علاء اللاميهذا الكتاب هو عبارة عن بحث جامعي قدمته الطالبة هند محمد التركي ضمن متطلبات بحثية لنيل شهادة ماجستير. من نقاط الضعف التي يعاني منها هذا البحث، رغم الجهد الكبير المبذول فيه، تعامل الباحثة مع الكتب المقدسة ككتب تأريخية ذات صدقية مطلقة لأنها دينية وكفى، وليس لأن هناك أدلة آثارية وعلمية تسندها. وإذا كنا لا نلوم رجل الدين أو القارئ المتدين حين ينظر إلى المعلومات التاريخية والجغرافية الواردة في الكتب المقدسة كحقائق مطلقة بمنظار إيمانه الذي يوجب عليه التسليم بالغيب، فإن من الصعب تماما الموافقة على أن يفعل الباحث في التاريخ وفق المنهجية العلمية الأمر نفسه، ويهمل أو يسيء استعمال الأساليب المنهجية والعلمية التي تستعين بالعلوم الحديثة كالإناسة وعلم الآثار وعلم طبقات الأرض والجغرافيا والمناخ، والمورثات الجينية ...إلخ، ورغم ذلك، لا يخلو البحث الذي بين أيدنا من  نقاط القوة والجدة والطرافة، وخصوصا حين يتعامل مع أسماء ملكات عربيات قبل الإسلام، توفرت أدلة ومواد إركيولوجية متعلقة بهنَّ، وخصوصا من العهد الآشوري. سأكتفي بهذه الملاحظة التقييمية السريعة، وأنتقل إلى التعريف بالملكات العربيات اللائي ورد ذكرهن مع التوثيق وباختصار:

* بلقيس ملكة سبأ في اليمن. وردت قصتها واسمها في التوراة/ سفر الملوك، بلفظ "ملكت شبا" ولكن اسمها لم يرد في القرآن، مع ورود أجزاء مهمة من قصتها مع النبي سليمان في سورة النمل. وقد أكد القرآن معلومة ثمينة حولها منها، أنها وقومها كانوا يعبدون الشمس (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ* وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ)، وهذه واحدة من ثلاث نظريات حديثة حول ديانة بلقيس، الأولى تذهب إلى أنها يهودية، والثانية أنها مانوية "على دين ماني البابلي" الثنيوي، والثالثة وثنية تعبد الشمس، وهي التي يقول بها القرآن.

وقد ورد اسمها في التوراة "بلقيس"، بعدة صيغ، قيل إنها آشورية، ولكن هذه الكتابات العبرية أكدت أن كلمة بلقيس ليس اسمها بل هو صفة لها ومن تلك الصيغ: بلجش وفلجش وتعني "العشيقة" أو المرأة غير الشرعية". ويعتقد حسن ظاظا أن اليهود أرادوا بهذه التفاسير الحط من شأنها. كما ورد اسمها في نقش معيني يمني أشار إليه هومل، أما في النقوش الآشورية لم يرد ذكر بلقيس نصا بل ورد ذكر السبئيين وبعض ملوكهم مثل "يثع أمر" و "كرب إل" في عهد تجلات بلاصر وسنحاريب. وهذه هي الملكة الوحيدة التي يرد اسمها من جنوب الجزيرة العربية، أما في شمالها فنجد العديد من أسماء الملكات ومنهن:

1- الملكة زبيبة: ورد ذكرها في سجلات الملك الآشوري تجلات بلاصر ( 745 -725 ق.م).

2- الملكة شمسي: في العهد نفسه وباسم الملكة سمسي.

 3-الملكة يطيعة: ورد اسمها في سجلات الملك سنحاريب باسم "يانعة" ولم يذكر لها تاريخ محدد سوى انها أرسلت جيشا للغزو أو صد عدوان بقيادة أخيها بسقانو.

4- الملكة يافا: ورد ذكرها في نصوص الملك أسرحدون وذكرت منطقة مملكتها باسم " ذخراني".

5-الملكة باسو: في عهد أسرحدون أيضا واسم منطقة مملكتها أيخيلو.

6- الملكة تعلخونو وبلغت رتبة الكهانة: وعاصمة مملكتها هو أدوماتو "دومة الجندل" التي عرفت في النصوص الآشورية باسم جبل العرب، في منطقة الجوف شمال الجزيرة العربية.

7-الملكة تبوأة: في المنطقة ذاتها ورد ذكرها في نصوص أسرحدون وآشور بانيبال.

8- الملكة عادية: وزوجها الملك يوتع بن حزائيل، وحليفها الملك عمولادي، ورد ذكرها في نصوص الملك آشوربانيبال وتكلمنا عنها وعن زوجها وحروبهما في منشور سابق قبل أسابيع.

9-الملكة زنوبيا ملكة تدمر وزوجة الملك أذينة ووريثته: وهي أشهر من نار على علم. وتفيها الباحثة السعودية هند التركي حقها فتورد عنها تفاصيل مهمة ومنها أن مملكتها اتسعت وشملت بلاد الشام ومصر بعد ان هزمت الرومان في مصر. واسمها الصحيح في النقوش التدمرية هو "بنت زباي" ويعني الهبة أو المجيدة "بنت المجد". أما في العربية فلها عدة اسماء منها " زينب، نائلة، بارعة، فارعة..إلخ" وتفرِّق الباحثة بين الملكة زنوبيا وبين الزباء الغسانية التي تصفها بالأسطورية. وهناك مَن يتفق مع الباحثة هند التركي فيفرق بين الملكتين زنوبيا والزباء، ولكنه يعتبرهما كلتاهما تأريخيتين. كالباحث عدنان البني في الحوليات الأثرية العربية السورية المجلد 42. والزباء المنتقمة لها قصتها المشهورة في السردية العربية قبل الإسلام مع الملك جذيمة الأبرش، أول ملك في الحيرة حكم في الفترة (233-268)، ومؤسس مدينتي الحيرة والأنبار في العراق، وكيف ثأرت الزباء منه وقتلته لأنه قتل أباها جذيمة...إلخ.

في الفصل الثاني من كتابها، أطروحتها تناقش الباحثة وبشيء من التفصيل والتوثيق ما ورد عن هاتيك الملكات العربيات في النقوش الآشورية والسبئية والنبطية والرومانية. أما الفصل الثالث فخصصته الباحثة لذكر الملكات في الموروث الديني والكتب الدينية التوراة والإنجيل والقرآن، والفصل الرابع لأدوارهن السياسية قبل الإسلام. وقد اكتفت الباحثة بأسماء هذه الملكات رغم أن هناك أسماء أخرى كتب عنها باحثون آخرون كالملكة البدوية ماوية الغسانية. "تذكر المصادر أسماء 13 ملكة وأميرة من الغساسنة (مارية، حليمة، واثنتان باسم هند، سلمى، أمامة، فاختة، ميسون، الرعلاء، النادرة، ليلى، الدلفى، الرملة/ مدونة "إرث الأردن - انترنيت")، والأرجح أن هاته النساء كن شيخات على قبائلهن البدوية أو قراهن الريفية أكثر مما هن ملكات يحكمن ومناطق شاسعة كالملكة زنوبيا ومثيلاتها.

*الصورة الأولى لتمثال قديم للملكلة زنوبيا والثانية لعملة نقدية صكت في عهدها وتحمل اسمها وصورتها في خرق للتبعية للرومان وتمرد عليهم.

 

علاء اللامي

............

* رابط لتحميل كتاب "ملكات عربيات قبل الإسلام" تأليف هند محمد التركي: وسمة لتحميل كتب أخرى

https://maktbah.net/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d9%83%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%af%d8%b1%d8%a7/

شاكر فريد حسنللباحث والمؤرخ خالد عوض

أهداني مشكورًا المؤرخ والباحث في التراث خالد عوض كتابه التوثيقي الجديد "الحركة الوطنية والثقافية في الناصرة- من خلال أوراق خوري البلد سمعان نصار، الصادر عن جمعية السباط للحفاظ على التراث، والمطبوع في مطبعة الحكيم العريقة في الناصرة.

جاء الكتاب في 172 من الحجم الكبير والورق الأبيض الصقيل وغلاف مقوى وطباعة فاخرة، وهو من تصميم وإخراج سامر عيساوي، وخطّ الغلاف ريحان تيتي، ومراجعة الأستاذ فتحي فوراني، ودققه لغويًا الأستاذ عطاللـه جبر، وأهداه إلى أولئك النصراويين الذين حملوا هموم مدينتهم المقدسة عندما دعاهم الواجب الوطني والمسؤولية التاريخية للحفاظ على تراثها وتثبيت هويتها الوطنية.

في مستهل الكتاب نقرأ كلمة مجلس الطائفة الارثوذكسية في الناصرة، وكلمة الأديب فتحي فوراني، الذي يشيد بالكتاب ومؤلفه خالد عوض، ويعرفنا على سمعان نصار، حيث يذكر انه كان كاهنًا دينيًا ومثقفًا علمانيًا وقائدًا وطنيًا تقدميًا وزعيمًا سياسيًا وخطيبًا مفوهًا وحارسًا لمدينة البشارة، يزين صفحة وطنية مكتوبة بماء الذهب في السجل التاريخي لوطن الآباء والأجداد. 

ثم تأتي مقدمة الباحث صاحب الكتاب خالد عوض، الذي يشير إلى أن سمعان نصار كان إبان الانتداب البريطاني شخصية تميزت بحضورها الاجتماعي الوطني والثقافي، في مرحلة كانت الناصرة تعيش واقعًا سياسيًا مريرًا وبغيضًا. ويذكر عوض انه في ظل هذه الأوضاع والظروف المضطربة كان سمعان نصار يعمل وكيلًا لأهم صحيفتين في البلاد، هما "فلسطين" و"الدفاع"، ومما يثبت ذلك وجود مجموعة من الرسائل والمراسلات الخطية بين أوراق نصار، التي يثبتها في الكتاب، وهي مراسلات بينه وبين إدارة الجريدة ممثلة بمديرها شوكت حمّاد.

والرسالة الأولى التي اعتمدها عوض في بحثه مؤرخة العام 1934، وهو العام الذي صدر فيه العدد الأول من صحيفة "الدفاع" القريبة فكريًا وسياسيًا من معسكر الحاج أمين الحسيني. 

ومن خلال مسيرة الخوري سمعان نصار، يحاول خالد عوض تقديم صورة حقيقية بلا زيف عن شخصية نصراوية أحبها كلّ من عرفها، إذ أنه لم يرث عن أبيه سوى العلم والكرامة وعزة النفس.

يقسم خالد عوض كتابه إلى خمسة فصول، الفصل الأول ويتحدث فيه عن الجذور التاريخية لعائلة نصار، ويستعرض السيرة الذاتية للأب سمعان نصار، الوطني الصادق.

وفي الفصل الثاني يتطرق للصحافة الفلسطينية إبان الانتداب البريطاني ودورها في نشر الوعي الوطني والسياسي والفكري وبلورة الحركة الوطنية الفلسطينية، ويشير إلى جريدة الدفاع كنموذج، ويقدم رسائل سمعان نصار لإدارة الدفاع وردها عليه. 

في حين يتحدث الفصل الثالث عن الصراع الفلسطيني الصهيوني، وتشكيل اللجان القومية والنقابات العمالية، وعلى رأسها جمعية العمال العربية الفلسطينية، التي تعتبر من أبرز النقابات التي ظهرت في فلسطين قبل العام 1948، فيشير إلى أن النهضة الثقافية والأدبية في الناصرة جاءت متأخرة بعض الشيء، إذا ما قارناها بالمدن الرئيسية الأخرى، مثل يافا وحيفا والقدس ونابلس، موضحًا أن غالبية المؤسسات الثقافية لمدينة الناصرة كانت قد تبلورت في أواخر الثلاثينات واوائل الأربعينات، وتم تأسيس الأندية الثقافية والترفيهية والمؤسسات والجمعيات الخيرية والأطر السياسية كنوع من أنواع التمدن والوعي السياسي، ويقدم ملحقًا من أوراق خوري البلد سمعان نصار المتعلقة بصندوق الأمة، اللجنة القومية وجمعية العمال العرب في الناصرة.

أما الفصل الرابع فيتناول الحركة التعليمية والثقافية في الناصرة، ويحكي عن المدارس والأندية الثقافية ودور السينما في عهد الانتداب في فلسطين.

والفصل الخامس والأخير فيضم مقتطفات من كراسة تأبين طيب الذكر الايقونوس سمعان نصار، وملحق الصور الفوتوغرافية، وقائمة المراجع والمصادر التي اعتمدها في اعداد وتحقيق هذا البحث. 

تجدر الإشارة إلى أن مؤلف الكتاب خالد عوض كاتب وباحث ومؤرخ نصراوي، له عدة إصدارات في مجالي التراث والتاريخ، أسس متحف التراث الفلسطيني في الناصرة- البلدة القديمة، وشرع في تأسيس الأرشيف الفلسطيني في الداخل، وهو من مؤسس جمعية السباط المسجلة الساعية للحفاظ على الثقافة والتراث، ويعكف منذ سنوات على إنجاز الموسوعة الفلسطينية المصورة لمدن فلسطين التاريخية.

نرحب بكتاب خالد عوض عن "الحركة الوطنية والثقافية في الناصرة"، الذي يكتسب أهمية بالغة، كونه وثيقة تاريخية ومنجز بحثي وعمل توثيقي وطني هام ومجهود متميز ومبارك عن شخصية دينية وأيقونة ثقافية وإعلامية ورمز من رموز الناصرة المناضلة والمكافحة دفاعًا عن الهوية القومية، وضد عمليات التطهير العرقي والتاريخي والحضاري. إنه كتاب يسجل ويوثق سيرة ومسيرة سمعان نصار وغيره من الشخصيات الوطنية والاعتبارية، الذين قادوا العمل الوطني وحافظوا على نسيجها الاجتماعي متماسكًا متراصًا، وساهموا في تأسيس وتطوير الحركة الوطنية والثقافية في الناصرة.

أجمل تحيات التقدير للأخ الباحث خالد عوض، ونرجو له دوام العطاء وسبر أغوار تاريخ مدينته المقدسة، الناصرة، وبانتظار المزيد من الإصدارات والمنجزات البحثية.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

 عبد السلام فاروق قرأتُ كتاب (حدود مصر الملتهبة ) للباحث والأديب محمد شلبي أمين فوجدتنى أمام "جمال حمدان" جديد يعيد إحياء معارك القلم المفصلية حول قضايا الوطن ومشكلاته المصيرية. فالكتاب يمثل محاولة استشرافية استخدم فيها المؤلف تكنيكات مختلفة من الوصف التاريخي والبنيان الجغرافي والإيقاع الوطني من فصل لآخر .

 صحيح أن كتابه السابق: (إبراهيم الورداني ..غزال البر) بدا أكثر رومانسية واقتراباً من شخصيته الإنسانية، إلا أن العمل الأول لأى كاتب يمثل دوماً مرآة ناطقة عاكسة لأهم مواصفات واتجاهات ورؤى هذا الكاتب مهما جاءت الأعمال التالية أكثر تطوراً وأشد بنياناً وأقوى تعبيراً.

ثمة عدة فرضيات طرحها محمد شلبي في مؤلفه الماتع (حدود مصر الملتهبة ) أخضعها للفحص والتحليل .. تلك الفرضيات هي: الفرضية الأولي: هل هناك مناطق جديدة في مجال الحدود الجغرافية لم تكتشف بعد، وأن من الضروري البدء في اكتشافها وفتح الباب أمام مزيد من الدراسات نحوها .

الفرضية الثانية: أن مشكلات الحدود موجودة دائما وأنها تتفاقم في ظل تغير معادلات القوة والضعف، علي الأقل فيما يخص منطقة الشرق الأوسط .

الفرضية الثالثة: أن هناك أزمة تعترض سبيل الوطن العربي كما تعترض غيره من الأقاليم الجغرافية الأخري في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.. هي إذن أزمة قديمة تفاقمت لا في الدول العربية وحدها، بل في المنظومة الدولية بأكملها .

الفرضية الرابعة: هي فرضية إمكانية تجاوز أزمة الحدود في الوطن العربي، خاصة وأن بعض الدراسات القديمة والمعاصرة كانت جمعيها قد طرحت حلولا، فلماذا لم يتحقق منها شئ؟!

المهم أن محمد شلبي حاول كشف واستجلاء ملابسات وأسباب عدم الالتزام بما تم اقتراحه سابقاً،أو قلة جداوه، أو قلة المؤمنين المهتمين بتنفيذه ..كما حاول إعادة صياغة مقترحات عملية قابلة للتطبيق، ربما تسهم ولو قليلا في إقالة عالمنا العربي من عثرته التاريخية المؤقتة علي المستويين: السياسي الاقتصادي، والاجتماعي الثقافي .

تكمن أهمية كتاب (الحدود الملتهبة) الصادر عن دار سنابل للنشر بالقاهرة، في كونه يعمد إلي تعبيد الطريق نحو اكتشاف مزيد من المعطيات غير المطروقة في تقييم ونقد أزمة الحدود في الدولة الوطنية الحديثة، سواء علي مستوي دراسات وأطروحات المفكرين والمستشرقين الاستعماريين، أو علي مستوي البنية السياسية والاقتصادية الداخلية المصابة بمشكلات الحدود وما انتابها من تحور وتحول أو تطور .

صياغة فصول هذا الكتاب بتكنيكات هندسية متباينة كانت هي طريقته في التعريف بخطورة وأهمية قضية الحدود كأصل وأساس أغلب الصراعات القديمة المتجددة في وطننا العربي..  خاصة أن مشكلات الحدود "المصطنعة" قسمت الوطن العربي تقسيماً،وقطعته تقطيعاً إلى دويلات متناثرة متناحرة، وهو ما ظهر جلياً بعد اتفاقية (سايكس بيكو) أبان حقبة الاستعمار البريطاني الفرنسي للوطن العربي ..تلك الاتفاقية الملعونة التي غرست بذور فتنة نائمة إلي حين !.. سرعان ما ستندلع نيرانها المستترة ذات مساء دامي بين الأخوة والأشقاء، فتغدو الحدود الجغرافية المصطنعة.. بمثابة برميل بارود متفجر!!

السؤال الآن هو ما الحل؟

يدعونا المؤلف إلي وقفة مع النفس قبل السير في عراء المفاهيم، لإننا قد نتحدث، أحياناً، عن شيء مختلف فيه وحوله، لا سيّما بالنسبة إلى أولئك الذين أسبغوا معانٍ مواربة قابلة إمّا للتوظيف متعدّد الأغراض، بحيث يضيع البعد الصحيح الذي يمكن الاحتكام إليه، وإمّا خنقه بما لا يدع مجالا للتنفّس إلا من قناة ضيقة.

أنني اتفق مع اتجاه بوصلة محمد شلبي تماما، وأضيف إليه أن منطقة الشرق الأوسط تمر بتغييرات عاصفة هائلة تتخلل مكوناتها السياسية الاقتصادية وبنيانها الثقافي الاحتماعي، ما يمهد الطريق لإعادة رسم خريطة جديدة للأقليم قابلة للطي أو التآكل والانكماش.. لكن بأيدينا نحن اليوم، لا بأيديهم هم !! فهل نحن غافلون أم نتغافل عن الذئب المتربص بنا، فيما نتربص ونترصد ببعضنا الدوائر .. كأننا نساق للآسف الشديد إلي التشتت والتشرذم المحتوم؟

 الأخطر هنا أننا مازالنا نختلق الذرائع والأوهام والترهات السياسية البالية، بل والأدهي أننا نتستر وراء مفاهيم ومصطلحات قديمة لم يعد لها وجود اليوم في ظل اكتساح مفاهيم العولمة الجديدة، من قبيل:  علينا أن نحذر من السقوط في أتون الحروب المذهبية والعرقية أو الوقوع في حبائل المعارك الاستخبارتية المشتعلة هنا وهناك ..وهلم جرا من مفردات وألفاظ تزول أصداءها أو تسقط من تلقاء نفسها.. تبعاً لاعتبارات المصالح!!

إننا حقاً في انتظار انهيار تلك الحدود إلي غير رجعة .. لا يهم متي . المهم أن يحدث ؛ لأن الدول والشعوب تتطور بفعل الحاجة المشتركة، كما يتطور العلم بفضل البحث والتجربة  .

وفي الخلاصة، فإن أزمة الحدود بين دول العالم العربي هي أزمة مصطنعة ارتبطت بالخطط والمؤمرات الدولية لوجودها، والمعالجة لا تبدأ بتغيير الألوان بل بتبديل الاتجاهات.

 

د. عبد السلام فاروق

 

 

جواد بشارةحقيقة الزمن ونظامه وفق نظرية كارلو روفيللي الأستاذ بجامعة إيكس مرسيليا، ومدير مجموعة بحثية في الجاذبية الكمية.

يشهد العالم أزمة صحية غير مسبوقة تجبرنا على البقاء في المنزل.. إلى متى؟ لا نعرف شيئًا عن ذلك حقًا. لذلك، فهو وقت مناسب لقراءة كتاب نظام الزمن، ومفهومه، ومروره، وقياسه، وما إلى ذلك.

  L’ordre du temps نُشرت طبعة Flammarion في أوائل عام 2018 The Order of Time (L'Ordine del Tempo   ترجمة عن النص الإيطالي لمُنظِّر الجاذبية الكمية الحلقية، عالم الفيزياء الإيطالي كارلو روفيللي المعروف بنجاحه السابق في المكتبات، خاصة في كتاب سبعة دروس موجزة في الفيزياء. إن نظام الزمن كتاب رئيسي عن سؤال يزعجنا جميعًا وخاصة عشاق الساعات: يتعلق بمرور الوقت ومفاهيمه وقياساته، إلخ.

التفكير في الزمن المدرك كشيء فلسفي وكشيء علمي:

في هذا الكتاب الرائع والممتع والشيق الذي يمكن الوصول إليه من قبل أكبر عدد من القراء العاديين غير المتخصصين، يشرح المؤلف في 288 صفحة كيف أن الزمن الماضي والحاضر والمستقبل ليس ما نؤمن به (ليس له أي تفرد) وأنه كلما حاولنا اختراق أسراره، كلما انزلق أكثر. بعيداً! يجب أن يقرأ في هذه الأوقات الصعبة.

كارلو روفيللي هو أحد المتخصصين المشهورين عالميًا في مجال متخصص للغاية من الجاذبية الكمومية، والذي لا يعد في الوقت الحالي نظرية كاملة ولكنه برنامج بحثي واسع. أصبحت مسألة الزمن، التي كانت في يوم من الأيام حكراً على الفلاسفة، قضية مهمة للعلم منذ صياغة نيوتن للزمان والمكان المطلقين، ثم الديناميكا الحرارية لكارنو وكلاوسيوس. أعاد أينشتاين خلط الأوراق بالنسبيتين ومفهومه عن الزمكان. ومن ثم لقد شوشت ميكانيكا الكم المسارات. قدمت الديناميكا الحرارية غير المتوازنة مفاجآت. دون أن ننسى الديناميكا الحرارية للثقب الأسود. لقد درس العديد من الفيزيائيين المهتمين أو المهمين مسألة الزمن. بريغوجين Prigogine، وروجرز ب ينروزRoger Penrose، وستيفن هاوكينغ Hawking، وولي سمولين Lee Smolin على سبيل المثال لا الحصر، والآن كارلو روفيللي Carlo Rovelli الذي أصدر عدة كتب عن الموضوع. أحدها حمل عنوان نظام الزمن، وآخر عنوان ماذا لو لم يكن الزمن موجوداً؟ كما يشير المؤلف، فإن فهم الزمن مهمة موعودة لكل أولئك الذين يفاجئون برؤية الزمن يمر، ولكن أيضًا من خلال النظر في معادلات الفيزياء المعاصرة.

لا تتوقع فهمًا كاملاً ونهائيًا للزمن بعد قراءة كتابي كارلو روفيللي الذي يأخذنا في رحلة عبر متاهة الزمن، بين أحلام اليقظة الشعرية والتلميحات الأدبية والمفاهيم الفلسفية وبالطبع الأساس الرئيسي لهذه الدراسة يتكون من النظريات الفيزيائية. لا توجد حاليًا نظرية يمكن أن تفسر حالة الزمن بل عدة مقاربات ورؤى. ما هو متاح حالياً مجرد دراسات أولية عن الزمن مثل دراسات روفيلي التي سترضي فضول المبتدئ ولكن المثقف والجمهور القلق حول كيفية فهم الفيزيائي لجذور وظواهر الزمن (أو في الوقت المناسب). يستحق أي تفكير علمي ومنطقي اهتمام الرجل الصادق في القرن الحادي والعشرين. خاصة إذا كان هذا الانعكاس يأخذ منحى أدبي وشاعري. هذا يجعل الموضوع متاحًا لخطر تشويه العلوم الأكثر دقة.

انحلال الزمن في الفيزياء المعاصرة:

في الجزء الأول من كتاب نظام الزمن، يحكي روفيللي عن تآكل الزمن. لم يكن ذلك الزمن ينفجر ولكن التفكير في الزمن يصبح غير مؤكد. يهرب الزمن من شبكات الشبكة المفاهيمية التي يعتقد الفيزيائيون أنهم يمسكون بها. لا يتدفق بشكل موحد حسب المكان والسرعة والكتلة والجاذبية أو الثقالة، في السهول أو في الجبال. هذا التحول هو متناهي الصغر. تجعل النسبية العامة من الممكن حساب هذا التباين الزمني ولكن ليس ميكانيكا نيوتن. لا يوجد مشهد ثابت، نوع من البروجيكتور العام يرسل الصور على الشاشة. كل شيء يتطور في زمنه الخاص والفيزياء تشير إلى كيفية ارتباط هذه الأزمان. قبل الاضطرابات التي أدخلها أينشتاين، شكلت الديناميكا الحرارية وصياغة الإنتروبيا سهمًا للزمن لا رجوع فيه. لقد انقلب الزمن إلى زمن عكسي، موجودًا في جميع معادلات الفيزياء باستثناء الأنظمة التي تتبادل الحرارة، والتي وصفها بأنها إنتروبيا يمكن أن تنمو فقط والتي تم تفسيرها إحصائيًا على أنها مقياس الاضطراب من قبل بولتزمان. يقول روفيللي إن الزمن يبطئ السرعة والعكس صحيح حسب مبدأ تباطؤ الزمن مع السرعة التي تضمنته نسبية آينشتاين لاستحضار النسبية ولكن هذه المرة، بصورة مقيدة، التي نشرها أينشتاين عام 1905 وسماها النسبية الخاصة.  انتهى الزمن واختفى الحاضر من النظريات الفيزيائية اللاحقة.

الزمن لا يمر بدون فراغ. يرى أرسطو ونيوتن الأشياء في تناقض وفقًا لروفيللي، وفقًا لروفيللي، حيث يكون الفضاء الفارغ منطقيًا لنيوتن ولكن ليس لأرسطو، وهو تقدير تقريبي لأن نيوتن اعتبر الفضاء متجهًا لسائل يحمل قوة الجاذبية، بينما يفكر أرسطو من زاوية التواصل. كان أينشتاين يوفق بين طريقتين لرؤية الأشياء باستخدام فكرة المجال، والتي هي حديثة جدًا في الفيزياء المعاصرة. ثم تأتي بعد ذلك ميكانيكا الكم التي تطمس المسارات أكثر. ندخل إلى عالم بلا زمن، عالم صاحبنا في رحلته في الجزء الثاني من الكتاب.

عالم مكون من أحداث وعلاقات:

في الجزء الثاني، يصف روفيللي عالما خاليا من الأشياء ويتكون من أحداث. تقودنا فيزياء الحقول الكمومية إلى التفكير في العالم بهذه الطريقة. الفكرة ليست جديدة. كان علماء الفيزياء الغنوصية في برينستون قد تخيلوا بالفعل كونًا مكونًا من عمليات، وفي بعض الأحيان يتطلعون إلى الميتافيزيقيا الشرقية، أو تاو الصينية أو البوذية. وفقًا لروفيللي، يكمن الخطأ في تفسير العالم من منظور الأشياء وليس الأحداث. لأن الفيزياء تصف كيف تتغير الأشياء، في الترتيب أو التعقيد. الفيزياء الحديثة لا تقل شيئًا عن الأشياء. هل من الشرعي التفكير بذلك؟ يعتقد الفيزيائي روفيللي أن الآخرين مخطئون. الفيلسوف سوف يفكر بشكل مختلف.

يحتوي كتاب روفيللي على بعض التقديرات التقريبية التي لا تغير المحتوى وتهدف إلى فرض التفسير. وهكذا يُقال أن معادلة شرودنغر , l'équation de Schrödinger تصف الأشكال الذرية وكيف تتحرك الإلكترونات في الذرات، وبالتالي فهي أحداث وليست أشياء. في الواقع، المعادلة التي تجعل من الممكن حساب شكل الذرات تتعلق بالحالات الثابتة. يتم بعد ذلك فصل معادلة شرودنغر إلى قسمين، واحد تتعلق بالزمان وأخرى تتعلق بالمكان. الإلكترونات متحركة بالفعل ولكن لا توجد أحداث، إلا أثناء الانتقال من شكل (حالة) إلى آخر، وفي هذه الحالة، لا تشرح معادلة شرودنغر أي شيء، كما يعلم الخبراء في العلوم والمختصين بميكانيكا الكم. الحدث ليس هو نفسه عملية متكررة.

ما يلي غريب جدا. روفيلي يطمس المسارات من خلال كونه هو نفسه الشاهد والممثل لهذا التدخل الذي ستكون اللغة المسؤولة عنه، بيد أن اللغة غير كافية للحديث عن الزمن. كان أينشتاين نفسه على خلاف، مع زملائه من العلماء بشأن الزمن فغير رأيه عدة مرات بشأن القضايا الرئيسية. في النهاية نظرية العالم لا تحتاج إلى متغير زمني. يجب أن تخبرنا كيف تتحرك الأشياء وتتحول فيما يتعلق ببعضها البعض. لا تستخدم الجاذبية الكمومية الحلقية التي كان روفيللي أحد مؤسسيها متغير الزمن في معادلاتها.

