2675 مدن في حياتيعرف العرب أدب الرحلات منذ القدم، وكانت عنايتهم به عظيمة في سائر العصور. وأدب الرِّحلات هو نوع من الأدب الذي يصور فيه الكاتب ما جرى له من أحداث وما صادفه من أمور أثناء رحلة قام بها لأحد البلدان. وتُعد كتب الرحلات من أهم المصادر الجغرافية والتاريخية والاجتماعية، لأن الكاتب يستقي المعلومات والحقائق من المشاهدة الحية، والتصوير المباشر، مما يجعل قراءتها غنية، ممتعة ومسلية.

فالذاكرة بطبيعتها تختار وتحسنُ الاختيار، وتخلق من حياة كل امْرُؤٌ طرفة فنية رائعة، وما يكتبه الكتّاب عن مجرى حياتهم منذُ أن درجوا على السفر، أو في أية بقعة وطئتها أقدامهم، أو ما احاط بهم من أحداث تقاذفتهم أو مرّوا بإزائها، وسال قلمهم مصوّراً لها على أديم الورق اعترافات بحسب مقاصد الكاتب، ومحتوى منجزه، وفيها لون من التجانس، وإن كان أكثرها ضبطاً ما حرّرتهُ يراعة الكاتب يوماً بعد يوماً، ومع ذلك إن لون كتابة اليوميات نجدها أرضاً خصبة؛ بذر فيها الكاتب تجاربهُ وأحلامهُ ورؤاه، وهذا ما سجله الكاتب والباحث والمترجم صلاح السعيد في كتابه الموسوم (مدن في حياتي)، الصادر هذا العام عن دار الفرات للثقافة والإعلام مع دار سما للطباعة والنشر، فقد سجل السعيد اعترافات عن حقبة من تاريخ رحلاته المتعددة، الذي عاشها باصراً وبصيراً، ووسم كتابه بـ(مدن في حياتي) وهو المصطلح الأجمل والأشمل والأدق في أدب الرحلات، ولا ريب أن هذا العمل مما ينفع القارئ ويمكث على رفوف المكتبات ليستعين به الباحث والقارئ فيم يستطيع من بحث أو كتابة، ولا سيما ذوو الشأن ممن يشرئبّون إلى معرفة الأحداث والشخوص بلا تزويق.

الكتاب صدر بواقع (230) صفحة من الحجم الوسط ذات الطباعة الجميلة، وغلاف رائع من تصميم الكاتب نفسه، إذ وثق الكاتب فيه زياراته خلال مسيرة حياته لـ(47) دولة ومدينة، وما حصل من خلال سفراته هذه من احداث ومواقف منذُ شبابه وحتى العقد الثامن من عمره، ومن خلال اطلاعي على هذا السفر الجميل الذي ينقلنا من خلال كلماته من مدينة إلى أخرى؛ وكأننا في سياحة مع الكاتب، واقول حقاً هذا الجنس الأدبي الذي أتى من خلال الحوادث والصور المتتابعة بحسب حركة الحياة، يأتي من خلال يومياته وشغفه في سرد ذكرياته خلال رحلة سفره، وهو نمط الأدباء والمؤرخون الذين يلجئون إلى تدوين ذكرياتهم في هذا العمل، وهم ينثرونها في آثارهم، وأنا اوالي قراءة هذا العمل الجميل يتجاذبني منهج واسلوب المبدعين الذين يمتدون في الزمان والمكان والاتجاهات، ولغة الكاتب السّمحة النافذة المعبّرة تجعل من المترجم أديباً، هذا العمل الممتع المفيد يجمع بين التاريخ والاجتماع والأدب والجغرافيا، وهو سجل توثيقي بارع منسوج على منوال عربيّ اللسان يعبق بأريج المدن حيناً بعد حين.

الكتاب عبارة عن جملة من التجارب التي ديفت بعطر تراب المدن والعشق للترحال والاستجمام، لقد سرّني هذا العمل الجاد الذي يؤرخ لحقب من حياة الكاتب صلاح السعيد، ولكن نتلمس بارتياح ما فيه من خفّة الروح والحكمة البالغة والنكتة البارعة لسفرتهم إلى الكويت، مما يرد عفو الخاطر من خلال سفراته إلى المدن ليعلل حياته الرغيدة. هذا العمل الأنيق والعميق والودود؛ فيه الخبرة والعبرة والاستمتاع بما يقرأ وينتفع.

لا ننسى أن الكاتب والباحث والمترجم صلاح مهدي السعيد من مواليد مدينة الحلة عام 1945م، وحاصل على شهادة البكالوريوس في كلية الآداب قسم اللغة الانكليزية؛ وشهادة الدبلوم باللغة الانكليزية عن المعهد البريطاني في بغداد، ومارس مهنة التعليم في المدارس الثانوية العراقية ومعاهد المعلمين حتى التقاعد عام 1991م، وهو رئيس اتحاد ادباء وكتاب بابل لدورتين، ومترجم للكتب ولعشرات المقالات التي نشرت في الصحف والدوريات العراقية، وحائز على الجائزة الأولى لوزارة الثقافة العراقية/ دار الشؤون الثقافية في مجال بحوث العقائد والانثروبولوجيا عن كتابه الموسوم (طقوس وعقائد ما بعد الموت)، وصدر له أكثر من (30) كتاباً بين التأليف والترجمة منذُ عام 1987م ولغاية صدور هذا الكتاب الذي يعد من أدب الرحلات.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

عدنان حسين احمد* ترصد تاريخ العراق الحديث بعيون المعلِّم والمحامي والكاتب الصحفي محمد عبد الحسين

 * ننتظر من أهله وذويه أن ينشروا روايته المخطوطة "مذكرات جندي باسل"

صدر عن دار "لندن للطباعة والنشر" كتاب "أوراق من سيرة وطنيّة" للدكتور أيمن جعفر الحسني مع ملحق بكتابَي المحامي محمد عبد الحسين المعنوَنيَن "ذكرى فيصل الأول أو العراق في اثني عشر عامًا" و "محنة العرب". يحيطنا الدكتور أيمن في المقدمة التي دبّجها لهذه "السيرة الوطنية" أنه اعتمد على المذكّرات الشخصية لوالدته السيدة سعاد الحسني، وهي كريمة المرحوم محمد عبد الحسين الحسني، ولولا هذه المذكرات القيّمة، كما يعترف المؤلف، لما وُلِد هذا الكتاب.

يتألف الكتاب من تسعة فصول تغطي مساحة زمنية كبيرة تبدأ من أواخر القرن التاسع عشر وتنتهي بوفاة صاحب السيرة الوطنية سنة 1952م. يعرّج المؤلف في الفصل الأول على الولاة الذين تناوبوا على حكم العراق بولاياته الثلاث، بغداد والموصل والبصرة، ويصفهم بالولاة الغرباء وغالبيتهم من العسكر الذين يفتقرون إلى الخبرة في إدارة الشؤون المدنية، كما كان جُلّهم ماجنين يلهثون خلف شهواتهم الجسدية، ولم يتركوا أثرًا طيبًا في الحقب التي عاشوها، ولكن هناك استثناءات  مثل الوالي المصلح مدحت باشا المعروف بذكائه، وثقافته الواسعة، ومعرفة العميقة باللغتين العربية والفارسية إضافة إلى لغته الأم التركية حيث "أدخل إلى العراق الكثير من معالم الحياة الحديثة كالمدرسة والمستشفى والمطبعة والجريدة والمصنع وسكة الترام والحديقة العامة والشارع المبلّط" كما يذهب علي الوردي. يتوقف الكاتب عند حركة المشروطية الثانية في الدولة العثمانية التي أجبرت السلطان عبد الحميد الثاني على إعادة دستور 1876م والبرلمان العثماني اللذَين علّقهما بعد عامين من العمل فقط وطالبت أن يتقيّد بهما السلطان في حكم "رعيته". ينوّه الكاتب قبل الانتقال إلى حقبة القرن العشرين بالأحداث السلبية الكثيرة التي وقعت في العراق من بينها كارثة المجاعة التي حدثت سنة 1879م، وثورات العشائر، وفيضان دجلة، وخسارة الدولة العثمانية لطرابلس الغرب في حرب البلقان وتأثيرها على نفسية المسلمين.

الهروب إلى إيران

2665 ايمن جعفر الحسنييركِّز المؤلف في الفصل الثاني على نشأة محمد عبد الحسين الذي وُلد في مدينة الكاظمية سنة 1895م أو 1896م. وكان والده السيد عبد الحسين الحسني يعمل في خدمة الروضة الكاظمية المشرّفة، وقد تُوفي قبل أن يجتز عقده الرابع إثر إصابته بمرض "ذات الرئة". وكان على محمد أن يتحمل أعباء الأسرة، فعمل في مجال والده، وأكمل دراسته الابتدائية في مدرستَي الكاظمية والجعفرية في وقت كانت تُعد فيه المدرسة "عيبًا أو من المحرّمات" كما يذكر المؤلف، إذ كان عليه أن يرتدي اللباس العصري الأوروبي بدلاً من الدشداشة والجُبة والعمامة "وكان يذهب للمدرسة مبكرًا جدًا ويسلك دروبًا غير مطروقة لكي لا يراه أحد وهو في الزي العصري". وعندما أعلنت الدولة العثمانية النفير العام في 3 آب آغسطس 1914م قرّر الهروب إلى إيران متخفيًا بزي درويش ولم يعد إلاّ بعد دخول القوات البريطانية إلى بغداد في 10 آذار سنة 1917م علمًا بأنه ترك الكاظمية في 6 شباط سنة 1915م. وسلك طريق بغداد، خانقين، قصر شيرين، كرمنشاه، همدان، شورين، طهران. وأنجز كتاب "رحلتي إلى إيران" الذي دوّن فيه الصعوبات التي واجهته في أثناء هذه الرحلة الشاقة، خصوصًا وأنه لا يجيد الكلام باللغة الفارسية لكن معارف والده الذين كانوا يترددون إلى الصحن الكاظمي قد ساعدوه في هذه الرحلة التي أنضجتهُ كثيرًا وحفّزته على كتابة هذا النوع من أدب الرحلات.

دخل محمد عبد الحسين دار المعلمين في الكاظمية سنة 1918م وتخرج فيها سنة 1919م، أي أنّ هذه الشهادة لم تكن تعادل شهادة الإعدادية آنذاك، وسوف يأمر الملك فيصل الأول بمعادلتها بالشهادة الإعدادية كي يتسنى له ولأقرانه القبول في كلية الحقوق. وقد عمل معلّمًا في عدد من المدارس الابتدائية في بغداد والديوانية، وسوف يتدرج في التعليم حتى يصبح مفتشًا. يذكر المؤلف بأن السيد محمد قد عمل أيضًا في صحيفتي "التايمز البغدادية" و "العرب" التي استحدثتها السلطات البريطانية آنذاك.

أسباب ثورة العشرين

يتناول المؤلف في الفصل الثالث الأسباب التي فجّرت ثورة العشرين من بينها فظاظة الضباط البريطانيين الذين اعتادوا على معاملة الناس كالعبيد، خصوصًا أولئك الذين جيء بهم من الهند ولم يعرفوا عادات العراقيين وطبائعهم. كما حفّز ازدياد القدرة الاقتصادية والعسكرية للعشائر العراقية على الثورة لأنهم لم يعودوا فقراء معوزين خصوصًا "وأنّ الإنكَليز ومستخدميهم السياسيين كانوا ينثرون الأصفر الرنّان على قبائل العرب لأغراض معلومة" كما ينقل علي الوردي عن الشيخ رضا الشبيبي لمجلة "البلاغ" الكاظمية في عددها التاسع، السنة الخامسة. ومما زاد النقمة أنّ الموظفين الإداريين من جنسيات آسيوية كانوا يوبخون المراجعين العراقيين ويزجرونهم، كما أنهم لا يجيدون الكلام باللغة العربية. لعب الاستفتاء العام الذي أجري عام 1918م عن نيتهم في تأسيس حكم محلي لكن نلسون، وكيل الحاكم البريطاني العام في العراق كان يضمر شيئًا آخر مفاده "أنّ الشعب العراقي هو الذي يرغب في الحكم البريطاني المباشر له" خلافًا للأسئلة الثلاثة التي يقول أولها:هل تفضل دولة عربية واحدة تكون تحت إرشاد بريطاني؟، وثانيها: هل تفضل أن يكون رأس الدولة عربيًا من أولي الشرف؟، وثالثها: مَن هو هذا الرئيس الذي يريدون؟ يضيف المؤلف دور ثورة أكتوبر التي انطلقت سنة 1917م وحفّزت العديد من الدول للتخلص من الأنظمة الإقطاعية والدكتاتورية، ولا ينسى دور المثقفين العرب الذين آمنوا بعروبتهم وخاصة المتنورين منهم الذين لا يفرِّقون بين الأديان والمذاهب والطوائف، ولم يغفل تعاون المثقفين الأفندية مع رجال الدين المتفتِّحين. كما  ساعدت أحداث الرميثة التي اندلعت في 30 حزيران 1920م وبعض المدن العراقية مثل ديالى والسليمانية ومقتل القائد البريطاني لجمن الذي أشرف قبل سنتين على إعدام ثوار النجف على تفجير ثورة العشرين المعروفة بنزعتها الوطنية الخالصة التي أفرزت بدورها صحافة محلية تمثل نواة للصحافة الوطنية الثورية  مثل صحيفتي "الفرات" و"الاستقلال". ثم اتجه السيد محمد عبد الحسين إلى البصرة حيث عمل في جريدة "الأوقات البصرية" ثم اختفى لعدة أشهر بعد ثورة العشرين لكنه سرعان ما ظهر وقدّم إحدى خطبه في حفل استقبال فيصل الأول.

