محمود محمد عليقراءة تحليلية - نقدية في كتاب المفكر العربي ماجد الغرباوي "تحرير الوعي الديني" (*)

نعود ونستأنف حديثنا عن قراءة كتاب الغرباوي "تحرير الوعي الديني" لأستاذنا الكبير "ماجد الغرباوي" وهنا في هذا المقال نقدم شهادة للتاريخ فنقول:" إن كتاب الغرباوي "تحرير الوعي الديني" ليس رواية من نسيج الخيال، ولا سرداً لأحداث تاريخية، وإنما حصيلة مراجعة لعدد كبير من المصادر والمراجع إضافة لخبرته في العمل الفكري، لذا نجح في تقديم تفسير رمزي لقصة الخلق تفادى فيه إشكالية وقائعية القصص القرآني، لرفع التعارض المعروف بين نظريتي الخلق والتطور. وقد توغل في استعراض مشاهدها وتفصيلاتها، فجاء استعراضها منسجما مع فلسفة الخلق والهدف الحقيقي من وجود الإنسان. ويأتي هذا ضمن مشروعه لتحرير الوعي الديني وتقديم فهم مغاير للدين يضع مصلحة الإنسان أولا".

وهنا الأستاذ ” ماجد الغرباوي” أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلى مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:

الدافع الأول: نظري معرفي، يقوم على ضم الفروع والجزئيات بعضها إلى بعض، والتماس الروابط بينها، وصياغتها في صيغة نظرية فلسفية، وهو ما لا يعلم ” ماجد الغرباوي” أن أحدا قام به من قبل، لا في شيء محرر، ولا في كتاب مصنف، بل لم ير أحداً حام حوله طائر فكره، أو جعله غاية بحثه ونظره، فرسخ في ذهنه أن هذا أمر مستحسن إظهاره، وإبراز تعم فائدته، وبيان خفيت معالمه، وهذا الدافع قد نصفه بالهدف الأول لتأليف الكتاب، أو الدافع الظاهري أيضاً.

الدافع الثاني: واقعي دعوي، يقوم على ترشيد الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، ومن خلال قراءة متجددة للنص الديني على اساس النقد والمراجعة المستمرة من اجل فهم متجدد للدين كشرط أساس لأي نهوض حضاري وعصري متقدم وجذري يساهم في تأصيل قيم الحرية والتسامح والعدالة في اطار مجتمع مدني خال من العنف والتنابذ والاحتراب؛ علاوة على أنه في هذا الكتاب كثيرا ما يدعو إلى ترسيخ حس ثقافي وفكري تقدمي وعقلاني يهدف الى توعية العقل العربي من خلال تقديم قراءة متأنية لأسس وأصول التسامح السائدة في واقعنا العربي المزري، قراءة واعية وحقيقية مبنية على قاعدة متينة تشكل قفزة نوعية في  إخراج المجتمع العربي المعاصر من محنه  وأزماته المتراكمة، وتقوده للخلاص من الجهل والتخلف والامية (8).

وننتقل إلى الكتاب مباشرة حيث يتصدى الغرباوي في مقدمته للإجابة على سؤال مفاده: هل يؤثر تفاقم العقائد على مستوى الإيمان الروحي بالخالق؟ وهل هو تأثير سلبي أم إيجابي؟

فأجاب: (العقيدة شأنها شأن أي كائن تبدأ صغيرة، بسيطة، وربما ساذجة ثم تتطور، بعضها يموت، وبعضها يقاوم، عندما تجدد العقيدة خطابها، وتصد تحدياتها، أو تتبناها سلطة دينية أو سياسية، تساهم في انتشارها، وتأصيلها، والذب عنها) (9).. ومن هنا تصبح العقيدة إطارا نظريا للإيمان وضربا من الهيام الروحي بفعل خصوبة الخيال (10). هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تصبح العقيدة أيضا منظومة فكرية توجه وعي الفرد، إذ يتأتى الإيمان بها عبر تراكمات لا شعورية نفسية – ثقافية، هي سر تفاوته من شخص لآخر، فتؤثر في تكوينه جميع المؤثرات النفسية والسلوكية والاجتماعية والسياسية، والعلمية، والثقافية، والتربوية (11).

إن ما يريد الغرباوي أن يقوله هنا هو أن: ”جملة آثار موضوعية وروحية تلازم كل تطور عقدي، يشهد لذلك تطور الطقوس والشعارات تبعا لتطورها، حد التشوه والانحراف أحياناً، لأنها شرط لقوام التجربة الدينية (12)، ومن ثم تشكل العقيدة في نظر المؤلف ”جوهر الإيمان، تتولي تقديم رؤية كونية تؤطر العمل الإيماني، وتمنحه مشروعية كاملة، من خلال ضوابطها ومقاييسها (13).

ثم ينتقل الغرباوي للحديث عن انضباط العقيدة، حيث يرى أن العقيدة تشكل خطرا حقيقيا على الدين وأهدافه، عندما تنحرف عن غاياته وقاصده، كأن تبرر الشرك بدواع مختلفة، بينما التوحيد جوهر الدين (14).. على نحو جامع، يكرس وحدانيته تعالى، ويمنع جميع الأغيار، مهما كانت شائبة الشرك، وعليه بما أن العقيدة الموازية، تستظل بالعقيدة الأم، فإن إيجابياتها وسلبيتها مرتهن لأدائها التصوري، ومدى قربه وبعده من جوهرها (15).

وهنا كما يقول الغرباوي سنكون أمام تنوع عقدي، لكل واحد أحكامه، ويمكن في هذا الخصوص تحديد مصاديقها والموقف منه من خلال الدليل العقلي، والذي من خلاله يكون العقل دليلاً على صدقية العقيدة كما هو الحال بالنسبة لوجود الخالق (أصل وجوده)، الذي يمكن للعقل الاستدلال عليه من خلال بعض البديهيات كامتناع التسلسل، وقانون العلية والمعلول، وبطلان الدور (16)؛ وتارة يكون كما يرى المؤلف بالنقل الذي يمثل مصدر جميع تفصيلاتها؛ حيث هنا ستكون العقيدة مرتهنة للنص وشروطه وارتهاناته، وهو بالذات سيكون مقياساً لإيجابية وسلبية التأثير، فيقُتصر على النصوص التأسيسية، التي هي موضوع للفهم والتفسير، وما يتلو النص التأسيسي، نصوص ثانية، شارحة ومبينة، تعكس قبليات مؤلفها، وتخضع لإملاءاتها، وضروراتها (17).

ثم يؤكد الغرباوي المؤلف بأنه من خلال الدليلين العقلي والنقلي تبني العقائد، حيث يقول: ”إن العقيدة جزء مقوم للدين، وتلعب دوراً أساساً في تأسيس مقولاته، وربطها بهدفه الأساسي، وليس ثمة فوضى، يُفتح بموجبها الباب للاستزادة من عقائد تستدعيها ضرورات أيديولوجية أو سياسية؛ خاصة العقائد التي تترتب عليها آثار دينية وعقدية، ولها انعكاسات على الفرد والمجتمع (18).

وثمة نقطة مهمة جديرة بالإشارة يتطرق الغرباوي لمناقشتها ضمن أجوبته على ما طُرح من أسئلة، ألا وهي شعار: هل الإسلام هو الحل؟

وهنا نجد الغرباوي يجيبنا فيقول بأن هذا الشعار قد رفعه جماعة الإخوان المسلمين خلال تحالفهم الانتخابي مع حزب العمل والأحرار في حقبة ثمانينات القرن المنصرم لاستقطاب الشارع المصري، وضمان صوته الانتخابي، على خلفية دلالاته التي تحيل على المقدس والدين في مقابل ما تطرحه المشاريع السياسية والوضعية (19). . وكان للثورة الإسلامية في إيران دور محفز، حيث أثار انتصارها دهشة الحركات الإسلامية، وكسر حاجز الخوف، وشجع على الثورة ضد حكوماتهم، ولهذا تبنت جميعها بشكل مباشر، شعار ” الإسلام هو الحل” (20).

ثم يؤكد الغرباوي بأن هذا الشعار كانت له دلالات منطقية، منها أنه يؤكد كمال الشريعة، وشمولها لجميع مناحي الحياة، علاوة على أنه يستبطن إدانة غير مباشرة لمناوئيه، لعدم تطبيقهم الشريعة (21). . بيد أن شعار ”الإسلام هو الحل” في نظر المؤلف كغيره من الشعارات، حيث يتمتع بزخم عاطفي، وقدرة على تعبئة الناس لكونه يستجير بالمقدس الديني، ويفرض الاعتراف بقدسيته مهما كانت بشريته (22). . عبر توظيف اللغة، وإيحاءات الخطاب، فلم يكن شعارا بريئا، يروم تطبيق الشريعة لأجل الدين، بل يكمن خلفه مشروع سياسي يطمح لإقامة دولة دينية.. تختزن بداخلها صورة مشرقة مبالغ فيه عن دولة الخلافة، وهي صورة كما يقول المؤلف: صورة ساذجة، كتب بأقلام السلطة، دون نقدها وفضح بشريتها وعدم مثاليتها، بل وعدم شرعية سلوكها، وتصرفات حكامها في أحيان كثيرة ” (23).

ثم ينتقل الغرباوي في هذا الكتاب إلى قضية أخرى تتعلق بالنهضة والوعي؛ حيث قال: كان لسؤال النهضة دور كبير في تحريض الوعي، والبحث عن إجابات تفسر ظاهرة التخلف الإسلامي في مقابل التطور الحضاري الغربي الذي فاجأهم في عقر دارهم، بعد وصول جملة نابليون إلى مصر (1798م) مجهزة بأحدث الأسلحة والمعدات. فتوزعت الأجوبة بين من أدان الدين واعتبره المسؤول الأول عن تخلف المسلمين، فدعا إلى قطيعة تامة مع التراث والدين واللحاق بالغرب وحضارته لانتشال واقعنا الحضاري المتخلف. وآخر ارتد سلفياً طالب بتكريس التراث والسيرة لتدارك الوضع متهما المسلمين بخطأ التطبيق. وثالث قاده رواد النهضة كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وآخرين، الذين عادوا للتراث بحثا عن مصادر قوته الملائمة للعصر، ثم جاء التيار الإسلامي المنظم (الإخوان المسلمين) امتدادا لخط الوعي الإسلامي الأول. وبالتالي فجميع التيارات الحديثة جاءت ردة فعل بعد الصدمة الحضارية الهائلة، وطبيعة ردود الفعل تكون متسرعة مرتبكة، تنقصها الدراسة والتخطيط وجهل بالواقع واشراطاته رغم أنها جزء منه (24).

ومن هذا المنطلق راحت جماعة الإخوان المسلمين كما يقول الغرباوي تتحرك سياسياً باتجاه السلطة باعتبارها شرطا لتطبيق النظام الإسلامي، الذي هو وجهات نظر اجتهادية، صاغتها عقول المفكرين الإسلاميين لسد النقص (25). . الأمر الذي جعلهم يدمون الوهم، ويدورون في حلقة مفرغة، تحكم تصوراتهم مغالطة مفادها: بما أن النظام الإسلامي نظام رباني فينبغي أن يكون الأفضل والأصح (26).

ثم انتقل الغرباوي بعد ذلك للحديث عن فلسفة الخلق وأصل الإنسان ومنشأه ووجوده وبيان هدفه في الحياة الدنيا، باعتباره كائناً بشرياً تميز بعقله وقدرته على تطوير حياته، أو بامتياز بعقل خلاق مبدع فتكون الحرية والإرادة والمساواة لوازم وجودية في ضوئها يواصل مسيرته، ويرسم هدفه (27)؛ وهنا نجد المؤلف يعرض لنا تفسير ذلك من خلال النظريتين الدينية والنظرية الوضعية، فالنظرية الأولي تؤكد استقلالية البشر في أصله الترابي (الكتب المقدسة) (28)، بينما الثانية تعول على ” نظرية التطور والتي تعتقد أن أصل الإنسان من القرد (دارون) وثمة من يعتقد بانحدارهما من أسلاف سابقة (29).

وعندما انتهي الغرباوي من مناقشة هذه المسألة انتقل بعد ذلك للحديث عن مفهوم الخلافة، حيث رأى أنه ليس في مفهوم الخلافة الربانية سلب لإرادة الإنسان، ولم يكن مجبرا، سوى ما تفرضه القوانين الكونية باعتباره بشرا محكوما بها، فيخضع للجبر التكويني بفعل قوانين الكون، وهذا خارج عن إرادته. ولا يصدق السلب على التفويض، حيث فوض الله للإنسان حريته وإرادته وجعلهما لوازم لوجوده من وحي عقله وقدرته على التحكم بسلوكه، فيكون مسؤولا أمام اختياراته، وعلى هذا الأساس يمارس الفرد حريته. وحينما يلتزم بشريعة السماء أو يتمرد عليها بفعل ذلك بكامل إرادته (30).

وحول سؤال الوجود والمتعلق بقصة الخلق في الكتب المقدسة؛ فنجد الغرباوي يناقش قضية الخطيئة ضمن دراسة مقارنة بين أساطير الأولين والكتب السماوية؛ حيث رأى أن التوقف عند حدود الخطيئة لا ينسجم مع مفهوم الخلافة. إذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة. والخليفة هو آدم الإنسان، بكل ما تعنيه كلمة الإنسان واستعداده لعمل الخير والشر (31)، وليس لآدم تصور عن الموضوع سوى ما أخبره به الخطاب الإلهي، بما في ذلك الإيمان الذي كان هشا بسيطا، لم يصل حد الجزم واليقين الذي يحول دون معصيتهما للأوامر الإلهية. ولو لم يخرجا من الجنة لم يعرفا شيئاً عن معنى العقوبة، فقد هبطا للأرص بتجربة غنية جدا رغم بساطتها، حدها الأدنى أن هناك حسن وقبح، خير وشر، ثواب وعقاب. فكانت تجربة ضرورية عاشها آدم مع هواجسه، التي وصفت بالشيطانية لسلبيتها في مقابل هواجس الخير (32).

ثمة بعد آخر تحدث عنه الغرباوي في قصة الخلق متعلق بالمعرفة يمكن رصدها من خلال سياق حركة آدم، فتعلم آدم للأسماء كلها، تعبير آخر عن استعداده التكويني للتعلم واكتساب المعرفة، التي هي عملية مركبة، ليست بسيطة تقف عند حدود التلقي والطاعة المطلقة. فهي تلق وإدراك لمعاني الأسماء، وطريقة استخدامها، مما يتطلب تشخيص الواقع وتحديد اللفظ المناسب. أو تحديد المفهوم كصورة ذهنية، وتخصيص لفظ منتزع من ذات الصورة، قياسا بغيرها من الصور الذهنية الأخرى، وهس عمليات تلقائية لا شعورية، تقف وراء معرفة الإنسان وطيفية توظيفها، وهذه هي مرحلة وعي الذات كما يري المؤلف (33).

وعن علاقة الخطيئة بالفكر الديني، حيث أكد أن الديانتان اليهودية والمسيحية لا تختلف عن القرآن حول قضة الخلق، فآدم والخطيئة عناصر أساسية فيها، غير أن الخطاب الكنسي شيد قاعدة الاعتقاد المسيحي على مفهوم الخطيئة، وأن البشر قد توارثو خطيئة آدم، وارجعوا ضمن متبنياتهم العقدية كل شيء للخطيئة (34).

وهنا يعلن الغرباوي قائلا: ” للأسف لم أجد من يهتم بآيات الخلق التي ترسم معالم هدف الرسالات والأديان، وهذا خطا كبير في فهم الدين، بل وأحد أسباب جميع الانحرافات العقائدية والسلوكية، خاصة ما تمارسه الحركات الإرهابية باسم الدين والقرآن وما تبثه حركات الغلو من ثقافات تكريس الجهل والأمية والتكاسل في الحياة الدنيا (35).

ويستطرد المؤلف فيقول “: لسنا بحاجة للروايات إلا بشكل محدود، وعلينا الاقتصار عليه، وعدم التمادي في التمسك بجميع الروايات، لأنها تعكس فهما للدين والكتاب المبين في ضوء ظرفها، وحاجات وتطلعات زمن الرواية. ثم لا يوجد نص عدا القرآن، وبعض الأحاديث النبوية الصحيحة فوق التاريخ، أو عابرة للتاريخ والأزمان، فلماذا التمسك بالتراث في فهم الكتاب، وهو نص مفتوح للقراءة والتأويل، وهذه ليست دعوة للقطيعة التامة مع التراث، بل التخلي عن التراث غير المنتج، الذي يكرس التبعية والانقياد والتخلف، ويغلق آفاق التأمل في الكون والنفس البشرية (36)... وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد على

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

..............

* هذا هو العنوان الأصلي للمقال.

8- ماجد الغرباوي: تحرير العقل الديني (متاهات الحقيقة 5)، إصدار مؤسسة  المثقف في سيدني – أستراليا ودار أمل الجديدة، دمشق، سوريا، ط1، ص 6.

9- نفس المصدر، ص 9.

10- نفس المصدر، ص 9.

11- نفس المصدر، ص 9-10.

12- نفس المصدر، ص 10.

13- نفس المصدر، ص 11.

14- نفس المصدر، ص 15.

15- نفس المصدر، ص 17.

16- نفس المصدر، ص 17.

17- نفس المصدر، ص 18.

18- نفس المصدر، ص 20.

19- نفس المصدر، ص 22

20- نفس المصدر، ص 22.

21- نفس المصدر، ص 23

22- نفس المصدر، ص 23

23- نفس المصدر، ص 27

24- نفس المصدر، ص32

25- نفس المصدر، ص 33

26- نفس المصدر، ص 35

27- نفس المصدر، ص 63

28- نفس المصدر، ص66-72.

29- نفس المصدر، ص 64-65.

30- نفس المصدر، ص 80.

31- نفس المصدر، ص 86

32- نفس المصدر، ص84-85

33- نفس المصدر، ص 88.

34- نفس المصدر، ص 93

35- نفس المصدر، ص 106

36- نفس المصدر، ص 106

 

 

صدر عن دار غيداء بالاردن اذار 2021، كتاب جديد للباحث الفلسفي الأستاذ علي محمد اليوسف، بعنوان: الزمان الفلسفي وموضعة اللغة

وقد اشتمل الكتاب خمسة وعشرين مبحثا عالجت قضايا فلسفية معاصرة عصّية في مخرجاتها الفكرية الحاسمة التي تجعل من الموضوع مغلقا على نفسه مصادرا أفق المساجلة المفتوحة جدليا على التفكير بلا نهائيات والنظرة المنهجية النقدية التحليلية لمباحث فلسفية مثار حضور نقاشي تداولي في تاريخ الفلسفة الغربية المعاصرة..

المحتويات

المقدمة

(1)

اشكالية الذاكرة والخيال

(2)

الذاكرة والخيال بين الفلسفة والعلم

(3)

اللغة: المادة والادراك

(4)

تداخلات فلسفية:التحليلية المنطقية الانكليزية انموذجا

(5)

افلاطون واسبقية المكان في تنظيمه عشوائية الزمان

(6)

تحقيب الزمان الارضي والمطلق الكوني

(7)

كيف يكون الزمان الحاضر وهما وحقيقة معا؟

(8)

الزمان المطلق وهم الاتصال والانفصال

(9)

الموضعة والتجريد في اللغة

(10)

تموضع الذات في تجريد اللغة

(11)

هل الوعي مادة؟

(12)

الوعي بالصفات لا بالماهية

(13)

الماهية والفلسفة

(14)

ديالكتيك الفلسفة الوجودية

(15)

جون لوك ومثالية المنهج المعرفي

(16)

بيركلي والادراك العقلي

(17)

الايمان الديني والعقل

(18)

شخصنة الايمان الديني

(19)

الذات والماهية في الفلسفة الوجودية

(20)

ديفيد هيوم الذاكرة والخيال

(21)

المعجزة الدينية وقوانين الطبيعة

(22)

مادية هولباخ والمعجزة الدينية

(23)

ريتشارد رورتي وفلسفة العقل

(24)

حقيقة العود الفكري والفلسفي

(25)

الجوهر: سجالات فلسفية

2392 علي محمد اليوسف

المقدمة

محتويات هذا الكتاب المتنوع العناوين خمسة وعشرين مبحثا تعالج قضايا فلسفية معاصرة عصّية في مخرجاتها الفكرية الحاسمة التي تجعل من الموضوع مغلقا على نفسه مصادرا أفق المساجلة المفتوحة جدليا على التفكير بلا نهائيات والنظرة المنهجية النقدية التحليلية لمباحث فلسفية مثار حضور نقاشي تداولي في تاريخ الفلسفة الغربية المعاصرة..

طرقت موضوعة الزمان الفلسفي في أربعة مباحث جديدة استكمالا لما كنت كتبته حول اشكالية الزمان الفلسفي التي تضمنتها مؤلفاتي السابقة في فصول ومقالات عديدة، ما تمتاز به هذه المباحث الجديدة التي تصدرت محتويات الكتاب أنها معالجة نقدية منهجية أعتدتها في مؤلفاتي السابقة، في أجتنابي العرض المخل الذي يكرر نفسه بما يفقده أية أضافة نوعية تستحق الوقوف عندها طويلا من غير المرور العابر عليها.

الفلسفة في أدق مهمة تقوم عليها أنها قراءة في تاريخها الفلسفي، التي لخصها فينجشتين قوله تاريخ الفلسفة هو نقد معنى دلالة اللغة في مباحثها والتزمت هذا المنهج ليس من واقع صحة مقولة فينجشتين بل من قناعتي بمنهج النقد الفلسفي لبعض طروحات الفلسفة الغربية.

ثم أنتقلت الى مواضيع فلسفية مختلفة متنوعة لها تعالق شديد متين بفلسفة اللغة والتحول اللغوي ونظرية المعنى في فلسفة العقل، لعل أبرز تلك الموضوعات إثنتين هما الموضعة اللغوية في تعالقها التجريدي بعلوم اللسانيات وفلسفة اللغة، وهو مبحث أستطيع القول أنه نادر في مباحث الفلسفة خاصة المعاصرة، لما يمتاز به من عمق فلسفي يجعل من الدخول في معتركه محفوفا بمخاطر عديدة ومجازفة تنسحب على الباحث غير المتمكن من توصيل قصدية مبحثه، قبل محاكمة قناعة المتلقي له.لكن يبقى جهدي محتفظا بميزة أني طرقت مبحثا تجديديا له مستقبل فلسفي مفتوح على الاهتمام به في موضعة اللغة.

الموضوع ألأثير عندي الوعي الفلسفي والذي لا يقل خطورة وحساسية عن مبحث موضعة اللغة ذلك هو مبحث يتحاشاه غالبية الفلاسفة لما يحتويه من مطبّات يتداخل بها الموضوع بإحساسات نفسية إدراكية وصولا الى الذهن والادراك العقلي. رغم عودة الانتباه لأهمية مبحث الوعي لما يحمله من تداخل ما يعتبر فلسفة القرن العشرين بلا منازع تلك هي فلسفة التحول اللغوي وتعالق الوعي وفلسفة العقل بها.

من المواضيع التي يحتويها الكتاب تناولي لفلاسفة الوضعية المنطقية المثالية عند بيركلي في تناوله المثالي للادراك العقلي، وجون لوك في مثالية منهجه التجريبي المعرفي. كما تناولت مفهوم الذات في الوجودية من وجهة نظر المفكر عبد الرحمن بدوي، ومفهوم ديفيد هيوم حول اشكالية الذاكرة والخيال، لأختم الكتاب بمواضيع فلسفية عن الايمان الديني بالمعجزات هي شخصنة الايمان الديني، والايمان الديني والعقل. والمعجزات الدينية وقوانين الطبيعة، وهولباخ والمعجزات الدينية، وموضوع مهم عن رؤية ريتشارد رورتي فلسفة اللغة من منظار فلسفة العقل التي يعتبر رورتي رائد فلسفة العقل بعد رائدها الاول الفيلسوف الانجليزي جلبرت رايل. من المواضيع المهمة الاخرى هو ديالكتيك الفلسفة الوجودية، وعلاقة اللغة بالمادة والادراك، وتطرقت الى الفلسفة التحليلية الانجليزية بمقالتين نقديتين، ثم انتقلت الى نقد مصطلح المنهج الفلسفي لدى ديكارت في ثلاث مقالات، وفي مقال فلسفي عميق وشائق عرضت منهج اسبينوزا حول الجوهر الالهي من منطلق مذهب وحدة الوجود في الصوفية والفلسفة.. تشكيلة مواضيع الكتاب الفلسفية هي تنويعة جديدة أعرضها برؤية نقدية إعتدت عليها في مؤلفاتي الفلسفية السابقة. ولا يمكن للمقدمة هذه المرور عليها بعرض توضيحي أجد من مهام القاريء الوقوف عليها ومعاملتها بتلق نقدي وليس بتسليم يقيني يصادر تفكير العقل المعرفي . فالفلسفة متراكم من إثارة أسئلة تتوالد عنها إجابات تبقى قاصرة فالقراءة النقدية الفاحصة عند المتلقي تجعله يخرج بمحصلة تساؤلات إثارتها مواضيع الكتاب ولن يجد في أي كتاب فلسفي جاد لا يطرح أسئلة إشكالية يقوم عليها جوهر الفلسفة.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

كانون ثان 2021

 

 

محمود محمد عليقراءة تحليلية - نقدية في كتاب المفكر العربي ماجد الغرباوي "تحرير الوعي الديني" (*)


 

مقدمة: ما زلت أومن بل ربما أكثر من أي وقت مضي، بأن الإشكاليات المعرفية التي يعاني منها الوعي الديني تنعكس مباشرة على الوسط الذي يعيش فيه الفرد، وعلى كيفية رؤيته له تفاعلاً وانفعالاً معه، فلما كان هذا الوعي منقسما ومتشتتا ومتأزما أثر هذا في الفكر الإجرائي، أي في أسلوب العيش في جماعة، أي في النظام الاجتماعي وفي مستوياته المختلفة؛ ففشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد الإسلامية، هو كما يري البعض من الباحثين، هو نتيجة عدم انشغال الفرد بمثل هذه السياسات من جهة، لأنها مفروضة من فوق، ومن جهة أخرى لأن الفرد نفسه لا يدرك أهمية التحدي الاقتصادي والاجتماعي الذي يواجهه، لأن زمنه الفكري زمن مضى أولاً، ولأن حضور الوعي والتميز في العمل، والفاعلية في الإدارة، يربطهم الفرد بمعاني فكرية فوقية لا بنتائج واقعية محسوسة ثانياً، وهذا ما أدي إلى كل المظاهر السلبية في الحياة العامة، والتفكك الاجتماعي، والتسيب الإداري، والاستقالة المحسوسة في كل الميادين. انفصام الوعي وانقسامه جعل الحياة الاجتماعية للأفراد تفقد معناها، فلم يعد هناك ذلك التلاحم بين أجزاء المجتمع، ولم يعد المخيال الاجتماعي يغذي تطلعات الأفراد إلى جدوي تحسين واقعهم، فالآفات التي طرأت على الواقع، كالانتحار، والهروب عبر الحدود، وعدم وجود رابط بين عدي رابط القهر، والعنف، والتشدد، ثم التبرم من كل وضع قائم، وانسداد الآفاق، واللجوء إلى الحلول الانتحارية، كل هذا يدل على أزمة في الوعي رداها خطورة هذا الخطاب الديني السياسي الذي يستغل كل الأزمات ليؤجج بذور الصراع والاختلاف بطرحه  الإيديولوجي البعيد عن كل أسلوب حواري متسامح (1).

وعندما ننظر لديننا الحنيف، نجد أنه كان أهم معاني خاتمية الرسالة الإسلامية وخلودها، هو الإيمان ببلوغ العقل الإنساني درجة من النضج تسمح له بالاستقلال باستنباط الأحكام استقلالاً تاماً، أو تأسيساً على ما ورد في التشريع الإسلامي من أصول وقواعد وأحكام (2)

ومن ثم ظل سؤال “تحرير الوعي الديني ” هو أهم الأسئلة المحورية لنهضة الأمة من وهدتها، وبعثها من سباتها العميق على مدى  عصورها المتطاولة.

وموضوع الوعي والتوعية الدينية من الموضوعات القديمة الجديدة، والتي تتجدد الحاجة إليه في كل عصر منذ عصر النبي صلي الله عليه وسلم، إلى عصرنا الحاضر. وتزداد الحاجة إليه في هذا العصر لما تشهده الساحة العربية من غزو إرهابي وتفش للجهل، وحين تعيش الأمة على هامش الأحداث وتتخلي عن دورها الريادي، وحين تفقد مصداقيتها فلا يحسب لها حساب، وحين تُضيع مبادئ دينها السمحة وقيمه العليا، فإن ذلك مؤذن بوجود خلل ما يتمثل في جملة منها: موجات الإرهاب الدامي التي تُفرض علينا، وحفلات القتل الجماعي باسم الدين، وضرورة استعادة الإسلام العظيم من قبضة التطرف اللعين. إنها مهمة الأمس التي تأخرت إلى اليوم، ولا يجب أن ننتظر للغد.

وأكثر هذه الإشكاليات أهمية فيما يخص تحرير العقل الديني تتمثل في المفاهيم، وتتعلق بقضية الخطاب نفسه، عموماً، يعني استراتيجية ما في القول عن الشيء، أي نمطاً للإفصاح الشامل عن واقع بعينه، ومن ثم فهو نتيجة مترتبة على واقع سائد بالفعل، لا يمكن تقديم صورة عنه ولا تؤيدها معطيات الواقعية وإلا افتقد الخطاب منطقه وتحول إلى محض صياغات بلاغية ومزايدات كلامية لا تقنع أحداً (3).

ويعني الخطاب الديني، خصوصاً، بكيفية عرض الدين، أو الدعوة إليه، أو الدفاع عنه ضد منتقديه، حيث يهيمن الطابع السجالي، على الأقل، إن لم يكن الطابع التبشيري. وهكذا يبقي مفهوم الخطاب الديني مهجوساً بالآخر، خصوصاً الغربي، وبتلك الرغبة الدفينة في الدفاع عن أنفسنا في مواجهاته، وتزويق صورة التدين الإسلامي القائم فعلياً لدينا، بينما المطلوب الآن لا يقل عن تجديد الفكر الإسلامي، في مكونه القيمي والإنساني، بإلهام المكون الاعتقادي المتسامي على التاريخ؛ أي تجديد (تديننا) وأفكارنا عن (إسلامنا)، وذلك عن طريق إعادة تعريف ماهية النص نفسه، قبل الولوج إلى مساءلته على مستويات مختلفة من العمق الجذرية تتوافق على مستويات إحكامه وتساميه، تطويراً لواقعنا نحو الأفضل (4).

قصدت أن أقدم هذه المقدمة عن الوعي الديني، لأمهد للحديث عن تحليلي للكتاب الشيق الذي بين يدي، وهو كتاب بعنوان ” تحرير الوعي الديني ” للأستاذ ماجد الغرباوي، وقد صدر الكتاب في سيدني – أستراليا، ودار أمل الجديدة في دمشق – سوريا، ضمن سلسلة متاهات الحقيقة التي يشتغل عليها المؤلف (5).

أما المؤلف فهو الأستاذ ماجد الغرباوي باحث في الفكر الديني، ومتخصص في علوم الشريعة والعلوم الإسلامية، وهو عراقي مقيم في أستراليا.. مؤسس ورئيس مؤسسة المثقف العربي في سيدني.. كان رئيساً لتحرير مجلة التوحيد (الأعداد: 85- 106)، وكان عضو الهيئة العلمية لكتاب التوحيد، وقد مارس التدريس ضمن اختصاصه في المعاهد العلمية لسنوات عدّة، والحائز على عدد من الجوائز النقدية والتقديرية عن أعماله العلمية، وقد كتب عن منجزه الفكري والثقافي والأدبي عدد من النقّاد والباحثين، عرب وأجانب، وله أكثر من ثلاثين عملاً مطبوعاً: تأليفاً، وتحقيقاً، وحواراً، وترجمة، إضافة الى عدد كبير من الحوارات والدراسات والبحوث والمقالات في مجلات وصحف ومواقع الكترونية مختلفة. اشتغل على موضوعات نقد الفكر الديني، التسامح، العنف،  الإصلاح والتجديد، فكر النهضة.

96 majedalgharbawi600

وقبل أن أتحول لقراءة هذا الكتاب دائماً ما أقول: لقد علمتني التجارب البحثية أن هناك أكثر من طريق لقراءة الأعمال الفلسفية قراءة نقدية، وأكثرها عفوية وسذاجة أن نلخص العمل الفلسفي أبواباً وفصولاً ثم لا شيء، وأعمقها أن نحاول تحديد مقولات العمل أولاً حتى نضع المتلقي معنا على أرضية واحدة مشتركة، ثم نخلص من ذلك إلى تجسيد رؤيتنا النقدية لهذه المقولات وإحالة هذه الرؤية النقدية في النهاية إلى قضايا وظاهرات.

وقد اخترت في قراءتي النقدية لكتاب الأستاذ ماجد الغرباوي (تحرير الوعي الديني)، تلك الطريقة الأخيرة التي ترفض الهشاشة وتكابد في طريقها إلى محاولة التنظير والتأصيل. . أولاً: لأن هذا الكتاب عمل علمي جاد يستحق بالفعل أن يعاني الناقد في قراءته وتقويمه، وأزعم أن هذا الكتاب سوف يضيفه التاريخ إلى أمهات الكتب الخوالد، لأن هذا المضاف يفتح السبُل أمام النظر، وإعمال العقل، وأمام البحث ومناهج العلم. . وثانياً الميزة التي يتميز بها الكاتب ” ماجد الغرباوي ” في هذا الكتاب، وهي هذه الجدية في النظر، وهذه الصرامة في المنطق، وهذا العكوف في العمل، وهذا الاحترام للنفس كاتباً وللغير قارئاً هو ما في نظري ما تعودت عليه أنا شخصياً مع ماجد الغرباوي (في هذا الكتاب)، يحتشد للموضوع الذي يبحثه من جوانبه التي تخصص فيها، ويتقدم للقارئ لا بالموضوع الذي يبحثه فقط، ولكن بالأدوات المنهجية التي يتعامل مع موضوعه بها، فيعرضها واضحة بما تستدعيه من منطق، ومن أسلوب تدليل ومن ترتيب سياق.

والسؤال الذي أود أن أسأله للأستاذ” لماجد الغرباوي: لماذا اختار لكتابه عنوان تحرير العقل الديني، ولم يختار له اسم “تجليات الوعي الديني”، أو “تنوير العقل الديني”، أو ” بؤس الوعي الديني في دارنا العربية كما ذهب د. برهان زريق، أو أزمة الوعي الديني كما ذهب فهمي هويدي. . الخ؟

وهنا يجيبنا ماجد الغرباوي ضمن ملاحظة سجلها في الصفحة الرابعة في جميع كتب متاهات الحقيقة: (قد لا ينطبق عنوان الكتاب مع تمام موضوعاته، لكنها تنتظم جميعاً ضمن حوارات متاهات الحقيقة). فيكون الوعي الديني جوهر موضوعاته، وهو ما يسعى له ضمن مشروعه الفكري والتنويري. والكتاب كما جاء في الإعلان عنه عند أول صدوره: (يقع في” 418″ صفحة من الحجم الكبير، وقد زينت لوحة الفنان التشكيلي الكبير أ. د. مصدق الحبيب غلاف الكتاب الجميل. وهو الكتاب الخامس ضمن سلسلة متاهات الحقيقة. حيث حمل الكتاب الأول عنوان: الهوية والفعل الحضاري. والثاني: مواربات النص. والثالث: الفقيه والعقل التراثي. والرابع: مضمرات العقل الفقهي).

تناول الكتاب مجموعة قضايا قاربها الكاتب ضمن الحوار المفتوح، منها: تطور العقائد، القلق المصيري، فلسفة الخلق، سؤال الوجود، المعرفة البشرية، منطق الخطيئة، فلسفة الخلق بين نظريتين، التأويل الموضوعي، سياقات التأويل، محددات القراءة، التداخل بين الأسطوري والديني، تشابه السرد، العناصر المشتركة، المعرفة الدينية، النهوض الحضاري، مواضيع غيرها متعددة.

من هنا جاءت الأجوبة في هذه الموسوعة الحوارية (متاهات الحقيقة)، تقارع حصون الكهنوت وتحطّم أسيجة تراثية تستغرق الذاكرة، وتطرح أسئلة واستفهامات استفزازية جريئة.. بحثا عن أسباب التخلف، وشروط النهوض، ودور الدين والإنسان في الحياة. فتوغّلت عميقا في بنية الوعي ومقولات العقل الجمعي، واستدعت المهمّش والمستبعد من النصوص والروايات، وكثّفت النقد والمساءلة، وتفكيك المألوف، ورصد المتداول، واستنطقت دلالات الخطاب الديني، بعد تجاوز مسَلَّماته ويقينياته، وسعت إلى تقديم رؤية مغايرة لدور الإنسان في الحياة، في ضوء فهم مختلف للدين، وهدف الخلق. فهناك تواطؤ على هدر الحقيقة لصالح أهداف أيديولوجيات – طائفية. ومذهبية – سياسية.

في هذا الكتاب اعتمد المؤلف على منهج نقدي – تحليلي – تاريخي قائم على استقدام مشاهد حية من الماضي في تاريخيتها وشخوصها، لتخليص الحقيقة الدينية كما يقول أستاذنا الدكتور “علي محمد اليوسف ” في النص القدسي من براثن مجاهيل التضليل والتشويه والانحرافات والأكاذيب على التاريخ في جنبة التنظير التوعوي، وفي تعرية النفاق الديني الذي اخذ بحكم تداوليته المجتمعية صفة البديل القار الثابت في اكتسابه الحقيقة الدينية الزائفة التي يعتقدها ويمارسها المجموع، وفي  إعلان هذا التزييف نفسه فكراً مضللاً، وممارسة منافقة وحيدة في امتلاكها الحقيقة لوحدها لا من اجل تصحيح علاقة العبد بالخالق ولكن بعلاقة تقديم الطاعة والمبايعة العمياء لمن يدعي ان حكمه مستمد من روح وجوهر دولة الخلافة الإسلامية في عهد النبوة (6).

