 قراءة في كتاب

عبده حقيقراءة في كتاب: انحدار من هنا: انعدام الأمن في التقاعد في عصر عدم المساواة للكاتبة الأمريكية كاثرين إس.

منذ سنوات عديدة، كان التفرقة العمرية واحدة من "المذاهب"، إلى جانب العنصرية والتمييز على أساس الجنس والقدرات، وهي أمور مرفوضة في الخطاب التقدمي وغير قانونية بموجب قانون مكافحة التمييز - على الأقل من الناحية النظرية. ومع ذلك، لا يزال التمييز ضد كبار السن هو الأكثر شيوعًا وغير المدروس والمقبول بشكل عام من بين جميع تحيزاتنا.

على سبيل المثال هناك وسائل الإعلام، من الإعلانات إلى الأخبار، التي تصور الشيخوخة بشكل حصري تقريبًا من حيث الخسارات - القدرات الجسدية والعقلية، ومكافأة العمل، والمال، والرومانسية، والكرامة. تقودنا تلك الصور المحزنة والمقلقة في كثير من الأحيان إلى الخوف من قدر الشيخوخة. ولكي ننأى بأنفسنا عن هذا القلق، نعتبر كبار السن غالبا هم "الآخر" ونهمشهم، ربما بشكل أكثر وضوحًا في الملاحظات العرضية المتعصبة للغرباء.

لقد أصبحنا أكثر عرضة للخطر على مر السنين في أنظمة رأسمالية تعامل الناس بالفعل على أنهم مستهلكون لا غير. الكاتبة أبيلوايت، على الرغم من نبرتها المتفائلة، في كتابها الأخير تصف هذا النظام بالرأسمالية العالمية، كما هو الحال عندما تنتقد حكاية صراع الأجيال. الصورة التي يتم استحضارها هي أن كبار السن مجرد ناس جشعون يبتلعون الوظائف والمنازل والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، ولا يتركون شيئًا للجيل القادم.

إنه لمن السهل الانجرار إلى لعبة إلقاء اللوم على الأجيال، وتحريضها على التفرقة العمرية الكامنة، ونسيان أن النظم الاقتصادية ليست ظواهر لا هوادة فيها مثل الجاذبية أو الزمن؛ بل هي نتيجة اختيارات إنسانية . في الواقع، بدلاً من اعتبار كبار السن كائنات مثل العلقات، يجب أن نتذكر أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يتحقق بين جميع الأجيال. إن كبار السن جزء لا يتجزأ من المجتمع. لقد دعم معظمهم الشباب وكبار السن بعضهم البعض بأي طريقة كانت متاحة. وسواء كانوا نشطون ويعملون أو متقاعدين، فإنهم يقتنون المنتوجات والخدمات ويدفعون الضرائب ويساهمون بالعمل والدعم والتمويل لأسرهم ومجتمعاتهم.

الكاتبة أبلوايت تختتم بيانها بتوصيات صادمة على أنها أجزاء مما يمكن أن يكون صفقة جديدة وعظيمة للعمر. يمكن أن تبدأ بمزيد من المرونة في التوظيف حتى يتمكن الأشخاص من الحصول على وظائف لمدد أطول، مع مزيد من الوقت للتدريب والاستكشاف ومتانة العلاقات العائلية فضلا عن وضع الموارد في تصميم يسهل الوصول إليه للأماكن العامة، بالإضافة إلى برامج لدعم التنقل للأشخاص من خلال الأعمار والقدرات. فمن شأن هذا تسهيل اندماجهم في المجتمع، وسيكونون في وضع جيد للمشاركة بسبب التحسينات في قطاع السياسة الصحية والممارسة السريرية والتمويل والبحث. وإذا كانت هناك حاجة، في نهاية العمر، إلى مزيد من العناية المركزة، فسيتم تعويض العمال وأفراد الأسرة الذين يقومون بأعمال رعاية مدفوعة الأجر.

الحقيقة هي أن تحسين الأنظمة لتشمل كبار السن من شأنه تحسين الازدهار ونوعية الحياة للجميع.

كل ذلك يدعونا اليوم إلى حركة جديدة ضد التمييز على أساس السن وتعيين ممثلين وصانعي سياسات مسؤولين اجتماعيًا في مناصبهم. كما يتطلب ذلك نوعًا من زيادة الوعي والتحريض الذي يدور الآن حول قضايا العرق والعدالة والمناخ والجنس. الخطوة الأولى هي الاستيقاظ على الأضرار الحقيقية للتفرقة العمرية ورفض إطعام الوحش الاقتصادي بكلماتنا وأفعالنا.

***

عبده حقي

 

طارق بوحالةأصدر الباحث والأديب الجزائري الدكتور علاوة كوسة منذ أيام قليلة كتابا جديدا وسمه بـ: الأنساق المقنعة في الشعر الشاهدي العربي عن دار النشر الفتيّة "فكرة كوم للنشر والتوزيع" الجزائر "2022" ، ويندرج موضوع هذا العمل في إعادة قراءة الأشعار المكتوبة كشواهد ونقوش على القبور والأضرحة المترامية في كثير من الأقطار العربية، وذلك من منظور الإجراء النقدي الذي يتيحه نشاط النقد الثقافي، حيث حاول الباحث الغوص في هذه الشواهد الشعرية، ثم الكشف عن المضمرات النسقية المختزنة، وتأويلها في ضوء جملة من المعطيات والسياقات المنتجة لها.

ومما يحسب للباحث أيضا أنه قد بذل جهدا كبيرا في جمع هذه الأشعار من أمكنة عديدة، إذقام بزيارة بعض الأماكن في الجزائر وخارجها للحصول على هذا الأشعار، كما اتصل ببعض الأصدقاء لتزويده بما يملكون، وأيضا العودة إلى الكتب والمؤلفات المتضمنة لبعض الشواهد قديما وحديثا، وهو ما سمح له بعد ذلك بإخراج معجم يتضمن كل الأشعار المجموعة وتضمينه (المعجم) في كتابه.

لقد وظف الدكتور علاوة كوسة خبرته في مجال النقد الأدبي، و-هو صاحب الدراسات العديدة في مجال نقد الشعر والقصة والرواية والقصة القصيرة جدا وغيرها- ليطعّم هذه الخبرة بعد ذلك بالاشتغال على مقولات النقد الثقافي، وتوظيفها في قراءة الشعر الشاهدي، كما لم يغفل عن إبداء جملة من الآراء حول واقع النقد الثقافي في الخطاب العربي المعاصر، خاصة بعد الدعوة الرائدة للناقد السعودي عبد الله الغذامي،  ليسعى بعد ذلك إلى تبني المقولة المركزية في هذا النشاط، وهي مقولة "الأنساق الثقافية" باحثا عنها وهي متوارية خلف البناء الشعري للنماذج الشاهدية المختارة.  وقد استعان الباحث أيضا بقدراته التأويلية في سبر أغوار المدونة الشعرية المختارة، جامعا بين الخبرة النقدية والمهارة الشعرية، فأخرج لنا كتابا رائدا وسبّاقا وطريفا، حُق له أن يكون مدونة خصبة للقراءة والتحليل.

***

د. طارق بوحالة

 

اسعد شريف الامارة2. العائلة والتنشئة الاجتماعية

يعرض "صفوان" رأي رادكليف برون تعريف العائلة بانها وحدة البنية التي من خلالها تنبني منظومة قرابة، والتي سماها العائلة الأولية، وانتقد ذلك " كلود ليفي – ستروس" بقسوة معتقدًا بفكرة تُكون العائلة البيولوجية نقطة انطلاق أي مجتمع لتحضير منظومته في القرابة. وأتفق معظم المحللين النفسيين واسموه بـ "المرحلة التناسلية" التي لم يحتج على وجودها أول مرة إلا "جاك لاكان"؟  هذا الاعتقاد بغريزة طبيعية تدفعنا إلى الانجاب اعتقادًا أصلب أيضا من الاعتقاد بالغيب، لأنه يمتلك حقيقة أننا مُجهزون بيولوجيًا لتنفيذ هذا الهدف، وهو يضمن لنا إذا جاز القول خلودًا علمانيًا ولا يدهشني أن المحلل الذي أحتج على هذا الاعتقاد كان هو نفسه الذي بين رسوخ نرجسيتنا عبر وقوعنا في أسر شيء مُتلاشٍ إلى أبعد حد، أسر مظهر خداع، وصورة مرآوية " الإنسان ظل الظل" وإذا أخذنا في الحسبان هذا الاحتجاج فالسؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بمعرفة إن كانت المجتمعات البشرية قد شرعت في بناء نُظم قرابتها ليس انطلاقًا من العائلة البيولوجية، أيا كان المعنى الذي نخلعه على تعبير"انطلاقًا من" بل شرعت في بنائه لكي تقطع الطريق على التخريب الناجم عن لغة الأسس الغريزية الممنوحه لتلك الأسرة، والملمح الأوحد الذي يبقى مما ندعوه"العائلة الطبيعية" هو ولادة الطفل من رحم الأم، ولما كان تعيين العامل الثاني لهذه الولادة غير مُتناسب مع اليقين نفسه، فقد ارتبطت معرفته باعترافه: أب الطفل هو الذي يعترف بأن هذا الطفل ابنه، وينقل له اسمه، ففي استبدال المعرفة بالاعتراف تكمن روح الثقافة، وكل نظام قرابة يُفضي إلى نظام إعتراف بين أعضاء المجتمع، ولا نبالغ إذا قُلنا إن اسم الأب يُجسد مثال هذا الاعتراف الأصلي إن لم يكن حجر الزاوية فيه، ومع ذلك تعالوا نتمعن أكثر من مختلف أشكال العائلة.

يدخلنا "مصطفى صفوان" في هذه الصفحات بموسوعة شاملة من أنظمة تكوين الأسرة واتساع العائلة في ترامياتها المتنوعه من الأبوة والانجاب والنسب ومحورها يدور على أساس الوجود وهي المرأة ، الزوجة بصورها المتعددة، صورة المرأة المنجبة، والاب الغائب، وبديله في الانجاب أو في الأرث باستعراض كتاب "ليفي- ستروس" الموسوم "النظرة البعيدة" ومقال "العائلة" الذي يعده كلاسيكيًا، لأنه قائم على تأثير مذهب التطور البيولوجي الذي قاد علماء الاعراق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفي بدايات القرن العشرين إلى افتراض أن العائلة الحديثة القائمة اساسا على الزواج من امرأة واحدة تُمثل شكلًا من تطور على خط واحد أشد تعقيدًا، خط تُميزه في طفولة البشرية ملامح متعارضة تماما كمثل "الاختلاط البدائي" و " الزواج الجماعي". أما ما يُثبت طابع هذا الموقف غير المسموع فهو تضاؤله بالاطراد مع اغتناء علم الاعراق بالمعطيات الجديدة.

وما زال يناقش "صفوان" أراء"ليفي- ستروس" وبرأي "ليفي- ستروس" قوله: تُظهر هذه المعطيات أن نوع العائلة التي تتميز في المجتمعات المُعاصرة بالزواج الأُحادي وسكن الزوجين الشابين المستقل والروابط العاطفية بين الأبوين والاطفال ..الخ كانت موجودة أيضا بوضوح في مجتمعات بقيت في مستوى ثقافي نِصفُه بالأولي، أو عادت إليه. أتاحت هذه الحقيقة نزوعًا عاما إلى القبول غالبًا بان حياة العائلة موجودة في المجتمعات البشرية كلها" كما يذكرها كلود ليفي- ستروس في كتابه النظرة البعيدة في العام 1983 في الفصل الثالث، طبعة باريس. ويذكر"ستروس" أيضًا    قوله: أما العائلة على القران الدائم إلى حد يزيد أو ينقص لكنه مقبول اجتماعيصا، بين فردين من جنسين مُختلفين يؤسسان زواجًا، يُنجبان ويُربيان أطفالًا فتبدو كمثل ظاهرة كلية عمليًا حاضرة في نماذج المجتمعات كافة، ص67" ويناقش "ليفي- ستروس" فكرة العائلة الاحادية بانها مؤسسة حديثة ولكنه يخطئ ويطرح حالات نادرة مختلفة عن الحياة العائلية أي ما نسميه بالاسرة بالمعنى الدارج للمصطلح لا وجود لها على ما يبدو حيث يستشهد بمثال "النايار"  الذي يعدهم علماء الاعراق مثالا ممتازًا على المجتمع الأمومي. ويذكر "صفوان" سوف اعود إلى هذا المثال نفسه لتفحصه عن قرب أفضل أن استشهد نصيا بالوصف الذي يقدمه "ليفي- ستروس" لهذا المجتمع.

عند "النايار" وهم شعب هندي كبير على ساحل مالابار، لا يستطيع الرجال الذين تستغرقهم الحرب أن يؤسسوا عائلة، ولكون الزواج احتفالا رمزيًا خالصًا فهو لا يخلق روابط دائمة بين الزوجين: يمكن للمراة المتُزوجة ما تشاء من العشاق، وكان الاولاد ينتمون إلى السُلالة الأمومية، أما السلطة العائلية وحقوق ملكية الأرض فلم يكن الزوج الممحو أساسًا هو الذي يُمارسها، بل يُمارسها إخوة الزوجة. ويناقش "صفوان" فكرة ليفي -ستروس عند"النايار" بنقلها إلى مجتمعات أفريقيه حيث تسمح للبالغين من القتيان ممن تم تحضيرهم لممارسة مهنة السلاح والتفرغ لها بإقامة علاقات جنسية وعاطفية مُباحة مع فتيات من صفهم ولا يستطيعون الزواج وتأسيس اسرة إلا في نهاية هذه الفترة القتالية. لدينا هنا امثلة تتأسس فيها العائلة الزوجية مع اختلاط تكويني يُجسد النايار مثاله الأكثر تناسقًا، ومن ثم يكمن النزوع العام الذي تراعيه هذه العائلة مراعاة واضحة تقريبًا في الاختلاط الطبيعي للرغبة الذكورية التي يرى ليفي- ستروس ظهورها من جديد على شكل أولي حتى في مجتمعاتنا الحديثة. يستنتج "ليفي- ستروس" بعد أن وجد في العائلات التي يغلب فيها تعدد الزوجات حينًا، وتعدد الازواج حينًا آخر، أن العائلة الزوجية أكثر تواترًا وأنها في كل مكان يبدو أنها تغيب عنه، يتعلق الأمر عموما بمجتمعات مُتطورة جدًا ولا يتعلق كما كان يمكن أن نتوقع بعائلات أكثر بدائية وبساطة وهذا لا يمنع وجود عائلات غير زوجيه – علينا ان نضيف إلى النايار تعدد الأزواج عند التودا في القرن التاسسع عشر وهذه الحقيقة وحدها كافية للبرهان على أن العائلة الزوجية ليست ناجمه عن ضرورة كُلية، ويتسائل كلود ليفي – ستروس إذا لم تكن كُلية العائلة نتيجة قانون طبيعي، فكيف نشرح وجودها في كل مكان تقريبًا" ليفي- ستروس، ص71".

يناقش مصطفى صفوان" اراء بعض العلماء ومنهم ليفي -ستروس، ورادكليف- برون و تود وموردوك و غولييه وأخيرا يستعرض اراء جاك لاكان.

يدل مصطلح "العائلة المُوسعة " على تشكيلات تشمل عدة عشرات من الاشخاص الذين يعيشون ويعملون بأمرة سُلطة مُشتركة. ويضيف "ليفي- ستروس" ويطمئن بعض القارئات الحذرات من كونهن مختزلات إلى الدور الذي تلعبه سلع التبادل بين شركاء ذكور، مؤكدًا أن العائلة "المنحسرة" كما يصفها بالتعارض مع العائلة "الموسعه" ليست هي العنصر الأساس في المجتمع، ولا تنتج عنه أبدًا" بحسب رأيه. وبعبارة اخرى إذا كان المجتمع ثقافة، فالعائلة نفسها "هي" في صميم الحياة الاجتماعية انبثاق هذه الضرورات الطبيعية التي ينبغي التحالف معها. والكلام ما زال لــ "ليفي- ستروس" ويرى " صفوان" أن العائلة الثلاثية أو "المنحسرة" لا تصدر عن قانون كٌلي، لكن ثمة استثناءات، ومن ثم كيف نشرح وجودها في كل مكان تقريبا؟ الجواب هو انها دون أن تكون نتيجة قانون طبيعي تُمثل مع ذلك قيدًا طبيعيا وهو قيد لا تستطيع المجتمعات الموجودة في اسفل سلم الثقافات أن تنفصل عنه، بينما تعرف تلك التي توجد في أعلى هذا السلم، وهذا أقل ما نتمناه لها، كما يضيف "ليفي- ستروس". لقد تجنب "رادكليف- برون" المغالطة المعنية حيث يرى في المقام الاول أن فكرة الطبيعة هي فكرة ثقافية، وهي جزء لا يتجزأ من الثقافة، فضلا عن أن " لويس ماران" في ترجمته البنية الوظيفية، ميز بنيوية "رادكليف- برون" الواقعية عن بنيوية"ليفي- ستروس" المتعلقة بعملية تعقيد، وتكون النتيجة الملموسة أكثر لهذا الاختلاف في أن المُعَلم الانكليزي يميل إلى تفصيل التناقضات والتشديد على تكاملها بينما يدفعها تلميذه الفرنسي إلى الحد الأقصى، ولا ننسى وصفه لشعب "النايار" الذي كما يرى العائلة فيه أحادية الزوجة، وتكون عمليًا غير موجودة عنده، حيث يتضمن هذا الوصف تمييزًا حاسمصا ايضا بين أشكال انتقال النسل الأبوي والأمومي، إلا ان التمييز بين مجتمعات النسل الأبوي والنسل الأمومي كما يعتقد "رادكليف- برون" ليس مطلقًا، بل هو نسبي، رغم أن حتى المجتمعات الأبوية الأكثر صرامة، توجد أهمية اجتماعية مؤكدة للجانب الأمومي من القرابة، كذلك يحفظ الأب وقراباته في المجتمعات الأمومية الأقوى دومًا الأهمية في حياة الأفراد. يؤكد "رادكليف- برون" أن اقتران المرأة النايار بعشيقها اقترانا عاطفيًا متينا يدوم طيلة الحياة، واظهار العاشق شغفه القوي بالاطفال. ويرى "إيمانويل تود" الذي يضع وجود العائلات الثلاثية بحسب رأيه حدًا "للتفكير بالبنية" سواء أكانت هذه العائلات في اوروبا الغربية أم على الطرف الآخر للعالم القديم، أم عند الآغاتا" وهم بقية شعب من الصيادين جامعي الثمار في جزيرة لوزون في ارخبيل الفلبين.

يرى "صفوان" ان المسلمة الأساسية في البنيوية هي ضرورة العلاقات بين مختلف عناصر البنية الاجتماعية: على العائلة، والقرابة، والدين، والاقتصاد، والتربية، والسياسة أن تتوافق لتشكيل كُل منسجم، أما "دوركهايم" فيرى وجوب ربط تصور ديني معين من التشابك الاجتماعي. أما "تود" فيتبنى شكلا منطقيا ىخر: شكل تقليدية المناطق الهامشية أو المعزولة التي أقامها علماء اللغة منذ الفترة الواقعة بين عامي 1915 و 1920 لشرح الخرائط التي تمثل اختلاف اللهجات.

تقود القطيعة مع المُسلَمة البنيوية "تود" إلى الموافقة الأكثر حسمًا من موافقة "ليفي- ستروس" على التصور الذي يُوصي به "روبير لوي" في كتابه مقال في علم الاجتماع البدائي. وفيه نجد ثبات الطابع الكوني والأولي تقريبا في العائلة الثلاثية المتكونة فقط من زوجين واطفالهما التي تظهر في هذا العمل بأسم العائلة الثنائية. يتطرق "تود" على نحو خاص إلى تناول هذا الاستنتاج من جديد في كتاب "موردوك" في البنية الاجتماعية إذ يرى هذا المؤلف أن العائلة الثلاثية تراكم اجتماعي شامل، ولأنها نموذج وحيد للعائلة المعمول بها، أو لأنها وحدة اساسية في الاشكال العائلية المُعقدة فهي تكون في المجتمعات المعروفة كلها مجموعة متميزة ذات وظيفة عالية، ويؤكد عدم وجود أي استثناء في عينة 250 ثقافة تفَحصها، وهو ما يؤكد استنتاج "لوي". وعليه ما ندعوه "1اسرة" بالمعنى الدقيق للكلمة الذي يتضمن زوجين وأطفالهما، إنما هو ظاهرة موجودة، وطالما وجدت في المجتمعات كافة. يعد "تود" أن كل كا بامكانه تأكيده على المستوى الذي  بلغه في بحثه هو توافق الوقائع التي تفحصها مع مجموع من الافتراضات وأولها الافتراض الآتي: كانت العائلة الأصلية من نمط ثلاثي، نواته الأولية القِران الزوجي. ويتابع "تود" شارحًا رأيه حيث يقول: على العكس سوف تظهر الأشكال التي سبق أن عَدها علماء الأعراق الأوربيون قديمه"العائلات الكبيرة، وأصل العائلة" كانها من بناءات التاريخ، ولن تظهر في أية حالة بأنها من بقايا البدائية. ويناقش "تود" ايضا في المحل الأول آخذًا في حسبانه الواقع التاريخي، وهي الحركة العامة في اوراسيا التي تنطلق من الثلاثية إلى الذرية الأبوية حيث يرى أن تعاقب ثلاثة مستويات من النسب الأبوي "بروز البكورة الذكرية، والعائلة الأهلية الأبوية، والانحطاط الجذري لوضع المرأة" وهو تسلسل ملحوظ في الشرق الأوسط والصين والهند الشمالية.

يرفض "غودولييه" رفضًا شاملا تصور العائلة بأنها أساس المجتمع، كما يرفض الرأي المتضمن في هذا التصور والذي بمقتضاه يتكون المجتمع من مجموعة وحدات عائلية، حيث يقول: في رأيي لا يُمكن لأي مجتمع بما هو مجموعة إجتماعية من شأنها أن تتمثل لأعضائها بوصفها كلا وبأنهم يولدونها كما هي، أن يتأسس على القرابة. إنما القرابة ضرورية وإن لم تكن أساسية: فلا تخلو أية لغة حية من لفظة تتعلق بالقرابة. ويضيف "غودولييه" ليست علاقات القرابة قليلة الشان في العلاقات الاجتماعية. ويطرح مثال على ذلك شعب البارويا الشعب الذي درسه عن قرب حيث قضى بينه عدة سنوات قوله: سيكون من العبث تحديد الاقارب من جهة الأم بلفظة قرابات الدم التي قد توحي بأنهم يتقاسمون دمهم مع الطفل على حين أن دم الطفل وعظامه يأتيان من مَني أبيه، بينما يأتي روحه وعقله من أحد أجداده الذكور، أو الاناث بحسب جنس الطفل المنتمين أيضا وحصرًا إلى ذرية الأب. ويرى "غودولييه" لم يستطع الرجال في أي مكان أن يعترفوا ولم يريدوا الاعتراف أصلا بأنهم منبع المحظورات والتعليمات التي فرضوها على أنفسهم، ولم تستطع البشرية في أي مكان وخلال آلاف السنين أن تكتشف نفسها في أعمالها. تكثر التساؤلات والاعتراضات عند أولئك الذين يُثبتون كون القرابة علاقة اجتماعية خالصة، ولا شيء في مضمونها يرتبط بالجنس وبعملية توليد الحياة البيولوجية، وأي عالِم إناسة يعرف هذه الاعتراضات وعليه يجيب عليها: نلامس هذا السؤال الوجودي الذي ارادت الاعتبارات السابقة أن تُجيب عليه: هل توالد المجتمعات البشرية مُجرد ظاهرة ثقافية، أم أنه ثقافي بكلية بحسب عبارة مارشال سلنس؟ وتطرح الاجابة بالاستشهاد القرابة والعائلة عند "البارويا" الذي يقدمه "غودولييه"، فالكلمة التي تدل على العائلة في لغة البارويا هي كومينيداكا التي تعني الكل المتكون من الأب وزوجته وأولاده، ولفظة "كومي" تعني الحميع. العائلة إذا هي هؤلاء الناس في كليتهم. وظهور التضامن الواضح في هذه العائلة، ومن الصفات الواضحة لديهم ايضا منها لا توجد هيمنة الذكورية ولا سيطرة رجل على امرأة، ولا وجود مختلف، أو أنواع القيود على الاجساد، ومن المظاهر المعلنة في حالات الحزن الشديد أن يشنق الرجل نفسه حزنًا على موت زوجته، أو تشنق الزوجة نفسها حُزنًا على موت زوجها، وليس نادرًا أن يحمل أرمل حول العنق شعر زوجته الراحله وبعض عظامها، أو أن تحمل أرملة شعر زوجها وبعض عظامه المأخوذة خلال المأتم الثاني حينما تٌجمع عظام الميت لكي توضع في اشجار غابة الاجداد.

يناقش"صفوان" وضع العائلة الثلاثية التي يدافع عن جانبها الثقافي بحزم دفاع "ليفس -ستروس" لكن ليس دون أن نشاركه داعمين رأيه القائل بأن هذه العائلة تدين للطبيعة" باختراع البشر العاديين" كما يستنتج في نهاية تحليله بعض المعتقدات الاجتماعية التي تتعلق بحمل الطفل، يفترض إذًا بصورة عادية العلاقات الجنسية في كل مكان. وحين العودة الى ما يمكن تسميته بنقاش"مالينوفسكي -فرويد" يُعطي فرويد الحق لأن "عقدة أوديب" كما يقول مستشهدًا بأندريه غرين ليست مبنية حول علاقات سلطة، بل حول علاقات الطفل مع ذاك الذي يُضاجع أمه. ولكن فاتته ملاحظة العكس: اذا كان الأب الحقيقي يُضاجع الأم، فإن من يضاجع الأم ليس الأب بالضرورة، ونحن نعرف الآثار المُزمنة التي يتحملها طفل يُشارك في تجربة لا يعرف أن يستشعر خلالها الدلالات التي يعنيها عدم الاخلاص والخيانة، وبعبارة أخرى ما يتركه "غودولييه" جانبًا في تحليلاته الضيقه، هو ببساطة المعنى الذي يستمده اسم الأب ليس من معرفتنا البيولوجيه، بل من نظام الاعتراف الرمزي الذي تقوم عليه الثقافة.

ويطرح التساؤل فكرة التقارب بين الجنسية عند البشر وكذلك الجنسية عند الكائنات الحية الاخرى، إنما هو ضرورة الاتحاد الجنسي بما هو شرط تجديد الحياة، وهو بحد ذاته تتكفل به الطبيعة، ومستمرة حتى تهيئة فصل للشبق بين الجنسين، والحال أن ليس للشيق فصل عند البشر، هذه الحقيقة لم تمنع " كارل ابراهام" من صياغة نظرية عن تطور الشهوة- الرغبة  الجنسية "اللبيدو" ، التي تبلغ ذروتها في المرحلة التناسلية، وأثبتت التحليلات هذه النظرية بوصفها التعبير حتى عن الواقع، أي ما كان يعرف أو يعتقد أنه كان يعرفه أصلا. لم يرَ أي محلل نفسي باستثناء "لاكان" أن الأكثر ثورية مما حمله التحليل النفسي لم يكن اكتشاف الجنسية عند الطفل، بل اكتشاف طابع الجنسية البشرية غير التناسلي، لا بل الرمزي.

وجد "لاكان" زيف كل زعم بدراسة الإنسان لا يُراعي انغماس "انصهار" إندماج" الإنسان في اللغة، ووجد أيضًا زيف اقتصار آثار هذه المراعاة في اللغة على توليد عقلانية منطقية.

اللغة وسيلة اتصال بين البشر وجميع الناس يقرون بذلك، فضلا عن أن اللغة تنقل قضايا إيجابية وسلبية، وهي تنقل طلبات وحاجات مقابلة، حيث يميز "لاكان" ما تحت الطلب" يقصد هنا ما تحت الطلب هو الطلب غير المٌعبر عنه، الخاص بالرغبة في الجسد"، يقصد هنا هو طلب مختلف عن الحاجة وما فوقها من حيث هو طلب حب، من غير شروط، لا يستجيب له أي موضوع مع انه قد يجعلها رمزًا، لكن اي شريك جنسي لا يكتفي بأن يختزل إلى موضوع حاجة ولا بأن يعاد وضعه ببساطة على قاعدة تمثال الحب.

تقتضي الاجابة على هذا السؤال إعادة النظر في مسألة اللغة من زاوية أخرى غير زاوية علاقتها بالطلب، أعني انها تفتح الباب على سؤال الكينونة فتدخله بطريقتين: أولا من جانب الاختلاف بين الاثبات والنفي، إذ يرجع كل من هذين المصطلحين إلى ثنائية أخرى، ثنائية الصح والخطأ، وتعرف كلتاهما بالرجوع إلى ما تكون الحالة وما لاتكون، إنه المعنى المسمى"وجوديًا" وهو مصطلح غير ملائم، لأن الشيء الذي لا يوجد يجب أن يمر عبر اللغة مع احتمال تأثره فيها بالنفي، أما الجانب الآخر فيتعلق بما يدعى بالمعنى الإسنادي لفعل الكون، ويمكن في ارجاع الدلالة إرجاعا لا نهائيا إلى دلالات اخرى، فليس ثمة من دلالة لا نهائية حتى إن على نظام بديهي أن يترك هامشا لبعض الدلالات غير الموصوفة، وينطبق الأمر نفسه على الذات الناطقة: فالبحث عن معنى أو هوية تمنح كينونتها معنى، إنما ينتهي دوما بتعيين، والجزء الاكثر مادية من الكينونة يفلت من المعرفة وهذا لا يعني انه يفلت من الوجود، وإذا كانت الحالة كذلك ينقلب النقص إلى نقص لاشيء، والحال أن فرويد بدون فلسفة اللغة لكن بصدق نفسي مدهش، اكتشف في نقص الكينونة الموضوع المفقود في حد ذاته الذي  هو سبب الرغبة. يجيب "لاكان" مبينا أن القضيب الرمزي لكونه دلالة على الاستعارة الأبوية، هو في الواقع موضوع مفقود في حد ذاته، بمعنى عدم ظهوره في الصورة المرآوية إلا بصفة نقص ويشار له برمز خاص عند لاكان. وأزاء ذلك تصبح الذات من دون هذا النقص معلقة بهذه الصورة الهاربة، لكنها لا تخدمه بأقل مما يُفكر الآخر، انه الخصاء الرمزي من خلال هذا الحرف الأول من الكلمة الذي يُحيي في المتكلم "الماهوي" أيا كان جنسه، رغبة غيرية. وخلاصة القول أن الرغبة إذ تطبع على الجنسية البشرية توجها إلى ما بعد صورة الجسد الخاص، أو الموضوع المنشود "يذكر اسفل الصفحة مثال الذات ، فالفرق بين الأنا الواقعي والأنا في المرأة، أن "الانا" في المرآة هو المكان الذي تتخيل فيه الذات أمثلة من العظماء والزعماء ترغب التوحد في الزعيم من حيث هو الموضوع المرغوب.

ويؤكد "صفوان" مثلما قلبت اللغة نظام الحاجات بتمريرها عبر عُروض الطلبات، شكل الأوديب المُواربة التي يفضلها يُقاد المتكلم الماهوي" أعتقد يقصد المترجم بترجمته المتكلم الصامت" إلى توظيف شخص آخر من الجنس نفسه، أو من الجنس الآخر بوصفه موضوعًا سببًا لرغبته، الموضوع الذي يجد فيه كينونته. ويقول"صفوان، ص 54" لم تنجح عملية تخطي الأوديب النجاح المرغوب ولم نتعامل في التحليل سواء أكان مَرضيًا أم تربويًا، إلا مع حالات أوديبييه غير ناجحه، يقول "فرويد" إن التوتر بين الأبن والأب لم ينته أبدًا نهاية تامة، وما لم ينته أبدًا فيما أحسب هو الخلط بين الرغبة والطلب، لأن الرغبة ليست سوى إخفاء الطلب، وما الطلب سوى نقص تملؤه موضوعاته الموصوفة بأنها جيدة. يقودنا الرأي هنا إلى أن الشخص المنتمي إلى الجنس القوي، المتمكن ، والمعتقد انه تخطى بانتمائه نقص الكينونة، هو عضوه الجنسي إلى حد تحويل نرجسيته إلى نرجسية قضيبية، ذلك أن هوى السلطة والقوة الذي يمنحه امتلاك الهبة، والهبة المقابلة الذي يملأ مجال رؤيتنا وكذلك امتداد دال "الهبة" الاستعاري إلى أجزاء الجسد الخاص، يثبت كما هو لغات الأرض قاطبة أقول هذا الهوى هو توأم النرجسية، حيث تمتد قوة هذه الاستعارة حتى الجسد الخاص الذي نتحدث عنه كما لو أنه ملكيتنا ، "تملك" جسدًا وفي الحقيقة نحن لا شيء من دون هذا الجسد، وبقدر ما تستلم البنت أيضا لهذا الخلط بين الكينونة والتملك، بين الرغبة والطلب، حيث تثير الرغبة في القضيب الذي يظهر أن جماعة الذكور مُزودة به، أو على الأقل تُعوض عن غيابه بما تمنح صورتها أمام المرآة من عناية خاصة، فالنرجسية النسائية المشهورة نظير النرجسية القضيبية الذكورية الأقل وهمًا. يسأل "موريس غودولييه" مشيرا في خاتمة كتابه إلى ما يحدث في أيامنا " ثقافة الطلاق، ومراقبة الولادات، والزواج المثلي، والانجاب بالمساعدة..الخ عما يُمكن أن يكون رأي "فرويد" و "لاكان" في ذلك، أتخيل أن فرويد كان سيجيب بأن عقدة أوديب تصدر عن كلية الأسرة، أو العائلة الثلاثية حيث تربي الطفل أم، حتى لو ميزها عن الامهات الصغيرات، أب حتى لو ميزه عن الاباء الصغار، انه إذا أب يعني له حتى الاسم عالم القانون حيث يتماشى المحظور والمسموح ولا يتعارضان، اما الباقي فسوف يدعنا فرويد نأخذ على عاتقنا أمر مواجهة نتائج اندثار هذه العائلة. أما "لاكان" بالتأكيد سيرى فيه إثباتًا لما قاله دومًا، أي عدم وجود علاقة جنسية.

***

د. أسعد شريف الامارة

 

مفيد خنسةالفرع الرابع:

يقول الشاعر:

(تقول:

أنا لست رقْماً

وما كنت رَقمْاً،

فلا تنسَ هذا

وسجّله فوق الزمنْ

فقلت:

وما رقم حظي إذنْ؟

**

تقول:

أتعلم أني أتيتُ

بفصل الربيعِ،

أتذكر هذا؟

فقلتُ:

وأين الغرابةُ في مثل هذي الأمورْ !؟

عادةً في الربيعِ

تجيء الزهورْ

**

تحاول أن تتأكد

أني أرى جيّدا

فتسأل:

ما لون شوقي إليكَ

غدا؟)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة العاشقة الواثقة والعاشق الذي يتظاهر باللامبالاة في حوار طبيعي وعقدته (أنا لست رقماً) وشعابه الرئيسة هي: (تقول:/ أنا لست رقْماً/ وما كنت رَقمْاً،) و(فلا تنسَ هذا/ وسجّله فوق الزمنْ) و(تقول:/ أتعلم أني أتيتُ/ بفصل الربيعِ،/ أتذكر هذا؟)، أما شعابه الثانوية فهي: (فقلت:/ وما رقم حظي إذنْ؟) و(فقلتُ:/ وأين الغرابةُ في مثل هذي الأمورْ !؟/ عادةً في الربيعِ/ تجيء الزهورْ) و(تحاول أن تتأكد/ أني أرى جيّدا) و(فتسأل: / ما لون شوقي إليكَ/ غدا؟).

في المعنى:

في هذا الفرع يجمع الشاعر بين الأسلوب الإنشائي والخبري، وفيه يبين الشاعر موقفين متباينين وربما متعاكسين، موقف العاشقة الواثقة وموقف الشاعر الذي يعني ما يقول ببرودة أعصاب ومكر، فقوله: (تقول: أنا لست رقْماً/ وما كنت رَقمْاً،/ فلا تنسَ هذا/ وسجّله فوق الزمنْ/ فقلت/: وما رقم حظي إذنْ؟) أي هي لا ترضى أن تكون واحدة من اللواتي مررن في حياته، وتذكره أن يحفظ ذلك جيداً على مرور الأزمنة عليه، أما هو فيرد من حيث لا تتوقع، ومن حيث لو يتوقع القارئ، أي إذا كانت هي لا ترضى أن تكون رقماً عابراً في حياتها، فهل هو يرضى أن يكون رقماً

في حياتها، وإذا كان الأمر كذلك، يسأل عن رقم حظه بين الأرقام التي مرت في حياتها، وهذه تورية واضحة، فهو لا يريد المعنى القريب من السؤال، إنما يريد أن يؤكد المعنى البعيد، وهو أنه لا يمكن أن يقبل أن يكون هو الآخر رقماً عابراً في حياتها، وإن كان السؤال يحتمل معنى: وهو أن لديها أرقام كثيرة قد مرت في حياته، ويريد أن يعرف ما رقمه هو في حياتها. وقوله: (تقول: أتعلم أني أتيتُ/ بفصل الربيعِ،/ أتذكر هذا؟/ فقلتُ: وأين الغرابةُ في مثل هذي الأمورْ !؟/ عادةً في الربيعِ / تجيء الزهورْ) أي تحاول أن تذكره بشيءٍ كان توقيته استثنائياً في حياته، وهو أنها كانت قد جاءته في فصل الربيع، بينما هو يؤكد اعتيادية مثل هذا الحدث، لأنها كالزهرة، ومن الطبيعي أن تجيء الزهور في فصل الربيع، وقوله: (تحاول أن تتأكد / أني أرى جيّدا/ فتسأل: ما لون شوقي إليكَ/ غدا؟) أي تريد أن تتأكد من أنه قد أصبح واثقاً من حبها وشدة شوقه لها، وهذا المعنى مجازي، ويريد الشاعر أن يبين الصورة الحسية بإظهار اللون الحسي لإحداث مفارقة بين المعنيين الحسي والمجازي، فكان سؤالها عن لون شوقها إليه غدا.

الفرع الخامس:

يقول الشاعر:

(تحاول أن تطمئن لمعرفتي

بخفايا الجسدْ

فتسأل:

ما عمق قلب المحبّ

إذا ما الحبيب ابتعدْ

**

أقول:

ومن هو هذا الذي

سوف يفهم دمعكِ مثلي

ويشرحه للسماءْ

ومن سوف يحفظ،

عن ظهر قلبٍ،

يديك، ورجليكِ، والمنحنى

وتلالَ الضياءْ

ومن هو هذا الذي

سوف يكتب فيك

كهذا الغناءْ؟

تقولُ وقد شردت لحظةً:

بعدُ ما ولدته النساءْ)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة البوح بالحب بين العاشقين وعقدته (تحاول أن تطمئن) وشعابه الرئيسة هي: (تحاول أن تطمئن لمعرفتي/ بخفايا الجسدْ) و(فتسأل: ما عمق قلب المحبّ/ إذا ما الحبيب ابتعدْ) و(أقول: ومن هو هذا الذي/ سوف يفهم دمعكِ مثلي) و(تقولُ وقد شردت لحظةً: / بعدُ ما ولدته النساءْ)، وأما شعابه الثانوية فهي: (أقول: ومن هو هذا الذي/ سوف يفهم دمعكِ مثلي) و(ويشرحه للسماءْ/ ومن سوف يحفظ،/ عن ظهر قلبٍ،/ يديك، ورجليكِ، والمنحنى / وتلالَ الضياءْ) و(ومن هو هذا الذي/ سوف يكتب فيك/ كهذا الغناءْ؟).