مظاهر الحداثة الصناعية

يتمحور الفصل الرابع من الكتاب على قيام الحكم الملكي في العراق ويقتبس الدكتور أيمن الحسني من كتاب "ذكرى فيصل الأول" لمحمد عبد الحسين الكثير من المعلومات عن ولادة فيصل الأول في الطائف، ودراسته في الإستانة، وثقافته المتنوعة التي مكّنته من قيادة بلد كالعراق. ثم يعرّج على استقباله في الكاظمية بعد التتويج، والمشاكل الكثيرة التي واجهته في أثناء فترة حكمه للعراق من بينها الغارات النجدية التي كان تُشن على غرب العراق وتمارس القتل والنهب والترويع، إضافة إلى الانتفاضات الداخلية التي قام بها الآثوريون وغيرهم من المكونات العراقية. ويعترف المؤلف بأن عهد الملك فيصل الأول تميّز بتأسيس مظاهر الحداثة الصناعية والعمرانية، وتشجيع القطّاع الخاص الذي استورد المكائن والمعدات، وأدخل الصناعات الخفيفة. كما يشيد المؤلف بدور المس غيرترود بيل التي أسست المتحف العراقي وحافظت على إرث بلاد ما بين النهرين. كما أثنى على الزيارات التي قام الملك فيصل الأول إلى عدد من البلدان المجاورة التي ساهمت في تحقيق الاستقرار في دول المنطقة.

يسلّط المؤلف في الفصل الخامس الضوء على  عمل السيد محمد عبد الحسين في أكثر من وظيفة، فقد اشتغل معلّمًا في مدارس عدة منها مدرسة الكاظمية، والسيف، وباب الشيخ، ثم مديرًا في مدرسة الديوانية حتى أصبح مفتشًا لمدارس الفرات الأوسط. وأنجز في تلك الفترة كتابًا يحمل عنوان "المعارف في العراق على عهد الاحتلال". كما نشر كتاب "سرّ تأخر المعارف في العراق" الذي سبّب له عداءً مستحكمًا مع ساطع الحصري فترك التعليم وعمل سكرتيرًا للسيد محسن شلاش وزير الاشغال، وبعدها انتخب نائبًا لمجلس النواب عن مدينة الديوانية سنة 1933م.

أوّل من أدخل المقال إلى الصحافة العراقية

يتناول الفصل السادس تطور العمل السياسي والصحفي في العراق في عقدَي العشرينات والثلاثينات. وفي خضم ردود الأفعال على المعاهدة على إقرار المعاهدة العراقية - البريطانية سنة 1922م كان على الصحافة العراقية أن تدخل المعركة كجزء من الكفاح الوطني السياسي، وكان السيد محمد عبد الحسين أول من خاض غمارها وأصدر صحيفة "الشعب" التي تميزت بخطابها الوطني الثائر الأمر الذي أدّى إلى تعطيلها بحجة كتابة مقال مهيّج للرأي العام. وبشهادة بعض الصحفيين المهمين أن السيد محمد عبد الحسين قد ترك بصماته في الصحافة العراقية، وقد أشار رفائيل بطي في مقال يحمل عنوان "المؤسسون لصحافة الرأي" يقول:"نستطيع أن نعتبر المقال ومقوماته، منه السياسي والأدبي والفكري وما يختص بالنقد، هو الطابع الرئيسي لشكل ومضمون الصحافة العراقية منذ نشأتها حتى أواخر الأربعينات، وأول من أدخل المقال هو السيد محمد عبد الحسين إبّان الثورة العراقية لعام 1920م، ومن ثم تعاقب الكُتّاب والأدباء، وخاصة كُتّاب المقالات الموضوعية من رجال الأحزاب والسياسة الذين جعلوا الصحافة العراقية تتسم بطابعها فترة طويلة جدًا". لم تكن علاقة الملك فيصل الأول مع ممثلي الحكومة البريطانية في العراق على خير ما يرام، "ففي 27 تشرين الثاني / نوفمبر 1928م أعرب الملك عن قنوطه بكلمات مُوجعة أمام الزعيم الهندي المسلم محمد علي عندما اشتكى هذا الأخير أمام الصعوبات التي واجهها لكي يُسمح له بالدخول إلى العراق فردّ الملك قائلاً: إنه لا يعرف شيئًا، وأنه لا سلطة حقيقية له، وأنّ السلطة الحقيقية موجودة في مكان آخر" ثم واصل شكواه بأنّ الحكومة البريطانية لم تفِ بالوعود التي قدّمتها له، وأنه لم يكن حُرًا في مملكته نفسها.

حُب العائلة المالكة

يتضمن الفصل السابع معلومات كثيرة تتعلق بتطور الحياة الاجتماعية في العراق. وعلى ما يبدو فإن القسم الأكبر من الشعب العراقي قد أحبّوا العائلة المالكة برمتها فمثلما أغلقت محلات بغداد أبوابها لمدة سبعة أيام حدادًا على وفاة المغفور له جلالة الملك فيصل الأول فإن العراقيين حزنوا أيضًا على وفاة ملكهم المحبوب غازي الذي تميز هو الآخر بروحه الوطنية الوثابة إذ خرج العراقيون وهم يلطمون على الرؤوس والصدور ويرددون:

"الله وأكبر يا عرب       غازي انفقد مــــن داره

وارتجت أركان السما    من اصطدمت السيارة"

ومع ذلك فقد استمرت الحكومات الملكية بعد عام 1935م بتوقيف الصحف ومصادرة أملاكها وهي إجراءات فظة تتنافى مع حرية الرأي والتعبير. جدير ذكره أنّ السيد محمد عبد الحسين قد زار ألمانيا مرتين ومنحه هتلر مع غيره من الصحفيين الذين حضروا الألعاب الأولمبية وسام الدولة من الدرجة الثانية عام 1937م لدوره في الصحافة العراقية.

ظهور صحف المعارضة

يرصد الفصل الثامن من الكتاب فترة الأربعينات حين جاهرت وزارة رشيد عالي الكيلاني بعدائها لبريطانيا، ومن قبلها أثرت توجهات الملك غازي الوطنية. أما محنة العرب الكبرى فتتمثل بالتغلغل الصهيوني في فلسطين الأمر الذي شجّع على ظهور صحف المعارضة ومن بينها صحيفة "البلاد" التي تحلم بالاستقلال والحرية. وبالمقابل أكّد نوري السعيد دعم حكومته الكامل لبريطانيا، وفرضَ حظر التجوّل، وأصدر قانون الحصة التموينية. وعندما قامت حركة رشيد عالي الكيلاني أنزلت المملكة المتحدة قواتها في البصرة، وأغارت طائراتها على المعسكرات العراقية، وأحتلت أجزاء من العراق لنصرة حلفائها. كما قام نوري السعيد بتطهير الجيش من العناصر المؤيدة لمناصري الوزارة الكيلانية وإحالتهم للقضاء الذي أصدر أحكام الإعدام فدخل العراق في مرحلة من العنف السياسي غير المسبوق لتصبح تصفية الخصومات سياسة ظلت متبعة حتى سنة 2003م. كما عمل نوري السعيد على تقليص قوات الجيش العراقي وزيادة عدد أفراد الشرطة والأمن ورفع ميزانيتهما إلى ثلاثة أضعاف.

يقتصر الفصل التاسع والأخير على كتب السيد محمد عبد الحسين المحامي وعددها ثمانية كتب وهي كالآتي:

1- المعارف في العراق على عهد الاحتلال 1922م.

2- سرّ تأخر المعارف في العراق.

3- مذكرات جندي باسل، أو ساحة الشهداء، رواية مخطوطة.

4- ذكرى فيصل الأول أو العراق في اثني عشر عامًا، 1933م.

5- محنة العرب، 1936م.

6- إلى الشيخ المحنّك، إلى الشباب الناهض، 1947م.

7- امتياز كهرباء الكاظمية أمام القضاء، كتاب مشترك،، 1947م.

8- كيف تتجنب الحرب؟ بتكليف من اليونسكو وصدر باللغتين العربية والإنكَليزية قبل وفاته.

ذكرى فيصل الأول أو العراق في اثني عشر عامًا

يحتاج هذا الكتاب إلى دراسة منفردة نظرًا لأهميته في الفكر السياسي الذي يتقصّى شخصية فيصل الأول منذ ولادته في 20 مايو 1883م وحتى وفاته في 8 سبتمبر 1933م. يتتبع المؤلف محمد عبد الحسين ولادة فيصل الأول في الطائف ونشأته في كنف أسرة متعلمة كريمة. وقد أفاد كثيرًا حين اصطحبه والده الحسين بن علي الهاشمي، شريف مكة، إلى الإستانة التي مكث فيها 17 سنة وتزوّد بالعلوم والمعارف التي ستنعكس على شخصيته الوطنية، وحبة للعراق بكل قومياته وأديانه وأطيافه المتعددة. يغطّي المؤلف استقبال الأمير فيصل الأول في البصرة في 23 حزيران سنة 1921م حيث قام نفرٌ من دعاة الاستعمار بإثارة قضية تجزئة البصرة لكنها لم تلقَ آذانًا مُصغية، الأمر الذي دفعه إلى الانتباه مبكرًا لكل القوميات والأديان والمذاهب في هذا البلد الفسيفسائي وصار يلتقي بهم بين آونة وأخرى حيث التقى الطائفة اليهودية وخاطبهم كمواطنين عراقيين تعتمد عليهم الحياة الاقتصادية للبلد فمنحهم المناصب المهمة التي أخلصوا لها وصاروا مضربًا للأمانة، والوطنية، والحرص الشديد. كما التقى المواطنين الأرمن وبيّن لهم حب العراقيين لهم، وما يضمرونه تجاه الملل التي قصدت العراق واستقرت بين ظهرانيه. وكان يطمئن الجميع "بأن العراق لا يعيش إلاّ مستقلاً، له حكومة دستورية ملكية".