لقد أراد المؤلف لمشروعه أن يكون مشروعاً نقدياً مضمونياً، أشبه ما يكون بمحاكمة فكرية لتطور العقائد، التي جنحت عن الاجتهاد والفهم الصحيح، ففي نظر المؤلف أنه في كل الديانات القديمة، وبمرور الوقت تنشأ عقائد جديدة، نابعة من الأساطير التي يتحتم بها الموروث الشعبي لهذه المجتمعات، وبحكم الفلسفات التي يتداولها معتنقو هذه الديانات. . وقد تكون هذه الأفكار والعقائد كما يري المؤلف باعثاً على التجديد وعدم الركون لفكر ثابت (7).. وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد على

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

..............

* هذا هو العنوان الأصلي للمقال.

1- سعدي الهادي: الفكر الديني بين إشكالياته المعرفية ومشكلاته الواقعية، مجلة التربية والابستيمولوجيا، المدرسة العليا للأساتذة بوزريعة – مخبر التربية والابستيمولوجي، العدد الثالث، 2012، ص 80.

2- عمرو عبد الكريم: معركة الوعي: سؤال التجديد، الوعي الإسلامي، وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية، س52 ,ع600، 2015، ص 84.

3- صلاح سالم: الوعي العربي بين الإصلاح الديني والتنوير العقلي، شؤون عربية، جامعة الدول العربية، العدد 164، 2015، ص 170.

4- نفس المرجع، ص 171.

5-أنظر ماجد الغرباوي: تحرير العقل الديني (متاهات الحقيقة 5)، دار أمل الجديدة، دمشق، سوريا، ط1، 2012.

6- أنظر على محمد اليوسف: منهج النص في سؤال الحقيقة.. قراءة في فكر ماجد الغرباوي، صحيفة المثقف العدد: 4466 المصادف: 2018-11-16.

7- شاكر فريد حسن: ماجد الغرباوي المثقف التنويري والمفكر المضيء، العدد: 5652 – 2017 / 9 / 27 – 11:54.

 

 

 

ميثم الجنابيانطلق دانيليفسكي من فكرة تقول، بأنَّ روسيا والعالم السلافي ككل قد ساروا طريق آخر لا يشبه في شيئ مسار التجربة الأوربية ومن ثم نمطها الثقافي. لقد كان المسار التاريخي للدولة الروسية معقدا وخاصا. وتحولت الدولة إلى قوة من طراز خاص جعل من النفسية الروسية تقبل بكل ما من شأنه مركزة الدولة وقوتها. ومن ثم بلور نمط خاص من التربية أو التهذيب الذاتي في ما يتعلق بموقف الشعب من الدولة والنظام السياسي والمصالح والقيم. واستفاض دانيليفسكي في استعراض وتحليل هذا الخاصية والمسار العام للتاريخ الروسي المتعلق بنشوء وتطور الدولة وانعطافاتها، والدين الارثوذوكسي ومشكلة الأرض (القنانة والمشاعية الفلاحية)، ومن ثم كيفية إرساء أسس وقيم النمط الثقافي السلافي الروسي. واختصر كل هذا المسار المعقد في صيغة شكلية دقيقة تستجيب لموقفه العام والخاص بهذا الصدد، قائلا، بأنَّ القنانة هي أيضًا الشكل الروسي من الإقطاعية، كما كانت مهمة الفارياغ هي الشكل الروسي للاحتلال1، وحكم التتر هو الشكل الروسي للجزية. وقد استخدمها ملوك موسكو من أجل المركزية السياسية في روسيا. الأمر الذي جعلها نظاما هينا نسبيا. لقد اراد دانيليفسكي القول، بأن الشعب الروسي قد مر بأشكال مختلفة من الخضوع، التي لعبت أدوارها وأدت إلى تجمّعه في جسد واحد ومن ثم تذليل الأنانية الضيقة. وبالتالي عوّدته على إخضاع إرادته للأهداف المشتركة. وتحققت هذه الأهداف في بناء الدولة المستندة على أساس وطني راسخ. وفي مجرى تاريخها الألفي (ألف عام) لم يجر استبدال الأنانية الفئوية بالطبقية الاجتماعية. ولم يفقد الشعب الروسي فضائله الأخلاقية، كما انه لم يخسر الأساس المادي لمواصلة تطوره، وذلك لأنه ظل يحتفظ بملكية الأرض بدرجة لا يمكن مقارنتها بأي شعب آخر من الشعوب الأوربية. وبالتالي، فهو قادر على تحمل جرعة كبيرة من الحرية أكثر مما في أية دولة أخرى، وذلك لأنه كان يملك الأرض، على عكس ما تروج له الفئات المتأثرة بالغرب الأوربي وأوربا نفسها. وقد حدد ذلك، كما يقول دانيليفسكي، تشبث الروس بغريزة محافظة لا تحب التغيير العنيف. من هنا كانت مطالبه السياسية وآماله تتسم بالاعتدال. والسبب يقوم في أن تاريخ الشعب الروسي لم يعرف الصراعات الداخلية البينية بين فئاته وطبقاته الاجتماعية. من هنا فهو لا يرى في السلطة عدوا، بل على العكس من ذلك انه يثق بها ثقة تامة.

وحدد ذلك ما اسميته بنقل التبشيرية الدينية الكاثوليكية البيزنطية وشعارها "موسكو روما الثالثة" إلى تبشيرية سياسية إثنية ثقافية تسعى لجعل موسكو "مركز الاتحاد السلافي وليس العالمي". وتناول هذه المهمة من خلال تحليله للإشكاليات المتعلقة بطبيعة ونوعية الصراع التاريخي بين روسيا وأوربا، ومن ثم خصوصية هذا الصراع، أو ما اطلق عليه دانيليفسكي اسم المعركة التاريخية الكبرى بين روسيا وأوربا، بوصفها صراعا بين نمطين ثقافيين مختلفين تماما. ووجد في نهاية المطاف في "الاتحاد السلافي" الحل النهائي لهذا النزاع الكبير والمتعدد الأوجه والمستويات.

انطلق دانيليفسكي هنا من ظاهره هذا الخلاف والاختلاف بين روسيا وأوربا، ومن ثم الإجابة على السؤال المتعلق بالسبب أو الأسباب القائمة وراء العداء الأوربي لروسيا. بعبارة اخرى، ان مقدمة هذا الصراع بالنسبة له تكمن في العداء الأوربي تجاه روسيا وليس بالعكس. وهي ظاهرة فعلية وليست مفتعلة. وكما كانت في الماضي نراها اليوم أيضا. من هنا اهتمامه بإشكاليات العداء التاريخي المتأصل تجاه روسيا من جانب القارة الأوربية، بمعنى لماذا تظهر هذه القضية، وما هي خصوصية ظاهرة العداء التاريخي بين الأمم، وعما إذا كان لها بعدا ثقافيا أيضا.

فقد كانت فكرته وما توصل إليه في تحليله لمفهوم النمط التاريخي الثقافي أو الحضارة إلى أن لكل أنواع وأصناف العداء جذورها في الواقع والثقافة. ففي المجال الواقعي عادة ما يرتبط الصراع بالأرض والثروة. وهي حالة واضحة في طبيعة الصراع الروسي الأوربي. غير انه له بعدا جوهريا أعمق يقوم في طبيعة الثقافة وكيفية فعلها عندهما. وهذا بدوره وثيق الارتباط بالتاريخ السياسي. فالسياسة، كما يقول دانيليفسكي، هي صانعة الحكمة ومعارضتها. وفيها من خلالها تظهر كل الإمكانات المتناقضة في الوجود التاريخي للأمم. وقد اورد في تقديمه لطبيعة الصراع والعداء بين روسيا وأوربا العبارة التالية: قال لي أحد الأجانب:"انظر إلى الخارطة! هل يمكننا يا ترى أن نشعر بالأمان والاطمئنان مما تشكله روسيا من قوة ضاغطة علينا بحجمها كما لو أنها سحابة فوق رؤوسنا أو كابوس رهيب يجثم علينا؟". ومع ان دانيليفسكي لم ينكر ما للأرض وحجمها من قوة ضغط فعلية، لكن الشيء الجوهري هنا هو أين وماذا ومتى وكيف يجري التعبير عنه؟ فقد واجهت أوربا وهددتها كل من فرنسا تحت حكم لويس الرابع عشر ونابليون، وإسبانيا في عهد تشارلز الخامس وفيليب الثاني، والنمسا في عهد فرديناند الثاني. بمعنى هدد كل منهم بتدمير التنمية الحرة المستقلة لقومياتها المختلفة. وبالمقابل سعى كل منهم من اجل تحرير النفس. وهنا يبرز السؤال التالي: هل قامت روسيا بشيء ما يشبه ما قامت به الدول الأوربية الكبرى في مسارها التاريخي؟ وللإجابة عليه انطلق من التاريخ الفعلي لروسيا نفسها. وكتب بهذا الصدد يقول، بأننا حالما ننظر إلى التاريخ الروسي ضمن سياق هذه الإشكالية، فإننا نلاحظ وجود وحالة التدخل الروسي مراراً وتكراراً في مصير أوروبا. لكن السؤال الأعمق هنا يقوم بماهية الأسباب القائمة وراء هذا التدخل. إذ تدخلت روسيا عام 1799 وعام 1805 وعام 1807. حيث خاض الجيش الروسي حروبا نجح في أغلبها. غير أن نجاحه كان من حيث الواقع لصالح الدول الأوربية أكثر مما هو لمصالح روسيا نفسها. بمعنى انه تدخل من اجل مصالح غريبة بالنسبة لروسيا ولا مصلحة لها فيها. وبالتالي، فإن التدخل الروسي كان على الدوام من اجل الحرية الأوربية والعدالة وليس بالعكس، كما هو الحال في تدخل الدول الأوربية في حياة الآخرين.

فقد حاربت روسيا عام 1813 من أجل ألمانيا وأوربا لمدة عامين. وبعد أن أنتهى الصراع بإطاحة نابليون، فإنها أنقذت فرنسا من الانتقام الأوربي بنفس الطريقة التي أنقذت فيها أوروبا من الاضطهاد الفرنسي. وبعد خمس وثلاثين سنة نجحت روسيا مرة أخرى ولكن أيضا خلافاً لمصالحها، في إنقاذ النمسا من التفكك النهائي. والسؤال الذي يبرز هنا هو ما الذي حصلت عليه روسيا واستفادت مما قامت به من جانب الشعوب الأوربية؟

ان النتيجة واضحة وجلية، ألا وهي بقاء نفس المواقف السيئة تجاه الروس والدولة الروسية. كل ذلك يكشف عن أن دروس التاريخ هذه لا تعلمّ أحدا، وإنها لم تتحول إلى عبرة يمكن الاستفادة منها. فالأوربيون يعتبرون روسيا دولة غازية وتوسعية. وبالتالي فهي تهدد سلامة واستقلال أوروبا2. هذا هو الاتهام الأول. أما الاتهام الثاني فيقوم في أن روسيا عتمة سوداء وقوة مناهضة للحرية والتقدم.

وقد اجاب دانيليفسكي على ذلك قائلا، بأن روسيا بالفعل ليست صغيرة. غير أن كل ما يملكه الروس من الأراضي لم يجر عبر الغزو والاحتلال، بل عن طريق التوطين الحر. وقد كان هذا هو تطورها وتوسعها الطبيعي على مدار قرون. فكل المناطق التي جرى توطين الروس فيها لم تكن تحتوي على "هيئات سياسية" أي دول. وما قبل صيرورة واستتباب الدولة الروسية كانت كل المناطق الكبيرة لروسيا وشعوبها في حالة بدائية. كما أن روسيا لم تنتهك حرمة دولة ما أو تهدمها. فقد عاني الروس أنفسهم وقدموا تضحيات هائلة في مجرى تاريخهم في مواجهة الدول والقوى الغازية من تتر وبولنديين وسويديين وغيرهم. بينما لم يقمع الروس أي كيان كان. باختصار، إن بناء الدولة الروسية لم يجر تشييده على عظام الشعوب. على العكس. لقد توسعت الدولة الروسية أما في أراض بور أو جرى توحيد الأقوام في صيرورتها التاريخية والدولتية. غير انه لم يجر على الاطلاق ولا في أية مرحلة من مراحل تطورها تذويب الاقوام أو قهر الشعوب على القبول بالروسية بالقوة والعنف.

وهو استنتاج له، على الأقل، منطقه ومضمونه الخاص عند دانيليفسكي المؤيد للفكرة القائلة، بأن لكل دولة الحق في الوجود المستقل إلى المدى الذي تكون فيه هي نفسها واعية ومطالبة بها. لاسيما وإنها ذات قيمة ومعنى وجدوى. وكل ما يقف بالضد منها أو ينتهكها فإن نتيجة أفعاله تبقى في نهاية المطاف بلا قيمة وأثر. فلو احتلت بروسيا على سبيل المثال، الدنمارك أو احتلت فرنسا هولندا، فإن كل منهما سيسبب معاناة حقيقية للدانمارك وهولندا. وذلك لأنه يؤدي إلى انتهاك حقوقهم، والذي لا يمكن مكافئته بأية حقوق أو امتيازات مدنية أو سياسية أخرى. وذلك لأن الشعوب التي تعيش ضمن دولها الخاصة وحياتها السياسية، بحاجة إلى أن تكون جميع نتائج أنشطتها الصناعية والعقلية والاجتماعية من ممتلكاتها الخاصة. ومن ثم لا ترغب بأن تكون قربانا لأية قوة سياسية غريبة. إذ لكل قومية تاريخية مهمات خاصة بها. كما أن لها فكرتها الخاصة. وكل ذلك يجعلها متميزة عن الآخرين بالمعنى الإثني والاجتماعي والديني والتاريخي. وبما أن الشرط الضروري لتحقيق كل ذلك هو  شكل الاستقلال السياسي الوطني، من هنا، فإن تدمير استقلال هذه القومية يعادل معنى القتل الوطني. مع ما يترتب عليه من استثارة ردود الفعل ضد مرتكب الجريمة (الغازي أو المعتدي). وصوّر دانيليفسكي هذه الحالة على مثال من جرى قطع يده أو رجله. فقطع اليد أو الساق لا يوقف حياة الفرد لكنه يحرمها من الامتلاء وتعدد مظاهره الممكنة مقارنة بحال خلوه من الإصابة. وبالتالي، فإن الشعب أو القومية التي لا تجمع كل أجزائها وأعضائها بهيئة واحدة تبقى مجرد شبح سياسي.

ووضع هذه المقدمة في اساس تفسيره لما اسماه بمصدر الخلاف بين روسيا وأوربا. ووجد هذا المصدر في عدم اعتراف أوروبا بالروس كشخصية خاصة ومستقلة. إنها ترى في روسيا والسلاف شيئا غريبا عنها. فقد كان الغرب بشكل عام والألمان بشكل خاص يعتقدون ويأملون، بأنه لا ينقذ العالم سوى الحضارة الألمانية. لذلك ترى أوروبا في روسيا والسلافية ليس فقط شيئا غريبا ولكن أيضا مبدأ عدائيا.

ووجد دانيليفسكي في الموقف الأوربي من روسيا سلوكا يتميز بالازدواجية. وهو امر جلى حالما يجري النظر إلى ما اسماه بالمقاييس والأوزان التي تقيس بها أوروبا وتزن حالما يتعلق الأمر بروسيا والسلاف بشكل عام. كل ذلك أوصله الى استنتاج يقول، بأن الألمان والسلاف في صراع تاريخي، لأن كل منهما لا يحب الآخر. إذ يختزن الألمان شعورا عدائيا في اللاوعي تجاه الروس والسلاف. وهي غريزة تاريخية تجعل أوروبا لا تحب روسيا. من هنا مواقفهم من ن كل ما هو روسي وسلافي متميز وخاص يستحق الاحتقار. ومن ثم يصبح القضاء عليه واجبًا مقدسًا ومهمة حقيقية للحضارة. بل إننا نرى تعاطفا وتقديرا لمختلف الشعوب داخل روسيا باستثناء الروس. وهناك العشرات من الأمثلة الحية والواقعية التي تكشف عن طبيعة ونوعية هذه العلاقة على مستوى المواقف الفردية والاجتماعية والحكومية. كما نعثر عليها في ما يكتبونه عن الروس في الصحف والمجلات وما شابه ذلك، أي كل ما يعّبر عن آراء ومشاعر الجزء المستنير من الجمهور. والشيئ نفسه يمكن قوله عن مواقف الدول، إذ نرى في جميع المجالات تسود نفس روح العداء والشك والشماتة والكراهية والازدراء. وهذه المواقف تتعلق بكافة مجالات الحياة من العلاقات السياسية إلى العلاقات اليومية العادية وتجاه جميع طبقات المجتمع. وقد جعل ذلك دانيليفسكي يتوصل في نهاية المطاف إلى القول، بأن الروسي الوحيد الذي يستحق احترامهم وتكريمهم هو الذي يفقد هويته الوطنية. تماما كما كان يقول الأمريكيون، بأن الهندي (الأحمر) الجيد هو الهندي الميت!

وبأثر ذلك توصل إلى استنتاج عام يقول، بأنه لا يمكن العثور على تفسير مقنع لكل هذا التعسف السياسي وهذا العداء الاجتماعي إلا في حقيقة أن أوروبا تعترف بروسيا والسلاف كشيء غريب عليهم ومعاديا لهم. وهي حالة يصعب نفيها بالنسبة لكل مراقب محايد. لكن السؤال المهم هنا يتعلق في ما إذا كان هذا العداء جزء من رؤية واعية لنفسها أو انه جزئي أو عابر أو مؤقت أو نتاج سوء فهم؟ أما الاجابة على هذا السؤال فتكمن في الاجابة على ما إذا كانت روسيا أوربية أم لا. وهي الإجابة التي قدمها دانيليفسكي في الفصل الذي يحمل نفس العنوان (هل أن روسيا أوربية أم لا؟). وأجاب عليه بالنفي القاطع، مستندا بذلك الى فلسفته عن "النمط التاريخي الثقافي". بمعنى إن النمط الأوربي لا علاقة له بالنمط الروسي (السلافي). وهما مختلفان في كل المكونات الجوهرية للنمط التاريخي الثقافي، أي للثقافة والحضارة.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

1- الفارياغ هي تسمية عامة عن القبائل الإسكندنافية، التي تقول بعض مصادر التاريخ المتعلقة بروسيا، بأنهم أول من ساهم في ارساء أسس الدولة وقيادتها، بعد أن تحولوا إلى روس أو اندمجوا فيهم اندماجا كليا، ومن ثم ذابوا في بوتقة السلافية الروسية.

2- إننا نقف هنا أيضا أمام مفارقة غريبة تنتظم فيها السفاهة والرذيلة بقدر واحد. فقد كانت أوربا في تلك المرحلة هي القوة الغازية والمحتلة الكبرى على النطاق العالمي. إنها مرحلة الصعود "الاستعماري" أو بصورة أدق التخريبي والتدميري لمختلف شعوب القارات. وبالتالي، فإن تخوفها من "الغزو" الروسي يعادل معنى تخوفها من سقوط قوتها الكولونيالية آنذاك.

 

 

رحيم الساعديقراءة بكتاب جيوفانا ليلي1

ترجمة د. رحيم الساعدي

 جيوفانا ليلي أستاذة زائرة للدراسات العربية والإسلامية في جامعتي جنت ولوفين واهتماماتها متعددة التخصصات ، ولا سيما الدراسات المقارنة للحضارات التي ازدهرت في البحر الأبيض المتوسط في العصور الوسطى سيما الجذور الهلنستية المشتركة. كما تسعى إلى التفكير في العلاقة الإشكالية بين التراث الكلاسيكي والحداثة في العالم العربي الإسلامي والعالم الغربي من منظور تاريخي عالمي.

يقدم هذا الكتاب قراءة جمالية لمقدمة ابن خلدون (ت 1406) ، وهو نص تمت دراسته حتى الوقت الحاضر كعمل في التأريخ. والمقدمة هي أيضًا أطروحة شاملة عن الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية وتقدم صورة للجماليات العربية الإسلامية الكلاسيكية في مجملها.

وموضوع الكتاب هو حول العلاقة الجوهرية بين الجمال والمعرفة في كتاب المقدمة ، ذلك عندما يتعامل ابن خلدون مع مشكلة العلم والمعرفة ، فإنه يتعامل أيضًا مع مشكلة الجمال الحسي كأداة أو عقبة للوصول إليه.

و فلسفة ابن خلدون في التاريخ هي بالضرورة أيضًا من جماليات التاريخ. ومفهومه الأساسي عن "الشعور الجماعي" والفضيلة الجسدية والأخلاقية والجمالية للمجتمعات البدوية ، انما هو في ذات الوقت حديث عن صعود الدول المركزية واسباب خرابها وهو ما  يمثل تناقضًا مأساويًا ينطبق على تاريخ المغرب الكبير ولكنه يأخذ بعد ذلك قيمة عالمية.

و يعكس الكتاب مجموعة من التناقضات الأخرى المتأصلة في "نظام" الجماليات العربية الإسلامية الكلاسيكية. هذه التناقضات تقوض النظام الجمالي لـلمقدمة من الداخل وتوفر العناصر الحاسمة لظهور الجماليات الحديثة.

من خلال تقديم منهج مقارن، وتعد المقدمة مصدرًا رئيسيًا للباحثين والطلاب المهتمين بالدراسات العربية والإسلامية والفلسفة وعلم الجمال والتاريخ العالمي.

ومن محتويات الكتاب برزت مفردات

1- الجمال والمعرفة

2- المعرفة والجمال في التاريخ

3- الجغرافيا البشرية والعالم غير المرئي

4- المجتمع البدوي

5- فجر الإسلام

6- الحضارة المستقرة: الدولة الجمالية

7- المقدمة كمأساة

***

............................

منشورات  2021 - روتليدج

 

 

تأليف: محمد عبدالله دراز

هذه قراءة مختصرة لكتاب النبأ العظيم، وقد اشتملت على مقدمة قصيرة تضمنت عنوان الكتاب ومؤلفه، وقصة الكتاب والهدف منه، والمنهج الذي سلكه المصنف. بالإضافة إلى عرض محتويات الكتاب وموضوعاته، وأهم أفكاره، مختومة برأيي المتواضع كقارئ لهذا السفر، وقد حرصت في هذا الملخص استخدام عبارات المؤلف قدر المستطاع. أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما.

المقدمة:

يعتبر كتاب النبأ العظيم لمؤلفه الدكتور محمد عبدالله دراز(1312-1376ه) -رحمه الله- من أجل الكتب في باب علوم القرآن، أثبت فيه أن مصدر القرآن هو الله-جل في علاه- وليس محمدا رسول الله، دحضا لادعاءات المستشرقين والمشككين وتفنيدا لأباطيلهم، ونصرة لهذا الدين العظيم. وبسبب قوة وفصاحة الكتاب وسلاسة أسلوبه، يقول دراز واصفا قارئه:(فلا يتطلب من قارئه انضواء تحت راية معينة؛ ولا اعتناقا لمذهب معين، ولا يفترض فيه تخصصا في ثقافة، بل يناشده أن يعود بنفسه صحيفة بيضاء، ورغبة صادقة في الوصول إلى الحق في شأن هذا القرآن).

قصة الكتاب والهدف منه:

يقول المصنف في الغاية من تأليف هذا السفر:( فهذه بحوث في القرآن الكريم، قدمتها بين يدي دروس التفسير لطلبة كلية أصول الدين بالجامع الأزهر المعمور، أردت بها أنعت كتاب الله بحليته وخصائصه، وأن أرفع النقاب عن جانب من الحقائق المتصلة به، وأن أرسم الخطة التي ينبغي سلوكها في دراسته).

منهج الكتاب:

يقول المؤلف:( وقد راعيت في أكثر هذه البحوث شيئا من التفصيل والتحليل، وشيئا من التطبيق والتمثيل، فلم أكتف بالإشارة حيث تمكن العبارة، ولا البرهان إذا أمكن العيان). مستخدما المنهج العلمي في عرض الأقاويل ونقضها واحدة بعد الأخرى، بأسلوب بياني جميل، وعرضا لأمثلة قياسية مادية محسوسة تارة ومعنوية تارة أخرى، وصولا لما يسمى بالمنهج المقارن.

موضوعات الكتاب ومحتوياته:

اشتمل الكتاب على بحثين أساسيين هما:

1- في تحديد معنى القرآن: تضمن هذا البحث على:

أ- المعنى اللغوي والاصطلاحي للفظي: (القرآن) و(الكتاب)، وسر التسمية بهما جميعا.

ب- سر اختصاص القرآن بالخلود وعدم التحريف.

ج- هل يمكن تحديد القرآن تحديدا منطقيا؟

د- التفرقة بين القرآن والحديث النبوي والحديث القدسي.

2- في بيان مصدر القرآن:

هذا البحث غطى معظم الكتاب واشتمل على تمهيد وأربعة فصول أطلق الكاتب على كل فصل (مرحلة):

التمهيد

يجيب دراز على تساؤلات طرحها في بداية البحث وهي من أين جاء محمد بالقرآن؟ أمن عند نفسه ووحي ضميره، أم من عند معلم؟ ومن هو ذلك المعلم؟، ويخلص الكاتب: (أن القرآن إذاً صريح في أنه لا صنعة فيه لمحمد، ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منزل من عند الله بلفظه ومعناه)، كما يقرر أن:

أ- تبرؤ محمد من نسبة القرآن إليه ليس إدعاء يحتاج إلى بينة، بل هو قرار يؤخذ به صاحبه

ب- نسبة محمد القرآن إلى الله لا تكون احتيالا منه لبسط نفوذه، والا لِمَ لَمْ ينسب أقواله كلها إلى الله.

ويدلل دراز على صدق محمد وأمانته في دعوى الوحي بنماذج من سيرته إزاء القرآن مثل حادثة الأفك وتأخره في جلاء الحقيقة، فلو كان القرآن من عنده لما تأخر في قوله ليحمي عرضه ويذب عنه.

ج- استدلال من علم النفس على انفصال شخصية الوحي عن شخصية الرسول.

د- موقف الرسول من القرآن موقف المفسر الذي يتلمس الدلالات ويأخذ بأرفقها.

هـ- توقف الرسول أحيانا في فهم مغزى النص حتى يأتيه البيان، كما حدث في صلح الحديبية.

المرحلة الأولى

في هذه المرحلة يناقش الباحث ويؤكد عددا من الحقائق التي لا تقبل الشك منها:

1- بيان أن القرآن لا يمكن أن يكون إيحاءا ذاتيا من نفس محمد.

2- طبيعة المعاني القرآنية ليست مما يدرك بالذكاء وصدق الفراسة:

أ‌- فأنباء الماضي لا سبيل إليها إلا بالتلقي والدراسة

ب‌- والحقائق الدينية الغيبية لا سبيل للعقل إليها

ج-أنباء المستقبل قد تستنبط بالمقايسة الظنية ولكنها لا سبيل فيها لليقين الأ بالوحي الصادق

د-النبي بدون الوحي قد يخطئ ظنه أحيانا رغم ذكائه وفطنته.

المرحلة الثانية

ناقش دراز في هذه المرحلة من البحث: بيان أن محمدا لا بد أن يكون أخذ القرآن عن معلم والبحث في الأوساط البشرية عن ذلك المعلم:

أ‌- البحث عنه بين الأميين: يقول دراز أن محمدا لم يكن له معلم بين الأميين من قومه، فإذا عرفوا بالأمية، كيف يحملون وسام التعليم لغيرهم.

ب‌- البحث عنه بين أهل العلم: ويقرر أنه عليه السلام لم يلق ولم ير أحدا بعينه من العلماء لا قبل دعوى النبوة ولا بعدها.

ج- أن موقف محمد من العلماء هو موقف المصحح لما حرفوا الكاشف لما كتموا. وقد أورد الكاتب نموذجا من وصفه وتفنيده لأغلاطهم من الآي الكريم.

د- تحدى الكاتب القائلين بأن لمحمد معلما من البشر، بتسميته، وما الذي رآه وسمعه، ومتى وأين كان ذلك.

ويعقب قائلا: إن من ضاقت به دائرة الجد، لم يسعه إلا فضاء الهزل. وأن حيرة المعاندين وجدلهم ليست قضية حديثة

ه-كما أشار الكاتب إلى نظرية الوحي النفسي وأنها ليست جديدة حيث حكاها القرآن عن الطاعنين فيه، وأنه لا يوجد للقرآن مصدر إنساني لا في نفس صاحبه، ولا عند أحد من البشر.

المرحلة الثالثة:

في المرحلة الثالثة يبحث المؤلف في ظروف الوحي وملابساته الخاصة عن مصدر القرآن بعد أن دحض فكرة أن القرآن عمل إنساني، فيحلل ظاهرة الوحي وعوارضها على وجه النبي حين ينزل القرآن عليه، وأنها ظاهرة غير متكلفة وتقع بدون اختياره.

المرحلة الرابعة:

يتناول الكاتب في هذه المرحلة البحث في جوهر القرآن نفسه، وأن هذا الكتاب الكريم يأبى بطبيعته أن يكون صناعة بشرية، ذلك أن قدرة الناس إن تفاوتت فهي محدودة. وأن طالب الحق بإنصاف عليه أن ينظر إلى القرآن من نواحي عدة: ناحية أسلوبه، أو علومه، أو من ناحية الأثر الذي أحدثه في العالَم وغير به وجه التأريخ. كما قام الكاتب بدراسة النواحي الثلاث لأعجاز القرآن بشيء من التفصيل.

أ- المعجزة اللغوية للقرآن:

استقصى الكاتب تحت هذا العنوان الشبه الممكنة ورد عليها:

1- توهم القدرة على محاكاة القرآن.

2- القول بالصرفة.

3- الظن بأن إعجاز القرآن ليس من الناحية اللغوية لأنه لم يخرج عن لغة العرب.

4- الزعم أن عجز الناس عن مجاراة أسلوب القرآن ليس خصوصي له، لأن أسلوب كل قائل صورة نفسه ومزاجه

5- التسليم بإعجاز القرآن دون الدراية بتفسير وتعليله

خصائص القرآن البيانية:

1- القرآن في قطعة قطعة منه: ووجه إعجازه

* القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى

* خطاب العامة وخطاب الخاصة

* إقناع العقل وإمتاع العاطفة

* البيان والإجمال

* الإيجاز سواء في مواضع الأجمال أو التفصيل

* خلوه من الكلمات المقحمة والحروف الزائدة

* الإيجاز بالحذف مع الوضوح والطلاوة

2- القرآن في سورة سورة منه:

* الكثرة والوحدة

* صنعة البيان في الانتقال من معنى إلى معنى أشق منها في التنقل بين أجزاء المعنى الواحد

* نزول القرآن مفرقا بحسب الدواعي

* عجز البشر عن الاهتداء إلى تحديد وضع كل جزء من أجزاء المركّب قبل تمام أجزائه

رأيي في الكتاب:

الكتاب ممتع في بابه وثري بالمادة اللغوية العلمية الرصينة، حيث قام المؤلف فيه بالرد على الشبهات المثارة حول القرآن: مصدرا، أسلوبا، وإعجازا، وأثبت-بما لا يدع مجالا للشك- أن مصدر القرآن هو من عند االله، وأن الأساليب البيانية الواردة يستحيل أن يأتي بها بشر.

 

اعداد/ بدر ثاني

 

محمود محمد علييعد كتاب التحليلات مختلف تماماً عن كل ما سبقه من تراث منطقي عند الفلاسفة اليونان، فهو يمثل قطيعة معرفية مع هذا التراث – أي بدون أن يلغيه أو ينفيه ؛ بل يتعداه ويتجاوزه. ولذلك يمكن أن ندرس معالم الجدة المطلقة التي تميز بها هذا الكتاب فيما يلي:

1- لغة التحليلات الأولى:

إذا كانت الوسائل التكنيكية المفيدة لدراسة المنطق كالمتغيرات وما يرتبط بها من المصطلحات لم تظهر في كتابات “أرسطو” في مرحلة ما قبل التحليلات، فإنها سرعان ما بدأت تظهر بوضوح في كتاب “التحليلات الأولى ” ؛ حيث يستخدم أرسطو في هذ الكتاب الحروف الأبجدية، كالمتغيرات، مما يعد وسيلة جديدة ومطلع عهد جديد في التكنيك المنطقي علي حد قول المؤرخ المنطقي “وليم نيل” (22).

ففي التحليلات الأولى كان “أرسطو” يصوغ جميع الأقيسة الصحيحة من خلال الرموز، وكان لا يأتي بأمثلة لغوية إلا في حالات نادرة، وخاصة عندما يريد أن يبين أن بعض الأقيسة فاسدة. وقد كانت أصغر الوحدات تتألف منها نظرية أرسطو هي الحدود، ويرمز لها أرسطو بحروف معينة. والحد يمكن أن يكون موضوعاً أو محمولاً في قضية أو مقدمة قياس. وبدل أن يستعمل أرسطو الألفاظ حدود منطقية، نجده يتخلى عن هذا العمل ويستعمل الرموز، وتتميز هذه الرموز بأنها تشير فقط إلى موضع الحد، ويمكننا أن نضع محل هذه الرموز ألفاظاً لغوية معينة لنحصل أخيراً علي عبارات لغوية، وأهم ما تتميز به هذه الرموز أنها لا تدل علي معني ثابت ؛ بل إنها مجردة من كل معني، وهذه الرموز هي متغيرات، وهذه المتغيرات علي نوعين: إحداهما – متغيرات تشير إلى الموضوع في القضية، وثانيهما – متغيرات تشير إلى المحمول في القضية (23).

وقد كان “أرسطو” حريصاً علي كتابة القضايا في صورة رمزية، إذ كان يضع حروف الهجاء كرموز للمتغيرات، وهذه المتغيرات ترمز إلى الحدود في القضية، ومن المألوف أن تعبر كتب المنطق التقليدي عن القضية الكلية الموجبة مثلاً بالصيغة كل أ يكون ب، (All A is B)، لكن لم تكن هذه طريقة أرسطو في صياغتها، فقد كان أرسطو يقدم المحمول علي الموضوع من خلال صيغة معينة هي: ب محمول علي كل أ (B is Predicated of All A) أو ب تنتمي إلى كل أ B is Belongs to All A)). وكان أرسطو يصوغ القياس في صورة رمزية أيضاً، لكنه لم يضعه في صورة استدلال، بحيث يوضع القياس ي ثلاثة أسطر متتابعة، وأمام النتيجة علامة إذن، كما نألف في كتب المنطق التقليدي، (أن أول من استخدم هذ الرسم للقياس هو الإسكندر الأفروديسي Alexander of Aphrodisas في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث الميلادي) (24).

كان “أرسطو” يصوغ القياس في صورة قضية شرطية متصلة تعبر المقدمتان مرتبطتين بواو العطف عن المقدم، وتعبر النتيجة عن التالي: (إذا كان أ محمولاً علي ب، ب محمولاً علي كل ج، فإن أ محمولاً علي كل ج) يزداد استخدام أرسطو لمتغيرات الحدود، حين يتحدث عن قوانين الفكر ونقض المحمول وعكس النقيض: (إذا كان أ محمولاً علي كل ب، ب محمولاً علي بعض أ) وهكذا (25).

ومن جهة أخري فقد استخدم “أرسطو” في سياق واحد حروف الهجاء، رموزاً للقضايا لا للحدود، حين أثبت أن ما هو ضروري ينتج عما هو ضروري، وأن الممكن ينتج عنه الممكن، وأن القضية الضرورية والممكنة لا يلزم عنها قضية مستحيلة وقال: “… إذا كان أ محمولاً علي، ب محمولاً علي ج، فإن أ محمولاً علي ج، وإذا كانت كل منها ممكنة، فالنتيجة ممكنة، وإذا وجب علينا أن نعتبر مثلاً “أ “ضرورياً يكون “ب ” ضرورياً. بل وينتج أيضاً أنه إذا كان أ ممكناً يكون ب ممكناً، وما دمنا قد برهنا علي، فمن الواضح أنه إذا قمنا بفرض خاطئ، لكنه ليس مستحيلاً، فإن نتيجة الفرض سوف تكون خاطئة، لكنها ليست مستحيلة. إذا كان “أ” خاطئاً، لكنه غير مستحيل، وإذا كاب نتيجة “أ”، فإن “ب” خاطئ، لكنه ليس مستحيلاً (26).

ولذلك فقد تمكن “أرسطو” بفضل استخدام المتغيرات من التعبير مباشرة عن العديد من المبادئ المنطقية، وذلك بالإشارة إلى ما يمثلها بلغة المخطط الاستدلالي بدلاً من وضعها بشكل يتجاوز المنطق أو تفسيرها بأمثلة قياسية علي نحو ما يفعل في مرحلة ما قبل التحليلات، بما فيها كتاب العبارة. ولهذا يقال أن إدخال المتغيرات في المنطق اختراع أرسطي لم يسبقه إليه أحد (27).

وها هو ذا العالم المنطقي البولندي ” يان عالم المنطق البولندي “يان لوكاشيفتش” يقول: ” وقد كان إدخال المتغيرات في المنطق من أعظم مبتكرات أرسطو، ويكاد المرء لا يصدق أن أحداً من الفلاسفة أو اللغويين لم ينبه للآن إلى هذه الحقيقة الفائقة الأهمية. ولهذا أجازف بالقول إنهم لا بد كانوا جميعاً معرفة الرياضيات، إذ يعلم كل رياضي أن إدخال المتغيرات في علم الحساب كان فتح عهد جديد في ذلك العلم. ويبدو أن أرسطو قد أعتبر ابتكاره هذا شيئاً واضحاً لا يحتاج غلي بيان، وذلك لأنه لا يتكلم عن المتغيرات في أي موضع من مؤلفاته المنطقية، وكان الاسكندر (الأفروديسي) أول من قال صراحة إن أرسطو صاغ أقيسته من حروف Stoicheia، حتي يبين أن النتيجة لا تلزم عن مادة المقدمتين، بل تلزم عن صورتيهما واجتماعهما، فالحروف علامات الشمول و وهي تدل علي لزوم النتيجة دائماً آياً كانت الحدود التي نختارها. وثم شارح آخر هو “يوحنا فيلوبونوس”، كان يدرك تمام الإدراك أهمية المتغيرات ومغزاها، فهو يقول إن “أرسطو” بين بالأمثلة كيف يمكن عكس المقدمات جميعاً، ثم وضع بعض القواعد الكلية الخاصة بالعكس مستخدما في ذلك الحروف بدلاً من المتغيرات، وذلك لأن القضية الكلية يدحضها مثال واحد تكذب فيه، ولكن البرهنة علي صدقها لا تكون إلا بالنظر في كل أحوالها الجزئية ( وهو أمر لا نهاية له، وهو من ثم ممتنع) أو بالرجوع إلى قاعدة كلية بينة. ويصوغ أرسطو هذه القاعدة من حروف وللقارئ أن يعوض عن الحروف بما يشاء من الحدود المتعينة (28).

