 قضايا

جمعة عبد الله: قراءة في رواية (جاسم وجوليا) للاديب زيد الشهيد

جمعة عبد اللهيتناول المتن الروائي عدة محطات حيوية تخص الشأن العراقي، من الارث الحضاري لحضارات سومر القديمة، الى عهد النظام الطاغي وعشية سقوطه على يد المحتل الامريكي. يعني التناول يبدأ من العلى المجد الحضاري، الى السقوط المذهل في اسفل القاع. والاديب (زيد الشهيد) يملك القدرة المتمكنة من ضبط الايقاع الروائي، وتداعيات احداثه المتسارعة والمتلاحقة، عقب دخول المحتل قلب بغداد. هذا الحدث العاصف يدشن سقوط النظام ودخول العراق في طورٍ جديد بفتح صندوق (باندورا) وتطاير كل الشرور منه لتسميم سماء العراق وبغداد. بدون شك لم يأت الاحتلال اعتباطاً ومفاجئة، وانما هناك عوامل اختمرت ونضجت وتراكمت حتى سقوط النظام، واتضح أن قبضته الحديدية المتسلطة على رقاب الناس كانت من فقاعات هوائية تبخرت وانتفت، كان تبجحه بالغطرسة القوة الباطشة والمتسلطة، لكنها اتضحت بأنها كانت  نمر من ورق، أو بالعبارة الاصح كان خروفاً بجلد الاسد المتوحش الكاسر، ونزع جلده واتضح حقيقته عارية واتضح زيفه للعيان ، بأنه تبخر وانهزم وبات مذعوراً يفتش عن جحور يلجأ اليها. ولكن من الجانب المحتل لم يكن المخطط لم يقتصر فقط على اسقاط النظام وتدمير العراق بالخراب والفوضى، بل تعدى اكثر من ذلك، هدفه الشرير هو تحطيم الارث الحضاري وتكسير ونهب كنوزه الحضارية التي لا تقدر بثمن، من أجل جعل العراق منقطع الجذور، مننقطع من الاصل والنسب من مجده الحضاري التليد، وما عميلة تحطيم محتويات المتحف العراقي، والعبث بها بالتخريب والنهب والتهشيم، لم يكن إلا مخططاً معداً سلفاً، بدليل الدبابات الامريكية المتواجدة أمام بوابة المتحف، اكتفت بدور المتفرج لعمليات النهب والتحطيم والتخريب، رغم توسلات واستغاثة الشخصية الروائية المحورية (جاسم)، بطلب التدخل في وقف النهب والتخريب الحاصل داخل المتحف، يرد عليه قائد الدبابة بكل بصلافة (آسف. هذا ليس واجبنا) ص253. عاشت بغداد ايام مرعبة وعاصفة قلبت حياتها، لم ينقطع هدير الطائرات الحربية عن سماء بغداد، لم ينقطع القصف الصاروخي الرهيب، يضرب في كل زاوية من بغداد. لتكون بغداد شهية النهب والخراب والحرائق. والقبضة الحديدية التي كان يتفاخر بها النظام بالارهاب. سقطت وفقد السيطرة على مسك زمام الامور. وتحولت بغداد الى الانفلات والفوضى والعبث العابثين. هذا النظام المرعب الذي بني على مدى ثلاثة عقود تتهالك قوته وتتحطم مثل فقاعات هوائية. بل رجالاته وضباطه هربوا وكل همهم يفتشون عن جحور تأويهم. فقد سقط النظام المرعب الذي ينتهك ابسط الحقوق، وجعل الناس تعيش في خوف ورعب دائم، أنقلب السحر على الساحر. ولكن من كان يصدق الاهوال التي سقطت على رأس بغداد المنصور (منْ يصدق أن بغداد المنصور المدورة تترك مكتوفة اليدين، خاوية، ومتهالكة، وموحشة ؟! من يضع في حسبانه أن حسناء الرشيد تتقرفص على نفسها أسيرة، عليلة، ذليلة، بائسة ؟!) ص155. ولكن هذا ما حصل بوقوع الكارثة، التي تجرع فيها الناس المرارة والعلقم، مثلما تجرعوا اهوال النظام الطاغي على مدى اكثر من ثلاثة عقود. متمسكاً بشريعة الارهاب والبطش والتنكيل. لقد تركوا العراق يدمر ويخرب ويحطم. ليكون شهية العابثين من الجهلة والسراق من النفوس والذمم الضعيفة، الذين هبوا بالنهب والتخريب واشعال الحرائق من ضمنها محتويات كنوز المتحف العراقي. وبراعة الكاتب (زيد الشهيد) يحاول حشر الباحث والكاتب المشهور (طه باقر) المتخصص في ابحاثه عن حضارات سومر القديمة، وافنى حياته في التنقيب عن الكنوز الحضارية وشخوصها البارزين، يحاول المتن الروائي حشره ضمن شخوص الرواية. ليجد بنفسه محتويات المتحف تحولت الى ركام من التحطيم والخراب، ليبكي معه على الحالة المأساوية بما حدث داخل اروقة المتحف العراقي. ان يتحول التراث الانساني الى ركام من الازبال (صار يبحث عن طه باقر متمنياً تلك اللحظة مشاهدته ليبكي بين يديه ويرجوه أن يأخذه معه الى العالم الآخر ففيه راحة أبدية، تبعده عن ضغينة بني البشر عدوانيتهم ووحشيتهم.... صار يأمل مشاهدة جلجامش وسرجون ونبوخذنصر وآشور بانيبال وجوديا ليعتذر لهم ويشكو قلة حيلته في مجابهة الاعداء المهاجمين) ص254. هكذا تحولت أروقة المتحف الى مشاهد مخزية للعراق على مراى من انظار العالم. بأن ارثه الحضاري المجيد يصبح شهية العابثين.