لا نعرف ما هو الزمن:

في الجزء الثالث، يتم شرح الزمن أمام مرآة الجهل. يكمل روفيللي الزمن الذي يخرج من العالم الخالد أو من أبدية الوجود. هذا الجزء هو الأكثر إثارة للاهتمام بفكرة الزمن الحراري التي قام بتلخيصها في منطقين. التقليدية التي تبدأ من زمن لتتجه نحو الطاقة والحالة العيانية. يبدأ المنظور الجديد من الحالة العيانية للانتقال نحو الطاقة ثم الزمن. في الإصدار التقليدي، يعد الزمن سببًا فعالًا للأشياء المعقدة. في النسخة الثانية التي اقترحها روفيللي، فإن الحالة العيانية هي التي تؤدي إلى الزمن. هذا الاختيار سهل الفهم بالنسبة للفيلسوف. في الحالة الأولى، نضع أنفسنا في الواقعية والأنطولوجيا، وفي الحالة الثانية نضع أنفسنا في الكون الاسمي، وبعبارة أخرى، الزمن، كمفهوم بشري، يبقى مثيراً للجدل منذ العهد القديم، كما كان الحال بصدد الجراثيم في العصور الوسطى، بين الواقعيين والاسميين أو المثاليين والميتافيزيقيين.

ثم تتدخل الإنتروبيا في التفكير. إن الانتروبيا الأولية المنخفضة ستكون مرتبطة بحالتنا أكثر من ارتباطها بالكون. علاوة على ذلك، فإن انخفاض الانتروبيا سيكون سبب تقدم العالم. هذه الأطروحة مثيرة للاهتمام ولكنها مغامرة. إنها تقوم على تأملات قديمة جدًا وعلى تفسير للإنتروبيا ليس واضحًا ويمكن حتى أن يكون مثيرًا للجدل. يأخذ روفيللي بعض المسافة مع الصرامة، من خلال استحضار تكوين فوتون عالي الطاقة كمؤشر على إنتروبيا أقل من تلك الخاصة بعشرة فوتونات ذات طاقة أقل. الفكرة بالتأكيد لها معنى ولكن المنطق خاطئ، الفوتون ليس له تكوين. يبدو أن روفيللي يضيع في تفسير الانتروبيا. كما هو الحال بالفعل في سياق آخر للفيزيائي إريك فيرليند. الأنتروبيا لها صلة بمحرك العالم لكنها ليست هي التي تتبعها روفيللي.

تتميز نهاية الكتاب بميزة إعادتنا إلى حالتنا كبشر في السيرة الذاتية. إنه يقدم الذاكرة ويعيدنا إلى اعتبارات أقرب إلى تجربتنا. ماذا لو ضل الفيزيائيون في مسألة الزمن؟ موقف روفيللي، كما لاحظ هانز هالفرسون، مناهض للواقعية. يمكننا أيضًا الاستشهاد بـ بيشوب Bishop، أحد المتخصصين في نظرية عدم التوازن التي لسنا من أجلها كنا صُنّاع سهم الزمن بل أبناءه. بالنسبة إلى روفيللي، نشعر بالعكس، سهم الزمن باعتباره اختراعًا بشريًا سيكون له فضائل محررة. هذا له ميزة أنه واضح ولكن قابل للنقاش. بريغوجين Prigogine غائب بشكل واضح عن كتاب روفيللي وهذا ما يجعل هذه المحاولة لشرح الزمن غير مكتملة وغير تامة. ومع ذلك، قادنا هذا الكتاب إلى التفكير في الزمن المناسب، والذي، إذا كان قابلاً للنقاش، فله ميزة أن تتم مناقشته من خلال نتائج العلم وكذلك الاعتبارات الفلسفية التي تم اختيارها وترتيبها بطريقة متماسكة. أخيرًا، اشتمل الكتاب على صور ووسائل إيضاح واضحة جدًا، باستخدام الألوان وبعض الرسوم التوضيحية الجميلة.

الزمن هو لب لغز غريب. مثل ندفة الثلج التي تذوب عندما تلتقطها، فإنها تتفكك تدريجياً تحت هجمة العلم: نحن نعلم الآن أن الزمن يمر على السهل بشكل أبطأ منه على المرتفعات والجبال؛ كما هو الحال على مقياس النجوم والكواكب، فإنه يختلف من نقطة إلى أخرى، في حين أنه لا "يمر" على المستوى المجهري.

عالم مكون من أحداث وعلاقات

هل الزمن موجود؟

أصبح زمن نيوتن المطلق، الخطي والعالمي زمناً نسبيًا مع أينشتاين، قادرًا على التباطؤ أو التسارع في وجود مجال الجاذبية وجعل حتى فكرة "الحاضر" تختفي. في المقياس الكمي، يصبح الوقت حبيبيًا ويثير وجوده تساؤلات. رحلة عبر مخاريط الضوء وتقلبات الزمكان، بحثًا عن تروس "محرك الزمن" مع الفيزيائي كارلو روفيللي.

هل حان الوقت أم نحن الذين يمر علينا الزمن؟ وعلى أي حال، لماذا يتدفق دائمًا في نفس الاتجاه، من الماضي إلى المستقبل؟ ألا يمكننا أن نتحرك عكس التيار أو نقطع التيار؟ وقبل كل شيء، ما هو محرك الزمن الغامض الذي يولد هذا التدفق؟ إذا كان للزمن مصدر، بداية، فهل له نهاية أيضًا؟ هل نتجه حرفيا نحو نهاية الزمن؟ ما لم يتم طرح سؤال الزمن بشكل سيء وهذا الشيء الغريب الذي نسميه الزمن يجد أصله في أذهاننا وهو قبل كل شيء سؤال عن الإدراك ... لقد طرحنا كل هذه الأسئلة والعديد من الأسئلة الأخرى على المتخصص في الزمن المناسب، عالم الفيزياء، كارلو روفيللي، هو أستاذ في جامعة إيكس مرسيليا، في مركز الفيزياء النظرية حيث يعمل على الجاذبية الكمية الحلقية. العالم، الذي كتب أنه قضى حياته في دراسة التركيب المادي للزمن، هو أيضًا مبسط علمي للنصوص العلمية النظرية مشهور غزيرالانتاج و على وجه الخصوص، نحن مدينون له بكتاب رائع هو نظام الزمن، The Order of Time - l’ordre du temps Flammarion2018، والذي يستند إلى العديد من المراجع في هذا ويمكن للقراء قراءته لتعميق السؤال. كما نُشر مؤخرًا مقال للمؤلف، Écrits Vagabonds (Flammarion، 2019)، باللغة الفرنسية.

يذكرنا كارلو روفيللي أن الزمن المنتظم والعالمي والحتمي، الذي يمثله سهم ينتقل من الماضي إلى المستقبل، هو في النهاية مجرد بناء ثقافي يأتي إلينا من نيوتن، وعلى مقياس الكون، تختفي هذه المرة هذه المفاهيم الكلاسيكية عن المكان والزمان لصالح الزمكان الذي نظّره أينشتاين: والذي يغدو مرنًا، ويمكن أن يتسارع أو يبطئ وفقًا لقرب مجال الجاذبية أو وفقًا لسرعة الشخص الذي يقيسه. لم يعد الزمن الكوني موجودًا، فالجميع يتطور في "زمنهم الخاص" وفكرة "الحاضر" ذاتها تفقد معناها.

على مقياس الجسيمات الكمومية، يفقد الزمن استمراريته. تصبح ماهيته "حبيبية" وتستجيب لمبادئ الكم، مثل اللاحتمية. يصبح التمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل نفسه متقلبًا و"غير محدد". الاضطرابات تتفاعل لدرجة أننا ندخل، مع كارلو روفيللي، إلى "عالم بلا زمن". إلى أن نحاول اكتشاف ما يمكن، في أذهاننا، أن يخلق وهم الزمن، أو استكشاف المسارات الرياضياتية القادرة على وضع القليل من الزيت في تروس "محرك الزمن" ...

الزمن غير موجود: يشرح الفيزيائي كارلو روفيللي السبب في أن "فكرة وجود" حاضر "محدد في جميع أنحاء الكون هي استقراء غير شرعي لتجربتنا." (لودويك هيرنانديز عن "لوبس") في كتابه الأخير، يأخذنا الفيزيائي إلى الشواطئ المذهلة للثواني الممتدة أو الانقباضية اعتمادًا على الموقع، للحاضر الذي هو مجرد وهم، جزيئات وراء ما قبل وبعد. بقلم فيرونيك رادير نُشر في 09 يونيو 2018 الساعة 10:03 صباحًا L'OBS. نحن نعيش في الزمن، كما هو حال، الأسماك في الماء، والزمن يسكننا، أن الزمن ينبض في كل من أليافنا، يتخلل وجودنا، لكن ما نعتقد أننا نعرفه هو وهم؟ يقول كارلو روفيللي، تظل الطبيعة العميقة للزمن، في كثير من النواحي، لغزًا كبيرًا، وربما اللغز الأعظم على الإطلاق. روابط غريبة تربطه بألغاز أساسية أخرى مثل طبيعة الوعي أو أصل الكون أو سير الحياة. لقد اكتشفت الفيزياء بالفعل أشياء مذهلة حول هذا الموضوع. أبسطها وأكثرها مباشرة هو أن الزمن لا يتدفق بنفس السرعة اعتمادًا على الارتفاع: فهو يمر بسرعة أعلى في قمة الجبل أكثر منه في السهل. منذ أكثر من قرن مضى، كان لدى أينشتاين حدس بهذا الصدد ونحن الآن قادرون، حديثًا جدًا، على قياس هذا الاختلاف حتى على بضع عشرات من السنتيمترات من الاختلاف في المختبر. كل ما عليك فعله هو أن تأخذ ساعتين عاليتي الدقة، وتضع إحداهما في الأعلى والأخرى في أسفل مقياس بسيط، على سبيل المثال، انتظر قليلاً قبل تجميعهما معًا ولن يعرض كلاهما نفس التوقيت. "في" التسلسل الهرمي اللانهائي "، كل ما لا نهاية هو أكبر من اللانهاية السابقة" فهو لا غير ملموس ولا عالمي كما نعتقد، الزمن يلتوي، يسرع أو يبطئ. كيف توصل أينشتاين إلى رؤية هذه المفارقة غير المتوقعة؟ تساءل أينشتاين، ربما مثل أي طالب في المدرسة الثانوية يدرس الجاذبية: كيف يمكن للأرض والشمس "جذب" بعضهما البعض عندما لا يلمس أحدهما الآخر، ولا يوجد بينهما شيء رابط كالحبل بل فراغ أو"لا شيء"؟ كان يتخيل أنهما لا يجذبان بعضهما البعض بشكل مباشر، لكن كل منهما يعمل تدريجياً على هذا "العدم" الذي يحيط به، أي المكان والزمان. تمامًا كما يحرك الجسم الذي يغرق الماء من حوله، يغير الجسم هيكل الزمن من حوله، وتبطئه كتلته. إذا تقدم عقرب الساعة الثاني على قمة جبل أسرع قليلاً من عقرب الساعة في السهل، فهذا يعني أنه بعيد عن مركز الأرض. أدناه، جميع العمليات أبطأ، وهذا الاكتشاف بحد ذاته كافٍ لجعل أدلتنا تنفجر. لقد اندهشت عندما علمت عنها أثناء الدراسة في الكلية. الفهم قبل الرؤية هو من صميم الفكر العلمي. تبدو الأرض مسطحة، والسماء "لأعلى" بوضوح، والأرض "لأسفل"، لكنها عبارة عن كرة أرضية تطفو بدون دعم في الفضاء، كما تصورها الفيلسوف اليوناني أناكسيماندر منذ عشرين قرنًا، قبل أن تدور المركبات الفضائية حولها بوقت طويل. تعطي الشمس انطباعًا بالدوران فوق رؤوسنا، لكننا نحن الذين ندور حولها، وبالمثل، يبدو الزمن بالنسبة لنا حقيقة عالمية، وهو التدفق الذي يحملنا جميعًا بنفس السرعة ولكنه مجرد وهم. "يتم تعريف مفهوم الحاضر من حولنا فقط" من هذا الحدس الرائع لأينشتاين نشأ كون جديد حيث يختلط المكان والزمان؟ لجعل نظرية الجاذبية لنيوتن ونظرية النسبية الخاصة متوافقتين، كتب أينشتاين المعادلات التي نشأت ليس فقط الاختلاف في تدفق الزمن وفقًا للارتفاع ولكن أيضًا الثقوب السوداء وتمدد الكون وموجات الجاذبية. في صيغة واحدة، تم إخفاء جميع أنواع المفاجآت. هذه هي أعجوبة الفيزياء النظرية، من خلال وضع الأفكار في شكل يمكن القول إنه صلب ودقيق، يأخذنا إلى أبعد مما كنا نتخيله. كانت الفلسفة قد توقعت ذلك. قال أفلاطون لعلماء الفلك إن فيثاغورس: "استخدم الهندسة لفهم حركات السماء وولد العلم من هذا الحدس: من الممكن التنبؤ بالظواهر." لا يزال العمل الذي كتبه بطليموس في القرن الأول يجعل من الممكن التنبؤ بشكل صحيح بحركات الكواكب التي نراها اليوم في السماء. نحن نعتمد على ما نعرفه، وما نفهمه، للقفز، بالقياس، نحو البقية ولكن أيضًا لانتقاد الماضي وأدلتنا. يمكن أن يقودنا دليل صغير إلى استنتاجات رئيسية: الظل الذي ألقته الأرض أثناء خسوف القمر، دائمًا مستديرًا بغض النظر عن الوقت واتجاه كوكبنا، كان كافياً لإقناع الجميع، قبل خمسة قرون قبل يسوع المسيح بأننا نعيش جالسين على حصاة كبيرة مستديرة! المحرك دائمًا هو المفاجأة والفضول، كما قال أرسطو: "الذهول هو أصل رغبتنا في المعرفة". هوبرت ريفز: "لقد ولدنا من النجوم والانفجار العظيم هو قصتنا" يصل إلينا الضوء القادم من النجوم البعيدة عندما لم يعد لها وجود بسبب بعدهم، ولكن ليس هذا فقط. قام علماء الفيزياء باكتشاف مذهل آخر: الحاضر، كما نفهمه، غير موجود ... كل جسم، كل ظاهرة في الكون، تنتج زمنها الخاص، وإيقاعها يتحدد بتأثير الكتل المجاورة ولكن أيضًا، كما يفعل أينشتاين أيضًا تكون مفهومة، وفقًا للسرعة التي تتحرك بها: تعمل الحركة أيضًا على إبطاء الظواهر، وتقلص الزمن. في فيلم بين النجوم أنترستيلير "Interstellar»، عندما يعود البطل إلى الأرض بعد مروره بالقرب من ثقب أسود، يجد ابنته. لقد تركها عندما كانت طفلة بعمر العاشرة، وأصبحت أكبر منه بكثير بعمر التسعين. هذا ليس خيالًا علميًا ولكنه عرض دقيق للواقع لم تتح لنا الفرصة بعد ملاحظته. كان الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، العالم كيب ثورن، المتخصص في الثقوب السوداء وموجات الجاذبية، تم تعيينه كمستشار فني قام بحساب العمر الذي يمكن أن تحصل عليه الإبنة – الجدة. لذلك عندما نقول كلمة "الآن" فهي لا تعني شيئا إنها من نسج العقل، في الواقع لا شيء يحدث في وقت واحد هنا وفي أي مكان آخر في الكون؟ هذه إحدى نتائج تشوهات الزمن: يتم تعريف مفهوم "الحاضر" من حولنا فقط. السؤال: ما يحدث الآن، على سبيل المثال، على كوكب بروكسيما ب - أقرب كوكب خارج المجموعة الشمسية إلينا، على بُعد أربع سنوات ضوئية من الأرض - لا معنى له. إذا تمكنا من مراقبة هذا الكوكب باستخدام التلسكوب، فسنرى ما حدث قبل أربع سنوات. تُظهر نظرية النسبية العامة أن الكون لا يحكمه ترتيب واحد، بل سديم الأزمنة "المحلية". معادلاتها تجعل من الممكن حساب الفرق الموجود بينها وبين تطورها فيما يتعلق ببعضها البعض. ما نسميه "الآن"، هو مجرد فقاعة زمنية حول الأرض، إذا حددناها، على سبيل المثال بالنانو ثانية، فإنها تمتد فقط بضعة أمتار، أما إذا حددناها في أجزاء من الألف من الثانية فسوف تمتد لعدة كيلومترات. إن فكرة وجود "حاضر" محدد عبر الكون هي استقراء غير شرعي من تجربتنا. ربما كان أغرب ما اكتشفه أينشتاين هو أن بعض الأحداث ليست في الماضي تمامًا ولا في المستقبل بالكامل، ولكن في الفاصل بين الاثنين، نوع من "الحاضر الممتد" الذي يمكن أن تكون مدته طويلة جدًا: ثلاثون دقيقة على المريخ، ثمانية سنوات على Proxima b ... "الديناميكا الحرارية فقط هي التي تعرف اتجاه الزمن"؟ هذا هو أكثر ما يهمنا، هذا التيار الأبدي الذي ينطلق من الماضي الذي حدث والذي لم يعد بالإمكان تغييره، نحو المستقبل غير المؤكد، الأسباب التي تسبق الآثار والنتائج. واجهت فيزياء القرنين التاسع عشر والعشرين اكتشافًا مثيرًا للقلق: القوانين الأولية التي تصف آليات العالم - الميكانيكا والجاذبية والكهرباء والمغناطيسية - لا تميز الماضي عن المستقبل، معادلاتها لا تعرف الزمن. واحد فقط يعرف اتجاه الزمن، وينص على معنى في كشف الظواهر. أعلن العالم الألماني رودولف كلاوسيوس أن هذا هو القانون الثاني للديناميكا الحرارية، حيث ينص على أن: "الحرارة لا يمكن أن تنتقل تلقائيًا من الجسم البارد إلى الجسم الساخن." سقوط الكرة على سبيل المثال، يمكن أن ترتد، وتنتقل من أعلى إلى أسفل أو العكس، ولكن في حالة عدم وجود تغيير خارجي، لا يمكن أن "ترتفع" حرارة الجسم من الساخن إلى البارد. الفرق بين الماضي والمستقبل هو هذا فقط، هذا الممر من الحار إلى البارد. سمى كلوسيوس ذلك "الإنتروبيا" مقياس هذه الكمية من الحركة غير القابلة للعكس للحرارة. إذن الحرارة لا تزيد من تلقاء نفسها في الفضاء؟ لتوليد حرارة النار، على سبيل المثال، عليك تدمير الحطب وليس من الممكن العودة إلى الوراء، فهو فعل لا رجعة فيه، لا يمكنك إعادة الرماد إلى حالة الخشب. هذا هو ما يفصل بين الماضي والمستقبل، لكنه اختلاف طفيف، لأن طبيعة الحرارة معقدة ومرتبطة بوصف غير دقيق للعالم. لا نعرف بعد لماذا، في النهاية، ننتقل من الماضي إلى المستقبل. في الماضي، كانت الأمور أكثر تنظيماً وبرودة، لكن لماذا هذا، لا نعرف، لا يزال هذا لغزًا. "النيازك هي رسل الماضي" لدينا، كما توضح، رؤية "غامضة" للزمن والمادة والتي تمنعنا من فهم كيفية عملها بشكل أفضل. الحدس العظيم لودفيغ بولتزمان ومعاصريه هو أن الحرارة ليست مائعًا. أظهر هذا العالم والفيلسوف النمساوي من نهاية القرن التاسع عشر بوضوح أنه نتاج التحريض المجهري للجسيمات. عندما ننظر إلى كوب من الماء، نراه عندما يرى رواد الفضاء الأرض من القمر: كرة هادئة مزرقة، لا يخمنون شيئًا عن صخب الحياة والنباتات والحيوانات. في انعكاسات كأس ثابت من الماء، يخفي النشاط المضطرب لعدد لا يحصى من الجزيئات المائية، عددًا أكبر بكثير من جميع الكائنات الحية على الأرض. هذا التحريض يمزج كل شيء، إذا كانت بعض الجزيئات ثابتة وباردة، يتم جرها من قبل الآخرين، ينتشر التحريض، تصطدم الجزيئات وتدفع بعضها البعض وتسخن. الفرق بين الماضي والمستقبل غير موجود في القوانين الأساسية للحركة، ولا في القواعد العميقة للطبيعة، ولكن في هذا الاضطراب الطبيعي الذي انتشر منذ ولادة الكون. ومع ذلك، إذا نظرنا إلى الجزيئات الفردية أثناء الحركة، فلا يزال من المستحيل بالنسبة لنا التمييز بين الماضي والمستقبل على هذا النطاق، ولا نعرف ما الذي يميزهما. "خطأ في التطور" على أية حال، اكتشف العلماء في العصور القديمة الكثير عن طبيعة الزمن. بالنسبة لأرسطو، الزمن هو مقياس التغيير المستمر للأشياء، للمرور بين حدث وآخر. حيث لم يحدث شيء، فالزمن، باختصار، لا وجود له. على العكس من ذلك، افترض نيوتن وجود زمن مطلق يتدفق بشكل مستقل عن العالم وظواهره. أظهر أينشتاين أن كلاهما كان على حق في نفس الوقت. التعريف العام الذي قدمه أرسطو وثيق الصلة، ولكن كما كان لدى نيوتن الحدس، هناك بالفعل إطار مستقل ينسج الزمن: إنه مجال الجاذبية الذي يتفاعل مع جميع المجالات الأخرى. أطلق عليها أينشتاين اسم "قنديل البحر". لكن هذا المجال ليس مطلقًا ولا موحدًا. إنه يتجعد مثل الآخرين. إذا كانت الساعات تبطئ، فذلك بسبب اختلاف الجاذبية، يتشوه هذا المجال، ويكون مرنًا ويمتد حيث يكون الزمن أطول، ويتقلص حيث يكون أسرع. وفيما يتعلق بالمادة، هناك، بطريقة ما، جسيمات الزمن الأولية ... هذا هو مسار المقاربة العلمية في، مجال الجاذبية الكمومية. ما زلنا نحاول فهم الطبيعة الكمية للزمن. نعتقد أن مجال الجاذبية لا يفلت من خصائص الذرات، فهو مثل المادة، ليس مستمرًا ولكنه يتكون من "حبيبات"، من الكوانتات وأن هناك حدًا أدنى للفاصل الزمني، وهو نوع من عنصر الجسيم في الوقت الذي يستحيل تقسيمه. لدينا فكرة جيدة عن قيمة تلك الحبيبات. يقول روفيللي: أثناء تأليف هذا الكتاب، أدركت أنه بطريقة غير عادية إلى حد ما، إنها فكرة قديمة، أثارها بالفعل بعض العلماء في العصور الوسطى. "الرياضيات ليست غير إنسانية" إن مرور الساعات والثواني هو أيضًا عبارة عن علاقة بالنفس، أنت تقول إن دماغنا هو آلة للسفر عبر الزمن مما يجعلنا نخاف الموتى وهذا خطأً؟ الزمن الذي نعيش فيه ليس زمن الفيزياء فقط. كتب مارسيل بروست من وحي هذا الحدس الذي أكده علم الأعصاب: ما ندركه مع مرور الزمن يأتي من ذاكرتنا، من بنية دماغنا. الزمن يجعلنا، يفككنا وهو مشحون بالعواطف. إن جنسنا البشري لديه ذاكرة أكثر تطوراً ولكن لديه أيضًا قدرة كبيرة جدًا على التوقع مما دفعنا إلى إدراك محدوديتنا والخوف من الموت. يبدو لي أن هذا نوع من خطأ في التطور. الخطر المباشر، قرب زناد الموت ردود الفعل العنيفة في الثدييات التي يكون اهتمامها بالتطور واضحًا جدًا. إنهم يحشدون قواتهم للهروب، مما يؤدي إلى انفجار. لكن لحظة التأهب القصوى هذه لا تدوم. بمجرد زوال الخطر، تعود الحياة الطبيعية إلى مسارها. بالنسبة لنا، فإن إدراك أننا سنموت قد تسبب في حدوث نوع من قصر الدائرة المعرفية مع غريزة البقاء الفورية. يتجه عدد كبير من الآليات في الأحياء نحو الموت، فالخلايا لديها عمليات تدمير ذاتي حتى نتمكن من الاستمرار في الوجود. نحن أنفسنا سنموت حتى تستمر الحياة. رد فعلنا العاطفي البشري المحدد للغاية هو مرض. أعتقد أننا يجب أن نشفى من خلال الاعتراف بأن الفناء هو الذي يجعل حياتنا ثمينة.

 

عرض د. جواد بشارة

 

محمود محمد علي3- التعريف بالمؤلف:

في حياة الأمم والشعوب أفراد يتميزون عن غيرهم بحيوية الفعل، وبالقدرة علي التضحية، وقد عرفت العراق الشقيقة نماذج رائعة من هذا النوع من الرجال الذين شكلوا طلائع الإحساس العميق بضرورة التغيير، وتمتعوا بقدرة كبيرة علي الاستنارة، وكان المفكر والباحث والكاتب الدكتور فتحي التريكي، واحداً من كبار المفكرين التونسيين والذي تميز بإنتاجه العلمي الفكري الثري والمتنوع في مختلف أبعاد وجوانب العلم والثقافة.

وفتحي التريكي مفكر تونسي معروف في العالم العربي، حصل على دكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون بباريس وعلى دكتوراه الدولة في الفلسفة من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس. ويعمل استاذ كرسي اليونيسكو للفلسفة بجامعة تونس. ساهم صحبة جاك دريدا في اقتراح فلسفة التعايش والتعقلية واقترح أيضا فكرة تقاسم الكونية.

شغل منصب عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية بصفاقس من 1990 إلى 1996 وعُين في كرسي اليونسكو للفلسفة بالوطن العربي في 1997. ثم عمل أستاذا زائرا بجامعة ديوك بالولايات المتحدة في 1999 وبجامعة باريس 8 في فترات متباعدة زمنيا سنتي 2000 و2007.

ولقد ترجمت أعماله إلى اللغات الأجنبية. درّس الفلسفة في جامعات كثيرة ببلده تونس وفي باريس كما شغل منصب كرسي اليونسكو في العالم العربي وساهم في الفعل الفلسفي بالندوات والمحاضرات تونسيا ومغاربيا وعربيا ودوليا فضلا عن مؤلفاته العديدة باللغة العربية والفرنسية منها على سبيل المثال: الفلاسفة والحرب (1985)، وأفلاطون والديالكتيك (1986)، وفلسفة التنوع (1987)، الفلسفة الشريدة (1987)، والعقل والحرية، وفلسفة الحداثة (1992)، (بالاشتراك مع د. رشيدة التريكي)، والحداثة وما بعد الحداثة (2003)، (بالاشتراك مع د. عبدالوهاب المسيري)، والهوية ورهاناتها (2010) وغيرها كثير.

تشغل الدكتور فتحي التريكي قضايا متعددة متضافرة مثل “فلسفة اليومي” التي تحتل مكانة خاصة في نشاطه الفلسفي وإلى جانب ذلك فهو يعالج عنقودا من القضايا الفكرية الساخنة الراهنة التي شغلت ولا تزال تشغل المفكرين المعاصرين في بلداننا وفي مختلف بلدان العالم وفي مقدمتها “أخلاقيات الفلسفة المعاصرة”، و”مجال التفلسف”، و”التعددية الثقافية” و”تضافر الثقافات”، و”المعقولية وثقافة التقدم”، و”الفلسفة والقول في الفن”، و”الهوية” و”دور المثقفين” في حركات التغيير السياسي والاجتماعي.

والجدير بالذكر هو أن عددا من الكتب والأطروحات الجامعية قد أنجزت حول أعمال "فتحي التريكي"، والتي كشفت لنا أن فتحي التريكي ينتمي إلى دائرة ما نطلق عليه اليوم الفلسفة العربية المعاصرة التي يتناول ممثليها بشجاعة مثيرة للإنتباه حاضر السؤال الفلسفي، والذي لم يعد محصورا في إنتاج الأنساق بقدر ما هو في التفكير، الفلسفة ذاتها التي يسميها بفلسفة التنوع والتي تتأسس على الإيمان بالعقل والحرية كطابع تتأسس عليه الفلسفة اللانسقية أو الفلسفة الشريدة النص الذي من خلاله يؤسس لشرعية السؤال الفلسفي والذي بدوره لم يعد حكرا على جغرافية معينة أو جنس بشري لا لشئ سوي لأن كل سؤال للفلسفة يجب أن ينبني على العقل الذي لا يقبل حصرا جغرافيا أو عرقيا، فالفلسفة الشريدة هي بيان لشرعنة التجربة الفلسفية من جهة، ومن جهة ثانية تحرير عملي من الأزمة السيكولوجية التي وضع الفكر العربي نفسه حبيسا لها (12).

وتبعا لذلك فإن البحث عن الفلسفة في رأي "فتحي التريكي" يتجلي في البحث عن فلسفة التنوع، والتي يعرفها في مدخل كتابه الفلسفة الشريدة كالتالي: لم نعد  نعتبر الفلسفة ذلك التفكير الكلي الموحد الذي يعطيك فكرة إن لم نقل حلا لكل سؤال يطرح عليها حسب هذه الوحدة الشاملة، لم تعد نسقا وحيدا، متماسكا بل أصبحت حرية وتنقلا شتاتا وتعددا تنتجها ميادين فتاتي مختلفة الأوجه متباينة المضارب والمآرب، إنها فلسفة مناهضة للنسقية والمذهب كما أنها تقوم على نقد العقل الموحد ورفضه ليحل محله منطق العقل المتنوع، وبناء على هذا تصبح الفلسفة المفتوحة تجمع الأفكار لتكوين  خطابات مختلفة من أجل التدخل في العلوم المختلفة، في الفن، والدين لتطور العلوم المختلفة، يغية توضيح المفاهيم وتحديد المناهج والدفاع عن حرية التفكير والإبداع، فالفلسفة المفتوحة بهذا المعني تعني اللانسقية واللامركزية واللاسيد في الخطاب الفلسفي، لأن الفلسفة قبل أن تصل إلى مرحلة الشرود والتنوع كثيرا ما كانت تتحدد مع تاريخها، أي تجعل من تاريخها وتاريخ أفكارها موضوعا للدراسة والبحث . ومن ثم أصبحت تعود غلى أصلها وتاريخها، وتلم بالأنساق الفلسفية السابقة وتفسرها وتصنفها إلى مذاهب وتيارات فلسفية عديدة وأصبحنا نحن بدورنا تايعين لهذا التصنيف والتقليد (13).