وقد برر بعض مؤرخي المنطق عدم قيام “أرسطو” بأية محاولة لشرح استخدامه، بأنه ربما كان معتاداً علي استخدامها في محاضراته في “اللقيون”، أو ربما أيضاُ لأن “أرسطو” اعتبر ابتكاره هذا شيئاً واضحاً لا يحتاج إلى بيان، ولهذا السبب لم يتحدث عن المتغيرات في أي موضع من مؤلفاته. إلا أن ” بوشنسكي ” لا يوافقهم علي هذا خاصة، وأن أرسطو نفسه نص أن الانتقال إلى المتغيرات كان يتم بصورة بطيئة. كما لو أن الأمر يبدو أن أرسطو نفسه لم يدرك تماماً أنه يتعامل مع متغيرات. وإن كان ” بوشنسكي ” يري في الوقت نفسه أنه مع أن أرسطو أستخدم نوعا واحداً من المتغيرات للفئات وللأفراد، الأمر الذي تسبب في وجود خلط نظرا لأنه يميز بوضوح شديد بين القوانين المتعلقة بالأفراد والقوانين الخاصة بالفئات (29).

مما سبق يتضح لنا أنه إذا كان “أرسطو” في أعماله المبكرة، قد حاول إبراز العمومية عن طريق استخدام الضمائر والأمثلة، إلا أنه في التحليلات الأولى قد تخلص من ذلك تماماً، وذلك من خلال استخدامه للمتغيرات التي أعطت لتعبيراته قدراً كبيراً من الوضوح والإيجاز ؛ وخاصة في إطار القواعد المنطقية المعقدة، كالقواعد الخاصة بالقياس، والتي يكون استخدام المتغيرات فيها أمراً لا مفر منه تقريباً.

2- منهج التحليلات الأولى:

عندما اكتشف “أرسطو” مبدأ القياس (مقالة الكل ولا واحد Dictum de omni et nullo) (30) – وهو صلب المنطق الأرسطي وضحت له صياغة نظريته في التحليلات الأولى، وترسخت عنده هذه الفكرة، وهو أنه المنهج الوحيد الذي يستطيع بواسطته أن يشيد العلم آياً كان، وبما أن اكتشاف مبدأ القياس، قد ارتبط تاريخياً عند “أفلاطون”، و”أرسطو” نفسه بنظرية التعريفات، قد اعتقد “أرسطو ” أنه لاكتشافه هذا، إنما اكتشف في الوقت نفسه المنهج الذي يستطيع بواسطته تشييد النظرية العامة في التعريفات، التي تستند إليها أي نظرية عامة في العلم (31).

وهكذا أصبح القياس بأشكاله وقواعده الثابتة بالنسبة لأرسطو هو المنهج الذي يستطيع بواسطته الانتقال من تشييد نظرية العلم إلى تشييد العلم نفسه. ومعني هذا أن كتاب “التحليلات الأولى “، قدم لأول مرة منهج جديد في تاريخ علم المنطق، وهو المنهج الاستنباطي، وذلك في بناء نظرية القياس، وهذا المنهج يمثل قطيعة معرفية مع منهج القسمة الثنائية الذي استخدمه أفلاطون في محاورة “السوفسطائي”، بدليل أن أرسطو بعد أن عرف القياس وحلله، شرع يقارن بين منهج القياس ومنهج القسمة الثنائية، فيقول: ” إن هذه القسمة قياس ضعيف أو عاجز، لأنها خلو من حد أوسط، فهي تقول مثلاً: الكائنات إما حية وإما غير حية، فلنضع الإنسان في الحية، والحيوانات إما أرضية وإما مائية. فلنضع الإنسان في الأرضية، وهكذا حتي تمضي جميع خصائص الإنسان، ولكنها لا تبين علة إضافية خاصة دون الخاصة المقابلة، وإنما نضعها وضعاً. فما لا نجده عند أفلاطون هي فكرة أن الاستدلال إقامة البرهان علي أن المحمول يوافق الموضوع، وهذا لا يتحقق في القسمة، إن القسمة مصادرة علي المطلوب الأول في جميع مراحلها، فإن صح أن القسمة الأفلاطونية، هي التي أدت إلى القياس، فإن الفرق بعيد بين الطريقتين (32).

3– شكل نظرية العلم في التحليلات الأولى:

قدم “أرسطو” في التحليلات الأولى نظرية مكتملة في الاستدلال المنطقي التحليلي وهدفها العلم الاستنباطي، إلا أنه لم يخطر ببال “أرسطو” مطلقاً أن يكون منطقاً صورياً علي النحو الذي أراده – مثلاً – عالم المنطق الإنجليزي “هاملتون” – فيما بعد لتحليلاته الجديدة. صحيح أن نظرية القياس تبدو في التحليلات الأولى، وكأنها مقطوعة الصلة بمضمون الفكر، إلا أن هذه الفكرة باطلة رغم شيوعها، حتي بين المتخصصين في المنطق، وسرعان ما تتداعي حين نعلم أن ” نظرية القياس ” ما هي تمهيد أو إعداد لنظرية البرهان، موضوع التحليلات الثانية، والتي كانت الهدف النهائي من المنطق الأرسطي (33).

ومن هنا جاء كتاب ” التحليلات الثانية ” بعد ذلك ليحكي لنا بشكل عام، مدي النجاح الذي حققه “أرسطو” في تشييد المعرفة الضرورية البرهانية، فلا غرابة بعد هذا أن يكون القياس عند “أرسطو” – علي ما فيه من عيوب ومآخذ – هو وسيلتنا أو أداتنا الوحيدة في تشييد العلم، أو أن يكون ذهب إلى ذلك بعض تلاميذه من بعده ليمثل المدخل الضروري لكل علم (34).

وبذلك تصبح النظرية المنطقية المتمثلة في القياس برمتها عند أرسطو – هي في خدمة العلم، ومعني هذا بعبارة أخري أن المنطق ظل علي علاقة وثيقة بالواقع، ولهذا فد اكتسب إلى حد بعيد الطابع التجريبي، كما أنه ظل مرتبطاً بالميتافيزيقيا، إذ أنه يعد وسيلتها المنهجية في التعبير عن نفسها. وباختصار فإن النظرية الاستدلالية المنطقية التي تضمنها كتاب “التحليلات الأولى ” تستند إلى نزعتين فلسفيتين متكاملتين عند أرسطو هما: النزعة الواقعية من جانب، والنزعة العقلانية من جانب آخر (35).

بعد هذه الجولة السريعة من الحديث عن ” كتاب التحليلات الأولى الأرسطية.. قراءة إبستمولوجية “، يمكن أن نلخص أهم النقاط التي توصلنا إليها، وذلك علي النحو التالي:

1- إذا كان المنطق يهتم أساساً، بدراسة الفكر الذي نعبر عنه في صورة عبارات وقضايا، لكي يستخلص منها المبادئ المنطقية للفكر آياً كان. فإن الناس لم ينتظروا أرسطو، حتي يأذن لهم أن يفكروا، بل فكر الإنسان وقاس واستنبط الأمور من بعضها البعض منذ أن وجد علي ظهر الأرض، وتعريف أرسطو للإنسان بأنه ” حيوان مفكر ” أو ” عاقل ” ما كانا ليكون كذلك لولا أن الإنسان هو بطبعه مفكر.

2- إذا كان العرف قد جري علي أن الأورغانون الأرسطي، يبدأ بكتاب المقولات، يليه العبارة، ثم التحليلات الأولى، ثم التحليلات الثانية، ثم الطوبيقا، وأخيراً كتاب السوفسطيقا. إلا أن أرسطو لم يتبع هذا الترتيب في مؤلفاته ولا يوجد أي دليل يؤيد التصنيف الذي وضعه ” أندرنيقوس الرودسي “، لكتابات أرسطو المنطقية، خاصة بعد أن تبين أنه لا يوجد كتاب من تلك الكتابات ظل بدون تغيير، فضلاً عن أن معظم تلك الكتب قد وضعها أرسطو في زمن متأخر داخل إطار عام يتطابق مع تعاليمه الأخرى.

3- ليس صحيحاً أن أرسطو اخترع علم المنطق بدون مرشد ؛ فقد ثبت في ثنايا هذا البحث أن أرسطو قد استفاد في صياغته لموضوعات المنطق المختلفة من أبحاث المفكرين السابقين عليه في الرياضيات واللغة والجدل الفلسفي الذي بدأته المدرسة الأيلية وأكمله من بعدهم كبار أعلام السوفسطائيين. فمن صلب الجدل الأيلي خرج المنطق وتطورت الرياضيات، ولم تكن حجج زينون الخاصة بنفي الكثرة والحركة – مثلاً- والتي تعتمد علي فكرة القسمة الثنائية وفكرة اللانهاية بجدل عابث لا طائل من ورائه، بل كانت الأساس الأول الذي بني عليه فيما بعد حساب التفاضل والتكامل في الرياضيات. كما أن فكرة اللانهاية التي يقوم عليها جدل الأيليين وخوفهم من وقوع العقل الإنساني في الخطأ عبر القسمة الثنائية التي لا تنتهي هي التي عملت علي اكتشاف مبدأ عدم التناقض ومبدأ قياس الخلف، الأساس الذي بني عليه التفكير النقدي – فيما بعد – في المنطق والرياضيات علي السواء.

4- إذا نظرنا إلى جوهر المنطق الأرسطي، والمتمثل في نظرية القياس القائم علي القضية الحملية، فإننا نجد أن أرسطو قد أخذ الفكرتين معاً من أستاذه، حينما كان بصدد قراءة نقدية في التعريفات قراءة نقدية.

5- إن كتاب التحليلات الأولى يعد ثورة بالفعل داخل ميدان المنطق، وهذه الثورة قد أنجزها أرسطو بمفرده، ونقل بها هذا الفرع من فروع المعرفة، من مرحلة الممارسة العفوية عند ” زينون ” و” السوفسطائيين ” و“أفلاطون “، إلى مرحلة الصياغة النظرية، ولذلك فإن كتاب التحليلات الأولى يمثل قطيعة معرفية، وقد تمثلت أبعاد تلك القطيعة في لغة المتغيرات، ومنهج الاستنباط ونظرية البرهان.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............

22-W. Kneale، M. Kneale: op.cit , p.61.

23- د. ياسـين خــليل: نـظرية أرسطو المنطقية، مطبعة أسعد، بغداد، 1964، ص 47-48.

24- د. محمود فهمي زيدان: المنطق الرمزي ” نشأته وتطوره “، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2002، ص 28.

25- نفس المرجع، ص 28-29.

26-Aristotle: Prior Analytic , Translated by A. J. Jenkinson, 1.15,34a.20-28.

27- د. محمود فهمي زيدان: المرجع السابق، 29.

28- يان لوكاشيفتش: نظرية القياس الأرسطية من وجهة نظر المنطق الصوري الحديث، ترجمة د. عبد الحميد صبرة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1961، ص 20-21.

29- أنظر مقدمة د. إسماعيل عبد العزيز لترجمته لكتاب أ. م. بوشنسكي: المنطق الصوري القديم، ص 27-28.

30- وهذا المبدأ ينص علي أن: ” كل ما يكون محمولاً بشكل مستغرق – إيجاباً أو سلباً علي أي فئة، يمكن أن يحمل بنفس الطريقة علي أي شيء يتقرر انتماؤه إلى تلك الفئة. “

أنظر: د. محمد مهران: مدخل إلى المنطق الصوري، دار الثقافة، القاهرة، 1991، ص 227.

31- د. حسن عبد الحميد: التفسير الابستمولوجي.. ..، ص 228-229.

32-Aristotle: Prior Analytic ,24b.18-.

33- د. حسن عبد الحميد: نفس المرجع، ص 228-229.

34- نفس المرجع، ص 229.

35- نفس المرجع، ص 230.

 

 

ميثم الجنابياختلاف الذهنية والنفسية الروسية والأوربية

لقد سعى دانيليفسكي إلى تحويل العقيدة الدينية الأيديولوجية إلى عقيدة ثقافية سياسية. ومن خلالها سعى لتأسيس ما اسماه بالاختلاف في الدين والنفسية والعقل  بين النمط الثقافي السلافي والنمط الأوربي.

ففي مجال ما اسماه دانيليفسكي بالاختلافات في البنية النفسية، سعى للبرهنة على أن للشعوب السلافية بنيتها النفسية الخاصة التي تختلف اختلافا كبيرا عن الأوربية. وهذا الاختلاف ليس إلا عنصرا واحد من ثلاثة عناصر أو مكونات جوهرية بهذا الصدد وهي كل من المكون الإثنوغرافي والذي تنعكس فيه خصوصية النظام النفسي للشعوب؛ وعنصر المبدأ الأخلاقي الأعلى الذي يستحيل بدونه البناء الحضاري. ولهذا المبدأ تجليات متنوعة في العلوم والفنون والنظام الاجتماعي؛ وأخيرا عنصر المسار التاريخي الخاص. وهذه كلها تحدد طبيعة الاختلاف بين الشعوب. من هنا وضعه إياها في صلب تحليله التاريخي والفلسفي من اجل البرهنة على خصوصية الشخصية السلافية.

فعندما نتناول تحديد السمات الأساسية للاختلافات الإثنوغرافية بين الشعوب السلافية والجرمانية، كما يقول دانيليفسكي، فإن أول ما نواجهه هنا هو الفارق الفيزيولوجي، الذي وفقا لتصورات بعض علماء الأنثروبولوجيا، يكشف عن الخطوط الحادة والمتميزة بين القبائل السلافية من جهة والقبائل الجرمانية والرومية من جهة أخرى. غير إن الخلل الفكري والنهائي بهذا الصدد يقوم في أن علماء الفيزيولوجيا والإثنوغرافيا الأوربيين يحاولون البرهنة من خلالها على دونية الشعوب السلافية. وإنها في نهاية المطاف ليست إلا مادة إثنوغرافية. وبالتالي تقع في أدنى درجات السلّم الانساني والثقافي. واستفاض دانيليفسكي في استعراض النظريات الأوربية بهذا الصدد، لكي يجد فيها في نهاية المطاف مجرد تقسيمات مصطنعة. والسبب هو أنها تعتمد على مبدأ جمع المختلف وتمزيق المتوحد1.

وبالضد من هذه المبدأ ونظرياته الأوربية المتنوعة، حاول دانيليفسكي التأسيس لمنهج آخر في الرؤية تجاه السمات المتخلفة للأقوام، والتي تميز بشكل فعلي خصائص الطابع القومي أو الوطني. وانطلق من أن البحث فيها يفترض استعمال وأسلوب وفهم آخر يتجاوز أسلوب التوصيف الظاهري والجزئي. بمعنى البحث عن السمات والصفات الخاصة التي تظهر في حياة الشعب أو الأمة لفترة تاريخية طويلة وتتسم بقدر من الثبات والعمومية. وحصرها في ثلاثة اشياء وهي: أولا، إنها ميزة مشتركة لجميع الناس باستثناء حالات نسبية. وثانيا، إن هذه السمة ثابتة ومستقلة عن الظروف الطارئة والمؤقتة ودرجة التطور. وثالثا، إن لهذه الميزة أهمية قصوى لاسيما وأنها تطبع النشاط التاريخي للشعب أو الأمة. واعتبر هذه الصفة أو السمة الأخلاقية الإثنوغرافية للشعب هي بمثابة تعبير عن السمات الأساسية لنظامه النفسي بأكمله. فالسمة العامة لشعوب النمط الرومي الجرماني هي صفة العنف الناتج بدوره عن احساسها بالعلو على غيرها. مما يحدد بدوره طريقة تفكيرها ورؤيتها لمصالحها الخاصة، التي تسعى دوما لفرضها بالقوة على كل من يخالفها، اعتقادا منها بأفضليتها وعلوها على الآخرين. ولم يجدوا في سلوكهم هذا أي حرج أخلاقي. على العكس انه يعتبرون ذلك امرا طبيعيا وأن "الأدنى" منهم ينبغي القبول به باعتباره هبة ونعمة! ونعثر، كما يقول دانيليفسكي، على مظاهر هذه النفسية في كل شيئ وموقف. إذ نعثر عليه في الدين بهيئة تعصب متشدد ضد الآخرين. وقد سالت في أوربا سيول من الدماء بسبب الخلافات الدينية والتعصب. بل إننا نعثر على هذه الصفة في طبيعة التغير الذي خصل في نوعية الدين النصراني، عندما تحولت المسيحية الأصلية في شكلها الأرثوذوكسي إلى كاثوليكية بما يستجيب لخصائص الشخصية الرومية الجرمانية. ليس ذلك فحسب، بل إن تاريخ النمط الثقافي الرومي الجرماني هو سلسلة من حلقات العنف. وذلك لأن الشخصية الأوربية لا تريد معرفة أي شيء باستثناء قناعتها الخاصة. أما القول، بأن كل هذه الأفعال هي من الماضي وأنها كانت نتيجة للفظاظة والهمجية القديمة استنادا إلى أن أوربا المعاصرة سواء البروتستانتية منها والكاثوليكية تقدم مثالا على التسامح الديني وعدم التدخل في شؤون الضمير الإنساني، فهو صحيح لحد ما، كما يقول دانيليفسكي. غير أن القضية أكثر تعقيدا مما تبدو في الظاهر. وذلك لأن هذا التغير الذي يجري الحديث عنه قد جرى بعد أن أخذ الاهتمام بالدين يفقد قيمته وتحول إلى شيئ لا لا قيمة له بالنسبة لاهتمامهم مقارنة بفكرة المصالح. بمعنى انه بعد أن أخذ الدين يفقد قيمته الاجتماعية السياسية، بدأ ينحصر ضمن اهتمام العائلة، الأمر الذي جعله يبدو أكثر تسامحا كما يقول المثل "نعطي لله ما لا حاجة لنا به". ثم إن صفة العنف المميزة للشخصية الأوروبية لا يمكن تذليها عبر النظر إلى حالة ما معينة أو نموذج جزئي. فما يجري طرده من الباب يدخل من النافذة، كما يقول دانيليفسكي.

وحتى حالما تحول الاهتمام الرئيسي للدول الأوروبية بعد الحمى الاستعمارية صوب قضايا الحرية المدنية والسياسية، فإن ذلك لم يقلل ولم يذلل الطابع العنفي لشخصية الشعوب الأوربية. إذ أخذت المقصلة عملها بلا توقف ولا هوادة، وإغراق المجتمع بطوفان الدماء والحروب الخارجية التي أخذت تبشر بحد السيف بالمساواة والأخوة والحرية كما كان الحال بالنسبة لنشر النصرانية زمن شارلمان بقوى الفرسان. وهذه كلها وكثير غيرها مجرد مؤشرات على حالة التعصب والعنف عبر فرض الأفكار والمصالح الخاصة بالقوة أيا كان ثمنها. لقد عملوا بقاعدة "الغاية تبرر الوسيلة". وكلما يظهر نمط آخر من الاهتمام الأوربي نعثر على صيغة جديدة من التعصب والعنف. وعادة ما يتخذ هذا السلوك اشكالا متنوعة، غير أن مضمونها يبقى كما هو. ففي أوائل الأربعينيات من القرن التاسع عشر تشق إنجلترا طريقها إلى الصين بالمدافع عبر تجارة المخدرات(الإفيون) كما يقول دانيليفسكي. وهنا يستفسر أيضا: فهل يتميز أو يزيد سلوك الغزاة الأسبان ومحاكم التفتيش وأمثالهم قيد أنملة على عنف التجار المتحضرين الذين يجبرون شعبًا مسالمًا ومحترمًا بعظمة تاريخه على تخريبه جسديا وروحيا من أجل مصالح تجارية بحت؟

وعندما يقارن الشخصية الأوربية بالروسية، فإنه سعى للبرهنة على أن تاريخ روسيا هو نمط آخر بهذا الصدد. فقد كان الدين بالنسبة للشعب الروسي موقعه الخاص في كل تاريخه. فهو لم يكن بحاجة إلى تبشير الموسوعيين الأوربيين لكي ينعم بفكرة التسامح، وذلك لأن التسامح كان مميزا لروسيا بما في ذلك في اقسى أوقاتها. وإذا كان بالإمكان العثور في التاريخ الروسي نفسه على بعض ملامح التعصب الديني، والتي لا معنى لتبريرها، تبقى مع ذلك لعبة أطفال مقارنة بما جرى في التاريخ الأوربي. وفي التاريخ الروسي، كما يقول دانيليفسكي، ينبغي التمييز بين نوعين مختلفين من الاضطهاد. ولكل منهما طابعه الخاص. الأول قبل بطرس الأول والثاني بعده. والأول كان اضطهادا دينيا، بينما الثاني سياسيا. كما تجدر في الوقت نفسه الإشارة إلى أن الشعب الروسي لم يتعاطف اطلاقا مع اضطهاد ذوي الاعتقادات النصرانية القديمة ولم يشارك فيها بتاتا. بل قامت بتنفيذه قوة الدولة.

لقد توصل دانيليفسكي بعد تقديمه وتحليله لمختلف جوانب التاريخ الروسي ومقارنه بمثيله الأوربي إلى استنتاج عام يقول، بأن الشعوب السلافية بطبيعتها خالية من عنف الشخصية المميز للشعوب الرومية الجرمانية، التي لم تؤثر فيها الحضارة سوى بتغيير طريقة العنف من شكل إلى آخر.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

1- إننا نعثر في آراء دانيليفسكي النقدية على أبعاد علمية وإنسانية عميقة. انه حاول الكشف عن مقدمات الرؤية العنصرية التي ميزت ثقافة النمط الأوربي. ففيها فقط، مقارنة بأغلب ثقافات وحضارات الآخرين القديمة والمعاصرة، تستفحل الرؤية العنصرية وتنظيرها "العلمي". إنها تستعمل انجازات العلوم الطبيعية بتوظيفها في مواقف أيديولوجية وسياسية، تفتقد إلى ابسط مقومات الروح الإنساني والأخلاقي. بحيث نراها تبني على هذه المواقف وتضعها في سلوكها العملي على امتداد قرون عديدة وحتى اليوم. كما نراها في سلسلة الحروب المحلية والبينية والعالمية وكذلك سلوك الاحتلال وإبادة شعوب بأكملها والعبودية ونزعات التمييز العنصري والفاشية والنازية وكثير غيرها. وهي صفة أوربية كما يقال بامتياز!

 

2205 جمال العتابيالذاكرة.. روح المكان ودلالته

لم يكن صعباً الدنو أكثر من المكان، لأن المهتم به عارف له. بلوذ به وجمالياته. ويسجل كل صفاته الجميلة، المهمة والصامتة/ الصارخة، الملوثة، بالهامش فيها لكن كل الامكنة جماليات، اللغة تمنحه السمو وتعدد الألوان والايقاعات مثلما

اكتشفت في حديث جمال العتابي وهو يدنو الى الاماكن ويملأ ما فيها من فضاءات بكائنات تعرف عليها جيداً.

ونجد بأن د.جمال العتابي يمنحها جماليات الذاكرة وقوة المتخيل، بحيث تزدحم الاماكن بالشعرية، لأنها لن تتسامى بعيداً عن ايقاعات الجمال والشعر.

وتذهب ذاكرة المتلقي الى معارف العتابي الجمالية، هو فنان يزيل تشوهات المكان ويقود اليه الأسماء.

التي صاغتها ذاكرات الامكنة، وجعلت من تلك الاسماء حضوراً، مضافاً لحقائق متخيلات تمتد عميقاً في الماضي. وكأن العتابي يتوسل بالأماكن القديمة والمدن الصغيرة من أجل توصيف مستقبل جديد.

هذا مستقبل نحلم به دائماً، ونحمله معنا، لأنه منتظر وسيظل يرنو نحو زمن البدئية الاولى، الطفولة التي يتباهى بها الحلم... طفولة الجمال والجوع والفقر، لكن كل ذلك. يقودنا الى رسم توصيفات. نمنحها للمكان مثلما نريد له أن يكون جميلاً.

كان جمال العتابي مخلصاً، وهو يلتفت للوراء، ويضع عقله شاهداً، ليقول ما يستحقه مظفر النواب/ غانم الدباغ/ سعدي الحديثي... ذاكرته خزان فيه المهابة يستدعي كل ما قاله جمال من مرايا أو كسر مرايا للذات، التي رآها موزعة عليها، يلتقطها ويرى فيها وعليها كل ما كتبه ولم يذهب الى مسح غبار الماضي عن المرايا، لأنه يرى عميقاً وبوضوح تام.

لايستطيع القارئ لكتابه الجديد أن يتجاهل الحضور الحيوي للكائنات ذات العمق الاجتماــثقافي عبر بها عن حيوية تاريخ وقوة شعرية للمستعاد، لأنه يدرك المكامن الخاتلة فيها. يستدعيها من مخاتل الماضي ويعيد تلوينها بما يعشق من الالوان ويدنو اليها، لأنها تمثيل له.

كل واحدة من شخصيات الاماكن التي عرفها أو عاش معها، ترسم لنا ظلال جمال أو تمنحنا طاقة استذكار تاريخ علاقة معه. لكني لم أجد سرديات النكتة التي عرفاناها لديه.

ولا أدري سبب ذلك لان العتابي مقترن بالنكتة لمرويات باقية مختزنة في ذاكرته، مصاحبة لأسماء حافظت على رمزيتها حتى هذه اللحظة.

وأنا واثق بأن جمال أمين وله ذاكرة حافظة تمنحنا روحاً تلوذ به لكائنات عاشت كثيراً وعانت، لكن للأسف ذاكرة الثقافة تنسى، ولذا كم من الرموز لاذت بصمت الثقافة.

كل الذين عرفهم العتابي هم بعض حي وجوهري من ذاكرته. حتى حسن العتابي اختصر مكونات أسرة كبيرة من الابناء. وهو الذي منحهم كل العناصر المكونة لهم. وبرزت وظائفهم المميزة لهم.

المكان أرواح ودلالات وليس المدن فقط

لأن شعرية الريف هي الروح الباقية والقانعة بالاستعادة والحضور بكل ما يمتلك من طاقات. لذا وجدت الملاذ الثقافي في كتاب د.جمال العتابي "داخل المكان/ المدن روح ومعنى/ هي الباقية، حاملة تجوهراتها وكأنه يومئ لنا، بأن الماضي مستعاد ملوحاً لنا، كي يكون في عتبة الحاضر والمستقبل.

لغة جميلة، شفافة، يقظة، تستل المرويات البليغة، العميقة، يمنحها شفافية لغته، يغطيها بألوان توصيفاته، فتبدو لنا مبتكرة، مقبولة حتى بفجيعتها وصدقها، مثلما حصل مع غانم الدباغ، هذا

المعلم الذي كنت وفهد الاسدي نلتقيه يوم الخميس ونقرأ القصص لثقافة الطريق، ونسجل ملاحظتنا عليها. نحن الشباب آنذاك وهو الرمز المهم.

يبتسم لما نقوله أنا وفهد ويذهب لتأكيد ما هو محقق بالأكثرية.

عرفنا آنذاك مأساته... على الرغم من غيابه، كان حاضراً في كل كسر المرايا التي تعيش في الذاكرة وخزانها وارادتها.

شعرت بالحزن وأنا أقرأ ما كتبه جمال العتابي، لكن يفترض به الانتباه للتداخل بين الكائن الحاضر والموجود وبين الغائب.

قرأت الكتاب واستمتعت به كثيراً وأدعو لمن لديه ذاكرة عتابية أن يقدم لنا مثل هذه السرديات.

 

ناجح المعموري

 

محمود محمد عليلا شك في أن الأورغانون الأرسطي بشهادة معظم مؤرخي المنطق، قد تطور إلى حد بعيد، وأنه لا يوجد كتاب من كتابات “أرسطو” المنطقية ظل بدون تغيير، فضلاً عن أن معظم تلك الكتب قد وضعها “أرسطو” في زمن متأخر داخل إطار عام يتطابق إلى حد ما مع تعاليمه الأخرى، ولذلك فإن تحليل الخطوات المختلفة في تطوره تعد مهمة صعبة (1).

وهذه الصعوبة تتمثل في أن كل كتابات الأورغانون الأرسطي ليست بمستوي واحد، فبعض النصوص كما يذكر مؤرخ المنطق الألماني “بوشنسكي” لا يتجاوز نصوص “أفلاطون” أو معاصريه، بينما تدل نصوص أخري علي قدرة منطقية خارقة، ومن ثم فهي تكشف عن تقدم ملموس بالمقارنة مع النصوص الأخرى (2).

ويذكر مؤرخ المنطق ” بوشنسكي ” أنه يمكن استخدام معايير عديدة لذلك الأمر، وذلك علي النحو التالي (3):

1- استخدام القياس التحليلي (الحملي)، والذي يعد بمثابة الاكتشاف الأخير

2- استخدام الحروف، كاختصارات وكمتغيرات.

3- مستوي الصرامة المنطقية، والأسلوب والذي كان مختلفاً جداً في كتابات عديدة، وربما من المفترض أن يكون قد تحسن مع الوقت.

4- التحسن الذي طرأ علي تحليل القضية، من الشكل البسيط ” أ – ب ” مروراً باستخدام الشكل الأكثر تعقيداً، وإن الذي يوجد فيه ب في كله يوجد أ “.

5- إن الحروف تظهر علي الأرجح في البداية، كاختصارات بسيطة، ثم كمتغيرات حدية، وفي النهاية كمتغيرات قضوية.

6- إن القضايا الموجهة التي تتوافق مع فلسفة أرسطو الخاصة بالمستقبل، تعد فيما يبدو الاكتشاف الأخير.

ثم يؤكد ” بوشنسكي ” أنه بتطبيق هذه المعايير، فإننا نجد أن الأعمال المنطقية لأرسطو – علي الأقل من حيث الاهتمام – يمكن أن تكون قد كتبت بالترتيب التالي: –

أ- ففي البداية يأتي كتاب الطوبيقا ( مع كتاب السفسطة والذي يعتبر تكملة لكتاب الطوبيقا، وهو بمثابة المقالة التاسعة منه )، وهما لا يشتملان بأية حال علي متغيرات، كما أن القياس لم يكن قد تمت معرفته بعد ؛ علاوة علي أن المستوي المنطقي فيه متدن وتحليل القضية الحملية فيه بدائياً (4).

ب- كتاب المقولات، وهو ينتمي فيما يبدو إلى نس الفترة ؛ حيث يعد مدخلاً لكتاب العبارة (5) ؛ وهو يشتمل علي نظرية في الألفاظ، ويتعامل معها بدون استخدام متغيرات.

ت- كتاب العبارة، ولا بد أنه كتب فيما بعد، ويتضمن هذا الكتاب نظرية السيميوطيقا، التي كانت فيما يبدو في الأصل أفلاطونية، ومع أنه لا يوجد أثر في هذا الكتاب للمتغيرات وللأقيسة، إلا أنه من الملفت للنظر أن مستواه أعلي من كتاب الطوبيقا والسفسطة والمقولات ؛ علاوة علي اشتماله فصل في الموجهات، وإن كان لم يزل أولياً بالمقارنة مع ما يوجد في التحليلات الأولى (6).

ث- يمكن وضع المقالة الثانية من كناب التحليلات الثانية بعد ذلك مباشرة ؛ حيث إن أرسطو الآن في القياس والمتغيرات معاً، وإن كانت المتغيرات تستخدم دائماً كاختصارات فقط. أما عن المستوي المنطقي، فإنه قد كان فيما يبدو أدني درجة من الأجزاء الأخرى لكتاب التحليلات الأولى (7).

ج- أنه يجب أن نضع بعد ذلك الفصول 1، 2، 3، 7، 23، 46، من المقالة الأولى لكتاب التحليلات الأولى، كما أن ما لدينا ليس مجرد متغيرات فحسب، بل إنها مستخدمة كمتغيرات حدية. كما يوجد أيضاً تفصيل كامل للقياس، فضلاً عن أن المستوي التكنيكي للقياس ملفت للنظر (8).

ح- أما أخر الأعمال المنطقية، فربما تكون الفصول 3، 8، 22 من المقالة الأولى للتحليلات الأولى، والمقالة الثانية من الكتاب نفسه ؛ إذ أننا نجد هنا معظم النظريات الدقيقة كنظرية الموجهات. فضلاً عن استخدام المتغيرات أحياناً كمتغيرات قضوية (9).

وعلي ضوء هذا الترتيب الزمني السابق، فإنه يمكن القول بأن الأورغانون الأرسطي، قد تطور بالتمييز بين مرحلتين: مرحلة ما قبل التحليلات، ومرحلة التحليلات. في مرحلة ما قبل التحليلات، قام “أرسطو” بالتنظيم المنهجي لقواعد المجادلة، والتوسع في القسمة الأفلاطونية علي نحو ما يوجد في الطوبيقا والمقولات والعبارة، وهي الكتب التي طور فيها أرسطو إلى حد بعيد وقرر بوضوح مجموعة القواعد أو القوانين التي تقوم عليها هذه القسمة (10).

علاوة علي ذلك، فقد حاول “أرسطو” في تلك المرحلة إبراز العمومية في أعماله عن طريق الاستخدام غير الملائم إلى حد ما للضمائر، أو عن طريق الأمثلة علي نحو ما يفعل “أفلاطون” في محاورة الجمهورية.

أما مرحلة التحليلات، فقد أتاها اسمها من موضوعها ومنهجها، فموضوعها أجزاء القياس والبرهان، وهما آلة العلم الكامل ومنهجها تحليل القياس والبرهان إلى أجزائها، فإن العلم الكامل إدراك الشيء بمبادئه، ولا يتسنى هذا الإدراك إلا بالتحليل، والبرهان ينظر إليه من حيث صورته ومن حيث مادته، فهو ينحل إلى مبادئ صورية، وأخري مادية، والتحليلات التي ترد البرهان إلى المبادئ الصورية التي يتعلق بها لزوم التالي من المقدم لزوماً ضرورياً بصرف النظر عن مادة البرهان، تسمي التحليلات الأولى، والتحليلات التي ترد البرهان إلى المبادئ المادية التي يتعلق بها صدق التالي، تسمى التحليلات الثانية (11).

وكتاب “التحليلات الأولى “، يمثل مرحلة القطيعة المعرفية لكل صور الممارسات السابقة للفكر المنطقي عند كل من الأيليين، والسوفسطائيين، وأفلاطون، والتي كانت متمثلة في منهج القسمة الثنائية، حيث أخذ “أرسطو” في أوائل “التحليلات الأولى ” علي منهج القسمة في أنه لا يوصل إلى نتيجة مفيدة، نظراً لأنه بدلاً من نيل موافقة الآخر علي نحو ما، فإنه يتوجب علي هذا المنهج في كل خطوة من خطواته، أن يرجوه بالموافقة علي إدراك ذلك، ولهذا انتهي أرسطو إلى أن أسلوباً كهذا يعجز عن الإيصال إلى نتيجة، وبالتالي فهو غير استنتاجي. إذ أنه عندما نقسم المرتبة ” أ ” المنتمية إلى ” ب ” بدلاً من ” لا – ب”، إذ لا بد من موافقة المحاور علي ذلك، حتي نتمكن من التقدم، وهو ما نحتاجه باستمرار في كل خطوة جديدة، وحول هذه النقطة لا يقدم لنا منهج التقسيم أية مساعدة، ولهذا انتهي “أرسطو” إلى أن “القسمة الثنائية” ما هي إلا مجرد قياس ضعيف لا يمكنه في الواقع إثبات شيء، ولكنه يكمن في سلسلة الافتراضات (12).

وكذلك فإن كتاب “التحليلات الأولي" يقطع الصلة المعرفية بينة وبين كتاب الطوبيقا لأرسطو نفسه، والذي يعتبر أحد مؤلفات الشباب التي كان يتمرس فيها “أرسطو” ويتدرب علي صياغة القواعد النظرية لعلم المنطق كما جاءت بعد ذلك في التحليلات الأولى (13).

فعلي سبيل المثال لا الحصر، نجد في كتاب الطوبيقا فقرتين سابقتين لنظرية الرد غير المباشر الوارد في الفصول من الواحد والثلاثين إلى الخامس والأربعين من الباب الأول من كتاب التحليلات الأولى الفقرات 46 b 40-50 bH، ومؤدي الفقرة الأولى: إذا ما كان الخير جنساً للذة، فهل تكون أي اللذة، ليست خيراً، لأنه إذا ما وجدت لذة غير خيرة فسوف يتضح أن الخير ليس جنساً للذة، لأن الجنس يجمل علي كل شيء يندرج تحت أي نوع معطي (14).

ونلاحظ هنا أنه توجد إشارة إلى قياس وارد في صورة الضرب Barabara (من الشكل الأول ) ” إذا كانت كل لذة خيراً، وكانت س لذة فإن س هي خير ” لإثبات صحة قياس في صورة الضرب Felapton (من الشكل الثالث)، وإذا ما كانت ” لا س ” هي خير، وكل ” س”، فإن بعض ما هو لذة ليس خيراً (15).

وتوجد إشارة مماثلة لهذا في الفقرة التالية ” لننظر ثانية ما إذا كان النوع المفترض يصدق علي شيء ما، ولكن الجنس لا يصدق عليه، مثل ما إذا جعلنا الموجود أو الذي يمكن معرفته جنساً للذي يمكن أن ندلي برأي عنه. لأن الذي يمكن أن ندلي برأي عنه يمكن أن يحمل علي شيء غير موجود ( لأن كثيراً من الأشياء غير الموجودة هي موضوعات للفكر)، ولكن من الواضح أن الموجود والذي يمكن معرفته هو جنس للذي يمكن أن ندلي برأي عنه (16).

وفيما يلي قياس من الضرب Ferison من الشكل الثالث ط إذا كان لا واحد ما هو غير موجود،، موجود وبعض ما هو غير موجود يمكن التفكير فيه، فإن ليس بعض ما يمكن التفكير فيه يكون غير موجود، ويمكن رد هذا القياس إلى قياس من الضرب Darii من الشكل الأول، فنقول ” إذا كان كل شيء نفكر فيه موجوداً وبعض غير الموجود يمكن التفكير فيه، فإن بعض غير الموجود يكون موجوداً (17).

