 أقلام فكرية

علي محمد اليوسف: النرفانا طريقة صوفية تعدم الحياة

علي محمد اليوسفتعريف وتعقيب

في الاعوام 1802 – 1804 نشر انكتيل ديبرون مجلدين جمع فيها خمسين اوبنشاد أحضرها من الهند في لغتها الاصلية الفارسية وترجمها الى اللاتينية – الاوبنشاد هي التسمية الصوفية البوذية الهندية التي ترجع أصولها الى بلاد فارس تتوزعها تعاليم بوذا الدينية المقدسة تقع في خمسين فقرة - .

والنرفانا هي قمة الوصول الصوفي للاوبنشاد في نفي النفس ذاتيا والانطفاء والتلاشي في تعاليم بوذا التي تؤكد الفناء في قيم الخير المزروعة في نفس الانسان بالفطرة، والابنشاد تختلف عن الطرق الصوفية الاخرى السائدة عالميا سواء الدينية منها وغير الدينية، فهي لا تدعي فناء النفس الصوفية بالحلول في الذات الالهية ولا التلاشي الروحي في الطبيعة . بمعنى هي لا تشبه صوفية الاديان المؤمنة بالخالق ، ولا هي تؤمن بصوفية مذهب وحدة الوجود بل هي صوفية وثنية تؤمن بالاله بوذا فقط  كما لا تؤمن بيوم القيامة والحساب  .

النرفانا كما اشرنا هي أعلى مرتبة يصلها المتصوف البوذي في إعدامه (اناه) كوجود إنساني بوعي قصدي مسبق في تجريد النفس وانفصالها عن العالم الخارجي تماما. والنرفانا كلمة مصدرها اللغة السنسكريتية التي تعني حرفيا الانطفاء أو الخمود أو الفناء الصوفي، وهي ترجمة لمعنى أنه لم يعد هناك (نفس) – يلاحظ البوذية لا تعتبر النفس والروح دلالة لمعنى واحد كما نجده يجري الخلط بينهما بالفلسفة وبعض كتب الاديان، من حيث النفس هي جوهر انساني يمتلكه الانسان ويستطيع التصرف السلوكي به والتصرف الذهني النفسي بالحياة بضوئه وهو ما لا ينطبق على الروح التي لا تمتلك تجليّاتها التي يدركها العقل - .

 الروح تعتبر علاقتها بالجسد لا يحدها الادراك العقلي المحدود، ولا يعني هذا أن البوذية تعتبر الروح داخل الجسم الحي هي معطى فطري زرعه الخالق في جسد معبوده ويستعيدها منه بعد وفاة الانسان جسديا، والعديد من الانبياء والرسل والفلاسفة والمفكرين يعتبرون الروح لا تموت ولا تفنى بفناء الجسم وتبقى خالدة لعل ابرزهم من الفلاسفة ديكارت وما تحتويه كتب الاديان التوحيدية الثلاث. فناء النفس صوفيا أو انطفائها في البوذية حين الوصول ذروة النرفانا تعتبر الهدف الاسمى المنشود من التأمل في الفكر الصوفي البوذي. وهذه الذروة في النرفانا هي حالة الإستنارة والتحرر من كل الوجود المادي والعالم الخارجي في الديانة البوذية.

كما يرى البعض أن النرفانا هي مرحلة الوصول الصوفي درجة إنعدام فكرة "الانا كجوهر" إنعدام الذات الذي تنعدم وتموت معه بالتبعية جميع الرغبات الدنيوية والغرائز عند المتصوف كإنسان يعلو طبيعته الآدمية.

وفي هذا المعنى أدان العديد من الفلاسفة الصوفية البوذية تدميرها الذات وجعلها الانسان يعيش هامشا بلا أدنى معنى أو إهتمام بالحياة التي يحياها المجموع قبل الممات. النرفانا يحاول البعض موازنة ما تحمله من جوانب ايجابية غير سلبية في تدميرها الذات مثل تاصيل نزعة حب الخير الشامل للجميع، والتعاطف الانساني مع جميع الموجودات بما اطلق عليه كارونا  Karona . (امام عبد الفتاح امام /معجم ديانات واساطير العالم، مكتبة مدبولي، القاهرة مج3 ص 31).