4- أقسام الدراسة:

يري "فتحي التريكي" أن الذاكرة ركيزة الحاضر، والتقاليد هي عامة تأصيل الذاكرة في الحاضر، وهي حضور الماضي واستمرار حيوي للوظائف الأساسية للمجتمع . فليس الحاضر كما يري المؤلف تقويض الذاكرة، وتلك التقاليد ولا يمكن أن يكون تكسير ما قد ركزته الذاكرة من تقاليد اجتماعية حيوية تضمن استمرارية نمط العيش في المجتمع ... وبهذا المعني، تبقي الذاكرة حيوية في الحاضر، وبهذا المعني تبقي التقاليد ضمانا لها . أما إذا أصبحت هذه الذاكرة وهذه التقاليد ثوابت مانعة لكل تحول فكري واجتماعي، إذا تحولت إلى نسق يفرض السكون والسكوت والثبات والانغلاق، فإن الحاضر يتحول إلى عملية صراع مع هذا النسق فيفرض بدوره التجاوز بأن يعود إلى الذاكرة لإظهار عوامل التغيير والحركة فيها كما يفرض النظر إلى المستقبل والمصير ركيزة للتحول وللعيش المشترك في كنف الكرامة (14).

ويستطرد "فتحي التريكي" فيقول:" هكذا سوف لن تكون كتابة السيرة الذاتية استكشاف الحقائق ورفع النقاب عن المجهول في حياة الكاتب ولن تقصد التشويق والإثارة ومعرفة الأحداث التي تهم الكاتب وإبداعاته فقط، فهي أيضا إحياء للحاضر من جديد باعتبار أن الحاضر يضمحل في اللحظة التي يعيشها الفرد ليدخل عالم الذاكرة ... يستهرب الحاضر دائما كالزئبق .. ويتركنا أمام مصيرنا.. عندئذ تكون سردية الذاكرة إبداعا في حد ذاته يأتي عادة في ثلاثة محاور أساسية . أما المحور الأول فهو يقوم على سرد العواطف والشعور . وكل ما يدخل في باب الوجدان وهي عملية صعبة تتطلب أحيانا تمزيق الغطاء الذي يحمي الفرد في حميميته ولكن ومع ذلك فإن شغف القارئ يزداد قوة عندما يجد في السيرة الذاتية عملية رفع النقاب عن الحميمي . إنها تشبه لذة استراق النظر، ولكن الوجدان هو انفتاح فوري ودون واسطة على الوجود.. أما المحور الثاني فيقوم علي العقل وتدبير الحياة وقد لا يهتم بهذه السردية الكبيرة من القراء لأنها قد تأتي في أسلوب غير تشويقي .. أما المحور الثالث فيهم أخلاقيات التعامل مع البشر والحيوان والطبيعة، وللقارئ اهتمام خاص بكيفية التعامل مع المبادئ وبناء المصير . فالحياة هي ايضا نضال متواصل من أجل قيم اختارها المرء لبناء مصيره ومصير وطنه ومحيطه .. نضالات لا تنتهي بأفراحها وأتراحها .. وستلعب الذاكرة هنا دور استئناف تلك النضالات من جديد .. لأن ذكرها من خلال تذكرها هو في حد ذاته نضال مستم (15).

لم يكتف بذلك بل يؤكد "فتحي التريكي" فيقول:" وشخصيا في هذا الوصف لمسيرتي الذاتية سأركز على المحور الثالث دون أن أترك المحورين الأولين لأنني أبتغي أن يكتشف القارئ بعض الجواني في مسيرتي والتي لم أتحدث عنها كثيرا أو بقيت غامضة .. إني أعتبر كل كتبي التي ألفتها أو التي حررتها أو التي شاركت فيها هي محطات نضالية من أجل عيش مشترك في كنف الكرامة . والاشتراك هنا يكون مع الأخ والصديق والزميل والمواطن والإنسان ولكن وأيضا مع الحيوان ومع الطبيعة من خلال قيم الجمال والكرامة .. واخترت نتيجة ذلك ألا يكون هذا السرد تعاقبا زمنيا بداية من الصغر وصولا إلى آنية الكتابة (16).

ثم يفتح "فتحي التريكي" سيرته بالحديث عن البيت العائلي الكبير الموجود على أطراف مدينة صفاقس، بيت ستلتقي فيه لاحقاً أسماء وازنة في الأدب والفكر والسياسة من أمثال محمود المسعدي ودرة بوزيد وحنا مينة وفرانسوا شاتلي وغيرهم... وكسائر مسارات الإنتلجانسيا العربية والمغاربية سيدخل الكتّاب وسيكون القرآن هو النص الأول في علاقته بالقراءة والكتابة (17)، وهو يروي لنا سيرة طفولته في هذا البيت العائلي، تصدمنا بشكل جارح صورة العم فرج، الرجل المخصي الذي يرتدي ألبسة غريبة لا هي تلك الخاصة بالرجال ولا تلك الخاصة بالنساء، لقد تم خصي هذا الرجل لأنه كان ينتمي إلى عائلة عبيد البايات، وكان طباخ زوجة وبنات الباي (18).

في هذا البيت، سيقضي "فتحي التريكي" طفولته ومراهقته، بين أسرة منسجمة محافظة لكنها ليست متعصبة، إذ يسمح الأب فيها لبناته الثلاث بالالتحاق بالمدرسة ولاحقاً الجامعة. ينهض وعي الفتى على أسئلة سياسية مركزها الحبيب بورقيبة بأفكاره الجريئة، وسيدخل المدرسة بأطوارها المنتظمة وسيتعلم باللغتين العربية والفرنسية، وسيكتشف مبكراً موهبته الأدبية، وسيكتب الشعر ويرسل قصائده إلى البرنامج الأدبي الإذاعي وسيعرف نجاحاً يجعل منه شاعر الثانوية، بل يُدعى إلى المشاركة في ملتقى خاص بالشعراء لإلقاء محاضرة عن أبي القاسم الشابي الذي يمثل طريقة الأول للكتابة والقراءة (19)، ولدى الالتحاق بالجامعة طالباً في قسم الفلسفة، ستعرف حياة فتحي التريكي انقلاباً جذرياً، وبالأساس بعد أن يقيم في شقة يؤجرها مع طلاب آخرين بشارع الحبيب بورقيبة، ولأنهم لم يكونوا يملكون خمسين ديناراً مقابل الكراء، فقد طلبوا من الفيلسوف ميشال فوكو الذي كان يدرّس في الجامعة أن يقرضهم المبلغ، وهو بالفعل ما حصل (20).

لقد فُتح باب الفلسفة لفتحي التريكي من خلال ميشيل فوكو، بحضوره وذكائه واجتهاداته، وسيكون هذا اللقاء محدداً لمصيره، ومساندة لقضية المرأة التونسية، فقد ألقى فوكو محاضرات عامة في نادي الروائية التونسية جليلة حفصية التي كانت تكتب بالفرنسية، وقد اندمج فوكو إلى حد كبير في الحياة الاجتماعية التونسية، كما يروي الكتاب، وكان على اتصال بنضالات الطلبة، بل إن بيته في سيدي بوسعيد سيصبح مقراً للقاءات المناضلين اليساريين (21).

إن انغماس فوكو في الحياة التونسية سياسياً وثقافياً جعله يعطي مثالاً مختلفاً عن الصورة النمطية للفيلسوف وذلك بانشغاله باليومي، وليقول لنا إن الفلسفة ليست منقطعة ولا مقطوعة عن الحياة اليومية، وهو ما جعل فتحي التريكي يمارس التفكير الفلسفي في تقاطع وجدل مع الفعل السياسي اليومي. ومنطلقاً من ذلك، تعرض هذه السيرة الذاتية محطات السجن والتوقيف والملاحقات والإقامة الجبرية التي تعرّض لها فتحي التريكي في مساره كطالب ومن ثم كأستاذ جامعي، والصعوبات السياسية التي اعترضت حياته المهنية لاحقاً (22).

ويعرض "فتحي التريكي" من خلال هذه السيرة الذاتية "الذاكرة والمصير: محطات في سيرتي الذاتية"، مرحلة الثورة وسقوط نظام بن علي وما بعدها وما رافق ذلك من خوف من صعود الإسلاميين واستحواذهم على السلطة والمؤسسات، وفي هذا ندرك كيف يُنْزِل الفيلسوف الفلسفة إلى الشارع لترافق المتظاهرين ولتصنع السؤال الفلسفي الذي يحاور ويفكك حلم التغيير الذي رفعته الآلاف التي أسقطت الديكتاتور، وكيف يسهم الفيلسوف في صناعة يوميات الثورة من خلال المشاركة في التظاهرات وأيضاً من خلال عضويته في "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي" (23).

بهذه السيرة الذاتية، ندرك بأن زمن الفيلسوف الذي يعيش في البرج العالي قد ولّى، وهذا زمن جديد قد حل حيث لا وجود للفلسفة والفيلسوف إلا في معترك الحياة اليومية، فالمفاهيم تنحت من مساهمة الفيلسوف في التغيير ومن حركية التاريخ الذي يصنعه اليومي في تفاصيله الغنية.

والسؤال الان هو: هل نجح المؤلف في تحقيق هذا الهدف الذي نذر كتابه له؟

في ظني أن المؤلف تمكن – إلي حد كبير – من تحقيق هذا الهدف، إذ يلحظ القارئ – المنصف- أن فتحي التريكي أكد علي حقيقة مهمة في هذا الكتاب وهو أن  أدب السير لا ينتعش حقيقة إلّا في المجتمعات التي تعطي للفرد حرّيته وقيمته الذاتيّة. لذلك نري الكاتب يعلن بأننا:" لن تجد هذا النوع من الكتابة منتشرا في المجتمعات العربية المغلقة والتي تحرّم وتكفّر وتغلق التفكير في الذات والتجارب الفرديّة بينما لنا طاقات عجيبة وذات أهمّية قصوى في كتابة تاريخ الأمّة. نحن شعب الجماعة ولسنا شعب الذات. وقد بدأت الرواية في تعرية الفرد والاهتمام بالحياة الفرديّة والحميميّة ولكنّ ذلك يدخل ضمن باب الخيال ويشير إلى آخر نتحدّث عنه بينما السيرة ملزمة لأنا المتكلّم وكلّ حدث بل كلّ لحظة تضمّنتها سرديّة السيرة خيالية كانت أم واقعيّة تلزم الكاتب وتصبغ صورته نهائيا. كلّنا قرأنا الأيام لطه حسين وبقيت في أذهاننا الصورة التي بناها لنا بإتقان عجيب. لكلّ ذلك ترددت كثيرا قبل كتابة سيرتي الذاتية....وعلى هذا الأساس وجّهت الحفر في الذّاكرة أساسا نحو نضالاتي المتعدّدة في مراحل مختلفة من مسيرتي وسأخصص الجزء الثاني للحديث عن سيرتي الفلسفية وأملي أن يستفيد القارئ منها. فالذاكرة ركيزة الحاضر، والتقاليد هي عامة تأصيل الذاكرة في الحاضر، وهي حضور الماضي واستمرار حيوي للوظائف الأساسية للمجتمع" (24).

كما أن حرص "فتحي التريكي" علي الموضوعية والحياد، لم يصل إلي درجة التجرد من الحرص علي منطلقات الأمة وثوابتها، بل راح يعلق بين الفينة والأخرى، ويحاور القارئ ويشركه في الحوار، ويبدي غضبه أحياناً ممن يمس عقيدته أو ثوابته،حتي أنه يقول بصراحة:" في كلّ أعمالي تقريبا حاولت التشهير بسلطان الكلمات التي تأتي في قالب مذهبيّة مغلقة وبكلّ هيمنة للمذاهب الكليانيّة في الميدان السياسي وفي الميدان الفلسفي على حد السواء. لكلّ ذلك دافعت عن الفلسفة المفتوحة التي تضم داخلها كل المواضيع الفلسفية الكلاسيكية من جهة ومواضيع الحياة اليوميّة المتنوّعة من جهة أخرى.. لهذا السبب على كلّ ممارسة فلسفية إذا أردنا إحياء الفكر الفلسفي من جديد في عالمنا العربي أن تتجنّب إضفاء المشروعية الدائمة على ما نعرفه من قبل وبالتالي على كل تارخيّة مفرطة للفلسفة ولتعليمها. فعليها أن تكف عن نبش جثتها وتشريح أعضائها وأن تكون قولا توضيحيا وتفكيريا في مواجهة فعلية لايديولوجيا الارتكاس، أي في مواجهة فقدان الذات والعدم. فالإشكال عندنا وجودي مصيري ينطلق من السخط المشترك الذي لاحظناه عند المثقفين العرب على الوضعية التي آل إليها فكر الحداثة والمعاصرة في المجتمعات العربية والفهم المغلوط والمنحرف لمعانيه الدّقيقة مما دعا البعض إلى تعمّد إقصاء كافة تميّزاته ونعته بالفشل والدعوة إلى التخلي عنه إما في سبيل تجاوزه نحو ما سمّي "بما بعد الحداثة" وإما تنكرًا ودعوة إلى إحياء السلف وتمترسًا بالأيديولوجيا التراثيّة الارتكاسية والرجعية (25).

ويستطرد "فتحي التريكي" فيقول: لقد هيّأت الفلسفة المفتوحة في العالم العربي أمكانيّة النضال ضد الأنغلاق الفكري والسياسي لذلك وجب في رأيي أن تتمحور الإشكالية الأساسية للفلسفة العربية المعاصرة حول الحرّية والمواطنة. ولا أشك لحظة أنّ القصد في الفلسفة العربية المعاصرة بإمكاناتها المحدودة تحاول تركيز فكرة المواطنة في الحياة الاجتماعية العربية وألخّصه في تصّور التعقّليّة في معاملاتنا المختلفة على كل المستويات. من هذا المنظور لابد على المثقف العربي أن يناضل ضد مظاهر العنف والإقصاء بواسطة تجذير العقل في حياتنا اليومية والانفتاح على الغير. نعني بالغير الإنسان الآخر الذي هو إنسان مثلي له نفس الحقوق ووجوده يساوي وجودي انطولوجيا و أخلاقيا وقانونيا، ولكنه يختلف عني في نمط وجوده وحياته وقناعاته. يعني ذلك أن "الإنسان الغير" ليس هو فقط غير أنا بل هو أنا آخر، أنا الغير، هو الأنا الذي يختلف عن ذاتيتي وهو موجود مثلي في عالمنا المشترك له حضوره كأنا آخر سواء كان في علاقة معي أو كان منفصلا كل الانفصال عني. وبإيجاز كبير يمكننا إحياء الفكر الفلسفي عندنا بتجديد مفاهيمنا ولإبداع نظريّات تناسبنا وتحيي معاصرتنا وحداثتنا حتّى نتعايش في كنف الكرامة" (26).

ويسرني في نهاية هذه القراءة أن أبارك للأستاذ الدكتور فتحي التريكي تأسيسه لموضوع جديد وهو السيرة الذاتية الفلسفية، حيث إن أغلب  ما يقصد إليه المفكرون والفلاسفة، أثناء كتابة سيرهم الذاتية، هو النمو الروحي والفكري لشخصياتهم، ثمّ التطور المعرفي الذي يطرأ على رؤاهم إزاء مشكلات الفهم المختلفة، وأيضاً قياساً إلى العوامل المحيطة بهم، وليس من قبيل الشخصانية المتمحورة حول الأنا، ما يدفعهم إلى الكتابة عن أنفسهم. وإمّا هو الربط بين سيرهم ومسيرتهم العلمية والثقافية ما يجنح إلى فعل ذلك.

وفي رأيي "فتحي التريكي"، فالفلسفة التي أصبحت ذات اتجاه تنوّعي وتطبيقي يمكنها فتح مجالات فكرنا نحو إحداثيات العصر حتّى نمتلك عصرنا ونفهم آلياته. وعندما يقترب التفكير الفلسفي المعاصر أكثر من مشاغلنا وهمومنا، وذلك بآليات الفلسفة وتقنياتها، مطيحاً بأرستقراطيتها وعزلتها، سيكون هذا التفكير مجبراً على إبراز الصبغة العملية التطبيقية للفلسفة، وسيعتبر أن مجالها الحقيقي قد تحدد الآن في النقد والعقل والتعقّل.. والرّهان الذي نشتغل عليه نحن في تونس اليوم، ضمن نشاط ثقافتنا وندافع عنه، هو إعطاء الفلسفة القدرة على الدفاع عن سيادة الفرد الحرّ ضدّ التحيُّز الجمعي، دون أن يسقط الفرد في غياهب الوحدة والتفكّك.

إنّ الدّفاع عن الحريّة وعن الحقّ في الاختلاف وعن الغيريّة في نظر "فتحي التريكي"، هو في النّهاية نضال من أجل أن تكون كرامة الإنسان مبدأ وأُسّاً لكلّ عيش معاً. وفي رأيي، يجب أن تكون تلك هي الغاية القصوى للفلسفة في العالم العربي إذا ما أراد اجتراح نقلة نوعيّة من استيراد الأفكار والعلوم والتكنولوجيا إلى الإبداع الحقيقي في هذه الميادين، دون التخلي طبعاً عن تقاليدنا وعن تراثنا المنير.

وحتى لا يطول بنا الحديث أقول في نهاية حديثي تحيَّة طيبة لأخي الدكتور ”  فتحي التريكي”، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للفيلسوف الحق الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج، هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهيَّة الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وأخيراُ وعلي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور”  فتحي التريكي ”،  بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لفيلسوف نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود.

تحيةً لـ”  فتحي التريكي ”، ،  الذي  لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في ”  فتحي التريكي ”،  قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........................

الهوامش

12- د. بن شرقي بم مزيان: التجربة الفلسفية وحدود الممارسة في فكر فتحي التريكي، منشور ضمن كتاب العيش سويا قراءات في فكر فتحي التريكي، أوراق فلسفية (15)، دار الثقافة العربية، القاهرة، 2006، ص 51.

13-د. خان جمال: فكرة الوحدة ومعقولية التنوع، منشور ضمن كتاب العيش سويا قراءات في فكر فتحي التريكي، أوراق فلسفية (15)، دار الثقافة العربية، القاهرةن 2006، ص 76.

14- فتحي التريكي:  المصدر نفسه، ص 18.

15- المصدر نفسه، ص 19.

16- المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

17- المصدر نفسه، ص 23 وما بعدها.

18- المصدر نفسه، ص 28.

19- المصدر نفسه، ص 32.

20- المصدر نفسه، ص 38.

21- المصدر نفسه، ص 41.

22- المصدر نفسه، ص 46.

23- المصدر نفسه، ص 53.

24- المصدر نفسه، ص 55.

25- المصدر نفسه، ص 63.

26- المصدر نفسه، ص 78.

 

 

محمود محمد عليتقديم: لا شك في أن الإنسان العظيم كالمحيط الواسع، في أي ناحية تنظر إليه تراه يعانق السماء، ويوحي لقاء الأفق هذا بالارتفاع، بكل مضمونات الرفعة المعنوية والرفعة المادية معاً، لأنك في كل ناحية ترسل نظرك فيها تجد جمالاً أو فضلاً، وتقتنع فوراً بأن العين لم تحط بعد بكل الجمال الذي فيه، ولم يدرك العقل بعد كل الخير الذي احتواه.

والأستاذ الدكتور فتحي التريكي (30 مايو 1947......... )، الأستاذ المتميّز في الفلسفة، وصاحب كرسي اليونسكو بالعالم العربي، ونشهد للمناضل الديمقراطي والمفكّر النّابه بانخراطه في القيم الكونية وخوضه لأعوص القضايا العقلانية، تحت مسميات متعددة " معقولية التنوع "،"فلسفة الحداثة "، " العقل والحرية"، " الحداثة وما بعد الحداثة" ؛ إضافة إلى دراساته بالفرنسية عن " الروح التاريخي عند العرب " و" استراتيجية الهوية"، والفلاسفة والحرب" (1).

وقد وجدت رؤية فتحي التريكي (مع حفظ الألقاب) اهتماما لدي عدد من الباحثين خاصة في تونس والحزائر، ممن تناولوا الموضوعات التي كتب فيها بالبحث والتعليق من تلاميذه المتكثرون في الجامعات العربية والذين يميلون إلى تأكيد الرؤية الفلسفية البديلة التي يطرحها، وهي روج النقد والمعقولية، والتعدد، والتفتح، الداعية للصداقة والغيرية والعيش سويا، وهو يمثل بالنسبة لهم رامزا رأسماليا وفق تعبير بورديو من كونه سلطة معرفية (2).

وهذا واضح من خلال كتابه الأخير الذي بين أيدينا، وهو كتاب "الذاكرة والمصير: محطات في سيرتي الذاتية"، التي صدرت عن الدار المتوسطية للنشر بتونس عام 2020م، حيث يطرح رؤيته الخاصة لما يسميه بالسيرة الذاتية الفلسفية، من خلال كتابته عن سيرة الفكرة في ولادتها وطفولتها ومراهقتها وشبابها وكهولتها وشيخوختها، وفي علاقتها الجدلية مع حياته الفردية والجماعية، مع الحميمي والسياسي، وتلك معادلة ليست يسيرة التحقيق ؛ خاصة وأن فن السيرة الذاتية الفلسفية عند فتحي التريكي فيه "نوع من الحكي الروائي الذي يستعين بجماليات الأسلوب، وبالقدرة على التخييل في تصوير عالم زماني مكاني. ومع ذلك، فإن السيرة الذاتية هنا في نظر فتحي التريكي تختلف عن الرواية في أن العالم الذي تصوره هو عالم الذات، أو هو العالم كما تراه الذات الساردة، بينما هناك في الرواية عوالم ورؤى مختلفة للذوات التي ينسجها المؤلف في إطار عمله" (3).

كذلك في هذا الكتاب أكد التريكي أن القارئ سيجد فيه نوعا من التقاطع بين الذكريات والمذكرات والسيرة الذاتيّة دون أن ألتزم بقواعد السيرة الذاتيّة وشروط سرد الذكريات ومتطلبات الكشف عن المذكرات... ليس ذلك بسبب عسر كشف الذات أو نتيجة تضخيمها... إنّما ليكون هذا التقاطع مؤشرا على موضوعيّة التّمشي وصدق المبتغى. فسرد مسيرتي الذاتية يتطلب تداخلا بين هذه الأجناس وبين أدبيّات أخرى كالرواية والتاريخ والفلسفة لذلك لم أتوخّ السرد فقط بل استعملت التفكير الفلسفي أحيانا والتحقّق التاريخي أحيانا أخرى كما استعدت زمن البدايات واستشرفت زمن المصير كاشفا ميولاتي وقناعاتي معلنا نجاحاتي وخيباتي مستحضرا صداقاتي وخصوماتي... وأنا الآن بصدد إعداد الجزء الثاني الذي سأتناول فيه بنفس الأسلوب مسيرتي الفلسفيّة بحثا وتدريسا في الجامعة وخارجها والتي لا تخلو هي أيضا من تجارب حملت لي صداقات وخصومات سأذكرها وأذكر أصحابها بالاسم أحيانا ومنهم من رحل عن هذه الدنيا لتكون هذه المسيرة مساهمة مني في إلقاء بعض الأضواء على فترة مهمّة من تاريخ الجامعة التونسية التي هي جزء من تاريخ تونس المعاصر المفترى عليه في كثير من أحداثه وشخصياته (4).

ولهذا يعد كتاب " الذاكرة والمصير " من الدراسات القليلة التي تناولت فلسفة السيرة الفلسفبة، وهو كتاب جديد في أسلوبه، ومتميز في ومنهجيه، ويعد إضافة معرفية نوعية من بابه ؛ نظراً لما يقدمه من رؤى وأفكار، وليس ثمة غرابة أو مغامرة في أن يخوض فتحي التريكي محطات في سيرته الذاتية"، ومن بين هذه المحطات : محطة مرحلة ثورة الياسمين ولحظة سقوط نظام "زين العابدين بن علي" وما بعدها وما رافق ذلك من خوف من صعود الإسلاميين واستحواذهم على السلطة والمؤسسات، وفي هذا ندرك كيف يُنْزِل الفيلسوف الفلسفة إلى الشارع ليرافق المتظاهرين وليصنع السؤال الفلسفي الذي يحاور ويفكك حلم التغيير الذي رفعته الآلاف التي أسقطت الديكتاتور، وكيف يسهم الفيلسوف في صناعة يوميات الثورة من خلال المشاركة في التظاهرات وأيضاً من خلال عضويته في "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي"؛ وبهذه السيرة الذاتية التي قدمها لنا فتحي التريكي، ندرك بأن زمن الفيلسوف الذي يعيش في البرج العالي قد ولّى في نظر فتحي التريكي، وهذا زمن جديد قد حل حيث لا وجود للفلسفة والفيلسوف إلا في معترك الحياة اليومية، فالمفاهيم تنحت من مساهمة الفيلسوف في التغيير ومن حركية التاريخ الذي يصنعه اليومي في تفاصيله الغنية (5).

ومن عادتي عند قراءة كتاب لا أعرف محتواه، أن أخمِّن موضوعه من عنوانه، وغالباً ما يكون تخميني صحيحاً؛ فحسب علمي لم يكتب قبله كتاب في موضوع "فلسفة السيرة الذاتية "، وشرح أفكاره الفلسفية بطريقة نقديَّة، وهذا واضح من خلال التوجّه التي سار عليه " فتحي التريكي" في هذا الكتاب الذي بين أيدينا، حيث يقول :" المحطات المتعددة من مسيرتي الذاتية ستكون دون ترتيب زمني صارم، وقائمة على تنظيم له منطقيته الخاصة.. تجربتي في الحياة ثرية فيها خيبات مريرة وفيها نجاحات عديدة ولكنها مسار نضالي متعقل وجودي أحيانا واجتماعي أحيانا وسياسي لا محالة.. يسرني الكشف هنا عن بعض جوانيها خدمة لمبادئ ظلت تصاحبني في مسار حياتي وأعني التآنس والتآزر.. سيجد القارئ هنا نوعا من التقاطع بين الذكريات والمذكرات والسيرة الذاتية دون أن ألتزم بقواعد السيرة الذاتية وشروط سرد الذكريات، ومتطلبات الكشف عن المذكرات.. ليس ذلك نتيجة عسر كشف الذات أو نتيجة تضخيمها.. إنما بالنسبة إلى يكون هذا التقاطع مؤشرا على صدق التمشي وموضوعية المبتغي. فسرد مسيرتي الذاتية يتطلب تداخلا بين هذه الأجناس وبين أدبيات أخرى كالرواية والتاريخ والفلسفة لذلك لم أتوخ السرد فقط، بل استعملت التفكير الفلسفي أحيانا والتحقق التاريخي أحيانا أخرى كما استعدت زمن البدايات واستشرفت زمن المصير كاشفا ميولي وقناعاتي ذاكرا نجاحاتي وخيباتي مستحضرا صداقاتي وعداواتي (6).

2-أهمية الكتاب:

إن البحث الفلسفي في فكر " فتحي التريكي " تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث وليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة. وعلاوة علي ذلك فإن جدية " فتحي التريكي " وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المصري خصوصا، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية.

ولهذا يعد " فتحي التريكي " واحداً من أبرز الوجوه الثقافية من أساتذتنا المعاصرين، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن باحثاً ومنقباً عن الحقيقة والحكمة. إنه الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته فهو ينقب في ثنايا الفكر العربي الحديث والمعاصر، لكنه لا يسلم به من ما يكتب عنه من قبل زملائه الباحثين، بل لديه قدرة عظيمة علي أن يلقي بنفسه في خضم المشكلات المطروحة، ويشق لنفسه طريقه الخاص غير عابئ بما يقوله هذا الفيلسوف أو ذاك من أعلام الفلسفة الشوامخ.

وإذا ما أكتب اليوم عنه هذه الورقة، فما ذلك إلا نقطة في بحر فكره، وقد آثرت أن تكون ورقتي منصبة حول أحد إسهاماته في الفلسفة، وقد اخترت كتابه الذي بين يدي وهو بعنوان " الذاكرة والمصير: محطات في سيرتي الذاتية "، حيث يعد هذا الكتاب واحداً من تلك المؤلفات التي عني بها مؤلفها " فتحي التريكي " بالدفاع عن "فلسفة السيرة الذاتية".

وهنا " فتحي التريكي" أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلي مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين :

الدافع الأول : نظري معرفي، يقوم علي ضم الفروع والجزئيات بعضها إلي بعض، والتماس الروابط بينها، وصياغتها في حبكة فلسفية ممزوجة بالأدب، وهذا الدافع قد نصفه بالهدف الأول لتأليف الكتاب، أو الدافع الظاهري أيضا.

الدافع الثاني : واقعي دعوي، يقوم كما يقول المؤلف :" من الصعب جدا كتابة السيرة الذاتية لأن ذلك يتطلب استنطاق الذاكرة واستحضارها لتتأقلم مع حاضر لم تكن فيه وتأول حاضرا غادرته... هناك توتر بين حاضر مضي وحاضر سيمضي.. وهو توتر بين نقطة الاستهراب التي تميز الإحداثيات ونقط التجذر التي تشد القول والفعل إلى سمات الماضي والأصل. ولأن الحياة ذاركة والحب ذاكرة و" الذاكرة " هي البرهان الأنقي " للحاضر".. وهنا أيضا تكون الذاكرة هي الحياة والذاكرة هب الحب، وهي المصير وهي الموت (7).

لقد استطاع " فتحي التريكي" الوصول إلي نتائج ترفع من مستوي القارئ، وتجعله يقترب بسهولة من الكتاب إلي درجة الألفة والاستئناس، ويمكن إيجاز هذه الجوانب الإيجابية من المؤلف ما يلي :

أولا: الجانب التعريفي : لقد جاء الكتاب مفعماً بالجانب التعريفي من حيث أن المؤلف إنصاع المؤلف في هذا الكتاب لمغامرة "سردية الذاكرة " بما فيها من "عواطف وشعور" وكذلك من "العقل وتدبير الحياة" وأيضا بالخصوص من " أخلاقيات التعامل مع البشر والحيوان والطبيعة ". هذه المحاور الأساسية الثلاثة هي التي تؤثّث كتابه الجديد "الذاكرة والمصير، محطّات في سيرتي الذاتية" (8).