يشير المؤلف إلى معاهدة سيفر التي عقدت في 10 آب / آغسطس 1920م التي صادقت فيها الدولة العثمانية على التخلي عن الأراضي التي يقطنها غير الناطقين باللغة التركية، وقد تركت للأكراد حق تقرير المصير لكن المعاهدات اللاحقة سوف تصادر هذا الحق المشروع للشعب الكوردي. أما الحكومة العراقية فيجب أن تكون "حكومة دستورية نيابية ديمقراطية مقيّدة بالقانون". وقد أجمعوا على تتويج سمو الأمير فيصل الأول ملكًا على العراق يوم 18 ذي الحجة 1339ه، وقد تمّ الانتخاب بموافقة 96% من مجموع المنتخِبين. وقال في خطابة يوم التتويج:" وإذا كان الناس على دين ملوكهم فديني إنما هو تحقيق أماني هذا الشعب، وتشييد أركان دولته على المبادئ الدينية القويمة". أما خطابه في لواء المنتفك الذي ينطوي على مسحة دينية تُذكرنا بخطب آل البيت الكرام. وعلى إثر إهانة المندوب السامي البريطاني في العراق تعرّض جلالة الملك إلى التهاب الزائدة الدودية فأُجريت له عملية جراحية حجبته عن المواطنين لمدة من الزمن. وعلى الرغم من الأجواء الديمقراطية  إلاّ أن دار الاعتماد قد أغلقت حزبي النهضة والوطني كما أقفلت جريدتي "المفيد" و "الرافدين" وأنذرت سماحة السيد الصدر والسيد الخالصي بمغادرة العراق إلى إيران. وثمة إجراءات بتوقيف بعض الشخصيات السياسية والفكرية وإبعادهم عن بغداد. ما يميز حقبة الملك فيصل الأول هو مساعدة الحكومة البريطانية على انضمام العراق إلى عصبة الأمم المتحدة. كما ساد الاعتقاد لدى العراقيين بأن المعاهدة العراقية - البريطانية قاسية وفيها بنود ثقيلة وطالبوا بوضع أسس المعاهدة الجديدة على أساس التحالف التام والمصالح المتبادلة فصُدقت المعاهدة في 30 حزيران 1930م. واجه الملك فيصل الأول صعوبات جمّة في فترة حكمه أبرزها مشكلة الموصل حيث أثار عصمة باشا في مؤتمر لوزان 1923م ضجة عنيفة حول ولاية الموضل وطالب باتخاذ سلسة جبال حمرين كحدود طبيعية بين العراق وتركيا بحجة أن ولاية الموصل وتوابعها يشكّل فيها التركمان أكثرية، وهذه مغالطة كبيرة على الرغم من وجود هذا المكون العزيز الذي تعايش مع العراقيين وأصبح جزءًا أصيلاً من الشعب العراقي. ولحل هذا الإشكال أرسلت عصبة الأمم المتحدة لجنة الحدود وأعترفت في خاتمة المطاف بأنّ ولاية الموصل هي جزء من العراق لكنها اشترطت تمديد احتلال بريطانيا للعراق لمدة 25 سنة ووقعت المعاهدة العراقية البريطانية التركية في 5 حزيران 1926م. يتناول المؤلف العلاقات النجدية العراقية وما شابها من مشكلات أشرنا إليها سلفًا. كما يعرّج الكاتب على ثورة الآثوريين التي أجبرت جلالة الملك على العودة من الاستشفاء في سويسرا ليعود في وقت لاحق لمواصلة العلاج، غير أنّ المنية كانت له بالمرصاد. وقبل أن تصعد روحه إلى بارئها قال الكلمات الآتية:"أنا مرتاح، قمتُ بواجبي، خدمتُ الأمة بكل قواي، ليَسِر الشعب بعدي بقوة واتحاد". وقد ذكر الطبيب السويسري بأن موت جلالة الملك كان طبيعيًا وقد حصل بسبب ضغط القلب. وحين وصل الجثمان إلى العراق أقفلت بغداد سبعة أيام بلياليها، كما أقفلت سائر المدن العراقية الأخرى حزنًا على هذا المصاب الجلل.

محنة العرب

أمّا الكتاب الثاني فهو "محنة العرب" الذي أصدره المحامي محمد عبد الحسين سنة 1936م ويتمحور حول احتلال فلسطين، وتغلغل الكيان الصهيوني في جسد الأمة العربية. وقد لعب وعد بلفور دورًا أساسيًا في ترسيخ هذا الكيان المغتصِب في قلب عالمنا العربي حيث أرسل آرثر بلفور، وزير الخارجية البريطاني رسالة إلى اللورد رتشيلد، رئيس العصابة الصهيونية في أوروبا بتاريخ 2 تشرين الثاني 1917م جاء فيها:"إن حكومة صاحبة الجلالة تستحسن فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وأنها سوف تبذل ما في وسعها لتحقيق هذه الفكرة". يتضمن هذا الكتاب معلومات دقيقة عن المكونات المتعايشة في فلسطين وأعدادها حيث يتألف الشعب الفلسطيني من 650.000 عربي، و 140.000 يهودي، و 75.000 مسيحي. ومثلما قلنا عن الكتاب الأول فإن كتاب "محنة العرب" يحتاج إلى دراسة منفصلة لأهمية محاوره والمعلومات الواردة فيه. جدير ذكره أن المؤلف د. أيمن جعفر الحسني قد اعتمد على 25 مصدرًا عربيًا وأجنبيًا عززت آرائه القيّمة في هذا الكتاب الذي يسد فراغًا في المكتبة العراقية على وجه التحديد.

 

عدنان حسين أحمد

 

حاتم جعفرهي رحلة ليست بالقصيرة، فما بين روايته اﻷولى جودت بك وأبناؤه، وبين وروايته اﻷخيرة متحف البراءة قرابة الخمسة والثلاثين عاما. في سِفرهِ هذا والذي أسماه بـ(الروائي الساذج والحساس) سيراجع الكاتب التركي أورهان باموك، الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 2006 سيرته اﻷدبية، مستذكرا أحياء مدينته العريقة إستنبول وما لها من دور في تشكيل ذائقتيه اﻷدبية والفنية بل وفي سيرة حياته أيضا. مستعرضا ما كانت لديه من مواهب أخرى لعل أبرزها ميله الواضح ﻷن يصبح رساما في كبره، بعد أن ذهب به الظن وتأكد من رشاقة أنامله وتحريكها في كل الإتجاهات وبأناقة العارف، كذلك لقدرته على دمج الألوان وبكفاءة عالية. هذا ما إعتقده الطفل باموك ذو اﻷعوام السبعة حينذاك.

 الاّ أنَ إتجاه الريح قد ذهب بصاحب سيرتنا نحو منحى آخر ولها في ذلك من اﻷسباب ما يبررها، فالإبن قد ورِثَ من أبيه ما يمكن عدّه رصيدا ثقافيا معقولا، تمثَّلَ في طبيعة وظيفته وما ترك له من مكتبة عامرة، ضمَّت بين جنباتها عيون اﻷدب والمعرفة، فضلاً عما كان سائدا من أجواء عائلية، تنتمي الى ما يمكن تسميته بالطبقة المتوسطة من حيث مستوى التعليم وما كان يصاحبها من نقاشات وحوارات، تعكس مستوى الوعي الذي كانوا يتمتعون به. لذا ولِما فات من مقدمات فإنَّ سفينة الرغبة أخذت بأورهان باموك نحو جرف آخر ونهر آخر، رآه أكثر جمالا وأبهى حضورا وأشد تعبيرا عمّا يجول بخاطره، فكان له ما أراد وهذا ما تحقق. ومن هناك، من تلك المحطة وكاتبنا لمّا يزل يواصل رحلته، أمّا نحن فسنتواصل معه، وسنتوقف عند أهم المنعطفات التي شكلت سيرته ورسمت معالم منتجه اﻷدبي.

وﻷن صاحب السيرة قد قضى معظم حياته وأهم مراحلها في مدينة شديدة الصخب والحضور والتأريخ، فكانت بالنسبة له خير معين لرسم خطوط مستقبله، ولتشكل كذلك مصدر دائم للإلهام والعطاء السخي، لذا تجده مغترفا منها بثقة ودلال، وبلمسات فنان يعرف كيف يحرك أنامله وكيف يلتقط أطيب الكلام وأحلاه. في ذات الوقت أدرك مبكرا لعبة الحياة فلا مجال هنا للتمادي أو غض الطرف عن الفرص النادرة والسعيدة والتي لن تتكرر. أما والحال كذلك فلابد له من إلتقاطها قبل أفول الشمس: لقد تعلمت التعامل مع الحياة بجدية، جاء ذلك نتيجة تعاملي مع الروايات بجدية بمرحلة شبابي.ص53.

 وما دمنا قد دخلنا في عالم اورهان باموك الروائي فلا بأس من الغوص أعمق كي نشكل صورة ما قد تعيننا على رسم ملامحه وهويته بشكل أوضح. وإذا كان لنا من قول، فبدايات صاحب السيرة تشبه إن لم تطابق بدايات أي صبي كان قد دخل عالما جديدا، رآه مغريا وممتعا، لذا ألفته قارئا نهما ومجربا أيضا لحظوظه في الكتابة، واثقا من أنها ستكون شفيعا وكفيلة لعبور الضفة اﻷخرى من النهر.

 وكغيره ممن إختط ذات الخطى ومع بداية مشواره ستجده متعثرا، مرة هنا ومرة هناك، حتى كاد أن يتوقف عن تكملة مسيرته، غير انه أدرك أخيرا بأن بلوغ الغايات النبيلة لا يمكن الوصول اليها بتلك السلاسة والخفة، وبات على قناعة: بانَّ عالم الرواية ولطالما يدخل في مجال اﻷهداف الكبرى والتي ما إنفك يحلم بها، فلا بأس من الإستعانة بالصبر وببذل المزيد من الجهد والوقت.

 لذا وفي مدونته التي بين يدينا، وبعد مروره بالعديد من التجارب، وبكل ما حملته من صعوبات ومعوقات، خَلُصَ الى أنَّ ما يجب وضعه نصب عينيه هو التركيز على الشخصية الرئيسية لمنتجه الروائي، بإعتبارها المحرك اﻷساسي له، ودون إغفال أو تجاهل بطبيعة الحال للأدوار التي ينبغي أن تقوم بها الشخصيات اﻷخرى بإعتبارها مكملة له. وعن ذلك فقد كتب على الصفحة السابعة والخمسين(إنَّ الروائي الناجح هو مَنْ يخلق بطلاً لا يُنسى). وبذا سيكون كاتبنا قد وضع إصبعه على أول  الدروس المهمة والواجبة الإلتزام في عالم الرواية.

 ومع مواصلة مسيرته الإبداعية في المجال الذي بات شاغله، ومع تحقيقه لبعض النجاحات المبكرة وخاصة على المستوى المحلي، فأورهان باموك الشاب لم يتوقف عن سلك طرق جديدة، ستساعده بكل تأكيد على تطوير ملكاته الكتابية وبالتالي التمكن من المسك في أهم المفاصل التي ينبغي توفرها في كاتب الرواية. وعلى هذا اﻷساس ومن الخلاصات التي سيأتي على ذكرها، وفي جردة حساب وبعد مسيرة حافلة وتجارب غنية عديدة، سنقرأ في كتابه الموسوم، الروائي الساذج والحساس وعلى الصفحة 60 النص الآتي (إنَّ الرواية، هي نتاج المهارة والبراعة معا. كلما كانت الرواية طويلة، كلما واجه الكاتب صعوبة في صياغة اﻷحداث).

 وما دمنا نواصل سبر كتابه فلا بأس من التوقف عند مؤشر وركن هام آخر من أركان العمل الروائي الناجح، والذي لا يقل أهمية عمّا سبق ذكره، انها اللعبة الروائية، فهي وعلى رأي باموك(تضيف متعة طفولية أخرى الى السعادة التي استمدٌها من الكتابة)ص62. وعن هذا اﻷمر فينبغي على الكاتب وكما أعتقدُ أن يكون شديد الحذر ويضع حداً فاصلاً بين ما أسماه تحقيقه للمتعة ووصوله اليها من جهة، وبين تراخيه أو تماديه عن مسك النص من جهة أخرى، والتي قد تؤدي الى إنفلاته (أي النص) من بين يديه وإرتباك نسيجه، وبما يتقاطع مع ما كان قد خطط له الكاتب ووضع من أهداف.

 وإستكمالا لذات الفكرة التي جرى التحدث عنها في الفقرة السابقة، فسيتوقف الكاتب هنا عند موضوع هام جدا بل ومحوري في العمل الروائي، كأن الكاتب قرأ ما في داخلي وأراد أن يوقف إعتراضي أو لنقل ملاحظتي التي أوشكتُ على البوح بها ولنلتقي من بعدها عند هذه النقطة، ونسير سوية من جديد، إبتغاءاً لذات الغايات. فحبكة الرواية وعلى ما جاء في كتابه (هي الخط الذي يربط وحدات السرد الصغيرة والكبيرة غير القابلة للإنقسام)ص69. وبهذه الفقرة الشديدة التعبير والدلالة أراد الكاتب أن يوضح للقارئ مفهوم التتابع الزمني وأهميته في العمل الروائي ودونه الفوضى والإرتباك.

 أمّا عن شخصية البطل والتي تحدث عنها في صفحات سابقة، يبدو أنَّ الكاتب لم يصل الى ما يشير الى إكتفائه منها. وبعبارة أوضح فلابد من تفصيل أدق كي تصل المتلقي على نحو مُقنع، بل إعتبر مهمة من هذا النوع لهي على أهمية كبرى. وعنها راح مدونا(إنَّ التحدي اﻷكبر الذي يواجه الإبداع الروائي هو بناء شخصية البطل، وإكتشاف هذه الشخصية بنجاح من قبل القارئ)ص66. وعن ذات الموضع وزيادرة في التفصيل وعلى الصفحة الثامنة والستين، كتب أورهان باموق: الروائي يطور أبطاله بقدر ما يطور المواضيع التي يريد بحثها، كشفها والحديث عنها).

 وبالعودة ثانية الى موضوعة التسلسل الزمني للرواية، فهناك من اﻷعمال الروائية، قد وقعت في خطأٍ كبير حين لم تراع أو تنتبه لهذا الجانب، وعنه أيضا فعلى الكاتب أن لا يستغفل القارئ أو يراهن على عفويته وقلة حيلته. وما دمنا نتحدث عن أمر في غاية الحساسية، فالذي يشفع للكاتب تنقلاته من زمن الى آخر أو من مكان الى غيره، هو النزول عند رغبة النص ومقتضياته، شريطة الحفاظ على وحدة العمل ووصوله الى المتلقي على كفٍ من الراحة والرضا. 