في المعنى:

في هذا الفرع يجمع الشاعر بين الأسلوبين الخبري والإنشائي، وفيه يرسم الشاعر صورة الغرام في أقوال متبادلة بين العاشقين، فقوله: (تحاول أن تطمئن لمعرفتي / بخفايا الجسدْ / فتسأل: ما عمق قلب المحبّ/ إذا ما الحبيب ابتعدْ) يشير إلى أن الشاعر يريد أن يظهر المفارقة بين الدلالة الحسية للمفردة والدلالة المجازية، فخفايا الجسد، تحمل معنيين حسي إذا كان المقصود مكونات الجسد المادية، ومجازي إذا كان المقصود المكونات المعنوية، النفس أو الروح أو القلب وما يملك من عاطفة وأحاسيس ومشاعر وجدانية، والعمق: يمكن أن يكون المعنى حسي إذا كان مقصود الارتفاع، ومجازي إذا كان المقصود شدة الشوق وعمق الأحاسيس، ويصبح المعنى، أي تريد أن تطمئن على أنه يعرف خفايا الجسد الحسية والمعنوية، فتسأله كم يصبح عمق قلب المحب إذا ابتعد عنه الحبيب، وهذه كناية على أن القلب يصبح أكثر عمقاً وبعداً، لأنه يختزن ألماً كبيراً، وحزناً عميقاً، وشوقاً لا يقاس عمقه بالمسافات، وهذه تورية واضحة لأن الهدف من السؤال واضح، فهي تريد أن تعرف مدى شوقه وحزنه وألمه إذا ما ابتعدت عنه ورحلت، وغابت عن ناظريه، وقوله: (أقول: ومن هو هذا الذي/ سوف يفهم دمعكِ مثلي/ ويشرحه للسماءْ) يمثل الإجابة عما تحاول أن تطمئن عليه، أي هل يوجد من يفهم حقيقة مشاعرها، ورقة أحاسيسها حين تعبر عنها بالدمع المنهمر على وجنتيها مثلما يفهمه هو ويوضح أبعاده داعياً لملائكة السماء أن تكون لها عوناً، لتفرج همها وتكشف ضرّها، وقوله: (ومن سوف يحفظ،/ عن ظهر قلبٍ،/ يديك، ورجليكِ، والمنحنى/ وتلالَ الضياءْ/ ومن هو هذا الذي/ سوف يكتب فيك/ كهذا الغناءْ؟) أي ويضيف ليطمئنها إلى أنه يحفظ عن ظهر قلب ظواهر وخفايا جسدها، بأسلوب استفهامي، عما إذا أحد غيره يعرف تفاصيل جسدها، يديها الجميلتين، والتفاف ساقيها المثيرتين، وانحناء خصرها الرقيق، واستدارة نهديها البراقين، ومن مثله سيكتب القصائد التي تزدان بالموسيقا، وتتهيّأ للغناء، وقوله: (تقولُ وقد شردت لحظةً: / بعدُ ما ولدته النساءْ) يشير شرودها فيه إلى دهشتها لتحققها من أنه الوحيد الذي يمكن له أن يعرف خفايا جسدها كما يعرفه هو، لأن معرفته تتعدى المظاهر الخارجية الحسية، إلى معرفة خفاياه الوجدانية والعاطفيّة.

الفرع السادس:

يقول الشاعر:

(تسائلني:

ما شعورِ الكلامِ المحلّق

وهو يطيرْ

ما شعورُ كتابٍ تحطّ عليهِ

قصيدةُ حبٍّ

وما هو نوع الأحاسيس للعشبِ

من بعدِ يومٍ مطيرْ ؟

ما اتجاه الرياحِ

إذا عصفَ العشقُ؟

ماذا تقول الينابيعُ

حين يمرُّ غزالٌ بها ؟

وتسألُ....... تسألُ.....

حين ترى لا جوابَ لديَّ

تجيءُ إليَّ

وتتركُ راحتها فوق وجهي

كلاماً أخيرْ)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة العاشقة التي تتوالى أسئلتها للعاشق الصامت وعقدته (تسائلني) وشعابه الرئيسة هي: (ما شعورِ الكلامِ المحلّق/ وهو يطيرْ) و(ما شعورُ كتابٍ تحطّ عليهِ/ قصيدةُ حبٍّ) و(وما هو نوع الأحاسيس للعشبِ/ من بعدِ يومٍ مطيرْ ؟) و(ما اتجاه الرياحِ/ إذا عصفَ العشقُ؟) و(ماذا تقول الينابيعُ/ حين يمرُّ غزالٌ بها ؟)، أما شعابه الثانوية فهي: (وتسألُ....... تسألُ...../ حين ترى لا جوابَ لديَّ/ تجيءُ إليَّ) و(وتتركُ راحتها فوق وجهي/ كلاماً أخيرْ).

في المعنى:

في هذا الفرع يجمع الشاعر بين الأسلوبين الخبري والإنشائي، وفيه يظهر صورة العاشقة التي تتساءل عن حالات الحب السامية، وكيف يتجلى شعور الأشياء الحية والجامدة بها، فقوله: (تسائلني:/ ما شعورِ الكلامِ المحلّق/ وهو يطيرْ/ ما شعورُ كتابٍ تحطّ عليهِ/ قصيدةُ حبٍّ/ وما هو نوع الأحاسيس للعشبِ/ من بعدِ يومٍ مطيرْ ؟) أي هما في حديث مستمر، لذلك يستخدم الشاعر الفعل (تسائلني) بدلاً عن تسألني، وتريد أن تعرف ما حقيقة شعور الكلام في الغزل والحب وهو يطير ويتلاشى مع النسيم؟، وتريد أن تعرف شعور الكتاب الذي تطبع على أوراقه قصائد في الحب والغزل؟، وتريد أن تعرف أي إحساسٍ يشعر به العشب بعد يوم انهمرت فيه الأمطار الغزيرة وسقت الأرض العطشى فانبعثت الحياة فيه من جديد؟!، وقوله: (ما اتجاه الرياحِ/ إذا عصفَ العشقُ؟/ ماذا تقول الينابيعُ/ حين يمرُّ غزالٌ بها ؟) أي تريد أن تعرف اتجاه الريح حين يعصف العشق في محيط القلب؟ وتريد أن تعرف ماذا تقول الينابيع في الأودية البعيدة حين يمر بها أنهكه العطش فشرب منها حتى ارتوى؟، وقوله: (وتسألُ....... تسألُ..... حين ترى لا جوابَ لديَّ/ تجيءُ إليَّ / وتتركُ راحتها فوق وجهي/ كلاماً أخيرْ) أي حين تُكثِر من الأسئلة التي ليس لديه الإجابة عنها، تقترب منه وتضع راحة كفها على وجهه، وكأنها تجيب: إن شعور الكلام المحلق وهو يطير، كشعوره، وإحساس العشب كإحساسه حين تضم راحتاها وجهه المستجيب.

 الفرع السابع:

يقول الشاعر:

(تقول:

مضى زمنٌ يا صديقي

ولم أرَ في الكلمِ العذبِ

حالي

مضى زمن لم أشاهد بهِ

بهو نفسي

ولم أرَ بالي

أليس له من طريق إليَّ مجازك

ألم ينزل الوحيُ خلف مجالي؟

سأزعلُ

خلِّ ببالكَ هذا..

فقلت: أُخلّي ببالي

أمامكِ

لا بد من وقفةٍ متأنيةٍ

للخيالِ

**

أقولُ:

خذينا بحلمكِ

لم يبقَ عند صديقك

متسعٌ

كي يحطَّ بهِ وجدهُ

تقول: وكيف ؟!

وتفاحنا لم يقل بعدُ

آخر ما عندهُ؟)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة العاشقة وهي تذكر صديقها الشاعر بالكتابة عنها، وعقدته (مضى زمن يا صديقي) وشعابه الرئيسة هي: (تقول: / مضى زمنٌ يا صديقي/ ولم أرَ في الكلمِ العذبِ/ حالي) و(مضى زمن لم أشاهد بهِ/ بهو نفسي/ ولم أرَ بالي) و(أليس له من طريق إليَّ مجازك) و(ألم ينزل الوحيُ خلف مجالي؟)، أما الشعاب الثانوية فهي: (سأزعلُ/ خلِّ ببالكَ هذا..) و(فقلت: أُخلّي ببالي/ أمامكِ / لا بد من وقفةٍ متأنيةٍ/ للخيالِ) و(أقولُ: / خذينا بحلمكِ/ لم يبقَ عند صديقك/ متسعٌ / كي يحطَّ بهِ وجدهُ) و(تقول: وكيف ؟ / وتفاحنا لم يقل بعدُ/ آخر ما عندهُ؟).

في المعنى:

الأسلوب في هذا الفرع خبري وإنشائي، وفيه يرسم الشاعر صورة عتب العاشقة على عاشقها الشاعر بعد أن مضى زمن طويل لم يكتب فيها شعراً، فقوله: (تقول: / مضى زمنٌ يا صديقي/ ولم أرَ في الكلمِ العذبِ/ حالي/ مضى زمن لم أشاهد بهِ/ بهو نفسي/ ولم أرَ بالي) أي إنها لم تجد ما يعنيها من الكلام الجميل الذي اعتادت على رؤيته في كتاباته الشعرية، وقد مضى زمن طويل ولم يتغزل بها ولم تشاهد الصور البهية التي يعبر من خلالها اتساع حضورها لديه، ولم تشاهد تعابيره المجازية التي تتحدث المعاني التي يمكن أن تخطر على بالها، وقوله: (أليس له من طريق إليَّ مجازك/ ألم ينزل الوحيُ خلف مجالي؟/ سأزعلُ/ خلِّ ببالكَ هذا..فقلت: أُخلّي ببالي / أمامكِ/ لا بد من وقفةٍ متأنيةٍ/ للخيالِ) أي لقد رابها هذا الزمن الذي مضى من غير أن تكون موضوعاً لأيّ من قصائده، وهي تتساءل باندهاش: هل المعاني المجازية التي لم تجد سبيلاً إليها؟!، وهي الوحي الذي يلهم الشاعر على إبداع القصيدة لم يستطع أن يخترق مجال حضورها؟ فيثير الخيال ويحرك المشاعر، وتضيف: إنها ستزعلُ منه إذا ما استمر بهذا الانقطاع عن الكتابة عنها، وعليه أن يتذكر ذلك جيّداً وباستمرار، وهو يطمئنها بأنه سيفعل، لأنه لا بد من وقفة متأنية للخيال من أجل أن يحسن الوصف ويبدع في الكتابة، وقوله: (أقولُ: خذينا بحلمكِ/ لم يبقَ عند صديقك متسعٌ/ كي يحطَّ بهِ وجدهُ/ تقول: وكيف ؟/ وتفاحنا لم يقل بعدُ/ آخر ما عندهُ؟) أي يطلب منها أن تعذره لأنه لم يعد لديه متسعٌ كي يقول فيها، لأنه لم يترك فيها شيئاً لم يقل فيه، أما هي فتذكره أنها ما زالت تملك فضاءات جديدة للوجد وفي المقدمة تفاحها الشهي الذي لم تظهر له كل ما يكتنزه من الجمال والجاذبيّة.

الفرع الثامن:

يقول الشاعر:

(أقول:

إلى أين يمكنني أن أطيرْ؟

علوتُ... علوتُ...

ولست أرى من فضاءٍ

أخيرْ

تقول:

تدبّرْ أموركَ،

إن لم تكن عالياً

ما يناسبُ،

خفّضْ سماءَكْ

أنا ما ركضتُ وراءكْ!

**

وقالت:

أأعجبك النهد. قل لي

أراقتكَ تلك الحرارة فيهْ ؟

فقلت:

امنحيني القليلَ من الوقت ...

إذْ، بعدُ، لم أَتَعرّفْ تماماً

عليهْ!

**

أقول:

مضيتُ بعيداً بعينيكِ

يظهرُ أن رجوعي صعبٌ...

ومهما أحاولْ

فقالت:

لتبقَ هناك حبيبي....

لطيفٌ هناك المكانُ.

ولا تنسني بالرسائلْ

**

تقول:

يخامرني الشكُّ أنك تكذبُ

قل لي إذا كنت تكذبُ ؟

لا أثرٌ في عيونِكَ

لا لونَ ينظر نحوي...

سأخنقُ شِعركَ هذا

بكلتا يديَّهْ

فقلت:

رويداً... رويداً عليّهْ

أخبئُ حبكِ في القلبِ

في الجيبةِ الداخليّهْ)

يبين الشاعر في هذا الفرع صورة الشك المتبادل في الحوار بين العاشقين وعقدته (إلى أين يمكنني أن أطير؟) وشعابه الرئيسة هي: (أقول: / إلى أين يمكنني أن أطيرْ؟) و(علوتُ... علوتُ... / ولست أرى من فضاءٍ/ أخيرْ) (أقول: / مضيتُ بعيداً بعينيكِ/ يظهرُ أن رجوعي صعبٌ... / ومهما أحاولْ) و(فقلت: رويداً... رويداً عليّهْ / أخبئُ حبكِ في القلبِ/ في الجيبةِ الداخليّهْ)، أما شعابه الثانوية فهي: (تقول: / تدبّرْ أموركَ،/ إن لم تكن عالياً/ ما يناسبُ،/ خفّضْ سماءَكْ/ أنا ما ركضتُ وراءكْ!) و(وقالت /: أأعجبك النهد. قل لي/ أراقتكَ تلك الحرارة فيهْ ؟) و(فقلت: / امنحيني القليلَ من الوقت ... / إذْ، بعدُ، لم أَتَعرّفْ تماماً عليهْ!) و(فقالت:/ لتبقَ هناك حبيبي.... / لطيفٌ هناك المكانُ. / ولا تنسني بالرسائلْ) و(تقول: / يخامرني الشكُّ أنك تكذبُ) و(قل لي إذا كنت تكذبُ ؟ ) و(لا أثرٌ في عيونِكَ/ لا لونَ ينظر نحوي... سأخنقُ شِعركَ هذا/ بكلتا يديَّهْ).

في المعنى:

يجمع الشاعر بين الأسلوبين الخبري والإنشائي، وفيه تتجلى صورة الشك لديها، فقوله: (أقول: / إلى أين يمكنني أن أطيرْ؟ / علوتُ... علوتُ... / ولست أرى من فضاءٍ/ أخيرْ) أي إنه يعلو بالانجذاب والحب إليها، ثم يعلو باطراد من دون أن يرى نهاية لذلك العلوّ، وقوله: (تقول: / تدبّرْ أموركَ،/ إن لم تكن عالياً/ ما يناسبُ،/ خفّضْ سماءَكْ/ أنا ما ركضتُ وراءكْ!) أي مادام اختارها في طلب السمو بالحب فعليه أن يكون عالياً بما يناسب ويكفي، وإلا كان من المفترض أن يختار ما يناسب قدراته وإمكاناته ويخفض سقف أحلامه وأمنياته في العلو، لأنها باختصار شديد لم تجبره على اختياره لها، ولا بد له أن يتدبر الأمر ويكون على قدر تحمل المسؤولية في الاختيار، وقوله: (وقالت: / أأعجبك النهد. قل لي/ أراقتكَ تلك الحرارة فيهْ ؟ / فقلت: / امنحيني القليلَ من الوقت ... / إذْ، بعدُ، لم أَتَعرّفْ تماماً/ عليهْ!) أي إنه سؤال افتراضي ليجعل الأمر عادياً، وكأنها تريه نهدها كما تريه أي شيء آخر لتعرف ما إذا كان قد أعجبه أم لا، فيجيء رده طبيعياً، في أنه يحتاج إلى مزيد من الوقت حتى يمتلئ تماماً من التمتع فيه، وبهذه الصورة، يستطيع الشاعر أن يكشف عن أكثر الأحاسيس والمشاعر عمقاً في حالات الحب بين عاشقين والتي تبقى عصية على البوح، ليجعلها موضوعاً عادياً، كأي موضوع اعتيادي يحصل بين شخصين، وقوله: (مضيتُ بعيداً بعينيكِ/ يظهرُ أن رجوعي صعبٌ/... ومهما أحاولْ/ فقالت:/ لتبقَ هناك حبيبي.... / لطيفٌ هناك المكانُ. / ولا تنسني بالرسائل) يشير إلى حرص الشاعر على إحداث تقابل بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، بين الحسي والعقلي، بين الواقعي والمتخيل، فالجملة الأولى: (مضيتُ بعيداً بعينيكِ) تحمل معنى مجازي، أي أنه أطال النظر فيهما حتى أخذه الغرام بهما بعيداً، حتى توقع أنه من الصعب عليه الرجوع بعد هذا الابتعاد الكبير على الرغم من محاولاته المتعددة من شدة الدهشة والإعجاب، والمعنى مجازي، أي يتوقع أنه من الصعب عليه أن يخرج من حالة الإعجاب والانجذاب إلى عينيها الجميلتين، فيجيء ردها بما يشبه الدعابة على اعتبار المعنى المجازي معنى حقيقياً، فتطلب منه أن يبقى حيث مضى بعينيها لأن مكان لطيف، ولكنها تذكره ألاّ ينساها من الرسائل، لأن الحبيب إذا فرض عليه الابعاد عن حبيبته، تكون الوصية للحبيب أن يواصل حبيبته بالرسائل على الأقل. وهذا التقابل أو الدمج بين المعاني الحسية والمجازية يحدث خلخلة في بنية التركيب الشعري حتى يبدو الأسلوب ينطوي على دعابة لطيفة أو سخرية مبتكرة تكشف عن البساطة التي تصل أحياناً إلى درجة السذاجة، وقوله: (يخامرني الشكُّ أنك تكذبُ/ قل لي إذا كنت تكذبُ ؟/ لا أثرٌ في عيونِكَ/ لا لونَ ينظر نحوي/... سأخنقُ شِعركَ هذا/ بكلتا يديَّهْ/ فقلت: / رويداً... رويداً عليّهْ/ أخبئُ حبكِ في القلبِ/ في الجيبةِ الداخليّهْ)، يبين حالة مشابهة لما جاء في التركيب السابق، إذ أنّ العاشقة يراودها الشك في أنه يكذب عليها في ما يكتب من الشعر، لأنها لا ترى في عينيه آثار الحب الذي يعبر عنه، كما أنها تشعر بنظرات العشق منه نحوها، ثمّ تضيف بأنها سوف تمزق أشعاره إذا تأكدت أنه لا يكتبه لها، فيجيء تبريره بارداً بسيطاً ساذجاً كما كان ردها في التركيب السابق، بأن سبب عدم ظهور علامات الحب في عينيه هو بسبب أنه يخبّه في المكان الأغلى وهو قلبه، لا بل ويخبئه في المكان الأكثر استتاراً فيه، كما يخبئ المرء الشيء الأغلى عليه في الجيبة الداخلية من سترته، ولا أثر يدل على وجود هذا الشيء فيها.

الشاعر السوري صقر عليشي.

***

مفيد خنسه

 

عادل مردانفي ثريا الغلاف الأبيض عنوان ثلاثي الكلمات، يكتنز بالإيحاء الرومانسي، فكان الإستهلال في البدء: (للكتابة مواسم الزرع والمطر، إذ تصبح حسّاسية الروح هي الهواء المضاء لكامل المشهد بحثاً عن الأبدي الآتي من النّبع، هذي القراءات، محاولة لإيقاظ الحساسية الجماليّة، فاللغة التشكيلية، مهمتها الكشف والإنارة). هناك تحت الثريا الكبرى، صاحبة المثول، تنمو في المتن التشكيلي عتبات الفصول من (الصمت مليء بالأجوبة) إلى الذات التي أوجعها المنفى، في مفتتح الصمت إستغراق في مفهوم الطبيعة الصامتة، وأشهر رسّاميها الأوربيّين، العروج الى المنجز العراقي للرواد.....

من سرديّات الكتاب، مقطع قصير لحياة فنان وقاص، في ذكرى يحيى جواد (الشّارع أيام الخمسينات، كان مليئاً بالأضواء والعطور، أشجاره لا تحزن ولا تشيخ، تتوسط جانبه الأيسر سينما ريجينتّ، يوم بغداد مثل طفل بريء، لم يدنسها الغزاة بعد، كان يحيى جواد الساكن في مكتبه، إذ عرفته لأول مرّة من خطوطه في مجلتي الثقافة الجديدة، والمثقف حين شدّ إنتباهي تصميم له)، بعدها يأتي المشهد الساخر، حول دعوة حسين مردان الموجهة لسارتر وزوجته، في البحث عن أشياء ضائعة، وسطور عن شاكر حسن آل سعيد (رسام يجمع بين الفكر والفلسفة، كان يعبّرعن إستقلاليته ونمطه الخاص، في ظلّ تأثيرات صوفيّة، بدأ آل سعيد يرتاد ميادين جديدة، فذهب بعيداً في تفكيك الحرف، بنظريته – البعد الواحد، حين عمد إلى الكشف عن الجوهر، في أعماق الأشياء)، تتواتر الفصول القصيرة، والعتبات الصغرى تصرخ، من فرط حزنها، على جداريّة – ناظم رمزي التي تصدرت المشفى، حين شيّد عبد الوهاب فيضي جداريّة بالموزائيك، صورة للطبيب إبن سينا، لكنّ المعاول إستيقظت على جسد المشفى، فلم تبقَ إلا ذكرى المكان...

في محطة ممشى المشاهير محاولة للتشبث بالمخيّلة، حتى لو كانت بسعة الظلّ ( تلك المخيلة، لم تعد قابلة للحضور، كي يستعيد شارع الرشيد، وجوده الماضي الجميل، الواقع خلاف الحلم، الشّارع يرثي مجده المضاع، لم تعد الأماني وحدها قادرة أن تحيل الشّارع الى ممشى للمشاهير في بغداد للأسف، إن مدننا تجهر عن نفسها، فهي مدن بلا ماضٍ).

تقفز العين الى صفحة، يبحث فيها سعد علي، عن مغيث في السماء ( كأنّك تحلم أن ترتقي الى السّماء، مع وجهك الإيقونة، وتوزع أيامك الغابرات مع تلك الخصلة الطائرة، من الديوانية إلى فالنسيا، وجه مثل حبّة قمح، يقاوم الأيام الصاخبة بالموت) ...

في الغربة يلتحف نعمان هادي، مشروعه الفنيّ ( يتذكر نعمان جيداً، أن معلمه فائق حسن نَبّهَ تلميذه إلى أسلوبه المشابه للفرنسي فرانكونارد، في بورتريت – ولد أسود بقميص أحمر، لم يعرف ذلك الرسام إلّا بعد سنوات أثناء زيارته إلى متحف اللوفر، أعماله تحمل إمكانيات البحث والجدل، ولا يمكن للنظرة العابرة أنْ تستقصي كلّ مدلولاتها ومضامينها، إذ ركز همّه على موضوعة الإنسان، والحيز الذي يشغله على خامات العمل، خضعت بمرور الزّمن، إلى التفاوت في الأهمية والدرجة، وكيفية التنفيذ)...

عن صفاء التوجه، في البحث والكتابة، تبدو تجربة جعفر طاعون، متأثرة بالتجارب الفنية الجديدة، وإستلهام معطياتها، في أغلب موضوعاته خلاصة، لعوالم الأحلام والخيالات والأساطير، الحياة والموت، الحبّ والجمال، حضور الإنسان وإختفاؤه، هكذا بات ينظر للكون كبيضة ( عنوان إحدى معارضه)، بمشاركة أكثر من مئة طفل، إنّه يتأمل حياة الإنسان في جزء صغير منه بشكل مغاير، في أعماله نبرة صوفيّة مضيئة، تتصاعد من الداخل، يحاول أن يستعيد فيها، حرّيته في التأمل ...

على هيكل سرير عباس الكاظم بقايا وطن: (نال الفنّان العراقي المقيم في الدنمارك، الجائزة الأولى – بينالي القاهرة 1998، عن عمله (وطن)، وأصبح من ممتلكات متحف الفنّ الوطنيّ المصريّ، إعتمد عباس أسلوب ما يعرف بفنّ التجهيز أو التركيب the art of installation، وهو الفن الذي يعتمد الفكرة كعنصر أساس، إذ قدّم سريراً للنوم من مادة الحديد، يرتكز على كثيب رملي، جلب مادته من الإهرامات المصريّة، وإذا تسنى لأيّ منا أن يتأمل التركيب الفني لهذا العمل، سيجعلنا أقدر على فهمه، إذ ترتقي المهارة الفنيّة، مع البعد الفلسفي، فسيجد أنه مصمم وفق أسس تمتدّ في عمق المعانيّ، التي يحملها التراب، في معنى الوجود (الولادة والموت)....

وقوف ثم إنحناء، هكذا يستمر المثول للجميل، أمّا الجليل فيأخذنا للسجود إليه، تستمر السياحة الى مرفق آخر، في إكتشاف قدرات مكي حسن النحتية التي تزاول الخفاء: كان فناننا قد إنتهل من الروافد والينابيع الرافدينية، إنها اللحظة الفارقة التي شهدت بداية التحولات الثقافية، ترافقها محاولات النفاذ بالتجربة الشخصية إلى أعماق الحياة العراقية، منذ أول تمثال برونزي نفذه حسين – الرجل صاحب الجناح- قبل أن يختار المربع كثيمة تعبيرية في أعماله اللاحقة، كان مكي يبحث بقلق واضح، عن الشكل الرامز لطموحه، في تحقيق شخصية تنسجم وروح العصر، إذ إعتمد خامة البرونز، في أغلب أعماله النحتية وكرّس جهده لتطويع هذه الخامة، وتفجير الطاقات الحبيسة، التي تريد أنْ تعلن عن ذاتها....

تجربة أخرى يتأملها الكاتب بأسلوبه الكافي: عبد الرحمن الجابري، محاولة لوضعها في مسارها الحقيقيّ بسبب من صلته الوثيقة بالحياة، لا يختفي الموضوع في أغلب أعمال الجابري ولا يتلاشى في نسيج اللوحة، إلا أن إشارات لونية تمنح سطح العمل قسطاً كبيراً من الوضوح، مع جماليات تشكيلية لا بد منها لايجاد نوع من التوازن، في مواجهة القلق والمعاناة التي رافقت حياة الفنان، والمصير المحزن الذي إنتهت إليه، شاء أن يبني بيتاً لصغيرته عشتار، لكن خطفوها، كل أمسك بمعوله يهدم الحلم....4060 جمال العتابي

تتوقف العين عند ورقة (تلمس العمق وإبتكار الجوهر)، حول منجزات موفق مكي مكتشفاً المنابع الخفيّة لإمكانات العمارة والتشكيل، إخلاصه للحاضر تمثل في الإستجابة الى الإشتراك بمعرض- فوق الرماد -، ذكرى إستهداف شارع المتنبي، عام 2007، وأتبعه بمعرضه الخاص – إحتضار الكتابة، إستخدم الفنّان مواد مختلفة خشب، قماش على ورق، بطريقة الكولاج، فالخشب على الورق، يوحي لفعل التهشيم، باللون الاسود، كمعادل للإحتراق...

حوارالعتّابي مستمر، مع تكوينات لضياء حسن التعبيريّة: ( إنّ إستلهام الحرف، ولا سيما الآيات القرآنيّة في أعمال ضياء، هو أول الطريق الى التصوّف الفنيّ، إذا جاز لنا التعبير، لأنّ الفكر الصوفيّ بدوره، ينزع الى الحقيقة، في المنحنى الثاني، من إسلوبه نتوقف عند توظيف الحرف معماريّاً أو هندسيّاً، أيّ إستخدام الخطوط المستقيمة، والأقواس والمنحنيات، إنَّ حقيقة الأشياء تكمن في تصميمها، وأنَّ أكثر الذين فهموا التصميم، هم الفنانون ومهندسو العمارة.)....

ما حكاية زياد جسام بعمله المجسم - الكتاب حياة-.. إستثمر فنّاننا بذكاء، ما يعرف بــــ (فن الانستليشن)، فنّ تركيب العمليات الفنية التشكيلية، الذي يقوم أساساً على التداخل المكانيّ، مع موجودات المحيط الواقعي للعمل، وتستخدم عادة مواد مختلفة، وخامات عمل متباينة المصدر، فكرة العمل بسيطة، لكنّها ذات مغزى ثقافيّ.. وهذا النوع من أنواع الفنّ المفاهيميّ –ثلاثة كتب من مواد مختلفة، بلون أخضر مورقة، وممتدة الجذور تمثل عالماً جميلاً، عالم المعرفة والعقل)....

... ذلك الضاحك يصوغ، حياة عراقية متخيّلة: (بشوق لقيس يعقوب، يعود لأربعين عاماً مضت، يوم كنا نقف، في أحدى شرفات (مجلتي)، في الطابق الثامن من عمارة الرواف في أبي نؤاس، نتطلّع إلى دجلة الراحل جنوباً، إنشغل قيس في غربته، بمشروعه الفنيّ المعماريّ، يعتقد أن دائرة الآثار – وزارة الثقافة، منظمة اليونسكو، أو معهد العالم العربيّ في باريس، سيتسابقون من أجل الفوز بأحد مشاريعه، رغم كل ذلك قيس لا يتوقف، ما زال يحلم ويتخيّل .

سيرة الماء والنّار، كتاب الشاعرة مي مظفر، عن الفنان الراحل زوجها، أمير الكرافيك - رافع الناصري- أشهد إن كاتبة هذه السّيرة، تجاوزتْ الصمت الثقيل، وسأم الغياب، سيرة كتبت فصولها ميّ مظفر، بدقات القلب كانت في أغلب الصور حزينة، في قسمات وجهها رموز مجهولة، البورتريت الذي رسمه رافع للوجه الجميل يقول هكذا ...

على سور جامع الخلفاء، يزهو تطويع الحديد، بإيقاع حروفيّ، لهاشم الخطاط: ( شعور بالنشوة السّحرّية يمتلك الحواس، كلما أسعفنا الوقت، بزيارة المكان،،الذي يطلّ عليه جامع الخلفاء، في طرازه المعماري المدهش، لـــ (محمد مكيّة)، وهو يعيد في توازٍ وتواصل حميم مع الروح البغداديّة في العمارة، المشهد يدعو إلى التأمل في كل محاولة، لإكتشاف المعاني الجماليّة للسّور الحديدي، إذ يتصدر واجهة المسجد، بخط الديوانيّ الجلي، لساحر الخط العربي – هاشم محمد البغدادي - وقد علاها الصدأ

بين العمارة والتشكيل، مجاورة مثيرة، وهي صداقة إمتدّتْ لقرون، يوجه بوصلته جمال، الى فضاءات المعمار خالد السلطاني: (ما زال السلطاني منحازاً، الى كشوفاته المعمارية، بحرص متناهٍ ثمة حوار خفيّ بين الصورة والمثال لديه، بين الغائب والحاضر، بين المنظور والمغمور، لكنه حوار محكوم، بإمتحانات الإنسان، مجاهداته وأقيسته، ذلك لأنهّ حينما أقام وحدته مع العمارة، أصبح منحاه الوجوديّ، التاريخ مقروءاً بالصورة، والمعاودة الحرّة للأصوات الداخلية، التي تبعتها العمارة)...

الى غابة الحروف، عند محطة الحرف العربيّ، بنضج خط (الثلّث) وإرتكازه بصورته المثاليّة، على يد هاشم البغداديّ، يعدّ حرف الحاء المفرد الملفوف، لما يمتاز به من صعوبة في الرسم، وجمال البناء والشكل، مقياساً لمهارات الخطّاط، وجودته في الكتابة، بإمكان الفنان، أن يعيد ترتيب الحروف سايكولوجياً، من خلال التأثير الناتج، عن الإيماء والحركة، حرف الحاء بناء معماريّ وموسيقيّ، تتجسد فيه مفردات البناء الهندسيّ، إنها عملية ولادة، ترقّب وطلق، معاناة وعاطفة، الحرف مولود يتحرك ويومض، يولد الحاء حاملاً صناديق أسراره، بإكتماله يتدفّق بهدوء...

يستمر المجرى الى صفحة التراث الحيّ، عند المثول أمام الجورنيكا، حقاً فالحرب ذئابٌ تترصد الأقمار: (الجورنيكا أقرب إلى موسيقى كونية هادرة، ترفض قوانين السكون، أفلاك ترتعش بألوان الأبيض والأسود والأزرق الداكن، لإقتناص لحظات الصراع، مع جنون الحرب، بين الظلمة والنّور، لوحة تفكر ذاتيّاً، بما تختزن من طاقة، في مساحة مسطّحة، ذات إشعاع داخليّ). للأجساد حصة في الجورنيكا، وعن عمارة الجسد يقول البيركامي: - الجسد حامل المعرفة ....

جاذبية الرجوع والحنين، إلى قصر هاملت: (تلوح من بعيد – قلعة الينسور- شامخة، في الفضاء المطلق، يقبل عليها الآف الزوار، تحيل الفضاءات، ومياه البحر المحيطة بها إلى إيقاعات تتجه صعداً الى السماء، وكأنها تدخل في مدارات من الأنوار الساطعة، نظام خارق الجمال من البناء والفن المعماري، ينتابني ذهول في رواميز التاريخ، وحروب القراصنة، أشبة بالذهول الذي أصاب (فرتنبراس) النرويجي، الذي تقلّد عرش الدانمارك، بعد مقتل الأمير الشاب...)، عبارة خالدة لشكسبير، تتلألأ على لسان هاملت:- أن المرء يستطيع التبسم، ما شاء، وهو مجرم أثيم .....

فاعلية الخطاب في سردية – جمال العتّابي، التي تشاغل الزمن، توزعت على أدراج مبدعي الداخل والخارج دون تميز، كذلك تنوّع في التناول شاملاً حقول: الرسم، النحت، العمارة، الخطّ العربيّ، والآثار أيضاً إسترسل بسرديّته المتنوعة، وكأنّها تأثيل لمسيرة التشكيل العراقيّ الحديث، فكان الرثاء حاضراً.

***

عادل مردان

علي حسين"كلّ من تحب، وكلّ من تعرف، وكلّ من سمعت به يوماً، كلّ إنسان كان يوماً موجوداً، كلّهم، عاشوا حياتهم هناك.. على ذرّة الغبار المعلّقة في شعاع الشمس"

كارل ساغان

تخيل المشهد التالي.. انها الساعة الواحدة بعد منصف الليل.. انت لا تزال مستيقظا، جالسا امام شاشة الكومبيوتر تُحدق بصور الكون التي نشرتها وكالة ناسا.. وتسأل نفسك: أين نحن من كل هذا؟.. تنظر إلى المكتبة التي تحيط بك جدرانها، وهي تضم الآف النفوس التي عاشت على هذا الكوكب.. تتخيل ان " المرحوم " نيتشه " ينظر اليك بعينين زائغتين وهو يقول: " ألم اخبركم يوما ان " الإله مات ".. تذهب باتجاه الرف الذي يضم كتب الفيلسوف الالماني الذي مات مجنونا، تتطلع في العناوين تسحب كتاب " هذا هو الانسان ".. تعود الى شاشة الكومبيوتر وهي تعرض امامك صور عجيبة..تتذكر ذلك الرجل الذي كان في السابعة والثلاثين من عمره وهو يتجول في الغابات ينظر الى السماء ثم يصرخ: " ايها الجرم السماوي العظيم ! أية سعادات هذه التي ستنالها ان لم تحظ بهؤلاء الذين على عالمهم تشرق ".. تتخيله جالسا قرب صخرة، يردد مع نفسه بصوت خافت: " تتساءل.. أين الله؟ ساخبرك بالإجابة. لقد قتلناه.. انت وأنا جميعا قد قتلنا الله.. ألا تسمعون ضجيج حفاري القبور الذين يدفنون الله " - العلم المرح ترجمة علي مصباح -. يتذكر نيتشه في كتابه " هذا هو الانسان "، ذلك اليوم المصيري عندما خطرت في باله فكرة الانسان الخارق (السوبرمان). ولكن هل كان نيتشه صاحب هذا المصطلح؟.

 في عام 1806 وقبل ثمانية وثلاثون عاما من ولادة نيتشه، وفي منطقة شرق المانيا وبالتحديد في مقاطعة فايمار، كان هناك شاب لم يبلغ الرابعة والعشرين من عمره اسمه يوهان فولفغانغ غوته قد انتهى من كتابه الجزء الاول من مسرحية بعنوان " فاوست "، وهي التراجيديا التي اراد من خلالها فهم وادراك المعنى الحقيقي للكون. يقلق فاوست غوته من ايمان عصره الذي لا يتزعزع، يقلق من حب شعبه لتلقي الاوامر من الإله، ويرغب بالوصول إلى حقيقة لا تُعيقها الخرافات. ويحشر فاوست نفسه بكل اشكال المعرفة –الفلسفة، الطب، اللاهوت – من اجل ان يفهم ويعرف الطبيعة اللامتناهية للعالم، ولكن من دون جدوى، وتسمع روح السماء مناشدات فاوست اليائسة للحصول على لمحة من الابدية، وتسأله: ما الذي يزعجك ايها الانسان الخارق؟.. كان فاوست عالما طبيعيا مصابا بمرارة خيبة الامل، فقد احاط نفسه بالاجهزة في غرفة بحثه ودرسه وهو يخاطبها بقوله: " لا ريب انك تهزئين مني، ايتها الآلات، وقفت بلا حول امام البوابة، وكان عليك ان تكوني المفتاح " – فاوست ترجمة عبد الرحمن بدوي -. هذه الرغبة الملحة في التعمق الدائم نحو المعارف، سوف تنتهي الى احضان الشيطان " مفستوفيليس ".. يكتب توماس مان ان غوته وهو يحذر من الخطر الذي يجابه العالم، كان يؤمن ان العلم وحده القادر على انقاذ الانسانية. في واحدة من رسائله يكتب غوته: " ليس هناك من بين كل المكتشفات والادلة ما هو ابلغ الاثر على النفس البشرية من تعاليم كوبرنيكوس ".

عام 1540 أدرك عالم الفلك والرياضيات البولوني نيكولاس كوبرنيكوس إن الحركات المعقدة الظاهرية للكواكب، يمكن تعليلها بأن الشمس ثابتة في حين أن الأرض والكواكب الأخرى تدور في مدارات حول هذا النجم الباهر

ولد نيقولا كوبرنيكوس يوم التاسع عشر من شهر شباط عام 1473 في مدينة بولونية تدعى تورون، ومات عام 1543 في مدينة تدعى فرومبورك. وكانت ولادته في عائلة من التجار والموظفين الكبار، فقد كان والده قاضياً، لكنه توفي مبكراً عندما كان عمره ابنه عشرة أعوام، فتبناه خاله القس واخذه ليعيش معه في مدينة كراكوفيا حيث حرص على إدخاله إلى أفضل المدارس. وفي عام 1491م دخل إلى جامعة كراكوفيا، حيث درس الصناعات والحِرف، ولكن من دون أن ينال أي شهادة. وقبل أن يترك مدينة تورون عينه خاله كاهناً قانونياً في مدينة فرومبورك، حيث أشرف على الشؤون المالية للكنيسة،. ثم سافر بعد ذالك إلى إيطاليا، حيث درس القانون الشرعي المسيحي والطب في جامعة بولونيا الإيطالية. كما درس بعد ذلك علم الفلك. بعدها اقنع خاله أن دراسة الطب أمر له أهميته لخدمة الكنيسة، كانت دراسة الطب في تلك السنوات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بدراسة علم النجوم، فقد كانت الفكرة السائدة أن هنالك روابط غامضة بين أعضاء الجسم وحركة النجوم، أتمّ كوبرنيكوس دراسة الطب بعدها عاد الى بلدته لرعاية خاله المسن وأثناء عمله مستشاراً قانونياً للكنيسة أخذ يقرأ كل ما يتعلق بعلم الكواكب، وقد استقر في أحد أبراج سور الكاتدرائية منشغلاً بدراسة مقاسات الأفلاك من خلال استخدام أجهزة بسيطة صنعها بنفسه ليصدر في يوم 24 آيار من عام 1543 كتابه "دورات الأجرام السماوية"

كان قد بلغ السبعين من عمره ويقال إن نسخة من الكتاب وضعت بين يديه اثناء احتضاره حيث كان في غيبوبة المرض يعاني من نزيف في المخ، ليتوفى بعدها بساعات، أهدى كتابه الى البابا بولص الثالث، حيث كان يحاول أن يتجنب الصعاب والملاحقة وجاء في الاهداء: "نصحني أصدقاء بانه يجب عليّ أن أنشر كتابي القابع في حوزتي مختفياً، وأخبروني بأنه ينبغي لي أن لا أهتم بقلقي، ولا أمنع مؤلفي عن الظهور أكثر من ذلك".