ثانياً : التتبع الدقيق للمتعة النصية من خلال من خلال أسلوبه الشيق الذي يحلّق في محطات كثيرة إلى مرتبة "الكتابة الأدبية"، لغة وتصويراً وتخيلاً، ولكنه وفي الوقت ذاته يقلّب مواجع تونس وأحلامها متقاطعة ومتناغمة مع أحلام ومصاعب فتحي التريكي نفسه، حيث يقول فتحي التريكي :" ذاتيتي هي عصري الذي عشته بحوارحي وتعقلي بقوة وجداني وصبر معقولياتي.. نعم هويتي هي ذاكرتي، ولكنها أيضا مصيري صنعته بعقلي وممارساتي ونضالي وانصهاري في الهنا والآن.. فالممارسة التذكيرية تتراوح بين الاعتراف والتعريف والكشف والتعرية من ناحية وبين ضبط وحدود المباح والتستر وفاء أو تشفيا عن اللامعقول.. فلن يجد القارئ هنا كل ما هو حميمي خاص.. ولن أنغمس في طيات حياتي الخاصة.. ذلك شأني لا أتقاسمه إلا مع ذاتي.. كذلك لن أتعمق في مسيرتي الفلسفية لعل الظروف ستتيح لي يوما كتابتها بإطناب (9).

ثالثا: الإحاطة الجيدة لحدود الموضوع المدروس، لقد أبان فتحي التريكي عن حسن تبصر، وعن رؤية واضحة للموضوع المدروس، مما جعله متمكناً من المعلومات التي يعرضها، فلقد استطاع أن يوجهها لخدمة المرجعيات الأساسية التي شكلت المنطلق الأول لتكوين فكره الفلسفي بداية من "السندباد البحري"، مروراً بـ "حي بن يقظان"، وصولاً إلى كتابات كل من جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وطه حسين والعقاد من المكتبة العربية ومن المكتبة العالمية سيبدأ رحلة القراءة بألفونس دودي وفيكتور هوغو وألكسندر دوما وجان جاك روسو والبيان الشيوعي لماركس وإنغلز وفرويد... لكن فوق كل هذه القراءات، سيظل الشابي هو المسيطر على اهتمام فتحي التريكي الشاب، ليلتحق به لاحقاً بدر شاكر السياب. (10).

رايعا : ربط الفلسفة بالشعر، حيث يتضح لنا ذلك من خلال لغة فتحي التريكي الشعرية، حيث يقول : " لا أنكر أني قريب من ذاتي جدا.. اهتم بها واعتني بكل جوانبها.. أصقلها يوميا بالمعارف والبرهان.. أجملها بالفنون والعرفان.. أنقدها وأنقذها إن حادت.. أعاقبها إن شذت.. أعاتبها إن انتفخت أو تجبرت.. أسمو بها إلى المرفق لتسكن الحب السرمدي، عالم السكون الأبدي.. المطلق.. ولكني قريب أيضا من ذات الغير.. أحاورها وأزاحمها.. أصقلها بالعلم والوجدان.. أعاهدها الأمان.. أنسي أنها في الأصل ذئب للإنسان.. وأترك الزمن للزمان فإن صدقت وحسنت عشرتها نالت صداقتي ومحبتي.. وإن انحرفت وكشرت عن أنيابها ابتعدت عنها حافظا لكرامتي ولكرامتها.. والغير أيضا غير الإنسان.. هو الطبيعة والنبات والحيوان.. عشت في الطبيعة طفولتي وشبابي وشيخوختي كوجود لا كمكان.. أحتفي بها إن كانت حجارة وترابا أو ديكا وغرابا أو حيوانا مؤذيا كالعقرب والثعبان.. ذاتي قريبة جدا من الذات الأزلية.. ذات الوجود الربانية.. أسمو بسموها.. تفتح لي باب مغادرة التفاهة ومعانقة النقاهة.. فالذات الإلهية منبع الحب والعشق والوله.. تمنحك الوجود السرمدي ليمسي وجودك الوجود.. فالذات إن قربت من ذاتيتها ومن ذاتية غيرها حلت في الذات الإلهية واكتملت (11).. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............................

الهوامش

1- د. أحمد عبد الحليم : الفيلسوف حارس المدينة، منشور ضمن كتاب العيش سويا قراءات في فكر فتحي التريكي، أوراق فلسفية (15)، دار الثقافة العربية، القاهرةن 2006، ص 13.

2- نفس المرجع، ص 14.

3-فتحي التريكي : الذاكرة والمصير محطات في سيرتي الذاتية، الدار الموصلية للعلم، تونس، 2020، ص 17.

4- المصدر نفسه، ص 18.

5- أمين الزواوي : فتحي التريكي في سيرته الذاتية: من أبي القاسم الشابي إلى ميشال فوكو، مقال بالاندبندنت العربية، الخميس 9 ديسمبر 2021 0:52

6- فتحي التريكي : المصدر نفسه، ص 20.

7- المصدر نفسه، ص 17,

8- المصدر نفسه، ص 18,

9- المصدر نفسه، ص 21.

10- أمين الزواوي : نفس المرجع.

11- فتحي التريكي : المصدر نفسه، ص 21.

 

3245 كرمان في العصر السلجوقيحرصت الدكتورة ولاء محمد محمود أن تتخصص في تاريخ المشرق الإسلامي وخصوصاً في الدول التي قامت شرق العراق، وقد شمّرت عن ساعد الجد عندما أبحرت في هذا المجال في كلية الآداب جامعة القاهرة، وهي تتلق العلم على يد أساتذة كبار من أمثال: الدكتور عطية أحمد القوصي أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية في كلية الآداب جامعة القاهرة، وقد امتلكت الباحثة أدواتها، وهضمت المادة العلمية التي توفرت في دراسة الحقب التاريخية التي تناولتها، وتوجت هذه الرحلة بأبحاث رصينة شهد لها الأساتذة الكبار الذين قاموا بمناقشتها وأعطوها أعلى الدرجات، وقد كنا قد أستعرضنا في مقال سابق لكتابها "مدينة هراة في عهد آل كرت"، وهو في الأصل رسالة دكتوراه حصلت عليها الباحثة من كلية الآداب جامعة القاهرة سنة 2017،  وقد صدر مؤخرا عن سلسلة "تاريخ المصريين" التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، واليوم نستعرض كتابها "كرمان في العصر السلجوقي 433-583هـ /1041- 1187م)"، وهذا الكتاب في الأصل رسالتها للماجستير، وقدم  الدكتور لهذا الكتاب مشرفها علي رسالتيها للماجستير والدكتوراه.

ومدينة كرمان من أهم مدن إقليم خراسان حيث لعبت دوراً كبيراً في التطور السياسي والحضاري، وتناولت المؤلفة خطط المدينة قبيل حكم السلاجقة والنظام السياسي في كرمان خلال فترة الدراسة وعوامل الضعف التي أدت غلى استيلاء قبائل الغز على المدينة والنتائج التي ترتبت على ذلك، وقد استخدمت المؤلفة المنهج التحليلي النقدي. ورجعت إلى عشرات المصادر والمراجع في اللغة الفارسية والعربية إضافة إلى اللغات الأوربية.

وقد قسمت المؤلفة كتابها إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة وفيها النتائج التي توصلت إليها وثبت بالمصادر والمراجع.

وفي الفصل الأول تحدثت عن التطورات السياسية في كرمان منذ الحكم السلجوقي حتى سقوطها في أيدي الغز وامتدت تلك الفترة 433-583هـ /1041- 1187م وقسمتها الباحثة إلى فترات زمنية: حكم السلاجقة العظام، ثم فترة الصراع بين خلفاء طغرشاه وكرمان أواخر العصر السلجوقي.

أما الفصل الثاني فتناولت فيه المؤلفة النظم الإدارية في كرمان في نقاط رئيسية هي التقسيم الإداري للمدينة واهم الوظائف بها والدواوين.

أما الفصل الثالث من الكتاب فقد تطرقت المؤلفة إلى الحياة الاقتصادية من أنشطة زراعية وصناعية والنشاط التجاري داخلياً وخارجياً ولم تغفل أهم الطرق التجارية والمعاملات المالية والعملة والأزمات الاقتصادية.

وفي الفصل الرابع تحدثت فيه عن الحياة الاجتماعية في كرمان موضحة أهم عناصر السكان وطبقات المجتمع ودور المرأة في الحياة العامة وعيوب المجتمع الكرماني في عرض متميز.

 

عرض: أبو الحسن الجمال

 

علجية عيشآن الأوان لعقد حوار يؤدي إلى إصلاح ثقافي يكون في مستوى يتم فيه قبول التعددية الثقافية، من خلال تنظيم مواسم ثقافية تناقش فيها كل الأفكار والرؤى ووجهات النظر وتطرح فيها المقترحات، للخروج برؤية موحدة ثم إيجاد آليات تجسيدها في الميدان، ففي زمن اللامبالاة تبقى على المثقف العربي مسؤولية ضخمة وعظيمة في علاج المسألة الثقافية ودراسة كل مفردات الثقافة ومفاهيمها القديمة والحديثة، فثمة مصطلحات ربطها باحثون بالمسألة الثقافية مثل التحيزات الثقافية وأنماط الحياة ومفاهيم أخرى كانت أكثر تشويها للثقافة العربية وللمثقفين العرب، كما تقع المسؤولية على الجامعة العربية التي هي مطالبة بتجديد دورها الثقافي وتعزيز الثقافة العربية وإقامة جسور ثقافية بين دول العالم العربي، فبدلا من تكريس نظرية "المؤامرة" لماذا لا نفعل نظرية النقد الذاتي التي تستند إلى تأصيل ظاهرة الحوار الثقافي والحضاري معا؟

"إحياء الثقافات العريبة القديمة" هو عنوان مقتبس من كتاب: تحت شمس الفكر" للأديب المصري توفيق الحكيم وهو عبارة عن مقالات ورسائل بعثها إلى صديقه المقيم في باريس، كتبها باسلوب يتسم بالحِكَمِ والبراهيبن، مقالات يتداعى داخلها الفكر الإبداعي فتستيقض أحاسيسك على حقائق، وربما هناك من كتب في هذا المجال وطالب بإحياء الثقافات العربية القديمة، طبعا لا يمكن أن يتجرد أي كاتب من ذاتيته، وهو يكتب يتحدث عن أخبار البلد ونمط حياة شعبها، وقد لفت انتباهي مقاله "من النيل إلى السين" تحدث فيه عن الثقافات القديمة في رسالة بعثها إلى صديقه أحمد الصاوي محمد، المقيم في باريس في عام 1927، وقد أثارت رسالته في نفسه ذكريات وأعادته إلى الماضي، في رسالته يصف توفيق الحكيم جمال النيل، لكن هذا الجمال كما يقول هو، كان بلا روح، لا يرى فيه الحضارة النشطة، وفي رسالته يقارن توفيق الحكيم بين مصر (في ذلك الزمان) وباريس الحضارة، إذ يقول: لا شيئ في الليالي المصرية يمكن أن ينم عن الرُّوح المصرية والذوق المصري عكس باريس.

ثم يصف الحياة الشرقية في الشق الثاني من رسالته كتبها في عام 1937 فيقول إنها فوضى أو هي حياة أولية (سديمية) لم تتكون فيها عوالم منظمة متألقة يعيش فيها الناس، (الفارق طبعا طويل، 10 سنوات مضت ولا شيئ تغير في مصر)، لأن رجال السياسة كما يضيف كانوا يتحكمون في طائفة من طوائف الأدب والعلم والفن والرياضة، السبب هو أن هذه الطوائف لم تستطع تنظيم نفسها، تنظيما يؤهلها لتثبت وجودها في الساحة ولذا ظل المجتمع الشرقي في وضعه الحاضر مجتمع ابتدائي.. الخ، نعم وقد صدق توفيق الحكيم، لأن النخبة من أبناء الوطن العربي لم تقف في معسكر واحد، على جبهة الدراسات في بحث الثقافات العربية القديمة (قبل وبعد دخول الإسلام) فتجنبها الدخول في الصراعات وتمكنها من إحياء النهضة العربية وبلورتها، ودون الخوض في تفاصيل الرسالتين يقول الأديب المصري توفيق الحكيم في حديثه عن إحياء الثقافات العربية القديمة أن الثقافات والحضارات لا تموت، وإنما المقصود من إحيائها يعني إعادة لها مجدها الغابر ومكانتها والإزدهار الذي لفت الأنظار إلى الثقافة العربية القديمة في عصرها، فهذا شيئ آخر وأمر ممكن لو عملنا واجتهدنا في سبيل إحداث نهضة ثقافية يشعر بِهَزَّتِهَا العالَمُ المُتحضر، ثقافة تنم عن روحنا وشخصيتنا الشرقية، والطريق - كما يرى هو- يكون بحركة ترجمة واسعة النطاق مثلما حدث في عصر النهضة.

تعقيـــــب/ إن إحياء الثقافات العربية القديمة يطرح تساؤلات عن ماهية الثقافات العربية القديمة طالما هي عنوان لـ: "الهوية"، فأن يكون الحديث عن الثقافة المصرية القديمة فهذا يقود القارئ إلى الحديث عن الثقافة الفرعونية، أو الحديث عن الثقافة المصرية في العهد المسيحي، وقد اشار توفيق الحكيم في كتابه إلى هذه النقطة، كان في هذا العهد أدب وقَصَصٌ ديني صوفي تلمس فيها الشخصية المصرية بأفكارها الثابتة، ثم الحديث عن مصر في الإسلام، وهذه الثقافة تظهر في أسلوب البناء الإسلامي المعماري للمساجد الذي يخنلف عن الفن الفرعوني المعماري، ولو تكلمنا عن الثقافة العربية القديمة في العراق مثلا، فهذا يقودنا أيضا إلى الحديث عن الثقافة البابلية الأصيلة، ونفس الشيئ بالنسبة للثقافة العربية البحرينية، التي تأسس فيها أول منتدى ثقافي كرّس أصحابه التضامن الإجتماعي المرتبط بالحِسّ العربي والقيم العربية النبيلة، وعملوا على نضج الوعي العروبي السمح، ثم الثقافة في الحجاز والشام قبل دخول الإسلام ونوادي الأدب المنتشرة، دون الحديث عن الثقافات العربية القديمة في البلاد الأخرى وحتى عند شعوب المغرب العربي، تشير العديد من الكتابات أن المجتمعات التي يغلب عليها الطابع القروي أو الخارجة منذ عهد قريب من نمط الحياة القروية أشد تمسكا بالثقافة الأصيلة رغم أنه لها قابلبة للتعدد الثقافي.

الثقافة الجزائرية ازدهار أم انكسار؟؟

ماذاعن الثقافة الجزائرية؟ ...، هو طبعا حديث ذو شجون، يطرح تساؤلات عديدة حول ماهية الثقافة الجزائرية هل هي أمازيغية أصيلة أم هي عربية إسلامية؟، فطالما عاشت الجزائر صراعات ثقافية (الصراع العربي الأمازيغي والصراع العربي الفرانكفوني) وكله يدور حول الثقافة واللسان، ولكن أُعْطِيَ له طابعا سياسيا، الخطأ الذي وقع فيه الأمازيغ (وهذا كلام الؤرخين) هو أنهم لم يدونوا تراثهم وثقافتهم ولم يترجموهما إلى اللغة العرببة، فلما اعتنقوا الإسلام وتعلموا اللغة العربية نطقا وكتابة، كتبوا في كل مجال باللغة العربية ولم يلتفوا إلى ترجمه ثقافتهم التي كانت بالأمازيغية إلى اللغة العربية، ولم ينهضوا بها طيلة قرون، حتى القرن الماضي الذي طالبوا فيه بإعادة الإعتبار للثقافة الأمازيغية وإحيائها، وظهرت حركات تروج للمنتوج الفكري الأمازيغي والفني والمعرفي الغزير وتطوعت نخب فكرية وسياسية في البلاد للمطالبة بهذا الحق، بعدما عرضت أحداث التاريخ الثقافي والسياسي للمنطقة وكيف شوّ الإستعمار ثقافتهم وعملت أطراف من الداخل على طمسها وتغييبها بل محوها إن صح القول.

فالثقافة القديمة غير قابلة للتحقيق، وغير قابلة للزوال، لأن لها مُقَوِّمات هو (الثقافة الأصلية، المجتمع الأول والعادات والتقاليد)،حتى لو كان هناك تغير للواقع الثقافي الإجتماعي (ثقافة المهاجر الجزائري) أو كما سمّاها البعض بـ: ثقافة "البور" Beurلذوي الأصول الجزائرية من الجيل الثالث في فرنسا، وقد نشر الباحث الجزائري عبد المالك صياد دراسات عن ثقافة المهاجرين الجزائريين في فرنسا ومدى تاثير سياسة الإدماج في المقيمين في الخارج، فكيف يكون الحديث إذن عن الثقافة الجزائرية؟ وبالأخص ثقافة المهاجرين الجزائريين في المهجر؟ وكيف يمكن إزالة أو محو التسمية التي أطلقتها فرنسا عليهم وهي "الغبار البشري" la poussiere humaine، هذه مجرد تساؤلات قد تصلح لصياغة فرضيات عن الثقافة الجزائرية، هذه الثقافة التي لا تتوقف عند كتابة القصة والقصيدة والرواية أو المسرحية، ولكنها تتعلق بالتراث بصفة عامة، وهنا يقودنا الحديث عن الثقافة الشعبية بما فيها "الزيّ" (اللباس) سواء كان قبائلي أو شاوي أو اللباس العاصمي، طالما هو يعبر عن ثقافة مجتمع وهويته.

المؤتمر الخامس لحزب "ج ت و" أول مؤتمر يناقش ملف الثقافة

هناك ملاحظة أخرى وجب الإشارة إليها، فبالعودة إلى الوراء وبالضبط إلى المرحلة البومديينية نلاحظ أن الرئيس هواري بومدين عشية الإستقلال إلى جانب الثورة الزراعية والثورة الصناعية، أعطى أهمية قصوى للثورة الثقافية تمثل ذلك في مسالة تعريب المدرسة الجزائرية والإدلرة، لكن مشروعه لم يكتمل، فبعد وفاته وخلفه الشاذلي بن جديد تعهد هذا الأخير بمواصلة المسيرة الثقافية عندما تعهد خلال الدورة الثالثة للجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني في ماي 1980 تعهد بأن ينظم حملة وطنية لمناقشة ملف الثقافة، لكن الملف تم تأجيله إلى جوان 1981 لأسباب سياسية أراد الرئيس أن لا تدخل الجزائر في دوامة بين ابناء البلد الواحد وهذا لغلق الباب أمام المعارضين، بعد ظهور تيار جديد اصطلح عليه بـ: "البربريزم"، لكي لا يستثمرون في أحداث تيزي وزو، رغم أن الأحداث التي وقعت في ذلك الوقت كانت اجتماعية واقتصادية حينما تعلق الأمر برخصة الخروج من التراب الوطني وانقطاع المواد الغذائية الضرورية من السوق بصورة مزمنة.

ومع مطلع 1981 شرع الشاذلي بن جديد في تنفيذ تعهده ونصبت في ذلك لجنة خاصة لدراسة ملف الثقافة في الجزائر، كان المؤتمر الخامس لحزب جبهة التحرير الوطني أول مؤتمر يناقش ملف الثقافة ووضع منظومة التثقيف تحت المجهر من أجل تكوين شخصية الفرد الجزائري والعناية بالشباب الذي يعتبر حجر الزاوية في المشروع الثقافي الضخم، كان مجموعة من الكتاب والأدباء المهتمين بشؤون الأدب والفكر والثقافة قد اسسوا هيئة ترعى شؤونهم سموها اتحاد الكتاب الجزائريين، لكن هذه الهيئة أو المؤسسة الثقافية صادفتها عقبات بسبب الصراعات الإيديولوجية بعدما تحول الإتحاد إلى حلبة لتصفية الحسابات السياسية في الوقت الذي كان يرجى منه أن يكون ظاهرة ثقافية فكرية وأدبية.

إن هذه الملاحظات ليست دعوة إلى الشوفينية العنيفة xénophobie ضد الثقافة العربية الإسلامية، فهذه الأخيرة تحتاج كذلك إلى إعادة نظر حتى في مجال الزيّ، فهل وجب على المسلمين أن يكون لهم زيّا موحدا كما نراه في المجتمعات الإسلامية الأخرى؟ طالما الزي الموحد يُعَبِّرُ عن الثقافة الإسلامية بل يعبر عن هوية المسلمين، فإحياء الثقافة القديمة في الجزائر مثلا يدعونا إلى إحياء العادات والتقاليد التي تخلى عنها البعض ماعدا في مناطق الجنوب، والعودة إلى اللباس التقليدي الجزائري (القندورة والشاش)، وتصحيح كل انماط السلوك المتمثلة في نظام القيم التي تعرضت للتشويه، ومن هنا نقف على السؤال الذي يطرحه أهل الإختصاص إن كان التعامل مع الثقافة من زاوية إنتاجها وتوصيلها إلى النخبة أو الجمهور؟، أم التعامل معها عن طريق التربية والإنتماء إليها والعلاقة التاريخية بها؟.

في كل ذلك تقترن الثقافة بالمنظومة التربوية والسياسة الثقافية التي تضعها الدولة، يمكن الإشارة هنا أنه كلما تعلق الأمر بالسياسة حضرت الإيديولوجية، وقد سبق لبعض الباحثين وأن تطرقوا إلى هذه الإشكاليبة، ومنهم الباحث حنفي بن عيسى الذي أدخل على القاموس اللغوي مصطلحا جديدا سماه "فكرولوجية" باعتبارها تعبيرا للخطاب الثقافي، إذ يقول: إنه بالنظر إلى طبيعة النظام في دولة ما، فقد يتحول الخطاب الثقافي إلى قناة تحمل الرسائل الإيديولوجية وتستهدف التعبئة والإثارة (Agit-prop)، هذه الإيديولوجية التي كانت وراء كثير من الصراعات الدموية، يقول باحثون آخرون أن في الثقافة سياسة وفي السياسة ثقافة وبدل الخوض في العلاقة بين الثقافة والإيديولوجية من الأوضح الإتفاق على مصطلح توافقي لا يكون مثقل بالشبهات، إذن إن إحياء الثقافة العربية القديمة عموما وبالأخص الثقافة الجزائرية يعني العودة إلى نقطة الصفر، وهذا قد يجدد الصراعات القديمة ويعيدها إلى السطح إذا قلنا أن هذه الصراعات لا تزال قائمة إلى اليوم.

دعوة إلى حوار ثقافي تلتقي فيه جميع الأطراف

يقول مفكرون ومؤرخون أنه تم فرق بين الثقافة العربية القديمة والثقافة العربية الحديثة ويؤكدون أن الثقافة العربية الحديثة هي ثقافة إيديولوجية أكثر مما هي ثقافة معرفية وثقافة حضارة، باعتبار أن المعرفة معرفة الذات ومعرفة الآخر ومعرفة الواقع بمعناه الأشمل والأعمق، وهي الشرط الأول لبناء الحضارة ودفع عجلة التقدم الحضاري، المسألة تتعلق بوجوب عقد حوار يؤدي إلى إصلاح ثقافي تتسامح فيه جميع الأطراف المتنازعة في مستوى يتم فيه قبول التعددية الثقافية واحترام الآحر من أجل تصحيح الأخطاء وتوضيح الإختلاف القائم في المنهج والأسلوب ولغة الكتابة، فقد يكون التفكير (عربي /جزائري، مغربي لبناني، عراقي، مصري، سوري)  لكن لغة الكتابة أجنبية كما رأين ذلك عند أدبائنا ومفكرينا الجزائريين كمالك حداد و كاتب ياسين ومالك بن نبي وأسماء كثيرة.

أما غير ذلك فهذا يعني انعدام احترام ثقافة الآخر (المحلي) وانعدام الإحترام يعني تسيّد الصراع، وهذه الإشكاليات تحتاج إلى مواسم ثقافية خارجة عن ثقافة الهرج والمرج، مواسم تناقش فيها كل الرؤى ووجهات النظر وتطرح فيها كل المقترحات، للخروج برؤية موحدة ومتفق عليها ثم إيجاد آليات تجسيدها في الميدان طالما الأمر يدخل في إطار حقوق الإنسان وفي ظل العولمة التي تفرض التعايش مع الآخر، وليكون اللقاء لقاء التاريخ، فلكل فرد أو هيئة له الحق في أن يروج لثقافته الأصيلة، أما أن تتحول المواسم الثقافية (ملتقيات كانت أو ندوات وطنية أو موائد مستديرة أو حتى مؤتمرات) إلى حلبة لتصفية الحسابات والقذف والإعتداءات الجسدية كما نراه في بعض المؤتمرات التي تعقدها الآحزاب السياسية في بلادنا، لأن اللقاء هو لقاء نخبة واعية ملتزمة ومتحضرة تحترم نفسها والأشخاص الذين تحاورهم دون اتهامهم بالكفر أو الزندقة مثلما حدث مع كثير من المثقفين والمفكرين والروائيين الجزائريين، وحتى لا يكون المثقف الجزائري أضحوكة للآخرين.

يقول راسل جاكوب في إحدى بحوثه حول المسالة الثقافية: " في الجزائر المعاصرة أن تكون مثقفا هذا يعني أنك في سبيلك إلى الإغتيال، أما في أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية فالمثقفون لا يواجهون خطرا"، أظن أني أجبتُ على سؤال قد يطرحه البعض وهو: لماذا الجزائر بالذات؟، لا شك أن الباحث راسل جاكوب محق لما خصّ الجزائر بالحديث وهو يعالج المسألة الثقافية، لأن ظاهرة الإغتيالات في الجزائر مست شريحة واسعة من المثقفين قبل العشرية السوداء وبعدها، سواء كانوا ادباء، مفكرين، إعلاميين وحتى ناشطين سياسيين أو نقابيين، ثم أن الحديث عن الثقافة يفتح الباب لتسليسط الضوء على بعض المفاهيم كالحداثة والعصرنة والعولمة وما يقابل هذه المفاهيم من مصطلحات مناقضة وفاسدة كعصر ما بعد التاريخ، وحتى يضع المثقفون العرب حدا لظاهرة الإنتحار الأدبي مثلما حدث مع أبي حيان التوحيدي، والإنتاحار الفكري للفيلسوف الوجودي جان بول سارتر وانتحار الشاعر الكبير خليل حاوي والأمثلة كثيرة .

خلاصة القول وفي زمن اللامبالاة تبقى على المثقف العربي بصفة عامة مسؤولية عظيمة، فهو مطالب اليوم بنفض عنه الغبار والتحرك لتطهير الساحة الفكرية الثقافية من كل اشكال الإنحطاط والتبعية وعلاج المسألة الثقافية ودراسة كل مفردات الثقافة ومفاهيمها القديمة والحديثة، فثمة مصطلحات ربطها باحثون بالمسألة الثقافية مثل التحيزات الثقافية وأنماط الحياة ومفاهيم أخرى كانت أكثر تشويها للثقافة العربية وللمثقفين العرب، كنت قد قرأت كتاب ضم مجموعة مقالات عن حوار الحضارات وحوار الثقافات ولفت انتباهي أن الجامعة العربية منذ نشأتها والموضوعات ذات الطابع الثقافي تحتل أولوية اهتماماتها، وكانت أول إدارة يتم إنشاؤها في الجامعة العربية هي الإدارة الثقافية، ولها تجربة في إقامة حوار حضاري ومنه الحوار العربي الأوروبي خلال فترة السبعينيات وفي فترة ما بعد أحداث سبتمبر 2011، وهي اليوم مطالبة بإعادة تفعيل دورها الثقافي في الساحة وعلى كل المستويات والأصعدة، ناهيك عن دور المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تعزيز الثقافة العربية والتعريف بها وحمايتها، وإقامة جسور ثقافية بين دول العالم العربي، فبدلا من تكريس نظرية "المؤامرة" لماذا لا نفعل نظرية النقد الذاتي التي تستند إلى تأصيل ظاهرة الحوار الثقافي والحضاري معا؟.

عبارة كتبها أحد الأدباء اللطفاءالظرفاء: "ما أجمل هذا العالم لو كان الجميع مثلنا"

 

علجية عيش مع ملاحظات وتعقيب

 

 

تجاه الساكن والعادي والرسمي والمتعارف عليه..

ها هي الكلمات في هيجانها الرجيم والناعم تبتكر معانيها خارج المألوف تدعونا طوعا وكرها الى مجاهلها المعلومة والمطموسة والبينة والخفية حيث لا يهتدي لكشف وفتح مغالقها غير عقل وعاطفة..  وهنا بين العقل والعاطفة ينبت هذا الخيال الباذخ ليمنحنا شيئا من سحر وسر وألق هذه الكلمات وهي تقص علينا حيزا من خزف الحال وشغف العناصر وهي تفصح عن سيرتها.. سيرة ملغومة بأحداثها وشخصياتها وامزجتها الشتى.. نعم السيرة هنا عنوان جمال حكي وبهاء سرد في أسئلة تفضي الى الذات وهي تنتفض تعلن عن تبدلات أحوالها تقبلا ونظرا وفهما.. هي قوة الحكاية والقدرة السردية.. تماما مثل قصيد شعري قوي بين الغموض والوضوح..

انه فعل الكلمات في عوالمها المسرودة بجمال فائق وأخاذ غادره كل دخيل اعاقي يجعله في خانة المكتوب السهل والمجتر والمفتعل والفضفاض.. وما الى ذلك من تقليعات الخواء السردي الذي أفضي الى رداءات تعللت بالقديم والتاريخي والحكايات الملونة بالأزمنة والعصور الغابرة قديما وحديثا وذلك في غير وجد وجمال و...شعر.. فعلا الرواية الجميلة هي بنت جمال الشعر هذا الفن القديم..3218 حافظ محفوظ

ها هو الشاعر كذلك يفصح عن قلقة الكتابي تجاه الساكن والعادي والرسمي والمتعارف عليه يعلي من شأن القيمة وهي تنحت ثناياها الجديدة والبينة مثل النهر الحكاء الأمهر وهو يراقب مياهه وأصواتها تمضي لا تخاف الصخور.. تنحت فيها مجاريها..