وفي هذين المثالين من الأقيسة كما في التحليلات الأولى، يشير أرسطو إلى الشكل الأول للرد، ولكنه يصوغ أمثلته دون استخدام متغيرات (18).

وثمة نقطة أخري جدية بالإشارة، وهي أن كتاب الطوبيقا لم يقطع صلته بالفكر المنطقي الأفلاطوني، بدليل أن ممارسة فني التصنيف والتعريف في الأكاديمية، هي التي حددت محتويات كتاب الطوبيقا، ومن المحتمل أن تكون نظرية المحمولات هي التي اكسبت كتاب الطوبيقا الوحدة بما تنطوي عليه من وحدة قد درسها الأكاديميون من قبل، لأن “أرسطو” يعرض للمصطلحات الأساسية، مثل الخاصة والعرض والجنس والنوع والفصل، كما لو كانت معروفة من قبل. وكتاب “الطوبيقا” هو نتاج للتفكير المنهج الجدلي المستخدم في الأسئلة المتعلقة بالتعريف والتصنيف (19).

علاوة علي أن القصد من كتاب “الطوبيقا”، فيما يقول أرسطو هو ” أن نستنبط طريقاً يتهيأ لنا به أن نعمل من مقدمات ذائعة قياساً في كل مسألة تقصد “(20)، فإن الكتاب يكون في الواقع عملاً منطقياً قائماً علي مبدأ عام يمكن علي أساسه البرهنة علي أمور حسية، وهذه المبادئ إما أن تكون قواعد منطقية – ويوجد هنا عدد ليل من هذه الواعد علي عكس ما يحدث في التحليلات أو إرشادات منهجية وملاحظات سيكولوجية (21).

من كل ما سبق يتضح لنا أن كتاب الطوبيقا لم يتعد مرحلة الممارسة العفوية للتفكير المنطقي السابق علي أرسطو، حتي وإن انطوي علي بعض القواعد المنطقية، بدليل أن لغة كتاب “الطوبيقا” هي نفس لغة “أفلاطون” ومن قبله السوفسطائيين والأيليين. ولذلك فإن كتاب الطوبيقا هو أحد مؤلفات الشباب التي كان يتمرس فيها “أرسطو” للتدريب علي صياغة القواعد النظرية لعلم المنطق كما جاءت بعد في التحليلات الأولى... وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............

1- W. Kneale , M. Kneale: The Development of Logic ,Clarendon Press , Oxford , 1984 , P.23-24.

2-روبير بلانشي: المنطق وتاريخه، ص 41.

3- أ. م. بوشنسكي: المنطق الصوري القديم، دار الثقافة لدنيا الطباعة والنشر، 1990م، ص 102-103.

4-نفس المرجع، ص 103.

5- د. محمد فتحي عبد الله: الجدل بين أرسطو وكنط، دار الوفاء، الاسكندرية، 1999م، ص 36.

6- أ. م. بوشنسكي: المرجع السابق، ص 104.

7- نفس المرجع، ص 104.

8- نفس المرجع، ص 104.

9- نفس المرجع، ص 105.

10- نفس المرجع، ص 105.

11- د. محمد فتحي عبد الله: المرجع السابق، ص46.

12- أرسطو: منطق أرسطو، ج1، تحقيق عبد الرحمن بدوي، ط1، وكالة المطبوعات، الكويت، 1980، ص225.

13- د. حسن عبد الحميد: التفسير الابستمولوجي لنشأة العلم الحديث، بحث منشور ضمن كتاب نظرية المعرفة، مكتبة سعيد رأفت، القاهرة، 1988م،.. ..، ص 201.

14- Aristotle: Topica, Translated by W. A. Pickard-Cambridge، B.IV،ch.1, 120b, 17-20.

15- د. محمد فتحي عبد الله: المرجع السابق، ص 125.

16- Aristotle: op cit، B.IV,ch.1،101b, 20 ff.

17- د. محمد فتحي عبد الله: المرجع السابق، ص 125.

18- W. Kneale , M. Kneale The Development of Logic, London, 1990, p.38-39.

19- د. محمد فتحي عبد الله: المرجع السابق، ص 127-128.

20- Aristotle: op cit، B1،100a, 1 ff.

21- أ. م. بوشنسكي: المنطق الصوري القديم، ص 128.

 

نبيل عودة(تاريخيا الثقافة جاءت بالأساس لخدمة الاستراتيجية الإمبريالية، لذلك هي متشابكة ومتواطئة مع المجتمع الذي انتجها) المفكر الماركسي البارز أنطونيو غرامشي حذر من الهيمنة على الثقافة كوسيلة للإبقاء على الحكم في المجتمع الرأسمالي (الثقافة أضحت اليوم القوة المحركة للقضاء على كل اشكال الاستعمار والاستبداد).

في كتابه المثير للتفكير (الثقافة والإمبريالية) للمفكر الفلسطيني (الأمريكي الجنسية) د. ادوارد سعيد، والثري بالمعلومات وخاصة حول تطور الرواية عامة وتطور الأدب ضمن اطار التطور الرأسمالي، كأدب يسوق الفكر الامبريالي عن الشعوب المستعمرة والمتخلفة حضاريا مؤكدا المزاعم السياسية للإمبريالية عن الشعوب الخاضعة والنظرة الدونية لها، والمبرر لاستعمارها، بل ضمن الكتاب يعتبر ادوارد سعيد مثلا رواية روبنسون كروزو كدليل عن دور المستعمر في تعليم الشعوب المتخلفة أسس التعامل الحضاري وإعادة تربيتها. وهذا لا ينفي النظرة الإمبريالية المهينة للشعوب الخاضعة للاستعمار ورؤيتها كشعوب مزعجة وهمجية إلى حد كبير، وانها ثقافيا، اجتماعيا وسياسياً هي شعوب متخلفة ولا ترقى لمستوى المستعمر الحضاري. وان استعمارها هو خدمة لترقيتها وتنويرها. وبالتالي لا تستحق أكثر من ان تكون تحت سيطرة الاستعمار واحتلاله. 

"الثقافة والامبريالية"، يتميز بما يطرحه برؤيته المتميزة والجديدة فكريا ونقديا، بمجمل الفكر الإنساني، حول العلاقة بين الثقافة والامبريالية، مقدما تصوره بأن الثقافة جاءت بالأساس لخدمة الاستراتيجية الإمبريالية، لذلك هي متشابكة ومتواطئة (كجهاز اعلامي) مع المجتمع الذي انتجها، وهي شكل من أشكال الاستعمار (الثقافي) الإستعلائي.

يقول د. سعيد في مقدمة كتابه: "ان معظم محترفي العلوم الإنسانية، عاجزون عن ان يعقدوا الصلة بين الفظاظة المديدة الأثيمة لممارسات مثل الرق، والاضطهاد الاستعماري والعنصري، والاخضاع الامبريالي من جهة، وبين الشعر والرواية والفلسفة التي ينتجها المجتمع الذي يقوم بمثل هذه الممارسات من جهة أخرى".

يوضح د. سعيد فكرته حول اندماج الثقافة الكلي مع امبرياليتها بنموذج الامبراطوريتين الاستعماريتين السابقتين، فرنسا وانكلترا، وخاصة إنكلترا، التي كانت تقف في طبقة امبريالية خاصة بها، أكبر وأفخم وأشد مهابة من أي امبراطورية استعمارية أخرى، وفرنسا التي كانت على مدي قرنين، بتنافس مباشر مع إنكلترا، لذلك كما يقول د. سعيد :"ليس من المفاجئ في شيء ان فرنسا وانكلترا تمتلكان تراثا غير منقطع من الكتابة الروائية، لا نظير له في أي مكان آخر، وأن أمريكا التي بدأت تصبح امبراطورية امبريالية في اثناء القرن التاسع عشر، لم تحذُ حذوهما إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، وبعد فكفكة استعمار الامبراطوريتين فرنسا وانكلترا".

الكتاب مثير في طروحاته وربما يحتاج الى كتاب آخر لعرض مواضيعه الفكرية المثيرة التي تعتبر فاتحة في الفكر الإنساني كله. فهو الى جانب ذلك مليء بالفكر النقدي والتحليلي المبدع، خاصة حول مفاهيم مثل الثقافة ودور المثقفين.

الكتاب اثار لدي الاهتمام المجدد بموضوع طرح ويطرح اليوم أيضا بأشكال عدة، ويتعلق بموضوع علاقة المثقف مع السلطة. ان المثقف ليس مواطنا عاديا، ليس من ناحية الحقوق الاجتماعية والسياسية، إنما من ناحية التأثير الفكري، وقدرات المثقف على خلق مواقف لها أثرها في تكوين مفاهيم اجتماعية كثيرة والتأثير الفعال على الراي العام، ليس بجانبه الثقافي فقط، إذ يقول ان المثقفون أيضا هم نتاج النظام الاجتماعي والسياسي (السلطة) فما هي قواعد العلاقة، بين المثقفين والنظام الاجتماعي والسياسي؟ هل هي علاقة انتقائية من المثقف او من السلطة؟ ام هي علاقة تفرضها السلطة حسب نهجها وفكرها ومصالحها؟ المثير هنا هل يمكن الافتراض ان السلطة هي التي تخلق مثقفيها؟ وانه لا مجال تاريخيا لوجود مثقفين خارج النهج الرسمي للدول الامبريالية؟ طبعا القصد ليس عصرنا المتحرر، عصر العولمة الذي أصبحت حدوده ما بعد السماء، بل عصور النهضة الاستعمارية في بداياتها وتطورها إذا صح تعبير النهضة لوصف الاستعمار الاستبدادي؟

من الطرح السابق يتضح انه من العبث الرؤية بأن الثقافة مسالة عليا، لا يربطها بالقضايا السياسية والتاريخية أي رابط. ان الثقافة في كل زمان ومكان، كانت بارتباط وثيق بالسياسة. الثقافة هي المعيار الذي يشمل كل المنتوج الاجتماعي، الاقتصادي، العلمي الفني والأدبي. لذلك لا يستطيع المثقف ان يكون منعزلا عن السياسة، لا راي له لما يجري حوله من تطورات واحداث هو في التلخيص الأخير نتاج لها.

هل يستطيع المثقف مثلا ان يكون بلا راي من قضية الديموقراطية؟ من العلاقة بين الدين والدولة؟ من الصراع بين العلمانيين والمتدينين؟ او من قضايا التنمية؟ او من قضايا سياسية دولية ملتهبة مثل العدوان، الاحتلال، جرائم ضد الإنسانية وخطر الحرب المدمرة بشكل عام؟

هل يستطيع المثقف ان يتجاهل قضايا اجتماعية متنوعة كمسالة مساواة المواطنين؟ تحرير المرأة ومساواتها في الحقوق؟ قضايا البيئة؟ او من المفاهيم الجمالية للإبداع الأدبي والفني؟ مثلا المفكر الماركسي البارز أنطونيو غرامشي (1891-1937) حذر من الهيمنة على الثقافة كوسيلة للإبقاء على الحكم في المجتمع الرأسمالي.

عن دور المثقف يقول ادوارد سعيد في كتابة عن "الآلهة التي تفشل دائما"، على المثقف ان يكون واع لكل التعميمات التي تحدت والافكار التي تطرح من قبل وسائل الاعلام، المرئية، المسموعة والمقروءة، التي لا بد ولها توجهات وايدولوجيات معينه وافكار ربما تكون هدامه. على المثقف ان يفهم هده الافكار ويتنبه لها، وان يتصدى لما يراه منها ضار بالمجتمع وان يتكلم عنها وينبه لها، وان يكون البوصلة الحقيقية للمجتمع التي تسهم في اعاده توجيهه نحو الوجهة الصحيحة".

اذن الثقافة قطعت مرحلة تاريخية، من كونها نتاج الامبريالية، الى القوة المحركة للقضاء على كل اشكال الاستعمار والاستبداد.

 

نبيل عودة

 

 

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن قراءتنا النقدية لكتاب الدكتور ميثم الجنابي "محمد رسول الإرادة"، وهنا نتساءل: والسؤال الان هو: هل نجح المؤلف "ميثم الجنابي" في تحقيق هذا الهدف الذي نذر كتابه له؟

في اعتقادي أن المؤلف تمكن – إلي حد كبير – من تحقيق هذا الهدف، إذ يلحظ القارئ – المنصف- أن المؤلف ظل يطرح الأسئلة الكبرى، ثم يقدم الإجابة عنها بطريقة المحاججة العقلية البعيدة عن التعسف والاتهام، كما ظل يتكئ علي أكثر من شاهد وأكثر من دليل حتي يجلو الفكرة ويؤكدها، دون الاعتماد علي الشوارد من الشواهد أو المفرد من الأدلة، وخير مثال علي ذلك قوله: لقد أجبر النبي محمد العرب الوثنية على التفكير و"الإبداع" بالشكل الذي يخرجهم عن مألوف ما تعودوه من صيغ الكتابة والتفكير. وشأن كل إجبار "متسام" اتخذ في بادئ الأمر صيغة الإمكان أو الاحتمال المعقول. وحالما تصبح الإمكانية واقعا مقبولا في التأمل والتفكر حينذاك يصبح الخروج على المألوف جزءا من العقل والإيمان. من هنا يمكن اعتبار استعدادهم على أن "يقولوا مثل ما يقوله" إقرارا ضمنيا بإمكانية وقبول الارتقاء عن تقليد الأسلاف، أي انه أجبرهم على الخروج من قيود العادة وأوهامها. وليس مصادفة أن يتوصل الفكر الإسلامي لاحقا للقول، بأن المعجزة هي "خرق العادة"، بمعنى الخروج عن المألوف. بمعنى الإبقاء على إمكانيتها بوصفها إبداعا ممكنا. بعبارة أخرى، ليست "المعجزة" ما هو مستحيل بالطبع، بل ما هو خارق للمألوف. وقد تمتعت هذه الفكرة بقدر هائل من الاستعداد للتغير والتجسد والبرهنة والتحقيق في مختلف الميادين. لكن الميدان الأكبر والأكثر جوهرية بالنسبة لمحمد كان يقوم في استبدال "الجاهلية" بالإسلام، والبرهنة على انه أمر ممكن بما في ذلك تحقيقه في مشروع كوني جديد (30).

كما راح " ميثم الجنابي" يعلق بين الفينة والأخرى، ويحاور القارئ ويشركه في الحوار، ويبدي غضبه أحياناً ممن يمس عقيدته أو ثوابته، حتي ليجعل بعض العبارات القرآنية لازمة تتكرر عنده كعبارة، كما نراها في الآية القائلة:{إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية، فانزل الله سكينة على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى}؛ وهنا يقول ميثم الجنابي:" إننا نعثر في هذه الآية على وداع رمزي للجاهلية، يتضمن في الوقت نفسه نفيها الشامل، من خلال نفي حمية الدماء بسكينة الروح، والجاهلية بالتقوى. كما نعثر فيها أيضا على تمثل فعلي سوف يظهر لاحقا في تحويل الجاهلية إلى مرحلة ضرورية بالنسبة للوعي الديني والتاريخي والثقافي، عندما أدرجتها الثقافة الإسلامية في فلك الإيمان والعقل والمعرفة والتاريخ، أي عندما حولتها إلى معيار الإدراك اللغوي الدقيق والحقيقي لمعان القرآن، وجعلت من نتاجها الأدبي نموذجا "كلاسيكيا" للمقارنة والاقتداء، بحيث جعلت من فضائلها الكبرى فضائل الإسلام نفسه. ولم يكن بإمكان هذا التحول أن يحدث إلا بعد تذليل الجاهلية بوصفها نموذجا وأسلوبا في التربية والفكر والسلوك والنفسية والقيم" (31).

كذلك يحسب للمؤلف قوله:" كان الحدس النبوي الأول لمحمد يقوم في تعلم قراءة الوجود وليس خطوط القلم. فقد كان الخطاب الأول من أعماق حراء أو من أعماقه يَصْبّ في هذا الاتجاه، بمعنى أن يتعلم قراءة الوجود بقلم "الإبداع الإلهي"، الذي خلق الإنسان وغرس في أعماقه مهمة تعلم ما لا يعلم. وليس مصادفة أن يطلق النبي محمد على وجود العرب آنذاك لفظة الجاهلية، بسبب عنادهم في الأعراض عن التعلم وبالتالي البقاء فيما كان وبَقى. وهذا هو  عين الجهل. وقد كان ذلك بداية ما يمكن دعوته بالجهاد الأول، أي تحدي الجاهلية بالفكر والفكرة، والذي نعثر عليه في اغلب الآيات القرآنية عن الدعوة للتفكر والتأمل والعلم والمعرفة عبر مخاطبة القوم والإنسان بشكل عام بعبارات "ذوي العقول والأفئدة".  الأمر الذي جعل فكرة المجاهدة في العلم مقدمة العمل بوصفها إرادة حية تجاه الحاضر (32) ؛ وأيضا قوله:" قدّم محمد في نبوته الإسلامية ديناً جديداً وتشريعاً خاصاً له رؤيته المتميزة تجاه كل الإشكاليات والقضايا التي واجهها في مجرى صراعه ضد الوثنية العربية أولا، ثم اليهودية ثانيا، والنصرانية ثالثا (33).

كما نجد " ميثم الجنابي" يجمل آراءه باختصار شديد وهدوء لافت، مدافعاً عن منهجه، مبرزاًً حقه في الجدل والنقاش ليس بغرض التجريح الشخصي، بل بحثاً عن الحقيقة العلمية، وفي إشارة من إشاراته الدالة النادرة يكبر المؤلف في صاحب المشروع اعتداده برأيه والجهر فيه بلا مواراة أو تمويه، مؤشراً إلي ضرورة أن علماءنا المعاصرين عن بنية معرفية تبني ولا تهدم، ومن ذلك قوله: صنعت الإرادة الفردية لمحمد شخصيته النبوية، كما صنعت شخصيته النبوية إرادة تاريخية أو طاقة تاريخية ثقافية كبرى وجدت تعبيرها وتحقيقها في الثقافة الإسلامية اللاحقة وحضارتها. بعبارة أخرى، لقد جعلت الإرادة الفردية المتسامية من محمد نبياً، بينما جعلت إرادته التاريخية الكبرى من النبي محمد رسولاً ذا رسالة وشريعة؛ وجسّدت الشخصية المحمدية وحققت فكرة الإرادة التاريخية، بوصفها الإرادة المتفائلة تجاه المستقبل، وذلك لأنها كانت منذ بداية النبوة مليئة باليقين. ونعثر على هذه الحالة النفسية والعقلية للإرادة المحمدية من ناحيتها الفكرية المجردة في ظهور عبارات "عين اليقين" و"حق اليقين" في الآيات الأولى للوحي القرآني. ووجد ذلك تعبيره العملي الدقيق والواضح والجلي والمستميت من أجل تحقيقه في العبارة العميقة والمباشرة التي واجه بها طلبات وتحديات قريش من أجل ترك النبوة والتخلي عنها: "لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أنْ اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" (34).

ويسرني في نهاية هذه القراءة أن أبارك للأستاذ الدكتور ميثم الجنابي  تأسيسه لموضوع جديد يهم الكاتب والمؤلف؛ خاصة وأنه يعد في نظري الفيلسوف العراقي الكبير الذي استطاع أن يكون له في كل الشرق والغرب صوت، وفي كل ناد رأي، وفي كل صحيفة بحث، حتي اشتهر أمره، وذاع ذكره في روسيا وسائر الأقطار الأوربية والعربية، وهو عالم بكل ما في هذه الكلمة من معني، وكاتبا، تملأ مقاله  من قوة الحجة آيات بينات، وسياسياً وطنياً، صادق العزم ما وقعت الغرامات ـ وأستاذا في فنه، لا تستعصي عليه منه المشكلات، وهو نعم الرجل الوفي، الذي يضحي في سبيل صداقته، ونعم الباذل للجهد والفكر في سبيل سعادة الوطن وسعادة بنيه. وهو من الرجال الذين تجدهم  من ثبات علي المبدأ، واستقلال في الرأي، وإدراك  لمعني الحياة الحرة البريئة، علاوة علي أن حياته تعد درساً بليغا لمن شاء أن يتعلم: يتعلم الصلابة في القومية، والإخلاص للوطن، والدفاع عن وادي الرافدين مسقط رأسه، ويفني في خدمة قومه، وفي خدمة وطنه.

لقد كان ميثم الجنابي عالما في الفلسفة، وحجة في السياسة، وكاتبا  حكيما،  وكان علي كثرة متاعبه، وتعدد مشاغله، وتنقلاته من ساحة إلي ساحة، ومن تخصص إلي تخصص، يختلس من الليل ساعات، ومن الراحة فترات .. وكثيراً ما كنت استشعر أنه كان صحفيا بطبعه وسليقته، فكم امتلأت الصحف بأخباره، وأفكاره، ونوادره، وتحفه، وكم نقلت عنه أروع ما ينقل عن الوطني، عن الفنان، عن المبتكر، عن المجدد  .. وتلك هي ثروة الأفذاذ العباقرة، كبار النفوس، كبار القلوب.

علاوة علي كونه يمثل شعلة وهاجة، وحركة دائمة، وعربيا صميما، وجرئياً صريحاً، لا يداهن ولا يرائي، يصدر عن عقيدة، ويعمل في غير جلبة، عرفه الكبير والصغير، ولمس فضله الوزير ورجل الشارع وهو والله صورة فريدة من صور الرجال، بعلمه وبيانه وعمله ووطنيته، فطر علي صفات نادرة، سيرته في مراحل عمره سيراً حفل معه بالطيبات، واتجهت قواه منذ صباه لخدمة المصلحة  العامة، وعمل علي هيئته في تواضع خال من التمجيد والتبجح، وما طلب العوض والمكافأة عما أجهد  نفسه فيه، ذلك  أنه كان متشبعاً بروح النهوض، ويعرف كيف يرضي ضميره بأداء فرض لا بد من قضائه. قل أن رأيت من أهل صناعة هذا الرجل العظيم من هضم علمه مثله، أو جمع إلي علمه معارف تمثلها، وهي ليست بحسب الظاهر من اختصاصه أو شارك في مسائل كثيرة مشاركة المستقصي الحصيف، لا مشاركة النتفة.

وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول بأن كتاب " محمد رسول الإرادة"، كشف لي بأنني إزاء نموذج نادر يصعب أن يتكرر، لمثقف واسع الثقافة، وكذلك لمفكر حر نزيه لا يقيم وزناً ولا يحسب حساباً إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا، أنه كان يقدم مادته العلمية فى أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق تجعلها أشبه ما تكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من دقتها الأكاديمية، ولهذا لم أكن مبالغاً حين قلت عنه في أحد مقالاتي بأن ميثم الجنابي نموذج كبير لـ "الفيلسوف والإنسان".

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

.........

(30) ميثم الجنابي: محمد رسول الإرادة، ص 114.

(31) نفس المصدر، ص 116.

(32) نفس المصدر، ص 131.

(33) نفس المصدر، ص 162.

(34) نفس المصدر، ص 172-173.

 

عبد الجبار الرفاعيبعد 24 عاما من عملها على بناء فضاءٍ للتفكير النقدي والنقاش والبحث في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، والخروج من تكرار الشروح والكتابات الوعظية والتبجيلية المكرّرة، استطاعت مجلة قضايا إسلامية معاصرة تخصيص 72 عددا من أعدادها الصادرة في سنواتها الماضية لدراسة الموضوعات المحورية في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد.

يصدر في بيروت هذا الأسبوع العدد الجديد 73-74 من مجلة قضايا إسلامية معاصرة. تخصّص المجلة هذا العدد للقسم الأول من دراسة: (مشكلة الشر – 1)، وتعمل على أن تستكمل البحث والنقاش في هذا الموضوع في العدد القادم، وربما في عدد ثالث يليه إن وجدت إسهامات جادّة بالعربية، أو موضوعات مترجمة من اللغات الأخرى.

2373 قضايا 1تقدّم هذه الدورية منجزَها هذا للأساتذة والباحثين وطلاب الدرسات العليا في الجامعات ومعاهد التعليم الديني والحوزات، وكلّ المهتمين بفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، عسى أن يتنبه الخبراء لدراسة هذا الموضوع، الحاضر على الدوام في الكلام  حول وجود الله وعلمه وقدرته وإرادته وأفعاله وعدالته.

كانت مشكة الشرّ ومازالت من القضايا التي لم يتعطّل فيها التفكر، يتساءل الناس عن الكوارث الطبيعية والزلازل والأعاصير والأوبئة وغيرها، يتساءل عن ذلك الناس بمختلف درجات وعيهم، وهكذا يتساءلون عن الظلم والعنف الذي يصدر عن الإنسان، واعتداء الإنسان على أخيه الإنسان، واعتداء الإنسان على الكائنات الأخرى في الأرض، واعتداء الإنسان على الطبيعة وتخريبها.

على الرغم من شدّة الحاجة لدراسة مشكة الشرّ، وفرض سؤال الشرّ لحضوره كسؤال ميتافيزيقي إنكاري معلن في أحاديث وكتابات بعض الباحثين والأساتذة والتلامذة، ومختبئ أحيانا لدى غيرهم من البشر. طالما أعلن السؤالُ الإنكاري عن الشرّ حضورَه بكلمات وعبارات لا تخلو من استغاثة وعتب واحتجاج على لسان الأمهات والآباء الذين يفجعون يفقدان أبنائهم، والناس الذين يتعرضون لمصائب ونكبات شتّى في كلّ المجتمعات.

2373 قضايا 2التأليف والبحث في موضوع الشرّ مازل فقيرا باللغة العربية، فلم نقرأ دورية فلسفية أو دينية عربية أفردت عددا لـ"مشكلة الشر"، ولم نقرأ كتابات جادّة تتناول الأسئلة الكبرى في هذا الموضوع الأبدي، ولم نعرف تخصيصَ ساعات في الدراسات العليا تهتم بدراسته فلسفيا ولاهوتيا وكلاميا. ظلّ هذا الموضوع للأسف مهملا في الدراسات العليا في كليات الفلسفة والكليات اللاهوتية والدينية، وغفل عنه أغلبُ التلامذة والأساتذة.

من هنا بادرت قضايا إسلامية معاصرة لدراسة هذا الموضوع، وانشغلت بالإعداد له منذ سنوات، كانت الصعوبةُ في ندرة الخبرة البحثية في مشكلة الشرّ بالعربية، لذلك هاتفت المجلة وراسلت باحثات وباحثين تحترم تكوينَهم الأكاديمي وخبرتَهم العلمية والبحثية في الفلسفة واللاهوت والأديان، وترجمت مادة وفيرة من لغات أخرى، ولم تصدر هذا العدد إلا بعد أن تراكمت لديها مادة وفيرة تغطي أكثر من عدد. بادرت قضايا إسلامية معاصرة لدراسة "مشكلة الشر"، بمداخل متنوعة: فلسفية، ولاهوتية، وكلامية، وأخلاقية، ودينية مقارنة، عسى أن نستمع لصوت يتحدّث لغة بديلة تحدّثنا بما لم نقرؤه من قبل. تعرب مجلة قضايا إسلامية معاصر عن امتنانها لكلّ المشاركين فيها من الكتّاب والمترجمين، ولكلّ من دعمها ووقف معها في مسيرتها الطويلة، وكلّ من اهتم بها وقرأها ونقدها.

2373 قضايا 3كما تعرب عن امتنانها لعائلة صبورة أنفقت جهودا منهكة، وكافحت لسنوات طويلة من أجل أن تفرض مجلة قضايا إسلامية معاصرة حضورَها النوعي للانتقال بالاجتهاد والتجديد لآفاق بديلة للتفكير الديني، تنتزعه من ركام الكلام المكرّر منذ قرون، والانسداد الذي أرهقه الأزمنة السابقة. وقد استطاعت أن تنجز شيئا من أحلامها في بناء حقل دراسات فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد بالعربية الذي دشّنته منذ ربع قرن تقريبا. قضايا إسلامية معاصرة نجحت في تدشين فضاء رحب للتفكير الديني، وسمحت لكتّابها بالبحث والنقاش بحرية في كلّ موضوع يتناولونه في الدين والدنيا، وإن كان ذلك الموضوع من الممنوع التفكير فيه.

تحية وامتنانا للأستاذة انتزال الجبوري، الأم، سكرتيرة التحرير، ومحرّرة النصوص الذكية.

تحية وامتنانا للدكتور محمد حسين الرفاعي، الابن، مدير التحرير، واستاذ علم الاجتماع والفلسفة اليوم في الجامعة اللبنانية والجامعة اليسوعية ببروت، والذي لولا جهوده منذ وقت مبكر من حياته لم تصدر هذه المجلة، ولولا إصراره على المضي في الطريق، لم تواصل مسيرتَها كلّ هذه السنوات الطويلة.كنا كلّما تعبنا من العمل المنهك وقرّرنا التوقف يرفض محمد حسين ذلك بشدّة، ويصرّ على المضي في الطريق مهما كانت العوائق.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

 

 

ميثم الجنابيوقد يكون تاريخ الروس نموذجيا من حيث كشفه عن الطبيعة النفسية للشعب الروسي. وقد استشهد دانيليفسكي بالفكرة التي بلورها أكساكوف عن "أن تاريخ الشعب الروسي هو حياته"1. واعتبرها فكرة عميقة يمكن وضعها في صلب تحليل الشخصية الروسية ونفسيتها. فإذا كان التغير والأحداث الكبرى عادة ما تجري في أوربا بطريقة الانفجار والقتال الشديد، فإن التاريخ الروسي يكشف عن حالة أخرى مغايرة تماما. فكل ما يحدث فيها لا يجري تحت ضغط عوامل خارجية، بل بأثر تراكمها في النفس الروسية. فما يحدث فيها هو بأثر ما سبقه من عملية داخلية بحتة غير مرئية وغير مسموعة في أعماق الروح الوطنية. انه يحدث حالما لا يقبل الروح الوطني ولا يرتضي بالنظام القديم للأشياء أو أحد جوانبه، أي حالما تتبين ملامح قصوره الواضحة بالنسبة للوعي الفعلي بحيث يجعله تدريجيا مثيرا للتقزز. وعادة ما يجري ذلك بصورة تدريجية. وحالما تبلغ هذه الحالة ذروتها حينذاك يجري استبدال القديم بالجديد. ويحدث هذا الاستبدال بسرعة مذهلة ودون صراع ظاهري. وعادة ما يبدو هذا الشيء غريبا بمعايير الرؤية الأوربية التي ترى الأشياء أو الآخرين بمنظارها فقط. من هنا استنتاجه القائل، بأن الأفعال التاريخية الأولية للشعب الروسي التي أرست أسس الدولة هي تعبير عن هذا الشخصية. وينطبق هذا على كل ما جرى من تحولات ورقي في مسارها التاريخي. وقدم مثال اعتناق النصرانية من جانب الروس كأحد الأدلة الكبرى بهذا الصدد. فقد كان اعتناق النصرانية عادة ما يجري، كما يقول دانيليفسكي، بثلاث طرق أساسية وهي أما بمساعدة المبشرين وعملهم الطويل، وأما عبر فرض المنتصرين لدينهم، وأما عبر اعتناق المنتصر دين المهزومين. أما بالنسبة لروسيا فقد جرت بطريقة أخرى تماما. إنها جرت بعد أن اعتنقها الأمير الروسي واعتقاده بتفوقها على الأديان الأخرى عبر البحث والجدل. وبعدها تبعه الشعب الروسي تقريبا بدون مقاومة. وما جرى في قلب الأمير فلاديمير لم يكن في الواقع سوى تعبيرا عما كان يدور في خلد الروس حينذاك بشكل غامض ومشاعر بمستواها، كما يقول دانيليفسكي. كما إن هناك الكثير من الأحداث والمشاهد التي تدل على ذلك. وقد استفاض دانيليفسكي بالحديث عنها. وبأثر ذلك توصل إلى أن أهم سمة تمثل الشخصية الروسية والتي تتجسد في أهم اللحظات الكبرى في حياته تكشف عن أن سلوكها لم يكن محكوما بالمصالح المادية على عكس ما هو مميز للتقاليد الأوربية الغربية أو الرومية الجرمانية. إضافة إلى أولوية مبدأ الانتماء العام للشعب الروسي ومن ثم تغليب المصالح العامة على المصالح الخاصة والأنانية.

لقد أراد دانيليفسكي القول، بأن النفسية الروسية هي بقدر واحد نتاج الشخصية الروسية، كما أنها أحد روافدها الأساسية. لقد تراكمت النفسية الروسية في مجرى المسار التاريخي للروس والدولة الروسية. إذ صنعت الجغرافيا الطبيعية الواسعة بتضاريسها الصعبة من الشخصية الروسية قوة عصية بالنسبة للتحكم بها من جهة، وانعدام حاجتها إلى التمرد والعصيان، من جهة أخرى. وإن حصيلة الأسباب والمقدمات التاريخية التي أدت إلى ظهور الدولة بوصفها المقدمة الضرورية لانتقال الكيان الإثنوغرافي إلى التجمع المدني تقوم في بلورة شخصيتها النفسية والذهنية والثقافية. وبالتالي، فإن النفسية الروسية المتراكمة في مجرى المسار التاريخي وصيرورة الدولة هي في الوقت نفسه نتاج هذا الكلّ الذي أسبغ عليها سماتها الخاصة التي لا علاقة لها بالتجارب الأوربية ونمطها الثقافي.

والشيئ نفسه يمكن قوله عما اسماه دانيليفسكي باختلاف الديانة (الارثوذوكسية) بين الروس والسلاف بشكل عام والديانة الأوربية (الكاثوليكية ولاحقا البروتستانتية). الأمر الذي يدفع إلى الأمام السؤال المتعلق فيما إذا كان هذا الاختلاف في المعتقدات الدينية كبيرا للدرجة التي يمكنه البرهنة على اختلاف النمط التاريخي الثقافي السلافي عن النمط الجرماني الرومي. وقد استفاض دانيليفسكي في تناول الكثير من أشكال وجوانب ومستويات الاختلاف التاريخي والثقافي الكبير بين هذه الديانات، رغم انتمائها للنصرانية العامة. وركز اهتمامه على الجوانب والأسئلة الأكثر أهمية كما يعتقد، وبالأخص قضايا الكنيسة والعصمة، وقضية العلاقة بين الكنيسة والدولة ومن خلالها علاقة الدين بالدولة. وتوصل في مجرى تحليله للاختلاف بين المفهوم اللأرثوذوكسي (السلافي) والكاثوليكي والبروتستانتي حول مفهوم الكنسية إلى أن الفرق الأساسي بين المبادئ الأولية التي أعتنقها الروس وأغلبية الشعوب السلافية وبين تلك التي تقوم عليها الحضارة الأوروبية، هو اختلاف كبير وهائل. ووضع هذا الاختلاف في عبارات تقول، بأن الاختلاف بينهما لا يمكن استيعابه بالمفهوم العام عن الحضارة النصرانية. فقد تعرض مفهوم الكنيسة في الغرب الأوربي إلى تشويه عميق رغم انجازاتها الكبرى في الدفاع عن النصرانية الحقيقية. لكن النصرانية الغربية مع ذلك قد وصلت إلى تناقض نظري وعملي لا يمكن التوفيق بينهما. ففي الجانب النظري تجري محاولات حثيثة من جانب البروتستانتية والكاثوليكية لاستبدال النصرانية بالعقلانية. أما في المجال العملي فتجري محاولة إزالة التناقض بين الدولة والكنيسة، أي بين الجسد والروح. وبهذا يكونوا قد سعوا، كما يقول دانيليفسكي إلى علاج المرض بالموت. بينما تعلّم العقيدة الأرثوذكسية، بأن الكنيسة هي المنقذ الوحيد. في حين سعت الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية إلى تدمير جوهر النصرانية. بينما لا حضارة حقيقية بدون النصرانية، أي لا خلاص فعلي بدونها بما في ذلك بالمعنى الدنيوي للكلمة، كما يقول دانيليفسكي. وهو الخلاف الجوهري في الديانة التي يعتنقها الغرب الأوربي وبين الديانة التي يعتنقها السلاف بشكل عام والروس بشكل خاص. من هنا اختلافهما في تطور النمط الثقافي.

وكما يختلف النمط الثقافي الأوربي عن السلافي في مجال الديانة، فإنهما يختلفان في المكون الجوهري الثالث، أي في المسار التاريخي للتربية أو التهذيب الذاتي. وينطلق دانيليفسكي في موقفه هذا من أن الفارق الأساسي بين العالم الجرماني الرومي (الأوروبي) والعالم السلافي يظهر أبضا في ميدان ومسار التهذيب التاريخي الذي حصل عليه كل منهما.

وربط خصوصية المسار التاريخي للتربية بالدولة، أي كيفية وخصوصية نشوءها وتطورها ومآثرها. وهي عملية تعكس أيضا مستوى الإدراك والانتماء العام للمجموعات أو الشعب بهذا الصدد. من هنا يمكن فهم السبب القائم وراء اندفاع الملايين للانتماء إلى الدولة والدفاع عنها. إذ كيف يمكن فهم سبب الانتفاضة التي قام بها الألمان عام 1813 ضد نابليون، لاسيما وأنها السلطة المستنيرة والقادرة على تقديم فوائد لهم أكثر من دويلاتهم الصغيرة والمتصارعة. والاجابة على هذا السؤال، حسب نظر دانيليفسكي، يقوم في أن هذه الفوائد التي كان يمكن للألمان الحصول عليها تبدو تافهة مقارنة بالشرف والحرية القومية. بل إن التاريخ يكشف عن أن التضحيات المتنوعة التي يقدمها رعايا الدولة للدولة تشير إلى أن أربعة أخماس هذه التضحيات لست لخدمة المصالح الشخصية، بل لخدمة المصالح الوطنية. كل ذلك اوصل دانيليفسكي إلى نتيجة اعتبرها أسّ التاريخ الذاتي للحضارة، أي فكرة وواقع الدولة. من هنا تشديده على الأهمية الوطنية للدولة، وأن كل شعب حالما يبلغ وعيه الذاتي، ولم يفقد بالتالي إدراك القيمة التاريخية لأصالته، ملزم بالحصول على دولته الخاصة. بمعنى أنه يجب أن يكون لكل شعب دولته. ولا تشكل هنا أهمية الاستثناءات الممكنة بهذا الصدد. ومن ثم لا ينبغي إيقاف القوة الصاعدة وقطع نموها الذاتي، عبر اخضاعها لمن هو أقوى منها.