يكتب غوته: "لم يُحدث أي اكتشاف أو رأي، أو كتاب -من جميع الاكتشافات والكتب - أثراً على الروح البشرية أعظم مما أحدثه كتاب كوبرنيكوس"دورات الاجرام السماوية". لأنه بهذا الكتاب إختفت أمور كثيرة في الضباب والدخان، ولا عجب إن معاصريه لم يرغبوا في أن يتركوا كل هذا يمر بسهولة، وقاموا بكل مقاومة ممكنة لكتاب حوّل كل المهتدين به حرية الرأي وعظمة التفكير اللتين لم تعرفا حتى ذلك الوقت، والحقيقة إنه لم يحلم بها أحد قط".4059 كارل ساغان

اذهب ثانية باتجاه رفوف المكتبة التي صففت عليها ما جمعته خلال اكثر من 40 عاما من كتب تتعلق بالعلم والعلماء، اطيل النظر الى كتاب " دورات الاجرام السماوية " فاجده يبدو مطمئنا الى جوار مجلدات غاليلو غاليلي الاربعة، والمح المسرحية التي كتبها برتولد بريشت بعنوان " حياة غاليليه " بعد صعود هتلر الى كرسي الحكم..في زاوية سأجد كتب الفيزيائي الأمريكي كارل ساغان الذي توفي عام 1996. وكان مشهورا بأنه يرسم معادلاته الرياضية على المناديل الخاصة بالمطاعم..كان ساغان قارئا للفلسفة،وقال ذات يوم ان والده ظل مولعا بكتابات نيتشه، وان هذا الاب كان يتباهى من ان عائلته لأمه ترتبط بقرابة مع عائلة الفيلسوف الروسي الشهير نيكولاي برديائيف. كان صموئيل ساغان، عامل في متجر للملابس هاجر من اوكرانيا التي كانت ضمن الامبراطورية الروسية، ليستقر في احدى احياء بروكلين الفقيرة، عاشت الأسرة في شقة متواضعة وفي التاسع من تشرين الثاني عام 1934 رحب بولادة ابنه البكر " كارل " الذي سيصبح بعد نصف قرن واحدا من اشهر علماء امريكا، وصاحب برنامج تلفزيوني يتابعه اكثر من 500 مليون انسان.. يقول في رد على سؤال حول توجهاته العلمية ان والده اشار اليه وهو صغير وقال لوالدته " هذا الصبي سيكون متمردا ".

يقول كارل ساغان ان والده لم يكن متدينا، ولم يذهب للصلاة يوما على عكس والدته " راشيل " التي كانت تؤمن بالله، وتتردد دائما الى المعبد، وتمنع وجود اللحوم في البيت ايام السبت .. يعترف ان والديه كانا مثل الاجرام المختلفة، والدته من عائلة فقيرة، في شبابها كانت طموحة وتمنت ان تدخل الجامعة إلا ان الفقر والقيود الاجتماعية اصابتها بالاحباط، بعد ذلك ستجد في ابنها " كارل " معبودها الوحيد الذي سيحقق احلامها. يقول كارل ساغان ان احساسه الدائم بالدهشة ومتابعة الاشياء جاءه من والده، وفي كتابه " ظلال الأجداد المنسيين " ترجمت فصول منه في مجلة عالم الفكر – يرى ان الفضول نشأ عنده من مراقبة والده الذي كان مغرما بالمسرح حتى ان عمل في ادارة احد المسارح: " لم يكن والداي عالما. لم يعرف شيئا تقريبًا عن العلم. لكنه استطاع ان يزرع في نفسي الشك والتساؤل ".

يتذكر ساغان أن إحدى اللحظات الأكثر اهمية في حياته عندما اصطحبه والده إلى معرض نيويورك العالمي عام 1939 كان في الخامسة من عمره. أصبحت المعرض نقطة تحول في حياته. يتذكر فيما بعد الخريطة المتحركة لمعرض أمريكا الغد: "لقد أظهرت طرقًا سريعة جميلة وأوراق البرسيم وسيارات جنرال موتورز الصغيرة جميعها تحمل الناس إلى ناطحات السحاب والمباني ذات الأبراج الجميلة والدعامات الطائرة "، تذكر كيف أن المصباح الكهربائي الذي أضاء على خلية كهروضوئية أحدث صوته طقطقة، كتب ساغان: " من الواضح أن العالم يحمل عجائب من النوع الذي لم أكن أتخيله من قبل".

بعد وقت قصير من دخوله المدرسة الابتدائية، بدأ في التعبير عن فضول قوي بشأن الطبيعة. يتذكر أنه قام برحلاته الأولى إلى المكتبة العامة بمفرده حصلت له والدته على بطاقة مكتبة. أراد أن يعرف ما هي النجوم، حيث لم يتمكن أي من أصدقائه أو والديهم من إعطائه إجابة واضحة: " ذهبت إلى أمين المكتبة وطلبت كتابًا عن النجوم، والإجابة كانت مذهلة. أن الشمس كانت نجمًا ولكنها قريبة جدا. كانت النجوم شموسا، لكنها كانت بعيدة جدا فقط نقاط ضوئية صغيرة... فجأة انفتح الكون لي "، ظل الفضاء يشغل اهتمامه الرئيسي، خاصة بعد قراءة قصص الخيال العلمي لكتاب مثل ه.ج ويلز وجول فيرن، والتي حركت خياله حول الحياة على كواكب أخرى.

 التحق ساعات بجامعة شيكاغو، خلال الفترة التي قضاها كطالب جامعي، عمل في مختبر الوراثة وكتب أطروحة حول أصول الحياة. انضم إلى جمعية رايرسون الفلكية، حصل على البكالوريوس في الفيزياء عام 1955. ثم حصل على الماجستير. عام 1960 حصل على الدكتوراه بأطروحة بعنوان " الدراسات الفيزيائية للكواكب "، عمل استاذا مساعد في هارفارد، بعدها انتقل للتدريس في جامعة كورنيل وبقي ما يقرب من 30 عامًا حتى وفاته في عام 1996.

ارتبط كارل ساغان ببرنامج الفضاء الأمريكي منذ بدايته. عمل مستشارا لوكالة ناسا. ساهم في العديد من مهام المركبات الفضائية التي استكشفت النظام الشمسي، وقام بترتيب التجارب في العديد من الرحلات الاستكشافية. قام بكتابة أول رسالة تم إرسالها إلى الفضاء وكانت على لوحة مطلية بالذهب متصلة بمسبار الفضاء بايونير 10، الذي تم إطلاقه عام 1972. عام 1988 كتب مقدمة للطبعة الاولى لكتاب ستيفن هوكينغ الشهير " تاريخ موجز للزمان ".حصل عام 1994 على ميدالية الرفاهية العامة، وهي أعلى جائزة تمنحها الأكاديمية الوطنية للعلوم "للمساهمات المتميزة في تطبيق العلم على الصالح العام..فاز كتبه بجائزة بوليتزر. حصل برنامجه الشهير عن الفضاء على جائزة إيمي، وتحول ساغان من عالم فلك غامض إلى رمز للثقافة الشعبية.

كان ساغرم من دعاة البحث عن حياة خارج كوكب الأرض. وحث المجتمع العلمي على استخدام التلسكوبات الراديوية للحصول على إشارات من أشكال الحياة الذكية المحتملة خارج كوكب الأرض. في ذروة الحرب الباردة، انخرط في جهود نزع السلاح النووي من خلال الترويج لفرضيات حول آثار الحرب النووية على البشرية .

تزوج ثلاث مرات. وانجب خمسة ابناء، اصبيب بالتهاب في الرئة وتوفي في 20 كانون الثاني عام 1996، بعد شهر من احتفاله بعيد ميلادهه الـ " 62 ".

من بين جميع القيم العلمية، عرف كل عن ساغان تقديره لحرية الشك: " على النقطة الزرقاء الباهتة (الارض) التي هي الموطن الوحيد الذي عرفته البشرية على الإطلاق، هناك الكثير من المعضلات التي لم يتم حلها، والعديد من الأسئلة ذات الإجابات غير المؤكدة فقط. أولئك الذين يطالبون بمراقبة الأفكار غير التقليدية - أو الرقابة الذاتية - يلعبون بالنار. لأنه عندما لا يكون المشككون آمنين، فإننا جميعًا في خطر."

في كتابه " عالم تسكنه الشياطين " – ترجمة ابراهيم محمد ابراهيم - يبيّن ساغان كيف أن العلم هو طريقة للتحرر الإنساني، وخصوصاً التحرر من الأساطير والمعتقدات القديمة والخرافات والتنجيم، التي لا تزال تسيطر على العقل الإنساني حتى في أكثر الدول المتقدمة علمياً، مثل الولايات المتحدة الأميركية. ويتساءل عن التباعد بين التقدم التقني في العلوم والتكنولوجيا، وبين بقاء عقل الإنسان خاضعاً للمفاهيم التي لا تخضع للعلم أو تنتمي الى عالم الغيب والأساطير والمؤامرات.

في كتابه "اصل الاخلاق " – ترجمة حسن قبيسي يشجب نيتشه، الدعوة التقليل من شأن الإنسان" الذي أحدثته الثورة العلمية. يبدو نيتشه حزينا على فقدان "إيمان الإنسان بكرامته، وتفرده، وعدم الاستغناء عنه في مخطط الوجود". يكتب كارل ساغان بالنسبة لي، من الأفضل بكثير أن أفهم الكون كما هو في الحقيقة بدلاً من الاستمرار في الوهم، مهما كان ذلك مُرضيًا ومطمئنًا. ما هو الموقف الأفضل للبقاء على المدى الطويل؟ ما الذي يعطينا المزيد من النفوذ على مستقبلنا؟ وإذا تم تقويض ثقتنا الساذجة بأنفسنا قليلاً في هذه العملية، فهل هذه تمامًا مثل هذه الخسارة؟ ألا يوجد سبب للترحيب بها كتجربة ناضجة وبناء شخصية؟

رغم ان نيتشه مات مريضا، مهملا قبل اكثر من مئة عام، الا ان تاثيره لايزال اثيراً لدى الكتاب والقراء في ان واحد، ولا يزال الناس منقسمين على الحكم عليه انقساماً لا يشبه أنقسامهم في الحكم على احد، ونجد الجميع يستشهد بعبارات هذا الفيلسوف العبقري الذي عاش وحيدا ومات وحيدا. لم يكن احد قبله بمقدوره ان يقلب التفكير الغربي رأساً على عقب، ولم يات أحد بتاريخ متناقض وخطير النتائج كما فعل نيتشه : " كم من الناس سيستند يوما من الايام الى سلطتي من غير وجه حق "، وكانت مخاوفه معقولة، الم يقل يوما وهو منبهر: " اضع يدي على الألف القادمة "، واليوم في عصر الانترنيت والالكترونيات لايزال الحديث عن نيتشه يشغلنا، ففي كل يوم يولد قارئ جديد سيقرأ فيما بعد سطراً من " العالم المرح " فيدهشه، أو كلمات من هكذا تكلم زرادشت فتسحره.. ويظل هذا الفيلسوف الذي مات مجنونا لغز عالمي، فنيتشه كما كتب يوما الفيلسوف الألماني الوجودوي كارل ياسبرز: " لايمكن استنفاذه، وقد غرف كل جيل من نبع رؤاه، وسعى الى استنفاذه، وقد بليت كل الانية وتكسرت، غير انه في العمق، ما يزال النبع نضاحاً لاينضب ".

قبل اكثر من عامين صدر كتاب يطرح فيه مؤلفه الكاتب الانكليزي باتريك ويست فكرة تخيل عودة نيتشه الى حياتنا هذه الايام، ويناقش تاثير نيتشه على عصرنا الحاضر، فهذا لفيلسوف الذي اخترع كلمة السوبرمان، لاتزال افكاره حول طبيعة الخير والشر، وارادة القوى، تردد صداها في جميع أنحاء العالم، وفي وسائل الاعلام، ونجده يظهر في سلسلة هاري بوتر كانسان خارق، يطرح الكاتب سؤالا: هل نحن مدينون لنيتشه، الذي اكد ان " ما هو عظيم في الإنسان، أنه جسر وليس هدفًا ".

يقول الكاتب أن نيتشه يحب أن يطرح أسئلة. وقد كان يعتقد أنه كلما زادت عدد الأسئلة التي نطرحها كلما زادت الحكمة التي نكتسبها ونطورها في حيانتا بشكل أفضل، وان الانسان عندما يعاني للوصول الى هدفه فان ذلك افضل له، فالشجاعة هي في مواجهة الصعوبة، والسماح لنفسك بالعيش بشكل تجريبي، واستكشاف خبرات الحياة بجرأة: " كن ممتنًا لأنك لم تأخذ الطريق السهل وتستمر في ذلك مثل "متعرج ممل".

يؤيد كارل ساغان افكار نيتشه حول الدعوة الى قيم تؤدي الى ثقافة قوية وجديدة، وقوة الحياة هذه سيطلق عليها نيتشه اسم " ارادة القوة".

انظر وقد اخذني النعاس الى كتاب " هذا هو الانسان "، والى صورة نيتشه يبدو غاضبا، واتصفح ماكتبه كارل ساغان عن عالمنا الذي تسكنه الشياطين، واتخيل نيتشه على متن مركبة فضاء يجلس الى جواره كارل ساغان وصديقه ريتشارد فاينمن عالم الفيزياء الذي حصل على نوبل عام 1965، ينظرون جميعا الى الكون الذي وصفه كارل ساغان بانه " كل ما موجود، وما وجد، وما سيوجد ". يبدو نيتشه متعبا لكنه لا يزال يؤمن بفكرة العود الأبدي، فكل ما يحدث الآن سوف يحدث مرّةً أخرى أيضًا، بالطريقة نفسها في كل مرةٍ وإلى الأبد، أي يوجد دورات من الحياة حيث الكون والإنسان يُعاد خلقهم من جديد ليحدث مثلما حدث تمامًا، وهذه الدورات تستمر في التكرار إلى الأبد. ينتبه كارل ساغان الى ان ستيفن هوكينغ كان مغرما بهذه الفكرة وهو يشرح نظرية الانحسار العظيم للكون والتي تقول أن الكون سيفنى ثم ينبثق مرة أخرى بنفس الشكل وسوف يحدث ذلك مراتٍ لا متناهية. يقول نيتشه: " إن كل اتجاه على خط مستقيم إنما هو اتجاه مكذوب، فالحقيقة منحرفة، لأن الزمان نفسه خط مستدير أوله وآخره”.

ولكن ماذا عن الله؟، ينظر ساغان باتجاه نيتشه ويقول: " مثل هذه الموضوعات تتطلب الشك والخيال معا، فالخيال يحملنا الى عوالم لم تكن موجودة من قط. اما الشك فيمكننا من التمييز بين الزائف والحقيقي ومن اختبار افكارنا.. والكون غني دون حدود بالحقائق الرائعة والوسائل الذكية لاكتشاف الاشياء التي تمتنفها الاسرار ".. يبتسم فاينما وهو يقول: " على الرغم من حقيقة أنني قلت أكثر من نصف العلماء لا يؤمنون بالله، فإن العديد منهم يؤمنون بكل من العلم والله بطريقة متناغمة تماما، لكن رغم أن هذا التناغم ممكن ليس من السهل تحقيقه. "

هنا ينظر ريتشارد فاينمن وكارل ساغان بمحبة وشفقة الى العجوز نيتشه وهما يرددان: " حيثما لا توجد أدلة، لا يمكن الحصول على دليل ملموس، لا يمكننا أن نستنتج أن الله موجود، ولا نستطيع أن نستنتج أنه غير موجود".

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

ضياء نافعهذا كتاب مدهش بدءا من غلافه - (لوحة تشكيليّة حالمة وملوّنة بشكل ساطع)، وحجمه - (المتناسق والمنسجم تماما مع سمات عصرنا العاصف وايقاعاته السريعة)، ومضمونه - (الرومانسي الواقعي الخيالي الغريب بخليط متجانس رائق)، ولغته الروسيّة الجميلة الرقراقة، والتي حافظ عليها - بمهارة ودقّة – المترجم الدؤوب نزار محمود كنعان بلغتة العربيه الصافية، وقد أشار د. نزار في بداية هذا الكتاب الى شكره الجزيل للاديب علي احمد ناصر (... لجهوده الكبيرة في انجاز هذا العمل ...)، وهي اشارة رائعة تؤكد على الموقف النبيل للمترجم، الذي لا يمكن له الا ان يذكر دور اليد التي تمتد لمساندته، وهذا بحد ذاته تأكيد للقول الشهير في تراثنا عن (تواضع العلماء) طبعا، وكل ذلك كان واضحا - وبسطوع - على صفحات هذا الكتاب الرشيق والجميل شكلا ومضمونا، والذي جاء بعنوان – (ألكساندر غرين // الأشرعة القرمزية // ترجمة نزار محمود كنعان)، وهو كتاب صادر في موسكو عام 2020 ويقع في 142 صفحة من القطع المتوسط، الكتاب الذي أضافه د. نزار محمود كنعان الى سلسله كتبه المتميّزة العديدة، التي قدّمها لنا في الفترة الاخيرة، وأغنى بها المكتبة العربية في مجال الادب الروسي مثل كتابه الموسوعي الكبير – (أعلام الشعر الروسي)، او في مجال اختصاصه العلمي - آفاق علم الفلك المعاصر، مثل كتابه – (الطريق الى النجوم من أجنحة بن فرناس الى ملحمة فوياجير)، وغيرها من المؤلفات والمساهمات الثقافية الاخرى له.... .

الاشرعة القرمزية للكاتب الروسي الكساندر غرين، هو الكتاب الذي قال عنه باوستوفسكي – اذا مات غرين، ولم يترك لنا سوى واحدة من قصائده النثرية، واعني – (الاشرعة الحمراء)، فان هذا سيكون كافيا كي نعتبره واحدا من كوكبة عظماء الادباء الروس، ونحن نتفق مع رأي باوستوفسكي الموضوعي والدقيق هذا، وليس عبثا، ان (الاشرعة القرمزية) قد تحولت ومنذ الستينيات ولحد الان الى (عيد الاشرعة القرمزية)، الذي يحتفل به خريجو المدارس الثانوية بمدينة بطرسبورغ في اقرب يوم سبت لاطول ليلة بيضاء في تلك المدينة الرائعة الجمال، حيث تمخر سفينة باشرعة قرمزية نهر النيفا وترافقها مسيرة الالعاب النارية المتنوعة، وتستمر هذه الاحتفالات طوال الليلة البيضاء وحتى الصباح، ويشارك بها الملايين من الروس والاجانب، الا ان تسمية هذا المهرجان بعنوان رواية غرين قد تمّ عام 1968، بينما توفي الكاتب عام 1932، ولهذا، لا يوجد بتاتا اي ربط مباشر بين الكاتب غرين نفسه وبين هذا المهرجان، الا ان المنظمين الاوائل له استعاروا عنوان تلك الرواية القصيرة لغرين انطلاقا من جماليتها ورومانسيتها وانسجامها مع تلك الفعّالية،

ولا يعرف الادب الروسي ابدا تجربة تشبه هذا التقليد الشبابي الجميل في تاريخ روسيا، التقليد الذي يمكن لنا ان نقول – (خلقته !) واحدة من نتاجات غرين الابداعية، ولا مجال للحديث – في اطار مقالتنا – بتفصيل اوسع حول العلاقة المتبادلة بين هذا العيد غير الاعتيادي وبين رواية غرين القصيرة (الاشرعة القرمزية)، اذ ان هذه الظاهرة الجميلة تستحق مقالة تفصيلية باكملها .

ألكساندر غرين – مؤلف النتاجات الفلسفية السايكولوجية بعناصرها الخيالية الرمزية في تاريخ الادب الروسي، هو شبه مجهول وشبه معروف (في آن واحد!) للقراء العرب، اذ توجد بالعربية بعض الترجمات لبعض نتاجاته، بما فيها ترجمة اخرى للرواية القصيرة (الاشرعة القرمزية) نفسها، والتي يدور حولها حديثنا هنا بترجمة د. نزار محمود كنعان، الا ان القراء العرب لا يعرفون اهميّة الموقع الحقيقي لهذا الكاتب الروسي في مسيرة الادب الروسي وتاريخه عموما، الكاتب الذي عاش 37 سنة في الامبراطورية الروسية (من ميلاده 1880 الى ثورة اكتوبر 1917)، وعاش 15 سنة في الاتحاد السوفيتي (من 1917 الى وفاته عام 1932)، وامتاز عن جميع الادباء الروس قاطبة (وعبر كل تاريخ الادب الروسي) بعالمه الخيالي البحت تماما، والذي لا مثيل له في الادب الروسي، لدرجة، انه حتى بعض القراء الروس كانوا يظنون، ان نصوصه الادبية ليست روسيّة، وانما هي لكاتب اجنبي، وانها مترجمة الى اللغة الروسية ليس الا، بل وتم اطلاق تسمية خاصة للمكان الذي تجري به احداث نتاجاته الخيالية، التي لا يمكن ان تحدث على الارض الروسيّة لأنها تمثّل رومانسية جديدة بكل معنى الكلمة، وهذه التسمية هي – غرينلانديا (اي الارض المرتبطة باسم الكاتب غرين نفسه)، ولم يتفهم البعض اثناء حياة هذا الكاتب عمق تلك النتاجات وجماليتها غير الاعتيادية، وانه كان (المترجم بين العالم الواقعي والحلم الانساني) كما كتب مرة أحد الباحثين الروس المعاصرين، وباختصار، فان غرين هو – أديب المعجزة، التي يحلم الانسان دائما ان يحققها ولو في الخيال، رغم انه قال مرة بحدة معترضا على ذلك – روايتي رمزية وليس خيالية ...

ألكساندر غرين بانتظار الباحثين العرب، كي يقدموا ابداعه ومكانته الحقيقية للقراء العرب، وتحية للدكتور نزار محمود كنعان على مساهمته العلمية في تحقيق هذه الخطوة بكتابه هذا، اذ جاء الكتاب شاملا بمقدمته العميقة واسلوبه السلس الرقيق وصوره الملونة العديدة للفيلم السوفيتي (الاشرعة القرمزية) الذي انتجته موسكو عام 1961، وشاهده في حينها عشرون مليونا من المشاهدين ....

***

أ.د. ضياء نافع

 

محمد صفاءبقلم: ريونوسكي أكوتاغاوا

ترجمة: محمد صفاء

***

لم يكتب أحد إلى الآن بصدق عن الحالة العقلية لشخص على عتبة الانتحار. قد يكون بسبب كبرياء المنتحر، أو ربما بسبب قلة اهتمامه النفساني في حالته العقلية. رسالتي الأخيرة إليك: سأسعى جاهداً لتوضيح حالتي العقلية. لكن حتى لو أنني سأفشل في إيصال دوافعي إليك إيصالاً دقيقاً، فسأظل راضياً عن هذه المحاولة. يصور هنري رينيه في إحدى قصصه القصيرة، رجلاً ينتحر، ولكن هو نفسه لا يدري ما السبب. بإمكانك إيجاد العديد من الدوافع للانتحار في الصحف في الفقرات المُتعلقة بأقسام الشرطة، بدءاً من الضائقة المالية، أو اعتلال الصحة، إلى الألم النفسي. من خلال تجاربي فأن تلك الدوافع لا تمثل الدوافع جُلها، ولكنها تدلنا إلى الرحلة نحو السبب الصحيح. أولئك الذين ينتحرون هم معظمهم، مثل ذلك الرجل الذي صوره رينيه، غير واعي بالدافع الحقيقي. ينطوي الانتحار، مثله مثل باقي أفعالنا، تحت الكثير من الدوافع المتشعبة. في حالتي، فأنا مدفوع، على الأقل، بإحساسٍ حُوشِيٍّ بالقلق: حس ضبابي بالقلق اتجاه مستقبلي. من المحتمل أنك لن تكون قادراً على تصديق كلامي. علمتني عشر سنوات من الخبرة بأن أولئك الذين ليسوا من معارفي المقربين والأوفياء، تتبحثر كلماتي فيهم كأغنية في الهواء. لذلك لن ألومك.

تفكرت بالموت طوال السنتين الماضيتين. وكان ذلك خلال تلك المدة التي قرأت فيها لماينلاندر، فترسخت أعماله رسوخاً عميقاً في روحي. وأنا متأكد أن ماينلاندر يصور الرحلة إلى الموت تصويراً مبدعاً تماماً، مُعبراً عنه بكلماتٍ مُجردةٍ. أريد أن أصور نفس الشيء في شكلٍ ملموسٍ أكثر. ليس لدي رغبة أجل من هذه، ولا حتى شفقة تجاه عائلتي. قد يبدو هذا لك لا شيء سوى «لا إنسانية»، ولكن إذا كنت تعدني لا إنساني. فأعلم أني مجرد إشارة عابرة.

أنني ملزم بتدوين كل هذا تدويناً صادقاً (أنا أشعر أني بدلت كل ما بوسعي من جهد لأتفحص حسي الحُوشِيّ عن القلق اتجاه مستقبلي في كتابي «حياة أبله». ففي هذا الكتاب، قررت بتعمد ألا أكتب عن عاملٍ اجتماعيٍ معينٍ يخيمُ بظلالهِ علي – العصر الإقطاعي-. هذا لأننا نحن البشر نحيا حتى اليوم في ظلاله إلى حدٍ ما. حاولت أن أكتب فقط عن المناظر، والأضواء، والممثلين – في معظم الأحيان تمثيلي الخاص بي – التي ظهرت في مراحل أخرى غير هذه. يخامرني الشك بنفسي ما إذا كنت أستطيع تفهم هذه الحالة عندما أعيش في غمرتها. كان قلقي الأساسي يكمن في كيفية الموت بطريقة أقل معاناة. الشنق، بالطبع، أنسب طريقة لهذه الغاية. ولكن عندما تصورت جسدي وهو متدلدل، تملكني شعوراً غزيراً باشمئزازٍ جماليٍ (أتذكر مرة عندما وقعت في غرام امرأةٍ ما، ولكني فقدت مشاعري تجاهها عندما اكتشفت أنها كاتبة رديئة)، ولا يمكن للغرق أن يحقق مَبْلَغي أيضاً، وذلك لأني قادر على السباحة. وحتى لو أنني نجحت فرضاً، فسأتألم أكبر من الشنق. أثارت في نفسي فكرة قذف نفسي تحت القطار من دون بقية الأفكار إحساساً بالاشمئزاز الجمالي. ستفشل احتمالية الموت بواسطة مسدساً أو سكيناً لارتعاش يداي. وسيكون القفز من أعلى المبنى مقززاً بلا شك. وبناءً على هذه الاعتبارات، قررت أن أقتل نفسي باستخدام العقاقير. ربما من الممكن أن يكون الموت باستخدام العقاقير أشد إيلاماً من الشنق. وفضلاً عن حقيقة أنني أجدها أقل اشمئزازاً من الشنق، ولكن لا يمكنهم إنقاذي. بقيت فقط مسألة ابتياع مثل هكذا عَقّار، ولا أحتاج أن أقول، إنها لم تكن مهمةً يسيرةً بالنسبة لي. أني قد حملت نفسي على الانتحار، وصممت على استغلال كل الوسائل التي في متناول يدي لأحوز هذا العقار. وفي الوقت نفسه، حاولت أن أكتسب أي معرفة استطيع اكتسابها عن علم السموم.

تحول تفكيري لاحقاً عن أين سأنتحر؟ سيجب على عائلتي الاستناد على إرثي بعد وفاتي: وهي أرض ضئيلة تعادل مساحتها مئة تسوبو فقط،(1) ومنزلي، وحقوق أعمالي، وادخارات بقيمة مئتا ألف ين. كنت قلقاً حيال عدم صلاحية منزلي للبيع بسبب انتحاري، ورأيت بناءً على ذلك إحساس بالحسد تجاه البرجوازي الذي لديه على الأقل منزلاً ريفياً واحداً. قد تجدني أقول أشياء سخيفة جداً. ولكن عندما تفكر في تلك المسائل، فالإنسان في الواقع يشعر بإحساسٍ غائِرٍ بالحماقةِ، حماقة حتمية. أردت فعل كل ما بوسعي من جهداً لأقتل نفسي بطريقة بحيث لا يرى أي أحد من خارج عائلتي جثتي.

حتى بعد أن استقريت على الوسيلة، إلا أني وجدت نفسي ما زلت ملتصقاً بالحياةِ بطريقةٍ محدودةٍ إلى حدٍ ما. وبسبب هذا، احتجت إلى مقفزٍ ليقذفني إلى الموت (لا أعتقد بما يعتقده الغربيين بأن الانتحار خطيئة. ففي الكتب البوذية، يشدد بوذا على أن الانتحار في أحد تعاليمه. يحرف البعض الحقيقة لإرضاء مشاعر العامة، وقد يقولون أن هذا الإقرار ينطبق فقط في الحالات اللاتي يكون فيها الأمر «حتمياً». ولكن بالنظر إلى المسألة من زاوية أخرى، فالحالات «الحتمية» تلك، لسن الحالات القصوى الوحيدة اللاتي يموت المرء فيها موتاً أكثر بؤساً ولا مفر منه. فأي شخص يختار أن ينتحر يفعل ذلك بسبب الحالات، اللاتي يعدها بالنسبةِ له، «حتمية». أولئك الذين ينتحرون قبل هذه المرحلة، يلزمهم كثيراً أن يتشجعوا. وبعد التفكير في الحقائق المتوفرة، وتقييم جميع الجوانب المُتعلقة، فمن العادة أن تتولى امرأةً ملء دور المَقفز. قبل أن ينتحر هاينرش كلايست، استجدى أصدقائه ليكونوا رِفاقه. حاول جان راسين أن يرمي نفسه في نهر السين مع موليير، وبيبر كورني. لسوء الحظ ليس لدي أصدقاء مثل أولئك، ولذلك مجرد حاولت أن أقنع امرأة والتي كنت ملماً بموتها بجانبي. إلا إن هذا انقلب ليكون مقترحاً لم تستطع الإقدام عليه من أجلي، وسرعان ما أصبحتُ واثقاً بقدرتي على الانتحار بدون مَقفز. هذا لم يأتي من قنوط بعدم رغبة أي أحد بالموت معي؛ بل كنت أضحى عاطفياً بصورة متزايدة، وحتى لو كانت زوجتي ستفجع بموتي، فأردت أن أكون حذراً تجاهها. في نفس الوقت، عَلِمْتُ أن قتل نفسي بدون شريكاً متواطئاً سيكون أسهل. فضلاً عن الراحة الناجمة عن قدرتي على الانتحار في الوقت الذي أختاره.

كان تجهيزي الأخير أن أنهي حياتي بطريقة لن تلاحظها عائلتي قبل أن انتحر. بعد عدة شهور من التجهيز، ظفرت بثقة معينة بأني سأكون قادراً على فعلها. (لا أستطيع كتابة تلك التفاصيل هنا لمصلحة أولئك الناس الذين يهتمون بي. ولكن حتى لو كتبتها هنا، من المؤكد أن تهمة سخيفة مثل «المساعدة والتحريض على الانتحار» لن تُشرع بمقتضى القانون، وإذا طبق هذا القانون، كيف سيزداد عدد المجرمين! حتى لو أدعت الصيدليات، ومتاجر الأسلحة، وبائعي شفرات الحلاقة، بأنهم لم يعلموا، فطالما ما تخون كلماتنا وتعبيراتنا نوايانا الحقيقية، فسيظلون يجنون بعض الاشتباه. فضلاً عن أن المجتمع والقانون وما إلى ذلك، قد استوجب المساعدة والتحريض على الانتحار. ففي النهاية، أي قلوب بصدور أولئك المجرمين!) قد جهزت كل الإجراءات بهدوء، والآن سأؤنِس نفسي بفكرة الموت فحسب. كان جوٌّي في معظمه مثلما كتب ماينلاندر.

نحن حيوانات بشرية ولهذا نخشى الموت مثلما تخشاه الحيوانات. ما يسمى بـ «إرادة العيش» هو لا شيء سوى اسم مختلف للغريزة الحيوانية. لستُ سوى واحداً من تلك الحيوانات، وعندما ألاحظ فقدان اهتمامي بالطعام والنساء، فأدرك أنني قد فقدت الغريزة الحيوانية تدريجياً. والآن أنا أمكث في عالم ذو أعصاب سقيمة، واضحاً كوضوح الشمس.(2) حاورتُ في الليلة الماضية عاهرةً عن أجورها (!) وشعرت شعوراً عميقاً بمعاناة الإنسان الذي «يحيا لأجل أن يحيا». إذا كان بإمكاننا إرسال أنفسنا إلى رُقاد أبدي، نستطيع بلا شك أن نحوز السلام، إن لم تكن السعادة، ولكن لدي شكوك عن متى سأكون شجاعاً بما فيه الكفاية لأنتحر. في هذه الحالة، أصبحت الطبيعة بالنسبة لي أجمل من أي وقت مضى، فأنت تحب جمال الطبيعة، وبلا شك أنك ستهزأ من تناقُضاتي. ولكن الطبيعة جميلة حرفياً لأنها تنهال على العينان اللتان لن تقدرانها لوقتاً طويلاً. قد أبصرتُ، وأحببتُ، وفهمتُ أكثر من الآخرين. هذا لوحده يمنحني بعض الأقساط من السلوان وسط الأسى الكؤود. رجاءً لا تعرض هذه الرسالة على الجمهور لعدة لسنوات بعد موتي. من الممكن أنني قد أنتحر بطريقة تبدو موتاً طبيعياً.

ملاحظة: بقراءتي لحياة أمبادوقليس، أدركت أن يا لها من رغبة عتيقة لتجعل النفس إلهاً، بقدر ما أستطيع أن أقول، أن هذه الرسالة لا تسعى لذلك. لا، أنا موجود بوصفي إنساناً بسيطاً فقط. قد تستحضر قبل عشرين عاماً عندما ناقشنا «أمبادوقليس على إتنا»(3) تحت إشجار الزيزفون. في ذلك الوقت، كنت ذلك الشخص الذي تخيل نفسه إلهاً.

***

...................

(1) أن وحدة القياس الشائعة لمساحات العقارات في اليابان هي تاتامي، والتسوبو ضعف التاتامي. تختلف مساحات التاتامي باختلاف المنطقة، ولكن غالباً ما يكون المعيار القياسي على منطقة ناغويا، إذ تبلغ مساحة التاتامي فيها 1.653 م2، والتسوبو ضعف التاتامي، أي 3.306م2. وفي حالة هذه الرسالة، فإن مئة تسوبو تساوي 330م2، ويعد المتر المربع القياس الشائع الاستخدام لقياس مساحة الأراضي في المنطقة العربية.

(2) أن الترجمة الحرفية للعبارة الإنجليزية، معناها شفاف كالجليد، والمقصود نقي وواضح، وتُرجمت إلى "واضحاً كوضوح الشمس" كونه التعبير المعروف والشائع لدى العرب والناطقين بالعربية.

(3) وفقاً لتلك الأسطورة، كان إمبادوقليس يعد نفسه إلهاً، ومنتحلاً لصفة الإلوهية، وجلب الموت إلى نفسه، من خلال قذف نفسه في فوهة البركان، على جبل إتنا، في الساحل الشرقي من جزيرة صقلية، ليقنع اتباعه بإلوهيته.

اسعد شريف الامارةمقدمة الكاتب: ان تشظي التحليل النفسي بأفكاره ونظرياته إلى اتجاهات جديدة فيه،  هو بحد ذاته يبين عمق النفس البشرية، وكل من يتناولها يتناول التحليل النفسي عن ما بداخله فيشطح ويخرج عن النص الفرويدي،  هو يشطح لما بنفسه من؟، إلا جاك لاكان، لم يشطح بالظواهر الفرويدية أو يتشظى بقدر ما تعمق بها وَسبر سِبر أغوارها بالعمق، فلم يلوذ بها وإنما دخل في عُمق العمق، فولج فيها وأضاف، إضافة نوعية غيرت التصور الكلاسيكي إلى تصورات معاصرة، وكان مصطفى صفوان من الرواد الاوائل ممن سار في هذا الخط الفرويدي – اللاكاني.

تعد الكتابة عن عالمٍ من علماء التحليل النفسي المعاصرين هي بحد ذاتها مدخل صعب الولوج له لكثرة مطبات الأفكار التي يعرض لها وثنائيات التداول بين التحليل النفسي الكلاسيكي وتحولاته المعاصرة لا سيما أنه عاصر عدة أزمان منذ أختياره لعالم البحث في التحليل النفسي، لأنها مدخل غائص في عمق النفس البشرية، فكيف نبحث في فكر عالم مثل "صفوان" تربى على الفرويدية الكلاسيكية بكل عمقها مذ وصوله إلى باريس في العقد الرابع من القرن العشرين واستمراره فيها متداولا مع أستاذه العلامة "مصطفى زيور" فِكر عالمٍ غير وجه عميق في النفس البشرية بإكتشافاته وفتوحاته ومعرفته الحقة بخبايا النفس البشرية، وهو "سيجموند فرويد" الذي يدين له كل من قرأ فكره وتعمق فيه وبحث بما طرحه ليجد نفسه يغرق في معرفة نفسه وإكتشاف ما يمكن أكتشافه على وفق ما قرره فرويد. اننا أزاء معضلة العرض الأكاديمي لفكر متعدد ومترامي الأطراف في ثلاثة أبعاد، ولا يستطيع الفكر الأكاديمي أن يغوص في هذه المعرفة المتنوعة للتحليل النفسي، فهو فكر أكاديمي الأساس، علمي تقليدي التكوين، عميق في البحث الذي لا يتمكن التجريب أو الرصد المحدود لدراسة الظواهر في  أن تضعه على طاولة الدراسات التقليدية المتعارف عليها بتقنين الظواهر التي تناولها التحليل النفسي، فكيف إذا كان الطرح وعرض أفكار التحليل النفسي هي بحد ذاتها غير قابلة لِلمها" لَم شملها" "جمعها" في إناء تقليدي من مناهج البحث المعاصرة، إنها محاولة إجتهادية نرى فيها من الصعوبة ما لا يمكن وصفها،  أو تحديدها، أو الإكتفاء بعرضها، ولنا في هذا ما نستطيع إيصاله للقارئ الكريم ليكتشف ان عالم "مصطفى صفوان" فلسفة عميقه ذات أبعاد نفسية مترامية في الفكر والفلسفة والعلوم الإجتماعية والنفسية،  فما نود عرضه هو قاصر بالتحديد لما نريد عرضه، وأردد دائمًا أن من يريد معرفة التحليل النفسي ودراسته لا يمكن حصر نظرياته وأفكاره في موضوع أو مقالة، أو كتاب، بل أن يقرأ نفسه من خلال التحليل النفسي ليجد المنهج النفسي الملائم لمعرفة النفس، فكتاب "مصطفى صفوان" يحتوي في أبوابه الثلاثة على موضوعات من الدقة لا يمكن إدراكها بيسر، فالباب الأول ضم موضوعات هي:

البارحة..

1. عن القرابة  2. العائلة والتنشئة الاجتماعية 3. البيت والمعبد.

أما الباب الثاني فضم:

اليوم..

4. من المعبد إلى المخبر، أو الأب بوصفه شيئًا جزئيًا.

5. الآباء المُقيمون في المنازل والاسئلة حول الأصول.

6. السوق.

7. فلسفة السوق.

الباب الثالث فضم:

الفردية والفرد..

8. الفردية والفرد.

9. الفرد والمجتمع.

10. الجنسانية "الجنسية" في المجتمع الليبرالي الجديد والتحليل النفسي بين الحاضر والمستقبل.

ونحن بأزاء استعراض هذه المحاور الغنية هي في الحقيقة اكتشاف معرفي بحد ذاته وليس عرض تقليدي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى تَعرف أولي لاستدعاء ما يمكن استدعائه من ما خزن في الدماغ من معلومات وإن كانت بسيطة ولكنها قد "ربما" من المحتمل ان تضيف للقارئ المتعلم مثلنا شيء من المعرفة إيمانًا منا بأن المعرفة تراكمية وبالأخص في التحليل النفسي، لنقل مجازًا في اللاشعور" اللاوعي".. تحية إكبار وإجلال لهذا العملاق المفكر الذي ترك فينا ومن قرأ له أو تتلمذ بين يديه أشياء غير محسوسة ولكنها شكلت سلوكه وتعامله وأسلوب حياته.. له الرحمة والمغفرة ولنا أن نترحم له ما حيينا في كل عمل نقوم به.

من الباب الأول.. البارحة وموضوعاته:

1. عن القرابة..