هي لعبة الحكي في كشفه واكتشافه من جديد للعادي تقبلا وسؤالا وفهما مغايرا حيث الزمن مجال اعادة وتقليب وتعيير.. الحرفي يعير ما يعرض عليه قبل شرائه ووضعه في مكانه تراه أعين المحبين والباحثين ومتقصدي ما هو جميل ورائق وثمين..

هكذا ندخل العوالم.. عوالم العمل السردي الأخير للكاتب حافظ محفوظ والذي عنوانه " اليوم خلع عني الملك ".. عمل روائي في 170 صفحة صدر عن دار مسكيلياني للنشر وهو بمثابة الفسحة الجديدة / المتجددة في سياق تجربة الشاعر والروائي حافظ محفوظ الذي أخذنا في متنه السردي ومنذ سنوات الى مجالات من المتعة كتابة وأسلوبا ونهجا في تناسق وتواؤم تامين مع ذائقته المخصوصة في شعره وهو الشاعر الذي وسع من زوايا النظر لفهم ما الشعر وما الكتابة وما الابداع وفق عنوان لافت وهو الجوهر والكنه بما يحيل على حمال ودلال المعنى والمكتوب والمتخيل..

المتخيل الشعري استعاره بل هو ذاته لدى حافظ محفوظ لحظة الكتابة ان في السرد أوفي القصيد أو حتى في النقد والدراسة ولعل كتابه السابق " وصايا سارتر " يدعم ذلك..

دعنا من سارتر ووصاياه.. هذا الكتاب الجميل..  نعود الى الرواية.. لغة جميلة محبذة في الأدب والوصف والحيرة.. هادئة في غير تكلف وتشنج وافتعال تترك في القارئ جمالا وحرقة وسخرية وأسفا.. جمال في حبكة وطريقة السرد يقابل حرقة تنفذ للقارئ وهو يكتشف الزيف المعشش في التواريخ والكتب والحكايات.. وسخرية نتبينها في التعاطي مع الرسمي الكاذب والمغشوش وهو يحبر ما يراه هو نفسه وهما وزيفا.. وأسفا على سنوات الضياع في تواريخ الشعوب والبلدان لسبب طمس الحقيقة وهذه الحقيقة شبيهة حقائق تدفن لأيامنا هذه واللاحقة..  لماذا.. لا نعرف.. بلى نعرف.. وكل ما نعرفه هو أن الانسان ظلوم جهول.. يزين له ظلمه وجهله كبرياء غاشمة تهوي به عميقا في مجاهل تعاني منها الأجيال والأوطان.. وهكذا..

هذه رواية بمثابة مرثية زمن حيث يقول عنها كاتبها حافظ محفوظ ".. كتابة رواية هي تماما ككتابة مرثية لزمن مضى. زمن نحاول إحياءه أو نحاول نسيانه أو نحاول تصحيحه. (اليوم خلع عنّي الملك) رواية تحاول كلّ هذا. تفضح الأكاذيب السيّاسيّة التّي تربّينا عليها في المدارس والمعاهد والكلّيات وتضيئُ مناطق معتّمة من تاريخ تونس القريب. وهي إلى ذلك قصّة حبّ سريّة ومغامرة وجود ورهان حياة..

الرواية تنطلق مع الراوي وهو يطل من شرفة البيت متأملا تجاه لعب طفلين بالكرة لتتواتو الللعبة منتهية بحيرته ووعيه المتأخر ومعرفته للتأكد من هو الضحية من بين الطفلين اللاعبين مستنتجا أن من افتك الكرة هو الظالم.. مشهدية بسيطة ولكن عميقها حين يتسع المجال من لعب بالكرة في شارع محدد الى لعب آخر في مسرح الوطن وعبر السياسة وتقلباتها وأحداثها المدوية أحيانا.. وغالبا..

هكذا من شرفة عمارة بلافيات بالعاصمة التونسية حيث يسكن يطل شمس الدين العانمي على مشهده هذا الملخص ل 170 صفحة من الرواية حيث يلقى القارئ ل " اليوم خلع عني الملك " الكثير من الحنين والأسى والشجن وفق أحداث في شيء ذي بال كبير من متعة وبذخ الحكي..  "شمس الدين غانمي" الذي يعمل بالوكالة الوطنية للتراث والمختص في التاريخ القديم ينقب في رسائل تصله من "الدكتور خياط" صديقه.. هي رسائل "الشاذلي باي" إلى أخته "ليليا" الأميرة التي تقيم بفرنسا.. في هذا البيت بمنوبة.. بيت جنينة زوجته تمضي الحكاية مع التاريخ.. العائلة..  خديجة وعائشة وزليخة وهادية وليليا ومحمد وصلاح الدين وعز الدين وصوفية وزكية وفاطمة وكبورة..  التفاصيل بين الأحداث والهواجس والاحساس بزوال الملك.. الخلع.. وهو الذي فقد ابنه "عز الدين" ولي عهده عام 1953 الذي قتله "الهادي جاب الله"..  التنكيل ب "جنينة" ومرض الباي ليشل ويفصح بمرارة العزيز الذي تم اذلاله : "اليوم خلع عني الملك".

.شخصيات ومشاعر وانفعالات وحنين وما الى ذلك في سياق من الانسيابية التي تجعل قارئ هذه الرواية منشدا ومأخوذا تجاه سرديتها وهي تطرق أبواب تاريخ نونسي.. تحاوره وتحاوله مسائلة متسائلة.. كل ذلك باشتراطات الكتابة الابداعية في أرض الرواية وجسدها الناعم.. كالشعر تماما.. هو سرد كحياة الناس والأحداث الحافة في تبدلاتها ومفاجآتها وتلويناتها الشتى.. في حقبة من أحوال تونس السياسية والثقافية والاجتماعية.. واذا كانت الرواية التاريخيّة هي من أشكال الرواية الحديثة التي تُعبّر بشكل ما عن وقائع تاريخية في سياقات انسانية واجتماعية فان حافظ محفوظ وفي هذا العمل الأدبي تخير اللعب وفق ذائقته وتخييليته في التعاطي مع الومن والوثائق والتاريخ والوقائع بشيء من سخر الكتابة وتقنياتها وفق شاعرية ترفع من مراتب السردية الى ما هو وجداني وعاطفي ورمزي وهذا من مزايا كتاباته السردية السابقة واللراهنة فهو الشاعر ينهل من شعرية الحال والأشياء والعناصر والتفاصيل ليكون الحكي في غير تكلف وافتعال تستبد به حالة من شاعرية الكشف واعادة القراءة وتعرية ما يخاله الآخرون عين الحدث والحقائق..  تماما كفعل الشعر يبتكر رؤاه وجمالياته وصرامته تجاه الذات والآخرين والعالم..

في رواية (اليوم خلع عنّي الملك) إعادة نظر وفق سرد وأمام كثير من الأحداث بحسب تصوّر الكاتب الذي يضعنا أمام شخصيات أتقنت تصريف عواطفها ومعارفها وأمزجتها في سياق يراوح بين التاريخ في بعض دقائقه والخيالي واللامنتظر حيث يأخذنا بالنهاية الى ما يشبه جلد الذات حيث السذاجة وسخافة الواقع الذي ما يزال يثق في جانب من المدون والمكتوب من جهة واحدة ووحيدة.. هي سردية ما هو أدبي وتقني وفق روح تخييلية تمتن العلاقة الجمالية الابداعية بين الرواية والتاريخ والواقع.

حقبة تاريخية معلومة من تاريخ تونس تخيرها الكاتب هنا تشير اليها الرواية ب".. تستقل البلاد، تتأسس الجمهورية، يصير بورقيبة زعيما، لكن ليس في نظر الامير الشاذلي بن الامين باي، الذي راسل الامير اخته ليحدثها عن امور كثيرة تهم العائلة وشخصية بورقيبة.. "

أحداث الرواية تمسح فترة بين نهاية الحقبة الحسينية وأوائل فترة الاستقلال في كثير من اللوعة والشجن لدى آل الباي محمد الأمين حراء ما حصل لهم من تشويه وظلم واهانات.. و.. و.. وما لم يبلغنا ولا / لم نعلمه والى الآن.. فترة عصيبة وغير هينة من الانتقال من نظام البايات الى الحكم الجمهوري وما لف ذلك من خطاب شيطنة وتحقير فضلا عن التنكيل بتعلة البحث عن ثروات وكنوز العائلة..

"آخر البايات في تونس و" الملكة جنينة والمعزول " سيدي المنصف باي " و"الشاذلي الامين " و" ليليا " و"روبار فينستان ".. تاريخ واحداث في كون من الحكي حيث الباحث التاريخي شمس الدين الغانمي في مجال عمله بالوكالة الوطنية للتراث وقد تخيره حافظ محفوظ للمكان السردي الملائم كشخصية جوهرية حيث السردية الأنيقة بين الوقائع والأحداث والمظالم والهواجس "..  اولا اقوف جرايات كل افراد العائلة الحسينية في 31ماي 1956، ثانيا قام بمحو شعار المملكة التونسية حاذفا منه كل ما له علاقة بعائلتنا في 21جوان من نفس السنة، ثالثا اصدر امر تحويل كل سلطات الباي اليه شخصيا واجبره على التخلي عن ممتلكاته لفائدة الدولة، تمّ ختم كل هذا بالغاء النظام الملكي وعوّضه بالنظام الجمهوري، بعد ذلك طردونا بشكل وحشي.. "

" اليوم خلع عني الملك " نص الفجيعة تبتكر سرديتها قتلا للزيف وكشف المظالم مثلما كان يتحدث الشاذلي ابن الباي عن كل ذلك في الرسائل الى ليليا أخته في أسف ولوعة وأسى..  ولعله حيز من " تاريخ الأسى " التونسي يجترحه الروائي حافظ وهو يتنزه بمرارة الانسان وشغف الكاتب ووجدان الحقيقة في زمن تونسي معتل بفعل النرجسيات.. وهنا أستذكر الراحل هششام جعيط العلامة والمؤرخ الجهبذ حين قال كلماته في لقاء خاطف بعيد الثورة التونسية ".. على التونسيين مغادرة التخميرة والخروج منها واعادة كتابة التاريخ.. " طبعا تاريخنا التونسي..

هذه الرواية لمحفوظ تضعنا هنا في عين الحدث والمطلوب والمنتظر.. علينا تصويب تاريخنا وترميم ما علق بذاكرتنا من زيف الاحداث والقائع لأجل انسان جديد بتاريخ حقيقي.. فهل يستوي الظل والعود أعوج.. حاضرنا يتطلب تاريخا شجاعا بحقائقه وصدقية كتابتها من جديد.. ولذلك ارتأى " شمس الدين الغانمي أن يصحو ويغير نظرته لينهي مع الفشل.. النظر والقراءة والتعاطي تجاه التاريخ والاحداث مجالات تمحيص وتثبت حيث ما نراه يتطلب التثبت والتقليب مثلما حدث ل" شمس الدين الغانمي " وهو في شرفة ببيته بلافايات مع مشهد الطفلين والكرة ودلالاته العميقة..

" اليوم خلع عني الملك ".. رواية الجوهري الكامن في الذات الانسانية حيث الانسان في رحلة الكشف والتساؤل تقصدا للحقيقي بعيدا عن السطحي والزائف.. سردية خفيفة بليغة رائقة وتماما (مرة أخرى) كقصيد جميل.. نعم وهنا في هذه الرواية.. ها هي الكلمات في هيجانها الرجيم والناعم تبتكر معانيها خارج المألوف تدعونا طوعا وكرها الى مجاهلها المعلومة والمطموسة والبينة والخفية حيث لا يهتدي لكشف وفتح مغالقها غير عقل وعاطفة.. وهنا بين العقل والعاطفة ينبت هذا الخيال الباذخ ليمنحنا شيئا من سحر وسر وألق هذه الكلمات وهي تقص علينا حيزا من خزف الحال وشغف العناصر وهي تفصح عن سيرتها.. سيرة ملغومة بأحداثها وشخصياتها وامزجتها الشتى.. نعم السيرة هنا عنوان جمال حكي وبهاء سرد في أسئلة تفضي الى الذات وهي تنتفض تعلن عن تبدلات أحوالها تقبلا ونظرا وفهما.. هي قوة الحكاية والقدرة السردية..  تماما مثل قصيد شعري قوي بين الغموض والوضوح..

 

شمس الدين العوني

 

نوقشت مؤخراً في رحاب كلية الآداب جامعة بنها رسالة دكتوراه بعنوان "العلاقات الحضارية بين المماليك الجراكسة والعثمانيين (784-923هـ/ 1383 -1517م".  التي أعدها  الباحث أشرف عيد حسن العنتبلي بإشراف الأستاذ الدكتور عفيفي محمود أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامي  في كلية الآداب جامعة بنها، في البداية أثنت لجنة المناقشة على الباحثة ومثابرته وامتلاكه لأدواته وتوظيفها بدقة، ولما لا والباحث ينتمي إلى دوحة المدرسة التاريخية لكلية دار العلوم جامعة القاهرة التي تخرج منها عام 1997، ثم على درجة الماجستير عام 2010 في رسالة بعنوان "الكتابات التاريخية عند صلاح الدين المتوفي 764هـ/ 1363م"،  كما أن الباحث له مشاركات في البحث العلمي ونشر العديد في مجلات ودوريات محكمة وكان عضوا بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بمصر.

في البداية أوضح الباحث أن "العلاقات بين الدول ضرورة تفرضها طبيعة الحياة، فلا يمكن أن تنعزل دولة على نفسها دون تواصل سياسي وحضاري مع غيرها، وهناك عوامل كثيرة  تحفز قيام علاقات بين الدول سواء كانت علاقات سياسية تتسم بالود أو علاقات عدائية، وكلما سادت العلاقات الودية بين الدول كلما ازدهرت العلاقات الحضارية بينهما: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتأثر النشاط الحضاري في المجتمعات فى مجالات الحرف والصناعات والعمارة والفنون".

ثم بين أن "العلاقات العدائية بين الدول لا توقف العلاقات الحضارية بين شعوب الدولتين تماما، فقد تضعف العلاقات التجارية والاجتماعية والثقافية وغيرها؛ ولا يقضى عليها تماما، ومن ذلك على سبيل المثال: كانت هناك علاقات حضارية بين المسلمين والبيزنطيين فى العصر الأموي والعباسي بالرغم من العلاقات العدائية بينهما، وكذلك بين المسلمين والصليبيين  فى بلاد الشام، وبين السلاجقة والبيزنطيين وغير ذلك".

ثم ذكر الأسباب التي دفعته لاختيار هذا الموضوع وهو أن معظم الدراسات اهتمت بالجوانب السياسية فاختار الجوانب الحضارية بين دولة المماليك الجراكسة والدولة العثمانية والتي اتسمت العلاقات بينهما بالود والتعاون فى مجملها قبل أن تسقط دولة المماليك على أيدى العثمانيين أصدقاء الأمس القريب سنة 923ه/1517. ثم تحدث عن الدراسات السابقة، وأحصاها معظمها ثم ذكر الصعوبات التي واجهته أثناء رحلته في إعداد هذه الرسالة ومنها قلة المادة  التاريخية التي تجود بها؛ فالمصادر لا تتطرق عمومًا إلى الأنشطة الاقتصادية بقدر ما تميل إلى سرد العلاقات الدبلوماسية والسياسية. أما منهج البحث؛ فقد اعتمد المنهج التاريخي التحليلي في تناول المادة التي عرضتها المصادر والمراجع ، ومحاولة استقصائها من مظانها المختلفة.

وقد جاء البحث في مقدمة وتمهيد وأربعة فصول وخاتمة وملاحق، وقد تناول الباحث في المقدمة أسباب اختيار الموضوع والدراسات السابقة والصعوبات التي واجهت البحث، والمصادر والمراجع التي استفاد البحث منها، وتناول التمهيد العلاقات السياسية بين المماليك الجراكسة والعثمانيين.

وقد جاء الفصل الأول بعنوان: العلاقات الاقتصادية بين المماليك الجراكسة والعثمانيين (784ه–923ه/1382-1517م)، تناول فيه طرق التجارة بين الدولتين والسلع التجارية المتبادلة بينهما والتنظيمات التجارية والنشاط البرتغالي فى البحر الأحمر والمحيط الهندي وأثره فى العلاقات التجارية بين الدولتين.

والفصل الثاني بعنوان: العلاقات الثقافية بين المماليك الجراكسة والعثمانيين، تناول فيه العوامل التي دفعت العثمانيين إلى الأراضي المملوكية، وكذلك دوافع المماليك للرحلة إلى الدولة العثمانية.

والفصل الثالث بعنوان: العلاقات الاجتماعية بين المماليك الجراكسة والعثمانيين، وتناول فيه النشاط الاجتماعي للعثمانيين فى الدولة المملوكية وعلاقتهم بالسلطة الحاكمة، وطوائف المجتمع ونشاطهم الاجتماعي وأعمالهم الخيرية، وكذلك النشاط الاجتماعي للماليك فى الدولة العثمانية.

والفصل الرابع بعنوان: الأثر الحضاري للعلاقات بين المماليك الجراكسة والعثمانيين، وتناول فيه مظاهر تأثير الفنون المملوكية فى الفنون العثمانية والعكس كذلك، وتأثير التصوف المملوكي فى التصوف العثماني ونفس الأمر بالنسبة لتأثير التصوف العثماني فى التصوف المملوكي ثم تناولنا نماذج من التأثير الحضاري بينهما.

والخاتمة تناول أبرز النتائج الذى توصل إليها البحث.

ثم جاء قسم الملاحق بخرائط للدولتين، وأسماء سلاطين المماليك الجراكسة وسلاطين الدولة العثمانية، وثبت بالعثمانيين الذين رحلوا إلى الأراضي المملوكية، والمماليك الذين رحلوا إلى الدولة العثمانية.

وأخيرًا قائمة المصادر والمراجع فى نهاية البحث.

 

عرض أبو الحسن الجمال

 

 

حسنين جابر الحلو

يعيش الانسان اليوم في رحتله الحياتية في غربة، ولاسيما عندما يجد ان هناك ثمة تعرقل مقصود يطيح به، ويحيط به في الوقت ذاته، بسبب عدم القدرة على التسامح، واللاتسامح المفرط في وقتنا المعاصر أدى إلى ضعف البنية الاجتماعية بين الأفراد، وانتقل إلى عموم المجتمع وتفصيلاته، في هذه الرحلة مع" ماجد الغرباوي" يضيء لنا بعض الأضواء في مفاهيم التسامح حيث يجد أنه مفهوم اسلامي، ولكنه في الوقت ذاته قد صورته الثقافة الإسلامية بعده مخلوقا غير اسلامي بسبب قراءات العنف والاحتراب، وهذا مما يستدعي منا الرجوع إلى الذات لمراجعتها ونقدها، والوقوف على مواضع الخلل فيها لتقويمها ومعالجتها.

على الرغم من الملاحظات على القراءات المبتورة التي سجلها "الغرباوي" على من يعتقد بأن المتسامح هو انسان متنازل عن قناعاته الفكرية والعقيدية نزولا عند رغبة الآخر كما يعتقد، أو هي الانصياع والتبعية والرضوخ للاخر المختلف في رؤية أخرى، هنا الا يعتقد او يضع مجالا بعده تعايشا؟ على اساس كلية العقيدة وحرية التعبير وماشاكل ذلك.

قطعا ان التسامح عنده هو نسق قيمي وأخلاقي يراد احلاله محل النسق القيمي والأخلاقي الذي مازال يدير حركة المجتمع ويحدد اتجاهاته، ولاسيما بعد ان ظل العنف مستحكما داخل المجتمعات غير المتحضرة والتي لاتحتكم الى القانون، وتحتاج إلى رجوع واضح لفهم التداعيات في الممارسة غير المشروعة للعنف، واعتماد الجميع القوة والعنف أساسا في التفاضل الاجتماعي والسياسي عن طريق:

3215 التسامح ماجد الغرباوي- الولاء القبلي .

- وسيادة الإرادة السياسية .

وهذا بدوره أدى إلى تاسيس قيم في المجتمع من خلال :

١- تزريق القيم الى وعي الفرد عادة في السنوات الأولى من حياته عندما يلقن مفاهيم الخضوع والاستسلام للقيم .

٢- المجتمعات العربية مجتمعات ذكورية، تمنح الرجل صلاحيات واسعة، وتهمش المراءة وتلغي وجودها .

٣- هيمنة القيم التسلطية والقمعية في المجتمع .

٤- تمثل السلطة الفوقية وتداولها ولائيا.

مما سبب حالات من التغيير في مبتنى فهم الأفراد لما يحتاجون إليه جملة وتفصيلا، داخليا وخارجيا .

وبما أن التسامح هو نسق قيمي إلا أنه لاينسجم مع منظومة القيم المستبدة، لأن المجتمع هو الذي يحكم بصلاحه من عدمه، ووقوف الاستبداد السياسي كخصم حقيقي للتسامح، من خلال رفض الآخر وتبعاته، كما ينبغي بحسب " الغرباوي" اعتماد أسلوب آخر في الحكم ينهي هيمنة الطاغية على عقل الإنسان، الذي يخشى التدهور السياسي والأمني عند غيابه، بمعنى البقاء داخل السلطة مهما كلف الأمر.

ومن جهة أخرى يرى أن التطرف الديني أيضا أحد أخطر منابع اللاتسامح، لتلبسه بلبوس المقدس، وتوظيفه للنص الديني، بما ينسجم مع مصالحه الخاصة فقط .

بعدها ينتقل الى أسس التسامح في حقوق المواطنة من المسلمين وغيرهم، الى سيادة القانون والاستمرار في تأثيره الاجتماعي، ولكنه يصطدم عندما يجد تعدد في المرجعيات فيفقده قوته ويتراجع،وحتى يبقى موقفه قويا لابد من اعادة تشكيل قيم التفاضل من خلال مجموعة موزعة اجتماعيا بين الدين والأخلاق والأعراف

والعادات والتقاليد، وتوظيفها في إطلاق الحريات العامة لترسيخ قيم التسامح بين أبناء الوطن الواحد، عن طريق الإسلام الصحيح بالرفق والحلم والعفو والرحمة، بدراسة مهمة ومحاولة تاسيس نسق قيمي جديد لمفهوم اسلامي عريق أكدته نصوص الكتاب وعضدته السيرة الصحيحة.

محاولة "الغرباوي" هذه محاولة علمية جادة، أراد من خلالها تبيان منابع التسامح الإسلامية الصحيحة التي تدعو إلى العيش المشترك، بعيدا عن لغة الحروب والصراعات والفتن، التي لا تؤدي إلا إلى القطيعة، وقد تستمر الى أجيال وأجيال اذا لم نتبه إليها.

 

د. حسنين جابر الحلو

 

 

حسين ابوسعودالحنين للماضي شعور جميل يجعل الشخص يتمنى عودة الأيام الخوالي بذكرياتها واحداثها والحنين موجود بالفطرة ولكن تزداد نسبته من شخص لآخر وكم من غريب حنّ الى موطنه وأهله وقضى الليل ساهرا باكيا تبلل دموعه الوسادة ولا أحد يسمعه ويظل على حاله من المكابدة والشوق حتى يغلبه النوم.

قال مصطفى صادق الرافعي عن الشوق: هو حبل من الحنين التف حول القلب وكلما نبض القلب كلما اشتد حبل الحنين على القلب وضاق عليه فاذا التقى المشتاق بمن يروم رؤيته انفك حصار حبل الحنين عن القلب.

وقال الامام بن حزم: فالشوق قد يكون لخل او لأرض ترعرعت فيها او لجماد لا حراك فيه، الا ترى إنك تشتاق لبيتكم القديم عند رؤية اطلاله.

والله ما لمحت عيني منازلكم         الا توقد جمر الشوق في خلدي

ولا تذكرت مغناكم وارضكم         الا كان فؤادي طار من جسدي

وكل شعب له حكايات وتقاليد وتراث يجدر تذكرها وتخليدها بتوثيقها خوفا عليها من الاندثار بمرور الزمن، وقد تصدى المربي الكبير الأستاذ ييلماز شكر بك اوغلو لهذا الباب فخلد الكثير من الحكايات والامثال الشعبية الخاصة بتركمان العراق ولا سيما تركمان كركوك في كتابه الموسوم (حكايات من الماضي الجميل) المتكون من 460 صفحة من القطع المتوسط، وقد كتب مقدمة الكتاب الاديب المعروف محمد خورشيد قصاب اوغلو رئيس تحرير مجلة الفنار الشهرية حيث اسهب في الحديث عن الكتاب والكاتب بأسلوب شاف كاف وكان له دور كبير في اعداد وطباعة ونشر هذا الكتاب.

الكتاب بقلم فنان ومربي  ومثقف وانسان وهو تركماني القومية ولكن بنفس وطني غير متعصب لقومية او لحزب او طائفة وكان مديرا لإعدادية كركوك وتخرج على يديه المئات بل الالاف من الطلبة العرب والكرد والتركمان والمسيحيين شغل بعضهم مناصب عليا في الدولة، وكما قلت فان الكاتب مسكون بالفن والثقافة والفلكلور وهو خريج اكاديمية الفنون الجميلة، وكان له نشاط بارز من خلال الاعمال  الاذاعية والتلفزيونية في القسم التركماني، ويبدو من مواضيع الكتاب بان المؤلف غارق في حب المدينة حيث ابحر في تفاصيلها الزمكانية وضمنه صور الماضي حلوه ومره، ليله ونهاره ووجدته يحسن استخدام عنصر التشويق فيجعل القارئ يتوق الى ان يكمل الكتاب في يوم وليلة فهو يحدث القارئ عن فصول السنة فيشعر بالنشوة في الصيف وبالبرد في الشتاء.3205 كتاب تاريخ كركوك

الكتاب مؤلف من كلمات ولكن لهذه الكلمات قدرة على الاخذ بيد القارئ والتجول به في مناطق المدينة المختلفة ويوقفه امام المطاعم والسينمات والمساجد والمقابر والمحلات والحمامات والأسواق والمكتبات والمدارس وحتى صالونات الحلاقة وانه لم يغفل شيئا وإذا حدث فليس ذلك عن اهمال وانما دون قصد والعتب على الذاكرة، ذكر الاحياء والاموات، المقيم والمهاجر، ذكر أصحاب المناصب والشقاوات والفقراء وارباب المهن ولم ينس التقاليد والعادات في الأعياد والاعراس وايام محرم وليالي رمضان وحفلات الختان.

لقد ذكرني الكتاب بأمور كثيرة من الماضي انستني الأيام جلّها لقد ذكرني بجيراني واعادني للطفولة والشباب وللكاتب أسلوب جميل يتحدث فيه مع المناطق كما تحدث مع الصوب الكبير ص(458) فتعاتبه المنطقة الفلانية في حديث حزين فيرضيها الكاتب بالكتابة عن تفاصيل كثيرة عنها ، أسواق ومناطق واشخاص ومناسبات وله قدرة عجيبة في حصر المصطلحات وشرح الحكايات بدقة وتفصيل ولم يترك جانبا الا وذكره، ذكر الأطعمة والمخابز ووسائط النقل والألعاب والاغاني والامثال والاهازيج وذكر أسماء بعض الأفلام السينمائية التي كانت مشهورة في تلك الأيام مثل أبو جاسملر وهرقل وطرزان وماشستي فضلا عن الأفلام الهندية ، ومن الأطعمة ذكر: شروب، علّوجة، كريم استيك ،ازبري، ريواز ،لوزينة، بيض اللقلق، شعر البنات، وذكر صباحات كركوك ومكونات الفطور مثل القيمر والجبن والحليب والباجة واللبن والكاهي والباقلاء واللبلبي وغيرها، وتحدث عن ليالي الصيف والنوم على السطوح والفنرات التي تربط بالطائرات الورقية وهي فوانيس مصنوعة من الورق الملون الخفيف توضع فيها شمعة صغيرة فتتحول السماء الى انوار طائرة جميلة تدخل البهجة الى النفوس.

وعرّج على سوق الهرج وهو سوق تاريخي يباع فيه كل شيء مثل الساعات والدراجات والراديوات والبراغي والدرنفيسات والأدوات المنزلية والملابس المستعملة ويرتاد هذا السوق شريحة كبيرة من الناس ، ولم ينس الكاتب ظاهرة الشقاوات وقصص بطولاتهم التي تستهوي الجميع وقد قضى نظام  البعث على هذه الظاهرة بعد المجيء الى السلطة سنة 1968، وذكر الكاتب عيد الجيش والفعاليات التي كانت تجري في كركوك من استعراض وتوزيع حلوى الجيش والصمون العسكري والتقاليد المصاحبة لسوق الشباب الى التجنيد الالزامي وكانت كركوك مقرا للفرقة الثانية وكان قائدها حينها اللواء الركن إبراهيم فيصل الانصاري رحمه الله.

وبقي ان نقول ان ما من مطبوعة الا وتحتوي على بعض الأخطاء النحوية والاملائية والمطبعية وهذا ما حدث مع الكتاب ولكن العتب كل العتب على المصحح اللغوي الذي ذكر اسمه في الصفحة الأولى وهو الأستاذ محمد علي نورالدين وكان المفروض ان لا يذكر اسمه لأنه لم يصحح شيئا البتة ولا اظنه قد بذل جهدا او اتعب نفسه في التصحيح.

وقد يؤاخذ الكاتب على تركه لبعض الامثال التركمانية على حالها بلا ترجمة مما يصعب على القارئ العربي معرفة المعنى رغم انه ترجم بعض الامثال ولكنه ترك البعض بلا ترجمة كما في ص (106)، ويتساءل الكاتب في بعض أماكن الكتاب عن العلاقات غير المنطقية بين الكلمة ومعناها باللغة التركمانية والحق بان بعض الاهازيج او الامثال قد تكون جميلة بلغتها الاصلية الا انها لا تعطي معنى عند الترجمة مثل اهازيج الأطفال ليلة العيد حيث يقولون:

يارن بيرامدي بير قاشوغ عيراندي أي غدا عيد ملعقة من اللبن فالعلاقة مفقودة بين ملعقة اللبن وليلة العيد، وكذلك (قيزلار يولداشي) ويقابلها بالعربية أبو بريص والترجمة الحرفية هي صديقة البنات وكيف يكون هذا الحيوان صديقا للبنات وهو مخيف ومرعب.