 أمّا عن مراجعاته لتجربته الروائية فسيذهب باموك بعيدا في قرائته لها، فهو لم يكتفِ بمراجعة ما كان قد كتبه بل ينحو منحى الناقد في بعض من توقفاته. ولان أعمال فيودور ديستوفسكي أثَّرَت بشكل كبير على منتجه وعلى سواه من الكتاب، فستجده داخلا في تفاصيل هذا الروائي ، وبشكل خاص فيما يتعلق ببناء شخصياته التي لفتت إنتباه المعنيين بهذا النوع من الإبداع. وعن ذلك وعلى الصفحة 75، سنقرأ النص التالي من كتابه الروائي الحساس والساذج (عندما نقرأ روايات ديستوفسكي، نشعر في بعض اﻷحيان بأننا نواجه شيئا عميقاً ومفاجئاً، بأننا حصلنا على معرفة عميقة عن الحياة، الناس وفوق كل هذا معرفة أنفسنا). وبذا سيكون قد أنصفه بحق، لَمَ لا والحديث هنا يدور عن أحد سادة الرواية العالمية والمتربع على عرشها بكفاءة وإقتدار.

 وفي مكان آخر من كتابه فَسَيُقدمُ أورهان باموك على حركة أخرى، لا تخلو من أهمية بل هي من مقومات العمل الروائي اﻷساسية، تتمثل بتقسيم الجهد الروائي بينه وبين القارئ، فبدون المتلقي لا يجد الكاتب أهمية لإصدار منتجه، فصاحب النص وعلى حد رأيه معني بــ(الرسم بالكلمات، وقراءة الرواية تعني تخييل الصور من خلال كلمات شخص آخر)ص78، أنها ليست كالكلمات التي إعتدنا على سماعها أو قرائتها كما قد يظن البعض، فالكاتب هنا معني برسم مشاهد العمل بدقة متناهية والتحرك معها، وفي بعض اﻷحيان قد يجد الكاتب نفسه مضطرا للميل يمينا أو يسارا والخروج بالتالي عن السياق العام للعمل، وفي هذا ما لا يُعَدٌ مروقاً عمّا خُطِطَ له، بل يمثل إستجابة سريعة لمقتضيات النص وما طرأ من مستجدات، وصولا الى الإمساك من جديد والسيطرة على العمل وتوجيه بوصلته كما يشاء.

 وفي مكان آخر من الكتاب، سيعود بنا الكاتب مرة أخرى وإن بشكل غير مباشر الى الدور الملقى على القارئ، بإعتباره طرفا مكملا للعمل، مراهنا على مدى نباهته ودرجة تفاعله مع النص.  طالبا منه أن يكون دقيقا في رصده لسيرورة النص وصيرورته، والكلام هنا بكل تأكيد عن اﻷعمال المهمة. وإذا ما نجح في ذلك فلسوف(نرى العالم من وجهة نظر اﻷبطال، ونندمج مع عواطف الشخصيات من جانب آخر، نرتب ذهنيا اﻷشياء المحيطة بالشخصيات، ونربط تفاصيل المشهد الموصوف مع مشاعرهم)ص93.

 الجملة المقوسة اﻷخيرة، والتي جاءت في سياق كتاب أورهان باموك لم تأتِ بعفو خاطر، وإنما بُنيت على معرفة بطبيعة المتلقي، ويبدو فيها كمن تقمص دوره. وإذا ما أستثنينا القارئ النبه، فهناك قسم آخر من القراء مَنْ لا يروق له أو لا يجد ضرورة في قراءة كل ما أتت به الرواية، معتمدا في ذلك على وجهة نظر مفادها: أنَّ في تجاوزه هذا، سوف لن يؤثر على درجة تلقيه للعمل. وأظنه في هذا (أي القارئ) ليس على صواب، فهناك من التفاصيل واﻷحداث وعلى صغرها إفتراضا، سيكون لها دورا هاما في إستيعاب النص والوقوف على أهم محطاته. لكنّا وقبل مغادرة هذه الفقرة فهناك من اﻷعمال الروائية ما لا يستطيع القارئ هضمها ومهما بذل من جهد وصبر ووقت، لذا تجده في حلٍ عن تكملتها وله في ذلك كامل الحق.

 وفي الحديث عن المناخ الذي ينبغي توفره، فسيتوقف الكاتب عند تجربة أقرانه من الكتاب في الدول الغربية. فعلى الصفحة 118، سيرد النص التالي(الروائيون في الولايات المتحدة اﻷمريكية يكتبون بدون قلق تقريبا عندما يتعلق اﻷمر بالقيود الإجتماعية والسياسية). والكاتب هنا أوردَ إسم الدولة كنموذج للدول التي ما عادت تعاني كما نحن في بلاد الشرق وَمَنْ يشبهنا من حجم الضغوط التي يتعرض لها أدبائنا، وبشكل خاص تلك التابوهات الثلاثة، الدين والسياسة والجنس، فالإقتراب منها سيدخل الكاتب في المحضور، واﻷشد خطورة هو ماسيترتب على تلك الممنوعات من تداعيات، ستأتي بالضرورة على حساب النص المُنتَج وعلى صاحبه أيضا، وهذا ماعانى منه العديد من الكتاب، لا سيما أولئك الذين حملوا على أكتافهم مهمة التغيير واﻷخذ بيد مجتماعتهم نحو غد أفضل.

 وبصرف النظر عن اﻷجواء المحيطة بالكاتب فسينقلنا أورهان الى عالم آخر من فن القص، فــ(كتابة الرواية قد تشبه عبور غابة، تكريس إهتمام عاطفي لكل شجرة، تسجيل ووصف كل تفصيل)ص124. وأظنه في هذا التشبيه قد توفق كثيرا. فالغابة تحتوي على أنواع عديدة من اﻷشجار، تتفاوت في أعمارها، ولكل صنف منها مايميزها، وقد تحمل شخصيتها معها. أما عن طبيعة عطائها فهو مختلف أيضا، وقد تختلف كذلك فيما تتركه من فيء وظل. وما دام الحال كذلك وإذا ما أسقطنا التشبيه عمليا على العمل الروائي فعلى الكاتب أن يُمسك بكل تفاصيل عمله، إبتداءاً من الشخصيات وليس إنتهاءاً بالبعدين الزماني والمكاني، مرورا بوحدة العمل وسياقه والغاية البعيدة منه.

 أخيرا ورغم كل ما فات ذكره من تفاصيل تتعلق بفن القص ومستلزماته وأدواته، كان الكاتب قد تنبه اليها وتوقف عندها طويلا من خلال سِفرهِ الطويل في عالم الرواية، فإنَّ هناك من المصادفات ما تخرج عن السيطرة وقد تدفع أحيانا الى إعادة النظر في كل ما كُتِبَ، بل واﻷكثر إيلاما أن يضطر الكاتب الى إلغاء كل ما دونه. وعن هذا الموضوع يقول أورهان(لم أتردد لحظة، شطبت كل ما كتبته وبدأت من جديد في الصفحة اﻷولى. عمل سنة كاملة رميته في سلة المهملات)ص127. وأعتقد بل أكاد أجزم بأن الكثيرين من كتابنا قد مروا بتجربة ومأزق كهذا، لذا نعلن عن تضامننا الشديد معهم، وليس لنا من حيلة أخرى نخفف من خلالها وطء ما يعانون. 

 

حاتم جعفر

السويد ـــ مالمو

  

صباح شاكر العكامالعراق بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب، تربط مكوناته رابطة المواطنة، فهم يشكلون نسيجاً اجتماعياً متكاملاً يعيشون في سلام ووئام منذ أقدم العصور . والمسيحيون مكون مهم من مكونات المجتمع العراقي فهم أقدم من استوطن ارض بلاد الرافدين، وهم جزءاً مهماً من النسيج الاجتماعي والسياسي والتاريخي العراقي .

عن دار الفرات للثقافة والاعلام صدر للباحث نبيل عبد الامير الربيعي كتاب (المسيحيون في العراق بين عراقة التاريخ وأزمات التهجير)، يقع في360 صفحة من الحجم الوزيري .

الكتاب يحوي على مقدمة ومدخل وثمانية فصول وخاتمة . في المقدمة بين الربيعي انتشار المسيحية بين القبائل العربية في العراق منذ القرن الاول الميلادي على يد مار ماري، واعتناقها من قبل المناذرة في الحيرة وبنائهم الاديرة فيها، ودورهم في نشر المسيحية في الجزيرة العربية .

في المدخل أوضح الربيعي دور المسيحيون الشرقيون الحضاري والثقافي والعلمي في العراق، ودور المسيحيون في تطوير أدب بلاد بين النهرين، فكانت مواضيعه ونصوصه في الغالب فلسفية وحكمية ولاهوتية، وكان العصر الذهبي للأدب السرياني في القرنين الرابع والخامس الميلادي بنشوء عدة مدارس اهتمت باللاهوت والفلسفة والعلوم الطبيعية . وتطرق الربيعي الى اللغة السريانية بكونها اللغة الام لطوائف الآشوريون والسريان والكلدان .

في الفصل الاول تطرق الربيعي الى الجذور التاريخية للديانة المسيحية في بلاد الرافدين، فذكر ان المسيحية نقلت الى بلاد الرافدين عن طريق الاسرى المسيحيين الذين نقلوا الى الحيرة بأمر من الملك الساساني شابور الاول سنة 260م، عند غزوه مدينة انطاكيا مرتين وكان من بين السبايا ديمتريانس مطران انطاكيا . وبين الربيعي اختلاف الفرق المسيحية النسطورية واليعقوبية والملكية بأمر السيد المسيح والثالوث المقدس الأب والابن والروح القدس، ففي القرن الثاني الميلادي عرف الروح القدس بمعنى ابن الله المستأنس، وفي القرن الثالث الميلادي فسر الثالوث " إنَّ الله هو الأب وحده في ذاته، وان الابن المنبثق من صورة صلاحه أزلي ومساوِ له في الجوهر لكنه أدنى منه مرتبة" . وتطرق الربيعي الى السؤال الجدلي هل المسيح ابن الله ؟ فتطرق الى آراء عدة، فبعض الآراء تذهب الى ان الديانة المسيحية لا تعتقد بأن المسيح هو ابن الله من الناحية الجسدية بالمفهوم البشري بمعنى أن الله تزوج وانجب أولاد، وإنَّ كلمة (ابن) تكون بالمعنى المجازي والروحي وليس بالمعنى الحرفي .

في الفصل الثاني تطرق الربيعي الى عبادات المسيحيين، فصلاة المسيحيين تكون باتجاه الشرق حيث القدس ونبع المسيحية الاول، ويشترط من يؤدي الصلاة ان يتصف بطهارة القلب من الخطيئة، أي التطهير من الشهوة والبغض والحسد والكره والعداء وغيرها . ولا توجد في المسيحية صدقة أو زكاة أو حج . وتطرق الربيعي الى أعياد المسيحيين ومن أهمها عيد ميلاد السيد المسيح وعيد الفصح أو يسمى عيد القيامة وهو قيامة المسيح من بين الاموات بعد صلبه حسب المعتقد المسيحي اللذان يسبقهما صيام . أمّا الصوم عند المسيحيين فهو الانقطاع عن الطعام الحيواني، وهو ليس فريضة وإنما عمل تعبدي شخصي، ويكون الانقطاع عن الشهوات الجسدية (الطعام) والشهوات الروحية (الاعمال السيئة)، وهو عدة أقسام : الصوم الكبير ويكون قبل عيد القيامة ومدته 40 يوم، والصوم الصغير يكون قبل عيد الميلاد . وتطرق الربيعي الى الاناجيل الاربعة وهي : متي ومرقس ولوقا ويوحنا، والتي كتبت من قبل أشخاص وسميت بأسمائهم، فإنجيل متي وهو أول الأناجيل دون باللغة الآرامية، واناجيل مرقس ولوقا ويوحنا فدونت باللغة اليونانية وترجمت الى عدة لغات عالمية . وتطرق الربيعي الى الطوائف المسيحية في العراق وهم : 1- الكلدان وهم يشكلون 80% من مسيحي العراق، ومقر الكنيسة في بغداد . 2- السريان وهم يشكلون 10% من مسيحي العراق ومنهم كاثوليك وأرثوذكس ومقرها الرئيسي في لبنان . 3- الآشوريون يشكلون 5% من مسيحي العراق انحدروا من ايران وتركيا خلال الحرب العالمية الاولى . 4- الأرمن يشكلون 3% من مسيحي العراق انحدروا من ارمينيا بعد تهجيرهم من قبل الدولة العثمانية . 5- العرب يشكلون 2% من مسيحي العراق .