يتحدث "صفوان" عن أسس البناء للأسرة ويعدها الخلية الأولى في المجتمع، وهذا الرأي من الصعب قبوله، او الاعتراف بأن المجتمع البعيد عن أن يكون مؤلفًا من عائلات، وعلى هذا الأساس يرسم قوانين الزواج وهو المشرف على تكوين العائلة، وبأن هذه القوانين جزء لا يتجزأ من قواعد القرابة. ويطرح "صفوان" فكرة طرفان يتقاسمان الآراء حول القرابة الأول يرى فيها الظاهرة الأساسية للنسيج الاجتماعي، والثاني يرى ان الاحتلافات الناتجه عن القرابة تعكس اختلافات إجتماعية وسياسية، ودينية، وقد احتفظت هذه الاختلافات في مفهوم القرابة ببعض المعالم ضمن ما يُدعى بالعائلة الملكية، أو عائلة الموُثقين، أو الأطباء. ويعرض أيضًا أهمية هذه الطرائق المختلفة في تصور مكانة القرابة في المجتمع، لكن اهتمامنا ينصب بالدرجة الأولى على تعرييف القرابة نفسها. ويعرض "صفوان" عدة دراسات بهذا المضمار منها دراسة "مارشال سلنس" في كتابٍ بعنوان: ما تعنية القرابة وما لا تعنيه. نشر في العام 2013 يركز فيه على فكرة تبدد الشك في أن الأمر يسري في الكينونة بقدر ما يُعبر عنه الأسم. وفي الوقت نفسه وفي الجامعه نفسها وهي جامعة شيكاغو نشر استاذ آخر وهو "دافيد.م. شنايدر" في العام 1968 كتابًا عن القرابة الامريكية وأعيد نشره في العام 1980 يلح فيه على أهمية القرابة وعدها بأنها تولد مشاعر التضامن والواجب، وتشكل  الأبواب التي يستطيع علم الاعراق من خلالها أن يُحيط بالواقع سائلًا السكان عن طريقة عيشهم هذه المشاعر وتقييمها. أما "رادكليف- براون" هو الذي شرح بأوضح العبارات العلاقة بيين أشكال اللغة التي يستحيل من دونها أيُ اتصصال بين الأفراد الناطقين من جهة، وبينها من جهة اخرى: اللغة يجب أن تُطبق أن تزودنا بأداة اتصال منُاسبة إلى حد يقل أو يزيد، ولهذه الغاية، تخضع لبعض الشروط الضرورية والعامة. إذ تُظهر مقارنة بين اللغات كيف تحقق هذه الشروط باستخدام مختلف المبادئ الصرفية كالإمالة والإلصاق، ونسق الكلمات، والتغيير الداخلي، أو استخدام النبرات من عدمه كما ذكره "راد كليف – برون".

يرى"مصطفى صفوان" قوله لا يهتم أي مجتمع بشري اهتماما خاصًا بضمان استمرار نوعنا، ولو كانت الحال كذلك لامتنعت مجتمعاتنا عن الحرب وعلى عكس ذلك ينزع كل مجتمع إلى استمرار وجوده الخاص ووجود مناقبه وأعرافه، لكن لا يكفي مجيئ الفرد إلى العالم كي يُصبح جزءًا من المجتمع، إذ يجب أن يكون ثمرة زواج مُعرَف بأنه "ترتيب اجتماعي يتلقى الطفل بموجبه وضعية شرعية في المجتمع، تُتحددها القرابة، بالمعنى الاجتماعي للمصطلح " ويضيف "صفوان" قوله أما الطفل المولود دون زواج يعترف به المجتمع، فلن يجد مكانًا في هذا المجتمع، سوف يوصف بأنه غير شرعي، وعليه لم تنتظر المجتمعات البدائية علماء الإناسة المعاصرين كي تُفرق بين الطبيعي والثقافي، وهنا يؤكد صفوان قوله: لا يوجد مجتمع بشري لا يمنح نفسه أصلًا رمزيًا يضمن وحدته، بينما تُخفق البنية الثنائية إخفاقًا ذريعًا نتيجة غياب مبدأ أول يضمن الإيمان به إجتماع الناس عليه وبحكم صراعاتهم.

يتسائل "صفوان" هل بإمكاننا أن نميز تمييزًا أفضل بين مساهمة القرابة البيولوجية بقدر ما يدين لها الطفل بدمه وعظامه، وبين مُساهمتها الروحية، أو الثقافية، بقدر ما يجب عليه الاعتراف له بانه يُدخله في النسب الأبوي، أو يمنحه الأسم الذي يجد فيه "سلنس" تبادل الكينونة الذي يخلق الرابط بين الأب والأبن؟ إنما التمييز بين الطبيعة والقافة ثابتٌ، في الأساس وملحوظ في المجتمعات البشرية كلها، ولم يغب عن أي مجتمع أن يطرح مسألة الاختلاف بين الطابع البيولوجي الذي لا خلاف عليه للعلاقة بين الأم والطفل، ونظام القرابة الذي يرسمه، ومن خلاله يمنح المولود الجديد مكانه، وهكذا نعود إلى نقطة انطلاقنا، أي إلى الزواج من حيث هو ترتيب إجتماعي. ويناقش "صفوان" في كتابه هذا موضوع الترتيب من وجهة "ليفي – ستروس" القائلة بأن الأمر أمرُ تبادل بفرض نفسه خيارًا للمفردة الأولى من هذا التخيير: ثمة حاجتان تُمارسان خارج القرابة هما الزواج والقتل، أي بوصفه شرط تعايش المجموعات البشرية، ويطرح "صفوان" رأي "ستروس" قوله أصل تحريم نكاح الُقربى ومع ذلك نرى في البُنى الأولية للقرابة مقاطع تدفعنا إلى التفكير بالاختلاف بين المُباح والممنوع الذي يُملي على مَن يشعر به اختيار الزواج. وباختصار إن قيام تعاقب الأجيال الذي يُديم المجتمع وجوده الخاص على اقتران الجنسين البيولوجي، أمر واقع ولكن تظل الحقيقة أيضًا أن ولادة الطفل حدث ثقافي، أو ثقافي كُليًة كما يقول "سلنس" ليس فقط لأن مجيئه إلى العالم يُمثل مجيء نتيجة مضاجعه دون مشاركة طرف ثالث يُشدد "لاكان" على طابعه الرمزي كالقضيب الأولي عند شعب البوشمان، او مشاركة روح الجد الذكوري، أو الأنثوري لذرية الأب عند شعب البارويا دون الحديث عن مشاركة الآلهة العليمة. لقد جُردت هذه الاطراف الرمزية من وظيفتها البارزة بوصفها قاعدة الوجود الاجتماعي، لكن فرويد عثر عليها في حالات العُصاب العائلية على شكل أب ميت، يخصي ويستمر دومًا في الصراع بين الابن والأب الذي لا يُحسم أبدًا في رأيه. واشار "كروبير" إلى مبدأ الطوطم والتابو، المبدأ الذي يعده الاسطورة الوحيدة التي تمخضت عنها الأزمنة الحديثة، أما "لاكان" الذي أعاد نقد "كروبير" عادًا بحق أن قصة قتل الابناء أباهم في القبيلة البدائية حلم من احلام فرويد، بالمعنى الحصري للمصطلح، فقد نسي هذه القصة دون أن يترك منها إلا ما يتركه الموت، أي الأسم. ومع أن هذا الأسم يًكون في الواقع النقطة التي تنبثق منها الثقافة في انفصالها عن الطبيعة، فهو يُكثف قي ذاته وحدها ثقل هذه الثقافة الكامل بإعلانه أن عبور عالم يرتبط فيه قبول الحياة نفسه عند الطفل بالحب الأمومي، إلى عالم آخر حيث العلاقات بين البشر وعلاقاتهم أيضًا بالأملاك التي يتعلقون بها، تتجسد في الحقوق والواجبات التي يتألف منها القانون، وعندئذ ما الدور الذي يأخذه"أو كان يأخذه" هذا الأسم في تنظيم الجنسانية البشرية.

يرى "مصطفى صفوان" إن ظهور الجنسية "الجنسانية" المبُكرة عند الطفل لظاهرة يصعب شرحها، ولكنها ما أن تظهر حتى يكاد يكون من الطبيعي تقريبا أن تتوجه على نحو أفضل صوب أمه التي تُمثل في نظره، لكونها موضوع حُبه الأول، الخير الأسمى، أننا إذا سلمنا مع فرويد بأن "الانتماء إلى الأب جزء من الجوهر الأمومي" يتمخض عن ذلك أن ظهور الجنسية "الجنسانية" التافه عند الطفل غير المُستبِعد كما ينبغي يُعادل دخوله في عالم القانون ويسبق اندماجه في نظام القرابة الخاص بمجتمعه. ويضيف"صفوان" توضيحًا بناءً على هذه الفكرة استنادًا لقاعدة الرغبة بنتيجتين:

النتيجة الأولى:  بعدم وجود إشباع الرغبة دون الاعتراف برغبة الآخر.

النتيجة الثانية: بأن أية رغبة هي رغبة في نزع الأعتراف بها إلى حد أن إنكارها ييًفاقم شدتها.

وقوله.. في النهاية.. ليس التحليل النفسي شيئًا آخر غير دراسة العمليات التي بفضلها تُعبر الرغبة عن نفسها، وهنا نبلغ الاكتشاف الأكثر إدهاشًا الذي أتحفتنا به تجربة المعالجة بالكلام: فمع نقل الصيغة الهيغلية إلى الصعيد الرمزي بدل ربطها بصعيد الوعي بالذات. تتجلى الرغبة وظيفًة اكثر تأسيسًا، وفي مجموعها أكثر ما يخلع الطابع الإنساني على المتكلم "الما هو"، ومن ثم نرى تفاهة تشبيه التحليل النفسي بتقنية الاعتراف.

أما "لاكان" وهو يشدد على الفعالية الرمزية التي من دونها لا يتضح أي شيء على مستويي الأوديب الواقعي  والتخيلي، فَحَول اتجاه هذه العقدة التي انتقلت من النظرية الجنسية الطفلية إلى نظرية الرغبة، وتتضمن هذه النظرية ضرورة موائمة الرغبة مع المبدا القائل بعدم إشباع رغبة الفرد بمعزل عن إشباع رغبة الآخر. المبدا الذي من دونه يفقد القانون أي معنى، ويرى "لاكان" قوله: تُكَون هذه الموائمة ضمن إطار العائلة الحديثة "المعيارية الأوديبية" التي يُعين فيها وظيفة الأب الحقيقي، وهنا يَحضر وضعان لا يُمكن إبعاد أحدهما عن الآخر:

الوضع الأول: وضع الأب الذي لا يتخرط في ذرية تعود إلى قضيب أول. (راجع  حال البوشمان، وكذلك حالة شريبر بالتفصيل- قصة شريبر معروفة جدًا عند المحللين، فهو كان قاضيًا كبيرًا ثم اصيب بالجنون، كان ذهاني، وهو الوحيد الذي حلله فرويد)

الوضع الثاني: الذي ميزه "لاكان" عن الوضع الاول بوضوح عدة مرات وتحديدًا في مقالته بعنوان" تخريب الذات وجدلية الرغبة في اللاوعي الفرويدي" فهو الذي لا يقوم فقط على إملاء القانون، بل على تفويض نفسه به، بكل ما يتضمن من اعتراف.

***

د. أسعد شريف الامارة

 

 

علي حسينهو الأن في الخمسين من عمره، عاش حياة مليئة بالعمل زاخرة بالكتب والموسيقى تخللتها اوقات كان يفقد الامل فيها.. حياة مثيرة، انشأ صداقات واثار ضده عداوات كثيرة.. في ذلك العام 1762 كان يعيش في سويسرا مطاردا من قبل السلطات الفرنسية بتهمة نشر الرذيلة والسعي إلى تهديم قيم المجتمع.. اثار الاهتمام بعد صدور عددا من كتبه التي تناولت الاداب والموسيقى والاقتصاد،وتربعت روايته الوحيدة "جولي أو هلويز الجديدة " التي نشرها عام 1761 على قائمة الكتب الاكثر مبيعا، حكاية حب بطلتها شابة مثالية، تقع في حب معلمها الخاص وحين تختلي بنفسها تكتب: " لقد جعلت السماء أحدنا للآخر، لم يكن هناك اتحاد اكثر مثالية من هذا، روحانا متداخلتان أيضا بشكل وثيق، ولم يعد بوسعهما الانفصال أبداً ".وقد اتهم رئيس اساقفة باريس الرواية بانها " تنفث سم الرغبةفي الوقت الذي تبدو فيه وكأنها تُحرمه ".

اثار صدور كتابه " اميل او التربية "، ضجة كبيرة في فرنسا وصدر مرسوم ملكي بمنعه من التداول واتهام كاتبه بتخريب عقول الفرنسيين.. واقترح مجلس الدولة ان يلقى القبض على جان جاك روسو، ثم امر البرلمان ان يمزق الكتاب ويحرق في فناء قصر العدالة وجاء في بيان المجلس النيابي: " لما لم يتورع صاحب الكتاب عن الاعلان عن اسمه، فمن الواجب ملاحقته مباشرة، ومن الاهمية ان تتخذ العدالة موقفا لتجعل منه ومن الذين يتبين لهم انهم ساهموا اما في طبع واما في نشر هذا النوع من الكتب الجديرة واياهم باقصى الشدة، عبرة لمن اعتبر ".إلا ان الهجوم الأعنف جاء من واحد من اشهر فلاسفة ذلك العصر" فولتير" الذي كتب مقالا باسم مستعار يسخر فيه من كتاب " إميل أو التربية " متهما مؤلفه جان جاك روسو بالنذالة بعد ان عَّرض أطفاله لخطر الموت على باب أحد المستشفيات، وطالب فولتير بانزال اشد العقوبات على كاتب يمارس الخديعة، وفي المقال الذي لم يصدق روسو ان فولتير كاتبه نقرأ هذه العبارات: " اننا نرثي للاحمق، ولكن حين تستحيل حماقته جنونا فاننا نوثق رباطه، ذلك ان التسامح وهو فضيلة، يصبح عندها رذيلة ".

الذين كتبوا سيرة جان جاك روسو ياخذون عليه، التناقض في السلوك الذي كان يعيش فيه، فنجده، مثلا، يترك خادمة الفندق التي تزوجها بعد ان أنجبت له خمسة أولاد، يسلمهم إلى ملجأ الايتام غير عابئ بالمسؤولية، ثم يُفاجىء الناس بكتاب مهم عن التربية وكأنه يريد ان يكفّر عن ذنوبه وخطاياه، والبعض كان يرى ان روسو تخلى عن ابنائه لأنه اراد أن ينهج منهج أفلاطون الذي اكد في كتابه الجمهورية من أن الطفل مُلكٌ للدولة. إلا ان ستيفان تسفايج في مقدمته التي كتبها لكتاب إميل أو التربية ينفي هذه التهمة عنه مؤكدا أنه لم يكن له أطفال على الإطلاق لعجزه عن الأبوة، وتسفايج يعتقد أن روسو لفّق على نفسه هذه التهمة، لأنه كان يعاني من مرض جنسي ائر على رجولته، فمنعه من الإنجاب، وانه كان يريد بهذه القصة أن يثبت للعالم ان باستطاعته ان ينجب أبناء بهذه الوفرة، ثم يلتمس للتصرف فيهم هذا التصرف عذراً من أعذار الفلاسفة والحكماء.

ينظر الى جان جاك روسو باعتباره واحدا من ابرز رجالات التنوير ساهم في وضع نظرية سياسية مهدت لقيام الثورة الفرنسية، إلا ان العالم لم يغفر له جريمة رمي اطفاله في ملجأ للايتام.. يكتب فرانسو نودلمان: " ان بحث التربية الذي كتبه روسو يحمل عددا من الندوب، بل واكثر من ذلك، إن هذا المؤلف نفسه هو الاثر الذي يحاول الكاتب من خلاله طمس جرح يندمل " –عبقرية الكذب ترجمة اياد عيسى –

قد يندهش القارئ عندما اخبره ان اول كتاب قرأته لجان جاك روسو كان " الاعترافات "، وقد حصلت على نسخة صدرت عن مطبوعات كتابي، واتذكر ذات يوم وانا مندمج في قراءة اعترافات هذا الفيلسوف الغريب الاطوار، انتبهت لصاحب المكتبة يقف على راسي وهو يوبخني لانني اقرأ كتابا لا يليق بعمري آنذاك. لم اكن افهم لماذا ثار وغضب رغم انني لم اكن انتهيت من الفصل الاول ؟.. بعد ذلك قررت ان اصبح شجاعا وابحث عن هذا الكاتب الممنوع، فكنت اذهب الى كشك الراحل هاشم عذافة والذي يجاور مكتبة المثنى في شارع السعدون، فوجدت عنده طبعة اخرى من الاعترافات، ومجلد كبير الحجم بعنوان " إميل أو التربية " وكتاب بعنوان " جان جاك روسو " تاليف نجيب المستكاوي، وقد استمتعت بقراءته اكثر من استمتاعي بقراءة كتب روسو.. وعرفت فيما بعد ان المؤلف يعد واحدا من ابرز الصحفيين الرياضيين. سألت نفس ما علاقة كرة القدم بروسو ؟.. لم اكن اريد ان اصبح الصبي المتخلف الذي يخشى تجربة قراءة كل ما هو مثير للاهتمام. وكان المستكاوي مفتاح لي لفهم شخصية جان جاك روسو، وكان كتابه هو ما احتاجه آنذاك. ولهذا اعتقد ان القارئ اذا كان يحب القراءة مثلما احبها انا.قد يجد متعة في اكتشاف الكتب واسرارها. هل اصبحت قراءة روسو بسبب كتاب نجيب المستكاوي سهلة ؟. بالتاكيد نعم. لان من خلاله عرفت لماذا منعني صاحب المكتبة من الاستمرار في قراءة كتاب " الاعترافات "4051 جان جاك كروسو

ولد جان جاك روسو في الثامن والعشرين من حزيران عام 1713 في جنيف من أبوين فقيرين، فَقد أمّه بعد ولادته. يكتب في اعترافاته: "ولدت سقيماً عليلاً، وقد كلفت أمي حياتها، فكانت ولادتي فاتحة مصائبي وشقائي"- الاعترافات ترجمة خليل رامز سركيس - كان والده يعمل في النهار مُصلحاً للساعات وفي الليل معلماً للرقص، تخلى عن ابنه روسو عندما كان في الثامنة من عمره وتركه في بيت خاله الذي حاول أن يُدخِله ديراً ليصبح كاهناً، لم تمضِ أيامه في الدير هادئة، فقد اتهم بسرقة إحدى السيدات، ليطرد من الدير، ويعود الى خاله الذي سيرسله، هذه المرة، للعمل عند أحد الكتَبة العموميين، فيطرده بعد يومين، فيذهب به خاله إلى صاحب ورشة شديد القسوة غليظ القلب، ما دفع روسو إلى تعلم الغش والكذب والسرقة، إلى درجة إنه بدأ يتمرد، ويخرج مع أصدقائه إلى خارج المدينة للبحث عن الحرية، ولا يعود إلا في وقت متأخر من الليل، فيشبعه صاحب الورشة ضرباً.كان التشرد والحرمان واليُتم طابع حياة روسو، ما عمق أحاسيسه، وجعله يشعر بالظلم: "لقد علمتني ذكرى التبدل الذي أصابني في حياتي، الفرق بين تبعية الابن للأسرة وبين الخضوع الذليل للآخرين".إلا أن لحظات من السعادة كان يشعر بها، وهو يتفرغ لقراءة الكتب التي كانت تحتفظ بها أمه، ففي السابعة من عمره حاول والده أن يمرنه على المطالعة، فكان يطلب منه أن يقرأ بصوت عالٍ قصصاً كانت والدته قد قرأتها، يكتب في الاعترافات: "والدي يقول لي بخجل، وقد سمع أصوات السنونو تحيي الصباح: لنذهب الآن الى النوم، إني طفل أكثر منك"، وحينما انتهيا من قراءة جميع القصص الموجودة في البيت، أخذ يقرأ ما بمكتبة جده حيث عثر على كتاب مسخ الكائنات لأوفيد، وبعض مسرحيات مولير، إلا أن الكتب التي سحرته كانت مؤلفات المؤرخ بلوتارك: "عندما كنت في السادسة من عمري وقع في يدي بلوتارك، فحفظته عن ظهر قلبي، وكنت قد قرأت كل رواية فيه فكبدني ذلك ذرف سيل من دموعي قبل أن أبلغ السن التي يُقبل فيها القلب على مثل هذه الكتب، ونشأ فيّ تذوق لظواهر البطولة ونزوات العاطفة وأخذ ينمو ويشتد منذ ذلك الحين، حتى أدى بي في النهاية الى النفور من كل شيء لا يلائم تخيلاتي"، إن الطفل روسو الذي فقد أمّه، وهجره أبوه، وجد لنفسه ملاذاً من الحياة في الكتب: "وجدت نفسي أقدر على التعامل مع الكائنات الخيالية التي أحاطتني بها الكتب، من التعامل مع أولئك الذين أراهم في العالم"..عاش جان جاك روسو 65 عاماً، وصفها رومان رولان في كتابه"اراء روسو الحية"بالشعور بالغربة عن العالم: "كان يرى نفسه غريباً بين الناس وإنه لم يكن يشعر بأنه على ما يرام في قلب الأسرة الانسانية، ولم يكن يرى أقرانه مخلوقين على شاكلته، لذلك كان في وسعه أن يفهم معنى الشعور بالغربة والضياع الذي يحس به إنسان غريب آخر في المجتمع هو الطفل"- - ترجمة بدر الدين خليل -. والغريب إن الحياة تصالحه بعد سنوات من العداء والقطيعة، فيبتسم له الحظ خلال الشهور الأخيرة من حياته، حيث استقر به المقام عام 1778 في الريف الفرنسي، فالرجل التعس الذي ظن أن الحياة ستنتصر عليه، لم يعلم إنه قد قهر الحاضر والمستقبل، ففي السنوات الأخيرة من حياته ظهرت ست طبعات من مجموعة مؤلفاته وعشر طبعات من روايته"هيلويز الجديدة"، وفي سنة 1771 نشر الجزء الأول من"الاعترافات"- نشر الكتب كاملا بعد اربعة سنوات من وفاة روسو عام 1782 - إلا ان هذه السعادة لم تدم طويلا ففي صباح الخميس، الثاني من تموز عام 1778، خرج كعادته لجمع النباتات، لكنه شعر بضيق في صدره فسقط على الأرض، فأصيب بجرح في رأسه وليموت بعدها بساعات، وقد شخص الأطباء حالته بأنها انفجار في شرايين المخ. وبعد وفاته زار قبره الملايين من الفرنسيين بينهم الملكة وجميع الأمراء، ووجد قادة الثورة الفرنسية في كتبه دليلا للحكم وفي إحدى الخطب الثورية يعلن روبسبير: "هذه الثورة كان رائدها شخص واحد اسمه جان جاك روسو، وستظل مدينة له مدى الحياة".

صدر كتاب إميل او التربية في شهر آيار من ام 1762، قبل كتاب العقد الاجتماعي بشهر واحد. وقد نشر في باريس بعد ان حصل صاحب احدى المطابع على اذن من الرقابة. كانت رواية " هيلويز الجديدة " قد منحت روسو الشهرة والمال، واخذت المطابع تبحث عن كتبه حيث دفع صاحب المطبعة مبلغا ستة الاف فرنك نظير مخطوطة "إميل ". الكتاب في البداية كان عبارة عن مناقشة اجراها روسو مع احدى سيدات المجتمع الارستقراطي اسمها " مدام دبينيه " عن افضل الطرق لتربية ابنها. وقد قصد به روسو في البداية أن يكون تكملة لروايته " هيلويز الجديدة ". وكان قد تاثر بمقالات مونتاني واطلع على كتاب جون لوك " خواطر في التربية ". كان روسو يفكر بكتابة دراسة عن التربية عندما كان في الثلاثين من عمره وقد بدأ المشروع لكنه توقف بسبب ظروف الحياة، وسيعود له بعد اكثر من خمسة عشر عاما ليتفرغ له ما يقارب الثلاثة اعوام. كان خلالها يعمل مربيا لاولاد احدى العوائل.آنذاك اراد ان تكون له فلسفة خاصة في مجال التربية.. كانت بوادر كتاب إميل قد ظهرت في روايته " هيلويز الجديدة " حيث يكتب: " يخطئ الاباء باعتبار اولادهم انهم مفكرون منذ ولادتهم وكذلك يعتبرونهم كالرجال ويخاطبونهم بالمنطق والتفكير الصحيح. حتى قبل ان يكون باستطاعة هؤلاء التكلم السليم، فالطبيعة تريد الاولاد اطفالا قبل ان يصبجوا رجالا. وان ينمو الجسد ويقوى قبل ان يتمرن العقل على التفكير السليم ".

هذه العبارة التي جاءت على لسان جولي في " هيلويز الجديدة " تشكل قسما كبيرا من مفهومه للنظام التربوي الذي يجب ان يسود في المجتمع.

قسم روسو كتاب " إميل أو التربية " الى خمسة اقسام يتناول في كل قسم مرحلة من مراحل حياة الانسان متتبعا بذلك حياة الطفل " إميل " منذ الولادة وحتى الزواج. وفي الكتاب ينبهنا روسو ان إميل يتعلم من تلقاء نفسه مبادئ الدين الاولى، فلا يفرض عليه أي مذهب او ديانه، إنما يترك له الخيار من اجل ان يُصبح انسانا واعيا بذاته سعيدا بالحياة التي اختارها: " ألفق ببصرك إلى كل أمة في الارض، واقرأ كل سفر من أسفار تاريخها، ففي جميع انواع العبادات العجيبة القاسية هذه، وفي هذا التنوع المذهل من العادات والتقاليد، ستجد في كل مكان نفيس الافكار الاساسية، افكار الخير والشر..ففي اعماق قلوبنا مبدأ فطري للعدل والفضيلة تحكم بمقتضاه على افعالنا، أو افعال غيرنا، أخير هي ام شر، وهذه المبدأ الذي نسميه الضمير " – إميل أو التربية ترجمة عادل زعيتر -.

صاغ روسو كتابه هذا على شكل رواية بطلها الطفل " إميل "، ومن خلال احداث الرواية، يقدم روسو رؤيته التربوية القائمة على فكرة صلاح الفرد وفساد المجتمع، فالفرد يولد بفطرة طيبة نقية وطاهرة، لكن بيد المجتمع إفسادها أو حمايتها، فالشر الذي يحدثه الإنسان ليس أصيلا فيه. وقد قال في عبارة مشهورة استهلَّ بها كتابه: " كل شيء يخرج من يـد الخالق صالحاً، وما إن تلمسه يـد الإنسان، يصيبه الاضمحلال " – إميل ترجمة عادل زعيتر -.والكتاب ينتمي الى مرحلة اصبح فيها روسو مفكراً يُبشر بفلسفة خلاصتها أن الإنسان يولد طيباً في طبيعته، لكن ظروف المجتمع هي التي، تمارس أثرها السيء عليه، ما يفقده بالتدريج طيبته.، كان روسو يريد ان يترك وصيته في التربية، مثلما ترك لنا وصيته في الحكم والعلاقة بين الحاكم والشعب في كتابه الشهير " في العقد الاجتماعي " الذي اعتبره المؤرخون المحرك الاساسي للثورة الفرنسية سنة 1789.ويقال إن الثوار حملوا كتابه هذا بعد أحد عشر عاما من وفاته، وكانوا يلوحون به وهم يحاصرون قصر فرساي، قبل ان يقتحموه.

يبدو جان روسو ثوريا في كتابه " أميل"، فالانسان الذي لا يكون شيئا عند ولادته، سيصبح ذات يوم كل شيء.ان هذا التكوين للعقل، هو الذي يدرسه روسو، وهو يريد ان يؤكد ان لا معنى لتاريخ فساد الانسانية، إذا لم يكن تاريخ الانسان نفسه، ان تطور الفرد يعكس إذاً تاريخ نسله، ومع هذا الفرق نجد أمام كل طفل امكانية مستقلة، فليس الطفل بالنسبة لروسو أولا، إلا احاسيس، ثم عقلا حسياً، ومن ثم يغدو " عقلا عقلانياً " واخيراً ضميراً اخلاقياً، فكيف نساعد الطفل لئلا يبعثر حظه في تطوير ملكاته العقلية، ولهذا فهو يوصي بالقيام: " بدراسة صارمة ودقيقة لطبيعة الطفل قبل الإقدام على تربيته ". وتقوم المسألة بعد ذلك على: " جعل الطفل يسلك درب الحقيقة ما أن يبدو قادراً على التعرف عليها، ومن ثم يسلك درب الخير ما أن يصبح قادراً على ذلك مدركاً المعنى الحقيقي للخير ". ولهذا فالتربية فرحة، وطريق الطبيعة البكر الذي يجب ان يقود الى ثقافة متناغمة مع جوهر الطفل الذي يريد ان يكون سعيداً.

كان روسو يعلق اهمية كبيرة على كتابه اميل، لأنه يتضمن حجر الزاوية في نظريته، فبعد ان كشف في مقالاته ورسائله عن رذائل المجتمع الحديث، كان يتعين عليه ان يُحدد في مؤلفاته القادمة نواحي الاصلاح التي يجب ادخالها على المجتمع، وقد كان يعرف جيدا ان احداً لا يستطيع ان يشرع في اصلاح الدنيا من دون ان يسعى او الى اصلاح التربية وقد حرّص روسو ان يوضح لقرائه، كيف ان الافكار الواردة في اميل مكملة لمبادئه ومتماشية مع فلسفته.

بعد مايقارب الـ " 250 " عاما على رحيل جان جاك روسو، هل لاتزال كتبه تقرأ بنفس الحماس التي كانت تقرأ ايام كان هذا الفيلسوف مطاردا.يكتب اميل برهيه ان كنب روسو لاتشيخ، فهي موجودة الان اكثر من اي وقت مضى.

في كل مرة وانا ابحث عن كتاب في رفوف مكتبتي، يلوح لي جان جاك روسووهو يتساءل: ما هو مصير البشرية، وهل لا يزال ايماننا قويا بالحياة،واتذكر صرخته في آخر كتبه " أحلام يقظة جوال منفرد": " ايها المجانين الذين تتذمرون من الحياة. اعلموا ان كل مصائبكم تاتي منكم ".

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

علجية عيش(قراءة في كتاب الإقتصاد الثقافي والإبداعي في الجزائر للأستاذ بومدين بلكبير)

الصراع الآن هو صراع بين الحداثيين والمحافظين، صراع بين الأصالة والمعاصرة وقد أحدث هذا الصراع الإنفصال بين جيل وجيل، فماهو موجود هو استهلاك منتوج صنعه غيرنا أعطاه البعض قراءات مختلفة دون مراعاة المناخ الثقافي الذي كان سائدا في زمن ما ، فقد فيه المجتمع ةكل تلاحم اجتماعي، السباب عديدة ومتعددة منها ما تعلق بحرية التفكير وإبداء الراي، الإعتراف بحقوق ثقافية مناسبة للأقليات ومتوافقة مع حقوق الإنسان (حرية الدين والتمذهب) عدم وجود رقابة تعسفية وغيرها من المؤشرات التي تنهض بالفعل الثقافي ، لاسيما في الجزائر التي تعانيةمن خطر التقليد والقرصنة، وجب الآن التفكير في إنشاء مدنا ثقافية كما أنشات مدنا جامعية

هو كتاب من الحجم المتوسط يقع في 122 ضفحة ، صدر عن منشورات بهاء الدين طبعة 2022 قسمه صاحبه إلى عدة محاور سلط فيه الضوء على إشكالية لطالما شغلت بال المثقفين والمفكرين العرب والمفكرين الغربيين وأدرجوها ضمن صراع الثقافات والحضارات، في ظل التغيرات التي تشهدها الساحة الثقافية في الوطن العربي عامة وفي الجزائر خاصة، أول ما يشد القارئ هو عنوان الكتاب قبل أن يتصفح مضمونه، إذ يلفته الإنتباه إلى مفهوم الإقتصاد لما تحمله هذه الكلمة من معاني ومفاهيم كفكرة "الرأسمال" وهو المفهوم المادي للقيمة المالية لإنجاز أي مشروع من خلاله نجني الثروة ، لكن في هذا الكتاب يراد به الرأسمال الفكري الذي بدونه لا يمكن بناء الإنسان، وهو مشروع خاض فيه الكثير من الفلاسفة والمفكرين من بينهم مالك بن نبي الذي اشار في كثير ابحاثه إلى الإنسان كفاعل يؤثر ولا يتأثر.

و الأستاذ بومذدين بلكبير استاذ جامعي وباحث وروائي من الجزائر متحصل على سهادة دكتوراه في إدارة الأعمال وافستراتيجية، عضو الجمعية العمومية لمؤسسة المورد الثقافي ببيروت ، له عدة غصادرات تدول معظمها حول الثقافة والمعرفة، في هذا الكتاب زواج المرلف بين الجانب الإقتصادي والهاجس الشقافي، فق عرّف الأستاذ بومدين بلكبير الإقتصاد الثقافي على أنه إنشاء أعمال فنية وتوزيعها واستهلاكها، حيث اقتصرت هذه الأعمال منذ فترة طويلة على الفنون الجميلة والنثر والفنون الزخرفية والموسيقى والعروض الحية في التقاليد الإنجلوساكسونية، ثم اتسع نطاقها منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، لدراسة خصوصيات الصناعات الثقافية كالسينما والموسيقى والتأليف، بالإضافة إلى اقتصاد المسسات الثقافية (المتاحف، المكتبات، والمعالم التاريخية) وقد استعمل الكاتب السلوب النقدي، عندما نبه إلى كيف نهب المال العام باسم الثقافة الذي أدى إلى القطيعة والعزوف عن متابعة الأعمال الثقافية ودعم النشط الثقافي، كما يرجع الباحث السبب إلى غياب البراغماتية في معالجة هذا العزوف وهذه القطيعة.

قد يفهم من كلام صاحب الكتاب أنه يدعوا إلى خصخصة قطاع الثقافة، اي تسليم إدارته وتسييره إلى مستثمرين في الثقافة ، وهذا يعني أن النشاط الثقافي سوف قتصر على الغناء والرقص فقط، الذي غالبا ما يحقق أرياحا، وهذه يعني خدمة جمهور معين، ونلاحظ أن الستاذ بلكبير لم يوضح بشكل مبسط مسألة الشراكة، وفتح الباب لإنشاء مؤسسات صغيرة ومتوسطة لأصحاب المهنة (الكار) كما يقال، لإبتكار منتجات ثقافية يمكن تسويقها، وهذا مرهون بالدور المنوط بوزارة الثقافة في دعم هذه المؤسسات ومرافقتها، يكون ذلك من خلال إنشاء هيئة وطنية لرعاية الأعمال الثقافية ، السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو كيف يمكن إحداث الشراكة بين قطاعين كل قطاع له خصوصيته ونمط حياته الثقافية ، مثلما رأينا في اتفاقيات 'التوأمة' التي تبرمها بلديات الجزائر مع بلديات فرنسية، وهي تجربة لم تناقش نتائجها إلى اليوم، لأن الزيارات المتبادلة بين الطرفين كانت سياحية شارك فيها ابن فلان وعلان ولم يكن هناك فعل ثقافي يذكر.4044 الاقصتاد الثقافي

 ونحن نتابع ما جاء في الكتاب وجدنا الجواب على هذا السؤال عندما قال الكاتب أن عمليات الشراكة ليست بالعملية السهلة (ص 20) لما قد يسببه ذلك من إرباك وتوتر وزيادة قلق أولئك ألأطراف وشعورهم بالخوف من فقدان ماهو مألوف ومعتاد، المسالة حسبه تتعلق بالذهنيات، هي إشكالية استعصت حتى على الفلاسفة تغييرها، لإختلاف المجتمعات ونمط حياتها ونمط تفكيرها، فتغيير الذهنيات مشروع يتحقق بذهاب جيل ومجيئ جيل جديد، وللوصول إلى هذا الهدف على أهل الثقافة (و لا نقول المستثمرون في الفعل الثقافي، لأن هذه العبارة عملية ربحية وليست خدماتية تبني الإنسان وتجعل منه كائنا مفكرا مبدعا) أن يضعوا خارطة طريق واستراتيجية جديدة للثقافة -كما يقول هو- ومناقشة أولويات القطاع ذلك بالإنخراط في حقول المعرفة ، وقد خص الكاتب لهذا العنصر (المعرفة) حيزا هاما من الصفحة 41 الى الصفحة 52 ، وهدا لما للمعرفة من أهمية في بناء الإنسان ورغم ما تحمله هذه الكلمة من معاني ودلالات ، فهي تمنح فرصا لخلق الإبتكارات.

 وقد قدم الكاتب تجربة بنغلاداش (ص 43) والشراكة من أجل الرخاء الإلكتروني للفقراء في أندونيسيا، عندما تحدث عن تقرير الأمم المتحدة حول اقتصاد المعلومات، وحبذا لو أضاف الكاتب نماذج من تجربة الجزائر في هذا المجال، من باب المقارنة وتحديد حجم معاناة شعبها من تأخر في المجال المعلوماتي، نحن متأخرون عن ذلك الركب فعلى سبيل المثال عادة ما يقع خلل تقني أثناء انعقاد الملتقيات، ويعجز منظمو الملتقى عن معالجة الخلل ولنتصور كم من الوقت نهدره ونحن ننتتظر التقنيون ليصلوحوا الخلل، السبب لأن الجزائر لا تزال غير متحكمة في التكنولوجيا الحديثة، ثم ألا نلاحظ معاناة المواطن الجزائري وهو محروم من شبكة الهاتف والإنترنت في المدن الجديدة، كما أن مشاريع تزويد السكان بالألياف البصرية تسير بخطى حلزونية، كانت هذه عينة فقط عن بعد المجتمع الجزائري عن الركب الحضاري.

و كما قال الأستاذ بلكبير في الصفحة 44 هناك فجوة كبيرة بين من يمتلكون المعرفة ومن يفتقدونها أو يتأخرون في استخدامها وأرجع الكاتب سبب هذه الفجوة إلى وجود مجموعة من المؤشرات منها استخدام الإنترنت مع إجراء مقارنة مع المجتمع الإفريقي والمجتمع الأمريكي هذا الأخير الذي أحرز تفوق علميا ومعرفيا في مختلف المجالات، أما عن حديثه عن التجارة الإلكترونية، فهذا يستدعي الوقوف على جملة من الحقائق حول التجارة، فإن كنا نسمع عن وجود تجاوزات في التجارة بين شخصية طبيعية أو معنوية (بشر بشر) فكيف الوضع بالتجارة الإلكترونية في ظل ظهور الجرائم الإلكترونية التي شوهت كل الفضاءات المعرفية؟ ثم ماذا نفهم من المشروع الإفتراضي؟ ، ويمكن القول ان الجزائر لا تزال بعيد كل البعد عن الحكومة الإلكترونية، رغم أن هذا المشروع تم التفكير فيه في 2013 ، وبالتالي فالتجارة الإلكترونية والتمويل الإلكتروني والإدارة الإلكترونية في الجزائر لا تزال بعيدة المنال، كل التقارير التي تم ذكرها في الكتاب هي تقارير دول أخرى غير الجزائر.

في كل هذا وذاك يمكن القول أن هذه التقارير قد تكون نموذجا حيا يحتذى به في الجزائر ويكون قاعدة انطلاق أساسية ومتينة، الحقيقة التي لا يختلف فيها إثنان أنه تتحقق نظرية هذا الكاتب حول المعرفة الإلكترونية إذا كان لنا مجتمع قارئ وكانت هناك مقروئية، مجتمع يعمل على تغذية عقله وملئه بالأفكار الحية الفعالة والمعارف التي تبني ولا تهدم كما يسعى لملء بطه بالأكل، فكل ما جاء ذكره ينحصر في مجال ضيق لا يخرج عن حدود إنشاء الهياكل وتجهيزها أو طبع كتب في الإطار الذي يحدده النظام أو السلطة، فعلى سبيل المثال لا الحصر ، كثير من الكتب تصادرها السلطة وتمنع من تسويقها في سوق الكتاب، فالمسالة إذن تتعلق ببناء الإنسان فكرا ومنهجا، ثم أن القارئ يتساءل عن الدافع لإدماج الثقافة والفنون في الفعل الإقتصادي، لأن العملية تكون "بزنسة" ، والسؤال الذي يفرض نفسه كيف يكون الإستثمار في الثقافة؟ فتنظيم معرضا للكتاب أو ملتقى يعالج إشكالية ما أو تنظيم ندوات دون استخلاص النتائج يعني اننا لم نفعل شيئا، واضعنا جهدا كبيرا واضعنا وقتا كثيرا ، فكثيرا من الملتقيات التي يخرج أصحابها بتوصيات تظل حبرا على ورق دون العمل بها وتجسيدها في الميدان أو تحويلها إلى مشروع يخدم المجتمع، المشكلة ربما تتعلق بتحديدنا نوع الجمهور الذي نريد الوصول إليه، هذا الدجمهور الذي يبحث عن شيئ يسليه (مسرحية فكاهية، أو فنان يُهَيِّجُهُمْ بأغانيه (....).

ثم أن الكاتب تطرق إلى الوضع الذي عاشه العالم كله جراء انتشار الجائحة ، حتى ولو أن هذه الجائحة اثرت سلبا على كل القطاعات وأجهضت مشاريعها بما فيهم قطاع الثقافة، إلا أن هذا الأخير (اي قطاع الثقافة) مريض وقد أدخل قسم الإنعاش قبل ظهور الوباء، ونظن أن الوباء كان حجة لبعض المسؤولين على قطاع الثقافة لتبرير سبب انهيار هذا القطاع وانحداره على كل المستويات خاصة في الجزائر، فإذا تحدثنا مثلا عن الكتاب في الجزائر، نجد أن بعض دور النشر أصبحت تهتم بالكتاب التجاري وأخرى تركز على ماذا يثير الشباب الذي يبحث عن وسيلة ينفس بها عن نفسه كالروايات البوليسية والروايات العاطفيه، وكتب الطبخ والأزياء بالنسبة للفتيات ولذا تلجأ بعض دور النشر إلى إعادة طبع مثل هذه الكتب وتسويقها من جديد لأنها مربحة ومدرة للدخل.