ويتضمن الكتاب عددا من الصور ذات العلاقة بالمواضيع المختلفة لكنها بالأبيض والأسود ونحن نعيش مرحلة متطورة في الطباعة الرقمية الملونة، وأتمنى لو يتلافى الكاتب هذا الامر وباقي الثغرات في الطبعات القادمة، واما عنوان الكتاب(حكايات من الماضي الجميل) كان يجب إضافة اسم كركوك عليه كي يستقيم المعنى لان الكتاب خاص بكركوك وأهالي كركوك ويكون العنوان حكايات كركوكلية او حكايات  من ماضي كركوك وخيارات أخرى متاحة للكاتب ، واما غلاف الكتاب فانه رغم جماله مزحوم بالصور وكانت صورة واحدة منها كافية لتوحي بالمعنى والحال في الغلاف الخلفي توحي بقلة خبرة من لدن المصمم.

وفي الختام أقول بان أكثر حكايات الكتاب تصلح لتكون مادة لفيلم سينمائي ومسلسل تلفزيوني لأهميتها، ويظل الحنين الى الماضي مستمرا والذي بقي في المدينة ولم يغادرها مثل الأستاذ الكاتب فان حبه لها يزداد يوما بعد يوم واما الذي غادر كركوك وغاب عنها عقودا طويلة فانه يزداد شوقا وحنينا اليها.

 

حسين أبو سعود

 

3201 عثمان الجلاصيفسحة باذخة.. وبانوراما لتجارب وأجيال وأصوات شعرية قديمة وحديثة من الصين..

الشعر.. هذا القادم من الشواسع حيث القول بعين القلب.. لا بعين الوجه.. ثمة أمنيات شتى نمضي اليها تقصدا للضفاف.. للأقصى من المعاني.. والكلمات.. هاهي الحروف بشتى تلويناتها تأخذنا طوعا وكرها الى ما به تسعد العبارة وهي في عنفوان بهائها..

انه الشعر في أحواله يزيح عن الجغرافيا ما علق بها من تداعيات الزمن.. يعلي من شؤون جمالها وشجون تبدلاتها   نشدانا لكون الكلمات والعبارات العالية من قبل الانسان واليه..

الشعر شجن الألوان وموسيقاها الناعمة حيث العناصر والتفاصيل والأشياء في هيجانها الناعم والجميل تأثيثا لما به تسعد الذات في حلها وترحالها..

هي لعبة الشعر الباذخة وفتنته وسحره أخذا بناصية العبارة تبث بهائها في الكائنات بكثير من الألف والجمال..

هكذا هي رسالة الشعر في جغرافيا الأكوان منذ القدم نحتا للكيان وتأصيلا للذات.. الشعر موسيقى الجهات وعطورها الأخرى.. والشاعر / الشعراء هنا فتية الكلام والقول والمعاني وهي تنبت في الأرجاء.. شعراء بلغات الألوان.. قصائد بتلوينات الكلام المختلفة.. نصوص الانسان في تنوع جغرافيته وثقافته ودواخله وترجمانه..

الترجمة فعل كتابة أخرى وابداع على الابداع.. هي كما قال الشاعر الكردي الكبير الراحل شيركو بكه س (1940-2013) : " الترجمة مثل "القبلة خلف الزجاج".. يعني هي النص الأصلي رغم النقل مع اختلاف روح   وثقافة وبيئة النص المنقول..

الترجمة فعل انسيابي وحضاري وثقافي ووجداني.. تذهب بالشعر الى مناطق أخرى غير بيئته وحياته لتجعل له حياة أخرى وطعما اخر وثقافة أخرى تثري أصل معانيه وتفتح بذكاء  الآفاق لتتجاور التجارب وتتحاور..

هذا ما يحيلنا الى سياقات التثاقف واللقاء الكتابي والحضاري.. وهكذا نمضي مع عوالم تجربة أخذنا صاحبها الى ضفة أخرى ومهمة من الضفاف الثقافية والحضارية.. ونعني الصين.

الأدب الصيني عريق والشعر فيه من أشهر الاداب والابداعات في العالم لخصوصياته وجمالياتة الجمة.. والشعر الصيني بستان متعدد الألوان والاشكال.. هناك الشعر النثري والشعر الحر ومن أشهر الشعراء القدامى نذكر "سونغ" و"تانغ" تركا شعرا من عهود الازدهار في الآداب الصينية لتمثل جانبا من التراث الثقافي الصيني المهم.

الشعر الصيني وفي هذا العمل المميز للأديب عثمان الجلاصي الشريف مجال جمالي تبرز فيه القصائد بعمقها وجمال ايقاعها وأسلوبها.. هو شعر مشاعر وتفاصيل وهدوء وشجن في لغة ناعمة.. القصائد بطعم الحنين والطموح والذاكرة بشفافية عالية الجودة.. شعر فيه من الغزل والمديح والرثاء والمجانية والتأملات الكثير..

قبل ألف سنة من الميلاد كان الشعر الصيني الكلاسيكي حاضرا من خلال كلاسيكيات الشعر عبر "شيجينغ" وفق الارتباط بالمفردات والثقافة الصينية بالشمال وبالمعلم الحكيم

"كونفو شيوس" ليتطور هذا الضرب الشعري..الشعر الصيني شهد تطورات أسلوبية تلازما وتناغما بين الثقافي المكتوب والشفوي.. فهناك الأدب الشعري المكتوب وكذلك الشعر الشفوي التقليدي الشعبي المعروف بنصوص البلاد..

الكاتب عثمان الجلاصي الشريف تعدّدت تجربته الأدبية وفي الكتابة عموما ضمن تعاطيه مع الشعر والنقد والفكر والدراسات في مجالات علمية وتربوية مخصوصة.. والترجمة.. هذه الأيام صدر كتابه الجديد الممهور ب"جواهر من الشعر الصيني – قديما وحديثا" من خلال الإعداد والترجمة ليأخذنا خلاله في رحلة ممتعة بين بساتين الشعر الصيني من خلال تجاربه ورموزه ورواده من القرن السادس وإلى الآن.. هذا الكتاب جاء في أكثر من 120 صفحة من الحجم المتوسط صدر عني منشورات الشريف للنشر.. مراجع هذا العمل في الترجمة متعددة وتعكس سعة اطلاع المترجم الذي أراد تقديم هذا الأثر كإضافة للمكتبة الثقافية والشعرية التونسية والعربية والكونية.. يقول في توطئة الكتاب "..وبصفتي متابعا لمجلة الأدب   الصينية الناطقة باللغة العربية على امتداد عقود تمكنت من الإطلاع على شتى أنواع الكتابات الصينية من شعر وقصة وحكاية ورواية ودراسة والوقوف على ما تتسم به من جمالية وبعد إنساني ونضالي فهي تهدف إلى نشر قيم كونية كالمحبّة والتسامح والتكاتف والتضامن علاوة على ثقافة الإجتهاد والبذل والعطاء وحبّ الوطن والذّود عنه.."

هذه تلوينات من مناخات وحكاية الشعر الصيني بشؤونه وشجونه نشير إليها لنعود إلى "جواهر من الشعر الصيني قديما وحديثا" للكاتب عثمان الجلاصي الشريف.

في المجموعة المترجمة من الشعر الصيني نبدأ مع نص شعري بعنوان "قصيد قديم" لشاعر غير معروف وفيه فسحة شعرية باذحة بين الرومانسية والحب والوطن والحزن في أسلوب شعري رائق لنقرأ مايلي:

" أجمع ازهار اللّوتس في مياه النّهر. مستنقع السحليات  تملأه  الأعشاب العطرة.

 هي أيضا أجمعها لكن لمن أهديها

إذا كانت حبيبتي بعيدة عني

ألتفت وأنظر صوب بلادي

الطّريق إليها تمتد إلى ما لا نهاية

قلوب موحدة، منازل منفصلة

نحن نسبح في الحزن."

في هذه القصائد المترجمة نجد نصا للشاعر "زانق كيجيا" وهو من مواليد سنة 1905 ساهم على امتداد 60سنة في تطوير الحركة الشعرية في الصين وشارك في تأليف تاريخ الأدب الصيني والشعرالمعاصر ومن أعماله الشعرية (الأثر1933وسنة1936 وأغنية نهر هواي).

من قصيدته "ثمة أناس" نقرأ ما يلي:

"ثمّة أناس يدوسون على العشب

صارخين "أنا عظم"

ثمة أناس

ينحنون ليكونوا  خير مطيّة للشعب

ثمة أناس ينحتون أسماءهم على الصّخر

آملين في البقاء أبد الدّهر

ثمة أناس مثل عشبة بريّة

يفضّلون ترقّب احتراقهم

تحت التراب.. ".

ومن القصائد المترجمة ضمن هذا الكتاب نجد نصا للشاعرة "جيجان تويا" وهي من مواليد سنة1960بمنغوليا  الدّاخلية الوطنية للشمال الغربي لتشتغل محرّرة بإحدى المجلاّت.

قصيدة الشاعرة جيجان بعنوان "دائما بين أحضان الصحراء" منها ما يلي:

".. سأقع في صمت رهيب

وسأكون بين أحضان الصحراء

سأعرف دوما متى يكون الصّباح

... في المساء.."

في هذا الكتاب من الشعر الصيني إشارات وتراجم للشعراء تساعد القارئ ومحب الشعر على التعرف على جوانب من سيرة أصحاب القصائد المختارة للترجمة من قبل عثمان الجلاصي الشريف الذي تخير عددا من التجارب من أجيال مختلفة تبرز النواحي الجمالية والاسلوبية في الشعر الصيني العظيم.. عظمة السور.. سور الصين العظيم.." إن جواهر من الشعر الصيني " عمل مهم في سياق اهتمامات الاديب عثمان الجلاصي الشريف وفق اطلاعه وانفتاحه الأدبي والثقافي على آداب وثقافات.. الآخر.. العالم.

 

شمس الدين العوني

 

نبيل عبدالامير الربيعيصدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل كتابي الموسوم (تاريخ الصحافة في محافظة الديوانية- 1920-2010م) والذي يقع في (132) صفحة من الحجم الوسط، وقد زود الكتاب بملحق من صور الصحف الصادرة في مدينة الديوانية.

تُعرَف الصحافة بأنها صناعة الصحف، والصحف جمع صحيفة وهي قرطاس مكتوب، والصحافيون أولئك القوم الذين ينتسبون إليها ويشتغلون فيها. والمراد اليوم بالصحف أوراق مطبوعة تنشر الأخبار والمعرفة والعلوم على اختلاف مواضيعها بين الناس في أوقاتٍ معينة. وأول من استعمل لفظة (الصحافة) بمعناها الحالي كان الشيخ نجيب سليمان الحداد (1868-1899م)، منشيء (لسان العرب) في الاسكندرية وحفيد الشيخ ناصيف اليازجي، وإليه يرجع الفضل في اختيارها، فقلد سائر الصحافيين وكانت الصحف في أول عهدها تسمى الوقائع، أما لفظة أو مصطلح (الصحيفة) فأول من أطلقها كان الكونت رُشيْد الدحداح (1813-1889م)، وجرى مجراه أكثر الصحافيين().

ويقول الراحل سلامة موسى في كتابه (الصحافة حرفة ورسالة): "الصحيفة هي مرآة الأمة. وانها اليوم ترينا كما هي الآن، ثم هي مرآتها في الغد ترينا نفسها كما يجب أن تكون في المستقبل". وهنا تنبت فكرة أوضحها سلامة موسى تصح أن نعتبرها المبدأ الأول في جميع دساتير الصحافة العالمية.

لم يتفق اثنان لحد الآن بصدد تحديد تاريخ ومكان صدور أول صحيفة عراقية أبان العهد العثماني. غير أن السيد رزوق عيسى المؤرخ العراقي المعروف ورئيس تحرير مجلة (المؤرخ) يذكر بوضوح ما يلي: "إن المعلومات التي جاء بها الرحالة الاجانب ومنهم من البريطانين، أيدو حقيقة أن أول صحيفة ظهرت باللغة العربية كانت (جريدة العراق) التي صدرت في بغداد عام 1816م، وذلك عندما عين الوالي معروف داود باشا الكورجي والياً". فإذا كانت بهذه الرواية نصيب من الصواب، يكون العراق إذن أول قطر عربي يطرق باب الصحافة في الأمة العربية.

أما في ميدان الصحافة فنجد أن الصحافة اليهودية ظهرت في العراق في مرحلة مبكرة، فقد أصدر اليهود في عام 1863م صحيفة يهودية باللغة العبرية تدعى (هادوبير)، وفي مطلع القرن العشرين أصدروا صحيفة أخرى عبرية هي (هامجي)، ثم صحيفة أخرى في عام 1900م تدعى Jeshurum وكانت تصدر باللغتين العبرية والعربية وتعنى بشؤون الطائفة المحلية.3199 نبيل عبد الامير

وقد صدرت صحيفة رسمية في بغداد في عهد الوالي مدحت باشا (1868-1872م) هي (الزوراء)، وقد صدر العدد الأول منها باللغتين العربية والتركية يوم الثلاثاء 16/6/1869، وجاء العدد موشحاً بالعبارة: (هذه القزة تطبع في الأسبوع مرة يوم الثلاثاء)، وجاء في العدد في العدد 1281 لسنة 1911م إنها جريدة رسمية اسبوعية مختصة بولاية بغداد، وقد استمرت بالصدور مدة (49) عاماً، وإن آخر عدد صدر منها برقم 2606 فتوقفت عن الصدور أواخر الحرب العالمية الأولى عند إحتلال الجيش البريطاني بغداد بقيادة الجنرال ستانلي مود في 11/3/1917.

أما الجريدة فإن أول من أطلق مصطلحها على الصحيفة المكتوبة في العصر الحديث كان المرحوم أحمد فارس الشدياق (1804-1887م) اللبناني صاحب (الجوائب)، التي اصدرتها في القسطينينية نيفاً وعشرين سنة من 1861-1883م.

وكلمة (الجريدة) قديمة العهد، جاء ذكرها في معجم (شفاء الغليل) تأليف شهاب الدين أحمد الخفاجي المصري (977هـ/1069هـ)، قال: (الجريدة هي دفتر أرزاق الجيش في الديوان، وهو اسم مولد، وهي صحيفة جُرّدت لبعض الأمور. أخذت من جريدة الخيل وهي التي جردت لوجه)، وقال ابن الانباري: الجريدة، الخيل التي يخالطها راجل واشتقاقه من تجريد إذا انكشف.

والجريدة من المصطلحات التي استخدمت قديماً في علم الوثائق والأرشيف، والمراد بها ما يسمى في عصرنا الحالي بـ(الأضبارة) أو (الملف) أو الملفّة المشتملة على مجموعة الوثائق اللازمة. والمجلة: معناها (الصحيفة التي فيها الحكمة، والكلمة قديمة العهد، ويُعرّفها الجرجاني بالصحيفة التي يكون فيها الحكم، أو كانوا يكتبون فيها الحكمة. أما من الناحية التاريخية فإن اليهود كانوا يكتبون التوراة وبقية أسفار العهد القديم على جلود مدبوغة أو على الرق –أي الطومار- وكانت الجلود تربط مع بعضها فيحصل في ذلك نوع من الطومار يبلغ طوله أحياناً نحو (20) متراً أو أكثر، وكان هذا الطومار يُلَّف على عصا، وحين القراءة كان القارئ يفض بيده الواحدة على الدرج وينشره تدريجياً، وفي أثناء القراءة كان يلف الجزء الملتوي من الجهة الأخرى، ولهذا الشكل دعي الملفوف باسم (مجلة Megilleh) باللغة العبرية، أي ملفوف ودرج أو درج.

ولا شك أن الصحافة والإعلام في كل مكان، لا يمكن لها أن تزدهر وتتطور وتنتظم، إلا إذا كانت هناك بنى تحتية لهذه الصناعة الفائقة الأهمية والدور في حياة المجتمعات البشرية المتمدنة. ولقد كانت الصحافة العراقية منذ نشوئها قد عملت على جلب مستلزمات صناعتها، وكانت المطابع من أهم عوامل وجود الصحافة. لذا فإن دراسة الصحافة العراقية بالذات له أهمية كبرى في تفهم الدور التأريخي الذي لعبته كجزء من التأريخ السياسي للبلاد.

إن الغاية من هذه الدراسة هي تبيان المراحل المختلفة التي مرت بها الصحافة في مدينة الديوانية ضمن واقعها السياسي والفكري والفني. وتبيان التقدم الذي احرزته إلى حد ما في أطارها وفق الفترات الزمنية مع بعض المآخذ عليها والحلول لتلك المآخذ على النطاق الفني والفكري. فالدراسة المتعلقة بالصحافة الديوانية تتحدد بمولدها منذ عام 1941م ثم تطورها وتقدمها، تدخل فيها العناصر التأريخية المحددة، والعناصر المادية الملموسة.

إن المصادر التي اعتمدتها في هذه الدراسة هي مصادر رئيسية وثانوية. وأقصد بالمصادر الرئيسية الشخصيات الصحفية القدامى في مدينة الديوانية الذين يعتبرون ثقة في الموضوع الذي نحن بصدده. ومن ناحية أخرى، فأن المصادر الثانوية تتألف من مجموعات الكتب التأريخية والصحف في المدينة.

خضعت الصحافة في المدينة أسوة بالصحافة العراقية عامة وكل العاملين فيها طيلة الحكم الملكي. ولم يكن هناك صحيفة واحدة تستطيع التعبير بصدق عن حوائج الناس ولو ظاهرياً، فانعدمت اهميتها في وقت حتمت عليها التطورات السياسية ونمو الحركة الوطنية الاستقلالية واتساعها وأن تلعب دورها التأريخي في هذا المجال.

لم تنل الصحافة العناية الكافية في الدراسات التي تناولتها الصحافة في المدينة، بالرغم من أن تشمل مسيرة هذا التاريخ منذُ أن بدأ العراقيون في احتراف الصحافة بكل أنواعها، فمن الضروري أن نتذكر  تاريخ الصحافة في المدينة ودورها في دعم الجانب السياسي والاقتصادي والأدبي.

كُسِّرَ الكتاب على ثلاثة فصول، يسبقها مقدمة ويلحقها خاتمة وملحقٌ بالصُّور، والفصول بوبت وفق تسلسل الصحف والمجلات الزمني، فكل فصل ضمَّ ما قُدِّمَ في تلك الحقبة الزمنية من صحف ومجلات، الفصل الأول احتوى نبذة مختصرة عن تاريخ مدينة الديوانية، أما الفصل الثاني فقد تضمن الصحف والمجلات الصادرة في الديوانية خلال الحقبة الملكية والعهد الجمهوري الأول والثاني والثالث، والفصل الثالث خُرِمَ بالصحف والمجلات المعاصرة بعد 2003م.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

محمد تقي جونعرض وتحليل

يعد كتابنا (رؤساء جامعة واسط كما عرفتهم) أسلوبا مغايرا وشائقا في كتابة السيرة. الجديد في الكتاب ليس في عباراته الرائقة ولا أفكاره الرائعة ولكن في انه (يسوّق) للشخصيات ويبرّزها ويشهرها من محليتها ومحدودية جغرافيتها التعريفية الى العالمية والتخليد.

وهذا الاسلوب التسويقي هو أسلوب مبتكر في كتابة السيرة الشخصية. اعتمادا على اظهار الجوانب المتفردة للشخصية والسمات المميزة والمثالية، والتركيز على عفويتها مما يضفي عليها الطابع الانساني الواسع بأسلوب تعبيري يعمق ذلك، وهذا يجعل لها عمقاً تأميلياً من القارئ يرشح تلك الشخصيات الى النظر اليها بوصفها شخصيات تستحق الخلود بما قدمته من أعمال كبيرة أثرت في تاريخ المدينة (الكوت) وفي المجتمع المحلي، واستمر تأثير انجازاتها بعد اعفائها من منصب رئيس الجامعة.

كما ان الكتاب يهتم بابراز جامعة واسط يوصفها (عرش القلم) وأشهر مَعلم في محافظة واسط، وأعلى صرح علمي فيها؛ وانها خطت خطوات كبيرة واثقة في التقدم، وتخطو لتكون في المقدمة. انها مدججة بسنوات الخبرة والموهبة، وطاعنة في سن التحدي والمنافسة، وقد أحيت الجامعة ماضي المحافظة المشرق العلمي والادبي والفني، ممثلا برجال العلم ولاسيما أهل اللغة والنحو، ورجال الادب كالشاعر ابن المعلم، ورجال الفن كالواسطي الذي رسم مقامات الحريري. ومثَّلت الحاضر العلمي الراقي المواكب للتطور العالمي، فبقيت شعلة متقدة تقاوم رياح الظروف العاتية والتحديات الكثيرة والكبيرة وآخرها جائحة كورونا. وهي تعِد بالمستقبل الزاهر، وعلى جهودها تلوح مخايل الامل والنجاح. وثمة بعد زمني رابع للجامعة هو: انها أكثر مما تعِدُ، وأكبر مما تبدو.

وقد نبهنا في كتابنا عن رؤساء جامعة واسط على ان كتابة سيرة أي شخص تقتضي معايشة الشخصية وملازمتها، فالشخصية ستنطق بمعلومات وصفها غزيرة دون أن تتكلم، بل ستكلم ما يبدو منها ويبدر بالمعايشة، وهكذا جاءت وصف الشخصيات صادقا عفويا محببا بفضل معايشة المؤلف لها.

(جمعتني بالرؤساء السبعة الذين عملت معهم الصداقة والاحترام والمودة. وكنت منسجما ومتفاعلا مع أسلوب الرئيس الجديد وثقافته. وكثيرة هي المواقف التي اتذكرها وهيهات انساها، التي جمعتني مع رؤساء الجامعة. كان الدكتور جواد مطر الموسوي يتفقدني ويذكرني ويجالسني. وكانت الطلة أول الصباح ضرورية على الرئيس الدكتور طالب محيبس الوائلي. وكنت والدكتور عبد الرزاق النصيري، في اوقات الفراغ القليلة نتباصر بالعلم والشعر. وفي احدى المرات مرَّ بوعكة صحية فخرج من غرفته الرئاسية وهو يتهدج في مشيته من ثقل المرض وأنا أسير خلفه، فأثَّر ذلك في نفسي كثيرا وأرقني حاله كثيرا، ودعوت الله أن يعيده من العملية الجراحية سالما، ويقدّر أن يخرج من غرفته الرئاسية مرة أخرى وأسير خلفه. وقد استجاب الله سبحانه، فعاد سالما معافى وخرج من غرفته الرئاسية، وكانت فسحة من المكان لأسير معه، ولكني تركت المكان لشخص آخر وتراجعت الى الخلف فمشيت وراءه كما دعوت الله سبحانه. وسافرتُ مع الدكتور هادي دويچ العتابي ضمن وفد الى كربلاء وايلام فكان ودوداً تلمس أريحيته بالاصابع. وأذكر كيف يأنس بي حين أدخل عليه، الدكتور مازن الحسني، فأحس بأنَّ ما يجمعنا علاقة (مِنّية) صميمية، وليست (عَنّية) مجاملاتية. كنتُ سنداً لهم، وكانوا سنداً لي. أحببتهم وأحبُّوني، وجمعتنا مودة العمل المصيري الواحد، كالمودة التي تجمع جنوداً يقاتلون في خندق واحد. فلهم ولعهودهم الطيبة حبي واحترامي).

ولاننا أرادنا لعملنا ان يكون (مميزاً، مقروءا، وأثرا باقياً) وضعه في قالب أدبي شائق لذيذ، وحمل التعبير أحيانا على أجنحة اللغة لتبوح بما لم تقله العبارة (مسكوت عنه). لكي لا يتأثر فنيا بذكره للأعمال الواقعية والحقائق التاريخية. وقد توزع تركيز العمل على ثلاث نقاط: رسم الخطوط المركزية لشخصية الرئيس الادارية، وأسلوبه في الادارة، والاعمال التي قام بها.

تناول المؤلف سيرة ثمانية رؤساء للجامعة. ذكر اسم الرئيس كاملا ولقبه العلمي واختصاصه الدقيق وتريخ توليه وتاريخ اعفائه وذكرة مدرة رئاسته. ووصف الشخصية داعما ئلك بروايات الشهورد. فالدكتور فرقد عبد الرحيم الراوي اول رؤساء جامعة واسط من 13/ 1/ 2003 الى 16/ 5/ 2003. امتلك العلم والخبرة؛ فهو خريج كندا، وعمل سنينَ في منظمة الطاقة الذرية العراقية، ثم عميدا لكلية الزراعة بجامعة بغداد (1998- 2003). جاء بمرتبة أستاذ مساعد، وعمل على بحوث الاستاذية اثناء توليه المنصب.

قال عنه الدكتور مجيد خير الله الزاملي وكان يشغل منصب أمين مجلس الجامعة: (الدكتور فرقد الراوي اول رئيس جامعة في واسط، ويشعرك بأنه رئيس جامعة بحق. كان شخصية قوية، هادئة، تشعر بعروبته الأصيلة التي انحدر منها. أسس اول مجلس لجامعة واسط، وكنتُ اول أمين للمجلس يعمل مع هذا الرجل في ظروف صعبة. حاول أن يطور الجامعة، ويوسع كلياتها، لكن مدته كانت قصيرة. كريم النفس، نزيه، شجاع لا يتراجع في المواطن التي تتطلب اتخاذ قرار مناسب. اهلته شخصيته العلمية والاجتماعية أن يؤثر بشكل واضح في المحافظة، بتأسيسه صرحاً علمياً شامخاً، وتهيئة الأجواء لخلق بيئة جامعية مستقرة فيها).

والدكتور جبار ياسر المياح (أبَّهة القيادة والزعامة والصدارة ظاهرة عليه تؤديها كل جوارحه بلا تكلف، وينطق بها صامتاً أو متحدثا بصوته المنخفض المثقل بالهيبة والثقة).

كما اتصل المؤلف بالشخصيات الحية واستقى المعلومات منها، وبعد اكمال المادة يعرضها على الشخصية لقراءتها فقال عن الدكتور فرقد الراوي (وتكلمتُ معه طويلا على الواتساب، وراسلته مراراً لجمع المعلومات والتأكد من صحتها. فكان لطيفا، يطغى عليه الجانب العلمي وكما توضح ذلك سيرته الذاتية (CV). وصاحب ذوق عال، ومواطنة كبيرة، وحب عراقي عام، وحنين كبير الى (جامعة واسط ومنتسبيها، والى الكوت وأهلها الطيبين).

والكتاب مهم جدا في تاريخ الجامعة والمحافظة، فهو مسح شامل ودقيق للاحداث التي مرت بها الجامعة والمحافظة، مما يجعله مرجعا مهما في ذلك. فعن مدة رئاسة الدكتور حسام مجيد الزويني يقول (تقسم حقبة الدكتور حسام الزويني الى ثلاث مراحل: مرحلة حل المشكلات العالقة من 1/6/– 1/ 10 / 2019. ومرحلة أحداث تشرين من 1/ 10 الى 15/ 2/ 2020. ومرحلة كورونا من 25/ 2 الى 19/ 5/ 2020 (إنهاء التكليف). فهي بمجموعها (رئاسة أزمة).

عن مرحلة انتفاضة تشرين: (فجأة تغيَّر كل شيء؛ خرج الشعب يطالب بحقوقه، ومحاربة الفساد، وتوفير فرص الحياة الكريمة، في مظاهرات عارمة شملت وسط وجنوب العراق، وتوقف كل شيء:

وفَجأة استيقظ البركانُ ناراً عارمهْ

يمشي ويوقظ لم يدعْ من نائمٍ ونائمه

من وسطٍ الى الجنوبِ وبوسطِ العاصمهْ

شوارع ثكلى ومحكوم يَدين حاكمه

وثورةُ الحقوق تستقوي وتبقى صارمهْ

وكلُّ يوم صورةٌ من النزيف صادمهْ

تعثَّر العلمُ وسارَ في دروبٍ غائمهْ

وعن مرحلة كورونا (لم يمض وقت طويل على اسقرار ما بعد (15/ 2). فما هي الا أيام تسعة حتى أعلنت وزارة الصحة في 24/ شباط تسجل حالة مؤكدة واحدة لكورونا (19-COVID) في العراق. ويوم (3/ آذار) سجلت خمس حالات جديدة مؤكدة، إثنان منها في واسط.. قطرات ثم انهمرت أمطار كورونا السوداء.

ولكن على العكس من الانتفاضة، كان متسع للعمل الكثير المبدع للدكتور حسام وللجامعة في زمن كورونا! فهي فرصة للجهد الطبي الواسع أتيحت لرئيس جامعة طبيب، فكان بطلا ملهما بحق، قال يصف هذه المرحلة: (فترة استثنائية.. جربنا فيها واستحدثنا الكثير من الامور) مثلما كانت الحرب العالمية الثانية فرصة ل(فلمنج = Fleming) ونجاح علاجه (البنسلين).

يمكن توزيع جهود الدكتور حسام الزويني في معالجة هذه المرحلة على أربعة محاور، وكان قد رسم خارطة طريق أو (خطة البداية):

وذكر اهم عمال كل رئيس للجامعة (فالدكتور جعفر المياحي أهم أعماله (بناء سور الجامعة). وهو أول مشروع معماري في الجامعة. والدكتور جبار ياسر أحد رؤساء الجامعة الثلاثة (مستحدثي الكليات): استحدث ثلاث كليات، والدكتور جواد أربعا، والدكتور تقي أربعا. ولم يستحدث عداهم سوى الدكتور جعفر كلية واحدة، وشطرت كلية التربية الى كليتين زمن الدكتور هادي دويج، وثلاث كليات موجودة اصلا. والدكتور جواد مطر الموسوي (أكثر رؤساء الجامعة اعمالا؛ لأنه أطولهم مدة، وأفضلهم موازنات مالية. وحسب تقارير ديوان الرقابة المالية وصلت نسبة تنفيذ تخصيصات مشاريع الموازنة الاستثمارية عام 2010 الى 90%، وهي أعلى نسبة تحققت في الجامعة، وكانت: 19% عام 2007، 36% عام 2008، 67% عام 2009. وانخفضت الى 64% عام 2011، 45% عام 2014. وبلغت نسبة التمويل عام 2016 (0%) مما ادى الى توقف المشاريع بالكامل. والى الان الموازنة الاستثمارية متوقفة، فقط استكملت المشاريع التي تزيد نسبة انجازها على 90% من حساب صندوق التعليم العالي.