تطرق الربيعي في الفصل الثالث الى الكنائس والأديرة في العراق، فالأديرة في العراق انتشرت في أواخر القرن الرابع وفي القرن الخامس الميلادي، فذكر الاديرة التي بنيت في بغداد وما حولها وفي الموصل وحولها وسامراء والنجف وحولها أديرة الحيرة ومن اعظمها دير هند الصغرى، الذي بنته هند بنت النعمان بن المنذر، ودير هند الكبرى الذي بنته هند بنت الحارث الكندي، وأم الملك عمرو بن المنذر . وتطرق الربيعي الى أشهر الأديرة غرب العراق بالأنبار وعانة، وركز على دير العاقول الذي يقع على بعد 70كم جنوب بغداد الذي ذكره المؤرخون في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) والى جواره مدينة كبيرة، ذكرها اليعقوبي بانها "مدينة النهروان الأوسط ". وتطرق الربيعي الى الكنائس المسيحية في العراق، فذكر ان اقدم الكنائس (كنيسة كوخي) التي أقامها(مار ماري) في المدائن، وتطرق الى الكنائس التاريخية في الموصل وما جاورها، والى كنائس بغداد، وذكر أهم الكنائس في العراق : 1- كنيسة بابيرا التي تعود الى القرون المسيحية الاولى تقع شرق الموصل . 2- كنيسة قصر سريج وتقع شمال غرب الموصل . 3- كنيسة مصيفنة تقع الى الجنوب الشرقي من مركز ناحية زمار(من نواحي مدينة الموصل) . 4- كنيسة خرية دير سيتون تقع شمال غرب مدينة الموصل . 5- كنيسة بازيان تقع في بازيان في السليمانية . 6- الكنيسة الخضراء (كنيسة مار أحودامة)تقع في أقصى الزاوية الجنوبية لتكريت الجنوب خارج اسوار مدينة تكريت . 9- كنيسة العُبيد تقع على الجانب الشرقي من نهر دجلة الى الجنوب من طريق تكريت كركوك . 10– كنيسة البو عجيل (لم يعثر على اسمها الحقيقي) تقع جنوب مدينة تكريت . 11- كنيسة غمر كسكر تقع شرق واسط .

كما تطرق الربيعي الى الأقوام التي تبنت الديانة المسيحية، والى التبشير المسيحي في مملكة حدياب التي نشأت في فترة حكم الفرثيين في القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وامتدت بين الزاب الاعلى والزاب الاسفل، وعاصمتها مدينة أربل (أربيل)، والى التبشير الديني في مدينة الرها التي تقع شمال سوريا، والتي اصبحت مع مدينة انطاكيا مركزاً ثقافياً ودينياً للمسيحية . وتطرق الى التبشير المسيحي في مدينة نصيبين التي تقع في منطقة الجزيرة بين الموصل والشام على نهر الخابور، وهي خاضعة حاليا الى تركيا، وكان الصراع حولها بين الدولتين الرومانية والساسانية . كما تطرق الربيعي الى التبشير المسيحي في مملكة الحيرة عاصمة المناذرة، والتي دخلتها المسيحية في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع الميلاديين، ومنها انتشرت الى الجزيرة العربية واليمن، وكانت تحوي عدد كبير من الكنائس والأديرة، ومن أهم كنائسها : كنيسة البيعة الكبرى، وكنيسة مار توما، وكنيسة مريم العذراء، وعدد كبير من الأديرة.

تطرق الربيعي في الفصل الرابع الى المسيحية في ظل الاسلام، عندما منح النبي محمد (ص) نسخة العهد لأهل نجران وسائر من ينتحل الديانة النصرانية في أقطار الارض والذي أمنهم فيه على أرواحهم وأملاكهم . أمّا في عهد الخلفاء الراشدين، فان الخليفة ابو بكر الصديق (رض) تعامل مع اليهود والمسيحيين تعاملاً مماثلاً لتعامل النبي محمد (ص) واكتفى بفرض الجزية عليهم، وعندما وجه خالد بن الوليد الى الحيرة الذي كان أغلب سكانها من المسيحيين، نزل في بانيقا (النجف الاشرف) فصالحه أهلها . امّا الخليفة عمر بن الخطاب (رض) فقام بأجلاء اليهود من الحجاز والنصارى من نجران الى العراق والشام . امّا في عهد الخليفة عثمان بن عفان (رض) فقد طلب المسيحيون العودة الى نجران، فرفض طلبهم بدعوى انه يعمل بسيرة الخليفتين من قبله . وفي خلافة علي بن ابي طالب (ع) الذي أتخذ من الكوفة مركزاً لخلافته فكان من بين مقاتليه في صفين والجمل جماعات من المسيحيين . ثم تطرق الربيعي الى المسيحيين في عهد الخلافة الاموية، التي لم تكن طيبة مع أغلب المسيحيين،إلا في فترات قليلة، ففرض عليهم سلوكاً معيناً وملابساً مميزةً، ولكن قسم منهم اصبحوا موظفين في دواوين الدولة لمقدرتهم على القراءة والكتابة واجراء العمليات الحسابية . فقد كان الخليفة معاوية بن ابي سفيان متسامحا مع المسيحيين لكون زوجته ميسون مسيحية من قبيلة كلب . أمّا في ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق فانه أتخذ قرارات مجحفة بحق الموالي وأهل الذمة وبضمنهم المسيحيون الذين أجلاهم من وسط وجنوب العراق . وفي عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك نعم النصارى بالتسامح والاعتماد عليهم في أمور الدولة . أمّا الخليفة عمر بن عبد العزيز فقد استعمل كل اساليب التهديد والترغيب لإجبار المسيحيين على اعتناق الاسلام .

وتطرق الربيعي الى المسيحيين في عهد الدولة العباسية، ففي عهد السفاح كانت العلاقة طيبة بين المسلمين والمسيحيين، فقد ساعدوهم في انتخاب المطارنة وفي اقامة الجثالقة . أمّا المنصور فقد كان متسامحاً مع المسيحيين وقد أتخذ جرجيس بن بختيشوع طبيباً خاصاً له، وفي عهده اصبح للمسيحيين نفوذاً كبيراً ومكانةً مرموقةً، فأنشأ الرهبان مدارس في الاديرة . أمّا في عهد المهدي فقد ازدهر بناء الكنائس والاديرة، امّا الهادي فقد كان يكرم الاساقفة ويجالسهم وسمح ببناء الكنائس والاحتفال بالأعياد المسيحية . وفي خلافة هارون الرشيد كان النصارى يخرجون في موكب كبير، يحملون في أيديهم الصليب يتقدمهم رؤساء الطوائف المسيحية، وكان الرشيد قد قرب اليه نخبة من أطباء النصارى ووكل اليهم الاشراف على المستشفيات، وولى يوحنا بن ماسويه الاشراف على ترجمة الكتب الطبية القديمة، أمّا النصارى في عهد الامين فقد نالوا الحرية الواسعة في ممارسة شعائرهم الدينية . امّا في عهد المأمون فقد أطلق الحرية الواسعة في الفكر والقول، فأقبل اليه النقلة والفلاسفة المسيحيين وقاموا بترجمة الكتب اليونانية الى العربية، وسمح بأنشاء كنائس جديدة واصلاح الكنائس القديمة، وكان البطاركة والأساقفة والكهان يتمتعون بامتيازات وحصانات كاملة . امّا في عهد المعتصم فقد لاقى المسيحيون التسامح في ممارسة شعائرهم الدينية وفي بناء الكنائس والأديرة، وشارك المسلمون النصارى بأعيادهم . امّا المتوكل فقد اتبع سياسة الشدة مع أهل الذمة، فامر أن يلبس النصارى الطيالسة العسلية، وبشد الزنار، وركوب السروج الخشبية، وأمر بهدم الكنائس المحدثة بعد الاسلام، وامر ان يجعل على ابوابهم صور الشياطين من الخشب، ونهى أن يتعلم ابنائهم في كتاتيب المسلمين، وأمر بتسوية قبور المسيحيين مع الارض، وشمل النساء فلبسن الأزر العسلية، وان لون خفيهن احدهما ابيض والآخر اسود . وتطرق الربيعي الى عهد المستعين بالله، والى عهد الطائع لله، والى عهد القادر بالله، والى عهد المقتفي بالله، ففي هذه العهود كان اهتمام بأبناء الديانة المسيحية، فتقلد عدد منهم وظائف مهمة في الدولة، وبرز عدد منهم في مختلف العلوم والآداب وخاصة في مجال الطب .

تطرق الربيعي الى المسيحية في عهد المغول، فقد كان ضمن الجيش المغولي الذي اجتاح بغداد             

 فيه جنود يدينون بالمسيحية، وكانت زوجة هولاكو دقوز خاتون مسيحية، لذلك تعاطف المغول مع المسيحيين ولم يعاملوهم بقسوة، كما عاملوا المسلمين وتم اعادة بناء الكنائس المدمرة، وسمح لهم بممارسة طقوسهم الدينية بكل حرية . أمّا المسيحية في العهد الجلائري، فقد خضع المسيحيون لدفع الجزية، ومورس ضغط عليهم لتحويلهم الى الاسلام .

تطرق الربيعي في الفصل الخامس الى المسيحية في ظل الدولة العثمانية، والذي كان يتصف بالتسامح مع المسيحيين، والسماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية بحرية تامة، ولكنهم خضعوا الى الجزية مقابل إعفائهم من الخدمة في الجيش . وتطرق الى وضع المسيحيون في الموصل، التي كانت تعد من المناطق المهمة بالنسبة للمبشرين المسيحيين لكثرة عدد المسيحيين فيها، وقد عد القرن السابع عشر بداية الارساليات التبشيرية الفرنسية اليها، فسعى الكبوشيون لإقامة مركز لهم في الموصل، وأسسوا اول نواة كاثوليكية عام 1636م، لتحويل النساطرة من مذهبهم الشرقي الى المذهب الكاثوليكي، وفي مدة حكم الاسرة الجليلية في الموصل تقدم التبشير الكاثوليكي وتحويل النساطرة الذين اطلق عليهم الكلدان الى الكاثوليكية عام 1759م، فازداد عددهم في الموصل . واثناء حملات الجيش الصفوي على الموصل ومحاصرة نادر شاه لها، قتل عدد كبير من المسيحيين، واستول الايزديون على الاديرة ونهبوها وقتلوا رهبانها .

تطرق الربيعي في الفصل السادس الى مسيحيو العراق في العهد الملكي، بعد الحرب العالمية الثانية نزح عدد كبير من الآشوريين والارمن من ايران الى العراق، فشكلت القوات البريطانية قوات الليفي الآشورية التي اصبحت رأس حربة للقوات البريطانية الذين زجوا بهم بمعارك ضد العرب والكرد . وفي العهد الملكي عندما كان رشيد عالي الكيلاني رئيساً للوزراء، حصل تمرد للآشوريين في قرية ديرابون (تقع في المثلث الحدودي بين العراق وسوريا وتركيا) سنة 1933م . فقد حاول مجموعة من المسلحين الآشوريين عبور الحدود السورية فمنعتهم القوات الفرنسية واعادتهم الى العراق، اشترطت الحكومة العراقية لرجوعهم للعراق تسليم اسلحتهم، وعند رفض المسلحين نزع اسلحتهم ارسلت الحكومة العراقية قواتها الى قرية ديرابون، واثناء عبور المسلحين الحدود هاجمتهم القوات العراقية ودارت معركة بين الطرفين سقط فيها عدد من الجنود واكثر من 100 قتيل من الآشوريين . وتطرق الربيعي الى مجزرة قرية سُميل التي قامت بها الحكومة العراقية بحق الآشوريون بعهد حكومة رشيد عالي الكيلاني سنة 1933م، كانت قوات الليفي الآشورية التي شكلها البريطانيون قد استخدمت ضد الحركات الكردية والعشائر العربية، واصبحت قوة متمردة على الحكومة العراقية، فقررت الحكومة العراقية نزع سلاح الآشوريين في قرية سُميّل التابعة لقضاء زاخو، دخلت قوة عسكرية الى قرية سُميّل وطلبت من الاهالي تسليم اسلحتهم، فسلم الرجال الآشوريون اسلحتهم . فهاجمت قوات الجيش العراقي والاكراد وبعض العشائر العربية القرى الآشورية وارتكاب مجزرة راح ضحيتها 315 من الفلاحين المسيحيين، وحصل نهب وسلب وتهديم جميع القرى المسيحية في دهوك وشيخان وزاخو . وتطرق الربيعي الى أبرز النواب المسيحيين في المجلس النيابي في العهد الملكي .