خلاصة القول أن قطاع الثقافة قد حظي باهتمام الأنتروبولوجيين الذين درسوا المجتمعات البدائية ومع التطورأ الثقافة من اهتمام علماء الإجتماع لإرتباط الثقافة بالمجتمع، إذ تلعب الثقافة دورا مهما في حياة الإنسان باعتباره عضوا في المجتمع، أما بعد ظهور التعددية الثقافية وجد الإنسان نفسه يتخبط في خيوط عنكبوتية، وحدث له ما حدث للغراب الدي حاول تقليد مشية الحمامة ففقد مشيته ومشية الحمانة ، هكذا هو الإنسان في نظام تعددي يختلط عليه الأمر بين ماهو ثابت وما هو متغير ، بين ماهو أصيل وما هو حداثي، وقد حمّل الكاتب الوزارات المسؤولية في تراجع الفعل الثقافي، إلا أنه أهمل نقطة مهمة جدا هي ان الذين تداولوا على وزارة الثقافة كانوا ينفذون إيديولوجيا معينة وأجندات وبرامج سياسية تحت غطاء ثقافي يمكن تسميتها بـ: "التفرنج والتغريب"مهمتهم ضرب الثقافة العربية والإسلامية ومقوماتها، فالثقافة في الجزائر تسيّست وكل مبادرة ثقافية إلا وخلفها أطماع سياسية، وظفت لها كل الوسائل وعلى رأسها الإعلام، الصراع الآن هو صراع بين الحداثيين والمحافظين فوقع الإنفصال بين جيل وجيل، فماهو موجود هو استهلاك منتوج صنعه غيرنا أعطاه البعض قراءات مختلفة دون مراعاة المناخ الثقافي الذي كان سائدا في زمن ما .

***

علجية عيش بتصرف

علي حسينذات مرة كتب الروائي الاميركي أرسكين كالدويل: " دائما ما تصبح الكتب التي اقرأها جزءاً من تجاربي الشخصية، وأتخيل انني عشتها". ولعله يقصد إنه يحاول أن يعيش تلك التجارب التي استمدها من الكتب، ويتبناها يوما بعد آخر بحيث تصير جزءاً من عالمه الواقعي ومع هذا يظل السؤال ماذا نقرأ؟.

ربما تكون مثلي قد قرأت نصيحة غوستاف فلوبير التي يقول فيها: " لا تقرأ مثل الأطفال، من أجل المتعة، ولا مثل الطموحين، بغرض التعلم. لا، أقرأ كي تعيش ". ولعل معظمنا يبدأ أولى خطواته في القراءة منطلقين من الفضول لمعرفة ماذا تخبيء هذه الصفحات، وكثير من القراء يؤمنون بمقولة: اقرأ من أجل المعرفة. ينصحنا الفيلسوف ديكارت بإعداد قوائم لتحديد الكتب التي يجب أن نقراها، كتمرين من تمارين العقل واستكشاف العالم ويكتب هذه النصيحة: " إن قراءة الكتب هي بمثابة محادثة مع أفضل الشخصيات من القرون الماضية "، كان ديكارت مصاباً بأمراض في الصدر، وكان الأطباء ينصحونه بإراحة جسمه، فاجازوا له البقاء في الفراش طويلا، ما ساعده على الاهتمام بقراءة الأدب الكلاسيكي او كما يخبرنا هو: "لأقوم بجولات فكرية في الماضي السحيق فآخذ بطرف الحوار مع النبلاء الطاعنين في السن".

تمثل القراءة إحدى أجمل ذكرياتي في الصغر، وكل شيء بدأ عندي اشيه برحلة، ذات يوم وانا ابن العاشرة من عمري وفي احدى مناطق بغداد، اخذتني قدماي الى مكتبة يملكها أحد أقاربي يبيع فيها الكتب والمجلات والصحف، في ذلك النهار وأنا أتجول بين العناوين وصور الأغلفة الملونة، اكتشفت إن هذا المكان يمكن أن يصبح كل عالمي.. عندما استرجع كيف قضيت سنوات طويلة من عمري في رفقة الكتب، أتساءل أحيانا إن كانت هذه الكتب غيرت حياتي، أم انها سجنتني في عوالم مثالية وخيالية.

كنت وأنا أدخل المكتبة، التفت باتجاه الرفوف التي تحوي مئات العناوين، وأشعر ان هذه الكتب تنظر ألي وإنها تعرف عني أكثر مما أعرف عنها، وأحيانا أتخيل ان كل كتاب يخفي داخله عالماً سحرياً لانهاية له.

يخبرنا صاحب مقبرة الكتب الاسباني كارلوس زافون أن أحد زبائن المكتبة قال له يوما: " لاشيء قادر على التأثير في القارئ أكثر من الكتاب الأول الذي يلمس قلبه حقاً.إذ إن صدى الكلمات التي نظن إننا نسيناها يرافقنا طوال الحياة، ويشيد في ذاكرتنا منزلاً سنعود إليه عاجلاً ام آجلاً. "

في ذلك الوقت اعتقدت انني أستطيع الحصول على أي كتاب لأن المكتبة لاتبعد عن بيتنا سوى عشرات الأمتار، ثم إنني وجدت في شخصية صاحب المكتبة محفزاً لي على اختيار ما أريد قراءته، ولهذا كنت سعيدا حين عثرت ذات يوم، على سلسلة من الروايات المصورة: وقد جذبني كتاب كان يمتلئ بالرسوم الملونة عنوانه " الكونت دي مونت كريستو " أما مؤلفه فمكتوب اسمه على الغلاف وبالألوان " الروائي المشهور الكسندر دوماس ".

كان هذا أول عهدي بالروايات، لم اسمع بأسماء الذين يروي الكاتب حكاياتهم، ولا أعرف معنى " مونت كريستو،، وما الذي يمكن أن تنفعني مغامراته ؟ لكن الحكاية استولت على عقلي، وأتذكر إنني قرأته خلال يومين، أتمدد على فراشي وأعيد قراءة الصفحة الواحدة أربع أو خمس مرات لأفهم مغزي القصة.

بعد سنوات تعرفت جيدا على صاحب الرواية " الكسندر دوماس الأب " تميزا له عن ابنه حامل الاسم نفسه " الكسندر دوماس الابن " مؤلف الرواية الشهيرة " غادة الكاميليا ". واكتشفت إن هذا المؤلف الذي عاش ثمانية وستين عاماً - ولد في الرابع والعشرين من تموز عام 1802 - كانت له عادات غريبة، يتباهى بان له أكثر من مئة ابن غير شرعي، ويؤكد في كل مناسبة انه لن يتزوج، ويقال انه كان لايرى إلا وهو يتأبط كتاباً، صاحب مزاج خاص في الكتابة، ويذكر كاتب سيرته انه كان يكتب قصصه على ورق ازرق، أما اشعاره فيستخدم لها الورق الاصفر، ويخصص الورق الوردي لكتابة مقالاته السياسية اللاذعة، يعاني من مرض الدوار، لايستطيع القراءة والكتابة وهو جالس على منضدة،وإنما وهو متمدد على بطنه،ويضع تحته وسائد عديدة، وبرغم هذه النزوات، فقد أصدر اكثر من اربعمائة مجلد، وكتب للمسرح مئة مسرحية، مُثلت جميعها في زمنه، وقامت بإداء ادوارها ممثلات معظمهن وقعن في أسر شخصيته المرحة، ربح من وراء كتبه اكثر من مليون جنيه استرليني، انفقها جميعها على ملذاته، وحين حاصرته الديون قررت إحدى المعجبات به ان تشتري ديونه كي لايدخل السجن، ثم ساومته بين قفص الزواج أو قضبان السجن، فقرر في النهاية ان يرضخ لطلبها ويتزوجها.4027 الاكسندر

الكونت دي مونت كريستو التي قرأتها، سحرتني منذ اللحظة الاولى، ولم ينفع فيما بعد انني اكتشفت انها عمل يتسم بالبساطة وإن احداثها لاتختلف عن اي فيلم عربي بالابيض والاسود مليئة بالمشاهد الميلودرامية والدموع والآهات، فهي برغم ذلك شغلت النقاد بسبب انها لاقت اقبالا كبيرا في مختلف العصور، ولاتزال على قائمة الكتب الاكثر مبيعا.

تدور أحداث رواية "الكونت دي مونت كريستو" حول البحار إدمون دانتيس، الذي نراه في الصفحات الاولى، وهو يستعد للزواج، إلا أن حادث القاء القبض عليه بتهمة مناصرة نابليون، وايداعه في حصن إيفان الرهيب، يدمر مخططاته، وخلال الاثني عشر عاما التي قضاها في الحبس كان يؤمن انه بريء مما نسب إليه من تهم، وأن سبب سجنه إنما هي مؤامرة حاكها ثلاثة أشخاص، كان لكل منهم سبب للتخلص منه. الأول فرنان الذي كان ينافسه على خطيبته مرسيدس، والثاني انغلار منافسا له في أعماله، أما الثالث فكان القاضي فيلفور الذي أيقن منذ اللحظة الاولى ان القضية ستعود عليه بقوائد كثيرة إن هو حكم على إدمون. وخلال سنوات حبسه الطويلة لا تشغله قضية سوى وضع الخطط للهرب من جحيم السجن واثبات براءته والانتقام من الذين ظلموه.

وبفضل مساعدة يقدمها صديقه الأب فاريا الذي يخبره قبل موته بمكان وجود كنز يمثل ثروة هائلة، في جزيرة مونت - كريستو. يتمكن إدمون من الهرب؟، وبعد مغامرات وأهوال يحصل على الكنز، فيقرر العودة الى الحياة العامة بهيئة جديدة واسم جديد " الكونت دي مونت كريستو " الثري الذي لا يعرف أحد شيئاً عن حياته الماضية، ويبدأ بوضع خطه للانتقام مستخدما ثروته الهائلة لتحقيق أهدافه في مطاردة الذين ظلموه. لقد تحول الى قدر يلاحق ضحاياه، وتمضي الرواية لتخبرنا أن خطة السجين السابق تنجح، وإنه أخيراً استطاع تحقيق العدالة الغائبة..ويعود في النهاية ليكشف عن نفسه بعد رحلة عاشها مع اسماء وهمية ومؤامرات كان يخطط لها بالخفاء، ليلتقي أخيرا بخطيبته مرسيدس ليعلن لها انه لايزال يحبها ويتمنى الارتباط بها.

نشر الكسندر دوماس الأب روايته " الكونت دي مونت كريستو " عام 1844، في ذلك العام توفت الفتاة ماري دوبليسيس عن عمر 23 عاما نتيجة الآم شديدة في المعدة لم تمهلها طويلا، كانت قد أخبرت إحدى صديقاتها انها تشعر دائما بان حياتها ستعود من جديد، ولم تكن تدري أن هناك مؤلفاً شاباً أراد ان يقلد والده الأديب المشهور فقرر أن يكتب قصة هذه الفتاة التي شغلت البلاط الفرنسي بجمالها، لينشر عام 1848 روايته " غادة الكاميليا "، وأصرّ الشاب أن يطلق على نفسه اسم " الكسندر دوماس الابن ". كان الابن أحد الاطفال غير الشرعيين للكاتب الشهير، الجميع يعامله كفتى منبوذ، إلا انه كان شديد الاعجاب بشخصية والده، فاختار أن يسير على نفس الدرب.

اذن هذه هي الرواية، وفي ذلك الوقت لو طلب مني أن أكتب تعريفاً عن هذه الرواية لاختصرته بعبارة " ممتعة ". في رسالة يبعثها الكاتب الانكليزي مالكولم لاوري الى ناشره يشرح له فيها المغزى من كتابة روايته الشهيرة (ما تحت البركان): " يمكن ببساطة قراءتها على انها قصة ستستفيد منها إن لم تتجاوزها، ويمكن اعتبارها موسيقى ساخنة، قصيدة، أغنية، مأساة، كوميديا، مهزلة، وهكذا إنها سطحية، عميقة، ممتعة ومملة، على حسب الذوق".

ممتعة حسب الذوق، كانت هذه العبارة التي يمكن أن أطلقها على رواية الكسندر دوماس التي أخذني فيها أنا الصبي الذي لايعرف من العالم سوى الشارع المؤدي من البيت الى المدرسة، الى بلد غريب وبعيد، وأدخلني عالماً مسحوراً، وكنت وأنا التهم صفحات الرواية وأتخيل نفسي أدخل الى شوارع باريس التي تدور فيها حكاية السجين إدمون وانني التقي بأناس أشعر بانني قريب منهم، هكذا قرأت أول رواية مثل طفل يمتلئ دهشةً من عجائب العالم.لم أكن أعرف أن سياسياً مثل لينين كان يصرح لمعارفه بأن روايته المفضلة تظل " الكونت دي مونت كريستو " وإن هذا الكاتب الذي حصد الشهرة والمجد باع ذات يوم كل ما يملك ليشتري بنادق ساهمت في تحرير وتوحيد أيطاليا، وإنه كان يطلق عليه لقب ملك المسلسلات الروائية التي علمت الشعب الفرنسي قراءة التاريخ من خلال الأدب حتى أن دار النشر التي تولت إصدار أعماله في القرن التاسع عشر، كتبت على غلاف الطبعة الكاملة " التاريخ " كما يرويه دوماس ".

في الثلاثين من تشرين الأول عام2002، وفي باريس، امتد بساط الى البانثيون "مقبرة العظماء". وعلى أنغام النشيد القومي الفرنسي، كان الحرس الرئاسي يسير ببطء، كانت الآلاف التي وقفت تشارك في المشهد المثير تنثر الزهور عند مرور الموكب الذي يتكون من أعضاء الاكاديمية الفرنسية. وعند اقتراب الموكب من البانثيون انتشر الطلاب وتطلعوا الى المنصة المقامة تحت القبة الكبرى التي جلس عليها اعضاء الحكومة وعلى رأسهم الرئيس جاك شيراك، الذي كان قد وقع مرسوما جمهوريا لنقل رفات دوماس الأب من قريته في الجنوب الفرنسي الى مقبرة العظماء، ليدفن الى جوار فولتير وروسو وفكتور هيغو.

وفي رحلته الأخيرة يمر جثمان الاكسندر دوماس بقصر مونت كريستو الذي تحوّل الى متحف، حيث يمضي ليلة واحدة فيه، يستعيد مع جدران القصر الأحداث التي صاغها كاتب عاش ومات من أجل الكتابة ومغامرة الحياة.

***

علي حسين – كاتب

رئيسة تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

علي حسينمن مجرد صبي يجلس في زاوية من زوايا البيت يقرأ ويطيل النظر في مجلات وكتب مصورة، لشاب يجلس إلى جوار فؤاد التكرلي ويتحاور مع غالب هلسا، ويستمع بانتباه شديد إلى ما يقوله عبد الرحمن منيف، ويستشير علي جواد الطاهر في كتب التراث، هكذا عملت في مكتبة، وبقيت فيها لاكثر من عشرين عاما.. لأكون دقيقا كنت اعمل في الساعات التي يسمح بها الوقت، بعد ان انتهي من اليوم الدراسي. في كل يوم أجوب أرفف المكتبة، افتش عن الكتب التي وصلت حديثا، أو أبحث عن كتاب سمعت عنه من احد الزبائن، أو البي طلب زبون متشوق لقراءة كتاب، واثناء هذا التجوال اليومي كنت اسمع بأسماء العديد من الكُتاب الذين لم اعرف عنهم شيئا من قبل. واصبحت أيضاً أكثر دراية بنوعيات الكتب، وبخفايا حياة الكُتاب..لم تعد الروايات بالنسبة لي هي الكتب الوحيدة المفضلة، بل أيضا كتب الفن والسياسة واضيف لها كتب الفلسفة وعلم النفس والاقتصاد. وكنت احاول أن اتعلم كل ما احتاجه لأبدو للزبون على دراية بالكتاب الذي يسألني عنه. تعلمت الاسماء والعناوين الغريبة. كانت المكتبة بالنسبة لي مدرسة للتعليم والتثقيف.. واثناء اسئلة الزبائن كنت انظر بعطف إلى اولئك الكتاب الذين لاتباع اعمالهم.. فهناك كتب لا أحد يريد شرائها رغم اهميتها، ومنها سلسلة بعنوان " مجموعة الروائع الانسانية "، كانت تصدر في بيروت عن اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، كان الزبائن يهتمون باعترافات جان جاك روسو التي صدرت ضمن السلسلة بترجمة خليل رامز سركيس، لكنهم يهملون كتابه " هواجس المتنزه المنفرد بنفسه "، و لا يلتفتون إلى كتابه الآخر " اصل التفاوت بين الناس"، والقليل منهم يستهويهم كتابه العقد الاجتماعي.. بالنسبة لي كان منظر هذه الكتب يشعرني بالسعادة وكنت افكر إذا كانت هذه الكتب قابلة للقراءة ام لا، فقررت ان اضحي ذات يوم بالمبلغ الذي اتقاضاه كل اسبوع مقابل ان احمل معي هذه السلسلة الى البيت. لمدة شهرين تفرغت لقراءة اعترافات روسو، وخواطر باسكال، وقدر فولتير، وتقسيم العمل الاجتماعي لدوركهايم، وفي الحكم المدني لجون لوك، وتأملات ديكارت.. كنت اقرأ بشراهة، احاول ان افهم. انتهيت من الكتب لكنني لم اتشربها جيدا. ايقنت انني فشلت في التعرف على خباياها. وجدت اعترافات روسو مؤثرة جدا، لكن خواطر باسكال كانت نوعا غريبا من الكتب لم يكن مألوفا لديَّ من قبل .

عندما كان هرمان هسه يعمل في مكتبة كان يقول للزبائن ان الكتب مثل الاصدقاء، علينا ان نحكم عليها بعد ان نعاشرها بصورة حقيقية، اما الحديث عنها دون معرفة فهي اشبه بنميمة بغيضة. فيما بعد ستُعلمني الصداقة الحقيقية لروسو وباسكال وفولتير وديكارت، كيف يكون الانسان انسانا ويظفر بإنسانيته، ويؤدي ادواره ويتحمل مسؤوليته. ما الشيء الذي يهم القارئ في الفلسفة ؟ يجيب بليز باسكال :" إن الشيء الهام ليس تلبية فضول تأملي عقيم، بل معرفة اخلاق موثوقة تسمح لنا بتنظيم حياتنا في أمان ". كنت قد قرأت منذ سنوات عبارة للفيلسوف الالماني " بيتر سلوتراديك " يقول فيها :" بينما يحاول ديكارت مخاطبة قرائة بمزاج صباحي وانطلاقات مبرمجة، فان باسكال هو كاتب القراءة الليلية والمتواطئ مع اجترارنا للافكار المحطمة بشكل جوهري ".

عندما توفي في التاسع عشر من آب عام 1662، تم العثور في داخل معطفه على اوراق حرص ان يخيطها داخل بطانة المعطف، وكانت هذه الصفحات تشكل الجزء الاكبر من كتابه " خواطر " الذي نشر بعد وفاته بسبعة اعوام. قبل وفاته بايام قال لأحد معارفه ان فلسفة ديكارت مدهشة ومؤثرة، لكن صاحبها متكبر صغير مضحك. يستهل باسكال كتابه " خواطر" بالقول :"من هزأ بالفلسفة فقد تفلسف حقا".

قال عنه والده :" منذ أن اصبح قادراً على الكلام بدت عليه بوادر الذكاء النادر ". ولد بليز بسكال في التاسع عشر من حزيران عام 1623 لعائلة يعمل معظم ابنائها في سلك القضاء اوالعمل في التجارة، توفيت والدته وهو في الثالثة من عمره، فتفرغ الاب الذي كان شغوفا بالرياضيات ويعمل قاضيا في مدينة روان لرعاية ابنه الذي قال عنه كانت الكلمات تأتيه من تلقاء نفسه، عام 1631 قدم الاب استقالته من وظيفته لينتقل بعائلته الى باريس، حيث تبدا مرحلة جديدة في حياة الصبي البالغ من العمر ثماني سنوات تفرغ خلالها تنفيذا لاوامر والده بتعلم اللغتين اليونانية واللاتينية، من اجل ان يقرا كتب ارسطو. وستكتب شقيقته جاكلين :" لم يلتحق اخي بأي مدرسة، لقد علمه ابي ولقنه منهجا استعان به في حياته ". يشير باسكال الى ذلك في كتابه خواطر:" تلقيت تربية تميزت باتباع طريقة الوسط العدل، ومزايا كثيرة ومتفردة، وعناية اكثر من ابوية "، في العاشرة من عمره استطاع بليز بسكال ان يتوصل الى معرفة 32 مسالة من كتاب اقليدس في الهندسة، وفي الثانية عشر من عمره سيخبر والده انه قرأ في الخفاء الكتب الستة الاولى لاقليدس، ولما بلغ السادسة عشر من عمره وضع كتابا في الهندسة اثار اعجاب رينيه ديكارت الذي كان يكبره بسبعة وعشرين عاما، فاعتقد ان والد بسكال هو من كتبه. فيما بعد سيقر ديكارت بعبقرية باسكال ليكتب الى بيير مرسين :" نادرا ما وجدت الرياضيات قوة في البحث مماثلة لما فعله طفل لم يتجاوز السادسة عشر من عمره ".4021 باسكال

في تلك الفترة توجه الى دراسة الفيزياء والمنطق والفسلفة، وكان والده يعمل محاسبا ويجد في بعض الاوقات مشقة في جمع الارقام وتنظيمها، فقام الفتى بليز باختراع آلة حاسبة تجري ايه عملية حسابية. في الثامنة عشرة من عمره بدت عليه اولى مظاهر الضعف الجسدي وسيتعرض باسكال الى تجربة مثيرة في العشرين من عمره حيث اصيب بكسر في الساق، فتولى علاجه طبيب كان يعتنق مذهب جانسيينيوس، وهو مذهب يقترب من الصوفية المسيحية، في شبابه سعى باسكال الى وضع الاسلوب الاختباري من اجل اصلاح طريقة ديكارت النظرية، فديكارت يعتقد ان التفكير المنظم يقود الى المعرفة المثلى وان العلم الرياضي هو مفتاح العالم. اما باسكال فيرى ان الحقيقة تتعدى شتى جوانب عقلنا القاصر وانه يتحتم علينا ان نتوجه دوما الى الطبيعة ونستنطقها، فنعيش تجربة الاختبار. وهكذا فان باسكال بعد ان يرفض اخضاع التفكير الى السلطة الدينية، وبعد ان يسخر من نفوذ القدماء وسلطتهم، نراه يقف امام حوادث الكون المختلفة يناقشها استنادا الى اسرار الطبيعة وقوانينها. وبهذا يعارض ارسطو وتلامذته ويخالف ديكارت الذي يريد ان يقيم فلسفته على مجرد التفكير، وبرغم ان باسكال كان متدينا إلا انه اثار الكثير من المناقشات التي ازعجت الكنيسة حيث طالب بان يشارك عامة الناس بمناقشة المسائل الدينية حتى الصعبة منها مؤمنا ان العقل الانساني يستطيع بحث معظم المشاكل الدينية، وبهذا كانت افكاره تمهد لظهور فلسفة فولتير...توفي باسكال وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، وقد اصيب بمرض سرطان المعدة،

في مقدمة الترجمة الانكليزية لكتاب " خواطر" يكتب الشاعر ت.س.اليوت :" معظم البشر كسالى ولا مبالون وعبثيون ولديهم عواطف فاترة. وهم بالتالي عاجزون عن الشك والايمان ". يكتب بسكال :" يجب ان نعرف انفسنا، وإذا لم يفدنا ذلك في معرفة الحقيقية، فهو على الاقل يساعدنا على تنظيم حياتنا، وليس ما هو اكثر صوابا من هذا. ما السبب في ان الاعرج لا يزعجنا، فيما العقل الاعرج يثير حفيظتنا. السبب هو ان الاعرج يعترف باننا نسير في استقامة، اما العقل الاعرج فإنه يقول بأننا نحن الذين نعرج "..

بدأ بليز باسكال بكتابه " خواطر " عام 1656، بعد ان تعرضت ابنة شقيقه الى مرض خطير في معدتها، لكنها ستشفى واخبرت عمها انها ذهبت الى الكنيسة ومسحت مكان الالم بـ " الاكليل المقدس " فتم شفائها، وأيا كان السبب في الشفاء، إلا ان الحكاية زادت من اصرار باسكال على تاليف كتاب يتحدث فيه عن قيمة الايمان، وبدت صفحات الكتاب اشبه بالخواطر الفلسفية والافكار سطرها على اوراق متناثرة، وفيها يدافع عن الدين في مواجهة موجة التشكيك فيه التي طبعت عصره. نُشر الكتاب عام 1669، وسنجد فيه ردودا على منهج ديكارت في الشك، وسخرية من " مونتاني " الذي يقول عنه إنه " يغري باللامبالاة في مواجهة الخلاص " . كان باسكال قد التقى ديكارت للمرة الاولى عام 1647، الفيلسوف الكبير قد تجاوز الخمسين من عمره، فيما لم يكن باسكال قد تجاوز الخامسة والعشرين منشغلا بتجاربه في الضغط الجوي واستخدام الباروميتر، لم يكن اللقاء وديا، فقد ادعى ديكارت لنفسه اكتشاف ظاهرة الضغط الجوي، وهو الأمر الذي باعد بينهما وخلق حالة من العداء.يُحسب لباسكال ريادته في ابتكار المنهج التجريبي. كان ديكارت يرى ان الاستدلال السليم يقود بنفسه الى المعرفة الكاملة دون الحاجة الى اية معرفة اخرى وان العلم الرياضي هو مفتاح الكون، اما باسكال فكان يرى ان الحقيقية الواقعة تطغي على عقلنا الضعيف. ولهذا يجب علينا ان لانكف عن استجواب الطبيعة، وان التجريب هو الذي يستطيع تفسير لالظواهر اكثر من العقل.

يحتوي كتاب " خواطر " على مناقشة لكثير من قناعات باسكال بالعلم والحياة والدين، لكنه يسلط الضوء اكثر على مشكلة الانسان التي يرى انها المشكلة الكبرى، فالإنسان يقف في كل مكان بين العظمة والحقارة، فهو قادر على اكتشاف عظمة الحياة، لكنه لا يعرف الطريق اليها. يرسم باسكال الانسان على انه لاعب لا يكف عن الحركة، إنه مدفوع بتصور المكاسب، لكن لا يرضيه أي مكسب، فخلف غريزة اللعب المضطربة يقف الخوف من العبثية إن حياته ليست إلا حركة هروب دائمة ويرى باسكال ان الانسان كائن ضعيف يحيا في صراع بين ما يشعر به من قوة وعظمة، وما يجد عليه ذاته من ضعف وضآلة امام الكون اللامتناهي. وسنجده في الخواطر يسخر من نفسه اولا لانه امضى وقتا طويلا في دراسة العلوم المجردة، ليتاكد له فيما بعد انها لا تصلح للانسان وان " الجهل بها انفع بكثير من التعمق فيها " – خواطر ترجمة ادوار البستاني.

داخل صفحات كتاب " خواطر " يتصارع باسكال المؤمن، مع باسكال العقلاني، فهو الآن يريد ان ينفصل عن باسكال المتشكك، ولهذا يقدم للقارئ افكاراً فلسفية ذات وجهين، الأول عقلاني يناقش الحجج والبراهين والثاني متأمل وروحاني . الامر الذي يصفه الشاعر اليوت بانه محاولة لمزج أفكاره نحو الدين، بمعرفته الدنيوية. ولهذا فهو يخاطب القراء ذوي التوجهات العقلية العلمية بنفس الطريقة التي يخاطب القراء ذوي التوجهات الدينية.

ان ما يريد بيانه هو شقاء الانسان بدون الله، وفي نفس الوقت هناك عظمة هذا الانسان التي يمكن ان نستدل عليها حتى من شقائه :" فمن الذي يشعر بانه شقي لأنه ليس ملكا إلا ذلك الذي كان ملكا من قبل " – خواطر –. إن الانسان يعرف انه شقي، وبالتالي فهو عظيم لأنه يعرف ذلك.وفضلا عن ذلك فان باسكال يقر ان الفكر يُكّون عظمة الانسان:" ما الانسان إلا قصبة، والقصبة اضعف شيء في الطبيعة، لكنه قصبة مفكرة، ولا ينبغي ان يتسلح الكون كله لسحقه. فنسمة رياح،او قطرة ماء تكفي لتدميرة. لكن الكون لو سحقه سيظل اعظم نبلا ممن يقتله، لأنه يعرف انه يموت، ويعرف ما يمتاز به الكون عليه، أما الكون فلا يعرف شيئاً عن ذلك " – خواطر – ". ان الكون يحيط الانسان من ناحية المكان، ويبتلعه كأنه نقطة، لكن بالفكر فأن الانسان يحيط بالكون.

هل كتاب " خواطر " دعوة للايمان ؟.. يؤكد باسكال ان الانسان عاجز عن ان يمنح لنفسه الايمان، لكن هناك وسيلة عن طريق اعداد نفسه، وان فعل ذلك فان الله سيمنحه الايمان الذي يبحث عنه. إلا هذا الايمان يحتاج الى التدعيم العقلي:" إذ لم يفعل المرء شيئا سوى ما هو مؤكد ويقيني، فانه ينبغي أن لايفعل شيئا للدين " – خواطر -.

ان العقل عند باسكال قابلا لأن يميل إلى كل جانب، ولهذا نحن نرى الناس كثيرا ما لا يؤمنون إلا بما يحبون، فالقلب والعقل متباينان: " عبثا يحاول العقل زعزعة المبادئ بالاستدلال، فإنها خارجة عن دائرته ولا شأن له فيها، من المضحك أن يطلب العقل إلى القلب الأدلة على مبادئه، كما أن من المضحك أن يطلب القلب إلى العقل الشعور بالقضايا التي يستنبطها" – خواطر-

ذلك هو المذهب الذي ينادي به، فيه شيء الوجودية الدينية التي ظهرت فيما بعد بكتابات كيركغارد الذي اخذ من باسكال اختبارات الذات القلقة والوجدان المضطرب، وفي كتاب " خواطر " اشارات الى مجموعة من المفاهيم الوجودية كالخوف، والحيرة، والتشاؤم، والقلق.فالانسان يعيش حالة من التاقض بين واقع مؤلم، محير مقلق، وبين مثالية عالية يتمناها فهو يامل في الوصول الى الحقيقة، لكنه لا يدرك غير الخطأ. ويرغب في الحصول على السعادة، ولا يجني غير الشقاء والملل وينشد العدالة الحقيقية، ولا يجد سوى عدالة مزيفة. ولهذا يعيش في حيرة متناهية :" ها هو الغموض الذي احسه، ويجعلني اضطرب، انه يكنفني من كل جهة، ان وجه الطبيعة امامي ما هو إلا مادة للشك والقلق، ويبدو انني لم ار علامة على الألوهية ولو انني وجدتها لكان قد هذأ إيماني.. ولكم تمنيت مائة مرة ان تشير هذه العلامات على الالوهية لانها تدل عليها..ومتى تهدأ حيرتي وانا اجهل من انا، وما الذي افعله وما هو مصيري، وواجبي ؟ يحاول قلبي تلمس طريق الخير الخقيقي. لكن ليس ثمة طريق عسير في بلوغ الابدية " – خواطر -.

يؤكد باسكال اننا لا نستطيع ان نحظى بالسلام والسعادة والحقيقة إلا بتسليم انفسنا الى قوة اعلى، وان لم نفعل ذلك فسوف نجني الاحباط والظلمة والتشسويش والاخطاء، وباجابته على من يسألون : إن كان الله حقيقيا لماذا لايكون واضحا بشكل اكبر ؟ يرد : بدلا من الشكوى من ان الله اخفى نفسه، عليك ان تشكره لانه كشف الكثير من ذاته. بالنسبة لباسكال، الافتقار الى الايمان نوع من الكسل، انها النظرة التي اختصرها اليوت في مقدمته لـ" خواطر وهو يصف البشر بالكسالى لانهم :" عاجزون عن الشك والايمان، وعندما يطلق الانسان العادي على نفسه صفة الشك او عدم الايمان، يكون موقفه في العادة موقفا بسيطا يحجب فيه نفوره الكبير من التفكير بأي شيء يمكن ان يعود عليه بنتيجة ".

في واحدة من اشهر خواطره يقول باسكال :" العدل أن يتبع ما هو عادل . العدل بلا قوة عجز، القوة بلا عدل استبداد ".هكذا ينتقد باسكال فصل العدل عن القوة، وان العدل والقوة هوية واحدة. لكن القوة هي التي تنشيء العدل ليصبح العدل مثلاُ اعلى لا يستطيع الاستغناء عن خدمات القوة.

اراد باسكال من خلال " خواطر " معرفة كل ما يمكن معرفته عن العالم، لكنه يقر في النهاية انه ليس بالامكان معرفة كل شيء. وهو يشير إلى ان الله يريد منا الاستخدام الأعلى للعقل كي نتصرف ونبدع في هذا العالم. وقبول ما نحن عليه ككائنات روحانية لديها تجربة بشرية.

هل يمكن ان نصف باسكال بانه فيلسوف وجودي ؟. نعم بالتاكيد، فقد اهتم بالموجود الانساني وبإمكاناته، بالاضافة الى انه اهتم بإمكان ان يختار نفسه او لايختار نفسه في حضرة الله. كما ان كتاباته تجسد الصراع الاساسي للنفس البشرية. يكتب بيتر سلوتردايك ان باسكال :" يقف على عتبة العالم الحديث كشخصية مفتاحية مظلمة يصدعها الشك وإذا كان التاريخ الفكري للقرون الماضية بمثابة عرض للظروف العبث، فإن مكان باسكال فيه سيكون مضمونا الى الابد. إنه يحتل المرتبة الاولى بين الامناء الفلسفيين لليأس الحديث " – امزجة فلسفية ترجمة جميلة حنيفي - :

قال باسكال ذات مرة :" لقد بحثت عن كاتب فوجدت انساناُ " ولعل هذه العبارة توضح حقيقة هذا الفيلسوف الذي اراد ان يقول لنا ان عظمة البشر تكمن في مقدرتهم على إدراك بؤسهم الخاص.

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

من أرض الإغتراب التي ولد فيها وتعايش في ثقافة مختلفة جذريا ً، وهو من أصول لبنانية متمسكة بعاداتها ودينها الإسلامي، ليتربى في بيت عربي ويكون همه الأول الفلسفة الإسلامية ويصدر سبعة كتب عن الإسلام، وهو لا يخالف شريعة الإسلام والمسلمين، بل استمد مادته من القران الكريم والسنة النبوية، وهو يؤكد قول الإمام الشافعي " من تعلًم القرآن عظمت قيمته، ومن كتب الحديث قويت حجته ُ، ومن نظر في الفقه نبل قدره " والقران بحسب لسان العرب لأبن منظور هو كلام الله المنزل على محمد "ص" المكتوب في المصاحف،مؤكدا في معظم كتبه الصادرة" الإسلام فهو النسخة الشاملة والكاملة للعقيدة التي كشف عنها الأنبياء الأوائل بمن فيهم آدم، وإبراهيم وموسى وعيسى، الإسلام هو آخر الأديان السماوية وهو الثاني من حيث عدد معتنقيه في العالم بعد المسيحية " ص7

 إنطلق الباحث البروفسور في جامعة مشغن "طلال علي طرفة" ليؤكد لنا وعبر قراءة مستفضية وهو العارف الجيد بإسرار اللغة الانكلزية ليقول كلمته كونه أستاذ محاضر في الإدارة وفي الدراسات الدينية في عدة جامعات، وخطيب دائم على منابر الأمم المتحدة، وجاء ليقول عبر كتبه السبعة وهو في انتظار مطبوعه الثامن ان الفرق بين الإسلام وباقي الديانات السماوية أن الإسلام هو دين الله ودين الأنبياء جميعهم من آدم إلى نوح فابراهيم وموسى وداود وسليمان وإسحق ويعقوب وعيسى، إنه دين أزلي أي أنه عند الله منذ الأزل أي منذ البدايات.ص8، ويخوض البروفسور "طرفة" عبر قراءت تاريخية وفلسفية للكثير من المنظرين العرب وغير العرب ليقول كلمة صدق في معظم كتبه الصادرة " إذا نظرنا اليوم إلى الأمة الإسلامية في كل أنحاء العالم نرى أنها أمة بالأسم فقط، أما بالفعل فهي أمم مشرذمة ومفككة وللأسف متعادية في ما بينها، ولهذا يعطي النصيحة لكل العاملين في هذه الأمة من خطباء ومعميين واستاذة جامعات ومدارس فقهية ليقول "وحدة الملسمين تجذب اتباع الديانات الأخرى إلى الإسلام، على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى قد سمح بها حيث قال "ولَو شاءَ رَبُك لجعلَ الناس َ أمة واحدةً ولا يزالونَ مخُتلفين َ" ص9

وتجده هو الناصح لهذه الأجيال بطريقة مختلفة عما يفعله البعض سواءأً من المعمين أو غيرهم لعدم تماشي سلوكهم اليومي والحياتي من آجل ترسيخ القيم والعادات التي تحمل في طياتها أستمراراية هذه الحياة، والحياة أسمى هدية قدمها الله تعالى لمخلوقاته، أعطاها الله سبحانه كل الأسباب والمقومات سواء للإنسان أم للحيوان أم للنبات، وكل هذه تدور حول عنصر أساسي ألا وهو الطاقة، معرفاً لنا الطاقة أنها القدرة على إنجاز عمل ما، إنها السبب في حدوث الأشياء، فالصلاة طاقة مركزة تربطنا بالخالق، والطاقة نوعان إيجابية وسلبية فالصلاة تعزز الطاقة الإيجابية، لأنها شكل من أشكال التأمل بها نبني جسرا ً بين العقل والروح.أما إذا دخلت الطاقة السلبية حياتنا فإنها تؤثر فينا بشكل ردي ء، سيما وأنها قوية جدا ما يسبب الإحباط والكرب، والخوف والقلق، ما نحتاج إليه هو أن نتعلم كيف نحمي أنفسنا ونحررها من آجل بناء آلية دفاعية فعالة،وحتى يؤكد نصائحه لكل من يتتلمذ على يديه يعود إلى التاريخ مستعينا ً بطروحات الأمام " علي " عليه السلام، وخير تعريف للإسلام هو تعريف للإمام " علي بن أبي طالب " حيث قال " الإسلام خضوع، والخضوع يقين، واليقين إيمان، والإيمان قبول، والقبول انتماء، والانتماء عمل " ص 11 موكدا على هذه الأقوال ومركزا على واقعنا الحالي باعتباره باحثا ً اسلاميا ً وقارئاً نهما ً بعد ان ترجمت كتبه من اللغة الانكليزية الى عدة لغات ومنها العربية، الفرنسية، الفارسية وغيرها، وهنا أراد عبر مقدمة قصيرة هو اختصار ما سبق أن كتبته في مؤلفاتي السبعة التي تحمل العناوين التي سترد في متن هذا الكتاب المعنون " دليل مؤلفات " ليكون هذا الكتاب هو الثامن جامعاً لأهم ما ورد في مؤلفاتي السبعة الأولى.ص13

وقد أصبحت كتبه تباع بين أكبر جامعات الولايات المتحدة الأمريكية ومنها جامعة "مشيغين" لأن هذه الجامعات تجمع الدارسين من كل الديانات، محاولأ إيصال رسالة النقاط المشتركة بين الديانات الإبراهيمية الثلاث،اليهودية والمسيحية والإسلام، بهدف تحقيق الوحدة في التنوع وإحلال التسامح والتضامن والأخوة والأمان بين أتباع هذه الأديان الثلاثة، جميع كتبه التي إنطلق منها جاءت لتعطي مقاربة للمرحلة التي يمر بها العالم، وخاصة نحن نعيش عصر الإرهاب والحروب والموت والدم، ويدخلك عبر لغة سلسلة وفيها من التشويق وكأنك تلامس سر المخلوقات التي أبدع بها الخالق العظيم، فهو عالم نفساني مجرب دخل في عصرنا الحالي ليوقف هذه المجازر داعيا ً الى تحقيق الوحدة في التنوع وإحلال التسامح والتضامن والأخوة والأمان بين اتباع هذه الأديان الثلاثة، مطالبا ً الجميع إلى الألفة والاحترام والمحبة والأمان من خلال لقاءات واجتماعات يسودها التآلف والمصالحة وصفاء القلوب والنوايا لأن ما يجمع بين هذه الديانات يفوق بكثير ما يفوق بينها، بهذه الطريقة يحل الوئام ويسود السلام، ليس هذا فقط فهو منظر من طراز خاص بعد ان تمعن في جميع الفلسفات التي شكلت لديه مادة دسمة ويتفحصها بعمق ودراية ليقول عبر كتبه المعنونة وهي " الوحدة في الإسلام " و" الصبر في الإسلام " و" الطاقة في الإسلام " و" إمامة علي والصراط المستقيم " و" القلب السليم " و" ابناء ابراهيم " و" فاذكروني اذكركم " وهو في انتظار مطبوعه الثامن الذي سوف يصدر قريبا ان شاء الله، وهنا يختار شخصيات معروفة ومرموقة تنتمي إلى كل من هذه الأديان، وعملت بكل صدق ومحبة على ردم الهوة بين هذه الأديان وعلى الترويج للسلام والوئام والتفاهم والوحدة وحرية المعتقد والاحترام المتبادل على سبيل الذكر لا الحصر أورد الشخصيات التالية " النائب هوارد ا.برمان " رئيس الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي الذي قدم تعديلاً قانونيا

إلى الكونغرس الأميركي حصل على دعم مجلس الشيوخ ومرر القرار من قبل مجلس النواب الذي تدعم بموجبه الولايات المتحدة روح السلام والرغبة في الوحدة وتشجع على الأنضمام إلى تلك الأصوات حول العالم التي تندد بالإرهاب والتعصب والقتل الجماعي والكراهية الإثنية والدينية.وكذلك عمدة نيويورك " مايكل ر.بلومبرغ " الذي دافع عن التسامح الديني والعيش باحترام،وحتى هب معهم " الحاخام إيمي إيلبزع " المؤسس الشريك في مركز الشفاء اليهودي في سان فرنسيسكو –كاليفورنيا " وغيرهم من الأسماء التي وردت في كتاب " أبناء إبراهيم ". الجدير بالذكر أن الباحث د. طرفه شأنه شأن الكثير من المهاجرين اللبنانيين والعرب الذين التحقت اسؤته بركب الاغتراب متأبطين معهم أحلامهم التي سعوا لتحقيقها عب العمل والعلم والمعرفة، ولعل الرحلة المعرفية تعد الاهم في حياة د. طرفه حيث تجلت مخرجاتها بعدد من البحوث العلمية التاريخية والدينية التي اعتمدت مناهج بحثية متنوعة لدراسة الظواهر الدينية والتاريخية والرسالات السماوية لمناطق الشرق الاوسط وغيرها وتعد تلك البحوث مراجع أكاديمية للباحثين في مجال الاديان والعقائد والتاريخ حيث يصف ويقارن ويشرح الظاهرة الدينية وفق المنظورات المنهجية والتاريخية الشاملة للثقافات في محاولة لفهم السلوك الثقافي بجوانبه المتعددة بما فيه الجانب الديني والاجتماعي.