وكان الاسلوب الادبي الراقي سمة للكتاب وقالب للمعلومات سما بها، وما كانت الادبية معرقلة في الرسم الدقيق للشخصية والمعلوماتية. (كان الرئيس الدكتور عبد الرزاق النصيري لا يخفي جانبه الانساني وهو يقدّم بحرص جانبه الاداري. وهذه أعلى مستويات الادارة المقتدرة؛ فالذين يضعفون عن المنصب والمسؤولية يرتبكون ويختفي جانبهم الانساني ضعفاً، فيقال غيّرهم المنصب!! أما هو فاقتداراً وتمكناً ونجاحا استطاع أن يمارس جانبه الانساني مع ادارته المقتدرة بوضوح وراحة، يرى الكل ذلك منه ويدركه. مثلما تشاهد اريحية الابطال بعد اغماد السيوف وكما وصف المتنبي سيف الدولة:

تَمُرُّ بِكَ الأَبطالُ كَلمى هَزيمَةً   وَوَجهُكَ وَضّاحٌ وَثَغرُكَ باسِمُ

عنده كارزمة محبة واحترام، تقرأ في ملامحه التي وخطها المشيب والكبر ثقة مطلقة، ورباطة جأش وثباتا مهما كانت الامور والطوارئ، وحرصا وانتباها، وهما من ضرورات ومتطلبات القيادة الناجحة التي هي ليس وصولا فاستراحة عميقة على الكرسي، بل هي تفكير وتوقع ووضع حلول احيانا قبل المشكلة وعمل دائب ومستمر، كما وصف أرنست همنگواي الحمامة (تسير وهي متأهبة للطيران في أي لحظة).

وكتب عن رئاسة الدكتور مازن الحسني (ودخلت الجامعة .. مجرة لا حد لها ولا حدود من عدم الحياة والحركة.. صامتة، كأنها ولدت خرساء. واقفة، كأنها ميتة تماماً.. تجولتُ في أنحائها وأحنائها، جنباتها وجوانبها، فكنتُ كأني أجرر رجلاً ثقيلة في مقبرة تكظ القلب والنفس قلقاً وذهولاً:

هربتُ في كل الجهات

فلم أجد سوى حجرْ

المكان لا يبعث على الهمة والرغبة.. برغم البنايات العامرة والحدائق الخضراء. وبدت، وهي خاوية على عروشها، سارحة من الذهول يسكنها الحزن لفقدها ألافها: الطلاب والاساتذة والموظفين.

وكانت كورونا تتناسل وتقذف باجيالها وتطور جيناتها باستمرار، والدوام مرهون بخلية الازمة، والازمة ضبابية أو عاصفية لا يتكهن أحد بقعر نهايتها وعمق سوداويتها، وكانت الجامعة بين غلق وحظر. وطلاب الدراسات العليا بين الالكتروني والحضوري، وثبت طلاب الدراسة الاولية على الالكتروني، فنابت الذبذبات عن الاصوات. وأضاف بعدا رابعا الانقطعات المستمرة للكهرباء والنت، وقدم اجهزة الطباعة والاستنساخ وغيرها، وشبه توقف لجان المشتريات، وشحة المواد الضروريات، وضعف اللوجستيات. وهو انعكاس حالة البلد وليس المؤسسة فقط.

تلك كانت الاجواء التي يدير فيها الدكتور مازن الحسني الجامعة، فيمارس وجوده القيادي ووجود الجامعة العلمي والاداري، وتسير الامور كما خطط ورسم بخطى قوية، ولا تجد شيئا من الفتور أو اليأس، فبه تشد الهمم و(اليه يفيء الغالي، وبه يلحق التالي).

كذا بدت الجامعة... ولكن حين دخلتُ الرئاسة هبَّ المكان بهمّة كنائم يصحو... ودبت الحركة قوية خضراء كواحة غناء.. أول من قابلت الرئيس الدكتور مازن حسن جاسم... كانت ابتسامته أملا ووعدا نهائياً بالانتصار الثابت على الظرف الطارئ..

فارع العزم، ضخم الهمة، يجد دائما متسعاً للعمل، ومجالا للفعل. عابراً صحارى التيه، وبحار الخوف، والأزمنة الميتة الى بدايات جديدة، تصل النهايات العدمية بخطوات الاستمرار والوصول الواثقة. يمتلك مؤهلات خاصة لا يمتلكها آخرون، تجعله مكين الانتصار، مؤكد النجاح.

كالصبار في صحرائه؛ أكثر حياة من موتها، وماء من جدبها، واخضرارا من صفرتها... هو في ظرف الجامعة الصعب وجهادها السلمي. انه بالفعل (رجل المرحلة) لبس الدِرع فوق الدُرَّاعة، واستعان للقلم بقائم السيف. كما قال بيهس:

إلبسْ لكلِّ حالة لبوسَها إما نعيمَها وأما بُوسَها

 

أ‌. د. محمد تقي جون

 

 

حاتم حميد محسنيُعتبر كتاب جاريد دايموند البنادق، المواد الجرثومية والستيل: مصير المجتمعات الانسانية (1) الذي صدر عام 1997 ظاهرة نادرة في النشر. انه دراسة طموحة وسهلة الفهم حول تطور الحضارة الانسانية. الكتاب فاز بجائزة بوليتزر، وبيع منه مليون نسخة وتُرجم الى 36 لغة، ثم جرى عرضه في ثلاث حلقات تلفزيونية في محطة تلفزيون الجغرافيا الوطنية.

ما أثار اعجاب العديد من المراقبين هو كلمات المعلّق الجغرافي الوطني على كتاب دايموند باعتباره "نظرية عالية الأصالة تؤكد على ان ما يفصل القارات هو غلاّتها وحيواناتها التي سمحت لبعض الثقافات ان تزدهر بينما اخرى تبقى الى الخلف". دايموند كان على اطّلاع جيد في ان الحتمية البيئية او الجغرافية كان لها تاريخ طويل ومروع من تبرير التفوق العنصري والاجتماعي والمشاريع الاستعمارية. لقد كان المؤلف  منذ ذلك الحين يجتهد في الدفاع عن موقفه المختلف جدا حول الموضوع.

باختصار، يؤكد انصار الحتمية البيئية ان الناس والثقافات هم على ما هم عليه لأنهم تشكّلوا بفعل بيئتهم المادية. لاحاجة للقول ان بعض البيئات والمناخات مهيئة اكثر من غيرها للنجاح. ارسطو اشتهر بقوله "ان اولئك الذين يعيشون في مناخ بارد و في شمال اوربا هم ذوي روح تامة، ولكن ينقصهم الذكاء والمهارة، ولذلك هم يحافظون على حريتهم ولكن بدون منظمات سياسية، وغير قادرين على حكم الآخرين". في الأجزاء الاكثر حرارة في الشرق المتوسط، "مواطنو اسيا الأصليون" اثبتوا "ذكائهم وابتكاريتهم، لكنهم تنقصهم الروح، ولذلك هم دائما في حالة من الخضوع والعبودية". من حسن الحظ، ان العرق الهيليني الذي يتوسط بينهما، هو بنفس الطريقة وسطي الشخصية، كونه عالي الروحية وايضا ذكي. وبالتالي يستمر في الحرية، ويبقى أفضل المحكومين في أي امة، واذا أمكن اعادة تشكيله في دولة واحدة، سيكون قادرا على حكم العالم".

3158 جيرد دايموندوهناك عوامل بيئية هامة اخرى تعطي المزيد من الأهمية لفوائد الظروف السيئة. لاحظ مونتسكيو في كتابه (روح القوانين) ان عقم وعدم خصوبة الارض تجعل الناس كادحين ورزينين ومعتادين على القسوة، وشجعان وملائمين للحرب: هم مُلزمون ان يشتروا بعملهم ما ترفض الارض منحه تلقائيا". بالمقابل، ان "خصوبة البلاد تمنح الراحة والتخنث وولع معين للحفاظ على الحياة". وبعد عدة عقود لاحقة جادل جون ستيوارت مل بخطوط مشابهة من التفكير بالقول "لا الآن ولا في السابق كانت الامم الحائزة على أفضل مناخ وتربة،اما أغنى او الأعظم قوة". جزء من المشكلة، يرى مل، هو "ان حياة الناس في تلك الدول يمكن مساعدتها بالقليل ، وان الفقراء نادرا ما يعانون من القلق، وفي مناخ فيه مجرد البقاء متعة، يصبح الرخاء الذي يطمحون له هو الراحة".

القول بان الانجازات التكنلوجية في مكان معين تتأثر بعمق بالجغرافية الطبيعية المحلية هي حقيقة لاتقبل الجدل. لكن لا يجب إلقاء اللوم على سكان سويسرا السابقين او مرتفعات التبت لكونهم لم يساهموا في تكنلوجيا الملاحة، ولا سكان الاسكيمو القدماء لفشلهم في تطوير الزراعة.

مع ذلك، يشير الدليل الى ان التأثير العميق للجغرافيا والمناخ على المؤسسات السياسية والانجازات الانسانية كان دائما غير مقنع. وكما لاحظ النقاد طويلا، ان الثقافة المهيمنة في مختلف الفترات التاريخية (مثل،منطقة البحر المتوسط او شمال اوربا) يُقال هي دائما المستفيدة من امتيازات الجغرافية الطبيعية. المشكلة الرئيسية، هي ان عامل ثابت استُخدم لتوضيح محصلات متغيرة جدا بمرور الزمن.

واحدة من أفضل المقالات القصيرة ضد الحتمية البيئية هي مقدمة فولتير حول "المناخ" في قاموسه الفلسفي. هو كان يستهدف المعاصر له جين تشاردين Jean chardin، الذي كان يرى ان المناخ في بلاد فارس حارا جدا لدرجة انه "يُضعف الذهن بالاضافة للجسد، ويُخفت النار التي يتطلبها الخيال للابتكار". "في مثل هكذا مناخ "،يكتب تشاردين، "الناس غير قادرين على الدراسة الطويلة والتطبيق المكثف الضروري لإنتاج أعمال رائعة في المجالات الميكانيكية والليبرالية". غير ان فولتيرعلّق على هذا  "تشاردين  لم يتذكر"ان ارخميدس ينتمي الى جزيرة سيسلي الايطالية وحيث الحرارة أعلى مما في ثلاثة ارباع بلاد فارس ". هو ايضا نسي ان "فيثاغوروس قام بتدريس الهندسة لأفراد الطبقة العليا البراهمنية". يذكر فولتير ان المناخ "له بعض التأثير، الحكومة لها تأثير اكثر بمائة مرة، والحكومة والدين مجتمعان لهما تأثير اكثر من ذلك".

في النهاية، ربما أغرب ما قيل ضد الحتمية البيئية هي ،في كلمات الاقتصادي في التنمية بيتر باور peter Bauer، "الطقس يميل ليكون سيئا في الاقتصادات المخططة مركزيا". نشطاء المناخ الذين يوجهوننا في هذا الاتجاه السياسي تحت اسم "ستراتيجية تقليل المخاطر البيئية" يجب ان يتأملوا هذه الكلمات.

 

 حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

 (1) يشير عنوان الكتاب الى الوسائل التي تمكنت بها المجتمعات القائمة على الزراعة من غزو الشعوب والاحتفاظ بالهيمنة عليهم رغم انها أقل امكانية من حيث عدد البنادق والصلب والمواد الجرثومية الضرورية للاستعمار. يحاول الكتاب توضيح لماذا الاوربيون الاسيويون وحضارات شمال افريقيا استمروا وسيطروا على الآخرين، وهو يجادل ضد فكرة ان سيادة الاورواسيويين كانت ناتجة عن أي شكل من التفوق الاورواسيوي الفكري او الأخلاقي المتأصل وراثيا. يرى دايموند ان الفجوة في القوة والتكنلوجيا بين المجتمعات تنشأ في الاساس من الاختلافات البيئية. عندما كانت الاختلافات الثقافية او الوراثية  لصالح الاورواسيويين (مثلا، اللغة المكتوبة او مقاومتهم للأمراض المزمنة)، هو يزعم ان هذه المزايا حدثت بسبب تأثير الجغرافيا على المجتمعات والثقافات (مثلا عبر تسهيل التجارة والتبادل التجاري بين مختلف الثقافات) ولم تكن متأصلة في الجينات الاورواسيوية.

 

محمود محمد عليبعد هذا التأسيس لمعنى علم الاستغراب يتحدث حنفي عن النتائج المترتبة على قيام هذا العلم، ويشدد على ضرورة دراسة الوعي الأوروبي على أنه تاريخ معين وليس خارج التاريخ. إن الشعوب التاريخية، كشعوب الشرق على سبيل المثال، قد تكون أكثر قدرة على تمثل الوعي التاريخي، نظراً إلى عمقها في التاريخ، من الشعوب الحديثة، مقابلة شعوب الغرب، لحداثتها في التاريخ، ولما كان علم الاستغراب  في نظر حنفي الفيلسوف  هو تاريخ الوعي الأوروبي مصادراً وتكويناً وبنية ومصيراً. فإنه جمع قدر الإمكان بين التحليلي الماهوي والوصف التاريخي (33).

وهذا ما يتجلى في الفصل الثاني تحت عنوان تكوين الوعي الأوروبي: المصادر حيث يعدد حنفي المصطلحات الفلسفية ومصادرها المعلنة وغير المعلنة المعلنة (34)، ثم ينتقل إلى دراسة عقائد الآباء الفلسفيين  (من القرن الأول الميلادي حتى القرن السابع الميلادي) (35)، ثم يعالج ثالثاً، الفلسفة المدرسية في القرون الوسطى (من القرن الثامن حتى القرن الرابع عشر الميلادي).  ثم يعالج ثالثاً، الفلسفة المدرسية في القرون الوسطى (من القرن الثامن حتى القرن الرابع عشر الميلادي)، ثم يتحدث حنفي عن الإصلاح الديني وعصر النهضة الأوروبية (في القرنين الخامس عشر والسادس عشر)(36). وهذا الفصل يغلب عليه طابع العرض التاريخي للمصادر الفلسفية الأوروبية مع إلتماعات وإشارات ذكية يقدمها بجهد مشكور.

وفي الفصل الثالث يتناول حنفي تكوين الوعي الأوروبي الحديث، فتظهر فيه قدرة حنفي على العرض والتحليل والمقارنة، إذ يعالج عقلانية القرن السابع عشر عند اليمين واليسار الديكارتي وعند أفلاطونيي جامعة كمبردج. ثم ينتقل إلى معالجة التجريبية في القرن السابع عشر ثم العقلانية في القرن الثامن عشر عند كانط ومثاليته الترانسندنتالية  (37) وبركلي ومثاليته الذاتية (38) وعند الرومنسيين والمتصوفين الغربيين (39)،  ثم ينتقل إلى معالجة التجريبية في القرن الثامن عشر عند الإنجليز والفرنسيين معالجاً التجريبية في الأخلاق والاقتصاد (40)،  ثم ينتقل إلى عصر التنوير في نهاية القرن الثامن عشر معالجاً التنوير الفرنسي، والإيطالي والألماني )فلسفة الفن والتاريخ( والتنوير الإنجليزي والأميركي )الإستقلال( والتنوير الروسي )الثورة الاشتراكية( (41)

وجاء الفصل الرابع بعنوان  فقد جاء بعنوان تكوين الوعي الأدبي (الذروة)، فيعالج حنفي ذروة تكوين الوعي الأوروبي إذ يتحدث عن ما بعد الكانطية(42) من ص 331-335، وعن الرومنسية الشعرية والفلسفة الرومنسية(43) من 347-350،، وعن اليسار الهيغلي والهيغلية الجديدة، وعن تطور المثالية(44) من ص 354-368،، وعن الوضعية، بماديتها التطورية، وبحسيتها وتجريبيتها، ؤلينتقل إلى النفعية والوضعية. (45) من 386-399، ثم ينتقل ليعالج الليبرالية والإشتراكية، مميزاً بين الليبرالية أو الفوضوية والبرجوازية الوطنية، متحدثاً عن الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية المادية(46).

وفي الفصل الخامس كان بعنوان  فقد جاء بعنوان تكوين الوعي الأدبي (نهاية البداية)، حيث يعالج حنفي نهاية البداية لتكوين الوعي الأوربي فيتناول نقد المثالية (القرن العشرون) (47) ونقد التجريبية (48) والجمع بين المثالية والواقعية (49)، والظاهريات (50).

أما الفصل السادس فقد جاء بعنوان  فقد جاء بعنوان تكوين الوعي الأدبي (بداية النهاية)، حيث يعالج حنفي بداية النهاية لتكوين الوعي الأوربي فيتناول الفلسفة الوجودية (51)،والشخصانية والتوماوية الجديدة والأوغسطينية (52)، ومدرسة فرانكفورت والفكر الاجتماعي (53) 552-564، وفلسفة العلوم والفلسفة التحليلية والفلسفة التفكيكية (54).

وجاء الفصل السابع  ليعالج حنفي بنية الوعي الأوربي فيتكلم عن العقلية الأوربية بين القطيعة المعرفية والواقع العاري (55)، والتنظير العقلي (56)،والواقع والقيمة (57)، والمذاهب الفلسفية (58)، والوعي التاريخي (59)، والبنية والتاريخ.

أما في الفصل الأخير من الكتاب، والذي بعنوان مصير الوعي الأوروبي فتتجلى عبقرية حنفي في الاستقراء والتخليص والاستنتاج عارضاً لتداخل مساري الأنا) الفلسفة الشرقية (بالآخر) الفلسفة الغربية (عبر التاريخ راسماً خطوطاً بيانية توضيحية، معالجاً الصور المتبادلة بين الأنا والآخر ومعالجاً مظاهر العدم في الوعي الأوروبي معدداً  فلسفات العدم الحديثة عند هيدغر وسارتر وكامو ودريدا متناولاً موت الروح في الفن والأدب الأوروبي الحديث ، لينتقل إلى تناول أزمة الغرب التي هي أزمة الوعي الأوروبي بالإنسانية  بحسب تعبير هوسرل (60) فلقد تجلت هذه الأزمة في المذاهب السياسية وفي الإيديولوجيات (61)  وفي القيم والاقتصاد وفي الطاقة وفي الإنتاج والتسويق، وفي التضخم، وفي سباق التسلح والخطر النووي (62) .

الخاتمة:

وختاما يمكن القول بأن فإن هدف علم الاستغراب لا يكمن في أن يكون مجرد نقيض للاستشراق الظالم والمتعسف بحقنا أو أن يكون استشراقا مضاداً أو استشراقا معكوساً، بل هدف علم الاستغراب كما يرى حنفي  أن يكون رد فعل على التغريب ومحاولة انتشال الأنا الحضاري العربي من الاغتراب في الآخر. فإذا كان الغرب قد وضع علم الاستشراق، فلماذا لا يستطيع الشرق وضع علم الاستغراب.

وهنا يرى حنفي أن علم الاستغراب ضرورة ملحة في عصر الثورة المضادة، بعد أن عاد الغرب بهجمته الاستعمارية الثانية، بعد هجمته الأولى إثر حركات التحرر الوطني، وهنا طرح المفكر الراحل سؤالاً: لماذا نجحت حركات التحرر الوطني في التخلص من الاستعمار العسكري، ثم تم إجهاض نتائجها في الاستقلال الوطني اقتصادياً وسياسياً وثقافياً وحضارياً؟

وأكد حنفي في كتابه أن مهمة علم الاستغراب رد ثقافة الغرب إلى حدوده الطبيعية بعد أن انتشر خارج حدوده إبان عنفوانه الاستعماري، من خلال سيطرته على أجهزة الإعلام ووكالات الأنباء والاستخبارات.

وأوضح نقطة بالغة الأهمية، وهي مصطلح التبادل الثقافي بين الدول، وهي في الحقيقة معناه القضاء على الثقافات المحلية من أجل انتشار الثقافة الغربية خارج حدودها، وهيمنتها على غيرها، واعتبار الغرب النمط الأوحد لكل تقدم حضاري ولا نمط سواه، وعلى كل الشعوب تقليده والسير على خطاه.

ولم يكتف حنفي بذلك بل وجدناه يعالج الحالة الراهنة للثقافة الغربية في ثقافتنا المعاصرة فيرى أن العلوم الإنسانية العربية المعاصرة أصبحت نقلاً، والعالم أصبح مترجماً، والمفكر عارضاً لبضاعة الغير.  وتنشأ المجلات الثقافية -الإنسانية المتخصصة لنشر الثقافة الغربية  .. فتنتشر العلوم والأسماء الجديدة أمام الشبان الباحثين، فيشعرون بالضآلة أمامها: الهرمنيطيقا، السيميوطيقا، الإستطيقا، الأسلوبية، البنيوية، الفينومينولوجيا، الأنثروبولوجيا، الترانسندنتالية، وتكثر عبارات: التمفصلات، التمظهرات، الأبستمية، الأبوخية، الدياكرونية، السنكرونية.. بحيث أصبح المثقف هو الذي يلوك بلسانه معظم أسماء الأعلام المعاصرين في علوم اللسانيات والاجتماع، ويطبق هذا المنهج أو ذاك، متأثراً بهذه الدراسة أو تلك! ما أدى إلى ظهور جيل استغراب مقلوب، فبدلاً من أن يرى المفكر والباحث صورة الآخر في ذهنه، رأى صورته في ذهن الآخر. ولما كان الآخر متعدد المرايا، ظهر الأنا متعدد الوجوه، مثل الشخصانية الإسلامية والماركسية العربية أو النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية أو الإنسانية والوجودية في الفكر العربي أو الجوانية، وبدأ يدرس التراث بمنهج ماركسي أو بنيوي أو ظاهراتي أو تحليلي أو تفكيكي، بحيث يضحي بالموضوع في سبيل المنهج، وكأن الموضوع لا يفرض منهجه من داخله، وكأن الحضارة التي ينتمي إليها الموضوع لا منهج لها. بل أنه يصعب في الفلسفة الأوروبية نفسها التفرقة بين المذهب والمنهج.

وفي نهاية الورقة أبارك للأستاذ الدكتور حسن حنفي تأسيسه لموضوع جديد يهم الكاتب والمؤلف (وهو علم الاستغراب)؛ خاصة وأنه يعد بحق قامة فلسفية وإبداعية في ساحة الفكر والثقافة المصرية والعربية، فقد استطاع بفكره أن يخصص له مساحة واسعة لنشر أفكاره والمتتبع لكتاباته الأخيرة يقف على أن حسن حنفي مفكرا، مُنَظِّرًا وناقدًا في نفس الوقت فقد ارتكزت أبحاثه على قراءة  الفكر الغربي قراءة نقدية في ثنايا فكرنا العربي المعاصر ؛ وذلك من أجل تحرير العقل البشري من دوجماطيقية التقليد، علاوة علي تسليطه الضوء على كثير من القضايا الفلسفية التي نالت حظاً من النقاش لدى النخبة المثقفة في عالمنا العربي متخذاً في ذلك مساراً جديداً في عالم الفكر والاستبصار .

فتحية طيبة للدكتور حسن حنفي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للفيلسوف المصري الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام والذي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...................

الهوامش:

33- صفوان جيد: قراءة في علم الاستغراب، ص 88.

34- حسن حنفي: المصدر نفسه، من ص 109-143.

35- المصدر نفسه، من ص  109-143،

36- المصدر نفسه، من ص 178-216.

37- المصدر نفسه، من ص 249-270،

38- المصدر نفسه، من ص 272-277.

39- المصدر نفسه، من ص 272-277.

40- المصدر نفسه، من ص 272-277.

41- المصدر نفسه، من ص 306- 320.

42- المصدر نفسه، من ص 331-335.

43- المصدر نفسه، من ص 347-350.

44- المصدر نفسه، من ص 354-368،

45- المصدر نفسه، من ص 386-399.

46- المصدر نفسه، من ص 405-422.

47- المصدر نفسه، من ص437-447.

48- المصدر نفسه، من ص 451-455.

49- المصدر نفسه، من ص 466-480.

50- المصدر نفسه، من ص 487-498.

51- المصدر نفسه، من ص 511-534.

52- المصدر نفسه، من ص 535-544.

53- المصدر نفسه، من ص 552-564.

54- المصدر نفسه، من ص 587-601.

55- المصدر نفسه، من ص 609-617.

56- المصدر نفسه، من ص 623-629.

57- المصدر نفسه، من ص 633-635.

58- المصدر نفسه، من ص642-655.

59- المصدر نفسه، من ص 679-689.

60- المصدر نفسه، من ص 733-747.

61- المصدر نفسه، من ص 763-773.

62- المصدر نفسه، من ص 777-785.

 

محمود محمد علي2- التعريف بالمؤلف: في حياة الأمم والشعوب أفراداً يتميزون عن غيرهم بحيوية الفعل، وبالقدرة علي التضحية، وقد عرفت مصر الشقيقة نماذج رائعة من هذا النوع من الرجال الذين شكلوا طلائع الإحساس العميق بضرورة التغيير، وتمتعوا بقدرة كبيرة علي الاستنارة، وكان المفكر والباحث والكاتب الدكتور حسن حنفي، واحداً من كبار المفكرين المريين المعاصرين والذي تميز بإنتاجه العلمي الفكري الثري والمتنوع في مختلف أبعاد وجوانب العلم والثقافة والفكر .. الخ (12).

كما يُعد المفكر وأستاذ الفلسفة الراحل الدكتور حسن حنفي، أحد أهم المفكرين العرب المعاصرين، وأبرز أساتذة الفلسفة في مصر والمنطقة العربية، وهو ما يتجلى في العديد من الكتب الفكرية المهمة التي أصدرها خلال مشواره العلمي (13).

فرض حضوره في أوساط الفكر العالمي وساحات الفلسفة الاحترافية، فشهدت أنحاءٌ شتى من العالم أنه إبان النصف الثاني من القرن العشرين وما تلاه أهم فينومينولوجى هيرمنيوطيقى "الفينومينولوجيا هي فلسفة الظاهريات ومعه ظاهريات الدين"، من حيث تطبيقه إياهما فى بناء شامل متنامٍ، وليس في واقعة أو نص جزئى، وليس تكرسا للتنظير لهما فحسب. وهذه حقبة جعلت الهيرمنيوطيقا «فلسفة الفهم والتأويل» بابا مفتوحا لبعث الحياة مجددا في كل واقع ثقافى، لاسيما واقع النصوص التراثية التى هى المخزون الشعورى والرصيد الحضاري للشعوب (14).

ولد الفقيد في القاهرة عام 1935، وتخرج في كلية الآداب بقسم الفلسفة في جامعة القاهرة عام 1956، ثم سافر إلى فرنسا، وحصل هناك على على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون، وذلك برسالتين للدكتوراه، قام بترجمتهما إلى العربية ونشرهما في عام 2006 م تحت عنوان "تأويل الظاهريات" و"ظاهريات التأويل"، وقضى في إعدادهما نحو عشر سنوات، حيث حصل عليهما في عام 1966.

عمل المفكر حسن حنفي، مستشارًا علميًا في جامعة الأمم المتحدة بطوكيو خلال الفترة من "1985-1987"، وكان نائب رئيس الجمعية الفلسفية العربية، والسكرتير العام للجمعية الفلسفية المصرية، كما عمل مستشاراً لبرامج البحث العلمي لجامعة الأمم المتحدة، ويرجع إليه الفضل مع آخرين، في الإشراف على إعادة تأسيس الجمعية الفلسفية المصرية عام 1989.

حاز الراحل عدداً كبيراً من الجوائز، أبرزها حصوله على جائزة الدولة التقديرية عام 2009، وجائزة النيل فرع العلوم الاجتماعية 2015م، وجائزة المفكر الحر من بولندا، وتسلمها من رئيس البلاد رسمياً.

ترك الدكتور حسن حنفي العديد من المؤلفات تحتَ مظلَّةِ مَشروعِهِ "التراث والتجديد"؛ منها: "نماذج مِن الفلسفةِ المسيحيَّةِ في العصرِ الوسيط"، و"اليَسار الإسلامي"، و"مُقدمة في عِلمِ الاستغراب"، و"مِنَ العقيدةِ إلى الثَّوْرة"، و"مِنَ الفناءِ إلى البقاء"؛ علاوة علي كتابات أخرى مثل: وو"حوار الأجيال".

تميز الراحل بالكتابة الموسوعية، وكثيراً ما كتب معرّفاً مشروعه المعرفي بالقول: "إنه يهدف إلى إقالة العرب والمسلمين من تراجعهم الحضاري الطويل"، وتوزع هذا المشروع، الذي أطلق عليه "التراث والتجديد" على ثلاث جبهات، الأولى: الموقف من الأنا، وهو محاولة لتجديد علوم الذات، ففي كتابه "من العقيدة إلى الثورة"، أما الجبهة الثانية من مشروع الراحل فتمثلت في الموقف من الغرب، ويتضح ذلك بقوة في كتابه "مقدمة في علم الاستغراب"، وتتمثل الجبهة الثالثة في الموقف من الراهن، وهنا كان ركز حنفي على علوم الذات التي تؤثر في سلوكاتنا مباشرة مثل الفقه وعلم الحديث والسيرة النبوية.. الخ (15).

ودخل حنفي في حوارات مطولة مع كل تيارات الفكر العربي المعاصر، لعل أشهرها حواراته مع المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في كتاب «حوار المشرق والمغرب»، حيث كان أحدهما يطرح قضية ملحة ويقوم الآخر بالإدلاء بوجهه نظره فيها. وفي ما يتعلق بالفكر الراهن كان طموحاً أيضاً ويسعى إلى تقديم قراءة لقواه الليبرالية واليسارية والإسلامية، للخروج برؤية جديدة تسهم في النهوض الحضاري للأمة (16).

3- عرض الكتاب:

يعد الكتاب " مقدمة في علم الاستغراب"، من الدراسات القليلة التي تناولت فكر" حسن حنفي "، فهو متميز في موضوعه، جديد في أسلوبه ومنهجيه، ويعد إضافة معرفية نوعية من بابه . نظراً لما يقدمه من رؤى وأفكار، حيث يحول حنفي الغرب إلى موضوع للدراسة، من أجل معرفة جذور حضارته وراهنه ومستقبله، والاقتراب من عوامل قوته ونقاط ضعفه. كان حنفي من المؤمنين بقدرات العالم الإسلامي والشرق بصفة عامة، ومن المهمومين بشؤونه والحالمين بقدرته على تسلم الريادة الحضارية مرة أخرى، وكان يرى أنه آن الأوان لكي يتخلص الشرق من تبعيته الثقافية والمعرفية للغرب، وحان الوقت لدراسة هذا الغرب من الخارج بعيداً عن تأثيرات عقود طويلة من التبعية الكولونيالية. وتتمثل الجبهة الثالثة في الموقف من الراهن، وهنا كان ركز حنفي على علوم الذات التي تؤثر في سلوكاتنا مباشرة مثل الفقه وعلم الحديث والسيرة النبوية..الخ.

