند المصريين القدماء ومن هنا جاءت الكلمة العربية - حارس – وكان اللون الازرق في عقيدة المصريين مرتبط بزرقة السماء التي تسبح فيها الشمس والتي هي مقر وعيش الآلهة والتي تحمي الانسان وتباركه.. وانتقلت هذه المعتقدات الى الاحجار الكريمة والخرز  من جيل الى آخر حتى يومنا هذا حيث نرى اهلنا في العراق خاصة الجنوب يعلقون على مداخل الابواب وعلى جبهات الاطفال الخرز الزرقاء  او ما يسمونه الشذر والعيون المفتوحة الزرقاء وعلى صدور النساء واصابع الرجال بقصد طرد الشر والحسد...

1899 اللون الازرق 3

وهي معتقدات قديمة تعود الى اهل الرافدين القدماء.. وكان العرب يتشائمون من اللون الازرق ويعدون الروم اعداء لهم لان الوان عيونهم زرقاء. كما ان حكاية - زرقاء اليمامة – التي يقال انها كانت لها قوة بصر خارقة وتستطيع ان ترى على مد مسيرة يومين. وفي احد الايام  نظرت من اعلى احد البنايات واخبرت قومها بان هناك عدو قادم يزحف عليهم فلم يصدقوها... فداهمهم العدو وخرب بلادهم وكانت النتيجة كارثية كبيرة على قومها رغم انها نصحتهم. فاعتبروها شوئم وشر. واليوم لازال هذا المعتقد يردده البعض عندما يرى احدا غاضبا يقول عنه امزورق (امزورك).

الخزف الاسلامي

1899 اللون الازرق 1عندما ظهر الفنان المسلم كانت لديه خلفية حضارية وتجربة راقية عريقة متكاملة في التعامل مع الطين حيث مكنه هذا من خلق انواع جديدة تمتاز بالريادة والسبق والرقي في مجال الخزف.. وكانت صناعة الخزف في العصر الاسلامي قد فضلت على غيرها من اواني الذهب والفضة بعدما ظهرت احاديث نبوية تحرم استخدامها وذلك لما لها من انعكاسات لمظاهر الترف والبذخ والعلو على الآخرين.

و قد ابتكر الفنان المسلم نوعا من الخزف يتسم برقته وشفافيته بحيث يمكن النظر من باطن الاناء لترى اليد الموضوعة خلفه، كما قام باول تجربة ناجحة فيما يطلق علية- البريق المعدني الخزفي – وهي تجربة رائدة لم تكن مألوفة سابقا حيث استعمل الصبغ الذهبي ذي البريق المعدني بدلا من صفائح الذهب. وقد ابتكرها اهل العراق واستعملوها في رسم الزخارف على الاواني الخزفية ثم انتقلت الى مصر. وفي المتحف الاسلامي في القاهرة نماذج من هذا النوع.

1899 اللون الازرق 2وتعددت اساليب انتاج الخزف كما تعددت الزخارف التي يزين بها هذا الانتاج فاستخدم الرسم بالالوان تحت الطلاء الزجاجي الشفاف كما استعمل التذهيب فوق الطلاء وكذلك الحفر والتخريم والمينا فظلا عن البريق المعدني الذي يميز الخزف الاسلامي عن غيره وقد تألق في العصر العباسي. وعثر على نماذج منه في مدينة سامراء والفسطاط في مصر..

وعبر الخزف الاسلامي الى اوربا عن طريق الاندلس وانبهروا به وظهرت مصانع راقية في الاندلس زمن العرب واشتهرت مدن طليطلة وبلنسية وطلبيرة في صناعته. وكان يسمى في الاندلس azulejo وهي كلمة متأتية من اصل عربي يعني - زليج - او زليق من يزلق – وهو اشارة الى نعومة وبريق سطح الخزف خاصة الكاشاني... او ربما تحريف من لازود – ويسمى في مصر زليزلي وفي اليابان يسمى فرفوري من مدينة فرفور وقاشاني نسبة الى مدينة قاشان في ايران.. وغيرها من الانواع. وقد زرت بعض المدن الاندلسية والتي لازالت صناعة الخزف فيها متوارثة ومنتعشة مثل مدينة طلبيرة Talavera حيث نشاهد لوحات قطع السيراميك تزين جدران المقاهي والمنازل والمسطبات في الساحات العامة وكذلك الاواني والتحفيات التي تباع في المحلات للسواح، وايضا يوجد هناك في المدينة متحف خاص للخزفيات (السيراميك) وفيه نرى تاريخ هذه الصناعة ونماذج مادية منها، منذ تاريخ العرب والمسلمين. ولازالت آثار المسلمين موجودة في المدينة القديمة من اسوار وابواب وعمارة مدجنية كابراج الكنائس وغيرها.

1899 اللون الازرق 4

وقد تطورت الزخارف في طرق تنفيذها وظهرت عليها مختلف المواضيع وباشكال هندسية ونباتية وحيوانية واشكال اسطورية وغيرها كما اصبحت صناعته خاضعة لابتكارات الفنان وابداعاته وذوقه. واصبح مفخرة من مفاخر الفن الاسلامي حيث صنعت به الاواني والاوعية والبلاطات المزججة التي حلت محل الكلس والجص وغيرها من اكسية الابنية.. كما عمد بعض الفنانين الى بناء لوحات جدارية كبيرة من بلاطات الخزف وبتعبيرية غاية في الجمال والابداع..

 

د. كاظم شمهود

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5153 المصادف: 2020-10-14 04:05:43