لكن تحليل هذه القضية وتأسيسها النظري ضمن الفكرة العامة لصيرورة النمط التاريخي الثقافي، تهدف إلى كشف مضمون الفكرة القائلة، بأن التربية والتهذيب الذاتي الذي يميز صعود الأمم في دولها ومن ثم إمكانية إرساء أسس النمط الثقافي الخاص، هي عملية طويلة ومتداخلة. بمعنى أن المسار التاريخي للتربية هو أيضا مسار التهذيب الذاتي الذي يبلور شخصية الأمم. ومن ثم ليس النمط التاريخي الثقافي سوى الذروة التي تتمثل مكونات صيرورته الذاتية. من هنا تمايز التربية والتهذيب الذاتي لمختلف الأنماط بسبب تنوع واختلاف أو تباين تجاربها الذاتية. ومن اجل توضيح فكرته هذه انطلق دانيليفسكي، مما اسماه بالأنواع الثلاثة للإكراه التي ترافق صيرورة الدولة ومن ثم نمطها الثقافي، وهي كل من العبودية، والدِّية (الجزية)، والإقطاع. فالعبودية بسبب مضمونها وأسلوبها تؤدي في نهاية المطاف إلى استحالة بلوغ أهدافها، وذلك لأنها تفسد الاثنين العبد ومالكه. وقد تستمر هذه التبعية بأقدار مختلفة لكنها تدمر إمكانية تأسيس الحرية المدنية الحقيقية في هذه الدول. أما تبعية الجزية التي تحدث بأثر سيطرة شعب على آخر دون أن تفرض عليه نمط حياتها وقيمها. ولهذا النظام أشكال وأثقال مختلفة. وعموما يؤثر بشكل عميق على الوعي الذاتي للناس. أما الإقطاعية التي يتناولها دانيليفسكي بمعنى أوسع من مجرد حصرها في نمط اقتصادي اجتماعي معين، فقد وجد فيها نظاما مأخوذا أو منقولا من بقايا الإمبراطورية الرومانية. فبعد أن غزتها القبائل الجرمانية جرى إدخال هذا النظام إلى الشعوب التي استطاعت إنشاء دولها متأثرة بالمبادئ الرومانية كما نراه في حالة ألمانيا. وعادة ما يجري ربط صعود هذا النظام واستتبابه بشخصية شارلمان الذي قام بتوزيع ممتلكاته على أعوانه مقابل أداءهم بعض الواجبات العامة. وهذا بدوره لم يكن إلا إضفاء الشرعية الرسمية على ترتيب الأشياء التي نشأت في الغالب بأثر الغزو والفتح. وإلى جانب الاضطهاد الإقطاعي ظهر نوعان آخران، كما يقول دانيليفسكي، مؤزران له وهما كل من قمع الفكر واضطهاد الضمير تحت الاستبداد البابوي (الكنيسة). وتحت هذا الظلم الثلاثي للفكر والضمير والحياة حدث الانتقال إلى عالم القرون الوسطى في أوربا.

وفي مجرى تحليل مسار التربية أو التهذيب الذاتي المتراكم في مسار التجربة التاريخية الأوربية يشير دانيليفسكي إلى أثر الحروب الصليبية، التي اظهرت جميع القوى الاجتماعية للعصور الوسطى وجعلتها تلامس الحضارة العربية منذ بداية القرن الثالث عشر. حينذاك أخذت تظهر ملامح الثقافة التيوقراطية الأرستقراطية. وهي الفترة التي ظهرت فيها الطبقات الاجتماعية الجديدة لتحل محل العبيد الأثينيين والرومان. وأدى المسار الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في أوربا إلى الشعور الأول بضرورة الإطاحة بالسلطة في مجال التفكير الذي حصل على تسمية عصر النهضة (القرن الخامس عشر). وبأثر هذا الفكر النشط والفعال أطيح بالاضطهاد الديني الذي ترافق مع زمن الإصلاح الديني (القرن السادس عشر). بينما كان القرن السابع عشر هو قرن هيمنة ما اسماه دانيليفسكي بالقوى الخلاقة التي شكلت الضمانة الذاتية لتطوير نمط تاريخي ثقافي أوروبي خاص، رغم أن هذا القرن كان مجرد وقفة في الحركة الأوروبية العامة. واستكمل القرن الثامن عشر هذه الدورة بالإطاحة بالنير الثالث، نير الاقطاعية، الذي انجزته الثورة الفرنسية. وما بعدها جاءت المرحلة الثالثة من التطوير المتناسق التي جعلت من التقدم والإبداع مسارا بلا حدود ولا نهاية. ووجد كل ذلك انعكاسه في جميع ميادين الحياة الفردية والاجتماعية والقومية والأوربية ككل. وتميز مسارها ومن ثم تربيتها الذاتية في بلوغ حالة كسر الاسوار والقيود أيا كانت، والتي وجدت ذروتها في المعارك الاجتماعية العنيفة في شوارع المدن الأوربية عام 1848. وقد كانت تلك بداية النهاية.

مما سبق يتضح، بأن دانيليفسكي أراد القول، بأن الشعوب الأوروبية قد مرت بطرق ملتوية ومعقدة من اجل بلوغ الحرية. واستطاعت الفضائل الأخلاقية للشعوب الأوروبية من مواجهة مختلف أصناف البلاء، ونجحت في تحمل أوزاره. وبأثر تحليله واستعراضه لمختلف مظاهر ومستويات هذا المسار التاريخي، توصل إلى استنتاج عام يقول، بأن المسار التاريخي للتربية الذاتية للدول الأوروبية وخصائصها التي تراكمت عبر مرورها بأنماط التبعية والخضوع قد كشف عن أنها لم تفقد صفاتها الأخلاقية التي جعلتها قادرة على استبدال الإرادة القبلية البدائية بالحرية المدنية. إلا أنها ما زالت تعاني من التعاسة التي لازمت مرورها بمرحلة الإقطاع والتي حرمت الجزء الأعظم منهم الأرضية اللازمة لهذه الحرية ألا وهي الحق في الأرض التي يعيشون عليها. ونفس الشيء بالنسبة لمرحلة ما بعد الاقطاع، أي المرحلة البرجوازية ونظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وقيمه الجديدة. وربط دانيليفسكي ما اسماه بفقدان الأساس المادي للحرية المدنية بسبب فقدانهم الأساس المعنوي لهذه الحرية والحياة بشكل عام، وبالأخص بعد أن بنوا معتقداتهم الدينية على أساس خرب لما يسمى بالعصمة البابوية، أو على التعسف الشخصي للبروتستانتية. أما الآثار المترتبة على هذه الكذبة الدينية فإنها تؤدي بصورة مستمرة إلى نتائج يصعب السيطرة عليها. وقد كانت إحدى النتائج الجلية بهذا الصدد تقوم في ظهور واحتدام الجدل السياسي واندفاعه صوب المقدمة. لكنه جرى قمعه من خلال توجيهه صوب المسألة القومية.

لقد أراد دانيليفسكي القول، بأن جميع الأحداث السياسية الناجمة عن التطور الأوربي لم تكن مرتبطة مباشرة بالسلاف. كما أن السلاف لم يلعبوا فيها دورا في ما يخص قضايا العلم وتحرير العقل من سلطة الهيبة والتقليد. وإن نتائج هذه الحركة تصب وينبغي لها أن تصب في مصالح السلاف، وكذلك جميع الدول الأخرى بشكل عام. 

 

ا. د. ميثم الجنابي

.............................

قنسطنطين سيرغيفيتش أكساكوف (1817-1860) أحد المفكرين الروس الكبار. وينتمي في أصوله لعائلة علمية وثقافية كبيرة. فقد كان ابوه كاتبا شهيرا. أما اخوه ايفان سيرغيفيتش أكساكوف فقد كان أيضا أحد كبار الفلاسفة الروس. وتربى منذ الطفولة بروح الانتماء للنزعة الروسية. درس في الجامعة الإمبراطورية في موسكو في قسم الأدب. وبرز في مجال الأدب والشعر منذ وقت مبكر. بحيث وصفه بيلينسكي الناقد الأدبي الكبير، بانه شخصية ذو موهبة شعرية فريدة. اهتم بالفلسفة الالمانية. وتأثر بالنزعة السلافية بعد لقائه بالمفكر والشاعر الكبير اليكسي خومياكوف وإيفان كيريفسكي. واستعمل نتاج الثقافة الفلسفية الأوربية باتجاه تأسيس الفكرة السلافية تجاه القضايا الاجتماعية والسياسية والجمالية، متأثرا اساسا بفلسفة هيجل. وقد ساهم اكساكوف في توسيع مدى الفكرة السلافية الروسية من خلال دعوته إلى بناء علاقات إنسانية بروح "المسيحية الحقيقية" التي بقت على نقاوتها بين المجتمعات السلافية بشكل عام والروسية بشكل خاص. وبالتالي، فإن الشعب الروسي يمكنه أن يكون حامل الفكرة المتجانسة بين العالم المادي والروحي، على خلاف الثقافة الأوربية العقلانية المادية. وهو أول من بلور فكرة كون الشعب الروسي هو "شعب الله المختار" في الثقافة الروسية ذات النزعة السلافية، انطلاقا من اعتقاده بأن الانسان الروسي هو نصراني بطبيعته. واعتبرها صفة مغروسة فيه قبل اعتناقه للنصرانية. وكانت شخصيته تجسيدا وتحقيقا لما يقول من مفاهيم ويصدره من مواقف بما في ذلك في عيشه وملبسه. واعتبر التأثر بأوربا وتقليدها تخريبا للروح الروسية، من هنا انتقاده أيضا لسياسة بطرس الأول الذي أراد أن يجعل من روسيا عجينة يمكنه من خلالها صنع شخصيات ألمانية! دافع عن النظام القيصري وحقه في فرض سيادته مع الاحتفاظ بحق الفرد والمجتمع بحريته في المجال الروحي. لقد كان مدافعا متحمسا وصادقا عن المصلحة الوطنية الروسية ولكن بمعايير الروح والإخلاص الأخلاقي.

 

 

محمد لمعمر"ففي الدولة يظهر المواطن مشخصا بكل مقوماته الذاتية، وله مكان فيها يبدوا وكأنه خلية في بناء هذا الجسد الكبير لا تعرف له ذاتية، فهو خيط من الخيوط الكثيرة المتلاحمة التي تكون منها هذا الجسد[...] إذا؛ كل من المواطن والدولة مكمل للآخر، فلا تكتمل حقيقة المواطنة لدى المواطن بدون دولة ولا تتشكل دولة بدون تواجد المواطنين الذين هم لبها الحقيقي". روسو: في العقد الاجتماعي، ص 85.

الومضة الأولى: استهلال

يمثل الباحثان دومنيك شنابر وكريستيان باشولييه امتدادا نوعيا للمفكرين الحقوقيين الذين عملوا على القيام بحفر جينيالوجي لمفهوم المواطنة، بحيث فككا مفهوم المواطنة، بوضعها في سياقها التاريخي، ووصلها بالفكر الديموقراطي الحديث المميز للحداثة السياسية والقانونية. فأسسا قولا حول أصول وأسس المواطنة، ومبادئ الحداثة السياسية والفردانية الديموقراطية، حيث الربط الجدلي بين التقدم الاجتماعي والاقتصادي والحقوقي والقانون وميلاد الحداثة السياسية كفكر وممارسة، حداثة معبرة عن قوة العقل، في انتشال النفوس الآدمية من عالم الاحتراب والصراع إلى عالم التعايش والمواطنة العالمية. فالدعوة إلى إرساء ثقافة المواطنة يتطلب من وجهة نظر الباحثان ديموقراطية تربوية وتعليما ناجعا وفعالا، يأخذ بعين الاعتبار مختلف الوضعيات التي يوجد عليها المواطن، وضعية يجب بالضرورة أن تكون موشومة بالوعي والإرادة والقدرة على الاختيار، في أفق تعزيز ثقافة الانتماء. فالديموقراطية والمواطنة وحقوق الانسان بمختلف اشكالها، تشكل وحدة منسجمة ومتكاملة لا تقبل التجزيء، وتلك نظيمة فكرهما وأنسوجة نظرهما، حيث الرؤية العميقة في الطرح والمعالجة، والميل إلى التريث وعدم التسرع في إصدار الأحكام وتوزيع الفهومات، منبهان، إلى أن المواطنة ليس مجرد أحلام طوباوية من فعل المخيلة، ولكنها ممارسة واقعية معها يتبدى الفعل والسلوك والتصرف وحيازة الحقوق في العالم المعيش، كالحق في التنقل والتعبير الحر عن الرأي، بدون قمع أو تعذيب أو تعنيف أو اعتقال. تعزز ذلك بالحقوق الذاتية كالحق في السكن، والحق في السعادة.

إن الباحثان يتقمصان دور الرائي الذي يستشرف مسار وصيرورة المواطنة من الاغريق إلى الأزمنة الحديثة، مؤكدان على أن المواطنة رغم تأسيسها على مبادئ الديموقراطية، إلا أنها سهلة الانعطاب بسبب غباء نظام سياسي، وظلم استبداد حاكم. معنى ذلك؛ أن المواطنة معرضة لعدة شوائب، وأمامها غياهب وغياهم ومهامه، تمس جذورها نتيجة أفعال لا إنسانية، كالعنصرية والعنف، لذلك، فالمواطنة لا تتأسس على فكر ماضوي مضى، ولا على الخيالي والطوباوي، وإنما على فكر واقعي، مؤسس على صخور صلبة، وليس على رمال هشة ومتحركة، مع ضرورة تجذير ثقافة المواطنة في المقررات التعلمية وصياغة القوانين الصارمة، والتعاقدات المعقولة، الخالية من الميولات الإيديولوجية النفعية.

وكأني بالباحثان يلهجان بضرورة إرساء دعائم ثقافة ديموقراطية حقانية تؤمن بالتعددية السياسية، وتحفظ الكرامة الإنسانية، وتنهل من فكر التسامح الأسس والمبادئ. وتحقيق ذلك، يتطلب الجمع بين تربية واعية وسلطة حاكمة وعادلة، وقوانين تحقق المساواة والإنصاف وتكافؤ الفرص. وعليه، فصاحبا الكتاب- قيد الدراسة- أسسا رؤيتهما بالانفتاح على روافد معرفية متعددة، كالانفتاح على علم السياسية والفكر الفلسفي النقدي خاصة مع الماركسية، والمقاربة الاجتماعية خاصة مع اميل دوركايم، لفهم عمق ثنائية الأفراد والمجتمع. بهدف تعميق النظر حول المواطنة كمفهوم مركزي في أطروحتهما مستحضران المفاهيم المجاورة والضرورية كالسياسة، والحقوق، والدولة، والديموقراطية، والمجتمع، والأفراد، والأمة، والتعددية الثقافية.

فما أحوجنا نحن العرب والمسلمين إلى أطروحة الكتاب حول مفهوم المواطنة، خصوصا في زمن التوترات السياسية، وبروز الطائفية والعشائرية خاصة في العراق ولبنان واليمن، والاعتقالات اللاقانونية لرجال الصحافة، وتلفيق التهم المجانية والتشهير بمن يخالف السلطوية سياستها، فمن الواجب إعادة النظر في مفهوم المواطنة. ولا عيب في ذلك، مادام الحديث عنها يدخل في باب المتاح للبشرية بلغة عبد الله العروي، ولأننا لسنا بدعا من الأمم والشعوب والحضارات، فمن حق العقل العربي أن يؤسس قولا حول المواطنة يتماشى والهوية والتاريخ والواقع، شريطة عدم الانغلاق على مفهوم الهوية، وفي نفس الوقت يكون منفتحا على الكوني والعالمي، لخلق منظومة فكرية عربية، لترسيخ ماهية الحقوق وكينونة المواطنة. نحتاج إلى التفكير الحقوقي الجماعي في أسس وشروط ومقومات المواطنة المغربية في ظل أزمة كوفيد 19، حيث صار الحق في الحياة مقدم وبقوة على جميع الحقوق، ففهم المواطنة لحظة تاريخية للوقوف على أعطابنا وأمراضنا الاجتماعية والسياسية والحقوقية والقانونية، والوعي العميق بعلاقة الدولة بالمواطن، والمواطنة بالتراث، والعلمانية بالمواطنة، والمواطنة وجدل الدين والدولة، الدين والسياسة.

الومضة الثانية: ماذا عن الكتاب؟

إن الناظر الممعن في كتاب ما المواطنة؟ يلف نفسه أمام كنز سياسي وحقوقي من 365 صفحة مقسم إلى أربعة فصول كبرى، خصص الفصل الأول للحديث عن الحداثة السياسية في الزمن الحديث وعلاقتها بالمواطنة، والفصل الثاني تطرق لأهم الانتقادات التي وجهت للثورة الفرنسية والفكر الثوري المتطلع لبناء المواطنة على مبدأ سيادة الفرد واستقلاله فكرا وعملا، على حساب المجتمع. بينما الفصل الثالث عالج مسألة المؤسسات الضامنة للمواطنة، وقضية الدولة الحامية ومسألة الشرعية السياسية وأصل السلطات. والفصل الرابع تم فيه النظر لمسألة الفردانية الديموقراطية. وكيف أن تضخم الحقوق الفردانية، يؤدي إلى إعادة ترتيب دور المؤسسات وتفكك الروابط الاجتماعية. وأخيرا الفصل الخامس الذي اثار قضية المواطنة في علاقتها بالأمة والحقوق الثقافية للفرد والجماعة. لهذه المعطيات يمكن القول إن الباحثان حاولا معالجة القضايا الآنية:

- في الأزمنة الحديثة صارت الأمة هي مصدر السلطات، ومعها تجذرت المواطنة فكرا وحقوقا وحريات. فمبدأ الشرعية السياسية مستمد من الأمة عن طريق الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية، بهدف ترسيخ مواطنة على أسس قانونية وعقلية وتعاقدية، بعيدا عن شوائب الطائفية والعشائرية.

- المواطنة الحديثة تتأسس على ضرورة حياد الدولة تجاه الطوائف والمعتقدات الدينية، فالمواطنة تنبني على مبادئ لا دينية ولا عرقية. خصوصا وأن المواطنة أنواع متعددة، فهناك المواطنة الإنجليزية التي تختلف عن المواطنة الفرنسية، اختلاف الديموقراطية التعددية عن الديموقراطية الأحادية، واختلاف الشروط والظروف الاجتماعية والتاريخية ومكانة التراث الموروث، وعلاقة الفرد بالمجتمع.

- جذور المواطنة فلسفي حيث النقاش حول أصل الحقوق، طبيعية أم تعاقدية، بموجب ذلك صارت المواطنة حقوق وواجبات وانفتاح المواطنين على بعضهم البعض، لذلك، يتم الحذر الشديد من الفردانية المتطرفة التي هي بنت الثورة الفرنسية.

- المواطنة تتجلى في الديموقراطية التمثيلية والمؤسسات السياسية والاجتماعية، والحقوق الثقافية، ووجود الدولة الحامية، والقوانين العادلة الضامنة لحق كل مواطن في التصويت والاختيار الحر. مع ضرورة الفصل التام بين السلط، تبعا لنظرية مونتسكيو.

لا شك أن المقاربة المنهجية ضرورية لفهم المحتوى الفكري والمضمون المعرفي لأي عمل، والكشف عن المسالك المنطقية التي طبقت في الكتاب وعبر مختلف الفصول، ومن يقرأ الكتاب بوعي وتبصر، يجد نفسه أمام كتابة شديدة الاتساق، عظيمة التنسيق، تفكيكها يتطلب التوسل برؤية معينة للكشف عن المعاني والدلالات الثاوية خلف الألفاظ، حيث يظهر الاستدلال العقلي والبرهان المنطقي والشواهد التاريخية الكثيرة من الإغريق إلى العصور الحديثة، لتدعيم الرؤية وتقوية التصور، ولا شك في ذلك، لأن قضية المواطنة مشوبة بشوائب التبدل والتغير، توسيما واعتبارا واستشكالا. لذلك، فتفكيك المواطنة يتطلب التوسل بمقاربات فلسفية واجتماعية وسياسية، ولا نبتذل القول هنا، إن قلنا إن الباحثان نهلا من العلوم الرياضية بعض القواعد وعملا على تطبيقها تصريحا وتلميحان مثل الاستنباط الفرضي، الذي يتجلى في الانتقال من العام إلى الخاص، فهما يفككان المواطنة بشكل تدريجي ليصلا إلى إثبات فكرة تتجلى في ضرورة وجود ديموقراطية سياسية ودولة حامية وثقافة قانونية رصينة. وعليه، فالرؤية المنهجية يمكن تقسيمها إلى عدة ابعاد:

1-البعد الفلسفي- الاجتماعي، يتمثل في الحضور المكثف لمجموعة من المفاهيم الفلسفية والاجتماعية، كالحرية والحداثة والمجتمع والدولة والأفراد والمواطن... في أفق فك الاشتباك بينها.

2-البعد النقدي: (الهدم والتقويض)، يتبدى ذلك في عرضهما للنقد الماركسي حول الدولة البرجوازية، المستغلة للدولة والعمال، وعلاقة ذلك بنشوء المواطنة البرجوازية حيث التمييز بين من يملك ومن لا يملك، وعدم إحداث تماهي بين العامل والمواطن. فماهي انعكاسات الحداثة السياسية على مفهوم المواطنة في الأزمنة الحديثة؟ وما هي أسس ومبادئ الشرعية السياسية والمواطنة؟ وما مصدر السلطات؟ الملك كذات مستقلة أم سلطة لاهوتية أم مجموع المواطنين؟ وإذا كانت المواطنة تتحدد بثنائية الحق والواجب، فماهية ضمانة حيازة المواطنين لحقوقهم؟ وما الروابط بين المواطنة والدولة والديموقراطية والأفراد والمجتمع؟ وهل المواطنة كفيلة بتحقيق التوازن بين متطلبات الذات المستقلة ومطلب الاندماج في المجتمع احترام الفضاء العام؟ وماهي انعكاسات الفردانية الديموقراطية على المؤسسات التقليدية والقوانين العامة والحقوق الثقافية؟

فخذ بنا إلى المضامين الفكرية والمحتويات المعرفية.

المحور الأول: الحداثة السياسية، والأراضي البكر للمواطنة

يتحدث الفصل الأول عن الحداثة السياسية التي هي سمة الأزمنة الحديثة، بعبارة هيغل، حداثة تجلت في التغيرات السياسية والاجتماعية والحقوقية، التي رافقت الثورة الأمريكية حيث ميلاد الديموقراطية التمثيلية، والثورة الفرنسية التي أحدثت تغييرا بموجبه تم التمييز بين العصر القديم والحديث، رغم استمرارية حضور القديم في الحديث، فنشأة الحداثة أفضت إلى تشكل مجتمع جديد، سمته، المواطن والمواطنة. هذه الاخيرة صارت هي أساس ومناط الشرعية السياسية، تنظيرا وعملا، تبدى ذلك في المادة الثالثة من إعلان حقوق الانسان، حيث الأمة هي مصدر كل سلطة [1]. ففي في السابق خاصة في العصور الوسطى كانت السلطة تستمد من شخص الملك، كذات مطلقة في مقابل الشعب أو الجمهور الذي هو عبارة عن موضوع، هذا المنطق تبدل وتغير ببزوغ الفجر الرائع لشمس الحداثة السياسية.

صارت الأمة هي مصدر السلطة، والاعلان العالمي لحقوق الانسان، ما هو إلا شعارات لترسيخ مبدأ سيادة الشعب، وأنه مصدر السلطات، حيث أصبح بالإمكان أن يعبر الشعب عن حريته وحقوقه، ويحتج على الظلم الذي يتعرض له، ويصوغ العرائض للمطالبة بحقه، فالحداثة السياسية إعلان عن ميلاد جديد لجملة من المفاهيم السياسية، كالمواطن والمواطنة، والشعب، وتجذير الدور المركزي للشعب باعتباره أصل ومنبع السلطة، رغم ميل بعض الأنظمة إلى المحافظة عن سلطتها التقليدية، وجعل الممارسة السياسية للسلطة من صميم عمل الحكومة. (لا يوجد دستور وإنما حكومة... فكل سلطة مصدرها الأمة... وكل السلطات مصدرها الشعب) [2].

إن الحداثة السياسية أدت الى إعادة النظر في طبيعة الحياة السياسية، فأساس الشرعية ليس الملك أو سلطة متعالية بعيدة عن الانسان، وانما أساسها الفرد، الأمر الذي افضى إلى نقاشات سياسية حادة وعميقة حول أصل السلطة. هل مصدرها الفرد المستقل أم الملك كمصدر تقليدي لكل سلطة أم أن مصدرها مجموع الأفراد؟ وما مكانة مفهوم المواطنة من كل تلك التغيرات؟

يؤكد الباحثان أنه رغم ظهور مفهوم المواطن كفاعل سياسي واجتماعي مشارك في إدارة الشأن العام، الا أن ميراث الملكية لم يختفي من الحياة السياسية، خصوصا في ظل إعادة تأسيس الهيئات السياسية عام 1789، وجعلها مستقلة في عملها، وترسيخ عملها عن طريق منهج سياسي محكم وممنهج، معنى ذلك أن العالم السياسي الجديد جعل الملوك في أوروبا خاصة في فرنسا، يعيدون ترتيب علاقة الإداري بالسياسي عن طريق تدعيم فكرة استقلالية الهيئة السياسية، بعيدا عن شخص الملك، بما في ذلك ضرب عرض الحائط امتيازات كبار الاقطاعيين و وسطوة الكنيسة[3]. وما ساعد على ذلك تأسيس رجال القانون لهيئتي الملك، وهي هيئة مستوحاة من التركيبة الوجودية للسيد المسيح، وبموجبها يقال بحق الملوك الإلهي، هذه التصورات خضعت لنقاش عميق وتم تجاوزها، بناء على شعار: مات الملك، يحيا الملك، غير أن الملك أقر استمرارية تلك الهيئة، وفي هذه الحالة فمصدر السلطة هو الملك، تصورات لم تعد مؤثرة في زمن الثورات والحداثة السياسية، التي أدت إلى تغيرات جذرية على مستوى الفهم والممارسة، وإعادة توطين مفهومي المواطن والمواطنة، وفق أسس سياسية جديدة.

الأمة/ الشعب/ مجموع المواطنين هي مصدر السلطة، ذلك هو شعار الحداثة السياسية وما ترتب عنه من ممارسات سياسية كتجاوز المصالح الخاصة، بحيث لم يعد المواطنين مجرد أفراد ملموسين متسمين بأصولهم التاريخية ومعتقداتهم الدينية وانتماءاتهم الاجتماعية، والتي تحدث التمايز والتفاضل في بعض الأحيان، وإنما أصبحوا مواطنين متساوين في المواطنة. هذه الأخيرة هي المبدأ الذي ينصهر فيه الكل، إنها المساواة المدنية والقانونية والسياسية، فالمواطن ليس ذات منغلقة ومتمركزة على ذاتها، وإنما ذات منفتحة داخل في علاقات تواصل مع الأخرين. انتماءه لفضاء اجتماعي ليس على أساس العرق أو الدين أو التاريخ وإنما المواطنة [4]. فالمواطن له خصائصه وخصوصيته التي تميزه، لكنه أيضا مندمج في المجتمع، غايته تكوين مجتمع المواطنين، في أفق بناء حياة سياسية واجتماعية وحقوقية مشتركة.

المواطنة الحديثة مرتبطة بالنظام الاجتماعي الجديد، الذي هو الأخر انعكاس للنظام السياسي، والمحدد سياسيا بمجموع المواطنين الذين يكونونه، معنى ذلك، أن ثنائية الخاص/ حياة المواطن الخاصة، والعام/ المجتمع، صارت الميسم البارز للحداثة السياسية وللمواطنة كفعل جماعي، وكل حديث عن المواطن في ثوبه السياسي والحقوقي يقتضي بالضرورة الحديث عن ثنائية الخاص والعام، علما أن الخاص يشير إلى حرية الأفراد في حالة اختلاف، بينما العام فهو التساوي في حقوق المواطنين [5]. بدون تفضيل أو تمييز، فجميع المصالح كانت تابعة للمصالح الخاصة، وفي ذلك انغماس في ذاتية الانسان، واعتبار الذاتية أساس الحق والفعل والحركة وبموجبه، نال بعض المواطنين حقوقهم بوصفهم مواطنين وحرمت البقية من ذلك، لكون بعض ليسوا مواطني المواطنة التامة، لأن المواطنة محددة بالمواطنين النشطاء، وعلى الجميع أن يبذل جهدا عقليا واجتماعيا للوصول إلى المواطنة وحيازتها حقيقة لا وهما [6]. فماذا عن الشخص الغير القادر على الوصول إلى درجة المواطنين النشطاء؟ هل تسلب منه المواطنة؟ وما علاقة ذلك بالشرعية السياسية؟

1- المواطنة والشرعية السياسية

إن مبدأ الشرعية السياسية مستمد من الامة ومن الشعب ومجموع المواطنين النشطاء، وهو مبدأ رسخ ضرورة الفصل بين الكنيسة/الدين والسلطة السياسية، أو ما يمكن الاصطلاح عليه بالفصل بين السلطتين الروحية ممثلة في الكنيسة، والزمنية المتجلية في الدولة، فصل تم نتيجة قيام البشر بتأسيس وتنظيم أنفسهم كسلطة سياسية، وصاروا مصدر السلطة لا الكنيسة[7]، علما أن مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة ليس جديدا هنا، فقد سبق لجون لوك أن قال بذلك داعيا إلى جعل الدولة محايدة بغاية ترسيخ ثقافة التسامح حيال جميع الأديان والمعتقدات، والخروج من عالم الاحتراب والتقاتل حول من يملك الحقيقة الدينية والدخول إلى عالم الاحترام والتسامح واستضافة الأخر في الوجود. فالمواطنة تقتضي توطيد دعائم ثقافة التسامح والحوار والايمان بالاختلاف، وفصل الكنيسة/ الدين عن الدولة، والاحتكام إلى العقل لا على المعتقدات الدينية التي تؤدي على الاحتراب، وادعاء حيازة الحقيقة والفهم الصحيح لقضايا الدين.

أساس المواطنة الحديثة يجد نقطة ارتكازه في حياد الدولة تجاه جميع الطوائف والمعتقدات الدينية، بغية خلق عالم التسامح، وعليه فمبدأ فصل الكنيسة/ الدين عن الدولة، يعني في الصميم حديث عن ثنائية الديني والسياسي، ثنائية تشي بوجود واقع مريب موشوم بتداخل الديني والسياسي في أفق إعادة تنظيم الحقل الديني بتنظيم الكنائس/ الدين، وتحديد أدوراها الدينية والدعوية والأخلاقية وإبعادها عن السياسية، هذه الأمور ضرورية (لإدارة المجتمع الديموقراطي) [8]. ولا شك أن الحداثة السياسية لعبت دورا كبيرا في التأسيس لمواطنة حديثة، لأنها خطاب فكري عقلاني غايته الفصل بين النظامين الديني والسياسي. لكن، هل يستطيع الأفراد الذين لا يتأطرون ضمن دين واحد أو أكثر، الاجتماع وتنظيم وجودهم السياسي والاجتماعي والحقوقي بناء على أسس أخرى غير الدين؟ علما أن الدين في جوهره وسيلة لخلق روابط عقدية وأخلاقية تمتد إلى ما هو اجتماعي؟ بمعنى أخر أكثر وضوحا، هل يمكن قيام المواطنة على أسس لا دينية ولا لاهوتية؟

إن التساؤلات السابقة مرتبطة بالإقرار بسيادة المواطن، ومدى قدرة الأفراد على تحقيق المواءمة بين الاستقلال الذاتي للفرد والفروض والالتزامات الجماعية، خصوصا في ظل الضغوط الجديدة الملتصقة بالمجتمع الحديث، حيث كانت المناداة بتحرر الفرد. وهناك توجه ثان يرى بضرورة تقوية الجبهة الاجتماعية والجمعية لمواجهة المخاطر الناتجة عن ازدهار استقلالية الفرد لتدعيم الأعراف الاجتماعية وتماسك المجتمع [9]. نقاش سياسي عميق تم داخل المجالس الثورية ووفق حلقات (حيث تمحورت الأولى حول حقوق الانسان والمواطن أو بعبارة أخرى حول الحقوق الطبيعية والسياسية، والثانية الحقوق والواجبات. أما الثالثة، فدارت حول تنظيم المؤسسات السياسية والتمثيل) [10].

الاقتصار على القول باستقلالية الفرد، لإنشاء قول حول المواطنة، معناه، الانتصار للحقوق الطبيعية السابقة عن الوجود الاجتماعي المنظم بالقوانين، وذلك هو موقف أنصار الحق الطبيعي كجون لوك، وبالنسبة لهم الطبيعي يسبق المدني إلى درجة القول بأن حقوق المواطن تستنبط من حقوق الانسان باعتباره بشرا. وعلى الضد من ذلك يرى أنصار الحق المدني أن الحقوق الطبيعية هي النتيجة المترتبة منطقيا على الحقوق المدنية [11]. فالمسألة هنا، دائرة حول التأسيس والأسبقية، هل الطبيعي سابق عن المدني ويجب التأسيس عليه أم العكس؟ والملاحظ، أن مفهوم المواطنة أفضى إلى الحديث عن مفهوم المواطن الذي هو بالضرورة ذات طبيعية يجب التفكير فيها أولا، وذلك بمعرفة حقوقها الطبيعية التي كانت تتمتع بها قبل بزوغ فجر المجتمع المدني المنظم.

بناء على ما سبق يمكن القول، أن فكرة المواطنة لها جذور فلسفية وسياسية، تمت في إطار نقاش عقلاني حول أصل الحقوق الإنسانية، هنا يرى روسو أن حقوق المواطن هي التي تؤسس حقوق الانسان، بمعنى أن تحديد المواطن كذات طبيعية مندمج داخل المجتمع يؤدي إلى تشكل الحقوق، لأن الانسان لا وجود و لا قيمة له كإنسان، خارج المجتمع، فهذا الأخير هو الذي يمنح للمواطن حقوقه، ويحدد وضعيته السياسية والاجتماعية، عكس انصار القانون الطبيعي، فبتأكيدهم على الأسبقية الانطولوجية للإنسان، على المواطن، يرسخون مبدأ حرية الفرد وأسبقيته على المدني والاجتماعي[12]. بحيث تتقدم المبادئ على التنظيم الاجتماعي للسلطات عكس التيار الذي يقول بالحقوق المدنية والانتصار لفكرة التنظيمات الاجتماعية، وفكرة أن لا حرية بدون قانون يؤطرها. هنا تبرز لدينا مشكلة أخرى، متمثلة في القوانين في حد ذاتها. خاصة القوانين النازية مثلا التي تتنافى مع حقوق الانسان؟ بمعنى أخر، هل كل القوانين يمكن الاستناد عليها لإنشاء فكر سياسي وحقوقي؟ وأيضا ماذا عن اللاجئين والمقيمين بطريقة غير شرعية؟ كيف يتم التعامل معهم؟ هل بناء على مفهوم حقوق الانسان باعتبارهم ذوات إنسانية أم يتم نفيهم وتهميشهم؟ وهل إعلان حقوق الانسان، هو إعلان حول الانسان كإنسان أم إعلان خاص بإنسان معين ومحدد في الزمان والمكان؟

إن السير في اتجاه تحديد حقوق إنسانية محددة لمواطنة يتطلب الايمان بقدرة العقل على صياغة المبادئ التي تحدد الحقوق والواجبات، فلا معنى للحق في غياب الواجب، خصوصا في ظل الدولة المدنية الحديثة، (فكل ما هو حقي، هو أيضا حق للآخر، بحيث لا يمكنني المطالبة لصالحي بما لا يمكنني منحه للآخرين) [13]. إن الواجبات تظهر بشكل تلقائي عند الحديث عن حقوق الانسان، خصوصا وأن مفهوم المواطنة يحيل على انفتاح الفرد على محيطه الاجتماعي، حيث العلاقات المتبادلة مع المواطنين والآخرين. والتي تقتضي بالضرورة معرفة مجال وحدود وكيفية التصرف والانضباط لما هو قانوني، فواجبات كل مواطن مرتبطة بواجبات الآخرين، لذا، يجب توثيق الروابط الاجتماعية، كي لا تتسل الفردانية المتطرفة والمدمرة، مع ترسيخ فكرة أن قيمة المواطن لا تتحدد بمعرفته ونيله لحقوقه، وإنما بإدراكه لواجباته تجاه مجتمعه. وهذا ما أكده دستور 1839 الإنجليزي، حيث التأكيد على ضرورة تكاتف الجهود بين أعضاء المجتمع، ويجب على هذا الأخير أن يزود المواطنين بالحاجيات الضرورية، وفي ذلك تأكيد على أهمية الحقوق الاجتماعية الناشئة عن مبادئ الحداثة السياسية [14]. وعليه، فأسس المواطنة الحقيقية، حتمية الوعي بثنائية الحق والواجب، وتزويد المواطنين بالوسائل الضرورية كالتعليم والحماية والعمل، على اعتبار الحماية الاجتماعية قضية مهمة، تفترض من حيث المبدأ وجود مؤسسات، لجعل المواطن يمارس سيادته، فبدون المؤسسات يبقى المواطن مجرد فرد صوري مجرد. وهنا تظهر المؤسسات التي تنقل الانسان من وضع الفرد الصوري المنغلق على كينونته إلى وضع المواطن، ومن ثمة ضرورة التساؤل عن كيفية تنظيم عملية الانتقال من الفرد-المواطن إلى تنظيم المؤسسات السياسية؟ فما ألية الانتقال؟

2- القارات الثلاث للحداثة السياسية: المواطن والديموقراطية والمؤسسات السياسية

إن الديموقراطية كنظام سياسي واجتماعي ليست وليدة اليوم وإنما قديمة قدم النظر الإنساني في قضايا الوجود الاجتماعي، غير أنها ديموقراطية مباشرة، متسمة بغياب فكرة توكيل الغير، لأن المواطن كان يعبر ويمارس حقوقه بشكل مباشر، قد يكون هو الحاكم والمحكوم في نفس الآن، بحيث يحدد طبيعة ونوعية العقاب الذي يجب إنزاله على الآخرين [15]. بل حتى اعلان حقوق الانسان أحدث نوعا من التوازي بين الديموقراطية التمثيلية والنسق السياسي داخل المجتمع. (وأن القانون هو التعبير عن الإرادة العامة. لكل المواطنين الحق في أن يساهموا بشخوصهم أو بمن يمثلونه في صياغته) [16]. فالغاية من الديموقراطية التمثيلية تحقيق الانسجام والتوازي بين الحقوق والواجبات داخل المجتمع، شريطة أن تكون القوانين واحدة وتسري على الجميع حماية وعقابا. هذا الانتقال من وضع الفرد- المواطن إلى وضع المؤسسات السياسية، تطلب جملة من التحولات السياسية والاجتماعية، والقانونية بالخصوص، لأن المؤسسة هي التي تسهر على تطبيق القانون وضمان سريانه لتوزيع الحقوق بشكل عادل ومتساو. وتلك هي سمات الحداثة السياسية التي ابتكرت فكرة التفويض والتمثيل، وأصبحت الجمهورية بموجبها نظاما سياسيا.