***

قاسم ماضي – ديترويت

علي حسينترسخت في اذهاننا صورة "نيقولا مكيافيللي" وفي يده تاج السلطة، حتى اننا عندما نريد ان نتهم احدا ما بالمراوغة نقول عنه "مكيافيللي". في واحدة من عباراته الشهيرة يكتب " ان: " القوة عادلة عندما تكون ضرورية "، وهذه الجملة تعد احدى المفاتيح الرئيسية لكتاب " الامير ".

رحل مكيافيللي قبل حوالي " 500 " عام، لكن لا يزال اسمه يتردد كلما تحدثنا عن حيل الساسة والالاعيب الحكام. ما سبب السمعة السيئة التي لاتزال تلاحقه؟ هل يستحقها؟ ولماذا تلاحق اللعنة كتابه " الامير ".

يبدو كتاب الامير حين نأتي الى قراءته من دون معرفة مسبقة بصاحبه والاحوال التي عاشها، كتيب يدعوا الى القسوة، وربما يمجد ايضا بإراقة الدماء حتى ان فيلسوفا بحجم برتراند رسل يصف الكتاب بانه " دليل لقطاع الطرق وأعضاء العصابات "..قبل فترة ليست بالقصيرة قررت اعادة قراءة كتاب مكيافيللي.. بحثت في مكتبتي فوجدت اكثر من نسخة اقدمها التسخة التي ترجمها محمد لطفي جمعة، احدثها النسخة التي ترجمها عبد الكريم ناصف وبينهما ترجمة فاروق سعد التي تضمنت دراسة مطولة عن الفكر السياسي قبل الامير وبعده، وترجمة حديثة عن نسخة دار بنغوين الشهيرة.. يجب ان اعترف انني قرأت الكتاب عندما كنت في المدرسة الاعدادية، وكانت قراءتي له من باب الفضول وليس المعرفة، فقد كنت اسمع عن الكتاب كثيرا.. ولهذا لم يثير اهتمامي موضوعه بقدر ما كنت ابحث عن السبب الذي يجعل القراء يبحثون عنه.. بعد ذلك بسنوات خاطرت من جديد بقراءة كتاب الامير، بعد ان عثرت على اسم مكيافيللي يتردد على لسان احدى شخصيات مسرحية شكسبير الكوميدية "زوجات وندسور المرحات": ماذا هل أنا مخادع.. هل أنا ميكافيللي " – ترجمة مصطفى طه حبيب -.بدى المؤلف في المقدمة التي كتبها للكتاب يستعطف الامير لورنتسوا: " ليس في طاقتي ان اقدم لكم هدية أعظم من أن اتيح لكم أن تفهموا في وقت قصير ما درست في سنين طويلة ".. وبرغم ان ميكافيللي يقدم نصائح للامير، إلا انه قرر ان ياخذ حيطته ويغلف هذه النصائح بالدعوة الى وجود حاكم قوي وفعال يخدم مصالح الدولة.. كان قد تعرض قبل تفرغه لكتابة " الامير " الى السجن والتعذيب، ثم أُرسل الى المنفى لاتهامه بالمشاركة في مؤامرة ضد عائلة مديتشي..كانت معرفة خفايا حياة مكيافيللي دافعا لان اواصل القراءة وابحث عن كل ما يتعلق بهذا الفيلسوف الغريب الاطوار.. عليَّ ان اعرف من هو وبماذا يفكر وكيف استطاع ان يضع قواعد للسيطرة على الحكم؟، في الوقت نفسه كان هو طريداً لهذه السلطة التي جعلته يقضي سنوات من حياته في عزلة وضيق حتى إنه يكتب في إحدى رسائله: " ويحي، ما أتعس حظي، لقد ولدت للشقاء والعناء، فلن أحصل على ما أريده قط".

ولِدَ نيقولا مكيافيللي في أيار عام 1469 وهو الابن الأكبر لبرنارد ميكافيللي وسيكتب فيما بعد: "ولدتُ فقيراً وتعلمتُ في عمر مبكر ألا أنفق سوى أقل القليل بدلاً من أن أعيش في ترفٍ"، ويشير كتاب سيرة ميكافيللي أن هذا الزعم ينطوي على نوع من المبالغة، صحيح إن والده لم يكن ثرياً، لكنه عاش في منزل كبير، كما إنه اقتنى مزرعة خارج فلورنسا، وكان والده يعمل موثقاً قانونياً، وتربطه علاقات بعدد من رجال البلاط، وعُرف بشغفه باقتناء الكتب، كان يهوى الأعمال الأدبية الكلاسيكية، ويردد أمام ابنه الصغير مقولات لأفلاطون وأرسطو وشيشرون، ويبدو أن الأب المحب للقراءة كان قد قرر أن ينعم ابنه بفوائد الثقافة الإنسانية التي كانت مزدهرة في فلورنسا آنذاك، على الرغم من التكاليف المالية التي قد يتكبدها، بدأ الإبن وهو في سن الرابعة يتعلم اللاتينية، وبعدها بعام كان يدرس علم الحساب، وبعد عيد ميلاده الثامن انتظم في دروس خاصة بالأدب على يد كريستوفر لاندينو، الذي اشتهر بتفسيرات لكتاب دانتي الكوميديا الالهية، بعدها التحق في ستوديو فيورنتينو، وهي جامعة صغيرة، كان مكيافيللي يتمتع بصفات جسدية غير جذابة إذ كان نحيل القوام ذا شفتين رفعتين وذقن صغير ووجنتين غائرتين وشعر أسود قصير، وكان ذكاؤه الحاد وميله الى حياة الصخب يتناقض مع مظهره المتقشف، وقد عُرف عنه نهمه للقراءة وولعه بلعب القمار وفي الجامعة اشتهر باسم"ميكا"وهي تورية لكلمة إيطالية، تعني لطخة أو بقعة إشارة الى الضرر الذي يحدثه لسانه اللاذع.

في الجامعة درس البلاغة وقواعد اللغة والشعر والتاريخ والفلسفة، وكانت قصيدة الفيلسوف الروماني لوكريشيوس التي تحمل عنوان"طبيعة الأشياء"أحد النصوص التي درسها وأثّرت به كثيراً، وقد أعجب بالحجة الرئيسية للوكريشيوس القائلة بأنه ينبغي التخلص من الخوف والخرافات الدينية باستخدام العقل والتعمق في دراسة الآليات الخفية للطبيعة البشرية في الجامعة انهمك مكيافيللي في دراسة الشعر والفلسفة، وقد جمع ثلاثة من اعماله التي كتبها آنذاك في ديوان شعر مزوّد بلوحات للرسام بوتيشيللي، وفي تلك السنوات يتتلمذ على يد مارسسيلو أدرياني الذي كان شديد الإعجاب بمواهب تلميذه، وتشاء الصدف أن يتولى أدرياني منصب المستشار الأول للبلاد، ويتذكّر الأستاذ تلميذه الموهوب، فيقرر أن يُعيّنه في الهيئة الاستشارية الدبلوماسية، ليجد نفسه في صيف عام 1498 موظفاً حكومياً، وقد أثبت مهارة في وظيفته مما دفع البلاط لتعيينه رئيساً للجنة الاستشارية، وبهذه الصفة جرى تكليفه بمهام تتعلق بالعلاقات الخارجية لفلورنسا، فذهب بمهمة الى بلاط لويس الثاني عشر، وكانت هذه المرة الأولى التي يجري فيها حواراً مع أحد الملوك، وقد ظل في البلاط الفرنسي ستة أشهر، وعاد الى فلورنسا بعد أن أرسل له مساعده برقية يُخبره بأنه: "إذا لم تعد أدراجك فسوف تفقد مكانك في البعثة الدبلوماسية"، وفي عام 1501 يتزوج ماريتا كورسيني التي أنجبت له ستة ابناء، ويبدو إنها احتملت خياناته المتعددة. بعدها يُرسل في مهمة الى روما لمتابعة اختيار بابا جديد بعد وفاة البابا الكسندر السادس، وهناك أعجب بشخصية البابا الجديد يوليوس الثاني، لكنه سرعان ما بدا ينفر منه بسبب قراراته الخاصة بالحرب، فكتب لأحد مساعديه ملاحظة تقول إن البابا الجديد على ما يبدو قد كلفه القدر ليدمِّر العالم، كانت هذه الملاحظات تؤكد اهتمام مكيافيللي بما يجري في غرف السياسة، حيث بدأ يسجل أحكامه في رسائل الى أستاذه مارسسيلو ادرياني، وبحلول عام 1510 وبعد عدة جولات في الخارج كان مكيافيللي قد توصل الى رأي نهائي بشأن معظم رجال الدولة الذين إلتقاهم، لكن رأيه في البابا يوليوس الثاني ظل محيّراً، فمن ناحية كان إعلان البابا الحرب على فرنسا يبدو استهتاراً جنونياً بالنسبة لمكيافيللي، لكنه في الوقت نفسه كان يأمل أن يثبت البابا إنه المنقذ لإيطاليا وليس نكبتها المنتظرة، ويبدو إن مخاوفه قد تحققت فبعد أربع سنوات حتى زحف الجيش الاسباني باتجاه إيطاليا، لتجد فلورنسا نفسها محتلة، والنظام الجمهوري يُحل، وفي السابع من تشرين الأول عام 1511 طُرد مكيافيللي من الوظيفة وحُكم عليه بالسجن لمدة عام، ثم في شباط عام 1513 تلقى أسوأ ضربات القدر على الإطلاق، إذ اتهم بطريق الخطأ إنه شارك بمؤامرة ضد البلاط، وبعد أن تعرّض للتعذيب، حُكم عليه بالسجن ودفع غرامة مالية كبيرة، وقد عبّر عن ذلك فيما بعد حين أهدى كتابه الأمير الى عائلة مديتشي الحاكمة قائلاً: "إن خبث القدر الهائل والمعهود أطاح بي بلا رحمة"، ولم تمضِ فترة سجنه طويلاً حيث أعلنت الحكومة العفو، فخرج مكيافيللي من السجن، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته هدفها الأول تبرئة نفسه من التهم الموجهة إليه، ومع الانتهاء من كتابه الأمير تجددت آماله في العودة الى موقع حكومي مؤثر، وكتب الى صديقه فيتوري إن منتهى تطلعاته أن يجعل من نفسه: "نافعاً لحكامنا حتى إذا بدأوا بتكليفي بدحرجة حجر".إلا أن محاولاته خابت، ونجده يتخلى عن كل أمل في العودة الى العمل الحكومي: "انني سأضطر لأن أظل أحيا هذه الحياة البائسة، دون أن أعثر على رجل واحد يتذكر خدمة قدمتها أو يعتقد إنني قادر على فعل أي خير"، في هذه السنوات عاش في منزل ريفي متواضع في ضواحي فلورنسا، وعانى من العوز، ويصف ايامه الكئيبه حين يخرج كل صباح للصيد وقطع اشجار الغابة، ثم يجلس في زاوية يقرأ دانتي، وفي المساء يتغير المشهد فنجده ينسحب الى غرفة مكتبته، ليغرق بين الكتب بعد ان يخلع ملابسه اليومية، ويرتدي بدلة، كأنه يريد مقابلة احد الامراء: " عندما ارتدي اللباس المناسب، ادخل الى مجالس البلاط القديمة، مجالس رجال الايام الخالية، فيستقبلونني بمودة، ومعهم اتغذى بالغذء الوحيد الذي هو غذائي، والذي من اجله ولدت. واتجاسر على محادثتهم من دون خجل، وأسالهم عن اسباب اعمالهم، وما اعظم انسانيتهم وهم يجيبونني بدافع عطفهم الانساني ولا اشعر بأي نوع من الضجر طيلة اربع ساعات، هي المدة المنقضية في كل مرة اجلس فيها مع نفسي، وأنسى كل معاناتي، ولا أتوجس خيفة من الفقر ولا أهاب الموت، فأنا أطمس تماماً هويتي فيهم ". لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد كما يخبر صديقه فيتوري، فهو بعد ان ينتهي من الحديث مع الأباطرة والملوك يمسك قلمه ثم يدوِّن: " ما انتفع به من حديثهم "، وقد حوّل ميكافيللي هذه الاحاديث فيما بعد الى كتاب صغير عن مبادىء الحكم: " أقلب فيه بكل ما وسعني من عمق الأفكار المتعلقة بهذا الموضوع، متناولاً ماهية الإمارة، وما انواعها؟ وما طرق الحصول عليها؟ وكيف يمكن الحفاظ عليها؟ ولما يفقد الأمراء إماراتهم؟ " –حياة نيكولو مكيافيللي جورج بريتنزوليني ترجمة طه فوزي -.

ونجد مكيافيللي في هذه السنوات يتجه بحماس الى الكتابة، فأنجز كتابه الشهير المطارحات، بعدها بدأ بكتابة تاريخ فلورنسا، وتفرغ لكتابة"فن الحرب"، وبدا أن فرصته في العودة الى الوظيفة الحكومية قد لاحت بسبب تغيير نظام الحكم، لكن اسمه لم يذكر ضمن الأسماء التي رُشّحت للعمل في الجمهورية الجديدة، وكان في ذلك ضربة كبيرة لطموحاته، ما أدى الى إصابته بالمرض، وقد شكا لزوجته من آلام في قلبه التي لم تمهله طويلاً، حيث توفي في الثاني والعشرين من عام 1527 وقد كُتب على شاهدة قبره "لا يبلغ المدح شأو ذلك الاسم نيقولا مكيافيللي"..

عام 1513 ينتهي مكيافيللي من الصفحة الاخيرة من كتابه " الامير " والتي يختتمها بهذا السطر: " ان رائحة السيطرة الاجنبية تلسع كل انف، فهل لبيتك الرفيع اذن، أن يؤدي الواجب، وبتلك الشجاعة والآمال التي توحي بها قضية عادلة، حتى ينهض وطن اآباء والاجداد نحت رايتها " – الامير ترجمةمحمد مختار الزقزوقي -4007 ميكافيلي

يتألف كتاب الأمير من ستة وعشرين فصلاً، ويبدو الكتاب محاولة من مكيافيللي لاستعراض مهاراته بوصفه محللاً سياسياً، ونراه يصرّ منذ الصفحات الأولى على أن كتابه هذا جديد في منهجه، أراد من خلاله حسب قوله أن يقدم قوائم من الفضائل والوصايا التي على الأمير ينفذها ونراه يؤكد أن نهجه في السياسة يختلف عن نهج من سبقوه، فالآخرون وفق ما قاله في"الأمير"تناولوا الجمهوريات التي لم يكن لها وجود في أي مكان على وجه الأرض، لكنه على خلاف من ذلك يناقش الواقع الفعلي للأشياء، ولهذا نراه يؤكد أن الأمير الذي يسعى وراء حب رعاياه بدلاً من أن يجعلهم يخافونه، لابد أن يفقد موقعه، وهو يرى أن على الحاكم أن يتصرّف كأسد قوي وحاسم وكثعلب ماكر ومراوغ في أحيان أخرى، وهو يصر على أن الأمير لا يسعه أن يتقيّد بدواعي المُثل الأخلاقية المعتادة، إن أراد أن يؤدي دوره أداءً سليماً. وباختصار نرى مكيافيللي يواجه قرّاءه منذ الصفحات الأولى بنظرية تقول بأن الجهود المخلصة لامتلاك ناصية المعتقدات الأخلاقية التقليدية وتطبيقها، لن تؤدي الى ظهور حاكم مُطاع. فالأمور السياسية حسب وجهة نظر مكيافيللي تحتاج الى أحكام خاصة بها.

ولعل أبرز فصل من فصول الكتاب، هو الذي يحاول فيه مكيافيللي أن يحدد نطاق حرية البشر في القيام بعمل. حيث يرى إن الثروة كانت لها سلطات قوية على الإنسان، فهي من حين لآخر تكتسح مثل النهر كل شيء أمامها وتدمّر المؤسسات كافة التي استطاع الناس اختراعها لحماية انفسهم وحفظ النظام، وهو يرى إن الثروة مثل فاتنة متقلبة المزاج تبدّل أوضاع الملعب تماماً فتعمل على الإبطاء في التكنيك السليم، وهو يرى أن النجاح والفشل في الحكم لا يتمُّ اكتسابهما بحسن السلوك، بل شيئان يتم انتزاعهما بالقوة من بين يدي عالم لا يتسم بالعاطفة، وفي مكان آخر يرى مكيافيللي أن الناس لهم سمات ثابتة على الدوام شجاع أو جبان، فالأوضاع قد يصلح لعلاجها أسلوبُ معيّنٌ من العمل أحياناً، وقد يصلح أسلوب آخر في أحيان أخرى، لكن لا أحد يستطيع دائما أن يتزيّا بزي واحد لأزمنة تتغير وتتبدل.

لعل الفكرة التي يطرحها مكيافيللي القائلة أن على القادة أن لا يكونوا طيبين كي يكونوا حكاماً أقوياء تعود إلى الرؤية المتشائمة للطبيعة البشرية. كان مكيافيللي بسبب ما عاناه في حياته يعتقد أن البشر " جاحدون ومخادعون, وجشعون للربح"، ولهذا هو يرى إن الحاكم إذا أقام سلطته بالكامل على ما يظهره له الناس من الحب، فسيلاقي منهم الخذلان في أقرب فرصة عندما تسوء الأمور.

يتهم مكيافيللي أنه يؤسس أفكاره في الحكم على نوع معين من اللاأخلاقية، وخصوصا لو تأملنا السؤال الذي يطرحه عما إذا كان الأفضل للحاكم أن يحكم بالرحمة أم بالقسوة، فهو يؤكد أن الحاكم مفرط الرحمة سيتسبب بالمزيد من الأذى للمجتمع مقارنة مع الحاكم القاسي الذي يخلق التناغم من خلال الخوف. وأن كَرَم الحاكم وتسامحه مع الاخطاء سيقود في النهاية إلى تمرد الرعية: "إن ارتكاب الحاكم للفظائع يكون حسناً فقط إذا جرى دفعةً واحدةً وللضرورة وحماية الحاكم لنفسه، وإذا لم يستمر بها بل انصرف عنها لرعاية محكوميه وتحسين معيشتهم. لكن الخطأ أن يبدأ الحاكم بجرائم قليلة، ثم يزيد من ارتكاب المزيد منها مع الزمن بدلاً من أن يتوقف عنها"

لا يظهر مكيافيللي احتراما لما ندعوه اليوم حقوق الانسان، بالنسبة له يمكن التضحية بالافراد ان تطلب الأمر ذلك خدمة لمصالح الدولة، وهو يرى ان الحاكم المتردد في استعمال القوة حينما تفرضها عليه الظروق هو امير سيء، لأن لينه سوف يؤدي الى مزيد من اراقة الدماء لاحقا..كان مكيافيللي مشغول تؤرقه فكرة واحدة دائما: هل يمكن ان يكون المرء سياسيا جيدا، وشخصا جيدا في وقت واحد. وقد كانت اجابته في النهاية بالنفي.

لقد مثلت افكار مكيافيللي خروجا كبيرا عن الافكار السائدة في زمانه حتى ارتبط اسمه مع بدايات عصر النهضة الاوربي الذي عرفته بدايات القرن الخامس عشر. اي الفترة التي كانت فيها اوربا على ابواب التقدم العلمي. كما مثلت كتاباته في جوهرها صرخة احتجاج كبيرة على الوضع السائد في ايطاليا آنذاك، والتي كانت تعيش وضعا متفسخا وحالة من التشرذم الذي لم تشهده من قبل، ولم ير مكيافيللي الخطا في الناس وانما في القائمين على امورهم وفي مقدمة هؤلاء بابوات الكنيسة المسيحية. ولهذا حظرت الكنيسة كتاباته لاكثر من مئتي عام نتيجة اصراره على ان كون المرء مسيحيا صالحا، غير منسجم مع كونه حاكما جيدا.

كان هدف مكيافيللي الرئيسي والذي يشكل الخلفية الاساسية لكل اعماله هو في بحثه كمواطن ايطالي الى توحيد بلاده، وربط مسألة وحدة ايطاليا هذه مع مسالة حريتها. لقد اعاد مكيافيللي للفعل السياسي بشريته وللقانون وضعيته، فالبشر هم صانعوا السياسة وموضوعها في آن واحد. وقد اعتبر مكيافيللي ان كل عمل سياسي يقوم على مفهوم السيادة. سيادة البشر وليس سيادة قوى " فوق البشر " وبالتالي لا يرى مكيافيللي اي تبرير ممكن لادعاء الكنيسة بان لها الحق في تسيير امور العالم حسب " الارادة الالهية "

كتب الفيلسوف الانكليزي فرانسيس بيكون: " ينبغي ان نشكر مكيافيللي وامثاله من الكتاب الذين يقولون صراحة وبدون تمويه ما اعتاد الناس ان يفعلوا. لا ما يجب عليهم ان يعملوا "

ظن مكيافيللي ان كتاب الامير سوف يمهد له السبيل الى اسرة ميديتشي لينال لديها الحظ وة، وتنعم عليه بوظيفة جديدة، لكن خاب ظنه،

واخفق في الحصول على ما يريد. وهنا اعتزل الحياة مختارا، ثم رأى نفسه انه رجل فكر وادب وان السياسة تدير له ظهرها فوجه طاقته الفكرية في اتجاه جديد، وقرر ان يكتب مسرحية واثمرت جهوده اذ الف مسرحية بعنوان " الماندراغولا " – ترجمة نبيل رضا المهايني –وهي كوميديا تحكي عن الغواية وانهيار القيم.

من المفارقات في حياة مكيافيللي انه عاش حياته في ظل امراء اقوياء دون أن يصبح قويا مثلهم. وكان مجرد منفذ للاوامر دون ان يكون له صلاحية اصدارها وتشريعها كما كان يطمح.. لكنه في المقابل رسم لنا صورة شديدة الوضوح للحاكم، ما تزال تحتفظ بقدرتها على اثارة الدهشة واشاعة الخوف واعطاء الدروس.. يكتب موسوليني في تقديمه لكتاب الأمير: " حدث ان انتصر جميع الانبياء غير العزل، وهلك الانبياء العزل ".

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

علي حسينكتب فولتير في الخامس من كانون الأول عام 1726 رسالة إلى المركيزة دو بومبادور يقول فيها: "في هذه البلاد – يقصد انكلترا- هناك نور قوي من المعرفة "، كان فولتير في الثانية والثلاثين من عمره، خارج قبل أشهر من سجن الباستيل وينفذ عقوبة الأمر الملكي الذي صدر في الأول من أيار والذي ينص: "على فولتير أن يتعهد بمغادرة فرنسا من دون استمهال، وأن يبحر في اليوم نفسه من مرفأكاليهالى لندن " .

في تلك السنوات يعثر على كتب فرنسيس بيكون.. كان الفيلسوف الإنكليزي قد توفي قبل مئة عام من وصول فولتير الى انكلترا، فقد سقط فريسة المرض بعد أن حاول في يوم شديد البرودة أن يتأكد من فعالية الثلج في حماية اللحوم من التفسخ، فأصيب بالتهاب حاد أدى الى وفاته، وتسحر فولتير كتب بيكون فيقرر أن يكرس سنوات المنفى لدراسته ونراه يصف شعوره في رساله يبعثها الى شقيقه الأكبر: "وضعت كتبه الى جانب السرير، لأنني أشعر إنها تبوح لي بالكثير من الأعاجيب".

وجد نفسه وجهاً لوجه أمام فيلسوف التجريبية،، حيث أصبح بيكون يمثل حداً فاصلاً في حياة فولتير، لقد وصف لنا شعوره وهو ينتهي من مؤلفات بيكون: " لقد كان بيكون بالنسبة لي أشبه بمرآة أتطلع من خلالها الى خفايا الفكر، بعد ذلك سيكتب في يومياته: "لم يكن قاضي القضاة بيكون يعرف الطبيعة، بيد إه عرف وحدّد جميع الدروب التي تقود إليها. لقد احتقر في سن مبكرة ما كان المجانين المعتمرون القبعات المربعة ما يعلمونه باسم الفلسفة في البيوت الصغيرة المسماة معاهد، وقد بذل كل ما في وسعه كيلا تستمر تلك الجماعات، التي نصبت نفسها مدافعة عن كمال العقل البشري، في إفساد هذا العقل بماهياتها وبهلعها من الفراغ واسقباحها له، وبصورها الجوهرية، أي بكل تلك الكلمات التي اكتسبت هالة من الوقار بفعل الجهل، والتي أصبحت شبه مقدسة من جراء مزجها على نحو مثير للسخرية بالدين".

أحس فولتير أن كتابات بيكون تنبئ بولادة عصر جديد فجعل من نفسه مبشراً لها وبعد سبع سنوات ومن منفاه سيكتب أطروحته في الدفاع عن مذهب إرادة الحرية عند الإنسان وإثباته في وجه جميع الصعوبات: "إن شعور الحرية الحي في كل واحد منا حاضر على نحو مباشر، ولايمكن أن يكون محض خداع، لأن وجود ظاهرة الإرادة في ذاته كاف كي بيرهن على حريتها"ثم يطلق فولتير مقولته العظيمة: "أن تريد وأن تفعل هذا هو تماماً ما يعني أن تكون حراً".

بعد وفاة فولتير بمئتي عام، ساجد نفسي في مواجهة بيكون، مستلقيا على اريكة خشبية ومعي نسخة من كتاب سلامة موسى " هؤلاء علموني "، كنت استكشف من خلاله عددا من الاسماء ساهمت في تغيير الدنيا كما يقول سلامة موسى في مقدمته ..

في الفصل الخاص بفولتير يشير سلامة موسى ان الفيلسوف الفرنسي كان يشيد بدور" بيكون داعية التجربة " . من هو بيكون الذي اغرم به فولتير ؟ نجحت بصعوبة في الحصول على كتاب بعنوان " فرنسيس باكون .. مجرب العلم والحياة " كتبه عباس محمود العقاد، تلقفته بفرح على امل اكتشاف السر وراء اعجاب فولتير بصاحب القبعة الكبيرة الذي وضع العقاد صورته في الصفحة الاولى من الكتاب ..نجحت في قراءة المقدمة رغم انها تتحدث عن اوضاع انكلترا في زمن بيكون ويتطرف فيها العقاد الى شكسبير وكريستوف مارلو، ويتحدث عن فاوست الانكليزي، دون ان يكشف لي سر هذا الفيلسوف الفرنسي ؟ .. بعد اكثر من عشرين صفحة وجدت نفسي في مواجهة شخص يصفه العقاد بانه لم يكن " من اصحاب الخلق الوثيق والبنيان الركين " .. في تلك الايام كنت معجبا بقدرة العقاد على الكتابة في كل الفنون، الادب، الفلسفة، الدين، علم النفس، واسأل نفسي كيف له القدرة على جمع كل هذه المعلومات وصياغتها في كتب كانت تنفذ ما ان تصل الى المكتبة ؟ .. وفي مثل سني آنذاك كان العقاد مرشدا عقليا لي، وبرغم ان بعض صفحات كتبه تبدو غامضة لصبي في عمري، إلا انه كان اشبه بضوء ساطع يكشف امامي طرقا جديدة للمعرفة .كنت قد قرأت ان العقاد كان يمتلك مكتبة صخمة جدا، بل يقال ان شقة العقاد كانت عبارة عن مكتبة، الكتب في كل مكان، في حجرة الاستقبال، وفي المطبخ، وعلى السرير وفي الممرات، كانت مكتبته تبهر كل من يراها حيث تتزاحم الكتب على رفوفها، وبسبب كثرة الكتب سيضطر العقاد الى استئجار الشقة المقابلة لشقته ليملأها هي الاخرى بالكتب . وتمنيت ان تكون لي مكتبة مثل مكتبة العقاد، الكتب فيها تتكدس على الارفف، وتتراكم قرب السرير، وتكاد تختنق بها الجدران .. كتب تؤثث غرفتي وامتلك من خلالها كل شيء، الم يقل شوبنهاور: " اختلطت فكرة شراء الكتب بامتلاك محتواها " .

كانت الرحلة مع كتاب العقاد عن فرنسيس بيكون رحلة ممتعة وغنية، ملهمة، وباعثة على الحياة، وعندما انتهيت منها، قررت أن اجرب رحلة اخرى مع هذا المواطن الانكليزي، وهذه المرة مع كتاب بعنوان " فلسفة فرنسيس بيكون " تاليف حبيب الشاروني . بعد ان انتهيت منه شعرت بانني قد قمت بانجاز يستحق التقدير . فاذا كان كتاب العقاد اشبه بجولة في حياة وفلسفة بيكون، فقد كان كتاب حبيب الشاروني يشبه الذهاب في رحلة فكرية في عالم العقل والمعرفة .

منذ لحظة ولادته في الثاني والعشرين من كانون الأول عام 1561 حدد له والده السير نيكولاس بيكون حامل أختام الملكة اليزابيث الأولى مستقبله: العمل في السياسة، يكتب فرنسيس بيكون: "إن مولدي ونشأتي وثقافتي كانت كلها تشير الى الطريق الذي ينبغي أن أسلكه، السياسة، فكنت وكأنني رضعت السياسة في طفولتي" إلا أن هذا الشاب المغرم بحياة البلاط والمحب للمغامرات وحياة الترف كانت تنتزعه رغبة أخرى هي الاشتغال بالفلسفة..وكان في كثير من الأحيان يبدو متردداً أيهما يؤثر السياسة بكل منافعها أم الفلسفة بكل متاعبها: "كنت أعتقد إنني ولِدت للقيام بخدمة البشرية..ولذلك أخذت أسأل نفسي: كيف يمكنني أن أُفيد البشرية أكثر مما يمكن، فوجدت أن لدي استعدادا خاصاً بطبيعتي لتأمل الحقيقة" ..لكنه وبسبب الظروف التي مرّ بها بعد وفاة والده عام 1579 يقرر العمل في السياسة فيضطر الى ترك كليته للقبول بمنصب دبلوماسي في السفارة الانكليزية في باريس، ولم تجلب له السياسة سوى الخصوم والمتاعب والتي أدت واحدة منها الى اعدام أقرب اصدقائه " الايرل اسكس " الذي اتهم بالخيانة العظمى، وقد اختارت الملكة اليزابيث، فرنسيس بيكون بمنصب المدعي العام الذي قدم الادلة على خيانة صديقه، الأمر الذي جعل بيكون يشعر بتانيب الضمير والخزي فيكتب: "إن طموحي أشبه ما يكون بالشمس التي تنفذ من خلالها النجاسة والدنس، وبالرغم من ذلك تظل نقية كما كانت من قبل"..وبسبب مواقفه السياسية وعمله في القضاء حيث أكمل دراسة القانون في كمبريدج أصبح بيكون شخصية شهيرة وغنية وحصد المناصب الكبيرة، مدعي عام المملكة، النائب العام، وأخيراً جلس على كرسي رئيس القضاة. إلا أن الأمور لم تجرِ بما يشتهي، فالخصوم كانوا يتحينون الفرص للايقاع به، وفي احتفال أقامه بمناسبة بلوغه الستين عاماً وهو يشرب نخب"شرف رعايا الملك وأسعدهم حظاً"وصلت الى قصره كتيبة من الجنود ومعها أمر بإلقاء القبض عليه بتهمة تقاضيه الرشوة.. حيث أودع في سجن برج لندن ولم تنفع رسائل الشكوى التي قدمها للملك جيميس بالعفو عنه، حيث أصدر القضاة قراراً بأن يدفع غرامة قدرها أربعون ألف جنيه لتنتهي مرحلة سجنه، ويقرر أن يعتزل الناس ليعيش في الريف آخر سني حياته متفرغاً لمعشوقته الفلسفة التي سرقتها منه السياسة وألاعيبها..كان بيكون قد نشر عام 1605 أول مؤلفاته وهو كتاب"المقالات" متاثرا بكتاب الفيلسوف الفرنسي ميشال دو مونتاني. بعدها بعام نشر كتاب عن حكمة القدماء إلا أن عمله في السياسة لم يمنحه الفرصة لإكمال مشروعه الفلسفي فجاءت مرحلة العزلة ليكتب خلالها مؤلفاته الرئيسة كتاب"الاصلاح العظيم"الذي صدر الجزء الأول منه عام 1615، أما الجزء الثاني فقد ظهر بعنوان مختلف"الارغانون الجديد" .بعدها نشر أجزاء من مؤلفه التاريخ الطبيعي والتجريبي لتأسيس الفلسفة"وكتاب غاية الغابات"وأخيراً كتابه"أطلانطا الجديدة " وهو محاكاة ليوتيبيا توماس مور.3995 بيكون

في معظم مؤلفاته حاول بيكون أن يعيد تقويم الفلسفة اليونانية، حيث وجد إن العيب الاساس في طريقة تفكير فلاسفة اليونان والعصور الوسطى هو الاعتقاد بان العقل النظري وحده كفيل بالوصول الى العلم، وأصرّ على الوقوف بوجه الفكرة التي تحتقر التجربة، ويشبه مؤرخو الفلسفة الدور الذي لعبه فرنسيس بيكون في الفلسفة بالدور الفعال الذي قدمه مارتن لوثر في حركة الاصلاح الديني فمثلما كان لوثر ومعه أصحاب الدعوة الإصلاحية يؤمنون أن غاية الدين أن يكون الفرد إنساناً صالح النوايا، وهو ليس بحاجة إلى سلطة يأخذ بتفسيراتها للدين، فإن بيكون كان يرى أن تحقيق غاية العلم هو أن يبدً الإنسان وكانه طفل بريء ن وأن يتحرر من كل سلطة مفروضة على ذهنه، وأن يستخدم عقله ويضع لنفسه منهجاً صحيحاً، وبذلك يصل الى الحقيقة دون معونة من آراء القدماء. وكما نادى لوثر بأن لاجدوى منها في الوصول الى الخلاص، فكذلك حاول بيكون أن يثبت في فلسفته التنويرية، أن حكمة القدماء وفلسفتهم اللفظية لا جدوى منها في الوصول الى الحقيقة وإنما هي عقبات تجعلنا نكتفي بمواجهة الالفاظ بدلاً من أن نواجه الطبيعة والأشياء بشكل مباشر.فمزيداً من نور المعرفة يهدينا إلى عقيدة فلسفية.. ولهذا يعلن بيكون من مكان عزلته: "فلتعقل حتى يمكنك أن تعتقد"ونجده يستهدف في فلسفته تضييق مجال الظن ليتسع مجال اليقين: "إن المعرفة وحدها هي التي تطهّر العقل من كل الشوائب"، ويكرس سنواته الأخيرة لفكرة واحدة وهي إن المعرفة ينبغي أن تثمر، وإن العلم ينبغي أن يكون قابلاً للتطبيق في كل مجالات الحياة، وإن على الإنسان أن يضع أمامه هدفاً واحداً وهو أن يجعل من تغيير ظروف الحياة وتحسينها وتغييرها واجباً مقدساً..ولهذا نجد صرخته العظيمة من أن العلم الذي يذهب ويختفي دون أن تتغير معه حياة الناس ليس علماً، والعلم الذي هو مجرد تكديس أفكار ونظريات مجردة دون أن ينعكس تاثيرها على أحوال الإنسان ليس علماً.. فقد وجد إن العلم الذي يدرس في الجامعات ليس علماً، ولا بد من ثورة شاملة تحدد وظيفة هذا العلم وعلاقته بما حوله.ووجد بيكون إن الطريق الى العلم الصحيح يكمن في التجربة العلمية ولهذا أخذ بنفسه يقوم ببعض التجارب كالتبريد الصناعي وتلقيح النباتات لإنتاج أنواع مختلفة جديدة، ورسم خرائط لاختراع سفن تسير تحت الماء، وأخرى لمركبة تطير في الهواء.

وقد كانت خاتمة حياته مرتبطة بشغفه بالتجارب العلمية، ففي أحد أيام شهر آذار من عام 1626 وبينما كان مسافراً في الريف الانكليزي أخذ يفكر في طريقة جديدة يمكن بها حفظ اللحوم من التعفن، فنزل من عربته واشترى دجاجة ذبحها ثم ملأها بحشوة من الثلج، وما إن فرغ من التجربة حتى أصيب بنزلة برد حادة تطوّرت الى التهاب بالرئتين لم يمهله طويلاً..وكانت وصيته أن يدفن في نوع من الكتمان: "إنني مودع روحي بين يدي الله، أما اسمي فإنني باعث به الى سائر الأمم والعصور"ويقول فولتير إن بيكون كان بإمكانه أن يكتب على شاهدة قبره"لتكن أفكاري حجر الزاوية في بناء عالم جديد مليء بالنور" .