تطرق الربيعي في الفصل السابع الى مسيحيو العراق في العهد الجمهوري، فكانت حركة الشواف في الموصل، على أثر عقد مؤتمر انصار السلام في الموصل سنة 1959م، قام العقيد عبد الوهاب الشواف بحركة انقلابية من الموصل، وبعد فشلها اعدم الضباط المشاركين بها وكان بضمنهم ضابط مسيحي اسمه إسماعيل هرمز . واعقب فشل الحركة الانقلابية واعدام المشاركين بها، أشاعت في الموصل عمليات اغتيال واسعة انتقامية شملت اليساريين والمسيحيين، ووضعت اشارات باللون الاحمر على بيوت المسيحيين، مما أجبر الكثير من المسيحيين ترك الموصل والهجرة الى بغداد أو الى خارج العراق، فشيدت كنائس جديدة في بغداد، وانتقل رجال دين اليها من الموصل ، وهذه تعد الهجرة الاولى للمسيحيين من الموصل . وتطرق الربيعي الى المسحيين في العهد العارفي، فعند اندلاع المعارك بين الاكراد والقوات الحكومية بعد انقلاب 8شباط عام 1963م، وقف المسيحيون مع الاكراد، فنالت 66 قرية مسيحية حصتها من التدمير، واجبر عدد كبير من المسيحيين ترك قراهم . وبعد استيلاء عبد السلام عارف على السلطة بعد طرد البعثين، والذي كان طائفياً متزمتاً فأساء الى الاديان غير الاسلامية ومن ضمنها المسيحيون . ثم تطرق الربيعي الى المسيحيين في عهد البعث، حاول البعثيون استمالة المسيحيين اليهم فأصبح طارق عزيز عضوا في القيادتين القطرية والقومية  لحزب البعث ومجلس قيادة الثورة . وبعد وصول حزب البعث الى السلطة سنة 1968م، حصلت معارك بين الحركة الكردية المسلحة وقوات الحكومة العراقية، وفي 16 ايلول 1969م، قامت مفرزة عراقية عند قرية صوريا التابعة لقضاء زاخو التي سكانها من المسيحيين بمجزرة راح ضحيتها اكثر من 120 شخصاً، ثم قام الجنود بنهب وسلب وسرقة المجوهرات من البيوت . وبين الربيعي المكاسب التي حصل عليها المسيحيون من حكومة البعث ومنها، صدور قانون تشكيل اللجنة المركزية للطائفة الآشورية النسطورية، وفتح جمعيات ونوادي لممارسة النشاطات الثقافية والفنية، واصدار مجلة باللغة السريانية عن وزارة الثقافة والاعلام العراقية، وبث برامج باللغة السريانية من اذاعة بغداد وكركوك يومياً، وتأسيس جمعية الأدباء والكتاب الناطقين باللغة السريانية، وتأسيس مجمع اللغة السريانية، وفتح قسم اللغة السريانية في كلية الآداب / جامعة بغداد، وغيرها .

وتطرق الربيعي في الفصل الثامن الى المسيحيين بعد عام 2003م، عندما قامت المليشيات المسلحة بتهديد وإجبار العوائل المسيحية على النزوح والهجرة لتستحوذ على أموالها وممتلكاتها، وقتل من يرفض الهجرة، وقاموا بتفجير وحرق الكنائس. وقد بلغ عدد الكنائس والاديرة التي فجرت من قبل الاسلاميين المتشددين (القاعدة) 35 كنيسة ودير . وتطرق الربيعي الى الجرائم التي ارتكبت بحق المسيحيين منها، اختطاف المطران فرج رحو سنة 2008م في الموصل وقتله، وحادثة كنيسة سيدة النجاة في بغداد سنة 2010م، عندما هاجم الكنيسة مجموعة مسلحة أثناء اداء مصلين لقداس يوم الاحد، واحتجزوا العشرات من المصلين، وعندما هاجمت القوات العراقية الكنيسة لتحرير المختطفين قتل منهم 52 مصلي . وتطرق الربيعي الى اجتياح داعش للموصل سنة 2014م، عندما قام عناصر داعش بقتل وتهجير عدد كبير من المسيحيين من الموصل ومصادرة بيوتهم وممتلكاتهم، وتفجير كنائسهم وأديرتهم ونهب موجوداتها، وبيع بناتهم في سوق النخاسة .

تطرق الربيعي الى زيارة البابا فرنسيس الى العراق ولقائه مع المرجع الديني السيد علي السيستاني، وزيارته لمدينة اور الأثرية وبيت النبي ابراهيم (ع)، وزيارة كنائس مدينة الموصل واقامة قداس فيها، كما زار بلدة قرقوش القريبة من الموصل وأقام قداس في أقدم كنيسة كاثوليكية فيها .

كان المسيحيون متواجدين في كل المحافظات العراقية، ويتركز وجودهم في بغداد وفي سهل نينوى شمال الموصل، وبعد اجتياح تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) لمدينة الموصل، هاجر عدد كبير من المسيحيين الى خارج العراق فقل عددهم من 5و1مليون مسيحي الى 400 الف، وبذلك فقد خسر العراق مكون اساسي من مكوناته . 

 

صباح شاكر العكام       

                  

2660 رغيد نحاسعندما يكون البدر رمزاً تغار منه الحروف

وأنا أنتهي من قراءة الكتاب الجديد للدكتور رغيد النحّاس الذي حمل عنوان "بحروف مائلة" وضم 64 قصيدة نثر، وجدت أن عوالمه الشاعرية والإبداعية ظلت تفعل فعلها داخل نفسي، وتجعلني أحس بعمق أنه جاء امتداداً نابضاً ومتصاعداً لكتاب سابق له كان قد أطلّ علينا بعنوان " بَدْر" متضمناً 96 قصيدة نثر، مع قراءة له قدمتها الشاعرة والمستشارة الأدبية الأسترالية ليات كيربي، ذهبت فيها إلى أن فلسفة الحب وماهيته القاطعة لدى المبدع النحّاس، وما يجب أن يتطلب من الأحبة، تتمثل في التناظر الإعجازي بين الطبيعة والكون. ولهذا، فكل الأشياء ذات صلة ببعضها الآخر، أو يمكن أن تتحقق هذه الصلة إذا توفرت الإرادة لدى البشر.

وإذا كانت المستشارة كيربي، قد أكدت أن قصائد النحّاس في كتابه " بَدْر" كانت مكتوبة بمزيج من العاطفة والعزم اللذين يضخّان الحياة في جوهر الأشياء، مع كثير من الطرافة، وحضور دائم للذهن الذي يصوّر الكلّ في لوحات راقصة، تناصر القضية والبحث يستمر، فانني وجدت أن هذه السمات تبرز أيضاً وبإشراقات بهيّة في الكتاب الجديد " بحروف مائلة " الصادر باللغتين العربية والإنكليزية عن منشورات " كلمات Kalimat" في سدني، وهو الكتاب الثاني عشر من إصدارات الدكتور النحّاس في أستراليا، التي توزعت بين التأليف والترجمة، إلى جانب إصداره أربعة وعشرين عدداً من مجلّة "كلمات" للكتابة الخلاّقة بالعربيّة والإنكليزيّة.

تكشف لنا أعمال الدكتور النحاس أنه يستجلي بصفاء وإلهام، ألغاز ومظاهر وطبيعة الحياة بمديات لا محدودة وغير منظورة، ولكنه مع غوصه العميق فيها، يتجنب التعقيد العقيم وغير المجدي، فتجيء إلينا كتاباته عميقة وغنية ومشرقة تنساب انسياباً عذباً بأسلوب "السهل الممتنع"، ونجده بارعاً بالكشف عن الرؤى والأفكار والدواخل والخبايا، ورسم صور جميلة عن هموم وتطلعات إنسانية تتجاوز الذاتي إلى الموضوعي، والفردي إلى العمومي، بدون افتعال أو انفعال.

كان مما أثار استغرابي في البداية اختيار عنوان الكتاب، الذي لم تكن حروفه مائلة لا شكلاً ولا مضموناً، وعندما سألت الدكتور النحّاس عن الأمر، أجابني قائلاً: (عندما تُكتب الحروف على شكل "In Italics" في النصوص الإنكليزية، أي بشكل مائل، فهذا يعني التأكيد على المراد من الكلام لتبيانه أكثر بالنسبة لما يحيط به. طبعًا هذا غير مستعمل بالعربيّة عمومًا. ولو أردنا اختيار عنوان عربيّ آخر، لربّما قلنا "بفصيح العبارة". ولكنّني فضلت هنا "بحروف مائلة" لتحريض مخيّلة المتلقي العربيّ يفسّرها كيف يشاء، فضلًا عن أن عبارة مثل "بفصيح العبارة" تقليديّة جدًّا). كما أشار إلى أنّ استعماله للعنوان، قد يكون كذلك نوعًا من "التهكّم" الذاتي، بمعنى أنّه أراد التأكيد على كلّ كلامه (شغفًا وحبًّا).

إن من يتسنى له قراءة الكتابين، يمكن أن يظهر أمامه بوضوح " بَدْر" الإسم أو الرمز الذي يترك تجلياته ظاهرةً أو خفيّةً في كليهما. ففي الكتاب السابق يقول الشاعر:

دمشق و" بَدْر " حبيبتي

امرأة واحدة،

تحبّني لكنها لا تريد

الوقوع في غرامي

وفي الكتاب الجديد، نجده ينشر نصاً استهلاليّاً تحت عنوان "دمشق" يقول فيه:

خرجتُ منكِ يا دمشقْ

فما بالك لا تخرجين منّي؟

ومع إشراقة أخرى لـ " بَدْر " نجده يقول في نص بعنوان " البدر الضائع":

حلّقت أبحث عن حبيبتي

فوجدتها ضاعت في أضواء مدينتي

حين هَبَطَتْ تبحثُ عنّي

لكنّي أميّزها بين ألف بدرٍ

ففيها وحدها الروح تنبضُ

و ما في الأخريات سوى قبض التمنّي

و إننا إذ نذكر هذه النماذج على سبيل المثال للحصر، يمكن أن نستشهد بنص آخر حمل عنوان "سنا" استهله بالقول:

كوكبان يتلألآن

فوق شظايا الضوء المنكسر

لحظات ..

ويتجلّى فيهما

سناء سيّدة المجرّة

وعبر تناغم جميل في المعاني والصور، نجد المبدع النحّاس يواصل رحلته مع " بَدْر " بقوله:

أسأله أن يستدير

ليواجه آلهة الجمال

ويفرد لها ذراعيه

لكنّه عصيّ مرير

ويعلم أنّني

أنتظر اكتماله

فحديثي مع البدر

حديثُ حبيبٍ لحبيب

يغارُ من هلاله

وإذا ما خلصنا إلى أن الدكتور النحاس قد استخدم البدر الذي يعود للتألّق بين الحين والآخر، رمزًا لاضطرابات وتطوّرات وأمزجة الحياة بظلامها ونورها، لا يمكن لنا أن نغفل استيحاءه قصائدَ ورموز اً ودلالاتٍ فكريّة وتاريخيّة وفلسفيّة واجتماعيّة وسياسيّة، وذلك ما تجلّى على الخصوص في قصائده "الشعر" و"فاطمة" و"حبّة حبّ" و"أنا هيليوس".

و إذا ما ركزنا على القصيدة الأولى نجده يذكَرنا بأن أدوات الشعر كالكلمات والحروف هي هي في هذه اللغة أو تلك، ولكن المهم كيف ستكون المحصلة بعد أن يمسكها الشاعر ويلعب بها. فالشعر كما يرى هو "مَوْلد الروح، وموئلُها، يبقى بعد أن يأكل الدود لحمنا". وفي أحد المقاطع يقول:

الشِّعر حبّة رمانْ

تتقاذفها الكواكب

تحت ظلال النجوم.

من كوكبٍ لكوكبْ

تصير ألف حبّةٍ

تنتحل رذاذ الغيوم

تهطل على جسد مسجّى

تلامس قلباً أضنته أشواقه

فيُنْتِش بالأمل.

إن كتاب " بحروف مائلة " عمل إبداعي ثرٌّ ومتميز، لا يمكن أن يفيه حقه عرض موجز مثل هذا، ولعله من المناسب أن نشير في الختام إلى أن الكتاب أطلّ علينا بحلَة إبداعية خلاّبة، من بعض ملامحها تضمنه 27 لوحة فوتغرافية مبهرة التقطتها العدسة المبدعة للدكتور النحاس، وجاءت منسجمة انسجاماً إبداعياً راقياً مع النصوص التي ضمها الكتاب بين دفتيه.

 

خالد الحلّي - ملبورن

 

فاخر جاسمفي آذار 2003، وبينما كان عريف الحفل الذي كنت أحضره بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، يستعرض بعض الشعارات المعلّقة على الجدران، تهاوى شعار " لا للحرب لا للدكتاتورية "، فإنتابني شعور غريب، وأحسست حينها بأن الغزو الأمريكي، قد يفضي إلى سقوط كل الشعارات والأفكار السابقة التي تمت بها تعبئة المواطنين العراقيين وأصدقائهم وحلفائهم من قوى العالم الخيّرة، من أجل إسقاط النظام الإستبدادي، الذي كان مطبقاً على خناق الوطن.