الديموقراطيون ابتكروا المؤسسات السياسية الضامنة لحق التمثيل كالانتخابات والبرلمان، فأصبح هناك من يمثل المواطنين مؤسساتيا، ولم يعد من المنطقي أن يأخذ الفرد حقه بيده، وإنما عن طريق من فوض له فعل ذلك مؤسساتيا وقانونيا. فالتفويض ألية ديموقراطية تمثيلية تقتضي من الفاعل السياسي عدم الانفصال عن الشعب، وضرورة البقاء على مقربة من الناخبين [17]. من أجل النقاش حول الصالح العام، هذا النقاش الشعبي هو الذي نقل الأمريكيون خلال عشر سنوات من الديموقراطية المباشرة التي مارسها الإغريق إلى الديموقراطية التمثيلية، وهو في الحقيقة انتقال من فكر العصور القديمة إلى عالم الحداثة السياسية التي هي بنت الأزمنة الحديثة. عكس فرنسا حيث وجدت صعوبات في عملية الانتقال من سيادة الفرد الذي اعتبر منبع الشرعية السياسية إلى تنظيم المؤسسات السياسية التمثيلية [18].

إن الديموقراطية التمثيلية، ألية سياسية لمأسسة العمل السياسي وعقلنته، رغم الصعوبات التي تعترضها والمتمثلة في عدم استيعاب بعض الثوار للتمييز الحاصل بين الحكومة والمجتمع، تمييز يشكل لبنة أساسية للنظام الديموقراطي الموجب للمواطنة الجماعية، فقد صارت السيادة للشعب وتلك هي قمة المواطنة. بمعنى أن الديموقراطية التمثيلية التي كانت في السابق مجرد فكرة فلسفية تمظهرت حديثا في الإرادة العامة لدى روسو. فقد كان هناك خلط واضح بين عمل الحكومة والمجالس النيابية المنتخبة مباشرة من الشعب، والتي أدت إلى شخصنة السلطة. لكن، دوام الحال من المحال، فقد تبدل ذلك الوضع السياسي وصارت الطاعة والولاء للقوانين، وعدم الانصياع لشخص بعينه. فحوى ذلك، إن ترسيخ المواطنة الحقة يتطلب وجود سلطة تستمد شرعيتها من الشعب كمواطنين قادرين على اختيار من يمثلهم في المجالس النيابية، ووجود قوانين من الواجب على الجميع الالتزام بها، فكل الأنظمة السياسية بما في ذلك الليبرالية عندما تشخصن السلطة تصبح هشة ومعرضة للزوال، وقد عصفت بأكثرها الثورات بسهولة وخير مثال على ذلك الملكية في فرنسا. فالنظام التمثيلي الحقيقي هو الكفيل بتوطيد دعائم المجتمع المؤسساتي في أفق ترسيخ المواطنة، فكرا وممارسة، وفي ذلك تجاوز للمجتمعات القائمة على الحكم الذاتي الفردي، حيث الملك أو من يمثله هو المصدر الوحيد للسلطة [19].

الحداثة السياسية المتجلية في الديموقراطية التمثيلية أحدثت توازنا بين إرادة المواطنين في الاختيار والمطالبة بالحقوق، وبين (ضرورة تنظيم المؤسسات السياسية لإدارة المجتمعات المعقدة) [20]. فالمواطنة الحقة هي سمة المجتمع السياسي الحديث، حيث المساواة وتمثيل الشعب بجميع طوائفه وفئاته، مادامت الديموقراطية التمثيلية هي أداة جعل المؤسسات السياسية مرآة المجتمع الحديث، وهنا نتساءل: هل الديموقراطية التمثيلية نظام سياسي واقعي تبدى في المجتمعات الحديثة أم أنه مجرد فكر سياسي صوري وطوباوي؟ وما علاقة الديموقراطية التمثيلية بمفهومي المواطن والمواطنة؟

3- المواطنة والديموقراطية التمثيلية

إن المواطنة مرتبطة بوجود نظام سياسي معين، موشوم بالديموقراطية التمثيلية حيث يصير الشعب هو مصدر السلطات والفصل والتوازن بينها، وفق تصور مونتسكيو ووجود الإرادة العامة من خلال انصهار الفرد والمجتمع. وهنا يمكن أن نستحضر نموذجين للمواطن: المواطن على الطريقة الإنجليزية، والمواطن وفق الطريقة الفرنسية.

الطريقة الإنجليزية تنبني على فكرة التعددية السياسية وفتح المجال للأنظمة والهيئات والطبقات والجماعات الخاصة لمواجهة النزعة الأحادية التي تعلي من شأن المواطن الفرد والمفروضة بالعنف في فرنسا. فالديموقراطية الليبرالية أشكال وأنواع والمواطنة أحد مياسمها، التي تعكس خصائصها الجوهري التي تميزها [21]. النموذج الإنجليزي يتأسس على ضرورة احترام تنوع الانتماءات والارتباطات الخاصة، التي نص عليها الميثاق الأعظم سنة 1215 حيث الحرص على مراقبة عمل الملك نفسه من قبل وفد من البارونات لمعرفة مدى التزامه بالتعهدات [22]. وفي ذلك تأكيد على أهمية الرقابة الشعبية/ المواطنة بمعنى أوضح، أن الملك ليس له صلاحية مطلقة، وإنما مراقب من طرف البارونات، الذين يفرضون شروطا على الملك، والتي تعد إعلانا عن نهاية الاستبداد الملكي، وترجيح كفة البرلمان. فسيادة الملك صارت مؤطرة ومحدودة بحقوق البرلمان، وهي ممارسة سياسية سمحت بإجراء إصلاحات سياسية ودستورية كبرى، حيث إقامة المؤسسات الديموقراطية السياسية والتمثيلية، لزيادة ترسيخ المواطنة، ودعم تماسك النسيج الاجتماعي [23].

يعتبر الباحثان أن المواطنة تقتضي دمقرطة النظام البرلماني بالتدريج، ومنح حق التصويت لفئات جديدة وبمراقبة الشعب، حيث انتقلت السلطة من الهيئات التي توارثها الملك ومجلس اللوردات إلى مجلس عموم المواطنين، فتحول البرلمان وفق الديموقراطية التمثيلية إلى مكان لتأسيس الحريات وقيم المواطنة الحقة والتعبير عنها قانونيا، بدون اللجوء إلى الثورة، وهي المبادئ والمتغيرات التي استحسنها العقل السياسي الأوروبي الحديث القائم على فكرة الضوابط والتوازنات والمكابح، خاصة في بريطانيا، توازن بين سلطة الملك وسلطة البرلمان، بين الملك والشعب، وهو ما سماه دفيد هيوم بالميزان العادل بين جزأي الدستور الملكي والجمهوري[24].

وما يميز التجربة السياسية الإنجليزية في علاقتها بمفهوم المواطنة، سيادة القانون العام ووجود محاكم العدالة العليا وتكييف القانون ليتماشى مع الحالات الخاصة والاستثنائية لمسايرة الوقائع الاجتماعية والسياسية الطارئة، والتي تقتضي رؤية قانونية جديدة، وهو ما يفسر توجس رجال القانون من القواعد القانونية المستمدة من القانون الروماني العام والمجرد، وتلك ميزة الديموقراطية التمثيلية الانجليزية حيث ابتكار سلطات ناشئة ومضادة للقوى السياسية الرسمية والمؤسساتية لخلق التوازنات، وكبح جماح السلطات التقليدية كي لا تتحول إلى تعسف وشطط، وهو ما اوجب ضرورة احترام تنوع الانتماءات والارتباطات الخاصة، وترسيخ ثقافة المواطنة في جميع الفضاءات الاجتماعية والتربوية، علما أن للإنسان ميول سياسية تبدأ من الأسرة، لأن للروابط العائلية دور في توطيد العمل وحب الوطن وغرس قيم ومبادئ المواطنة لدى الناشئة، ومن الأسرة إلى الجيران إلى العلاقات الاجتماعية الشخصية الممتدة في المكان[25].

فالنموذج الإنجليزي يجد أساسه في فكر جون لوك ومونتسكيو، حيث تتبدى الحداثة السياسية الموجبة لضرورة حياد الدولة الديني، وأن مبدأ التسامح تجاه العقائد هو الذي يسمح بالتعايش بين مختلف الأديان والمعتقدات. ويضفي على الروابط الاجتماعية شيئا من التماسك. لذلك، تم اضفاء الشرعية على تعدد العقائد وبالنسبة لمونتسكيو المعجب بالتقليد الإنجليزي، يرى أن دستور الانجليز يضمن حرية البشر، ليس لكونهم قادرون على فعل ما يرغبون، ولكن، لأن لهم حق عمل كل ما تسمح به القوانين [26].

بينما النموذج الفرنسي يتسم بسيادة المواطن كفرد ظهر في المجال السياسي عن طريق الثورات التي تحولت إلى عنف. سيادة المواطن المستقل المستلهم من روح فكر روسو، حيث اعتبار التبعية للبشر مصدر لعدم تحقق المساواة وأن وجود أية هيئة وسطى بين الفرد والدولة، يفضي إلى التعسف وعدم جعل الفرد يستمتع بحريته، فالمواطن هو التعبير المباشر عن الإرادة العامة، بمعنى أنه حر ومستقل ومتحرر من الروابط والوسائط التي تجعله خاضعا للدولة، عكس بريطانيا. لذا، فالنموذج الفرنسي يعبر عن الديموقراطية الأحادية المناهضة للتعددية، فمصلحة المواطن لا تتماهى مع المصلحة العامة، وأن هذه الأخيرة ليست نتاج مصالح جميع الأفراد الحقيقيين، الأمر الذي ينعكس على مفهوم المواطنة [27]. (التي هي كيان غير قابل للتقسيم، يجب تنظيمها وضمانها بواسطة دولة مركزية تعبر عن الإرادة العامة التي توجد المجتمع) [28].

وعليه، فالمواطنة، ليست مجرد تصورات طوباوية لا تبرح مملكة الذهن، وإنما هي ممارسة واقعية، مرتبطة بتجربة سياسية لمجتمع ما، تتجلى المواطنة في الحرية التي هي احترام القوانين المفضية لاحترام الأشخاص، وضمانة ذلك، ضرورة الفصل بين السلط والحرص على توزيعها بشكل عادل، وعدم فعل ذلك، معناه، ظهور التعسف والاستقلال والمغالاة أو الشطط في استعمال السلطة. وكل سلطة يجب أن تتوفر على الأليات والوسائل القانونية الضرورية لعملها ومجال اشتغالها، فمثلا، يجب أن تكون السلطة القضائية مستقلة تماما عن باقي السلط، وأن التوازن بين السلط يتفق مع الروح العامة لأمة ما، وتلك هي نظرية توازن السلط والتعددية المنظمة. بحيث لم يعد العنف كقوة فيزيائية إلى جانب معطيات طبيعية أخرى هما أساس السلطة الشرعية، وإنما عن طريق الاتفاق كميثاق اجتماعي [29]. لكن، هل تم قبول هذه التصورات بشكل مطلق من طرف الفكر الثوري أم أن هناك انتقادات؟

المحور الثاني: المواطنة، وجدل الفرد والمجتمع والدولة الحامية

عالجا الباحثان في الفصل الثاني مسألة الانتقادات، التي رافقت اعلان سيادة المواطن، والتي طرحت مشكلات على مستوى تنظيم السلطات، فالقول بأن الأمة هي مصدر السلطة، معناه، أن الشرعية السياسية الحديثة عملت على زحزحة وخلخلت جميع التصورات التاريخية والدينية والاجتماعية التي كانت سمة المواطن الفرد، لأن المجتمع القائم على المواطنة والمساواة المدنية والقانونية يتعارض مع بعض المبادئ التاريخية والدينية والتي تتطلب معطيات أخرى للحديث عن المواطنة. فأساس المواطنة الحديثة ليس التاريخ أو العرق أو الطائفة أو الدين، وإنما المساواة أمام القانون، لذلك وجهت انتقادات للنزعة الفردانية والتي عملت على تذويب الفرد في المواطن في أفق التأسيس لمجتمع يرتكز على الفرد لا على المجتمع، وكان هناك تمييز بين الفرد والمواطن، والحاصل أن كل فرد هو مواطن بالضرورة، شريطة الحديث عن التساوي في الحقوق الموجودة في الواقع [30]. الأمر الذي جعل رواد الفكر الماركسي يفضحون زيف الثورة الصناعية المبنية على تضليل الجماهير والتطلع إلى ميلاد مواطنة برجوازية جديدة، وذلك مجرد وهم [31]. فهل حقا، هناك تمييز بين المواطن المعنوي المجرد والفرد التاريخي أم أنهما متماثلان ومتطابقان؟

1- الثورة الفرنسية: إشكالية المواطنة الملموسة والفرد المتطرف

إن الناظر الممعن والمتأمل في نتائج الثورة الفرنسية لسنة 1789، يلحظ حجم الانتقادات الموجهة للثورة الفرنسية، وكذلك المفكرين المعادين للثورة في مختلف البلدان الأوروبية حيث انتقدت العقلانية السياسية وفضح التعصب الإيديولوجي، ونقد التجريد والإرادة السياسية باسم الممارسة والتجربة والموروث، كل ذلك من أجل التأكيد حسب رؤية الباحثان على أن النظام الاجتماعي لا يتأسس على مبدأ الاستقلال الذاتي الليبيرالي للفرد، الذي هو مبدأ رسخته الثورة الفرنسية. فالتاريخ الجمعي مشروع تم لمواجهة الفكر الثوري الفرنسي، بغية إعادة بناء النظام الاجتماعي الواعي والعقلاني [32]. في أفق جعل السياسة مجال ومشروع عقلاني وبشري ليس لمواجهة المواطن المجرد والصوري، وإنما للقيام بعملية الدمج لخلق التنوع وتحقيق الحريات الحقيقية التي وصل إليها الانجليز تدريجيا بفضل ثورة 1688. والتي صارت الحقوق والحريات أعلى ضمانة من مثيلتها الفرنسية، بحكم أن هذه الأخيرة تنحو في اتجاه التجريد الميتافيزيقي والبعد عن الواقع والحياة الاجتماعية، عكس التجربة الإنجليزية التي تجذر معها الفكر الحقوقي المبني على الممارسات والتقاليد الموروثة [33].

إن الحريات المحسوسة تناسب المواطنة، عكسي الحريات المجردة، بمعنى أن مبادئ المواطنة لا تتأسس على التجريد والصورنة، لأن الحرية كمبدأ لتجل المواطنة ليست شرطا كافيا لجعل الجميع يشارك في تدبير الشأن العام، لذا، لا بد من وجود شروط سابقة عن الروابط التي رسخت داخل المجتمع. فالعلاقات الاجتماعية ليست عائقا لتحقيق واكتمال الطبيعة الإنسانية، وإنما هي شرط ضروري للأمن [34].

وفي ذلك نقد للتصورات التي تؤسس المواطنة وما يرافقها من حقوق على مبدأ الفردانية واستقلال الذات، كما حصل في الثورة الفرنسية، فالنزوع إلى الفردانية المطلقة طريق لتدمير التقاليد والمعتقدات ومختلف الروابط الاجتماعية التي تساهم في تحسين وضعية الفراد داخل المجتمع. لذا، يصعب هدم الموروث رغبة في بناء مجتمع جديد على أسس الفردانية المتضخمة. معنى ذلك، ضرورة الوعي بأهمية الظروف والعناصر والشروط التراثية المشكلة للمجتمع، والحرص على تقوية المؤسسات السياسية والاجتماعية والهيئات الوسيطة التي تضمن حق مشاركة الأفراد في الحياة الاجتماعية، وفي ذلك تحقق لمفهوم المواطنة وترسيخ الحريات الملموسة والإقرار بتراتبية اجتماعية. وغياب ذلك في فضاء اجتماعي، يعني حلول الطغيان والظلم الاجتماعي وجعل السلطة مجردة. لذلك، فالتجربة الإنجليزية حسب الباحثان طريق لانتقاد مبادئ الفردانية والسلطة الصورية، وعدم الارتباط بالموروث، فكل ثورة تدعي البدء من الصفر، نافية التراكم التاريخي مصيرها المحتوم، الانتهاء إلى الطغيان [35]. وهذا ما حدث للثورة الفرنسية، حيث وجهت لها انتقادات قاسية، من طرف مجموعة من الفلاسفة، كإيمانويل كانط وهيغل، بسبب تمجيدها للفرد على حساب المجتمع.

تأسيسا على ما سبق، يمكن القول مع الباحثان، أن الشرعية السياسية تتأسس أيضا على التقاليد الموروثة، وليس على المبادئ الفردانية المجردة، وهي شرعية تقتضي التغير الدائم للممارسة السياسية، والتأقلم الحذر مع متغيرات الواقع والفكر، أي أن المواطنة السياسية على الطريقة الإنجليزية تستلهم الدروس والمبادئ من التجارب التاريخية والتراث السياسي الموروث، والاحترام لاستمرارية المؤسسات والقيم الاجتماعية والأخلاقية. (وإذا كان الدستور الإنجليزي بناء رائعا.... فيرجع ذلك إلى أن تأسيسه هو ثمرة عمل دام عدة قرون) [36].

يعتبر الباحثان، أن كل ثورة إلا ولها فكر مضاد، وإذا كانت الثورة الإنجليزية مثلا قد تأسست كما سبق ذلك، على التراتبية الاجتماعية والاستمرارية التاريخية، فإن هناك من يذهب عكس ذلك معتبرا الشرعية السياسية والسلطة والمواطنة تتطلب حضور الإرادة العقلانية، حيث سيطرة العقل على السياسية والانصات للفردانية، واعتبار أنه يوجد نظام طبيعي سابق عن النظام الاجتماعي، وعن طريقه يجب احترام الطبيعة التي هي صنيعة الله، والمجتمع مجرد مرآة تعكس العناية الإلهية. فقوانين الطبيعة هي قوانين الله بحيث تعلو وتسمو فوق القوانين البشرية [37]. مضمون الكلام السابق، يترتب عليه قول سياسي، يتمثل في أن مصدر الشرعية السياسية فوقي ومتعال، حيث تمجيد القوانين الإلهية، والرفع من قيمتها مقارنة مع القوانين الإنسانية. والأنكى من ذلك، أن الحقوق والحريات تصبح تابعة ومرتبطة بما هو إلهي وطبيعي. والنتيجة مواطنة لاهوتية وليست مدنية أو سياسية محضة، وهو أمر يتناقض مع مضمون الحداثة السياسية، حيث سيادة الأرض على حساب السماوي والماورائي.

إن المواطنة الجديدة تقتضي مجتمعا جديدا، مبنيا على أسس وقواعد متفق عليها، وليس الانصات لنداء السماء والطبيعة، فوجود المجتمع، لا تمليه إرادة إلهية، وإنما عقد اجتماعي متوافق عليه بين جميع المواطنين. فإما أن يكون مصدر السلطة الحقيقي مجموع المواطنين، وإما أن يستلهم الملك أو الحاكم حكمه وسلطته من الله. ومن ثم فهو أساس السلطة، علما أن هذه التصورات اللاهوتية حول السلطة كانت حاضرة وبقوة في المجال السياسي، إلى درجة اعتبار أن الحرية هبة إلهية، وأن المجتمع ليس ثمرة عقد وجهد عقلي، وإنما هو إرادة إلهية. عكس ما يطمح إليه الفكر الثوري. فما هي أسس الحقوق الإنسانية؟

2- المواطنة وأسس الحقوق الإنسانية

يؤكد الباحثان، أن الحقوق الإنسانية تتأسس على مبدأ التراتبية، سواء تعلق الأمر بالأنظمة السياسية الديموقراطية أو الأنظمة الفاشية حيث تمجيد القائد أو الزعيم، ومبرر ذلك ضرورة وجود تراتبية طبيعية في المجتمع، هذا الأخير يتطور بشكل طبيعي، وأن النظم السياسية والمؤسسات تستقى من تلقائيتها الواقعية. والنتيجة، أن حقوق الشعوب لا تستمد من يقينيات لاهوتية، وإنما من تنازل الحكام [38]. والمجتمع هو في حد ذاته نوع من التراتبية حسب أرنست رينان حيث الكائنات البشرية غير متساوية، وتنجز عملها وفق قدرات طبيعية. ومن هنا، فهذا التوجه يعتبر الطبيعة كقانون إلهي، وأن نفيه وإنكاره، خطأ جسيم، انزلقت إليه الثورة الفرنسية. وهو ما يفسر معارضة الرومانسيون الألمان للثورة الفرنسية، بحجة البقاء من قرب الطبيعة والحياة وادانتهم الشديدة للكاثوليكية والليبرالية العقلانية والفردانية الأنجلوسكسونية [39].

استنادا إلى الباحثان يعتبر الرومانسيون الألمان، أن لا وجود لفرد في حد ذاته، ولا هو ولا عنصرا من عناصر الأسرة والدولة، فهذه الأخيرة كائن حي متسم بالحياة والوحدة المنسجمة والمثمرة، وأن لها الأولوية على الفرد، لأنها دولة عضوية، حصيلة الوحدة والفيدرالية المتوازنة. تحتفظ للجماعة الوسيطة بين الأفراد والأمة بمكانتها، فالمجتمع بمثابة جسم خاضع لتراتبية طبيعية حسب هيردر Herder، يترتب على ذلك، أن لا وجود لفرد مستقل عن المجتمع، فكل فرد هو عضو بالضرورة ويشغل حيزا اجتماعيا وسياسيا، وله وظيفة مرتبطة بالمجموع مما يستدعي أسبقية الجمعي على الفردي [40]. وعليه لا وجود لفردانية جافة وعقلانية منغلقة، والمواطنة الحديثة ستكون نتيجة تلك التصورات حيث اندماج الفرد في المجتمع ومعرفته لدوره ووظيفته وواجباته، أي أن المواطنة حقوق وواجبات، ومرتبط بالتغيرات الاجتماعية والفكرية والسياسية. فالفرد ضئيل وهش خارج المملكة الاجتماعية. والفكر السياسي تطور الثوري، تطور بشكل ملحوظ، خاصة مع ظهور مجموعة من المفاهيم، كالواقعية والبراغماتية والاحتفاء بالمحسوس والتجربة في مواجهة التصورات العقلانية المجردة والجافة، وإحياء التقاليد الفكرية التي تجذر الفرد في الجماعة والانغراس في تاريخ وأرض لمواجهة نزعات اقتلاع المواطن.

إنه النقد الحديث الذي واكب متغيرات العصر، نقد مسألة المساواة المطلقة بين البشر، ونقد المشاريع السياسية القائمة على العقل، دون الارتباط بفكرة التراتبية الطبيعية، ساعد على ذلك بزوغ فجر العلوم الإنسانية والاجتماعية التي كشفت اللاوعي الفردي والجمعي وإبراز حدود العقل، في مقابل التراث الموروث وتأثير اللاوعي الجمعي على سلوكات وتصرفات وأفعال البشر [41]. إن النقد الموجه لمفهوم الفرد المجرد عرف انطلاقة جديدة مع فلاسفة الاجتماع، خاصة مايكل ساندل، وشارلز تايلور، ومايكل والزر، وأن الفصل بين العام والخاص ليس كافيا لتحقيق ديموقراطية حقيقية. لذا، لا بد من الاعتراف بالمواطنة، ليس بهدف الكرامة، وإنما الأصالة والشرعية، فالبشر ليسوا مجرد مواطنين مجردين، وإنما أفراد واشخاص محسوسون وملموسون، مواطنين لتاريخ وثقافة. ومن الضروري الاعتراف بذلك، فتجريد المواطن لا يحقق مواطنة. لأن الانسان لم يعد هو مقياس كل شيء [42].

وعليه، فالمواطنة لا تتأسس على فكر ماضوي فقط، ولا على فكر مثالي وطوباوي بعيد عن المجتمع ومتغيرات الواقع، وإنما استنادا إلى مبادئ الحداثة السياسية، حيث المساواة المدنية والسياسية والقانونية التي ينادي بها كل المواطنين. تعزز ذلك المادة الأولى من إعلان حقوق الانسان والمواطن التي تقول: " يولد الناس ويعيشون أحرارا متساوين في الحقوق، ولا يمتاز بعضهم على بعض، إلا فيما يختص بالمصلحة العمومية) [43].

3- النقد الماركسي: وجدل الديموقراطية والمواطنة

إن المواطنة الحديثة لم تعد مجرد مقولة صورية، وإنما صارت مرتبطة بالظروف المادية والاجتماعية، والتي فرضت حضور النقد الماركسي، حيث فضح الدولة الدستورية الليبيرالية، كألية لترسيخ نوع من الخيال البسيط لتوطيد المواطنة البرجوازية، حيث الغش والتضليل. فالنقد الماركسي يعتبر أنه لا توجد حقوق انسان خارج نطاق حقوق المواطن، على اعتبار انه لا يوجد تمييز بين حقوق الانسان وحقوق المواطن، فالإنسان هو مواطن وعضو داخل المجتمع البرجوازي، حيث يصعب الحديث عن الحرية كحق إنساني. فالفرد الحر داخل المجتمع البرجوازي، هو ذلك المنعزل والمنغلق على ذاته والمستلب عن عمله [44]. فهل يمكن الحديث عن مواطنة متساوية في هذه الحالة؟

وحسب الباحثان، أن كارل ماركس لا يشكك في الديموقراطية، لأنها كنه كل دستور سياسي، منتقدا في نفس الوقت الشكل الذي اتخذته الديموقراطية الازدواجية، بين المجتمع المكون من أفراد حقيقيين، وبين الدولة باعتبارها أداة البرجوازية، لذلك، وضع ماركس مفهوم الانسان التصوري المجرد [45]. فالديموقراطية التي تتحقق عبرها المواطنة، هي تلك التي يتحد فيها العامل والمواطن. بمعنى أن ننظر للمواطن كعامل له حق التمتع بعمله ومنتوجه الخاص، وفي اعتراف بمواطنته. ومن عيوب الثورة الفرنسية، أنها لم تساعد على جعل الانسان يحقق ذاته في داخله كعامل ومواطن، فتحقق ذلك واقعيا، يتم عبر تغيير شروط الاقتصاد والظروف المادية، وليس تحرير الانسان من الوهم الديني. إنها الدعوة للمواطنة الحقيقية المتمثلة في نقد الثورة الفرنسية، وإعطائها معنى حقيقي وواقعي يتماشى ورغبة الانسان كمواطن في إثبات ذاته عن طريق منتوجه. الديموقراطية الحقيقية تتجلى في أن تعطي للظروف المادية للأفراد أهمية قصوى، لجعلهم يتمتعون بحرياتهم. فلا بد من وجود مجتمع ديموقراطي حقيقي يستكمل المواطنة التي ظهرت اثناء الثورة الفرنسية [46].

والحديث عن الديموقراطية في علاقتها بالمواطنة، حديث عن مبادئ وشروط تعبر عن تشكل أنظمة تاريخية متطورة، من الديموقراطية اليونانية المباشرة، إلى الديموقراطية البرجوازية في العصر الحديث، لكنها داخل النظام الرأسمالي تبقى ديموقراطية محدودة ومبتورة ومزيفة وخادعة وجنة للأثرياء على حساب المقهورين في والمعذبون في الأرض، وفخ خادع للذين يتم استغلالهم ومما ساعد على ذلك، نشأة التناقضات بين المساواة الإسمية المجردة [46]. وآلاف القيود المانعة التي تجعل البروليتاريين مجرد عبيد. فعن أية مواطنة وكرامة بشرية يمكن الحديث هنا؟

إن المواطنة الحقيقية تقتضي توفير الدولة للوسائل المادية كرامة الوجود البشري، والحق في التعبير والكتابة، وفي حرية الاختيار السياسي [48]. والتعهد بحماية العامل في عملهن وتوفير العمل لجميع المواطنين، وعلى قدم المساواة، وجعل الكل يتمتع بحق التجمع والاضراب، والمطالبة بالحقوق، أو ما يعبر عنه، بالحقوق- الحريات، التي هي من مكتسبات الثورة الفرنسية، فالحقوق- الحريات تضمن حقوق المواطنين قبل وجود سلطة الدولة كحرية الفكر والتعبير والعقيدة والاجتماع، وهي حقوق تمت تنميتها مع روح الثورة الفرنسية حيث الاعتراض على التعسف الملكي، وصياغة الضمانات القانونية لحماية الحقوق. فالقانون صار هو الر جع والمؤطر نقرأ ذلك في إحدى مواد إعلان حقوق الانسان المادة7: (لا يجوز إلقاء الشبهة على رجل أيا كان ولا القبض عليه ولا سجنه إلا في المسائل التي ينص عليها القانون وبموجب الطرق التي يذكرها) [49]. وأيضا في المادة8: (لا يجوز أن يعاقب القانون إلا العقاب اللازم الضروري). غاية الحقوق- الحريات وفق رؤية الباحثان، الحد من توغل وتدخل الدولة، ومن ثمة فالحقوق هي الشروط والعناصر التي تؤدي إلى الانتقال من المواطنة الصورية والشكلية إلى المواطنة الحقيقية، حيث الممارسة الفعلية في الواقع [50]. لكن ما هي ضمانة أن ينال الناس حقوقهم وتترسخ المواطنة لديهم؟

4- المواطنة والدولة الحامية

الدولة الحامية، دولة مدنية تأسست بغرض حماية الحقوق والحريات بشكل ملموس. وتعمل على تحسين الظروف المادية الاقتصادية والاجتماعية التي تؤدي إلى وضع أسس المساواة السياسية والقانونية التي تفضي حتما إلى وضع أسس الروابط الاجتماعية والشرعية السياسية. بمعنى أخر، أنه بدون الحديث عن الظروف الاقتصادية والانطلاق منها، يصعب تحقيق المساواة، والمواطنة الملموسة والنتيجة صعوبة وجود مواطن سيد نفسه. لذا، فكل حديث عن المواطنة يتطلب الارتكاز على عمليات إنتاج وظروف مادية تضمن الكرامة، علما أن المواطنة الحقيقية تعني أن لكل مواطن الحق في أن تيسر له الدولة الحامية سبل تحقيق الحاجيات الضرورية بشكل لائق، وتجعله يحوز الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية، ونظرا لأهمية ذلك، فالدولة تستعين بجميع الوسائل لإعادة توزيع الثروات بشكل عادل [51]. إن الدولة الحامية هي أساس المواطنة وكل المشاريع السياسية والقانونية، بحيث توائم بين النظام السياسي وعمليات الإنتاج الاقتصادي، حسب أدم سميت، تمزج بين في توليفة عجيبة بديعة بين متطلبات الفعالية الاقتصادية ومتطلبات العدالة الاجتماعية وفي ذلك تحقيق لمتطلبات القيم الديموقراطية [52]. ومن سمات الدولة الحامية، أنها راعية للمواطنين، ليس على طريقة رعاية العصور الوسطى، وإنما رعاية قانونية وسياسية وحقوقية، حيث الأمة هي مصدر السلطات، والديموقراطية هي منطلق أية عملية سياسية واجتماعية، ترسخ وجود المؤسسات نظرا لدورها المحوري، دولة الحماية الاجتماعية وإعادة توزيع أرباح النمو الاقتصادي، تضمن الحقوق الأساسية للمواطنين، وتعطي معنى سياسي واجتماعي وقانوني للمواطنة [53].

فالتغيرات السياسية أدت إلى كثرة التنظيرات حول المواطنة فمثلا عالم الاجتماع الإنجليزي توماس همفري يميز بين ثلاثة أبعاد للمواطنة: فهناك المواطنة المدنية التي هي بنت القرن 18م، وتتلخص في ممارسة المواطن لحقوقه وحرياته خاصة الحرية الشخصية وحرية التعبير وحرية التملك التي تضمنها الدولة الحامية. وهناك المواطنة السياسية التي تأسست في القرن 19م وتعرف بممارسة الحقوق السياسية، كالحق في التصويت والمشاركة في الحياة السياسية. وهناك المواطنة الاجتماعية التي نشأت في القرن 20م وتميزت ببروز الحقوق- الغير المادية، كالحق في الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والعمل [54]. والملاحظ أن تلك الحقوق المحددة لطبيعة ونوعية المواطنة، ليست تراتبية بشكل ألي، بمعنى ليس دائما أن الحقوق المدنية سابقة عن الحقوق السياسية والاجتماعية، فالمسألة مرتبطة بالظروف الاجتماعية والقانونية لبلد ما، فمثلا في بعض البلدان ونتيجة لوجود نظام سياسي معين، تكون الحقوق الاجتماعية سابقة عن بقية الحقوق، بحيث يتم إهمال منطق التماهي والتمايز بين مختلف الحقوق، غير أن الإعلان العالمي لحقوق الانسان الذي صدر سنة 1947 وضع الحقوق- الحريات إلى جانب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والتي جعلت فكرة المواطنة المحسوسة ذات محتوى اقتصادي واجتماعي. وعليه، فالمواطنة صيرورة تاريخية وسيرورة اجتماعية تفاعلية، تستوجب تطوير المنظومة القانونية والمؤسساتية لحيازة الأفراد لحقوقهم. فهل للمؤسسات دور في توطيد دعائم المواطنة؟ فخذ بنا للفصل الثالث، لنفصل الكلام تفصيلا.

وفي معرض حديثهما في الفصل الثالث عن دور المؤسسات، يعتبر الباحثان أن المواطنة ليست فكرة جامدة، ولكنها بناء فكري حي، متغير تبعا لتغير السياسي والاجتماعي والحقوقي والتاريخي، تبدل مستمر، سيال وبدال، حيث الصدامات بين الآراء وحدوث توافقات بين القوى الاجتماعية والسياسية، وهذا ما يدل على تعدد أشكال المواطنة تبعا للمبادئ والتقاليد التاريخية الخاصة بكل بلد، وقد سبقت الإشارة في الفصل الأول كيف أن المواطنة الإنجليزية تختلف عن المواطنة الفرنسية، اختلاف الأسس والمرتكزات الفلسفية والسياسية. والحقيقة أن المواطنة لا تؤدي على تنظيم المجتمع إلا إذا تجسدت في شكل قواعد قانونية ومؤسسات اجتماعية، وعدم فعل ذلك، يعني بقاء المواطنة في حدود الصوري والتجريدي [55].

إن المواطنة الحديثة تتميز بكونها تنحو في اتجاه الكونية والعمومية، استنادا على التصويت كعملية وألية لكشف معنى المواطنة حيث يساهم التصويت المؤسساتي في حل الصدامات والنزاعات بين المجموعات السياسية، بدل اللجوء إلى العنف [56]. فغاية التصويت كفعل سياسي، ليس اختيار القادة والفاعلين السياسيين، وإنما هو عملية ترمز للمجتمع السياسي الحديث، المتسم بعمق الروابط الاجتماعية، المحددة لمصير الجماعة، يفتح المجال للتجارب السياسية المتعددة. بحيث يصير كل مواطن مساو للأخر، ويصبح صوت الانسان ألية للفعل وإضفاء الشرعية على النظام السياسي، ويتحقق مبدأ التأسيس الذاتي والفردانية الجماعية والمنظمة، وتتحدد المعالم الكبرى للمجتمع، كنسق ينشأ عن طريق التفاعل بين المواطنين، وليس اعتباره مشروع إلهي أو طبيعي. فالتصويت وسيلة لخلق جماعة المواطنين، وسر من أسرار المساواة الملموسة العاكسة بشكل واضح لمعنى المواطنة [57].

يؤكد الباحثان أن المواطنة الحديثة تجعل كل مواطن مهما كان لونه، يحس بذاته وبوجوده الخاص، فيتحرر تلقائيا من نزعة الخوف الجاثمة على كينونته، ويترسخ في وعيه مبدأ المقاومة، فيستعمل صوته بشكل واع، وتلك إحدى تجليات المواطنة، حيث زوال العنصرية وتحقق مبدأ المساواة. فالتصويت مرآة عاكسة للمواطنة، وبه يتحدد الانتماء إلى مجتمع سياسي. وعليه، لا نستغرب إن سمعنا عن النقاشات الداعية إلى ضرورة منح التصويت للأجانب، لأنه لحظة احتفال سياسي، وما يرافق ذلك من طقوس، كوجود صندوق فارغ ومعزول ومحاط بهالة من التقديس القانوني، يتوسط القاعة مثله مثل المذبح أو الهيكل وسط الكنيسة، هذا التقدم السياسي والحقوقي يدل على قداسة معنى المواطنة بقداسة ألياتها وشروطها ومتغيراتها الانتخابية [58].

زمن الأزمنة الحديثة، زمن المواطنة المتغيرة والمفتوحة لجميع الأفراد وبدون تمييز، بغض النظر عن الاختلافات الثقافية والتاريخية والدينية، فالمواطنة قيمة وجودية لضم الأفراد والشعوب، وجعلها تتجاوز جميع الاختلافات، في أفق تكوين وحدة منسجمة، فهناك فئات كثيرة كانت مهمشة في بعض المجتمعات- اليهود في ألمانيا النازية مثلا- لكن منح التصويت لها، جعلها حائزة للمواطنة. علما أن المواطنة لا تتحقق بشكل كامل، وهذا ما جعل العقل السياسي الثوري يصوغ فكرة المواطنين النشيطين والفاعلين، لتأكيد أن المواطنة مخاض وصيرورة، متدرجة معرضة للانتقادات من أجل تطويرها وتثويرها وتنويرها. فالحق في التصويت لم يكن متاحا للجميع، غير ان الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية جعلته من حق الجميع، لأن ما يؤسسه كوني وعمومي [59]. غير أن المتمعن في مضمون متن الباحثان يلفي نفسه أمام فكرة جديدة مضمونها ان فكرة المواطنة في الزمنة الحديثة والمعاصرة تمر باختبار وامتحان عسيرين خاصة ما يتعلق باستبعاد من ليسوا بمواطنين- كالمقيمين واللاجئين- الأمر الذي يفرض تحديا على العقل السياسي، بغية التفكير في بناء منظومة مفاهيمية جديدة من صميم فكر المواطنة العالمية، وإزالة المفاهيم ذات الحمولة العنصرية والاستبدادية كالشمولية والاستبعاد [60].