النرفانا لا تجد إعجاز الخالق هو في جوهر موجوداته المخلوقة التي تتوزعها الطبيعة وهو ما يعتمده مذهب وحدة الوجود لدى اسبينوزا فقط دون الاديان التوحيدية في مذهب الصوفية. لذا الصقت بإسبينوزا تهمة الهرطقة والتجديف بالديانة اليهودية التي أهدرت الكنيس أو المجمع اليهودي دمه في هولندا نتيجة خروجه الديني التوراتي في إنكاره المعجزات والاكثر من ذلك أنه  كان يؤمن بما لم يستطع الافصاح عنه لكنه أراد الالتفاف عليه فلسفيا قوله لا يوجد اله في السماء لا يدركه العقل أوالتحقق منه، فهو جوهر خالق غير مخلوق وجوهره تتوزعه موجودات الطبيعة التي لا تدركه عقولنا المحدودة ايضا. ووجودنا الارضي يفهم بدلالة جوهر الخالق. وهو ما لم تقل به الفلسفة لاقبله ولا من بعده.

وبهذا الفهم والمعنى القريب منه حين سئل انشتاين عن أي إله تؤمن به قال أنا اؤمن بإله اسبينوزا، والجواب في حقيقته التفاف عبقري يصدر عن مثل انشتاين في الهروب من الاجابة المباشرة المحرجة أن يبقي قضية الحاده لغزا غير محسوم كما فعل اسبينوزا من قبله. وكذلك فعل بيراتراندرسل وهو على فراش الموت حين سئل ماذا ستقول لو وجدت الله موجودا في عالم ما بعد الموت ينتظرك في السماء؟ أجابهم رغم عدم قناعتي بصيغة السؤال ساقول له – يقصد الله – لماذا لم تعطني الادلة الكافية الكاشفة عنك كي اؤمن بك؟. ومن نافل القول أن باسكال كان براجماتيا صرفا في الايمان بالله نظرته الفلسفية أن المؤمن سوف لن يخسر شيئا اذا ما كان وجود الخالق موجودا حقيقيا أم غير موجود. المهم أن يتصرف الانسان طيلة حياته مؤمنا بوجود الله وسيكون في النتيجة لم يخسر شيئا. يروى والعهدة على الراوي أن أحدهم سأل رفيقا ماركسيا متدينا كيف تجمع بين ايمانك الديني وإلحادك الماركسي، فأجابهم وهل تجدون كثيرا عليّ أن أربح الدنيا والاخرة معا؟ .

التعقيب: بضوء النص المقتبس عن النرفانا الذي أجزنا لانفسنا التصرف فيه وتضمينه تعقيبات توضيحية ومداخلات نرى تثبيت التالي:

- النرفانا مرحلة هي ذروة مراحل الطريقة الصوفية البوذية تتمركز حول إفناء الذات أو النفس، خارج الاهتمام حول مركزية الخالق من جهة أو الطبيعة من جهة أخرى، ولا تدعي النرفانا هدفها الصوفي الحلول لا في الذات الالهية ولا حلولها في الطبيعة في الاستدلال الايماني على وجود خالق إله غير الاله المعبود بوذا.

- إعدام (الانا) الذات الايجابية في النرفانا وعي قصدي تقوده رغبة تجاوز ما تراه النفس وتحسّه من عالم مادي يحيطها، وإعدام الانا في البوذية هي نزعة الحادية توثينية في جوهرها، بمعنى لا هي صوفية تتقرب من ترضية الاله في التوحيد، ولا هي ممارسة دينية تهتم بخلاص الاخرين من شرور دنياهم فمركزية الذات تلغي أهمية المجموع، وهذه الترجمة لتعاليم بوذا إحداها تقول "ابحث عن خلاصك بنفسك" . يلاحظ هنا كم هو الارتباط الذي يجمع هذه المقولة بالفلسفة الوجودية أن الانسان قذف به الى الوجود من غير رغبته وعليه خلاص نفسه من المأزق الذي حشر فيه رغما عنه.

البوذية في إدانة الفلاسفة لها أنها تشن بلا سبب مبرر انساني حربا شعواء على الذات وتدميرها وخلعها من كل رابطة لها في نزعة رغبتها الاستمتاع بالحياة. إنما هي ديانة غارقة في إعدام حياة الارض دونما إعطاء أمل بسيط بديل لمعناها الارضي ولا ما ورائه..