صدر كتاب " الارغانون الجديد " عام ١٦٢٠، وهو الجزء الثاني من كتابه " الإحياء العظيم"، وكان قد كتب من قبل كتاب " النهوض بالعلم" فجعله الجزء الاول من كتابه . كان بيكون ينوي ان يتألف كتاب " الاحياء العظيم من ستة اجزاء، لكن ظروفه لم تتح له سوى نشر الجزء المعنون " الارغانون الجديد " .وهو يكتب في مقدمته للكتاب: " السبب وراء قيامنا بنشر كتابنا على عدة اجزاء يعود الى أن بعضه يمكن ان يوضع خارج دائرة الخطر، ونفس السبب يجعلنا نلحق قسما صغيرا من هذا العمل في هذه المرحلة ..هذا هو مخطط لتاريخ طبيعي وتجريبي مناسب للتاسيس لأرضية فلسفة من نوع جديد " – الاورغانون الجديد ترجمة منذر محمود وهناك ترجمة قام بها عادل مصطفى - . والكتاب يعد تمردا على منهج ارسطو . فكتب ارسطو في المنطق جمعها تلامذته واطلقوا عليها " الأورغانون " والتي تعني " الآلة"، وسميت بهذا الاسم لأن المنطق عند أرسطو هو " آلة العلم" او وسيلة الفيلسوف للوصول إلى الصواب . وقد اراد بيكون بتسمية " الاورغانون الجديد " معارضة منطق ارسطو ولم يفعل ذلك لصالح الافلاطونية او النزعة الصوفية المسيحية، وانما من اجل التقدم العلمي الذي يسعى لخدمة الانسان .إن قيمة المعرفة وتبريرها، كما يرى بيكون، تكمن في تطبيقها العملي وفائدتها، فوظيفتها الحقيفية ان توسع سيادة الجنس البشري وسيطرة الانسان على الطبيعة، فنجده في الكتاب يلفت الانتباه الى الاثار العملية لاختراع الطباعة والبارود التي غيرت مظهر الاشياء . وكان بيكون يرى ان العلم الذي يذهب ويختفي دون أن تتغير معه حياة الإنسان في شيء ليس علما، فهو مجرد تكديس للأفكار والآراء دون أن ينعكس تأثيره على أحوال الناس، فالعلم كما يوضحه في " الاورغانون الجديد "، هو ذلك يؤدي إلى تغيير حقيقي في حياة البشرية . وقد اتجهت دعوة بيكون إلى القيام بأنواع جديدة من الدراسات العلمية التي ترتبط بحياة الإنسان ارتباطا وثيقا، بحيث يكون هذا العلم أساسا متينا تُبْنى عليه الفلسفة الجديدة، بدلا من ذلك الأساس الارسطي الواهي الذي يصفه بانه مجرد تجريدات لفظية .

كان هدف فرنسيس ييكون الذي يطرحه في " الاورغانون الجديد " هو ان يكون العلم، القوة التي يملكها الإنسان في مواجهة ظروفه، ولكي يصل الانسان إلى رأي صحيح في طبيعة الأشياء عليه ان يتحرر اولا من كل الاحكام المسبقة، التي تقف عائقا دون تقدمه. ان المعرفة هي بالحقيقة صورة عن الطبيعة دون تصورات تحمل على الخطأ، الاحكام المسبقة هي ما يسميه بيكون بالأوهام. وربما كان أشهر أجزاء كتاب " الأورغانون الجديد وهو لجزء الذي يتحدث فيه بيكون عن الأوهام الأربعة التي تحيط بحياة الانسان وهي:

1- أوهام القبيلة: وهي ناشئة عن طبيعة الجنس البشري، ذلك أن العقل ومعنى الطبيعة عندنا لايمكن أن ينشا إلا تبعا لمقاييسنا الانسانية، والعقل بمثابة مرآة غير مستوية إذ هو يجنح إلى مزج ذاته بالاشياء وهو بذلك يقوم بمسخ الاشياء.

2- اوهام الكهف: وهي اوهام قائمة في الفرد وهي تنشأ عن استعداداته، عن تربيته، عن عاداته وميوله.

3- اوهام السوق: وفيها يعتقد بيكون ان اللغة تقود أيضا إلى الخطأ من خلال تقديم دلالات خاطئة، عدا ان العبارات تقدم نفسها على الاشياء.من هنا تنشأ الخلافات حول الكلمات والاسماء والالفاظ.

4- اوهام المسرح: وهي اوهام متوارثة مع تعاليم المدارس الفلسفية. وقوامها استخدام اساليب برهانية معكوسة واختراع النظريات المبسطة. وهو يرى ان معظم الاراء الفلسفية السابقة، اشبه بمسرحيات غرضها التلاعب بعقولنا التي كثيرا ما تتقبل تلك الاراء دون مناقشة او نقد .

وبعد ان ينتهي بيكون من عرض الاوهام الاربعة، يؤكد على ضرورة التخلص منها جميعا حتى يكون دخولنا مملكة الانسانية بلا أفكار أو اوهام مسبقة ..لكن ما هو الطريق لدخول مملكة العقل والعلم .. يؤكد بيكون ان بداية الطريق هي الشك الذي هو طريق التجربة والخطأ.فالشك يدفعنا الى التجربة التي على ضوئها يتضح الطريق .

حظيت افكار فرنسيس بيكون باهتمام الفلاسفة، وكتب عنه الفيلسوف الالماني ليبنتز: "إنه حتى عبقرية عظيمة مثل ديكارت لتخر زاحفة على الأرض إذا قورنت ببيكون من حيث اتساع النطاق الفلسفي والرؤية الرفيعة "، وقد اعتبره فلاسفة التنوير مؤسسا للعهد الفلسفي الحديث واهدوا اليه موسوعتهم الفلسفية وقال ديدرو: " إننا إذا انتهينا من وضعها بنجاح نكون مدينين بالكثير لبيكون الذي وضع خطة معجم عالمي عن العلوم والفنون في وقتٍ خلا من الفنون والعلوم " .فيما اهدى ايمانويل كانط كتابه " نقد العقل المحض ": إلى بيكون معتبرا اياه المؤسس الاول للحداثة .

يكتب فريدريك كوبلستون في موسوعته الفلسفية: " ان مؤلف الاورغانون الجديد يحتل مكانة من اكثر الأماكن أهمية في تاريخ فلسفة العلم " .

***

علي حسين - كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

الحديث عن نتاجات المفكر الإسلامي الدكتور علي المؤمن، في مجال إعادة كتابة تاريخ العراق السياسي المعاصر، هو تخليد لمنجز شعبي ونخبوي عراقي، أشعر أنني جزء صغير منه، بل أشعر أنه جزء من كياني ووجودي، ورؤاي الفكرية وخياراتي الثقافية، وإذ أكتب هنا، أشعر وكأن فرصة ذهبية أتيحت لي للمساهمة في هامش عمل كبير، انفرد به الكاتب الفذ، في توريخ حقبة مظلمة، قلّما مرّ بها شعب من الشعوب على طول التاريخ، آملاً أن تكون سطوري هذه، دعوة لكل عراقي، أو متعاطف مع شعب العراق، أن يساهم حسياً أو أدبياً أو ثقافياً، في تخليد سفري الدكتور المؤمن: "سنوات الجمر" و"عروس الفرات".

كما هي دعوة لكل الفعاليات الثقافية والأدبية والفنية، العراقية، وغير العراقية، للمساهمة في تخليد الأحداث التي حاول السيد المؤمن استقصاءها وتدوينها، أو إبرازها، فهي اليوم أضحت ركناً مهماً من أركان تاريخ الإنسانية العام، وشاهد ماثل، على صراع الخير والشر، والعلم والجهل، والحق والباطل .

إنّ الرسالة التي يحملها الأخ السيد المؤمن في قلبه وروحه وعقله، هي رسالة المبادئ والقيم الإلهية، فكانت أعماله البديعة، هذه، مرآة تحكي صورة هذه القيم والمبادئ، في شريط الأحداث، عبر الشخوص الإنسانية، فالكاتب ينشد تشييد حضارة إلهية إنسانية، جعل مركزها، المنجز الإنساني نفسه. حيث أن الحضارة، هي ما يبنيه الإنسان على أرض الواقع، وما يصنعه من أحداث. وتتنوع الحضارات بتنوع القيم الراسخة في دواخل الإنسان، كمحرك لعقله وقلبه وجوارحه. ومن هنا كان اهتمام الكاتب علي المؤمن في التركيز على الإنسان، في مشاعره وأحاسيسه، ومنجزه الفكري والاجتماعي .

وهنا؛ ينبغي، ولزاماً، على كل دارس لمؤلفات الدكتور علي المؤمن، أن يضع نفسه في موضع الباحث والمستكشف، في تفاصيل كل أعماله، وبين ثنايا سطوره التي خطها قلمه؛ ليكتشف العوالم التي ينطلق منها، والعوالم التي يصبو إليها، والأهم، العوالم التي رآها جديرةً بالتسجيل والتوثيق، والتكبير، والتركيز، فهذا ضروري لكي يضع الباحث المستكشف، يده، على الصورة التقريبية للغد الذي يطمح إليه الدكتور المؤمن، والأنموذج الذي يشيده .

لقد اخترت، في معرض الحديث عن أعمال الدكتور المؤمن، عملين من أعماله، هما "سنوات الجمر" و"عروس الفرات"؛ لشعوري العميق بأنني أنتمي إليهما ولأجوائهما مباشرة، شأني في ذلك، شأن ملايين العراقيين، فهناك تلازم شديد، بين هذين الكتابين. فعندما كنت أجيل عيني بين سطور "سنوات الجمر"، وأتلمس الأحداث الدقيقة التي يوثقها، يخامرني شعور، بأن ثمة أنين دفين يكاد يند بينها، وعبرات وآهات تكاد تنسكب على صفحات الأوراق.. ثمة صرير سلاسل حديد، وعبرات ساخنة، ودم عبيط، يريد أن يظهر نفسه للقارئ، لكي يحس بما يقرأ .

وعندما صدرت روايته "عروس الفرات"، كنت أسلب نفسي، أحياناً كثيرة، من السياق الأدبي للرواية، لأتمثل لوعتها في شريط أحداث "سنوات الجمر"!، حتى ليخامرني شعور آخر، بأن "عروس الفرات" لاتفهم، إلا في إطار نص توثيقي، أو تحليلي، لكي يتفهم  القارئ كل سطر وكل حوار وكل زمن وكل موقف دار فيها .

وأزعم هنا، أنني أكتب للمستقبل، للأجيال التي تعيش الآن، والتي ستعيش غداً، ممن لم يعايش أحداث "سنوات الجمر" و"عروس الفرات"، ليكون هذان المنجزان، عبرة للمستقبل القريب!! كما هما للبعيد، فلا يمكن، لهذا الجيل، أن يقتنع، بأن قادة تنظيم (داعش)، الذين يبقرون بطون الحوامل، ويفجرون الجثث على المثكولين بها، وينسفون المساجد والكنائس ورياض الأطفال؛ هم أنفسهم ضباط التعذيب البعثيين الذين كانوا يغتصبون الفتيات البواكر أمام آبائهن وإخوانهن، ويذبحون صبياً في جادة تراثية وادعة، أمام أمه وجيرانه، ويرسلون عجائز هلكى، إلى طرق جبلية وعرة، بليل شتاء قارس، عشرات الكيلومترات، حفاة عراة، وسط حقول ألغام حربية، لمجرد اختلاف العرق والمذهب .إذن؛ الحاجة ماسة، لوجود شاخص أدبي حسي، يحكي للأجيال القادمة، والرأي العام العالمي، ما كان يجري في العراق منذ ١٩٢٠ إلى ٢٠٠٣ .

وهنا تكمن القيمة الأدبية لـــ"عروس الفرات"، فهي بأسلوبها الأخاذ، تحفر، في المتلقّي، جرحاً غائراً، في الضمير الشعبي، يصبح، مع الزمن، جزءاً من المخيلة الشعبية، وهذا ذروة الانجاز الأدبي ـــ بحسب "نعوم تشومسكي"ـــ، لتستعاد مع كل حدث مستقبلي، وطني، ديني، طائفي، أو حتى مناطقي .

وأيضا، هنا تكمن قيمة التسجيل التوثيقي لـــ"سنوات الجمر"، على أنها شاهد على العصر، ولاسبيل لتزويره أو تأويله، فقد قطع المؤلف الحصيف الطريق على التزوير والتأويل، الذي قد يطال أحداث هذه الحقبة، عبر (الأروقة السياسية) و(التشريعية والتنفيذية !)، أو الأروقة التاريخية والاجتماعية .

الاستاذ علي المؤمن أرخ ووثّق، لفترة، عمل المجتمع الدولي والإقليمي،كثيراً لمحو أحداثها، والتعتيم عليها، وهنا تبرز قيمة الجهد المعرفي والنفسي والجسدي، الذي بذله المؤلف، في ترميم لوحة الأحداث الممزقة، ناهيك عن العامل الأمني والسرية الحزبية التي تكتنف الكثير، مما وثقه، مما يتطلب جهوداً شاقة وحسابات كثيرة، قبل تدوين أية واقعة، لاسيما وأن الكتاب ألّف في زمن بلغت سطوة النظام الصدامي المجرم، أوجها، والتأييد الدولي والإقليمي، مداه الأبعد .

يحق لي هنا، أن أصف رواية "عروس الفرات"بأنها (جورنيكا الدعوة الإسلامية) أو (جورنيكا الشيعة) أو (جورنيكا العراق)، فالعالم قد خلّد واقعة قرية "الجورنيكا" الإسبانية، بلوحة رسمتها ريشة "بابلو بيكاسو" أشهر فنان عالمي، ويالكثرة أوجه الشبه بين مأساة العراق، ومأساة قرية "الجورنيكا"، فبيكاسو رسم لوحته الأشهر تخليداً لضحايا القصف النازي (قوة دولة)، أبان الحرب الأهلية الإسبانية، بعدما مالت موازين القوى لصالح فئة عدوة للنازي، لتهجم عليها طائراته بقسوة منقطعة النظير، لتترك المدينة حطاماً، من أشلاء النساء والأطفال والأبنية. والحالة في العراق أقسى بكثير من "الجورنيكا"، فالتمييز الطائفي والعرقي، كان يبتلع العراق من أقصاه إلى أقصاه، ولو أن الأمور سارت على وتيرة التغالب السياسي، أو التخندق الحزبي، تمهيداً لإعادة التوازن لقوى الدولة، سلمياً؛ لهان الأمر. ولكن قوى (الدولة) السياسية والاقتصادية والعسكرية والإدارية، أفرغت كل مافيها من قهر وغلبة وبطش، وبقسوة بالغة، فوق رؤوس المغاير الطائفي والقومي، بغية إيقاف كل نشاط سياسي أو ثقافي، أو حتى اجتماعي، لكسر المعادلة الطائفية.

وفي تقديري المتواضع، إن ثنائية "سنوات الجمر" + "عروس الفرات"، هو أبرز عمل علمي وأدبي، أنتجه العراق، لفهم ما يجري في تلك الحقبة الطويلة، وهذا هو الذي حداني، لإقتراح أن تطبع رواية "عروس الفرات" على حواف "سنوات الجمر"، كما كان سارياً من قبل في طباعة كتابين أو ثلاثة، في متن واحد، يكون شرحاً، أو مشروحاً، أو نقضاً، أو إبراماً .

ولو أردنا استعارة التعابير السينمائية، فإن "عروس الفرات" هي الموسيقى التصويرية للفلم التسجيلي "سنوات الجمر"، وإذا نظرنا إلى "سنوات الجمر" على أنه نص تاريخي بارد؛ فإن "عروس الفرات" تأويله، لابعد أغواره، بل هي روحه وعمقه، وهي لحمته وسداه، هي عصفه وبرقه ورعده .

قد يكون كتاب "سنوات الجمر" أهراماً فنياً شاهقاً، يبهر السياح، لكن "عروس الفرات" هي حبّات عرق ودماء، تشخب على أكتاف المسخرين لبنائها. وبالتالي؛ فإن الواقع العراقي (المثالي) في الحقبة التي يؤرخها "سنوات الجمر"، تندمج فيه وقائع الكتابين، بل أن أحدهما يحرك الآخر، ويستولده .

نعم؛ هناك آلاف القصص الطويلة والقصيرة، التي يرويها شخوصها أو شهودها، قد حدثت في أمكنة أحداث "عروس الفرات" نفسها، ولكن؛ أن يرويها مؤرخ متمرس، ومفكر اجتماعي، وناقد بصير؛ فإن ذلك يضفي عليها، مصداقية أكبر، وشمولاً أوسع، وفاعلية أقوى، ليحولها من تفصيل يومي مكرور، إلى فاعل اجتماعي ونفسي ثابت .

وحسناً فعل الأُستاذ المؤمن، عندما أنتحى نحو (الأسطورة الملحمية ) كقالب أدبي يفرغ فيه حمولة ذاكرته وعذاباته وآلامه ومعاناته (والناس معه)، ليس لقلة الوقائع الفعلية، بل العكس، لكثرتها وتشابهها، حتى أصبحت لازماً حياتياً يومياً، فحوّلها، من مادة أولية وثائقية، تعني أفراداً معيّنين، إلى إطار رمزي يعبر عن كل القصص المتشابهة، فلك أن تقول أن شخوص "عروس الفرات"، رمزية، ولك أن تقول أنها واقعية، وما بين رمزيتها المفرطة في التعالي عن الواقع، وواقعيتها الشديدة التي تكاد تجاري دقات عقارب الساعة؛ يفتح الكاتب الأبواب أمامك مشرعة، بأقصى ما تنفتح، إلى كل ألوان التعبير الإنساني الفني، السينمائي والمسرحي والغنائي والأبي، فضلاً عن الرسم والتجريد والنحت والغرافيك، وليفتح أمام كل لون من ألوان التعبير هذه، العديد من الخيارات التقنية، المدمجة والمفككة .

فعندما يقشعر بدنك للصمود الأسطوري للمرأة العراقية في محنتها؛ فذلك يحيلك إلى تأثير أدب (بنت الهدى) الذي خطف قلبها، وعندما يتملكك العجب من الشجاعة الفائقة التي إمتاز بها أبناء الحركة الإسلامية؛ فذلك يحيلك إلى أثر (الحرارة الدينية) التي سعّرها السيد الشهيد محمد باقر الصدر في مريديه، وفلسفها في كتبه، والتي سرت في مفاصل الأمة، من (غار حراء) إلى أقبية (الشعبة الخامسة)، ومن (معركة بدر)، إلى (خان النص)، حتى ليتراءى أمام مستكشف الوقائع التاريخية أن "عروس الفرات" مدمجة مع "سنوات الجمر"، وهو حال جميع آثار وأفكار الدكتور علي المؤمن؛ فأحدها يفسر الآخر ويشرحه ويعلله، لأنه ظل منذ أربعة عقود يشتغل على مساحة موضوعية واحدة، ويسير في مضمار فكري وبحثي واحد، يربط عبره الماضي بالحاضر بالمستقبل، ويستخدم أغلب فنون الكتابة ومناهج البحث والمداخل العلمية، لتحقيق هدف واحد.

وللقاري الحق في أن يقرأ "عروس الفرات" كنص أدبي ملحمي، رمزي أو واقعي، لكن لي أيضاً أن أفترع حقاً جديداً، هو قراءتها بالتزامن مع "سنوات الجمر"، ولاغرابة في ذلك؛ فإن كثيرا من الوقائع التي تقرأها في "سنوات الجمر"، لن تفهم حقيقتها التاريخية، إلا وأنت تتصور شخوصها، أنهم الذين تجري عليهم أحداث "عروس الفرات". ولن تعيش عوالم "عروس الفرات"، إلا وأنت مطل عليها من نافذة أبطال أحداث "سنوات الجمر"، بل لايمكنك أن تعيش (سنوات العروس) إلا وأنت تكتوي بلظى (جمر الفرات) .

ولن تشم رائحة شواء لحوم المعتقلين بأعقاب سجائر السجانين، إلّا حين تُدخل نفسك في صندوق حياةٍ، إمتدت منذ إعدام الشهيد محمد باقر الصدر، إلى "مخيم جهرم" للمهجرين العراقيين، ولن تدرك سر الروح التي كانت تضغط على الزناد في "معسكر الشهيد الصدر" للمجاهدين العراقيين، إلّا حين تدخل في  تلافيف الحوار الداخلي لــ "السيد عبد الرزاق الموسوي" وهو يرى ابنته "شيماء" عارية تغتصب أمامه .

كنت أقول سابقاً، عندما نترادف مع بعضنا في معلومات ووثائق كتاب "سنوات الجمر"، حين صدوره، إننا نعيش حرباً أهلية مكتملة الأركان .فـــ"سنوات الجمر" لايؤرخ لحياة حزبية، ولا لعملية سياسية، بل يؤرخ لحرب أهلية، قاعدتها العريضة التمييز الطائفي، في ظل نظام علماني طائفي إقصائي، يقهر المكون الإنساني الأكبر والأعزل، بأدوات الدولة الطائفية، العسكرية والأمنية والاعلامية والثقافية .

لاشك أن ما كتبه علي المؤمن في تاريخ الحركة الإسلامية والأدب الملحمي والدراسات الاجتماعية والأعمال الفكرية، هو مادة ثرة لكل سياسي، ففي ضوئها يستطيع فهم الواقع السياسي العراقي أو بنيته التحتية على الأقل، وفي ضوئها يستطيع استشراف المستقبل، ويستطيع في ضوئها ضبط فعله السياسي، فالأستاذ المؤمن كاتب متعدد المزايا، فهو لا يكتب، كمراقب تسجيلي، بل كتب، ويكتب، كفاعل سياسي واجتماعي وثقافي .

وبالرغم من أن بعض المراقبين والمتخصصين يرى في (التحيز) الايديولوجي للدكتور المؤمن، مثلبة في المؤرخ والمفكر، إلا أن (التحيز) المزعوم عند السيد المؤمن، عنصر ثقة مراكم، يضيف مصداقية أكبر، للدقة في تحري المعلومة، والحرص على وثاقة مصدرها. بمعنى أن انتماءه الفكري وإيمانه بعدالة قضيته، يضفي، علمية أدق على مايدونه.

***

محمد الموسوي - باحث عراقي

 

نجيب طلالالمشهَد الخاص: مبدئيا لم أفاجأ بالإصدار الأخير “خمسة أيام في فلسطين المحتلة” (1) للشاعر المكافح والجسور - محمد بلمو - لماذا؟

فيوم تعرفت عليه كطالب بجامعة فاس، وفي إطار تنظيم تقدمي (؟) وقتئذ؛ وهاجس القضية الفلسطينية وطروحاتها، وأطروحاتها وتطوراتها، تنمو في دواخله وتسكن حدسه وروحه وجسده وجوارحه؛ كبقية الرفاق، ولكنه كان ظاهرة استثنائية؛ هو والطالب (الصادقي وباديش)(2) لسبب بسيط أن ينم عن مدى حبه وتعلقه بفلسطين؛ وذلك ارتباطا بالمجال والفضاء الذي عاش فيه وتربى فيه منطقة بني عمار- الفيحاء بشجر الزيتون؛ وهذا الأخير له دلالة عميقة بفلسطين وتاريخها . والمسألة التي ضاعفت وساهمت في تأثيره وتأثره؛ بُعَيْد التحاقه بعوالم الإعلام والصحافة وحياة العاصمة التي كانت تعيش بين الفينة والأخرى على إيقاع المسيرات الحاشدة إنزال الفصائل السياسية؛ دفاعا عن القضية الفلسطينية وشجب الاحتلال الصهيوني ناهينا عن أنشطة وإنزال الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني؛ واللقاءات الحماسية التي كانت تتم في المركز الثقافي السوفياتي (وقتئذ) كل هذا كان مؤثرا في تركيبة الصديق الفاضل – بلمو- وفي غيره ... وبالتالي فطبيعي أننا نجد هذه العوامل قد تضافرت معاً، لتطيل وتشدّد من وطأة استحواذ الوعي لديه بالقضية الفلسطينية كقضية إنسانية؛ تاريخية؛ وجودية؛ عروبية؛ قومية. وبالتالي فزيارته للأراضي الفلسطينية؛ وإن كانت  ذات طابع جماعي ومهني؛ على إثر إتمام وافتتاح مطار غزة الدولي وبتنسيق بين السلطة الفلسطينية ومكتب مطارات المغرب سنة[1999]

استغلها لسرد ما رأته العين وما أحس به؛ كشاهد موقع/ مكان؛ ناقلا إلينا صورا ومشاهد لكي نتماهى مع الوضع الشاذ والاستثنائي الذي يعيشوه إخواننا الفلسطينيين، فهاته اليوميات التي جاءت على أنقاض زيارته؛ والتي تعد فرصة . ولكنها تأكيد بأن  القضية الفلسطينية تجري مجرى الدم في عروق وكيان الشاعر/ الإعلامي – محمد بلمو- وهي الدافع لتدوين مشاهداته؛ التي لاتندرج ضمن زاوية نظر؛ ولكنها نتيجة فعل النظر والملامسة والمعايشة عن قرب. وإن كان ذلك الفعل – مراقب- بشكل دقيق وأمني:... وفق إجراءات تتحكم فيها أطراف تيسيرية وأخرى تعسيرية، تتمثل في الطرف الفلسطيني الذي بذل وسعه في تذليل العقبات والصعوبات التي يختلقها المحتل لإزعاج الوفد الصحافي المغربي، وفي الطرف الإسرائيلي بعديد مكوناته الذي لم يذخر جهدا ولا طريقة تضييقية لعرقلة المسار.. تضييقات ومضايقات هي حصيلة ما يجترحه الاحتلال الصهيوني من أساليب قمعية وقهرية للشعب الفلسطيني (3) هاته حقيقة يعاني منها أي وافد عربي للأراضي المحتلة؛ ناهينا عن تكريس البطش والهيمنة والاستبداد ضد الأهالي، لكن من باب المزايدات التي أصابت الجسد الثقافي المغربي؛ ربما أحدهم يؤكد بأن الوضع الذي أشار إليه الكاتب  في الكتاب يعود لعقدين من الزمن؛ أي أن الأوضاع اختلفت وستختلف لما هوأحسن؟ ربما ! ولكن هنالك تقرير لهاته السنة لاتعرفه إلا القلة يقول: وكان من شأن الهجمات الإرهابية وعمليات القتل والتوترات التي تصاعدت في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة أثناء زيارة البعثة وخلال كتابة هذا التقرير، أن ألقت بظلال قاتمة على المشهد العام. ومن كلا الجانبين، قُتل ُجرح مدنيون - عمالا وأصحاب عمل ونساء ورجالا - حيث علقوا في دوامة الصراع الذي تغلغل في جميع جوانب حياتهم (4) طبعا ممن ستتيح له فرصة قراءة المنجز سيطرح أسئلة وتساؤلات منها المشروعة ومنها المزايدات الجوفاء:

تساؤلات طارئة:

- هل خمسة أيام كافية لتدوين ما يعانيه الشعب الفلسطيني؟  - ما جدوى من هذا الإصدار؟  - لماذا لم ينشر فيما قبل أو ما بعد زيارة 1999 بسنوات؟ -  فصدوره الآن هل له علاقة بالتطبيع أو اللاتطبيع؟ - من أي زاوية سيساهم هذا المنجز في القضية الفلسطينية؟ هل بادرته ومبادرته ستكون نموذجا للمثقفين، في تدوين مارأه في أسفارهم  لمدن ودول خارج الدولة – الأم -  إسوة بالسلف الذي كان يدون رحلاته؟

المشهد العام:

هنا فصاحب الكتاب ليس من حقه أن يجيب عن مثل هاته الأسئلة لأنه قدم ما يمكن أن يقدمه، مسجلا بذلك مشاهداته المؤلمة، وتقييدا ته التي تتنفس وجعا وتعاني مغصا عارما.، كل هذا طبقا لما شاهده هناك، وما كان مسموحا له ولرفقائه الصحفيين التحرك فيه بحيث: هذه بعض ملامح المجال الذي كان على الصحفيين التحرك والقيام بمهامهم. مجال ملغوم، ومتوتر، قابل للانفجار في كل لحظة، باعتبار ما تمارسه  إسرائيل من سلطات تعسفية في حق الفلسطينيين والهوية الفلسطينية. مجال موجوع، متألم، مقهور، مقموع، مراقب، مضطهد.. في مختلف حالاته وأوضاعه، اجتماعيا، اقتصاديا، سياسيا (5) في أجواء هذا المجال تحرك - محمد بلمو- ورفقاؤه، وعبر احتكاكاته بالأمكنة (بخطوطها الأفقية والعمودية)، وأهل فلسطين..بحيث توقف عند الأمكنة متحسرا، تلك التي تم طمس معالمها الأصلية؛ إثر تدخلات تدليسيه إسرائيلية . وهذا هو الواقع والإيقاع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني؛ وارتباطا بالمعالم والعمل؛ نعود للتقرير الذي يشير: وكان من شأن الهجمات الإرهابية وعمليات القتل والتوترات التي تصاعدت في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة أثناء زيارة البعثة وخلال كتابة هذا التقرير، أن ألقت بظلال قاتمة على المشهد العام. ومن كلا الجانبين، قُتل ُجرح مدنيون - عمالا وأصحاب عمل ونساء ورجالا - حيث علقوا في دوامة الصراع الذي تغلغل في جميع جوانب حياتهم (6) وهذا الأمر يمكن مشاهدة في يوم واحد؛ فبالأحرى في خمسة أيام؛ وإن كانت غير كافية لتدوين خبايا وأسرار ما يقع في الأراضي. مثلما تحدث عن الألم: وعن الإحساس بالاحتلال الذي وجده “واقعا ملموسا” في معبر رفح، حيث عاين معاناة الفلسطينيين لساعات طوال من أجل السماح لهم بالمرور (7) وفي خمسة أيام؛ قدم لنا ما كنا لا نعلمه؛ وخاصة مسألة [المطار] في محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي على المطار الذي يشكل عنوانا بارزا لدولة فلسطين المأمولة، لكن الاحتلال لا يريد لمطار[غزة] الدولي أن يشتغل، فهو مظهر من مظاهر السيادة الفلسطينية؛ لذلك تواجِه نشاطه بالعراقيل وتستقبل زبناءه في معبر رفح بامتعاض يجعلهم يقررون عدم العودة إليه مرة أخرى(8) وبحدسه الصحفي ورؤيته الشعرية لما وراء الصور؛ يسرد علينا عن يهوديين مغربيين وجدهما صدفة بالأرض المحتلة، رافقه أولهما في الطائرة، قبل أن يجده مستنطَقا في خروج ودخول مع موظفين متعددين، لأنه “اختار المجيء عبر مطار غزة وليس عبر مطار [بن غوريون] لذلك لم يغفر له إخوته في الدين هذه الزلة، حتى وإن كانت غير مقصودة. أما ثانيهما فوجده ب”معبر إيريز” الذي يسميه أصحاب الأرض “معبر [بيت حانون]: ما إن وقفنا قبالة الجنود الثلاثة حتى بادر أحدهم بتحيتنا بلهجة مغربية خالصة قائلا: تبارك الله عليكم ! كان ذلك مفاجئا لنا، لكننا فهمنا بسرعة أنه يهودي مغربي، فأجبناه في نفس الوقت: الله يبارك فيك، ثم سأله تافنوت: الأخ مغربي؟ من أي منطقة؟ نظر إلينا ثم إلى الجندي الأشقر الذي كان يتابع الموقف، دون أن يعرف فحوى الحديث الذي انطلق بدون مقدمات.. صمت قليلا كمن أحس بأنه تسرع في حديثه معنا، ثم قال بلهجة تنم عن رغبته في التخلص من هذه الورطة ورفع الحرج عنه أمام زميله الذي كان يتابع المشهد بارتياب: أنا مغربي.. من الشلوح”. من الأطلس المتوسط؟ سألتُه، لكنه لم يرد، كما لو أنه لم يسمع السؤال، والحقيقة أنه كبت تلقائيته الأولى كمن أدرك أن موقعه الجديد كإسرائيلي وجندي في جيش العدو لا يسمحان له بالتمادي في الحديث مع إخوانه المغاربة، أو مع أشباح ماضيه على الأصح (9) وبالتالي فالصورة واضحة؛ لكن المبهم؛ أن اليهودي الخارج عن المنظومة الصهيونية المتحكمة في الأراضي الفلسطينية؛ بدوره تمارس عليه الإكراهات والعنصرية والجملة هاهنا كاشفة لذلك؛ ولكنها لن تستطع الوصول  إلى (لماذا؟): لذلك لم يغفر له إخوته في الدين هذه الزلة، حتى وإن كانت غير مقصودة. لكن الذي توصل إليه وبعد مروره من [بيت حانون] تلك العنصرية الصارخة بين عيش المستوطنات الباذخ، والقرى الفلسطينية المعزولة المهملة، التي لا يتوفر بعضها حتى على طريق صغير مُعَبد يصلها بالعالم: كأننا انتقلنا من دولة فقيرة إلى دولة غنية” حيث “لا شيء هنا يشبه ما تركناه في قطاع غزة، الحافلة من النوع الممتاز، أفضل بكثير من الحافلة الغزاوية. الطريق سيار واسع من الطراز الأمريكي، وعلى الجانبين حقول خضراء شاسعة (10) هنا نستشف بأن شاعرنا اقتحم الحدود الفلسطينية بكل تلقائية؛ وذلك من زاوية الحضور العيني والعياني للمدن الفلسطينية ك[عسقلان] التي “يسميها المحتلون (اشكلون) و[بيت حنون] و[غزة] و[القدس] و[بيت لحم] و[يافا]: التي تعتبر من أقدم مدن العالم، فقد عالج الاحتلال موضوعها بطريقة خطيرة جدا؛ إذ أحاطها بمدينتين استيطانيتين، هما (تل أبيب) من الشمال و(باتيام) من الجنوب (..) تتوسعان في اتجاه يافا، وتضغطان عليها (..) والنتيجة أن الكثير من سكانها اضطروا إلى النزوح سنة 1948(11) فهاته حقائق من الضرورة التعريف بها ومحاولة مناقشتها؛ لأن ما يقدمه الإعلام "السمعبصري" في كثير من الأحيان يكون مضللا؛ لاعتبارات دبلوماسية وتوجيهات دولية: لم أتخيل وأنا أسمع بهذه المستوطنات من قبل، بأن الأمر يتعلق بمدن كاملة، تتوسع باستمرار وبوتيرة عالية. تشق لها الطرق الضخمة وسط الأراضي الزراعية الفلسطينية، لتربطها بباقي المستوطنات ومدن الاحتلال، يسميها الفلسطينيون الطرق الالتفافية، في طريقنا إلى بيت لحم، شاهدنا عن بعد ثماني مستوطنات مبنية على الطراز الأوروبي(12) فهاته المفارق  كما أشرت لا يقدمها لنا  الإعلام "السمعبصري" كاشفا عيش أصحاب الأرض حياة تعيسة ومأساوية في مخيم احتضن ثلاثة أجيال، وبين الحياة الباذخة/ المخملية/ العصرية للمستوطنين في مستوطنات لا تبعد عن المخيمات إلا بكيلومترات قليلة. وبدوري لم أنتبه لهذا أمام زخم الصور الواردة من هناك؛ والتي غالبا ما تركز على هدم المباني وتهجير الفلسطينيين وما شابه ذلك؛وبالتالي فالحكمة الواردة ليس من رأى كما سمع؛ لأن السمع يرتبط بالدعاية والإشاعة؛ لكن المشاهدة والمعايشة تبطل ذلك؛ بمعنى أن شاعرنا يسلط الضوء على جانب مهمل في طروحاتنا، يتجلى في  مسألة اللغة: “قضينا الليلة الثانية من زيارتنا في فندق حياة بمدينة القدس.. لا شيء في هذا الفندق يحيل إلى هوية الأرض التي بني عليها. اللغة العربية لا أثر لها في مطبوعاته ولوحاته (..) تحاول أن تعطي للزائر الأجنبي انطباعا مشوها عن الواقع والتاريخ أيضا.... وفي إحدى المطبوعات السياحية لدولة الاحتلال، كُتِب تحت صورة المسجد الأقصى: من بقايا العهد العربي. كأنما عروبة القدس أصبحت في عداد الماضي(13) وفي نفس تدوينة الشاعر محمد بلمو- يثير “باب المغاربة” تلك الساحة التي نراها عبر شاشة التلفزة مزدحمة باليهود، يمارسون طقوسهم أمام حائط المبكى؛ وهو في الأصل والتاريخ حائط البراق بقوله: هذه الساحة جزء من حي المغاربة الذي دمره الاحتلال ليحوله إلى مكان لممارسة هذه الطقوس اليهودية، هنا كان يسكن العديد من المغاربة. كانوا يأتون إلى الحج، وحين يستشعرون الخطر المحدق بالمدينة، يقررون الإقامة هنا بجانب المسجد الأقصى للدفاع عن المدينة المقدسة (14) لكن ما أحسست به،متسربلا بين السطور أن صاحب المنجز لم يذق طعم النوم؛ لسبب طبيعي يتمثل في الخوف والأرق والصدمة، باعتباره منوجد في قلب فلسطين الجريحة؛ والتي أعادت له كل حمولاته النفسية / الفكرية/ الثقافية/ بحيث من المنطلق وفي وسط التدوينة نجد مفردة (النافذة / الشرفة) كإشارة للترقب والمراقبة والتأمل؛ مما شكلت له "النافذة / الشرفة" وعيا شقيا؛ في إطار الحسرة، والقلق، ومرارة الواقع الفلسطيني:  ناظرا من نافذة الطائرة إلى صحراء سيناء وأراضي قطاع غزة، وذاكرته “تستعيد أخبار الحروب وعمليات التهجير والمجازر والاستيطان، قبل أن تهدأ عاصفتها على إيقاع صور الانتفاضة المغتالة (...) كنت وحدي في الغرفة، أحسست بالاختناق، رغم أن المكان فسيح ومغر.. نهضت نحو الشرفة، أزحت ستائرها وانسللت إليها لأستنشق هواء القدس العربية.. تمعنت في المشهد، لا وجود لقبة الصخرة ولا للكنائس القديمة، ولا لسور مدينة الصلاة. فالشرفة تطل على منطقة استوطنها الإسرائيليون، وشيدوا فيها أحياء عصرية تخترقها شوارع واسعة مضاءة.. كنت وحدي في غربة الشرفة” (15)

وعموما؛ فهذا المنجز الحامل بين دفتيه ملاحظات تأملية تاركة أسئلة مفتوحة؟ ومشاهدات بَوْحيَّة  تشعل حرائق الأسئلة؟ يمكن أن يعتبر رسالة واضحة، تعيد النقاش مرة أخرى حول القضية الفلسطينية بمنظور جديد؛ منظور بعيد عن الإجتراروالتكرار؛ ولكن بمنظور متقارب مع القضية، وإشكالية التطبيع في العالم العربي؟ وفي نفس الوقت؛ أرضية لإعادة النظر في مهمة الشاعر ووظيفته، كما يمكن أن تعيد بنا لسؤال شرعية الكتابة الممتدة في الزمان التاريخي والوجداني، وطبيعة الكتابة البديلة، التي تناضل من أجل تحقيق العدالة والعدالة الاجتماعية والعدالة الإنسانية.

الإستئناس:

(1) 5 أيام في فلسطين المحتلة” لمحمد بلمو؛ ولوحة الغلاف للفنان الفلسطيني الكبير - محمد الركوعي- عدد صفحاته 150 - عن منشورات مؤسسة مقاربات للنشر والصناعات الثقافية /2022

2) محمد الصادقي (نموذج فقط) منذ بلوغه وهو يناضل بالشعر والكلمة، والحضور في الساحة. حتى أنه قاد مسيرة من إحدى إعدادية أزرو. دعما للقضية الفلسطينية وضد زيارة الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز لمدينة افران فاعتقل على إثرها بسجن اخنيفرة رفقة رفيقين وبعد التحاقه بكلية فاس، بعدما نال شهادة البكالوريا في السجن، ازداد نضالا وحماسا تجاه القضية الفلسطينية لكن اثر الضغوطات والصراع النفسي، فقد عقله وظل تائها في أزقة مدينة أزرو. لكن الإشكالية الكبرى فالتنظيم التقدمي لم يفكر فيه أو يساعده أو يتذكره (تلك) (أزمة اليسار) وربما توفي لأنني زرته  قبل ظهور فيروس) كوفيد (بسنة. فلم أجده أمام  فندق والحانة القريبة من الصخرة. أما (محمد باديش) نموذج قل نظيره  في كتابة الشعر العروبي والقومي؛ حتى سكنته فلسطين، في جوارحه، فكان رفقة – محمد بلمو- يحضران الحلقات لتقديم جديد  القصائد الشعرية تجاه القضية الفلسطينية، فكانت أشعاره متميزة وحماسية، لكن لطبيعته وتربيته الصحراوية كان يتقاتل من أجل البحث عن موارد إضافية، فاهتدى لبيع الكتب رفقة – الصادقي- في ساحة جامعة ظهر المهراز آنذاك، وبعض المداخل كان يساهم بها في صندوق القضية الفلسطينية، لكن صعوبة الحياة وتقلب الأيام، لم يكمل سلكه الجامعي، فآخر عمل اشتغله قبل أن يتوفي رحمه الله (حارس عمارة) وبدوره فالتنظيم التقدمي لم يفكر فيه أو ساعده !

***

طلال نجيب

.........................