إن المجتمعات المؤسسة على المواطنة منفتحة على الأجانب والغرباء، مقارنة مع أشكال التنظيم السياسي الأخرى، إذ يمكن حيازة جنسية البلد الذي يقيم فيه الانسان، شريطة إبعاد المحددات والموجهات الثيوقراطية، بحيث لا يتطلب الأمر اعتناق دين الدولة الرسمي، فمن الصعب مثلا الانتماء إلى الشعب اليهودي بناء على الدين، لكن، من الممكن الانتماء إلى إسرائيل، رغم عدم اعتراف الحاخامات بهم كيهود [61]. لذلك، فتطور المجتمعات والدول رافقه تطور الحقوق السياسية والاجتماعية والقانونية، المر الذي انعكس على الأجانب الموجودين بشكل قانوني داخل بلدان إقامتهم، بحيث صيغت التشريعات القانونية لمنحهم حقوقهم المدنية والاقتصادية والاجتماعية، ويعد ذلك، تأكيد على فكرة المواطنة العالمية، بموجبها يتمتع الأجانب بجميع الحريات الفردية أو الحقوق المدنية، فلهم حرية التنقل والزواج، والتعبير عن الرأي، معنى ذلك، أن مجمل التشريعات الخاصة بالحقوق الاجتماعية أٌقرت وأصبحت مضمونة قانونيا [62]. لكن ما الطريق لترسيخ ثقافة المواطنة داخل المجتمع؟

إن سيادة المواطن تتطلب نقاشا عميقا يترجم إلى مؤسسات سياسية، وتسبق ذلك وضع برامج تعليمية وتربوية هادفة وناجعة، لغرس مبادئ المواطنة الحقة، على اعتبار أن التعليم هو أساس المشروع الديموقراطي، بحيث يساهم في جعل الأفراد يتمتعون بالقدرات الضرورية المؤهلة للمشاركة في الحياة العامة، فالمدرسة هي النموذج الأمثل لمؤسسة المواطنة، وهذا ما يفسر كون الديموقراطية اليونانية كانت حكرا على الأثرياء من المواطنين بسبب غياب المدرسة، لذا، فالمواطن القادر على ممارسة حقوقه بشكل ملموس مرتبط بالديموقراطية نظرا لتوفر الفضاءات التربوية والتعليمية[63].

مباشرة بعد الثورة الفرنسية صار الحديث عن المعلمين المؤسسين لتأسيس الأمة، كون هذه الأخيرة هي مصدر السلطات والسياسة الشرعية، وكمثال على ذلك، فالمدرسة في فرنسا هي مدرسة المواطن، وأنها أداة سياسية في خدمة الجمهورية. لذلك، ركز عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم على ألأهلية الجوهرية للمدرسة، في التشكل والتكوين المعنوي للبلاد، من أجل أن يترقى الأفراد، ليصبحوا مواطني المستقبل على نحو أفضل. وعليه، فللمدرسة عدة وظائف، فهي تقدم اللغة والثقافة الإيديولوجية للدولة وذاكرة تاريخية مشتركة، وأنها أيضا تساعد على تشكل مساحة خيالية لصورة المجتمع السياسي، فنظام المدرسة مماثل في جوهره لنظام المواطنة [64]. لذلك، ألا يؤدي مبدأ سيادة المواطن إلى فردانية متضخمة قد تعصف بالمؤسسات التقليدية؟

المحور الرابع: الفردانية الديموقراطية وإشكالية المواطنة

يعالج الباحثان في الفصل الرابع قضية الديموقراطية الفردانية ذات الأساس والمنشأ الديموقراطي، بمعنى أن الفردانية بنت الديموقراطية كون هذه الأخيرة ليست مجرد نظام سياسي، السيادة فيه للشعب أو مجموع المواطنين، ولكنها ثقافة تعيد المواطن الفرد إلى ذاته، تجعله في بعض الأحيان يتمركز وينغلق على ذاته، ذلك أن الثورة الفرنسية لم تنتج نظاما سياسيا جديدا وحسب وإنما أفرزت روابط اجتماعية حديثة، حيث حل مفهوم المواطن محل كل المفردات. ظهرت المواطنة المجردة الداعية إلى المساواة، هذا التغيير العنيف أدى إلى تبدل ملحوظ على مستوى التراتبية والدمج الاجتماعي [65].

إن المواطنة هي أصل ومصدر العلاقات الاجتماعية، غير أن السعي في اتجاه تحقيق الموازنة والتوفيق بين الفرد- المواطن ومتطلبات الحياة الاجتماعية عملية صعبة ومعقدة، يتجلى ذلك في علاقة الحق بالفردانية الديموقراطية. فالحق هو ترجمة عملية للقيم الاجتماعية المتعارف عليها، حق افضى إلى البروز الحديث لمفهوم الحق الذاتي على حساب الحقوق الموضوعية الأخرى. خصوصا وأن القانون الأوروبي اعترف بحقوق الأشخاص للمساهمة الفعالة والحقيقية في بناء الشخصية القانونية [66].

ويعتبر الباحثان، أنه رغم سعي بعض الفلسفات إلى نفي الحقوق الذاتية (ليون دوجي) فقد تمت إعادة توطين الحقوق الذاتية والحرص على تنميتها جراء المتغيرات العالمية والمتمثلة في الحرب العالمية الثانية، وأيضا كرد فعل تجاه مآسي ونتائج النازية، حيث ترسخت مجموعة من الحقوق الذاتية الجديدة، كالحق في المبنى محور عقد الايجار، والحق في السكن للأفراد، وترتيب المسؤوليات الناتجة عن حوادث الطريق لضمان الإصلاحات. وأن لكل فرد الحق في احترام شبهة البراءة. وعليه فالحق الذاتي يشمل التعرض للحياة الخاصة والتعرض للحرية وللأسرار المهنية [67]. فمن حق كل فرد اللجوء للعدالة إحقاقا للحق وحيازة الحقوق الذاتية، حيث بالإمكان أيضا الاعتراف للطفل بحقه في التعبير. وقد تطورت الحقوق الذاتية وتضخمت خاصة في الولايات المتحدة الامريكية، حيث تفضيل اللجوء إلى المحاكم في كل القضايا الاجتماعية [68].

إن تضخم القضايا المعروضة على المحاكم قد يضعف النصوص القانونية، ويجعلها هشة، لأنه يصعب بناء على الحقوق الذاتية إعادة تعريف وترتيب حاجات البشر، وفق تراتبية مضبوطة ومحددة المعالم، كالحق في العمل/ والحق في السعادة، والحق في الطفل، والحق في الاجهاض بمعنى تضخم الذاتي والفرداني على حساب الاجتماعي والأسري. لذا، فالحقوق الذاتية، افرغت القانون الموضوعي من محتواه الأمر الذي تطلب نوعا من المواءمة، وتنمية القوانين الخاصة والاستثنائية، والتي تزيد من غرق الحياة الاجتماعية وتعقدها، خصوصا وان أهل الاختصاص هم من يحق لهم الكلام عن مختلف القوانين باعتبارهم أهل الاختصاص والكفاءة وكل مناقشة عامة وعلانية تعلي من سيادة الفرد تبدوا ضبابية [69]. لأنه حسب رؤية الباحثان يصعب وضع حدود متفق عليها حول الحقوق الذاتية، لأن قوة الفردانية مستمرة، إنها كالنهر الجارف، أضف إلى ذلك أن تضخم الفردانية يضعف المؤسسات الوطنية بحيث لم تعد المؤسسات التقليدية كالمدرسة والنقابة تفرض سطوتها وسلطتها على الأفراد بشكل مطلق [70].

إن وجود السلطة يفرض على كل فرد المطالبة بحقوقه الطبيعية والاحتماء بمعتقداته الشخصية، رافضا أية سلطة تقليدية، فالحديث عن أزمة التعليم وأزمة النقابات وأزمة الكنائس مظهر لتجلي العلاقة الجديدة بين الفرد والمؤسسات، إنه الانفجار العنيف للفردانية على حساب المؤسسات وكل اشكال السلطة. فحديث الفرد المناهض للسلطة جعله يبرر سلوكه لجعل شخصيته تزدهر، ليصير صاحب حكم ذاتي مستقل [71].

غياب المعايير الواضحة، أدى إلى تمييع الحياة الاجتماعية الفردانية، حيث تشظت الشرعيات معلنة عن تأثير الفردانية، وأصبح الحوار والتوافق في جميع الفضاءات هما أساسا العلاقات الاجتماعية. فالتفاوض هو أساس الروابط الاجتماعية، الأمر الذي يتطلب حماية الحقوق الذاتية نظرا لعدم تساوي أطراف التفاوض بين المواطن الأجير وصاحب الكفاءة، فعلى المؤسسات أن تحمي أكثر الناس ضعفا [72]. وأنه من الضروري تدخل الدولة كسلطة وقوة عامة لتأكيد المساواة في الحقوق وتطبيق ذلك بفعالية خاصة في المجتمعات المتباينة، وعدم تدخل الدولة يؤدي إلى ظهور النزعات العنصرية والعرقية وخرق قيم الجماعات. وعليه، يجب صياغة التشريعات الخاصة وتطبيق مبدأ المساواة بين الجميع بشكل فعال داخل الحياة الاجتماعية. لكن، ما علاقة المواطنة بالأمة؟ وما هي شروط حيازة الفرد والجماعة للحقوق الثقافية التي هب بنت الزمن الحديث؟

المحور الخامس: الأمة والمواطنة واشكالية التعددية الثقافية

إن الأمة هي الإطار العام الذي تكونت داخله الشرعية السياسية والممارسة الديموقراطية، ومن تمت فإن هناك علاقة وثيقة بين المواطنة والأمة. فعبر التاريخ اقترنت المواطنة بمطلب الاستقلال الوطني وباسم قيم المواطنة المجسدة لتاريخ الأمة ثارت الشعوب المستعمرة مطالبة بالحق في الاستقلال. لذلك، كثيرا ما يتم الحديث عن المواطنة والقومية وهو ما يفسر مطالبة الشعوب بالحقوق الثقافية الخاصة بالأمة، فنشأت الحركات العمالية المطالبة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وترسيخ التعددية الثقافية في ظل المجتمعات الصناعية. 283 ولا شك في ذلك، لأن كل مجتمع متعدد الروافد الثقافية والجماعات، من حيث الجنس والوسط الاجتماعي والدين الممارس. لذلك، لا بد من إدارة جيدة للتعدد الثقافي والاثني والتحكم في جميع العناصر المتباينة داخل المجتمع، بحيث تغدوا المواطنة ألية لإدارة التباينات الثقافية، وتوطيد مبدأ التسامح وحماية النطاق الشخصي المتمثل في الميولات النفسية، والانتماءات الخاصة والمشاركة في ممارسة الدين بحرية واستخدام اللغة الأم.

إن إدارة التباينات تتجسد في ضرورة التمييز بين الخاص والعام، والجمع بين المساواة المدنية والسياسية للمواطنين مع احترام الارتباطات والانتماءات التاريخية والدينية المميزة لجماعة ما، في أفق ضمان وحدة المجتمع المشتركة. فتبعا لمبدأ المواطنة صارت التعددية الثقافية حقا من حقوق الانسان. خصوصا وأن مسألة التعددية الثقافية ظهرت إلى الوجود الغربي بسبب هجرة العاملين من بلدانهم إلى بلدان أخرى أجنبية، الأمر الذي فرض ضرورة الاعتراف بحق الأقليات الثقافي والديني، خاصة تلك الفئات التي اضطهدت بسبب اللون والدين، وقد تعززت الحقوق الثقافية في إطار النقاش العميق الذي فتح حول الاشكال التي ينبغي ان تكون عليا المواطنة الحديثة. فمادامت الجماعات منضوية داخل المجتمع ومشاركة بالفعل في الحياة المشتركة والقيم الجماعية، فيجب الاعتراف لها بجميع الحقوق الثقافية، شريطة احترام النظام العام. فدولة القانون المتسمة بالديموقراطية الحديثة تضمن الحقوق الثقافية.

إن الحقوق الثقافية، جزء لا يتجزأ من الحقوق الفردية والجماعية، التي هي من سمات الحداثة السياسية. علما أن الحقوق الثقافية لا تعني الحق في القراءة والفن والمعرفة، وإنما أن تكون للفرد حياة ثقافية خاصة، يسعى إلى تنميتها بوجود ومعية الأخرين، داخل مجموعة معينة، ويجب على العقل السياسي المدبر إبداع شروط وقواعد التوفيق بين الحرية والمساواة بين جميع المواطنين، بمعنى أن إدارة التنوع الثقافي تتطلب أليات جديدة تختلف عن تلك التي كانت سائدة. فلا بد من وجود ديموقراطية ثقافية حقيقية، تحفظ كرامة المواطن ثقافيا، وتستوعب الجماعات التي لها ثقافة تميزها مع تجاوز العوائق التي تفتح باب العنصرية والتمييز والسلطوية ودمج الجماعات التي تم تهميش عاداتها وتقاليدها والسماح لها باستعمال لغتها الخاصة. ولها الحق في ان تخلد أعيادها ومناسبات وطنها الأصلي.

يؤكد الباحثان أن بعض البلدان الليبيرالية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية لم تستطع تدبير الاختلافات والاعتراف بالتعددية الثقافية والتأقلم معها، لذلك، هناك مخاطر تهدد الحقوق الخاصة والتي يمكن الاصطلاح عليها بالجماعانية، حيث تطرح مشكلة حرية الأفراد، فالتأكيد على حق الفرد الثقافي قد يحصره داخل مجموعة تضيق من حريته الشخصية، خصوصا وأن المجتمع الحديث ينظر للأفراد على أن لهم أدوار اجتماعية متعددة، ومن حقهم الانتماء والتماهي مع مرجعيات يختارونها بأنفسهم. أضف إلى ذلك خطورة الاندماج الاجتماعي المطلق للفرد في جماعة يرسخ لدى الذاتية والمصالح الخاصة على حساب ما يجمع ويوحد المواطنين. بحيث يغدوا الفرد في هذه الحالة منغلقا على ذاته، ولا يتزود من الأخرين بالوسائل الضرورية للانفتاح، علما ان تلك الجماعة ليست أبدية فهي صيرورة متجددة. بمعنى أوضح، أن الاعتراف العلني بالحقوق الثقافية للجماعة ليس دائما إيجابيا، فيمكن أن يقود على التشظي والتجزيء الاجتماعين خصوصا إذا كانت الجماعة منغلقة.

إن غياب الضوابط الديموقراطية الضابطة للتعددية الثقافية يفضي إلى التجزيء الاجتماعي، لذلك، يجب التقريب بين الجماعات حفاظا على وحدة المجتمع ودوام تماسكه، وأن الاعتراف العلني يجب أن يكون مشروطا بانفتاح كل جماعة على المجتمع وليس الانغلاق، لأن بإمكان تلك الشروط أن تساعد على تأسيس وإقامة المواطنة المختلفة والمميزة. ومن شروط الاعتراف بحق الجماعة الثقافي، ألا تفترض سيادة على الأفراد وأن تترك لهم حرية الانضمام والانسحاب، مع تأكيد الباحثان أن الاعتراف يشمل أيضا العناصر الثقافية المتوافقة مع منظومة حقوق الانسان، وأن المعايير الداخلية للجماعة يجب أن تنسجم والقيم الجمالية السائدة في المجتمع، وفي ذلك ضمان للحق المتساوي بين الجماعات دون أن تطغى الواحدة على الأخرى.

 

محمد لمعمر

أستاذ الفلسفة، وباحث في فلسفة القانون

.................................

الهوامش:

[1] دومنيك شنابر وكريستيان باشولييه، ما المواطنة؟، ترجمة سونيا محمد نجا، الطبعة الأولى (القاهرة، المركز القومي للترجمة 2016)، ص. 27.

[2] مصدر نفسه 28.

[3] نفسه، ص 28.

[4] مصدر نفسه، ص 30.

[5] نفسه، ص 31.

[6] نفسه، ص 31.

[7] مصدر نفسه، ص، 31.

[8] مصدر نفسه، ص 32.

[9] مصدر نفسه، ص 33.

[10] مصدر نفسه، ص 34.

[11] مصدر نفسه، ص 33.

[12] مصدر نفسه، ص 35.

[13] مصدر نفسه، ص 36.

[14] مصدر نفسه، ص 37.

[15] مصدر نفسه، ص، 38.

[16] مصدر نفسه، ص 39.

[17] مصدر نفسه، ص 40.

[18] مصدر نفسه، ص 40.

[19] مصدر نفسه، ص 41.

[20] مصدر نفسه، ص 43.

[21] مصدر نفسه، ص 41.

[22] مصدر نفسه، ص45.

[23] مصدر نفسه، ص46.

[24] مصدر نفسه، ص47.

[25] مصدر نفسه، ص50.

[26] مصدر نفسه، ص51.

[27] مصدر نفسه، ص48.

[28] مصدر نفسه، ص 48.

[29] مصدر نفسه، ص101.

[30] مصدر نفسه، ص102.

[31] مصدر نفسه، ص103.

[32] مصدر نفسه، ص104.

[33] مصدر نفسه، ص106.

[34] مصدر نفسه، ص،107.

[35] مصدر نفسه، ص108.

[36] مصدر نفسه، ص109.

[37] مصدر نفسه، ص109.

[38] مصدر نفسه، ص110.

[39] مصدر نفسه، ص 111.

[40] مصدر نفسه، ص113.

[41] مصدر نفسه، ص115.

[42] مصدر نفسه، ص117.

[43] مصدر نفسه، ص118.

[44] مصدر نفسه، ص119.

[45] مصدر نفسه، ص120.

[46] مصدر نفسه، ص121.

[47] مصدر نفسه، ص 128.

[48] مصدر نفسه، ص123.

[49] مصدر نفسه، ص125.

[50] مصدر نفسه، ص،126.

[51] مصدر نفسه، ص128.

[52] مصدر نفسه، ص129.

[53] مصدر نفسه، ص129.

[54] مصدر نفسه، ص 177.

[55] مصدر نفسه، ص178.

[56] مصدر نفسه، ص179.

[57] مصدر نفسه، ص181.

[58] مصدر نفسه، ص183.

[59] مصدر نفسه، ص185.

[60] مصدر نفسه، ص187.

[61] مصدر نفسه، ص189.

[62] مصدر نفسه، ص190.

[63] مصدر نفسه، ص152.

[64] مصدر نفسه، ص253

[65] نفسه، ص255.

[66] نفسه، ص255.

[67] مصدر نفسه، ص256.

[68] مصدر نفسه، ص257.

[69] مصدر نفسه، ص 258.

[70] مصدر نفسه، ص 159.

[71] مصدر نفسه، ص260.

[72] مصدر نفسه، ص 262.

 

محمود محمد عليعلى خلاف النبوات التى ختمت فى بنى إسرائيل قبل البعثة الإسلامية بنحو تسعة قرون، جاءت النبوة المحمدية نبوة هداية، ليست نبوة استطلاع للغيب ولا إفحام للعقول بالخوارق المفحمة المسكتة، وإنما هى نبوة هداية أراد الله تعالـى لهـا أن تخاطـب وتفتــح "العقول" و"البصائر"، لا أن تفحمها وتقعدها عن النظر والتأمل والتدبر والتفكير والفهـم ـ ليست مهمة النبى أن يعلم الغيب "إِنَمَا الْغَيْبُ لِلهِ» (يونس 20)، وعلمه عند الله، "وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَ هُوَ" (الأنعام 59)، "يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَاعَةِ أَيَانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِى لاَ يُجَلِيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَ هُوَ" (الأعراف 187).. هذا المعنى الفارق لم يكن محض تصور متروك لاستخلاص الناس أصابوا فى ذلك أم أخطأوا، وإنما هو توجيه قرآنى صادر بأمر ربانى صريح إلى النبى أن يبدى للناس أنه ليس إلا بشرا رسولا اصطفاه ربه لحمل وأداء الرسالة .

لذلك أراد الإسلام لنبوة القرآن أن تكون نبوة فهم وهداية تدعو بكتابها المبين إلى النظر والتأمل والتفكير، وليست نبوة استطلاع وتنجيم وخوارق وأهوال.. النبى ليس منجما ولا عالمـا بالغيب، وليست النبوة نبوة سحر أو رؤى أو أحلام أو قراءة طوالع وأفلاك.. «قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعا وَلاَ ضَرا إِلاَ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَنِى السُوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (الأعراف 188).

لذلك حرص رسول القرآن أن ينحى عن أذهان الناس سمعة المعجزة المسكتة عندما جاءته ميسرة يوم كسفت الشمس وظن الناس أنها كسفت لموت ابنه إبراهيم، فأبى عليهم ذلك، ونبههم إلى أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفـان لمـوت أحد ولا لحياته.. ومع تعدد ما ورد فى المأثورات عن المعجزات والآيات التى صاحبت مولد محمد عليه السلام وطفولته، إلا أن عنايته الكبرى كانت بلفـت انتبـاه الناس إلـى معجـزة القـرآن وما ينطوى عليه من آيات ومدد لا ينقطع (وذلك حسب ما ذكره أستاذي "رجائي عطية" في مقاله بعنوان "النبوة المحمدية أوائل النبوات").

ومن هذا المنطلق وجدنا أن النزعة العقلية تبدو لنا واضحة في حديث "ميثم الجنابي" عن فقدان "المواد الوثائقية" للنبي صلي الله عليه وسلم؛ حيث يقول ميثم الجنابي:" إن فقدان "المواد الوثائقية" عن حياته السابقة للدعوة هو نتاج لانعزاله الفردي. إذ لا تحتوي كتب السير والتاريخ سوى معلومات قليلة عنه، بينما تسهب عن أهله وأسلافه، ابتداء من قصي وانتهاء بعبد المطلب. لا سيما وإن الموقع الاجتماعي لأجداده وأسلافه والأخبار المنقولة عنهم عبر ذاكرة الأجيال، يجعل من الصعب تجاهل قيمة أخبار البيت الهاشمي حتى في مراحل ضعفهم الاقتصادي والاجتماعي. وقد أدى هذا الضعف على خلفية اليتم المبكر والفقر إلى أن تكون العزلة والانعزال ملاذه الأخير. ونعثر في القرآن على دفاع شديد عن الأيتام، بحيث وضع إهمال اليتيم في مصاف الكذب بالدين كما في الآية: "أرأيت الذي يكذب بالدين. فذلك الذي يدع اليتيم"، أو أن يجعل من إطعام اليتيم إحدى "ضمانات" دخول الجنة كما في قوله "وما أدراك ما العقبة. فك رقبة. وإطعام في يوم ذي مسغبة. يتيما ذا مقربة" .. الخ (24).

إن هذه النزعات وما صاحبها من توجهات قد أسهمت في تشكيل رؤي " ميثم الجنابي" وتنظيراته التي ضمنها كتابه الذي بين أيدينا.

وينهج الدكتور "ميثم الجنابي" في معالجته لقضية منهج الكتاب خلال أقسامه، منهجا نقديا في كل أقسامه، مع استخدام منهج تحليلي تركيبي، بمعني أنه كان معنيا بتحليل أقوال الآخرين فيما يتعلق بالمنهج ووسائله ووسائل التحقق به عند كل الطوائف والأفكار الأخرى.

لقد استطاع المؤلف "ميثم الجنابي" الوصول إلي نتائج ترفع من مستوي القارئ، وتجعله يقترب بسهولة من الكتاب إلي درجة الألفة والاستئناس، ويمكن إيجاز هذه الجوانب الإيجابية من المؤلف ما يلي:

أولاً: الجانب المعرفي: لقد جاء الكتاب مفعماً بالجانب المعرفي من حيث أن المؤلف وقف في الوصول إلي المعارف الضرورية لإنجاز هذا الكتاب، فقد تتبع المسار التطوري للفهم الصحيح للإسلام وحديث المؤلف عن الفهم هو حديث عن المعرفة، وعن نظرية المعرفة؛ لأن المعرفة والبناء المعرفي لا يمكن أن يتحققا إلا بقاعدة ثابتة من الفهم، ومن الأمثلة علي ذلك قول "ميثم الجنابي" في الإرادة الإلهية:" لكن المنطق يكشف ويبرهن على حقيقة جوهرية ألا وهي أنَّ غلبة الإرادة في التحدي الشامل جعلت من "إرادة الله" الملجأ الأول والأخير لاختيار الفعل بوصفه تحدياً. وبالتالي، فإنَّ "إرادة الله" تعني الإرادة المطلقة، أي إرادة اختيار الفعل بمعايير الحق، التي ستجد منفذها الجلي بالنسبة للوعي الديني والسياسي والأخلاقي في ما يسمى بأسماء الله الحسنى، بوصفها مؤشرات على الفضائل العملية. بينما يشكل اختيار أي منها تحقيقاً للإرادة. وضمن هذا السياق يمكن فهم تنوع واختلاف المواقف من الشدة إلى الرحمة، ومن الهجوم إلى الصبر وكثير غيرها، على وحدة الثبات في التغير. وذلك لأنَّ عدم اقتران الفعل المختار بمعايير الحق يؤدي بالضرورة إلى زعزعة اليقين وخلخلة الإرادة. فالإرادة الحقيقة بلا رغبة. بينما الإرادة المقيدة بالرغبة مجرد أهواء عابرة. ومن ثم ليست قادرة على الصمود أمام التحديات الكبرى. فقد جعل النبي محمد من كل تحد درجة قصوى، وانه لا صغائر في الأمور، انطلاقا من أنَّ الأشياء بالنسبة لله كلها سواء. الأمر الذي يجعل من الأشياء كلها سواء بالنسبة للإرادة المتسامية (25)؛ ثم يؤكد قائلا: ونعثر على هذه الصيغة في شخصية محمد وإرادته حالما تجسدت في حالة "شخصية نبوية وإرادة متسامية". ولعل الحادثة الشهيرة عن رفضه المساومة على نبوته وإرادتها الفاعلة مهما كلفه الأمر بالعبارة الشهيرة "حتى يظهره الله أو اهلك دونه". ففي هذه العبارة والموقف نعثر على باعث اليقين بوصفه جوهر الإرادة المحمدية. فالإرادة المتسامية تعادل على الدوام فكرة اليقين. إذ يتغلغل اليقين في الإرادة ويتماهى معها بالشكل والمضمون، بحيث لا يمكن التفريق بينهما. فقد ظهرت عنده منذ البداية فكرة "حق اليقين" و"عين اليقين". وهو يقين يختلف عن يقين العلم والمعرفة، ويقين التقليد، ويقين البلادة والغباء. فالأول يحتمل الشكوك، بينما الثاني لا يعرف الشك، أما الثالث فهو يقين التقليد بمختلف مظاهره وأشكاله، والذي كان يطغي على تقاليد الوثنية العربية. أما اليقين المحمدي فهـو يقين متفائل، وذلك لأنه يقين النبوة أو حدس الوجدان الخالص. من هنا تداخل التفاؤل بالمعاناة العميقة التي تضعه أحيانا أمام هاوية اليأس والقنوط، ثم تعيده من جديد إلى تفاؤل مغر. فالإنسان الذي يدرك إرادته على أنها الحلقة الرابطة بين الأزل والأبد لا يصاب باليأس والقنوط، أو على الأقل أنَّ هذه الأحوال تظهر وتضمحل بوصفها شفرات القطع الحادة لما هو عالق وعابر، أو حجر المبرد الذي يقطع الشكوك بيقين الإحساس الجديد بنعومة "الأذى"!(26).

ثانياً: التتبع الدقيق للحقائق التاريخية للنبي، فقد وفق المؤلف في الوصول إلي الحقائق التاريخية للنبي صلوات الله وسلامه عليه وتقديمها في صورة لا يجد القارئ صعوبة في إدراكها والإلمام بها، فقد اختار الوسائل المساعدة لذلك، من عرض نظري لنقد نصوص المؤرخين، إلي مجال تطبيقي معتمدا في ذلك علي نقد جملة من النصوص التاريخية التراثية، والتي توصل المؤلف من خلالها إلي حقيقة مهمة، ومن الأمثلة علي ذلك قوله:" بلورت الثقافة الإسلامية مختلف الصيغ النموذجية عن النبي محمد. بحيث ارتقى فيها إلى مصاف النبوة المتسامية، أو نبوة التشريع وخاتمة الشرائع والأديان. الأمر الذي جعل من التعامل معه بمعايير النبوة، كما بلورتها الثقافة الإسلامية في مجرى تطورها، ميدانا للاختلاف والاجتهاد، لكن المشترك فيها وبينها هو جعله نموذجا، ومثالا، ومرجعية مطلقة، وميزانا توزن به الأقوال والأعمال. بحيث لم تتورع الثقافة هذه نفسها، على الأقل في بعض تياراتها، من أن تبتدع أحاديث مزورة من حيث الصياغة لكنها معقولة من حيث المعنى كما نراه، على سبيل المثال، فيما ينسب إليه من قول: "إذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم، تُعرَض عليّ أعمالكم"، و"إني أوشك أن ادعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وأهل بيتي" (27).

وهنا ينتقد هذا القول فيقول:" لكن مفارقة هذه الظاهرة تقوم في أن كتب "السيرة النبوية" بدأ من عروة بن الزبير (ت-93 للهجرة) مرورا بإبان بن عثمان (ت- 101 للهجرة)، وشرحبيل بن سعد (ت-121 للهجرة)، وابن شهاب الزهري (ت-124 للهجرة)، وانتهاءً بمحمد بن إسحاق (ت-151 للهجرة)، وبعدها أخذ منه وعنه ابن هشام (ت-213 للهجرة) في كتابه المشهور (السيرة النبوية) ولاحقا يضيف لها أو يتوسع في بعض جوانبها محمد بن سعد (ت-230 للهجرة) في (كتاب الطبقات)، هي تجميع كمي للمعلومات فقط (28).

ثالثا: الإحاطة الجيدة لحدود الموضوع المدروس، لقد أبان المؤلف عن حسن تبصر، وعن رؤية واضحة للموضوع المدروس، مما جعله متمكناً من المعلومات التي يعرضها، حتي استطاع أن يوجهها لخدمة الغرض الديني الذي وُضع من أجله الكتاب، ويتضح لنا ذلك من خلال مناقشة ميثم الجنابي لتقييم شخصية محمد عند الغربيين، حيث يقول المؤلف:" اما بالنسبة لدراسات والابحاث التي كتبت عنه في الثقافات غير الإسلامية، وبالأخص عند الأوربيين فقد اختلفت فيه الآراء والمواقف والأحكام. وفي اختلافاتها وتنوعها تعكس اولا وقبل كل شيء اختلاف مراحل الأحكام، ومستوى تطور المعرفة وتدقيق العلوم، ونوعية المناهج، إضافة إلى مختلف الصيغ الظاهرية والمستترة لانتماء الباحثين الديني والقومي والثقافي.. ثم يعطسنا إشارات كثيرة لبعض الكتب "النموذجية" بهذا الصدد، مثل: المؤلفات القديمة التي كتبها بيوتر الموّقر (ولد عام 1594)، الذي ألف كتابان، الأول تحت عنوان (سيرة النبي وحياته) والثاني (جدل بين مسلم ونصراني). وكلاهما مليئان بالتشويه والكذب.()12، ومثل كتاب كوسين دي بيرسيفال(1795-1817) عام 1846-1848 عن (تاريخ الاسلام وحياة محمد) بثلاثة أجزاء. وتبعه أو تزامن معه كتاب ميولر عام 1858 بأربعة مجلدات ضخمة عن حياة محمد هي من بين أفضل الأعمال المكتوبة آنذاك بالإنجليزية وصدرت تحت عنوان (حياة محمد وتاريخ الاسلام منذ الهجرة، مع مقدمة خاصة بالمصادر الأصلية المتعلقة بسيرة محمد). () 13، وكذلك مثل كتاب بيل، ر. (أصل الإسلام في بيئته النصرانية) عام 1928 بالإنجليزية، وكتاب سويتمان ج. (الاسلام واللاهوت النصراني) بثلاثة أجزاء (1945-1955) بالإنجليزية، وكتاب المؤلفان فيول ف.، وشنايدر (حياة محمد) بالألمانية 1955، وأخيرا كتابات واط مونتغومري واط (محمد في مكة) (1953) و(محمد في المدينة) (1956) وكلاهما بالإنجليزية. والأخير من بين أكثر الكتب موضوعية ودقة وتتبعا لحياة محمد العملية (29). ... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

.....................

(24) ميثم الجنابي: محمد رسول الإرادة، ص 67-68.

(25) نفس المصدر، ص 178.

(26) نفس المصدر، ص 179.

(27) نفس المصدر، ص 8.

(28) نفس المصدر، ص 9.

(29) نفس المصدر، ص 14.

 

 

محمود محمد علينعود ونستأنف قراءتنا النقدية في كتاب محمد رسول الإرادة لمؤلفه الدكتور ميثم الجنابي، وهنا في هذا المقال نجد الدكتور "ميثم الجنابي" أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلي مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين:

الدافع الأول: نظري معرفي، يقوم علي ضم الفروع والجزئيات بعضها إلي بعض، والتماس الروابط بينها، وصياغتها في صيغة نظرية فلسفية، وهو ما لا يعلم "ميثم الجنابي" أن أحدا قام به من قبل، لا في شئ محرر، ولا في كتاب مصنف، بل لم ير أحداً حام حوله طائر فكره، أو جعله غاية بحثه ونظره، فرسخ في ذهنه أن هذا أمر مستحسن إظهاره، وإبراز تعم فائدته، وبيان خفيت معالمه، وهذا الدافع قد نصفه بالهدف الأول لتأليف الكتاب، أو الدافع الظاهري أيضا.

الدافع الثاني: واقعي دعوي، يقوم كما يقول "ميثم الجنابي":".. يمكن فهم المعنى الحقيقي الكامن فيما أسميته بمحمد رسول الإرادة، أي حياة وفناء الشخصية المحمدية في الصيرورة التاريخية والكينونة الثقافية للعرب (والمسلمين)، التي لا تشكل النبوة فيها سوى أسلوبها العملي ونموذجها التاريخي. وقد كان الجاحظ على حق عندما قال بأن حقيقة الإنسان إرادة. والنبي محمد هو أولا وقبل كل شيء إنسان، وبالتالي فإن حقيقته إرادة، لكنها إرادة البدائل الكبرى. ومن ثم ينبغي قراءة وفهم ما في الكتاب ضمن هذه الرؤية المنهجية وهذا السياق التاريخي والثقافي لصيرورته وكينونته وديمومته أيضا (9).

والسؤال الذي أود أن أسأله للدكتور" ميثم الجنابي": لماذا اختار محمد رسول الإرادة، ولم يختار مثلاً" محمد رسول الحرية"، مثل الكاتب المصري "عبد الرحمن الشرقاوي"، أو"الإنسان لكامل محمد صلى الله عليه وسلم"، مثل الشيخ "محمد متولي الشعراوي"، أو "إنسانيات محمد"، مثل "خالد محمد خالد"، أو "حياة محمد"، مثل محمد حسين هيكل، أو "محمد الرسول"، مثل "أنور الجندي" .. وهلم جرا ؟

وهنا يجيبنا " ميثم الجنابي" فيقول:" لأن رسول الإرادة يستند إلي فلسفتي التاريخية الثقافية ؛ وبالأخص ما له علاقة بفكرتي المنهجية عما أدعوه بالمسار التاريخي ومنطق الثقافة والاحتمال العقلاني للبدائل. والمقصود بالمسار التاريخي هنا هو مسار التاريخ الطبيعي الذي يمر ويتحقق بمراحل سبع أساسية، الثلاثة الأولى "طبيعية" صرف، والرابعة والخامسة بينية، بينما (السادسة والسابعة) "ما وراء طبيعية". وهي كما يلي: المرحلة الاثنية - الثقافية؛ المرحلة الثقافية - الدينية؛ المرحلة الدينية - السياسية؛ المرحلة السياسية - الاقتصادية؛ المرحلة الاقتصادية - الحقوقية؛ المرحلة الحقوقية – الأخلاقية؛ المرحلة الأخلاقية - العلمية.. إن جميع هذه المراحل انتقالية، بمعنى أن التاريخ عملية مستمرة تحتوي على احتمالات متنوعة من الصعود والهبوط، لكنها لا تنفي مضمون القانون الطبيعي للتاريخ، بل تؤكده بوصفه احتمالا عقليا وإرادة حرة (10).

ويستطرد المؤلف " ميثم الجنابي" فيقول: ومن ثم يمكن التوصل إلى استنتاج مفاده، إن الكينونة التاريخية للأمة هي كينونة إرادتها. والإرادة هي ليست فقط ما تريده، بل وما تعيه بمقاييس الواجب التاريخي للوجود والمثال. فاقتران كينونتها التاريخية بصيرورة إرادتها المثلى يكشف عن ضرورة جهادها واجتهادها بمعايير وعيها الذاتي، أي بمعايير الكلّ الثقافي المتراكم في مجرى تجاربه المتنوعة من أجل تذليل الحدود الذاتية في تجاربها التاريخية. وفي الحالة المعنية تذليل الكينونة العربية لصيرورتها التاريخية الثقافية في المرحلة الدينية السياسية عبر نقلها إلى المرحلة السياسية الاقتصادية من خلال تذليل فكرة وحالة الهيمنة الظاهرية والباطنية لفكرة الأصول الدينية (اللاهوتية) في كافة مجالات الحياة ومستوياتها النظرية والعملية (11).