- الذاتية الأنوية المتمركزة حول رغبة تدمير الذات بوعي قصدي تصوفي في البوذية، بمعنى رغبة جعلها الذات لا تعيش الحياة لنفسها بل تعيش من أجل الحياة التي تقوم عليها شريعة بوذا المعبود في تطبيق تعاليمه حرفيا، لذا رغبة الانطفاء النفسي الذي تنشده ذروة النرفانا إنما هو إنطفاء كليّة الوجود الانساني تماما عن العالم الخارجي.

وهذا النوع من الطقس البوذي هو التدرج في معارج الوصول الانتحاري المدّمر البطيء للذات والنفس إنما هو في حقيقته نوع من التطهير النفسي والجسدي من كل الشرور الدنيوية حتى تصل فيه النفس مرحلة الانطفاء الوجودي.

- النرفانا كما ذكرنا تصل قمة بلوغ إعدام الذات وإنطفاء النفس ولا تدعي الحلول في الاله المعبود لها بوذا ولا غيره. كما يلاحظ في صوفية الاوبنشاد أن الفرد البوذي لا علاقة دينية تربطه بمذهب وحدة الوجود خاصة كما إشتهر به اسبينوزا علما أن التعاليم البوذية سابقة بقرون طويلة فلسفة اسبينوزا في وحدة الوجود.

-  ولا تؤمن البوذية الحديثة ولا القديمة بجوهر ازلي يحكم الوجود هو خالق غير مخلوق لا تدركه العقول. بمعنى اسبينوزا أراد تاكيد وجود الخالق غير المدرك في وجوده السماوي هو الله المدرك وجوده في موجوداته المدركة في الطبيعة على الارض فقط وليس في وجوده غير المدرك بالسماء.. كما من الملاحظ أن البوذية تلتقي الاديان التوحيدية في حقيقة جوهر التدين يقوم على رابطة ثنائية قطبيها الخالق والمخلوق السيد والعبد، لكن بإختلاف جوهري أنه في البوذية يسعى الانسان إعدام حياته الارضية من أجل لا شيء يعقبها أي هي علاقة سلبية محض، بخلاف الاديان التوحيدية التي ترى التدين الانفرادي في ثنائية الخالق والمخلوق يسعى الانسان الفرد فيه ليس خلاص نفسه فقط بل خلاص مجتمعه معه في الايمان بحياة أخرى تعقب موت الانسان وفنائه الارضي..

- حركة جسم الانسان في اليوغا وفي الاديان الوثنية السابقة على الاديان التوحيدية، هي نوع من السمو النفسي العابر سلوك الانسان الطبيعي في سعيه اشباع رغباته الغريزية الفطرية البيولوجية والجنسية، وهذا لا يتم إلا من خلال إشباع حركات الجسد روحانيا بما يبطل رغبات النفس البيولوجية تماما ويطفؤها و يوقف حاجات الجسد وإخماد رغبة الذات أن تكون غير مسّيرة منقادة لتحقيق واشباع رغائب الجسد.

وتكون حركات الجسد الذي هي جزء من طقس البوذية هي ترجمة إلغاء حاجات الانسان البيولوجية تماما في تحرير النفس وخمودها بالانطفاء الوجودي الذي يكون مصدر مثيرات النوازع النفسية. وتعتبر حركات الجسد في اليوغا الطقسية وغيرها هي إنصراف تام عن الاهتمام بحاجات العالم الخارجي.

- لماذا ترتبط حركات الجسم في اليوغا بانفعالات النفس الروحانية الصوفية المتعالية على رغائب الجسد؟ في جميع الطقوس الدينية تكون حركات الجسم تعبير ملازم لاستشعارات النفس الروحية الدينية. سواء في الصلاة أو الطقوس التعبدية التعبيرية الاخرى التي تتخذ صورا واشكالا لا حصر لها خاصة بكل ديانة لوحدها وأحيانا تختلف حتى في المذهب الديني في الديانة الواحدة، ولا يكتمل الطقس الديني من دونها.