احداث المتن السردي:

يتحدث السرد الروائي عن ٍأستاذ اكاديمي (جاسم شلال) درس في لندن وتعرف على فتاة اسكتلندية (جوليا) واقتران بعد ذلك بالزواج منها، وتحدث عن هويته أمام جلسة التحقيق بعد اعتقاله في قبضة الامن عند زيارته للعراق (أنا جاسم شلال مواطن عراقي عدت من انكلترا الى بلدي، وبي حنين الطفل لأمه وشوق الحبيب لحبيبته، عدت لالبي نداء الروح التي دفعتني الى ضرورة مشاهدة أمي العليلة، المتهالكة) ص55. كان الحافز لزيارة أمه المريضة بسرطان الكبد قبل ان يخطفها الموت. هذا الحنين الطافح لم يعطِ الاذان الصاغية الى التحذيرات الخطيرة، حتى رفضت زوجته (جوليا) فكرة القيام بهذه الخطورة في زيارة العراق. قد يجد بما لا تحمد عقباه. ولا تحذير شقيقه (سالم) الناشط السياسي المعارض للنظام الطاغي، وقد هرب منذ عقدين من الزمان الى المانيا من بطش وارهاب النظام بقبضته الحديدية الدموية. وفي المانيا واصل نشاطه السياسي المعارض. حذره من الوقوع في السجن حتى الحكم بالموت عليه. ولكنه اصر على زيارة العراق، واعتقل مباشرة قبل ان يصل الى مدينته الجنوبية، واتهام بتهمة التجسس. ومارس بحقه بشاعة التعذيب الجسدي والنفسي، حى يعترف بتهمة التجسس، رغم أنهم يعرفون بأنه بعيداً عن الشؤون السياسية، مكرساً خدماته لتدريس في الجامعة. لكنهم لم يصدقوا اقواله، بأنه يكذب عليهم، وانه اذا لم يعترف بتهمة التجسس فسيكون مصيره الموت البطيء، ولكن اثناء عشية الغزو الامريكي، والاجواء المرعبة من القصف الصاروخي المتواصل، قلب حياة بغداد الى الفوضى والانفلات والرعب. وبدأ اركان النظام يتزعزع  ويتهشم ويتفتت، وتيقنوا رجاله وضباطه بأن المصير الاسود ينتظرهم، وراح كل واحد يفكر بالنجاة بنفسه، وترك سفينة النظام تغرق وحدها. أراد العريف (برهان جابر) سجان في الشعبة الامن الخامسة، ان يكفر عن ذنوبه واخطاءه ومعاملته السيئة مع السجناء، تيقظ ضميره واراد ان يفعل الخير والمعروف لسجناء، في استغلال حالة الارتباك في مؤسسته الامنية، ان يفتح بوابات الزنازين ويدعو السجناء الى الهروب (أن يفعل خيراً عله يشفع له أمام خالقه، فيمسح عذابات سببها لاناس يدرك ان غالبيتهم أبرياء لا جناية ارتكبوا ولا موبقة فعلوا، فقط كانوا أقرباء لمتهمين أعدموا ظلماً أو هاربين لا يد طولى للسلطة على أعتقالهم وقتلهم. العريف برهان فكر في القصف الذي جرى قبل يومين في فتح ابواب الزنازين وترك السجناء يفرون من قفص القهر لفضاء الحرية بينما يتوارى هو عن الانظار، فالسلطة كما يتلمسها خارت ووهنت) ص94. وهرب (جاسم) مع بقية السجناء واراد ان يصل الى مدينته الجنوبية. لكنه وجد الفوضى وانتشار السيطرات للتفتيش في الشوارع بحثاً عن السجناء الهاربين، فنزل من السيارة وتراجع الى الخلف حتى وجد نفسه محاصر قرب المتحف العراقي، فتسلق سياجه واختفى تحت شجرة الزيتون وبعد ذلك تسلل الى قاعات المتحف، ولم يخرج إلا بعد سقوط النظام.