يومها، تشبثت بتفاؤل الإرادة، وأبعدت ذلك الإحساس! لكن ماحدث على مدى العقدين الماضيين، وما نشاهده اليوم من مظاهر الخراب والعنف وتسّيد قيّم ما قبل التمّدن، قيّم التخندق الطائفي والمذهبي والعرقي، قيمّ الحقد والكراهية والتعصب والإحتراب وثقافة الموت وإعلاء الفناء العدمي على حب الحياة والجمال والطبيعة، يعيد لي ذلك الإحساس البغيض، فأهرع للبحث عن ثقافة تنقد لي المفاهيم والقيم البالية وتبّصر الناس بالأسباب والدوافع التي دأبت على وأد قيّم التسامح والمحبة وحجب أفكار التنوير وإشهار عصي التكفير.

فهذا البلاء، الذي سببته هيمنة قوى التخلف، التي كنا قد غسلنا منها أيدينا قبل سقوط بغداد المدوي، وتماهي القوى الأكثر وعياً مع ما أفرزته العملية السياسية، من ظواهر ما بعد الغزو، كالطائفية والمذهبية والعرقية والعشائرية، لايمكن أن يواجه بغير تحرك جاد، فكري وثقافي، أولاً وقبل كل شيء، يمكّننا من قراءة الواقع كما هو، ويخلصنا من وهم " شعاراتنا التي زكتها الحياة ".

2695 ابراهيم اسماعيلإن قراءة متمعّنة لما يعيشه العراق اليوم، تعيد للذاكرة، رواية " جاك القدري " والصادرة عام 1796، للكاتب  الفرنسي، دونيس ديدرو، والتي حاول فيها رصد تحكم القدر في الأحداث وحركة الأبطال، بحيث يصبح الحوار الداخلي ثرثرة بلا معنى! حيث ستعكس لنا هذه القراءة، كيف يتحكم العرف بمواقع الأفراد وأدوارهم وعلاقات بعضهم ببعض أو بالدولة ومؤسساتها، وبدور النخب، من تماهى منهم مع المتنفذين أو إختار السلبية والوقوف على حياد زائف، وحيث عرف متوارث أو مستحدث أوصلنا إلى حالة أصبحت فيها القوة هي الحق، والأفعال لا تشبه الأقوال والأهداف الحقيقية تختبأ وراء نفاق لا حدود له! وحيث يسير الجميع في النفق العراقي المظلم بدون هدف معروف! المتنفذون يتبادلون التهم حول المسؤولية عن الكارثة، توحّدهم السرقة والكذب والشتيمة لبعضهم البعض. أتباع المتنفذين، يواصلون العراك على التسميات وعلى السبل التي توصلهم إلى كراسي برلمان الخيبة.

ورغم الحلكة والضيم، فهناك من لايزال يفتح كوى في النفق المظلم، وأبرز هؤلاء رجال ونساء الإحتجاجات الشعبية التي لم تفقد جذوتها بعد، ونشاط المبدعين الديمقراطيين، الذي يشكل بصيص تنوير حقيقي، وعدد متميز من إصدارات وكتابات تحاول النقش في الفكر كما النقش في الحجر، ومنها ما حاول القيام به الصديق المبدع الدكتور إبراهيم إسماعيل في كتابه هذا (هكذا رأيت الأشياء).

مؤلف الكتاب، باحث قدير، متنوع الإهتمامات، بين العلم والفكر والسياسة والثقافة والصحافة، ففي مجال العلم، حاصل على شهادتي دكتوراه في علم النبات، أحداهما من جامعة دبرستن في هنكاريا، والثانية من كلية علوم الحياة السويدية، التي عمل فيها إستاذاً وباحثاً علمياً، لسنين طوال آهلّته لنيل جائزة التفاحة الذهبية في عام 2020 تكريماً وتثيمناً لجهوده في التدريس والبحث العلمي. وفي مجال السياسة، إمتدت علاقته بالحركة اليسارية لأكثر من نصف قرن، في الوطن وفي المنافي، الجزائر واليمن وسوريا والمجر وجبال كردستان! ورغم صعاب الإنتماء القاسية، بقي الرجل واثقاً من حلمه بغّدٍ مشرق ووطن حر وشعب سعيد. وفي مجال الثقافة، عرفناه كاتباً في العديد من المجلات والصحف، التي رأس تحريرها أو برز في هيئات تحريرها، بقلمه الرشيق وإسلوبه الشاعري الجميل. لقد كانت الثقافة، أكثر الهموم التي سببت للصديق المؤلف وجع الرأس، سواءً بسبب مناكدات الصحب، أو لإيمانه العميق بحرية الإنسان والكلمة، أولتغريده أحياناً خارج السرب، وهو ينظم العديد من الندوات والنشاطات الثقافية أويساهم فيها، أو وهو يدعم المثقفين والمبدعين ويسعى معهم لتكون الهموم الثقافية أكثر تعبيراُ عن هموم الوطن، لا الذات!

كتاب (هكذا رأيت الأشياء)، تعبير عن تجربة مثقف، حاول الجمع بين الروح النقدية والإلتزام السياسي، وحقق في ذلك بعض النجاح، في زمن شهدنا فيه فشل الأخرين، ممن أصّروا على رفض التعامل النقدي مع الواقع، وعلى الإحتفاظ بالأوهام، معشعشة في الذهن، تؤمن لهم الطمأنينة والسكينة وتشعرهم بإمتلاك الحقيقة المطلقة! فالنقد، حسب رأي الكاتب، ينقذ الأفكار من القدسية فيمنحها القوة على التطور والتغيير. وقد عزّز هذا الرأي قناعتي، بأن من يريد الإنتقال إلى الأفضل لابد أن يبحث عنه شخصياً، وهذا البحث يبدأ من مراجعة المفاهيم التي إعتاد على تبنيها وأصبحت تتحكم باللاوعي، بحيث لا يفقد الشعور بالبلوى فحسب، بل  ويحاكيها بمخيلة اللاجدوى، ويصفق لمن أوقعه بها ويعيد انتاجه بوعي او بدون وعي.

إن موضوعات الكتاب، جديرة بالقراءة والإهتمام، لكشفها وبموضوعية متميزة عن أسباب الخراب الذي حل بالوطن والمواطن، وعن سبل الخلاص منها، ولما توفره لغتها الجميلة والمكثفة والبعيدة عن الطرح السياسي المباشر من متعة وفائدة، وأخيراً لإعتمادها على التحليل الفكري ـ العلمي والذي يستند الى إحصائيات ومعطيات دقيقة.

كتاب، الصديق الدكتور إبراهيم إسماعيل، مكثف في موضوعاته، عميق في رؤيته، يعبر عن نظرة نقدية لمواقف وسياسات ومفاهيم ترسخت في أذهان كثير من المثقفين والسياسيين، موضوعات يتناولها، من خلال موقفه النقدي، الذي يؤمن به، والذي يستند إلى أن الغاية الرئيسية من الكتابة، ليست إضفاء الشرعية على البرامج والشعارات المرفوعة، بل الكشف عن حقيقة الواقع.

ضم الكتاب الذي صمم غلافه الفنان الكبير قاسم الساعدي، مجموعة من المقالات والدراسات التي تبحث في الشأن السياسي والإجتماعي العراقي، وُزعت في أبواب ثلاثة. شمل الباب الأول، السبيل لعراق الحلم، دراسات حول التحديث، الدولة المدنية الديمقراطية، العدالة الإجتماعية، البيئة الإجتماعية للتحالفات السياسية، الدستور، الفيدرالية، واقع التعليم العالي وسبل تطويره وغيرها. في الباب الثاني، مساهمة في الحوار حول مستقبل اليسار، جاءت مجموعة مقالات حول تجديد اليسار والعولمة الرأسمالية وثورة أكتوبر والصحافة الشيوعية العراقية. أما الباب الثالث، هموم عراقية، فتضمن مقالات سياسية وأخرى تتعلق بحقوق المرأة العراقية.

 

د. فاخر جاسم

 

ناجي ظاهريكشف الكاتب التركي البارز اورهان باموك، الحاصل على جائزة نوبل الادبية، في كتابه المؤثر "الروائي الساذج والروائي الحساس"، عن اسرار كتابته الروائية معتمدًا على كتابات هامة سبق وكتبها اصحابُها عن اسرار الفن الروائي، امثال م. فورستر، في كتابه عن "اركان الرواية"، او "جوانب الرواية"، كما يرد في الترجمة العربية للكتاب موضوع حديثنا. ويقدم للقاري تجربته في الكتابة الروائية سابرًا اغوارها العميقة بحرفية ومهنية، متمكنة وراقية.

يستمد باموقة عنوان كتابه من مقالة هامة جدًا حول "الشاعر الساذج والشاعر الحساس"، كتبها الشاعر الالماني شيلر، واعتبرها الكاتب الروائي المتميز توماس مان، اهم مقالة تمت كتابتها باللغة الالمانية. اما الروائي الساذج كما يتردّد اكثر من مرة في الكتاب، فهو، وفق تعريف باموك، ذاك الذي لا يشغل باله بالقضايا الفنية في كتابة الرواية وقراءتها.. في حين أن الروائي الحساس على العكس من الروائي الساذج، انه الروائي العاطفي المتأمل الذي يولي اهمية خاصة للأساليب الروائية والطريقة التي يعمل بها عقل القاري. إجابة عن سؤال طالما وجه اليه يقول باموق انه روائي ساذج وحساس في الآن ذاته.

يضم الكتاب ستَ محاضرات القاها باموك في جامعة كامبردج عام 2009، يطرح فيها اهم القضايا المتعلقة بالكتابة الروائية، كما تحدث عنها روائيون مشهود لهم عالميًا وكما عايشها هو ذاته. 

يفتتح باموق كتابه/ محاضراته، بالسؤال الصعب، كيف تعمل عقولُنا عندما نقرأ رواية، ويجيب إن الروايات حياة ثانية.. مثل الاحلام التي تحدّث عنها الشاعر الفرنسي حيرارد نرفال، ويضيف إن الروايات تكشف لنا الالوان والتعقيدات في حياتنا وهي مليئةٌ بالناس.. بالوجوه والاشياء التي نشعر اننا نعرفها من قبل، تمامًا كما يحدث في الاحلام.. عندما نقرأ الروايات نتأثر احيانًا بقوة الطبيعة الخارقة للأشياء التي تصادفنا والتي تجعلنا ننسى أين نحن ونتصور انفسنا وسط الاحداث الخيالية والشخصيات التي نشهدها.

2657 اورهان باموقخلافًا للعديد من الروائيين يقول باموك إنه يخطط لكتابة روايته ويستعد مطولًا للبدء في كتابته لها، ويتحدث عن بطل روايته يقول: شخصية البطل الرئيسي في روايتي تحدد بنفس الطريقة التي تتشكل بها شخصية الانسان في الحياة، من خلال الظروف والاحداث التي يعيشها. القصة أو الحَبكة هي خط يربط بشكل فعّال الظروف المختلفة التي أريد التحدّث عنها. البطل هو شخص ما شكلته الظروف وساعد هو على اظهارها بأسلوب حكائي.

يقول باموك اجابة عن سؤال مفترض حول تميز الرواية عن باقي انواع السرد الطويل، إن السمة الرئيسية التي تميز الرواية وتجعلها نوعًا ادبيًا له شعبية واسعة، هي الطريقة التي تقرأ بها  الرواية. حقيقة رؤية كل هذه النقاط الصغيرة. هذه النهايات العصيبة على طول الخط. عينا احدى الشخصيات في القصة. عملية ربط هذه النقاط مع مشاعر واحاسيس الابطال، سواء من كان يروي الاحداث هو الشخص الاول او الثالث، سواء كان الروائي او القاص، مدركًا او غير مدرك لهذه العلاقة، فان القارئ يمتص كل حدث في المشهد العام، وذلك بربطه مع مشاعر وعواطف البطل القريب من الاحداث. يقول باموك ويتابع، هذه هي اذن القاعدة الذهبية لفن الرواية، تنبع من البنية الداخلية للرواية عينها.. ويتحدث باموق عن الزمن الروائي، يقول إنه ليس الزمن الخطي والمجرد الذي عرّفه ارسطو، وانما هو الزمن الشخصي للأبطال، ولا يبتعد باموق في كلامه هذا كثيرًا عما تحدث عنه بيرسي لوبوك في كتابه الخالد "صنعة الرواية"، عن وجهة النظر التي تُروى الروايةُ عبرها.