مثل إغماض العينين أثناء الدعاء وفي الصلاة مع اتخاذ حركة اليدين صورة توسل رحمة الخالق في السماء يرافقها وضعية معينة للجسم تعبيرية روحانيا تنسجم ولغة الاستبطان النفسي الداخلية الدينية في تحرير النفس من العالم المادي الخارجي تماما. مثال ذلك حين جرى تقطيع جسم الحلاج قطعة بعد أخرى كان كما روي عنه  يمسح بالدماء وجهه كوضوء وكأنه يصلي بين يدي الله لا بين يدي الذين يقومون التمثيل بجسده وتقطيع اوصال جسمه.، هنا في هذه الحالة وعدة استشهادات لائمة الصوفية المسلمين كما فعلوا بنجم الدين السهروردي وابن عربي وغيرهما كانوا هؤلاء الصوفية وصلوا في مدارج ما يسمى العرفان الصوفي في تحررهم من إحتوائهم الروحي النفسي داخل  الجسد وتحررهم تماما من نزعات النفس الحسيّة في تعاليهم وتساميهم فوق الوجود الذي نحن نعيشه كبشر بحيث غدت اجسادهم لا تقع تحت سطوة الموت بيولوجيا ولا سطوة الالم الذي نحن نستشعره في ابسط اشكاله. وإلا بأي منطق عقلي نفسر مثل هذه الحالات الصوفية العابرة لوجود الجسد وتعالق النفس بالخالق غير أنها خوارق إعجازية لنظم الطبيعة الانسانية التي تحكمنا كبشر عاديين.

لا أستطيع مقارنة هذه الحالات الإعجازية في خرق قيمومات النفس والجسد الانسانيتين الطبيعتين بحالات المشي على جمر النار ولا في بعج البطن بسيف ولا في إدخال المسامير بالجسم وأكل الزجاج وغيرها من خوارق للعادة الطبيعية الانسانية موجودة في معظم الاديان تقريبا ولا نعرف تماما إذا ما كانت صادقة أم كاذبة؟ ليس من ناحية حدوثها الفعلي أمامنا بطرق إستغفالية لحواس المتلقي العادي لها، بل من ناحية كيفية اكتساب صاحبها ممارستها وسبب هذه الممارسة غير العادية ؟ وسبب ربطها بالدين والى ماذا تتوخى الوصول له. فتعزيزالايمان بالله أو غيره وثنيا لا يكون بمثل هذه الطرق.

وعديدون نجدهم وهم ليسوا من غلاة الشعوذة اليوم بل من اصحاب الشهادات العليا في اختصاصات علمية يؤمنون بكرامات يخص الله بها بعضا من عباده هي بمثابة درجة من درجات معجزات الانبياء. أذكر أحدهم وهو علامة في الدين والفلسفة ينسب وبقناعة تسليمية دينية واثقة إيمانه بكرامات إعجازية لأئمة مسلمين وليسوا انبياءا مثل كان من تلك الكرامات لبعضهم الجلوس في الهواء بعيدا معلقا عن الارض أو كان يسمعه وبلا مايكروفون ولا مكبرات صوت اشخاصا جالسين بمئات واكثر من الامتار بعيدين عنه مسافات ربما تصل الى بضعة كيلومترات. ويعرف ما يقوم به شخص من حركات هو جالس في مجلسه الذي يحضره الاف الناس المريدين على بعد اكثر من عدة كيلومترات من مكان الشيخ صاحب الكرامات. 

ما ذكرته في نماذج يؤمنون اصحاب الكرامات هم ليسوا مشعوذين ولا سحرة ولا شائبة في تدينهم وهنا تكون عهدة التصديق أو عدمه على الراوي الذي غالبا مايكون تدينه المعلن لا غبار على صدقية ما يؤمن به ولا يلزم غيره...

ما رغبت التاكيد عليه في هذا الاستطراد أن بعضا من تجارب الصوفية الحقيقية الصادقة تصل بصاحبها مرحلة الموت السريري بالنسبة لعالمنا الوجودي الذي نعيشه وهو حي يمارس إيمانه الديني تساميا روحيا خارج تعالق الروح بالجسد عندما يحرر النفس من بيولوجيا الوجود في عالمنا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5467 المصادف: 2021-08-24 11:43:49


Share on Myspace