الدلالة الرمزية لشجرة الزيتون والمتحف العراقي:

عرف قديما منذ الحضارة الاغريقية، بأن شجرة الزيتون شجرة السلام والمحبة والتآخي. والعراق لا يمكن ان يخرج من النفق المظلم، إلا بسلام مع الطوائف ومكونات الشعب على اللحمة الوطنية.

اما من ناحية المتحف، العراق منذ ان ابتعد عن الارث الحضاري المجيد، داهمته الفترات المظلمة المتعاقبة حتى سقوط نظام البطش والارهاب. وتكالبت عليه الاهوال والنوائب، ولا يمكن ان يشهد الانفراج إلا بالرجوع الى اصله الحضاري المجيد، حضارات سومر القديمة، وإلا يكون لقمة سائغة للاطماع العدوانية الاجنبية، لابد ان يملك قراره الوطني المستقل، غير ذلك يعني الخراب الدمار.

× الكتاب: رواية جاسم وجوليا

× المؤلف: زيد الشهيد

× الطبعة الاولى: عام 2016

× عدد الصفحات: 261 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

تستحق هذه الرواية وقفة مفصلة.
و بالأخص أنها صدرت بطبعة أولى بعنوان سجين في بغداد. و ربما هذه النسخة منقحة عنها قليلا. فأنا لم أقارن بين الطبعتين.
تعتمد الرواية كما تفضلت على اذلكرة و التعليق و المونونولوجات التاريخية و الحضارية.
قرأت لزيد الشهيد رباعية عن الليل: واحدة منها تشبه هذه الرواية. إنما تعيد كتابة سيرة آنا أخماتوفا بطريقة إحيائية.
أعتقد أن لزيد اشلهيد عدة محطات و أساليب. من رواية عن تاريخ مدينة. لرواية عن تاريخ أشخاص. لرواية شعرية. على شاكلة روايات حداثة الثمانينات التي طغت على المشهد السوري.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد والمترجم الاستاذ صالح الرزوق
نعم ان الاديب الاستاذ زيد الشهيد بارع ومتمكن من تقنيات اسلوب واساليب الحدث السردي , ويستحق القراءة والوقفة والاهتمام . الحقيقة لا اعرف إن كان عنوان الرواية : سجين بغداد
تحياتي وشكري

جمعة عبدالله
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5387 المصادف: 2021-06-05 03:21:29


Share on Myspace