وقبل أن أتطرق للحديث عن أقسام الكتاب، أود أن أسأل حسن حنفي:  لماذا اختار لكتابه عنوان "مقدمة في علم الاستغراب "، ولم يختار له اسم “نحو علم جديد للاستغراب "، أو " علم الاستغراب في مواجهة الآخر " أو ” إشكالية علم الاستغراب  " أو " فلسفتنا في علم الاستغراب" أو " علم الاستغراب والاستشراق المعكوس"... الخ؟

ولهذا قد لا نكون مبالغين عندما نقول مع المؤلف بأن الهدف من دراسة علم الاستغراب في نظر حنفي هو انهاء أسطورة كون الغرب ممثلا للإنسانية جمعاء، وأوربا مركز الثقل فيه . فلا يصح أن يبقي تاريخ العالم هو تاريخ الغرب، وتاريخ الإنسانية هو تاريخ الغرب، وتاريخ الفلسفة هو تاريخ الفلسفة الغربية، يجب ألا تبقي عصور تاريخ الغرب هي عصور كل الشعوب . فالعصر الوسيط هو كذلك لكل الشعوب، والعصر الحديث هو كذلك لكل العالم مع الانتباه إلى أن عصرنا الوسيط كان الحديث بالنسبة للغرب، وعصورنا الحديثة (القرن الأول الهجري حتى السابع الهجري) كانت عصورا وسيطة بالنسبة للغرب، وسقوط الغرب حاليا يعني نهضتنا، ونهضتنا تعني أفول الغرب . من هنا أهمية أن يكون لعلم الاستغراب فلسفة للتاريخ تتميز عن فلسفات التاريخ الأوربي في القرنين الثامن والتاسع عشر خاصة، والتي صاغت التاريخ كله بحيث يصب في النهاية في الحضارة الغربية، بينما مهمة علم الاستغراب في نظر حنفي وضع هذه الأخيرة في مكانها الطبيعي كمرحلة من مراحل تطور الإنسانية والتي تكون مرحلة واحدة، مجرد قوس صغير، في فضاء درب الإنسانية الطويل (17).

وهنا المؤلف أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلي مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:-

الدافع الأول: نظري معرفي، يقوم علي ضم الفروع والجزئيات بعضها إلي بعض، والتماس الروابط بينها، وصياغتها في صفة نظرية، وهو ما لا يعلم المؤلف أن أحدا قام به من قبل، لا في شئ محرر، ولا في كتاب مصنف، بل لم ير أحدا حام حوله طائر فكره، أو جعله غاية بحثه ونظره، فرسخ في ذهنه أن هذا أمر مستحسن إظهاره، وإبراز تعم فائدته، وبيان خفيت معالمه، وهذا الدافع قد نصفه بالهدف الأول لتأليف الكتاب، أو الدافع الظاهري أيضا.

الدافع الثاني: واقعي دعوي، يقوم كما يقول المؤلف:" مهمة هذا العلم الجديد هي إعادة الشعور اللاأوربي إلى وضعه الطبيعي، والقضاء على اغترابه، وإعادة ربطه بجذوره القديمة، وإعادة توجيهه إلى واقعه الخاص من أجل التحليل المباشر له، وأخذ موقف بالنسبة لهذه الحضارة التي يظنها الجميع مصدر كل علم، وهي في الحقيقة حضارة غازية لحضارة أخرى ناشئة نشأة ثانية أو تعيش عصر احيائها ونهضتها (18) .

ولأكثر من سبب فقد جعل الدكتور "حسن حنفي" مضمون الكتاب وفحواه ومادته في الاستدلال علي الهدف الأول، أي علي الجانب النظري المعرفي، مستغلا كل فرصة للتعليق بالسلب علي أصحاب الدافع الثاني، بين نقد أو نقض؛ والدليل علي ذلك ما قاله المؤلف:" وإذا كان " الاستشراق" قد وقع في التحيز المقصود إلى درجة سوء النية الارادية والأهداف غير المعلنة فإن " الاستغراب" يعبر عن قدرة الأنا باعتبارها شعورا محايدا على رؤية الآخر، ودراسته وتحويله إلى موضوع، وهو الذي طالما كان ذاتا يحول كل آخر إلى موضوع، ولكن الفرق هذه المرة هو أن " الاستغراب " يقوم علي أنا محايد لا يبغي السيطرة، وأن بغي التحرر . ولا يريد تشويه ثقافات الآخر، وإن أراد معرفة تكوينها وبنيتها (19) .

ولهذا انطلق المؤلف ليقسم كتابه علي إلي ثمانية فصول، الفصل الأول وفيه تحدث حنفي عن مظاهر التغريب في دراسة الشخصية العربية سواء في الأحكام العامة أو في النظرة إلى التاريخ والعصور أو في بعض المصطلحات والمراجع العامة، فمن الأحكام العامة أن المشرق العربي لم ينهل من الثقافة الغربية قدر المغرب العربي، وبالنسبة إلى التاريخ يعتبر التغريبيون أن الإسلام جزء من تاريخ العصر الوسيط الغربي وكأن الغرب مقياس لكل العصور والحضارات، ويعتبر التغريبيون أن عصور الغرب الحديثة والمعاصرة تمثل تاريخاً لكل الحضارات وعصورها، تبعاً لعلاقة المركز بالأطراف؛ ولذلك نجد في هذا الفصل أن المؤلف قسمه إلي عدة محاور: والمحور الأول ويتناول المشروع وحياته الثلاثة (20)، حيث يشرح حنفي مشروع التراث والتجديد من خلال الجبهات الثلاثة (21)، ثم ينطلق للحديث بتوسع عن الجبهة الثانية والتي تشمل موقفه من التراث الغربي (22)، وفي المحور الثاني يناقش فيه المؤلف فكرة الاستغراب في مواجهة التغريب (23)، وكيف تم الانتقال والتحول من الاستشراق إلى الاستغراب (24)، وفي المحور الثالث ناقش المؤلف فكرة المركز والأطراف وذلك من خلال توضيح علم الاستغراب والرد على المركزية الأوربية (25)، ومن نقل الغرب إلي إبداع " الاستغراب، ثم نتائج الاستغراب (26) والمحور الرابع يناقش فيه المؤلف فكرة البحث عن جذور علم الاستغراب (27)، ثم فكرة الامتداد من خلال البحث مفهوم الغرب كنمط للتحديث (28). وفي المحور الخامس يناقش المؤلف الغرب في فكرنا المعاصر من خلال الحالة الراهنة للثقافة الغربية في ثقافتنا المعاصرة (29)، ومن خلال الموقف من الغرب في دراستنا الوطنية (30)، ومن خلال علم الاستغراب في مؤلفات المؤلف السابقة (31). وفي المحور السادس فقد شبهات واعتراضات (32).. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

....................................

هوامش المقال:

12- أحمد محمود سلامي: الاستشراق المعكوس في فكر حسن حنفي، المجلة الأردنية – عمادة البحث العلمي، المجلد 9، العدد الأول، 2016، ص 109-110.

13-نفس المرجع، ص 111.

14- د. يُمنى طريف الخولى: فى وداع حسن حنفى فيلسوف "اليسار الإسلامى" مؤسس علم "الاستغراب"، جريدة الأهرام المصرية، منشور بتاريخ الجمعة 22 من ربيع الأول 1443 هــ 29 أكتوبر 2021 السنة 146 العدد 49270

15-جيلالي بوكبر: التراث والمجتمع في مشروع – التراث والتجديد – لحسن حنفي، مجلة الحكمة، مؤسسة كنوز الحكمة للنشر والتوزيع، العدد 13، 2014، ص 11-14.

16- المرجع نفسه، ص 15-16.

17- صفوان جيد: قراءة في علم الاستغراب، شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية، العدد 98، 2000، ص 88.

18- حسن حنفي: المصدر نفسه، ص 31.

19- المصدر نفسه، ص 32.

20- المصدر نفسه، ص 9.

21- المصدر نفسه والصفحة نفسها.

22- المصدر نفسه، ص 15.

23- المصدر نفسه، ص 16.

24- المصدر نفسه، من ص 29-35.

25- المصدر نفسه، ص 36.

26- المصدر نفسه، من ص 50-56.

27- المصدر نفسه، من ص 57-63.

28- المصدر نفسه، من ص  62-70.

29- المصدر نفسه، من ص  70- 77.

30- المصدر نفسه، من ص 77-83،

31- المصدر نفسه، من ص 83- 90.

32- المصدر نفسه، من ص  90 -97.

 

 

حسن العاصيضربت جائحة كورونا التي اجتاحت العالم برمته، كافة مناحي الحياة، منذ مطلع مارس/آذار عام 2020، وأثرت على النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وأصابت الحياة الثقافية والأدبية بشلل شبه تام، حيث تم حظر جميع أشكال التجمع، بما فيها الندوات، والأنشطة الفنية، والأدبية، وتم إغلاق قاعات السينما، والمسارح، وصالات العرض، ومُنعت الحفلات الموسيقية، وفُرض الحجر الصحي في العديد من الدول.

هذا الانحسار العارض للثقافة، لا يعني أن الإنتاج الثقافي والأدبي قد توقف. بل أن عديد من الباحثين والكتاب العرب استغلوا فترة العزلة الصحية للتقدم في الإنتاج المعرفي والفكري.

صحيفة النهار العربي اللبنانية نشرت استطلاعاً بتاريخ 28-12-2021 لمواقف وآراء مجموعة من أبرز النقاد في العالم العربي، لمعرفة أهم قراءاتهم، وترشيحاتهم لأهم الكتب العربية الصادرة خلال عام 2021.

أهم النقاد المشاركين في الاستطلاع هم الفلسطيني الأردني فخري صالح، والمغربيان أحمد المديني، وهشام مشبال، والتونسي عبد الدائم السلامي، واللبناني سلمان زين الدين، والمصري يسري عبد الله.

تنوع حصاد الكتاب في عام 2021، وتعددت ترشيحات النقاد بين الكتب نقدية، والروايات، واليوميات، والقصص.

من أهم الكتب ـ إن لم يكن أهمها على الإطلاق ـ التي رشحها النقاد كأفضل الكتب التي صدرت في العام الحالي، كتاب "السارد وتوأم الروح.. من التمثيل إلى الاصطناع" للباحث والناقد والأكاديمي المغربي الدكتور محمد الداهي.

في كتابه "السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع" ـ منشورات المركز الثقافي للكتاب 2021ـ يقدم الناقد المغربي محمد الداهي جديداً ومختلفاً لأنماط الكتابات الذاتية من منظور السيميائيات الذاتية.

عمل كبير، يمكن اعتباره استمراراً إبداعياً على المستوى المعرفي، لما راكمه الكاتب من أبحاث ودراسات سابقة حول السيرة الذاتية، على سبيل المثال كتاب "شعرية السيرة الذهنية: محاولة تأصيل" الصادر عام 2000. الكتاب الذي قال عنه الناقد المغربي د. سعيد يقطين:

"إن محاولة "تأصيل" جنس أو نوع ما، أو البحث في تشكله، هي من الأعمال التي لا يمكن أن يُقدِم عليها إلا من يروم النظر في الظاهرة بعيدا عن تجلياتها العادية أو الملموسة، وهو بذلك يرمي إلى النفاذ إلى أعماقها التي تصلها بغيرها، وتنظمها جميعا في نسق شامل وجامع.3156 محمد الداهي

1. 2. يدخل عمل الباحث والناقد محمد الداهي في هذا النطاق، فهو يسعى إلى اقتحام مجال "نظرية الأجناس" بوعي الباحث، وحس الناقد، يركز على نوع محدد هو "السيرة الذهنية".

وكتاب "الحقيقة الملتبسة: قراءة في أشكال الكتابة عن الذات" الصادر عام 2007. الذي قدم له الناقد المغربي د. عبد القادر الشاوي، ومما جاء فيه، إن "معيار الكتابة الذاتية، هو التعبير عن الذات، وفي ذلك تكمن وظيفتها التعبيرية. ويعني هذا أن صدق الكتابة الذاتية كامن في محكيها الذاتي نفسهن لا في الواقع الذاتي الذي تستنسخه كتابة. ويظهر لي ان هذه الخلاصة بالذات تتوازى ـ على نحو ما ـ مع الفصول التي يتضمنها الكتاب الهام: الحقيقة الملتبسة: قراءة في أشكال الكتابة عن الذات. فقد عنى مؤلفه محمد الداهي، الذي تفرغ للبحث في الموضوع منذ فترة طويلة، بدراسة مستويات وأبعاد القول والكتابة الذاتية على زجه العموم، بل وجعل من ذلك موضوعاً حصرياً للمعرفة الأدبية لم يألفه البحث الأدبي المنهجي في المغرب ولا في المشرق.

ينقسم كتاب "السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع" إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول يُعنى بالعلاقة بين السيرة الذاتية والتاريخي، والقسم الثاني يتناول محكي الطفولة، والقسم الثالث يشتغل على استقصاء ما أسماه الكاتب "المنطقة البينيَّة" وهي المنطقة الملتبسة التي تفصل بين ملفوظات الواقع وملفوظات التخييل، لمقاربة ظاهرة التهجين.

الكتاب هو ثمرة جهد للكاتب استمر لما يربو عن ست سنوات متواصلة، لذلك فالكتاب يُعتبر من النوع "كامل الدسم" يعتبر من عيون الكتب، لمؤلف ثاقب النظر، وعميق الفكر

يعتبر الكاتب محمد الداهي أن ما يميز كاتب السيرة الذاتية عن الكاتب الروائي هو أن "الأول يتعهد بقول الحقيقة وباستعمال ملفوظات جدية، ويخلق مسبقًا انطباعًا في ذهن القارئ أن ما يتلقاه مطابق للواقع، في حين يعمد الثاني إلى وضع ميثاق تخييلي حتى لا بأخذ كلامه على محمل الجد".

عمد الكاتب محمد الداهي على تحليل متنوع في الكتاب الذي تضمن نحو ثلاثين مؤلفا من السرد الشخصي، اشتملت مراحل مختلفة من تاريخ السرد الأدبي العربي، لمؤلفين مثل: "التعريف" لابن خلدون، و"أوراق" لعبد الله العروي، و"الضريح" لعبد الغني أبو العزم، و"ثمن الحرية" لعبد الهادي الشرايبي، و"ثورة المريدين" لسعيد بنسعيد العلوي، و"أنشودة الصحراء الدامية" لماء العينين ماء العينين، و"الرحلة الأصعب" لفدوى طوقان، و"فيي الطفولة" لعبد المجيد بنجلون، و"البئر الأولى" لجبرا إبراهيم جبرا، و"دليل العنفوان" و"دليل المدى" و"من قال أنا" لعبد القادر الشاوي، و"ممر الصفصاف" و"رجال ظهر المهراز" لأحمد المديني.

كتاب "السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع" رائع البيان وشاسع المعنى، بأسلوب شيّق، ولغته راقية جداً. قال عنه الناقد المغربي أحمد المديني "هي أمتن دراسة مدققة وموثقة في المحكيات الذاتية العربية الحديثة، بمنهجية تتراوح بين محمول النصوص ومنظورات الدرس النقدي الجديد، وتستجلي تمثيلات الواقع بين حقيقته وتخييل الذات، مستعملة المصطلح العالم بالرأي المركب لا الحاكم".

 

حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك

 

 

3155 الاستغرابتقديم: مازال العالم مند الأزل قائم على جدل الثنائيات التي خلفتها الظروف الجغرافية والسياسية المدفوعة بحب السيطرة واكتشاف الآخر وقراءته، وكانت أوائل تلك الثنائيات هي البيزنطية والفارسية، ولكن بعد ظهور الإسلام اختلفت الوقائع والأحداث، وأسبح هناك مجرى ومسارات أخرى تكاد تحدث قطيعة تامة مع كل ما سبق، وبدأت معالم ثنائية جديدة تظهر هي الغرب الفرنجة والشرق المسلم حاملة معها كل أشكال الصراعات من إيديولوجية، حب السيطرة، معرفة الآخر، الأنا والآخر، ثم سرعان ما ظهرت بعد ذلك حلقات التواصل بين الغرب والشرق من خلال ما سمي بـ "الاستشراق"، بوصفه اتجاه فكري للتعامل مع الشرق وفق رؤية منهجية حملت معها أبعاداً وأهدافاً، تنوعت وتمثلت حسب الأحداث التاريخية، فالحروب الصليبية بقيت عالقة في النفوس الأوربية، مما دفعها إلى السعي وراء قراءة الشرق ومعرفة القوي الروحية في نفوسهم، ولا يمكن القول أنها هي السبب الوحيد، ولكنها سبب من جملة أسباب تجلت في أن حب السيطرة هو ما دفع الغرب كما يقول يعلن إدوار سعيد في كتابه عن الاستشراق للزحف نحو الشرق، وإنه لم يكن ليصنع العلاقة مع الآخر، إلا أن ينتج شرقاً مهجنا أقل منه، وبنطرة استعلائية (1).

هذا الأمر أثار واستفز أستاذنا الدكتور حسن حنفي الذي أثقله الواقع العربي، فسعي لأن تكون هناك ردة فعل لكل ما قبل وما سيقال، وحددها بالاستغراب، وهو الوجه الآخر والمقابل والنقيض من الاستشراق، فإذا كان الشرق هو رؤية الأنا الشرق من خلال الغرب، يهدف علم الاستغراب إلى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر من جدل الغرب واللاغرب إلي جدل اللاعرب والغرب (2)، فإننا نجده وراء كلامه هذا مكامن عدة سعي لها الدكتور حسن حنفي هي أن تحدث تغيير وأن تتجاوز فكرة إنه الغرب وليس بعده شئ، لأن أي تقدم هو عبارة عن انتقال من طور إلى آخر نحو التغيير، لذا فإن الكل لابد له من المرور بتلك المراحل من التأخر حتي يصل إلى التقدم (3).

والسؤال الذي يفرض نفسه علي قراءتنا لكتاب حسن حنفي هو ما المقصود بالاستغراب وهل يعد ظاهرة جديدة في الأرضية الثقافية العربية؟ ..وكيف استطاع حسن حنفي أن يحدد مفهوم الاستغراب وهل نجح في أن يحقق الأهداف التي نشأ من أجلها؟.. وهل أن الأوان لقلب القضايا، فيمسي الغرب، الموضوع والمرئي والمدروس وتصبح " الأنا" الذات والرائي والدارس؟.. وهل تصبح حضارة الـ " نحن في موقع العارف والقابض على ما يتوقع حسن حنفي لنا على ما يتوقع حسن حنفي لنا أن نكون في المستقبل نراه قريبا ويراه بعيداً؟

وهنا يجيبنا حسن حنفي قائلا :" الاستغراب ليس ظاهرة ولكنه حركة نشأت مع حركات التحرر في العالم الثالث كله عندما بدأوا في مواجهة الغرب، وبالتالي بدأوا يحاولون الدفاع عن شخصيتهم الوطنية وأصالتهم الفكرية تجاه الغزو، ليس فقط العسكري والاقتصادي بل والثقافي أيضا، فبدأ زعماء العالم الثالث يحاولون إيجاد صياغة إيديولوجية أو مفهوما جديدا سمينه نحن الاشتراكية العربية الإفريقية في مقابل أيديولوجيات الغرب الرأسمالية والاشتراكية، وبعد انحسار حركة التحول العربي وتحولها إلى ثورة مضادة من داخلها بدأ الغزو الفكري والثقافي والعملي يعود من جديد وازدادت ظاهرة التغريب في العالم العربي حتى أصبح الإنسان لا يكون عقلانيا إلا إذا قيل هذا ديكارتي لا يستطيع أن يكون اشتراكيا إلا إذا قيل ماركسي أو ليبراليا يدافع عن الحرية إلا إذا كان من أتباع جون ميل، ومن هنا أصبح الغرب هو الإطار المرجعي الوحيد لك الثقافات، وبالتالي فعلم الاستغراب إذن هو محاولة لإعادة صياغة كل محاولات البحث عن الأصالة وفي نفس الوقت أمام ظاهرة التغريب لإيقافها من أساسها، وأساس هذه الظاهرة هو تصورنا للغرب، فنحن نتصور الغرب باعتباره مصدر للعمل وربما كان هذا صحيحا في مرحلة انتقال  المعارف والترجمة، وقد مررنا بهذه المرحلة في القرن الماضي، لكن هل يمكن بعد ذلك أن يكون الغرب موضوعا للعلم؟ وبالتالي لا بد أن نتساءل : كيف نشأ هذا العلم لديه؟ وما هي الظروف التي أدت إليه حتى نقضي على أسطورة الثقافة العالمية لأن الحضارة التي يبدها أجهزة الإعلام والأقمار الصناعية والأساطير التي تنشر من خلال هذه الأجهزة هو ما تسميه بثقافاتها، وتعتبر أنها نموذج التحديث وأن كل الثقافات الأخرى هي ثقافات محلية في طريقها إلى الاندثار لأنها لا تقوم على العقل أو العلم . إذن علم الاستغراب يحاول قدر الإمكان أن يبين أن هذا الغرب له أصول وله نشأة وتكوين وله أيضا عقلية ومصير، وبالتالي أيضا تكون هناك مساهمة في عملية التحرر بمعني أن أقضي علي التبعية الممثلة في القول عند القدماء أو الغربيين وكليهما تبعية . وانطلاقا من ذلك فعلم الاستغراب يريد أن يحول الذات العربية الوطنية الإسلامية بدلا من أن تكون فقط موضوعا للدراسة إلى أن تصبح هي الذات الدارسة ويكون الوعي الأوربي الذي لعب دور الذات الدارس في الاستشراق يكون هو أيضا موضوع الدراسة في الاستغراب لكن هذه الذات قادرة على أن تقوم بدور الذات العارفة أم أنها ستكون باستمرار موضوع ملاحظة ولا تعتمد على نفسها في المعارف والتحليل (4) .

ويؤكد حنفي أنه " إذا كان الاستشراق قد وقع في التحيز المقصود إلى درجة سوء النية الإرادية والأهداف غير المعلنة، فإن الاستغراب يعبر عن قدرة الأنا الشرقية العالم ثالثية لجهة كونها شعورا محايدا، على رؤية الآخر، ودراسته وتحويله إلى موضوع . والفرق هذه المرة، هو أن الاستغراب يقوم على أنا محايد لا يبغي السيطرة، وإن استهدف التحرر . ولا يريد تشويه ثقافات الغرب، وإن أراد معرفة تكوينها وبنيتها ومصيرها، لذا يري حسن حنفي، أن أنا أستغرب أكثر نزاهة وموضوعية وحيادا من أنا الإستشراق ؛ كما أن علم الاستغراب في مقابل الاستشراق ضرورة ملحة في عصر الثورات المضادة، بعدما عاد الغرب إلى الشرق بهجمة استعمارية ثانية جديدة بعد هجمته الاستعمارية الأولى، إثر حركات التحرر الوطني في منتصف هذا القرن العشرين المنصرم . وعلى الرغم من الإستقلال السياسي الظاهري الذي أحرزته دول العالم الثالث اليوم، ما زالت علاقة هذه الدول بالغرب علاقة تبعية وليست علاقة استقلال، لأن عقدة النقص التاريخية أما الآخر ما زالت قابعة في الشعور أو اللاشعور، فالعلاقة بين الشرق والغرب ما زالت بين ندين غير متكافئين ؛ علاقة المركز بالأطراف، علاقة السيد بالعبد، علاقة طرف ينتج وآخر يستهلك، طرف يأمر والآخر يطيع . اول لديه احساس بالعظمة والثاني لديه احساس بالنقص، تلك هي العقيدة التاريخية في صراع الحضارات (5) .

لذا يهدف علم الاستغراب – برأي حنفي، إلى إقالة الثورات الحديثة من عثراتها، واستكمال عصر التحرر من الاستعمار، والانتقال من التحرر العسكري إلي التحرر الحضاري، الذي هو هدف علم الاستغراب عند حسن حنفي، فطالما أن الغرب قابع في قلب كل منا كمصدر للمعرفة وكإطار مرجعي يحال إليه كل شئ للفهم والتقويم، فسنظل قاصرين في حاجة إلى أوصياء . ومهمة علم الاستغراب هي القضاء علي ثنائية المركز والأطراف على مستوي الثقافة والحضارة . فمهما حاولت النخب القضاء على هذه الثنائية في ميدان السياسة والاقتصاد دون القضاء عليها مسبقا في الثقافة، فإن تبعية الأطراف للمركز في ستبقي قائمة . وهكذا فإن مهمة علم الاستغراب تكمن في إعادة التوازن إلى الثقافة الإنسانية بدل هذه الكلفة الراجحة للوعي الأوربي (6).

وهنا نجد حسن حنفي يقدم لنا حسن حنفي، من خلال كتابه الموسوعي الفلسفي الضخم مقدمة في علم الاستغراب إحاطة وتحليلاً وتخطيطاً وتصميما لمشروع فلسفي يهدف إلى دراسة الوعي الأوروبي الفلسفي في صيرورة مساره التاريخي (منذ 2500 سنة) إلى نهاية القرن العشرين، بغية رسم معالم عالم جديد، هو الاستغراب ـ رداً على علم الاستشراق البائد ـ من موقع الأنا الشرقية، العالم ثالثية، في دراستها للآخر الموضوع، الثقافة الغربية؛ فإذا كان" الاستشراق" هو رؤية الأنا (الشرق) من خال الآخر (الغرب(، فإن علم الاستغراب يهدف إلى فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر، والجدل بين مركب النقص عند الأنا (الشرق) ومركب العظمة عند الآخر (الغرب) (7).

ويشكل كتاب " مقدمة في علم الاستغراب" البيان النظري للجبهة الثانية " الموقف من التراث الغربي" (بعد الجبهة الأولي والمتمثلة من العقيدة إلى الثورة والتي كانت تمثل إعلانا لميلاد نهضة جديدة بالنسبة إلى " الأنا" )، حيث يهدف البيان عند صاحبه إلى تأسيس " علم الاستغراب" تماما كما هدفت أعماله سابقة إلى تأسيس علوم كثيرة : منها مقدمة ابن خلدون لتأسيس " علم العمران"، وكذا سيبويه لتأسيس " علم النحو" وألفية ابن مالك، والخليل بن أحمد لتأسيس علم العروض (8)، ومن ثم يكون كتاب " مقدمة في علم الاستغراب هو إعلان لنهضة قديمة نشأت وتطورت واكتملت في الأفول أي أفول " الآخر"، وعلى هذا الأساس يري حسن حنفي أن دراسة " الآخر"  منذ تكوينه إلى نهايته هو الموقف الذي يجب أن يُتخذ في هذه المرحلة، فتحديد الموقف منه – أي من الاخر – هو جزء من حركة التاريخ وتطور الحضارة واسمترار لما بدأناه في العصر القديم (9).

وقد صدر كتاب مقدمة "مقدمة في علم الاستغراب" أواخر 1990 وهو كتاب ضخم وعدد صفحاته 884 ورقة من القطع الكبير، ويعد مؤلفه أول من أبرز لفظ " الاستغراب" علي النحو اللافت، ويتألف الكتاب من بيان نظري وثلاثة أجزاء صدر منه فقط بيانه النظري، وقد أثار الكتاب بصدوره ضجة واهتماما واسعين واستقطبت قراءته العديد من الباحثين والمفكرين المهتمين بالعلاقة بين الشرق والغرب وتشكلت مواقف متباينة أولت النص الحنفي وترجمته العديد من المقالات، كما نُقش الكتاب في عدة ندوات، ورغم أن الكتاب يتألف من ثمانية فصول وخاتمة، إلا أن محوره الأساسي يمكن في الفصل، أما باقي الفصول فهي تطبيق للفكرة الرئيسية (دراسة الغرب) أو بالأحرى الوعي الغرب بداية تشكله وكل المدارس والاتجاهات والمذاهب الذي عرفها هذا الوعي في تطوره إلى الفكر المعاصر (10).

وبهذا تأتي هذه الدراسة التي قدمها المؤلف عن " الاستغراب"، حلقة شائكة غامر من خلالها المؤلف بالكتابة عن علم الاستغراب والذي من خلالها انقلبت الموازين، وتبدلت الأدوار، وأبح الأنا الأوربي الدارس بالأمس هو الموضوع المدروس اليوم، فأضحت محمة علم الاستغراب في نظر حنفي هو فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا  بالآخر، والقضاء على مركب العظمة لدي الآخر الغربي بتحويله من ذات دارس إلى موضوع مدروس، والقضاء على مركب النقص لدى الأنا العالم ثالثي بتحويله من موضوع مدروس إلى ذات دارس (11).. وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............................

الهوامش:

1- خليل الخليل : المشروع النهضوي عند حسن حنفي، مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية - سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية، المجلد 41، العدد 5، 2019، ص 583-584.

2- المرجع نفسه، ص 585.

3- المرجع نفسه، ص 586.

4- أنظر ما قاله حسن حنفي في حواره مع الأستاذ محمد حسن :  د. حسن حنفى : علم الاستغراب ومصير الوعى، أدب ونقد،  حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، العدد 150، 1998، ص 112-114.

5- صفوان جيد : قراءة في علم الاستغراب، شؤون الأوسط، مركز الدراسات الاستراتيجية، العدد 98، 2000، ص 86.

6-المرجع نفسه، ص 87.

7- حسن حنفي : مقدمة في علم الاستغراب، حلقة موقفنا من التراث الغربي، دار الفنية للنشر والتوزيع، القاهرة، 1998، ص 14.

8- المصدر نفسه، ص 15.

9- د. جويدة جاري: قراءة تحليلية نقدية في مشروع مقدمة في علم الاستغراب ( للمفكر حسن حنفي)، منشور ضمن المنهل ..أنظر الرابط :

https://platform.almanhal.com/Files/2/13422

10- صفوان جيد : المرجع نفسه، ص 85.

11- حسن حنفي : المصدر نفسه، ص 16.