ولعل من المفيد إلي أهم التوجهات الضابطة في مسيرة المؤلف الفكرية عبر قسميه؛ وأبرز هذه التوجهات وهو ما ظهر للمؤلف "ميثم الجنابي" بأن الشخصية الواقعية هي شخصية تاريخية؛ ومحمد واقعي فهو تاريخي. والصورة الأكثر صدقا هي القادرة على رؤية الصيرورة التاريخية والواقعية للشخصية، ومن ثم رؤية أفكارها ومواقفها وعقيدتها ضمن هذا السياق. فهو الأساس الضروري لبناء الصرح الفعلي لعالمها الذاتي. حينذاك فقط يمكن الكشف عما فيه من دهاليز وطرق قادرة على إيصال البحث فيها عما كان محمد نفسه يدعو إليه: الخروج من الظلمات إلى النور! بمعنى كيفية تراكم وتحديد مهمات وغاية التحدي للواقع التاريخي وشحذ الإرادة وعقلها الذاتي من اجل رسم ملامح وحدود البديل التاريخي (12).

بيد أن النبي محمد صلوات الله عليه في نظر " ميثم الجنابي" لم يفكر ولم يضع أمام ناظريه ما ندعوه الآن بمهمات الحاضر والمستقبل، وذلك لأن المرجعيات الممكنة والمحتملة بالنسبة لنقل الأقوام والأمم إلى المرحلة الدينية السياسية تظل دوما محكومة بفكرة الواحد المتسامي والوحدة الخالصة لروح الجماعة النقية والتقية. وهي مرجعية قادرة على إبداع مختلف النماذج العملية الضرورية لحل المشاكل والقضايا التي تواجه الأمة والدولة؛ بمعنى أنها تمتلك الصيغة النظرية المجردة للاجتهاد النظري والعملي. الأمر الذي يجعل من تحرير الرؤية العلمية من غشاء العقائد الدينية واللاهوتية أسلوبا لإرجاع محمد الحقيقي وحقيقة محمد إلى أصل وجذر واحد، ألا وهو كفاحه الذاتي وبناء شخصيته في مجراه. وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن المصدر الأكثر دقة لإدراك شخصية محمد وحقيقتها هو القرآن. وبالتالي، فإن إعادة ترتيب آياته بما يتوافق مع زمن "نزولها"، أي بما يتوافق مع ما أطلقت عليه الثقافة الإسلامية عبارة "أسباب النزول" سوف يساهم في رؤية شخصيته التاريخية والواقعية كما هي، ومن خلالها تتبين ملامحها ومعالمها الفعلية. وذلك لأن الرؤية الواقعية والعلمية الدقيقة هي أكثر "قدسية" من تقديس اللاهوت الأجوف (13).

وثمة توجه آخر لميثم الجنابي يتمثل في أن النبي محمد صلوات عليه وسلامه، استطاع أن يجمع بين الإنسان والنبوة، أو أن النبوة امتداد للإنسان فيه واستكمال له وتحقيق ما فيه من خصال وتجارب. إذ لم يتحول محمد إلى نبي بل صار إياه. والنبوة، شأنها شأن كل حالة نوعية في الاحتراف الإنساني لها مقدماتها وخصوصيتها. فالأنبياء كالعلماء والشعراء والفلاسفة والأدباء وقادة الحروب وأهل السياسة والدولة، لكل منهم خصوصيته وموقعه فيما ينتمي إليه وصار جزءا منه، وأثره في تقاليد احترافه وخارجها (14)؛ علاوة علي أن النبي محمد حقق بذاته صيغة ما أسماها الكاتب "بلوغ مصاف المرجعية المطلقة لاتباعه (المسلمين) مما أدى الى أن تقتطف هذه الصيغة من كل الأنواع الأخرى ما يمكّنها من تعزيز قيمتها المرجعية الروحية والفكرية الدائمة. لاسيما وأنها تغلغلت جميعا في مسام المعركة التاريخية الكبرى التي قادها في نقل العرب من الطور الثقافي الديني إلى الطور الديني السياسي، أي إرساء أسس الانتقال الأكبر والأعقد في تاريخ العرب ولاحقا المسلمين بمختلف أقوامهم وشعوبهم وأممهم. وهي العملية الثقافية الكبرى التي أسست للطابع الثقافي للقومية العربية والأمة الإسلامية ككل (15).

أما التوجه الثالث فيتمثل في ربط المؤلف بين شخصية النبي محمد صلي الله عليه وسلم وبين حضوره في الثقافة النظرية الإسلامية (16)، وعلم الكلام (17)، والفلسفة الإسلامية (18)، والتصوف (19)، والتاريخ الإسلامي في القرن السابع والثامن الهجري (20)، والتأليف الحديث (21).

علي أن هذه التوجهات قد صاحبها ثلاث نزعات للمؤلف: إحداها نفسية والثانية أخلاقية، والثالثة عقلية. أما الأولي من هذه النزعات، فتتمثل في إفراط " ميثم الجنابي" في القول بأن: الشخصية المحمدية هي وجود جوهري في الوعي التاريخي (العربي والإسلامي). ومن ثم فهي غير قابلة للتكرار، لكنها قابلة للاستعادة المطلقة. وإذا كان الصوفية أكثر قربا في إدراك كليته، فإن قربهم ظل محصورا في ميدان الذوق. بينما تتبعوا في سلوكهم آلية التجزئة، بحيث جعلوا من شخصيته المتعددة الجوانب نموذجا أخلاقياً مطلقاً. بينما جعلت منه السلفية المتحجرة صنما. بمعنى قبوله للتمثل وفقدانه للحياة. وترتب على ذلك حصره في أحادية هشة، ومسخه الميتافيزيقي، وابتذاله المذهبي، بحيث أدى إلى إخلاء الصراع من الأرضية التاريخية القلقة التي بلورت شخصيته الفعلية (22).

وأما التوجه الثاني فتتبدي لنا بجلاء في مواضع عديدة من الكتاب يعزف فيها "ميثم الجنابي" لحن الوفاء للنبي محمد صلي الله عليه وسلم ؛ حيث يقول:" لقد كشف النبي "محمد" صلي الله عليه وسلم عن قدرة عملية هائلة في مختلف ميادين الحياة وعن مساع نقدية ظهرت في البداية برفض ما هو مخالف للحق. غير أن هذا الموقف النقدي والرافض لما هو سائد لم يتبلور بين ليلة وضحاها. انه نتاج أربعين عاما من العيش والتأمل العميق، اللذين استندا بدورهما إلى التقاليد العربية، والتي ظل أثرها بارزا في كلامه وفعله. ولم يجد حرجا في ذلك. على العكس فقد كان نشاطه بينها من أجل توحيدها يجري من خلال نفي التجزئة القبلية نفسها. وكان لا بد من أن تتلألأ هذه "القبلية" أحيانا في أفضل تجلياتها وأسماها. إلا أن ظهورها في سلوكه هو مجرد تمظهرها الخارجي، بوصفها البقايا الضرورية لإرث صيرورته الشخصية (23)... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

.....................

(9) ميثم الجنابي: محمد رسول الإرادة، ص 23.

(10) نفس المصدر، ص 19.

(11) نفس المصدر، ص 19-20.

(12) نفس المصدر، ص 24.

(13) نفس المصدر، ص 24.

(14) نفس المصدر، ص 24.

(15) نفس المصدر، ص 26.

(16) نفس المصدر، ص 17.

(17) نفس المصدر، ص 38.

(18) نفس المصدر، ص 41.

(19) نفس المصدر، ص 42.

(20) نفس المصدر، ص 45.

(21) نفس المصدر، ص 48.

(22) نفس المصدر، ص 52.

(23) نفس المصدر، ص 62-63.

 

ضياء نافعنعود – وللمرّة الثالثة – للكتابة عن هذا المرجع الوثائقي المهم في تاريخ العلاقات العربية – الروسية الثقافية، وذلك كي نتوقف قليلا عند الفصل الثاني للكتاب فقط، والخاص بالاديب والفيلسوف الروسي دستويفسكي في العالم العربي، وكما أشرنا في مقالتنا الثانية عن هذا الكتاب، عندما تكلمنا عن الفصل الاول الخاص بتولستوي .

 دستويفسكي ظهر باللغة العربية متأخرا مقارنة مع الادباء الروس الكبار بشكل عام، رغم انه يقف في طليعة هؤلاء الادباء، وكان اول ظهور له (حسب كتاب المستشرقة الميرا علي زاده المذكور) عام 1911 – 1912 على صفحات المجلة الفلسطينية (النفائس)، التي كان يصدرها خليل بيدس، اذ جاء – ولأول مرة باللغة العربية - اسم دستويفسكي و بعض مقولات له ليس الا في مقالة مسلسلة تم نشرها طوال عام 1911 بعنوان – (رزنامة تولستوي)، وجاء اسمه وبعض مقولاته واشارة الى خطابه عن بوشكين عام 1912 في مقالة اخرى ظهرت في نفس المجلة ايضا . تولستوي وتشيخوف وغوركي مثلا ظهروا في العالم العربي اثناء حياتهم، اما دستويفسكي، فقد ظهر بعد ثلاثين سنة تقريبا من وفاته (توفي عام 1881)، وهذه نقطة مثيرة جدا، و تستحق التأمّل والدراسة والتحليل بعمق من قبلنا، نحن العرب، لانها حالة واضحة المعالم تعكس مستوى وطبيعة الثقافة فعلا في عالمنا العربي الحديث، هذا الواقع الثقافي الذي بدأ بالتبلور منذ نهاية القرن التاسع عشر فصاعدا ليس الا. ان الظهور المتأخر لهذا الكاتب الروسي هو أول شئ يلاحظه قارئ هذا الفصل عن دستويفسكي من كتاب – (الادب الروسي و العالم العربي)، اذ يبرز رأسا السؤال في ذهن هذا القارئ عن سبب تأخّر ظهور كاتب كبير ومتميّز مثل دستويفسكي بهذا الشكل، ولا مجال طبعا للتوقف التفصيلي في مقالتنا هذه عند هذا الموضوع غير الاعتيادي والجدير بالدراسة التحليلية من قبل باحثينا، اذ اننا نستعرض هنا – ليس الا - كتاب المستشرقة المرحومة الميرا علي زاده عن الادب الروسي والعالم العربي.

الفصل الثاني (والذي جاء في الكتاب المذكور بعنوان دقيق جدا وهو – حياة وابداع دستويفسكي بعيون العرب) يقع في 133 صفحة بأكملها، ومن الواضح تماما الجهود التي بذلتها الميرا علي زاده في البحث عن المصادر العربية، التي تناولت دستويفسكي في بداية القرن العشرين، وهي جهود فذّة فعلا، اذ ان هذه المصادر تكاد ان تكون شبه منسيّة في عالمنا العربي، ولا يتذكرها القارئ العربي المعاصر بتاتا، رغم انها مصادر مهمة في مسيرة الثقافة العربية وتاريخها، وكم حريّ بنا – نحن العرب – ان نتذكّر تلك المصادر وندرس بعمق دورها في مسيرة الثقافة العربية منذ نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، مثل مجلة (المجلة الجديدة)، التي نشرت عام 1929 مقالة بعنوان – في ساعة الاعدام، وفيها رسالة دستويفسكي الشهيرة الى أخيه حول الغاء اعدامه في اللحظات الاخيرة قبل تنفيذ عملية الاعدام وتبديل الحكم الى النفيّ الى سيبيريا، ثم تنتقل المستشرقة للحديث تفصيلا عن ترجمة سلامة موسى لرواية دستويفسكي – (الجريمة والعقاب)، والتي قام بترجمها عن الانكليزية ونشرها على حسابه الخاص لانه لم يجد اي دار نشر لاصدارها، وذلك عام 1914، ويعدّ هذا الاصدار الكتاب العربي الاول لدستويفسكي، وقد طبع سلامة موسى الجزء الاول فقط ويقع في 120 صفحة ليس الا، وفشل فشلا ذريعا بتسويقه، لدرجة انه اضطر في النهاية ان يبيع النسخة الواحدة من الرواية بمليّم مصري واحد فقط كي يتخلص منه، ولم يستمر طبعا باكمال ترجمته للرواية بعد هذا الفشل الذريع . تنتقل المؤلفة بعدئذ – وبالتدريج – للحديث عن المصادر العربية الاخرى التي تناولت دستويفسكي، ومنها مقالة شاملة كتبها الباحث الفلسطيني اديب سعد خوري عنه ونشرها في مجلة (الاخاء) الفلسطينية عام 1931، وتترجم الى الروسية مقاطع كبيرة منها، وتثبت تلك المقاطع – وبلا شك - المعرفة العميقة والدقيقة لهذا الباحث لابداع دستويفسكي، ثم تشير المؤلفة الى مصدر عربي مهم حول ذلك، وهو كتاب حسن محمود، الذي صدر عام 1943 في القاهرة ضمن سلسلة (اقرأ) الشهيرة عن دستويفسكي .

لا يمكن لنا التحدّث عن كل هذه التفاصيل الطريفة والمهمة، التي توقفت عندها الميرا علي زاده في هذا الفصل الخاص بدستويفسكي في الجزء الثاني من كتاب (الادب الروسي والعالم العربي)، اذ ترد هنا اسماء كثيرة لباحثين وادباء عرب كبار، منهم على سبيل المثال وليس الحصر، محمد حسين هيكل ويحيى حقي وميخائيل نعيمه وسامي الدروبي و..و..و، ولكني أود ان أختتم هذه المقالة بالتوقف قليلا عند اسم الدكتور عماد حاتم، صديقي و زميلي في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين، والذي كان نموذجا للطالب الملتزم والمجدّ، واريد رأسا ان أذكر، انه الوحيد بيننا (نحن الطلبة العرب آنذاك في تلك الكليّة من سوريا والعراق ومصر)، الذي تخصص بادب دستويفسكي . لقد تحدّثت المستشرقة الميرا علي زاده عن كتابات عماد حاتم من ص 261 والى ص 273 باكملها، واستشهدت ببحوثه عن دستويفسكي، وترجمت مقاطع مهمة منها، وجاء اسمه (31) مرة في تلك الصفحات، وكم شعرت بالفخر وأنا أقرأ تلك الصفحات، وكلمات الثناء، التي كتبتها مؤلفة الكتاب عن الباحث السوري الكبير الدكتور عماد حاتم، والذي لا اعرف عنه الان – مع الاسف - اي شئ ولا أدري اين هو الان، ولكني أود هنا ان ابعث له بتحياتي وتمنياتي ومحبتي واعتزازي اينما يكون، يا ابن جامعة موسكو البار ورافع رايتها العلمية المجيدة، ويا (رفعة راسنا) ...

كتاب المرحومة المستشرقة الميرا علي زاده الموسوم – (الادب الروسي والعالم العربي) يعدّ مصدرا علميّا مهمّا جدا في تاريخ العلاقات العربية – الروسية الثقافية، ويجب علينا – نحن العرب – ان نأخذه بنظر الاعتبار ونوليه الاهتمام العلمي الجدير به، ونقدمه للقراء العرب، وان نكمل مسيرته الفذّة .....

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

محمود محمد عليهناك نمطان من الكُتاب الأكاديميين، نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون، فإن ذلك هو الصواب عينه؛ ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش .

ولا شك في أن الأستاذ الدكتور" ميثم محمد طه الجنابي (أستاذ العلوم الفلسفية في الجامعة الروسية وجامعة موسكو الحكومية، من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول، أو في قضايا معاصرة بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل .

واعتقد أنه في نظر الدكتور "ميثم الجنابي" فإن البحث الفلسفي، هو تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث، وليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة. وعلاوة علي ذلك فإن جدية "ميثم الجنابي" وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية عموماً، والمجتمع المصري خصوصاً، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه؛ وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية.

ويعد ميثم الجنابي واحداً من أبرز الوجوه الثقافية من أساتذتنا المعاصرين، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن، باحثا، ومنقباً عن الحقيقة والحكمة . إنه الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته، فهو ينقب في ثنايا الفكر العربي القديم والحديث والمعاصر، لكنه لا يسلم بما يكتبه عنه من قبل زملائه الباحثين في الشرق والغرب، بل لديه قدرة عظيمة علي أن يلقي بنفسه في خضم المشكلات المطروحة، ويشق لنفسه طريقه الخاص غير عابئ بما يقوله "أشباه الباحثين" .

وإذا ما أكتب اليوم عنه هذه الورقة، فما ذلك إلا نقطة في بحر فكره، وقد آثرت أن تكون ورقتي منصبة حول أحد إسهاماته في تراثنا العربي الإسلامي، وقد اخترت كتابه (هذا الذي بين يدي) وهو بعنوان: (محمد رسول الإرادة)؛ وقد صدر هذا الكتاب عن (دار العارف)، بيروت، 2018، وعدد صفحاته 238، وينقسم هذا الكتاب إلي قسمين، الأول وتحت عنوان (أرادة الروح)، والثاني (روح الإرادة)؛ ويتضمن القسم الأول ستة محاور؛ وهي على التوالي: الصيرورة الروحية للإسلام، الإسلام - مجاز الحكمة الخالدة، الصيرورة الروحية للنبي محمد، النبوة- إرادة الحق، الجهاد والاجتهاد النبوي، القرآن- قراءة الأبعاد المتجددة للوجود الإنساني.. أما القسم الثاني فيحتوي على أربعة محاور وهي على التوالي: الإسلام وفكرة التحدي التاريخي، إرادة البديل الشامل، النفي والبدائل، العقل الإسلامي الجديد).

وقبل أن أتحول لقراءة هذا الكتاب أقول: لقد علمتني التجارب البحثية أن هناك أكثر من طريق لقراءة الأعمال الفلسفية قراءة نقدية، وأكثرها عفوية وسذاجة أن نلخص العمل الفلسفي أبواباً وفصولاً ثم لا شئ، وأعمقها أن نحاول تحديد مقولات العمل أولاً حتي نضع المتلقي معنا علي أرضية واحدة مشتركة، ثم نخلص من ذلك إلي تجسيد رؤيتنا النقدية لهذه المقولات وإحالة هذه الرؤية النقدية في النهاية إلي قضايا وظاهرات.

وقد اخترت في قراءتي النقدية لكتاب الأستاذ الدكتور ميثم الجنابي (محمد رسول الإرادة)، تلك الطريقة الأخيرة التي ترفض الهشاشة وتكابد في طريقها إلي محاولة التنظير والتأصيل .. أولاً: لأن هذا الكتاب عمل علمي جاد يستحق بالفعل أن يعاني الناقد في قراءته وتقويمه، وأزعم أن هذا الكتاب سوف يضيفه التاريخ إلي أمهات الكتب الخوالد، لأن هذا المضاف يفتح السبُل أمام النظر، وإعمال العقل، وأمام البحث ومناهج العلم .. وثانياً الميزة التي يتميز بها الكاتب "ميثم الجنابي" في هذا الكتاب، وهي هذه الجدية في النظر، وهذه الصرامة في المنطق، وهذا العكوف في العمل، وهذا الاحترام للنفس كاتباً وللغير قارئاً هو ما في نظري ما تعودت عليه أنا شخصياً مع ميثم الجنابي (في هذا الكتاب)، يحتشد للموضوع الذي يبحثه من جوانبه التي تخصص فيها، ويتقدم للقارئ لا بالموضوع الذي يبحثه فقط، ولكن بالأدوات المنهجية التي يتعامل مع موضوعه بها، فيعرضها واضحة بما تستدعيه من منطق، ومن أسلوب تدليل ومن ترتيب سياق.

ويمثل كتاب (محمد رسول الإرادة) معلماً بارزاً من معالم خطاب الدكتور ميثم الجنابي الداعي إلي قراءة تراثنا العربي الإسلامي قراءة علمية وموضوعية، بقصد التعرف علي الثقافة التي أنتجها هذا التراث، وإدراكها في إطار سياقها التاريخي والاجتماعي سعياً لمزيد من الفهم لواقعنا الثقافي المعاصر عن طريق استخلاص مغزي الدلالات المختلفة لهذا السياق، ولما كان التراث في رأيه هو مجموع النصوص التي أنتجت عبر العصور المختلفة من تاريخ أمتنا؛ فإن فهم هذه النصوص يصبح السبيل الوحيد لخلق وعي علمي بهذا التراث وبآليات إنتاجه .

والواقع أنه إذا كان صحيحاً القول بأن للفيلسوف حدثاً واحداً يتكرر كل عدة سنوات كما قال الفيلسوف الفرنسي المعاصر " هنري برجسون"؛ فإنه صحيح أيضاً القول بأن للمفكر المتميز خطاياً واحداً يتكرر دائماً عبر مستويات عديدة تعكس كلها رؤية واضحة ومتفردة، كتلك التي نجدها متضمنة في جميع أعمال الدكتور "ميثم الجنابي": كتاباً كانت .. أم مقالات، أو حتي حوارات صحفية ..!

ومن هنا يقع كتاب (محمد رسول الإرادة) الذي نحن بصدده الآن ضمن الدوال الرئيسية علي معالم هذا الخطاب الذي يمثل بحق اتجاهاً معرفياً جديداً في حقل الثقافة العربية المعاصرة .. اتجاها احتل مكانته في قلب هذه الثقافة عن جدارة واستحقاق بصرف النظر عن مدي الاتفاق أو الاختلاف مع ما يمثله من قيمة معرفية ومنهجية في دراسة علوم التراث ونصوصه، وهي قيمة ولا ريب عظيمة ولو كره الشائنون..!

ومن عادتي عند قراءة كتاب لا أعرف محتواه، أن أخمِّن موضوعه من عنوانه، وغالباً ما يكون تخميني صحيحاً؛ فحسب علمي لم يكتب قبله كتاب في موضوع "محمد رسول الإرادة"، وشرح أفكاره بطريقة نقديَّة، وهذا واضح من خلال التوجّه التي سار عليه الدكتور" ميثم الجنابي" عندما أعلن بأن:" الفكرة الرئيسية لهذا الكتاب تقوم في تبيان أثر الشخصية المحمدية في وضع أسس اللحظة التأسيسية للمراجعات الثقافية المتسامية التي أدت إلي نقل العرب من المرحلة الثقافية الدينية إلي المرحلة الدينية السياسية، وما استتبعها من تأسيس لاحق للثقافة الإسلامية وحضارتها . وبالتالي الكشف عن أنه كلما جري الغوص في حقيقتها التاريخية كلما تعمق الباحث في حقيقتها الما فوق التاريخية . ومن ثم البرهنة علي أثرها الجوهري في تحدي الوجود التاريخي بإرادة البدائل الكبرى . من هنا بقاءها الحي وقدرتها علي الإلهام العقلي والروحي بوصفها شخصية تاريخية وما فوق تاريخية، أي كل ما جري وضعه في مفهوم النبي محمد والنبوة المحمدية، والرسول والإرادة الإسلامية (1).

ومعني هذا أن الكتاب يقوم علي فقه المراجعة، وهذا الفقه يعد فلسفة أصيلة في فكرنا الإسلامي، ولهذا ظلت العلوم الإسلامية طيلة تاريخها تخضع للمراجعة من قبل المتخصصين فيها من العلماء، وهي تلك المراجعة التي ينظر فيها كما يقول الدكتور "عبد المجيد النجار":" اللاحق فيما أنتجه السابق فيتناوله بالتمحيص؛ يلائم بينه وبين مقتضيات ما استجد من أوضاع المسلمين لتنتهي إلي تعديل ما ينبغي تعديله، وإضافة ما ينبغي إضافته، وربما إسقاط ما ينبغي إسقاطه، وبسبب ذلك نري هذه العلوم تتطور باطراد في كمها وكيفها، ومهما يأتي عليها من زمن تخلد فيه غلي الركود، فإنها لا تلبث أن تنبعث فيها الحياة من جديد، وذلك بفعل هذه الفلسفة التي انبتت عليها الثقافة الإسلامية في تطور العلوم، وهي فلسفة المراجعة المستمرة من أجل التطوير والتنمية لمجابهة ابتلاءات الواقع" (2).

في هذا السياق يأتي كتاب (محمد رسول الإرادة) لمؤلفه الدكتور ميثم الجنابي لينخرط في مسلسل المراجعات الاجتهادية التي تتوخي تحريك ديناميكية الفكر الإسلامي، ويجيب عن أسئلته الإشكالية التي يفرضها منطق الواقع ومنطق التاريخ.

وبالتالي فإن هذا الكتاب ليس رواية من نسيج الخيال، ولا سرد لأحداث تاريخية، وإنما هو عبارة عن مراجعة لمئات المصادر والمراجع، وكذلك البحث بصورة نقدية لكل من كتب عن النبي الخاتم " محمد صلي الله عليه وسلم"، وقد جاء الكتاب علي قسمين كما قلنا: الأول ويحمل عنوان (إرادة الروح )، بينما الثاني يحمل عنوان (روح الإرادة)، وبمجموعهما كل واحد . مهمة الأول تتبع فعل الإرادة النبوية لمحمد في تحقيق المبادئ الإسلامية في نواحي الحياة بمستوي الطبيعي والما وراء طبيعي من أجل نقل العرب (ولاحقا المسلمين) إلي المرحلة التاريخية الثقافية الجديدة ( الدينية السياسية) . وكلاهما كل واحد بمعايير التاريخ والحقيقة (3).

وهذا يعني أن " محمد رسول الإرادة" يختلف اختلافا عما سائد في أصناف الكتابة المتنوعة عن " السيرة النبوية"؛ إذ ليس للكتاب علاقة، كما يقول الدكتور " ميثم الجنابي" بهذا الصنف من التأليف؛ بمعني أنه ليس كتاباً عن " السيرة النبوية" و " حياة النبي محمد" بالمعني المنتشر والسائد من الكتب التأريخية والعقائدية والوظيفية ( التعليمية والتربوية والأدبية والسياسية وما شابه ذلك ) (4).

إنه كتاب فلسفي صرف يستند من حيث الأسس النظرية لفهم حقيقة الشخصية النبوية والرسالة لمحمد صلوات الله وسلامه عليه، وأثرها التاريخي العربي والإسلامي والعالمي إلي فلسفة الدكتور "ميثم الجنابي" التاريخية والثقافية . وبالتالي فهو كتاب تفتقده المكتبة العربية والإسلامية، إذ فكلاهما كما يذكر المؤلف لم يتمرسا بعد في فهم حقيقة الشخصية المحمدية بمعايير الفكرة النظرية بشكل عام والفلسفية بشكل خاص؛ لاسيما وأنه الأسلوب الأدق من أجل إرساء أسس النظرية المجردة والمتسامية والواقعية في الوقت نفسه عن الشخصية المحمدية والنبي محمد نفسه؛ ومن ثم إزالة الصيغ المبتذلة والظاهرية عن " توظيف " المعلومات عنها وعنه، أو " توظيفهما" هو من أجل " البرهنة " عن رؤيتها العقائدية والمحلية (5).

إن حقيقة الشخصية المحمدية في نظر "ميثم الجنابي" تتطابق كما يقول مع المعني القائم في عبارة " عين الحقيقة"، وهذه بدورها لا تحاج إلي توظيف جزئي أو متجزأ، لأن الحقيقة لا تتقبل التوظيف . إنها كافية بذاتها من أجل تنوير العقل والضمير الفردي والاجتماعي والإنساني (6)؛ إذ ليس هناك من شخصية في تاريخ الإسلام جري تصوير ورسم وتتبع كل دقائق حياتها، وأفعالها، وأقوالها، بل وحتي خلجات نفسها، إضافة إلي أصلها ونسبها وحيثيات وجودها من المهد إلي اللحد أكثر من محمد (7).

وهنا نجد "ميثم الجنابي" يعلن أنه يرغم أن كتابه يجمع بين ينتمي إلي وحدة الرؤية النقدية والمنهج الفلسفي، إلا أنه يجمع بين الرؤية التاريخية الواقعية، والنقدية العقلية، والنظرية الفلسفية؛ وبالتالي، فهو الكتاب الأول في الثقافة العربية والإسلامية في كيفية تناوله لشخصية محمد، والشخصية المحمدية، والنبي محمد والنبوة المحمدية، والرسول والرسالة الإسلامية (8).

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

.....................

(1) ميثم الجنابي: محمد رسول الإرادة، دار العارف، بيروت، 2018، ص 9.

(2) أنظر عبد المجيد النجار: مراجعات في الفكر الإسلامي، الطبعة الأولي، دار الغرب الإسلامي، 2008، ص351.

(3) ميثم الجنابي: نفس المصدر، ص9.

(4) نفس المصدر، ص 10.

(5) نفس المصدر، ص 10.

(6) نفس المصدر، ص 10.

(7) نفس المصدر، ص 11.

(8) نفس المصدر، ص 19.

 

 

عبد الرضا علي صدر عن دار العارف للمطبوعات ببيروت قبل أيّام كتابي: (صور من ذاكرة الخوف في زمن الطغيان). وهو الكتاب الحادي والعشرون تسلسلاً في مشروعي الثقافي: متضمِّـناً أربعَ عشرَةَ صورةً كشفت ما كان خافياً على شباب هذا الجيل من جرائم جمهوريَّة الخوف، وأزلام منظمتها السريّة الذين كانوا كالوحوش التي تنهش لحوم البشر، وتلعق دماءَهم.

 وجاء في توطئته ما يأتي:

(1)

 تذكيراً بما فعلتْهُ المنظّمةُ السريّة من خرابٍ في المؤسّسات العلميّة والثقافيّة إبّان الحكم الدكتاتوريّ الشمولي وطاغيته المقبور، أنشرُ في هذا الكتاب بعضاً من صورِ الخوفِ التي عايشتُها، أو كنتُ واحداً ممَّن شملَه خوفها، كي يطّلعَ الجيلُ الجديدُ على ما كان يحدثُ من إجرام في حقِّ الأساتذةِ والمبدعين، وحملةِ الأقلامِ الشريفة الذين رفضوا إغراءات الجَزَرَة بإباء، فصانوا أقلامهم عن التلوُّثِ،ونأوا بها بعيداً عن السلطانِ، وشعرائه، والمطبِّلين له من الصحفيين الذين تدرّبوا بأحضان تلك المنظّةِ السريَّة القميئةِ، وحاولوا تبييضَ وجهَ جمهوريّةِ الخوفِ بدون حياء، فضلاً عمَّا كان من صورٍ أخرى كنتُ فيها شاهد تاريخ .

(2)

 وكنتُ قد نشرتُ في الجريدة الأسبوعيّة (العراق الحرّ) التي كان يصدرها المجلس العراقي الحر برئاسة المرحوم سعد صالح جبر بلندن بعضاً من صور الخوف تلك باسمٍ مستعار أيّام الطغيان تجنّباً من ملاحقة عائلتي في العراق،ودرءاً لما قد يلحقني من أذى المنظّمة المخابراتيّة في الخارج، وكان الأستاذ قاسم غالي (نائب رئيس التحرير) قد تكلّف بطبعها على البورد مشكوراً لكوني لم أكنْ قد تعلّمتُ الكتابةَ بعدُ، ثمَّ توقفتُ عن نشر بقيّة الصور حين تعلّمتُ الكتابة بإصبعٍ واحدة، كي أستكمل مشروعي الثقافي النقدي المؤجّل، لكنَّني عاودتُ نشر صورٍ أخرى من ذاكرة الخوف في بعض الدوريّات العراقيّة بعد سقوط الصنم سنة 2003م.

 أُحبُّ أنَّ أُكرَّرَ القول في أنّ أغلب هذه الصور قد عايشتُها، أو كنتُ شاهداً على حدوثِها، لكنَّ بعضها الآخر قد رواها لي أصدقاءَ موثوقون، أو ممَّن حدثت لهم، ونجوا من الموت، أو الملاحقة على نحوٍ ما، ولعلَّ القارىءَ الذكي سيعرف ما كان منها لصيقاً بذاكرتي،وما كان من المرويّات التي وثقتُ برواتِها .

  وجميعُ هذه الصور هي لكشف ما كان خافياً على شباب هذا الجيل من جرائم جمهوريّة الخوف، وأزلام منظّمتها السريّة الذين كانوا كالوحوش التي تنهش في لحوم البشر، وتلعق دماءَهم.

2358 ذاكرة الخوف عبد الرضا علي

(3)

أول من استخدم مصطلح (المنظّمة السريّة) هوالمفكّر الأستاذ حسن العلوي،أمَّا أول من استخدم مصطلح (جمهوريّة الخوف) فقد كان صاحب الذاكرة العراقيّة الكاتب الشهير كنعان مكيَّة، الذي اتخذ له اسماً مستعاراً هو (سمير الخليل) حين نشر كتابه المشهور (جمهوريَّة الخوف) باللغة الإنجليزيَّة، فوجدتُ هذا المصطلح قميـناً بتوصيفي لجمهوريّة صدّام المخيفة،أمّا مصطلح (الطاغية) فمعروف للقاصي والداني، لكنّني حين قرأتُ كتاب المفكّر الكبير الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام (الطاغية) هالني ما كانت تفعله عوائل الطغيان بشعوبها عبر التاريخ ، لاسيّما طغاة الفرس، وكي لا أطيل سأوردُ الفقرة التي أرَّقتني ليلةَ قراءتي لها في الصفحة 71، من ذلك الكتاب، حين ذكر الدكتور إمام عبد الفتاح  الآتي: (كان الفرسُ يطلقون على الإمبراطور لقب [ملك الملوك] . وهو صاحب السلطة المطلقة في طول البلاد وعرضها، فكانت الكلمة التي تصدر من فيه كافية لإعدام من يشاءُ من غير محاكمة ولا بيان للأسبابِ تماماً كما يحدثُ عند الطغاة اليوم! وكان في بعض الأحيان يمنحُ أُمَّهُ، أو كبيرةَ زوجاتهِ حقَّ القتلِ القائمِ على النزوات والأهواء، وقلَّما كان أحد الأهالي ـ ومنهم كبار وأعيان ـ يجرؤ على انتقاد الملك،أو لومه.كما كان الرأي العام ضعيفاً عاجزاً عجزاً مصدره الحيطة والحذر.لدرجة أنْ كان كل ما يفعله مَنْ يرى الملكَ يقتلُ ابنَه البريءَ أمامَ عينيهِ رمياً بالسِّهامِ أنْ يثني على مهارةِ الملكِ العظيمة في الرماية. وكان المذنبون الذين تُلهِبُ السياطُ أجسادَهم بأمرِ الملكِ يشكرونَ له تفضُّـلَهُ بأنَّهُ لم يغفلْ ذكرَهم).

 ونحنُ نظنُّ كلَّ الظنِّ أنَّ نظامَ طاغية العراق لو استمرَّ في الحكم، لوصلَ إلى حيثُ وصل إليه طغاة الفرسِ من جبروت، فليسَ غريباً على صاحب المقابر الجماعيَّة،وقاطع ألسنة الناس،وأيديهم، وآذانهم، ومستخدم السلاح الكيمياوي ضدَّ أبناء شعبهِ الكورد، ومشعل نار الحرب على جيرانه،وغازي الشقيقة الكويت، ودافنِ معارضيه وهم أحياء، وزارع فرق الاغتيال في بلدان العالم،وجزّار رفاقه القياديين البعثيينَ، والجاعل من أزلامه عيوناً تحصي أنفاسَ الناس وتكتب تقارير الموت عنهم، و..و.. و.. ألاّ يكون طاغيةَ العصرِ الأوحد، والمستبد المبيد كما كانَ القائد الضرورة الذي شبهه الكمالي (أستغفرُ الله) دون مراعاةٍ لقيم السماء بوجهِ الله حين قال:

(كوجهِ اللهِ يرفلُ بالجلالِ)

أمّا تقديم الكتاب، فقد تفضّل بكتابته الأستاذ أحمد الزكي، وممَّا جاء في فيه: (في هذا الكتاب الذي بين أيدينا أبدعَ الكاتبُ والأديبُ الأريبُ الكبير الدكتور عبد الرضا عليّ - وهو المبدع دائماً- في التقاطِ صورٍ مهمّةٍ لهذا الاستهداف للعقلِ، والإنسان تجاه من يملك القدرة على تحريكِ عقولِ الناسِ، وتحرير إرادتهم بالحكمةِ، والعلم، والمنطقِ، والحجة القاطعة..

 إنَّ ما يرويه الكاتبُ هنا هو جزءٌ مما شاهده وعايشه من صورٍ مرعبةٍ حفرتْ في ذاكرتهِ أخدوداً أكبر من أنْ تدملَ جراحَهُ تلك السنوات العجافُ، فهي ذكريات مرة لما مرَّ به خلال حياتهِ المليئة بالنشاط والحيوية والعطاء..).

 علماً أنَّ كلمة غلاف الظهر قد تفضَّلَ بها عليَّ مشكوراً صديقي الشاعرُ الكبير الدكتور عليّ الشلاه، وجاء فيها: (يقدم كتاب صور من ذاكرة الخوف للناقد والكاتب العراقي الكبير الدكتور عبد الرضا علي صورة موضوعية لما عاناه المثقفون والأكاديميون العراقيون سنوات الدكتاتورية الساقطة، ويري القارئ التشوهات، والانكسارات الكبيرة في الشخصية العراقية . تلك التشوهات التي تركتها سنوات الخوف والملاحقة لدولة بُنيت على هدم الإنسان وتمزيقه.

ولعلَّ أهمية هذه الشهادة المضافة تكمن في إشارتها إلى ملاحقة النظام لكل التفاصيل في حياة الناس حتى ما يعده الآخرون صغيراً، وهامشياً، ووضعه للمثقفين تحت مجهر التخوين في كلِّ حركاتهم وسكناتهم والمبادرة إلى تصفيتهم على الظن والشبهة والحسد والخلاف على أبسط جزئيّة داخل العمل، أو في الندوات والمؤتمرات.

ولعلَّ في هذا الكتاب شجاعة مميزة تبدو في إشارته للأسماء التي باعت ضميرها، وارتضت لنفسها دور المخبر الوضيع، والجلاد لزملائها من أبناء مهنة الحرف، والكتابة، وذلك يعكس الخراب الذي وصلته الثقافة العراقية بعد ثلاثة عقود من دولة الرعب البعثية.

وأجد لزاماً عليَّ التنويه بأهمية هذه الشهادة المتواشجة مع أهمية كاتبها كونه من الأسماء الرصينة، والفاعلة والمؤثرة في المشهدين الثقافي، والأكاديمي وليس شهادة عابرة لشخص عابر يضخم دوره بالادعاء.

آملاً أنْ يقدم هذا الكتاب محفزات أخلاقية لمثقفين آخرين لتقديم شهادتهم عن زمن الخوف أسوةً بكاتبنا الكبير).

***

لكلِّ ذلك كان هذا الكتاب الذي كشفتُ فيه بعضاً من صور الخوف في عهد الطغيان الصدَّامي، والحمد للهِ أولاً، وأخيراً.

 

أ. د. عبد الرضا عليّ