3) مقدمه للكتاب من طرف محمد إدارغة – ص 3

4) وضع عمال الأراضي العربیة المحتلة : ص- 10 -   تقرير المدير العام – ملحق عن مؤتمر العمل الدولي- الدورة 110/ 2022

5) مقدمه الكتاب – ص - 4

6) وضع عمال الأراضي العربیة المحتلة : ص - 12

7) متن الكتاب  لمحمد بلمو/2022

(8) نفسه

(9) نفسه

(10) نفسه

(11) نفسه

(12) نفسه

(13) نفسه

(14) نفسه

(15) نفسه

 

علي حسينقد يبدو الحديث عن كيركغارد او كانط او حتى شوبنهاور في هذا الوقت غريبا الى حد ما.. فما بالك وانت تريد ان تتحدث عن فيلسوف لا يزال البعض يعتبره لغزا من الغاز الفلسفة واعني به هيغل.

في مقدمة كتابي "في صحبة الكتب" وضعت قائمة لكتب اصابتني بالحيرة في بداية قراءاتي الفلسفية، ومن بين هذه الكتب، النسبية لاينشتاين "، الكينونة والعدم لسارت، والوجود والزمان لهايدغر، راس المال ماركس، نظرية المعرفة لينين، ثلاثية كانط عن العقل، وكتاب ظاهريات الروح لهيغل.. وكان عليّ لكي اتجاوز هذه الحيرة ان ابدأ بقراءة الكثير من الكتب عن السادة " المحيرون " هؤلاء. قبل ان اقترب من هيغل كنت اتصور نفسي القارئ " الخطير " الذي لايشق له غبار، وان باستطاعتي ان اهتك اسرار أي كتاب يقع بيدي، وان بامكاني ان اقرأ نصوص الكتب قراءة جيدة، إلا ان قررت يوما ان اجرب حظي مع كتاب " مبادئ فلسفة الحق " للفيلسوف الالماني هيغل، وكان الكتاب من اصدارات وزارة الثقافة السورية لعام 1973 ترجمة تيسير شيخ الارض.- صدرت بعد ذلك ترجمة اخرى للكتاب بعنوان اصول فلسفة الحق قام بها امام عبد الفتاح امام اشهر من قدم هيغل الى العربية -. ما الذي استهواني بالكتاب حتى دفعت مبلغ وقدرة " ثلثمائة فلس عراقي " عدا ونقدا للمرحوم بناي جار الله لشراءه. كان الفضول الدافع الاول، والدافع الثاني حديث بعض الاصدقاء من ان ماركس كان متأثرا بهيغل، والدافع الاهم انني اردت ان اعرف ماذا يريد ان يقول هذا الفيلسوف الذي شاهدته صورته الملونة في مجلة المعرفة ويبدو متضايقا من العالم. بعد ذلك كانت العبارة المكتوبة على الغلاف الأخير للكتاب حافزا لكي اخرج النقود من جيبي واسلمها لصاحب مكتبة التحرير، فقد كتب المترجم ان هذا الكتاب من اوآخر كتب هيغل، وانه يحوي على مجمل فكره، وان الموضوعات التي يطرحها تتعلق بالانسان.. في البيت هيأت نفسي لقراءة ممتعة، لكن ما ان وقعت عيني على السطور الاولى من التقديم والتي تقول: " ما من احد ينكر الصعوبة الناجمة عن تفسير الفلسفة الهيغيلية "، حتى تيقنت انني وضعت نفسي في ورطة، وان الكتاب سيأخذ بخناقي ويضعني في قائمة القراء " الغشمة "، اذ لم اكن قد تحولت بملء ارادتي الى قارئ غشيم.. وتخيلت نفسي وانا اصارع كتاب " مبادئ فلسفة الحق " مثل سيزيف الذي قرأت عنه في كتابات البير كامو، ادفع بكتاب هيغل الذي تحول الى صخرة الى قمة جبل من الغموض، ثم اتابع هذه الصخرة وهي تسقط في حضني من جديد. وضعت صخرة سيزيف – مبادئ فلسفة الحق – في مكان داخل مكتبتي البيتية التي بدأت تنمو، على امل ان اجد يوما من يساعدني على حمل مثل هذه الصخور.

لماذا تذكرت هيغل هذا اليوم بالذات، والناس مشغولة البال بما يجري في بلاد النهرين، ومتى تغلق باب الازمات ؟. كنت اليوم كعادتي في كل جمعة اجلس في بيت المدى في شارع المتنبي عندما اقترب مني شاب، يحمل نسخة من كتابي " غواية القراءة " وطلب مني ان اوقعه له. كان يحمل معه مجموعة من الكتب دفعني الفضول ان اسأله عن عناوينها، نظرت الى الاغلفة وكانت اكثرها كتب فلسفية. واحد بعنوان نصوص من الفلسفة الحديثة، وكتاب يبدو غلافه قديما بعنوان في الفلسفة المعاصرة. وكتاب مفكرون عظماء.. قال لي الشاب انه يهوى قراءة الكتب الفلسفية لكنه يجد صعوبة في فهم البعض منها، ثم طلب مني مشورة حول كتب هيغل، واي العناوين يمكن ان يبدأ به.. تحدث الشاب كثيرا عن الفلسفة، وكنت انظر اليه واتذكر حماسي ايام الشباب، وكيف كنت اريد ان اقرأ كل شيء.. اخبرته بمحنتي القديمة مع هيغل وقدمت له النصيحة التي قدمها لي ذات يوم الراحل يوسف عبد المسيح ثروت، وتتلخص في البحث عن الكتب التي كتبت عن هيغل، لكي تكون جواز مرور للدخول الى فلسفة هذا العقل المثير للجدل.

في كتابه " تاريخ الفلسفة الغربية " يصف برتراند راسل، هيغل بأنه " الفيلسوف الأصعب "، فيما اعترف هو بأنه: " من السهل أن تكون غير مفهوم بدرجة عالية، من أن تكون مفهوماً بطريقة بسيطة ". ويصف بعض كتاب سيرته بان كتاباته بالنسبة للفلسفة مثل قمة إيفرست لمتسلق الجبال.. ورغم مكانة هذا الفيلسوف الكبيرة في الفكر العالمي، إلا ان الوجودي كيركغارد كان يرى في هيغل وفلسفته بانهما " يشكلان مقالا في الكوميديا ". وعندما قرأت مقال كيركغارد الذي ترجمه مجاهد عبد المنعم مجاهد ونشر في كتابه " رحلة في اعماق العقل الجدلي، قلت مع نفسي ان هذه الكوميديا التي يسخر منها كيركغارد، لا تزال تشكل بالنسبة لي احدى قمم الجبال التي لا يمكن الصعود اليها بدون ان نتسلح بكل ادوات التسلق.

عندما اكتب في صفحتي على موقع التواصل الاجتماعي " فيسبوك " عن هيغل او كانط او سبينوزا تكون خشيتي من ان بعض الموضوعات ربما تكون جافة وصعبة ولا تتحملها اجواء الفيسبوك التي تتطلب مقالات سريعة وقصيرة، وايضا خوفي من ان يقول البعض يارجل مالنا ومال فلاسفة أكل الدهر عليهم وشرب. فيما يتساءل البعض لماذا نولي اهتمام لفلاسفة مثل هيغل ونحن نعيش عصر السرعة والتغريدة القصيرة وهيمنة ال" التك توك ".ويكون جوابي دائما ان هؤلاء الفلاسفة استطاعوا ان يناقشوا معظم المسائل التي تحيرنا في الوقت الحاضر ووجدوا اجابات مهمة لا نريد للاسف ان نتعمق فيها.

دائما ما يطرح سؤال: ما مصدر تلك المكانة التي يتمتع بها هيغل، يقول البعض ان ذلك نابع من اهتمامات هيجل نفسه وخصوصا بمسائل الدولة ومناقشة معضلات المجتمع، ان عبارته الشهيرة " الدولة هي ارفع اشكال الروح الموضوعية " لا تزال تمثل التراث السياسي لمعظم الامم في العصر الحديث.. وكان من حسن الحظ ان فلسفة هيغل لم تكن فلسفة مغلقة تبحث فقط في المعاني الفلسفية التي تهم المختصين بالفلسفة، وانما كانت فلسفة مفتوحة تبحث ايضا في القضايا التي تهم الناس، فإلى جانب كتبه " ظاهريات الروح " و" المنطق "، كتب هيجل في فلسفة التاريخ وعلم الجمال وفلسفة القانون.. وقد كان هيغل تجسيدا حياً للفلسفة من حيث هي عمل يشتغل به الانسان، ولم يكن يخجل من أن يوصف بانه فيلسوف محترف، اذ ان الفلسفة عنده حرفة، لها قواعدها ولغاتها واحوالها، وتقتضي مرانا وتدريبا عقليا خالصا، ومن العجيب ان الآراء لا تزال تختلف الآراء حول فلسفته، فالبعض ينظر اليه كما ينظر الى ارسطو على انه هو الفيلسوف الذي اتى بمذهب رحب يضم في داخله كل الفلسفات السابقة، والبعض الآخر يعده الخطأ الأكبر في الفكر البشري، وليس في هيغل الانسان اي جانب طريف، اذ يبدو ان الهدف الوحيد لحياته كان القيام بدور كاتم سر "الفكر"، لقد وصف هيغل فلسفته بانها: "محاولة لجعل الفلسفة تنطق بالالمانية"،

هل نحتاج ان نتحدث عن حياة هيغل. يصفه احد تلامذته بهذا الوصف المثير " " القامة خمسة اقدام وبوصتان (اي حوالي 167 سنتيمترا) الشعر والحواجب غامقة والعيون رمادية والانف والفم متوسطتان والذقن مستديرة والجبهة عادية والوجه بيضاوي باستطالة ". وشهد غالبية طلبته بانه لم يكن ذا جاذبية. وكان وجهه على حد قولهم شاحبا كما كان مترهلا. اعتاد ان يهمل ملابسه وهو جالس على كرسي الفلاسفة لألقاء محاضراته، بدأ دائما كانه متعب. وكان يطرق براسه وهو يتكلم في تردد متصل، فضلا عن انه كثيرا ما كان يسعل وسط الكلام.

ولد جورج فيلهلم هيغل في مدينة ستيغارت الألمانية عام 1770، لعائلة فقيرة، فقد أمه التي كان يحبها كثيرا في الحادية عشرة. وقتل أخوه في الحرب، وجنّت أخته التي كان متعلقاً بها كثيرا، كان الوالد موظف بسيط، والأم ربة بيت لا تعرف القراءة والكتابة، ولم يبلغ عامه التاسع عشر حتى اندلعت الثورة الفرنسية التي اطلق هو عليها فيما بعد "الفجر الجديد". عاش هيغل في العصر الذهبي للأدب الألماني، وبالرغم من كونه اصغر من غوته بعشرين عاما، ومن شيلر بعشرة اعوام، فقد استطاع ان يتقرب من حلقتهم الضيقة ويصبح احد مريدي غوته، وهناك يرتبط بعلاقة صداقة مع شاعر المانيا الكبير هولدرلين.

كان هيغل اكبر إخوانه حظوة عند أبيه وذلك لأنه كان يرى فيه الذكاء المفرط، وقد ارد الوالد ان يجعل من ابنه كاهناً، فسجله في الفصل الأكاديمي بجامعة "توينجن" لدراسة اللاهوت، وهناك تعرف على شيلينغ الذي سيصبح اقرب اصدقائه وكان يصغره بخمسة أعوام، إلا أن دراسة اللاهوت لم تستهوه فقرر الانصراف لقراءة مؤلفات افلاطون وسنيكا ومونتسكيو، ثم وجه اهتمامه الى جان جاك روسو وكان كتاب "العقد الاجتماعي" بمثابة كلمة السر التي تراءت لهيغل الشاب من اجل قيام فلسفة ثقافية حديثة الأسلوب، وقد دفعته آراء روسو الى ان يشكل نادياً للسياسة كانت تناقش فيه الثورة الفرنسية، الأمر الذي دفع السلطات الألمانية الى مطاردة اعضاء النادي، فقرر هيغل الهرب الى مدينة برن، وهناك استطاع ان يجد وظيفة في احد بيوت الأثرياء، بعد ان توسط هولدرلين في تعيينه، وفي تلك الفترة عكف على دراسة مؤلفات هيوم وميكافيللي و لايبنتز وسبينوزا، كما قام بدراسة مؤلفات كانط. في تلك الفترة نلاحظ اتجاه هيغل نحو فصل الدين عن الدولة، وفي رسالة الى هولدرلين عام 1795 يكتب: " لاسيبل الى هز صرح الكنيسة الارثوذكسية، طالما ان مهامها ترتبط بمصالح دنيوية، وتتداخل في بناء الدولة، وطالما ان الكنيسة مصرّة على ان تجعلنا نضع ايدينا في جحورنا ونتكاسل في انتظار ان تاتي مملكة الله، العقل والحرية سيظلان كلمة السر التي بيننا ونقطة اتحادنا، هي الكنيسة غير المرئية."3991 مبادئ فلسفة الحق

شعر هيغل بسعادة غامرة في عمله الجديد، وقد عدّه خطوة نحو الأمام: "سوف اعود، كي اصبح مساويا للعالم اكثر بعض الشيء مما كنت". كانت هذه رسالة بعث بها الى شقيقته، وفي تلك الفترة يكتب مقالات يُعلق فيها على خطب البرلمانيين التي كانت تناقش الضرائب على الفقراء واصلاح قانون الأراضي. بعد وفاة والده عام 1799 يتخلى هيغل عن وظيفة المعلم الخاص، ليلتحق بصديقه شيلينغ في جامعة ينا، وكان شيلر وفيخته هناك ايضا، الآن شيلنغ حقق شهرة ومكانة سمحتا له بالتوسط لتعيين صديقه هيغل مدرساً في الجامعة براتب متواضع، وفي تلك الفترة يؤسس مع شيلنغ مجلة للفلسفة ينشر فيها الفصول الاولى من كتابه "علم ظهور العقل "، في تلك الفترة احتل الفرنسيون مدينة ينا فأغلقت الجامعة ما اضطر هيغل، لأن يعمل صحفياً بالقطعة، ثم قبل وظيفة مدير مدرسة ثانوية.

في عام 1801 يقدم رسالته للدكتوراه وفيها يخالف آراء نيوتن، ويعود للجامعة ليصبح عام 1805 استاذاً فوق العادة، إلا أن الحرب التي لم تنته بددت آماله بحياة مستقرة، فسُرق منزله، ولم ينجح سوى في انقاذ واحد من ممتلكاته وهو الأكثر قيمة لديه: مخطوط فينو مينو لوجيا الروح "ظاهريات الروح" الذي كان يحتفظ به في جيب معطفه اثناء حريق المدينة واضطر لطلب مساعدة غوته. عام 1806 استطاع ان يقنع احد الناشرين بطبع كتابه الذي لم يجد اقبالاً من القراء حيث وجدوا صعوبه في حل ألغازة،، لكن رغم المصاعب إلا أن هيغل كان يرى ان العالم يتحضر لمعركة كبيرة سينتصر فيها الانسان، انسان الأزمنة الحديثة الذي شاهده يسير فوق حصانه، لقد حمل نابليون او روح العالم الى المانيا بعض المكتسبات السياسية والاجتماعية للثورة الفرنسية: "شاهدت القيصر، تلك النفس العالية، ممتطيا جواده، انه لفي الواقع احساس رائع ذلك الذي يغمر المرء حين يرى هذا الفرد مركزاً في نقطة جالساً على جواد."

بلغ هيغل الأربعين من عمره ولم يتزوج، ونراه عام 1811 يكتب الى احد اصدقاءه يزف اليه نبأ خطوبته: "اعلم انك تود لي السعادة من كل قلبك.. اسمها ماري فون توخر "، كانت ماري اصغر منه باثنين وعشرين عاما، وقد أراحه الزواج وساعده على زياده انتاجه الفلسفي، فقدم بعد عام كتابه الأشهر "علم المنطق"، وقد تميز هذا الكتاب عن سائر انتاج هيغل حتى ان مؤلفه دعاه "افكار الله قبل الخلق"، كان هيغل آنذاك قد صار علماً في سماء الفلسفة عندما طلبت اليه جامعة هايدلبرغ ان يقبل فيها منصب الأستاذية، حيث امضى في هذه الجامعة عامين قبل ان يقدم له وزير التربية البروسي منصب استاذ الفلسفة في برلين، كان يتمنى منذ زمن طويل الاستقرار في مركز الحياة الثقافية والسياسية في المانيا، وقد وفرت له جامعة برلين حقلاً واسعاً للكشف والدراسة، واستطاع امام جمهور مختار من الطلبة ان يقدم محاضراته الشهيرة حول فلسفة الدين والجماليات وفلسفة التاريخ ونشر عام 1821 كتابه "مبادئ فلسفة الحق."

غير انه أثار منذ وصوله برلين، حفيظة الأوساط المحافظة التي اتهمته بانه يغلف أفكاره السياسية الإصلاحية بتعابير فلسفية غامضة، وقد اغضب السلطات بمحاضراته واعماله، مما ادى الى ان تتم مراقبته من قبل الشرطة، ولم يقتصر خصومه على اتهامه بوحدة الوجود وانكار خلود النفس، وانما كانوا يهزأون من كل تفكيره الديني، وقد كانت شهرته سبباً في تكاثر أعدائه وتزايد الحملات عليه، وكان شوبنهاور في مقدمة الذين سخروا من فلسفة هيغل واعتبرها مضيعة للوقت، لكنه لم يهتم وواصل عمله، إلا ان أصابته بمرض الكوليرا لم تمهله طويلا، فمات في الرابع عشر من تشرين الثاني عام 1831 ولم يكن احد ينتظر لم مثل هذه الميته.

كتاب " مبادئ فلسفة الحق " هو اخر كتاب كتبه هيغل، وكان ولا يزال من اكثر الكتب التي اثارة الجدل والهجوم في نفس الوقت حيث اتهم هيغل بانه الف كتابه لخدمة سيده فريدريك فيلهام ملك بروسيا. في مبادئ فلسفة الحق " يبرر هيغل قيام الدولة انطلاقا من الوجهة التشريعية والاخلاقية. فالقانون عنده هو التعبير عن الارادة العقلانية التي تحقق ذاتها كحرية بشكل يسير قدما ومن ثم كان لتطوره طابع منطقي وتاريخي في نفس الوقت. لقد رفض هيغل النظرة العقلانية للقانون كشيء مطلق خارج التاريخ مستمد من المبادئ الخالدة والصادقة بشكل مطلق والتي تنطبق على جميع المجتمعات وتحكم التطور التاريخي جميعه، وانتقد هيغل العقلانية على عنايتها بالفرد في الانسان لا عنايتها بالعنصر الاجتماعي، وعلى جعل القانون ثانويا بالنسبة لاشباع رغبات الافراد واحتياجاتهم بدون العناية بالضرورات الاعلى للمجتمع والدولة.

وقد وجه هيغل نقدا الى الرومانسية الاجتماعية، واكد على ان القانون يجب ان يرتبط مع الواقع الاجتماعي والتطور التاريخي وان الفرد يجب ان يتلائم مع النزعة الجمعية ويخضع لهذه النزعة.ويعد الخضوع الكامل للفرد للسلطة المطلقة للدولة المبدأ الرئيسي في كتابه " مبادئ فلسفة الحق "

عند هيغل يحدث اندماج المجتمع في الجماعة في دولة مثالية تكون مرآة واداة للمجتمع. لم يتصور هيغل الحرية نفسها من جانبها الذاتي باعتبارها تعبيرا عن الارادة الحرة، بل نظر اليها على انها الخضوع للقانع بحرية من جانب الفرد للمبادئ العامة للاخلاقيات الموضوعية التي تكون الدولة خير تعبير عنها: " “إذا خلطنا بين الدولة والمجتمع المدني، وجعلنا الغاية الخاصة من الدولة الأمن وحماية الملكية الخاصة والحرية الشخصية- لكانت مصلحة الأفراد بما هم كذلك الغاية النهائية التي اجتمعوا من أجلها، وينتج عن ذلك أن تكون عضوية الدولة مسألة اختيارية. غير أن علاقة الدولة بالفرد شيء مختلف عن ذلك أتم الاختلاف.. إن الفرد لن تكون له موضوعية ولا فردية أصيلة ولا حياة أخلاقية إلا بوصفه عضوا من أعضائها. إن الاتحاد الخالص والبسيط هو المضمون الحقيقي والهدف الصحيح للفرد، ومصير الفرد هو أن يعيش حياة كلية جماعية" – مبادئ فلسفة الحق -

يصر هيجل على أن تكون الدولة غاية لا مجرد وسيلة ويرفض التفكير فيها باعتبارها وسيلة لتحقيق أي مصلحة شخصية.

ذهب هيغل إلى أن التعامل مع الدولة باعتبارها آلية للحصول على غايات خارجية ومادية، تعمل على إشباع حاجات الناس، يخرجها عن طابعها الأخلاقي ويؤدي في النهاية إلى الفساد السياسي والانهيار الاجتماعي، ويؤدي كذلك إلى انهيار الدولة ذاتها.

ويرى هيغل أن بذور الانهيار هي في اعلاء النـزعة الفردية والتعامل مع الدولة باعتبارها وسيلة لتحقيق غايات اقتصادية جزئية،. لكن ما الحل الذي يقدمه هيجل لهذه الأزمة، تلك التي يسميها تناقضات المجتمع المدني؟ يتمثل الحل في مفهومه عن الدولة، فهي في نظره القادرة على علاج هذه التناقضات.

إن تكوين نظام سياسي وعقلاني ومرض عند هيغل يتطلب إرادة جماعية كلية لا إرادة فردية جزئية.

يبين الكسندر كوجيف في كتابه " مدخل لقراءه هيغل " – ترجمة عبد العزيز بومسهولي - ان نظرية الدولة عند هيغل كلها ترتكز على مفهومي الرضى والاعتراف. فالدولة توجد عندما يجد كل مواطن، في قلب الجماعة، تلبية للمصالح التي يقر بأنها معقولة، وكل واحد يعترف بالدولة عندما يتعرف على ارادته الشخصية المعقولة في الارادة العامة التب تعبر عنها اجهزة الدولة.

في عام 1843 كتب شاب الماني اسمه كارل ماركس كتابا عنوانه " نقد فلسفة الحق عند هيغل "، في محاولة لتحديد طبيعة الدولة وعلاقتها بالمجتمع المدني اي بمجموع المصالح الاقتصادة والاجتماعية. وانتهى ماركس الى ان نظام هيغل بقضي الى التوفيق مع العالم كما هو وتكريس عقلاني للوضع البرجوازي. ففي كتاب هيغل رفعت الدولة الى نظام عقلي، هو تجسيد وارتقاء للمنطق وتيرير للملكية ونظمها. فالدولة عنده هي منظمة وخالقة للمجتمع. هي دولة معقولة. بكل انظمتها ووسائلها.

ورغم النقد الذي يوجهه ماركس في بداياته الى هيغل إلا انه سيعترف فيما بعد بافضال هيغل عليه وسيكتب: " حين كنت اكتب الجزء الاول من راس المال، كان ابناء الجيل الجديد، اولئك الادعياء المتهورون، يباهون بانهم ينظرون الى هيغل نظرتهم الى (كلب ميت).. لذا بادرت واعلنت صراحة انني لست إلا تلميذ لهذا المفكر العملاق ". وفي الدفاتر الفلسفية يكتب لينين " يستحيل استحالة قاطعة ان نفهم راس المال لكارل ماركس، ما لم ندرس منطق هيغل ونفهمه باكمله ".

قبل عامين وبمناسبة الاحتفال بمرور 250 على ولادة هيغل كتبت الفيلسوفة الامريكية جوديث بتلر مقالا بعنوان "اهمية هيغل لزماننا " قالت فيه ان التفكير في هيغل هذه الايام سيدو امرا غريبا، فما ذا بامكان فيلسوف ولد قبل 250 عاما ان يفعل في حياتنا، وما الذي سيقوله عن ثورة الاتصالات والكواكب.. وتضيف بتلريرينا هيغل في كتابه " ظاهريات الروح " أننا لسنا مخلوقات متوحدة ببساطة، منفصلين عن بعضنا البعض، ففي منظوره، الأفراد الواعين لذاتهم ليسوا متوحدين تماما البتة لأنه وفي جزء يعتمدون على بعضهم ولا يمكنهم الاستغناء عن الآخرين. وهو يقدم لنا حسب تعبير بتلر تأمل ذاتي يتلخص في ان فرصتنا كافراد تكمن وعينا بذاتنا: " متى ما وصلنا إلى معرفة ذاتنا، قبضنا على السبيل الذي نغدو به مرتبطين جوهريا بالآخرين.

تقول بتلر في مقالها: " في قراءتي لهيغل، هذا الاكتشاف بأني مربوط بالآخر وأن الآخر مربوط بي وأن كلانا مربوط بعالم حي، ينير وضعنا كمخلوقات حية وعلاقتنا التبادلية المتجسدة وحسا من الالتزام الأخلاقي المتبادل والذي هو التزام أيضا للمحافظة على عالم يجعل حياتنا ممكنة وجديرة بالعيش" – اهمية هيغل لزماننا ترجمة فاطمة الشملان.

في زماننا هذا نقول اننا بحاجة الى قراءة كتب هيغل، فهو يقدم لنا افكارا اكثر دقة، وهي بذلك اكثر قابلية للاستهمال، عن انفسنا، وعن صعوباتنا، وعن مكاننا في التاريخ.

في كتاب بعنوان " بعنوان " هيغل في دماغ لاسلكي " للفيلسوف السلوفيني " سلافوي جيجيك " يقول أنه من الضروري ألا نعود إلى هيغل فحسب، بل نكرر انتصاراته ونتجاوزها، ونتغلب على حدوده بأن نكون أكثر هيغلية من السيد هيغل نفسه،ويتساءل جيجيك: لماذا لا يكون القرن الحادي والعشرين، قرن هيغل بامتياز ؟

***

علي حسين – العراق

رئيس تحرير صحيفة المدى

 

عامر هشام الصفارصدر في بغداد مؤخرا عن المكتبة العصرية الكتاب الجديد لمؤلفه أستاذ جراحة الجملة العصبية الدكتور عبد الهادي الخليلي. وقد جاء كتابه بعنوان "مكافحة السرطان في العراق-توثيق لجهود متواصلة-. وقد أهدى المؤلف كتابه التوثيقي هذا الى أستاذه الجرّاح العراقي المعروف الراحل الدكتور خالد القصاب، وذلك عرفانا بما قدّمه من خدمات في سبيل تطوير المجتمع الطبي وتوعية المجتمع عامة للوقاية من مخاطر السرطان- هذا المرض الوبيل.

يشير المؤلف الخليلي الى أن الأستاذ القصاب كان قد قاد مسيرة مكافحة السرطان في العراق منذ خمسينات القرن الماضي..حيث شاركه فيها أساتذة من رواد الطب العراقي ومنهم د قيس كبه والدكتور حسين طالب والدكتور فائق السامرائي والدكتور خليل الآلوسي والدكتور علي الهنداوي والدكتور الجرّاح زهير البحراني والدكتور محمد أبو طبيخ والدكتور عبد الرحمن الجوربجي وآخرون... حيث بذل الجميع جهودا كبيرة مضنية لوضع خطط تنظيم العمل وتطوير أساليب التشخيص والعلاج..فضلا عن العمل على تثقيف المواطن للوقاية من المرض وأكتشافه مبكرا.

وقد فصّل المؤلف في موضوعه فخصّص جزءا من كتابه للتعريف بالمرض-السرطان – وماهيته ومسبباته وكيفية الكشف المبكر عنه، وفي موضوعة الأسباب المؤدية للأصابة للأصابة بالسرطان كان لابد من البحث في موضوعة تلوث البيئة العراقية..وهو تلوث الهواء والماء والغذاء مما له علاقة في التسبب بمرض السرطان كالتدخين والأفراط في تناول الكحول والسمنة وزيادة التعرض للشمس.

وحول علاقة السرطان بالوراثة والمورثات (الجينات) يشير المؤلف الى أن هناك علاقة لبعض تلك الجينات بعدد من الأمراض وبضمنها بعض أنواع السرطانات، بحيث يمكن التعرّف عليها حتى قبل الأصابة بها..فأشار الى أن "المكتوب على الجين يجب أن تراه العين" أحيانا..

كما فصّل المؤلف في سبل علاج مرض السرطان مع أعطائه نبذة تاريخية بهذا الصدد.. حيث بدأت بواكير العلاج الهرموني للسرطان حينما أكتشف العالم توماس بيتسون في عام 1878 أن ثدي أنثى الأرنب المختبري لا تنتج الحليب حينما يتم أستئصال مبايضها.. وعندها حاول بيتسون علاج أحدى حالات سرطان الثدي بأستئصال مبايض المريضة، فتبين أن هناك تحسنا في حجم الورم في الثدي... وبذلك تم أستخدام هرمونات التاموكسفين مثلا اليوم في علاج سرطان الثدي..أما بخصوص العلاجات المتوفرة الأخرى لأمراض السرطان فقد فصّل الكتاب في سبل العلاج الجراحي، والعلاج بالمواد المشعة والعلاج الأشعاعي والكيمياوي ثم العلاج بالمواد المناعية.

وعودة لخدمات التشخيص والعلاج لمرض السرطان في العراق، أشار المؤلف الخليلي الى ما أفاد به الأستاذ د علي الهنداوي حول معهد النظائر المشعة في العراق، والذي تأسس في أواخر الخمسينات ببغداد.. حيث وصلت أول وجبة من النظائر المشعة في تموز عام 1958 وهي وجبة مكونة من اليود المشع وغرين الذهب حيث تم العمل في المعهد مع الخبير البريطاني نورمان فييل.

وفي أشارة الى مستشفى الأشعاع والطب النووي يذكر المؤلف أن أفتتاحها كان في عام 1969 في منطقة العلوية ببغداد.. حيث أختص عمل الأطباء فيها على التشخيص للأمراض السرطانية والمعالجة الأشعاعية.. حيث جهزت المستشفى بأجهزة الكوبلت المشع والمعجلات الخطية والعقاقير الخاصة بعلاج السرطان.. كما تم أنشاء معهد الأشعاع والطب النووي في الموصل عام 1975.. وكان أن أفتتحت مراكز أخرى للطب النووي في محافظات عراقية عديدة بعد ذلك..

وحول جمعية مكافحة السرطان العراقية خصص المؤلف د عبد الهادي الخليلي فصلا خاصا تطرق فيه الى بدايات عمل الجمعية حيث حصلت موافقة وزارة الداخلية عام 1961 على تأسيسها لتكون جمعية غير حكومية وغير ربحية هدفها النفع العام..فكانت بأسم "المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان" حيث أسسّها وقام عليها د خالد القصاب وقيس كبه وخليل الآلوسي وعبد الرحمن الجوربجي ومحمد علي خليل المدامغة وأحسان القيمقجي وآمنة صبري مراد وداود سلمان علي وسالم الدملوجي وحسين طالب... وفي عام 1962 عقدت الجمعية أول مؤتمر لها خاص بالسرطان حيث تبعتها بعد ذلك مؤتمرات سنوية عديدة شارك فيها أستشاريون أطباء من مصر وفرنسا وسويسرا وألمانيا وبريطانيا.. حيث قدّم فيها الأطباء العراقيون خيرة بحوثهم الأصيلة بخصوص مرض السرطان..3989 الخليلي

وقد سعت الجمعية منذ تأسيسها لأصدار المنشور الصحي التثقيفي، فكانت نشرة أقرأ عن ..والتي كان الغرض منها تزويد المواطنين بمعلومات أساسية حول أنواع السرطان الأكثر أنتشارا وهي سرطان الجلد والفم والمجاري البولية والمعدة والأمعاء والثدي وسرطان الرحم... وكل هذه النشرات كانت موجهة لتوعية الجمهور بأعراض السرطان الأولى بغية التشخيص المبكر، فالعلاج مع التركيز على الهدف الوقائي أيمانا بأن "الوقاية خير من العلاج".. وفي عام 1967 أصدرت الجمعية مجلتها العلمية الأخبارية بعنوان مجلة السرطان العراقية حيث كان الدكتور الخليلي سكرتير تحريرها لمدة 3 سنوات.

وتعد ندوة "الخلية السرطانية" والتي عقدت بمبادرة من الدكتور الخليلي وجمعية مكافحة السرطان بالتعاون مع كلية الطب بجامعة بغداد واحدة من أهم الندوات التي شهدها العرق عام 1985 حيث شارك فيها عدد كبير من أساتذة الطب والعلوم. هذا اضافة الى الندوة المهمة الأخرى والتي عقدت عام 1995 في مدينة الطب ببغداد والتي أختصت بجهود أطباء الأشعة بالتعاون مع الجراحين العراقيين في مكافحة مرض السرطان فكان ان تطرقت الندوة الى موضوعات مهمة منها: أورام الثدي وأورام الجهاز الهضمي والكبد وأورام الجملة العصبية.

وقد خصّص المؤلف فصلا كاملا لموضوعة تأسيس مجلس السرطان في العراق والذي تشكل عام 1982 بقانون نص على تشكيل المجلس الأعلى لبحوث ومعالجة الأورام السرطانية في العراق حيث يدير المجلس هيئة أدارية تعنى بتنظيم جهود مكافحة السرطان ويرأسه وزير الصحة شخصيا وله أن يختار أعضاء المجلس.

وفي تقريره لوزارة الصحة أشار د خالد القصّاب حينذاك -أي عام 1982- الى أن السرطان يعتبر مشكلة صحية في العراق، فقد أظهرت الدراسات الوبائية أن 47% من أصابات الرجال بالسرطان و 30% من أصابات النساء بالمرض أنما ترتبط بعوامل بيئية مما يتعلق بالصحة والسلامة الشخصية للأفراد.  ومن هذه العوامل: التدخين.. الأصابة بمرض البلهارزيا (المتوطن في العراق)..وجود المواد الحافظة في الأغذية .. التعرض لضوء الشمس الساطع.. وغيرها..

وحول تأثير الحروب والحصار في التسعينات على أمراض السرطان في العراق يشير المؤلف الخليلي الى ان التدمير الهائل الذي حصل أثناء الهجوم العسكري..والحصار الذي فرضته الأمم المتحدة على جميع مرافق الحياة تقريبا في العراق قد سبّب تدميرا بعيد المدى في البنى التحتية للوطن.. حيث تأثرت سبل تشخيص وعلاج الأمراض السرطانية كثيرا.. وكمثل على ذلك أشار الخليلي الى عدم توفر النظائر المشعة لأغراض التشخيص والعلاج الطبي، مما أدى الى عدم أمكانية تشخيص الأورام السرطانية وغيرها من الأمراض التي تستخدم فيها النظائر المشعة.

وقد فصّل المؤلف في هيكيلية مجلس السرطان في العراق ومن ذلك تأسيس مركز التسجيل السرطاني عام 1974 والذي بدأ فيه العمل الفعلي عام 1975 حيث كان مقره في مستشفى الأشعاع والطب النووي وبأدارة كفؤة من قبل د منى الحسني وبدعم من د تحسين السليم. وقد أقتصر المركز في بداية سنوات أستحداثه على جمع المعلومات عن الحالات السرطانية لدى المرضى الذين يعالجون في مستشفيات بغداد.. حيث كانت هذه المعلومات تغطي مساحة كبيرة من مرضى المحافظات العراقية الأخرى، والذين كانوا يطلبون العلاج في بغداد. وفي عام 1999 تم أدخال التقنيات الحديثة في عمل مركز التسجيل السرطاني وتطبيق أسلوب الأدخال الحاسوبي والأبتعاد عن الأسلوب الورقي.

وفي عام 2000 أصدر مركز التسجيل السرطاني تقريره عن واقع السرطان حينذاك في العراق حيث أشار الى أن عدد المصابين بالسرطان قد أزداد وبصورة كبيرة في السنوات الأخيرة فقد تم تسجيل حوالي 150 ألف حالة سرطانية خلال السنوات 1991-1999 أي ما بعد سنوات الحرب والحصار على العراق. كما تم تسجيل ما يقرب من 4500 حالة لسرطانات الأطفال (بعمر اقل من 15 عاما) خلال السنوات 1991-1999 مقارنة ب 1500 حالة فقط خلال الثمانينات اي بمعدل 3 اضعاف زيادة في عدد الحالات السرطانية بين الأطفال في تسعينات القرن الماضي عنها في الثمانينات. كما لوحظ التغير في النمو الوبائي لبعض أنواع السرطانات في سنوات ما بعد عام 1991.. مما فصلّه الكتاب بخصوص سرطان الثدي والدماغ والرئة والقصبات الهوائية والقولون والمستقيم (الأمعاء الغليظة) وسرطان الدم وسرطان الغدد اللمفاوية.

وفي عام 2000 عقد في بغداد وبمبادرة من الدكتور الخليلي وزملائه من أعضاء مجلس السرطان المؤتمر العلمي حول السرطان حيث تحدث فيه الخليلي قائلا: لقد تعرض العراق في التسعينات نتيجة العدوان العسكري عليه الى التلوث بمختلف أنواع المسرطنات وخصوصا اليورانيوم مما سبب كارثة صحية على المدى الطويل.

وفي كلمة الأستاذ الجرّاح د زهير البحراني في المؤتمر أشار أيضا الى العدوان على العراق عام 1991 وما أستخدم فيه من أسلحة محرمة أدت الى تلوث بيئي واسع شملت أضراره جميع الأحياء.

وقد أشار الكتاب في جزئه العربي والأنكليزي الى مشروع بحث علمي عراقي مقدم الى المنظمة الدولية حول علاقة السرطان باليورانيوم المنضب..حيث تمت الموافقة عليه من قبل المنظمة الدولية لبحوث السرطان في فرنسا في شهر شباط 2003 ولكن ظروف الأحتلال وما بعده لم تسمح بتنفيذه وبدء العمل عليه. وتشمل الدراسة المقترحة ثلاثة جوانب:

* الكشف عن اليورانيوم في عينات التحليل النسيجي، وفي دم وأدرار مرضى السرطان.

* الكشف عن اليورانيوم في دم وأدرار عائلات مرضى السرطان.

* الكشف عن اليورانيوم في دم وأدرار الأشخاص غير المصابين بالسرطان في المناطق التي تعرضت للقصف باليورانيوم ومقارنتها بالأشخاص الذين يسكنون في المناطق التي لم تتعرض لليورانيوم.

وأستمرارا مع نهج المؤلف في التركيز على التعريف بالبحوث العلمية التي أجريت في العراق بخصوص الوقاية من السرطان تم نشر خلاصة بحث د آسيا الفؤادي بخصوص علاقة الغذاء بالسرطان، كما تم نشر البحث الخاص بدرجة الماجستير للباحثة هديل الكتبي والذي يدور حول تأثير الحصار على السرطان في العراق.

وفي الفترة التي تلت أحتلال العراق عام 2003 تسلم الدكتور سعيد اسماعيل حقي مع فريق من المستشارين الأميركان مسؤولية أدارة الصحة حيث أرسل د الخليلي مذكرة للمسؤولين حول السرطان في العراق بغية أعطاء صورة عن واقع المرض الخبيث في البلاد، والتعريف بدور مجلس السرطان بأعتباره الجهة المركزية المعنية بشأن السرطان من ناحية التسجيل والدراسة والتخطيط والتنفيذ للخطط الخاصة بالبرنامج الوطني للسيطرة على المرض الخبيث. وفي خطة عمل مجلس السرطان تم التركيز على حقل التسجيل السرطاني وتنشيط هذا التسجيل ليعتمد الأسلوب الفعال في جمع المعلومات وملأ الأستمارات وبيانات وفيات المرضى بالسرطان وذلك في بغداد وبقية المحافظات. كما تم التطرق تفصيلا لموضوعة التشخيص المبكر للسرطان والوقاية منه مع التركيز على أستمرار وتعزيز التعاون بين مجلس السرطان واللجنة المركزية لآثر التلوث نتيجة الحرب في مناطق معينة من العراق.. أضافة لأعداد دراسة دقيقة للبحث في أسباب أرتفاع معدلات الأصابة بسرطان الغدد اللمفاوية

(Non-Hodgkins Lymphoma) وتطوير قاعدة المعلومات في المجلس وذلك برفدها بأحدث المستجدات والبحوث والمراجع العلمية.

وقد فصّل الكتاب في قانون مجلس السرطان في العراق والصادر عام 1985 وتعديله الأول الصادر عام 1990 والتعديل الثاني الصادر عام 1997 والثالث الصادر عام 2001.

كما نشر المؤلف دليل ملأ أستمارة التسجيل السرطاني الصادرة عن وزارة الصحة ومجلس السرطان في العراق وذلك عام 2002،أضافة الى نشر خطة الطواريء لتأهيل المعالجة الشعاعية للأورام السرطانية والصادرة عن وزارة الصحة العراقية عام 2004.

***

د. عامر هشام الصفّار

 

الصفحة 1 من 5

العدد: 5817 المصادف: الثلاثاء 09 - 08 - 2022م