يتحدث باموق عن ابتكار الروائي للبطل. يقول إن اهم ما على الروائي القيام به، كما يعتقد معظم الروائيين، هو ابتكار البطل!. اذا نجح في الوصول إليه، اي البطل، فسوف يتحول إلى ما يشبه الملقن على خشبة المسرح، يهمس للروائي مسار الرواية بالكامل.. ويوضح باموق مضيفًا إن فورستر ذهب، في هذا السياق، بعيدًا جدًا عندما اقترح علينا، نحن الروائيين، أن نتعلم من شخصيات الرواية ما يجب ان نقوله في الكتاب. هذا التصور لا يؤكد أهمية شخصية الانسان في حياتنا، مجرد انها تظهر لنا. إن الكثير من الروائيين، يبدؤون بكتابة رواياتهم بدون أن يكونوا متأكدين من قصتهم، وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يستطيعون الكتابة بها. بالإضافة إلى ذلك يشير تصور فورستر إلى الجانب الاشد تحديًا في الكتابة، كذلك في القراءة: حقيقة ان الرواية هي نتاج المهارة والبراعة معًا، كلما كانت الرواية طويلة يواجه الكاتب صعوبة في صياغة الاحداث.. يحتفظ بكل الاحداث في عقله. ويبتكر تصورًا عن محور الرواية بكل نجاح.

يشير باموق، في سياق مقارب، إلى تعبير المعادل الموضوعي الذي عرفه ت. اس. اليوت. بأنه سلسلةٌ من الاحداث التي تتوافق موضوعيًا مع تلك والتي ستكون الصيغة.. الاستحضار التلقائي - مشاعر خاصة يبحث عنها المبدع ليعبر عنها في قصيدة. رسم. رواية أو أي عمل فني آخر، قد نقول هذا في الرواية، المعادل الموضوعي هو صورة الزمن التي تكونت بالكلمات والتي نراها من خلال عيني البطل. ويقدم باموق مثالًا تطبيقيًا لهذا من رواية "آنا كارنينا"، للكاتب الروسي ليف تولستوي.. هذه الرواية التي يرها "الاعظم في التاريخ الروائي". يقول.. لم يُخبرنا تولستوي عن مشاعر آنا كارنينا وهي تستقل قطار سانت بطرسبورغ، بدلًا من ذلك، رسم صورًا تساعدُنا في فهم هذه المشاعر: ظهور الثلج من خلال النافذة على اليسار. النشاط في المقصورة. الطقس البارد. الخ..، وصف تولستوي كيف أخرجت آنا الرواية من حقيبتها الحمراء، بيديها الصغيرتين، وكيف وضعت وسادةً صغيرة في حجرتها، ثم استمر بوصف الناس في المقصورة، وهذا بالضبط ما نفهمه، نحن القراء، وهو أن "آنا" لم تتمكن من التركيز في الكتاب، لأنها رفعت رأسها من الصفحة ووجّهت اهتمامها إلى الناس في المقصورة، ومن خلال تحويل كلمات تولستوي ذهنيًا.. من اجل خلق صور نراها.. نصل إلى الشعور بمشاعرها.

يخصص باموك فصلًا/ محاضرةً كاملةً في كتابه، للتحدّث عن محور الرواية، ويرى أنه هو الاهم في الكتابة الروائية مُقدمًا الكاتب الروسي فيودور دستوفسكي في كتابته روايته "الشياطين"، نموذجًا ومثالًا.. عندما اكتشف دستوفسكي محور روايته.. بادر لإعادة كتابتها مُجددًا.. علمًا أن محور الرواية هو سرُها الكبير وأن تناوله/ يقصد محور الرواية، يختلف من كاتب لآخر. يوضح باموق.

 

قراءة: ناجي ظاهر

.........................

*الروائي الساذج والحساس. تأليف اورهان باموق. ترجمة ميادة خليل. الكتاب يضج بالأخطاء اللغوية والنحوية. صدر عام 2015 عن منشورات الجمل في بغداد.

 

عبد الخالق حسينملاحظة: أقترح على القارئ الكريم الذي فاته القسم الأول من هذا المقال أن يفتح الرابط أدناه ليبدأ بقراءته قبل القسم الثاني لتتضح له الصورة... مع الشكر الجزيل.

https://www.almothaqaf.com/a/b8/956863

***

والآن نأتي إلى القسم الثاني والأخير

التفكير كفيلسوف:

يقول المؤلف: "قد تسأل: كيف أنَّني، كفيلسوف، أتحدَّثُ في موضوعاتٍ عالجَها العُلماء؟ إنَّ أفضلَ جوابٍ على هذا السُّؤال هو بطَرْحٍ سؤالٍ آخر: هل نحنُ الآن منخرطون في العِلْمِ أم بالفَلْسفة؟" ويجيب قائلاً: "عندما تدرُس التَّفاعُل الدَّاخلي المُتبادل بين جسْمينِ ماديَّيْن، ولنقُل على سبيلِ المثال، اثنين من الجُسَيْمات دون الذرِّية [subatomic particles]، فأنتَ منخرطٌ بالعِلْم. وعندما تسأَل: كيف ولماذا توجد هذه الجُسَيْمات - أو (أيّ) جسْم مادِّي - فأنتَ منخرطٌ بالفَلْسفة. وعندما تستنتجُ نتائجَ فَلْسفية من معطياتٍ عِلْميَّةٍ، فأنتَ تُفكِّرُ كفيلسوف." (ص 122)

"ويستشهد بألْبِرْت آينشْتين قوله: "رجُلُ العِلْمِ هو فيلسوفٌ ضعيف". ويعلق فلو: "لحُسْنِ الحظِّ، الأمرُ ليس كذلك دائما. فقادةُ العِلْمِ خلال مئات السِّنين الأخيرة، بالإضافةِ إلىٰ بعضِ العُلماء المعاصرين الأكثر تأثيراً، بنوا رؤيةً فَلْسفيةً لكونٍ عقلانيٍّ انبثَقَ من عقلٍ إلهي. وكذلك الحالُ معي، فهذه هي رُؤيتي الخاصَّة عن العالَم، التي أجِدُها الآن قائمةً على تفسيرٍ فَلْسفيٍّ للعديدِ من الظَّواهرِ التي واجَهَها العُلماءُ والناسُ العاديُّونَ علىٰ حدٍّ سواء." (ص 124)

ويضيف: "هناك ثلاثةُ أبعادٍ من التَّحقيقِ العِلمي كانت على وجهِ الخصوص مهمَّةً بالنِّسبةِ لي، سأضَعُها في الحُسْبانِ كلَّما تقدَّمْتُ في هذا الكتاب في ضوءِ الأدلَّة المتداولة اليوم:

أوَّلُ هذه الأبعاد هو السُّؤالُ الذي حيَّرَ ولا زالَ يُحيِّرُ الكثيرَ من العُلماءِ اللَّامعين، وهو من أينَ جاءت قوانينُ الطَّبيعة؟

والثاني، هو السُّؤالُ الواضحُ للجميع: كيف جاءت الحياةُ كظواهر عضوية من اللَّا حياة؟

والثالثُ، هو السُّؤالُ الذي يُوجِّهُهُ الفلاسفةُ لعُلماءِ الكون: كيف جاءَ الكونُ - بكُلِّ ما يحتويهِ من أشياء مادِّية - إلى الوجود؟" (ص 124-125).

إله أرسطو

يقول قلو: (بناءً على موقفي الجديد من نقاشِ الفَلْسفة التقليدية فيما يتعلَّق بوجودِ إله، فإنَّ أكثرَ ما أقنعني في هذا الحقلِ هو حُجَّةُ الفيلسوف ديفيد كونوي David Conway (فيلسوف إنكليزي معاصر)، المؤيِّدة لوجودِ إلهٍ في كتابِهِ (عودةُ الحكمة The Recovery of Wisdom):

الإلهُ الذي دافَعَ كونوي عن وجودِهِ، وأنا كذلك، هو إلهُ أرسطو، فقد كتَبَ كونوي قائلا: خلاصةُ القول: "إنَّ أرسطو قد حدَّدَ الصِّفاتَ التالية للكائنِ الذي يُفسِّرُ وجودَ العالَم بمعناهُ الواسع: الثَّبات (غير متحرِّك)، التَّجريد (غيرُ مادِّي)، القُدْرة على كلِّ شيء، العلْمُ بكُل شيء، الوحدانية، غيرُ قابلٍ للتجزئة (البساطة)، الخيرُ المُطْلَق، ووجوب الوجود." (ص 126-127).

ويضيف: "لا بدَّ أنْ أُؤكِّدَ على أن اكتشافي للأُلوهيَّةِ مبنيٌّ على أساسٍ طبيعيٍّ صرْف، دون الرُّجوع إلى أيَّةِ ظواهر تتجاوزُ الطَّبيعة (خارقة). لقد كان اكتشافي للإلهِ عبارةٌ عن ممارسةِ ما يُسمَّى تقليدياً بـ(اللَّاهوت الطَّبيعي). وليس له صِلَة بأيِّ نوعٍ من أنواعِ الوحي الدِّيني. ولا أدِّعي أنَّه حصلت لي أيَّة تجربة شخصيَّة مع الإله، أو أيَّة تجربة يمكن اعتبارُها إعجازية أو تتجاوز الطَّبيعة. باختصار، اكتشافي للأُلوهيَّةِ كان عبارةً عن رحلةِ عَقل وليست رحلة إيمان." ( ص127)

أينشتاين والدين وإله سبينوزا

كثيراً ما استلمنا عبر البريد الإلكتروني، ومنصات التواصل الاجتماعي، رسائل ومقالات مفادها أن ألبرت أينشتاين قال أنه يؤمن بإله اسبنوزا. هذا الموضوع تطرق إليه أنتوني فلو في كتابه هذا مستشهداً بأينشتاين أنه قال:"أُريدُ أنْ أعرِفَ كيف خلَقَ الإله العالمَ... أُريدُ أنْ أعرِفَ أفكارَهُ، أمَّا الباقي فمجرَّد تفاصيل". وكثيراً ما أشيع أن آينشتين قال: إنَّه يُؤمِنُ بإلهِ باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza)، ولأنَّ كلمة (الإله) و(الطبيعة) مترادفتان عند سبينوزا، لذا يمكنُ القولُ بلا تردَّد بأنَّ آينشتين في نظَرِ اليهود، والمسيحيِّين، والمسلمين كان مُلْحِداً، بل كان (الأبَ الرُّوحي لجميعِ المُلْحِدين). (ص 134).

 

والجدير بالذكر أن فلسفة اسبينوزا حول الإله تعني ما يسمى بـ(وحدة الوجود Pantheism). أي الجمع بين الله والإنسان والطبيعة في كيان واحد. وهذه النظرة قريبة من نظرة بعض الجماعات الصوفية في الإسلام، وحلول الإله في الإنسان. وكثيراً ما نسمع أو نقرأ بعض الشطحات منسوبة لمشايخ الصوفية، مثل بايزيد البسطامي في قوله: "سبحاني وتعالى ما أعظم شأني". وقول الحسين بن منصور الحلاج: "رأيت ربي بعين قلبي، فقلت من أنت؟ قال أنت". وهذا يشبه ما قاله القس والفيلسوف الألماني مايستر إكهارت (Miester Ekhart) في القرن الرابع عشر الميلادي: " إن العين التي أرى الله بها هي نفس العين التي يراني الله بها."، ويقصد عين العقل طبعاً، أي البصيرة وليس البصر. وقال إكهارت: " إذا كانت الصلاة الوحيدة التي تقولها في حياتك كلها هي الشكر لله، فستكون كافية." وقال أيضاً: "كل مخلوق هو كلام الله". اتهمت الكنيسة الكاثوليكية القس إكهارت بالهرطقة (heresy)، وحاكمته، ولكن لحسن حظه مات قبل إصدار الحكم عليه.

وبالعود إلى أينشتاين، وهل حقاً قال أنه يؤمن بإله سبينوزا؟ يعلق أنتوني فلو قائلاً:

((ولكن صدَرَ حديثاً كتابٌ بعنوان: (آينشتين والدِّين Einstein and Religion)، لماكس جامِر (Max Jammer)، وهو أحدُ أصدقاء آينشتين - يُقدِّمُ صورةً مختلفةً تماماً عن تأثيرِ سبينوزا على قناعات آينشتاين الشَّخصية. بيَّنَ جامِر أنَّ آينشتين كان يعرفُ القليلَ عن سبينوزا، وأنَّه لم يقرأ لسبينوزا سوىٰ كتاب (الأخلاق Ethics)، وقد رفَضَ طلبات متكرِّرة للكتابةِ عن فَلْسفةِ سبينوزا. وفي ردِّهِ على أحدِ الطلبات، قال آينشتاين: "إنَّه لا يملِكُ معرفةً متخصِّصةً ليكتُبَ مقالةً علْميَّةً عن سبينوزا". رغمَّ أنَّ آينشتاين يشترِكُ مع سبينوزا في الإيمانِ بالحَتْميَّة (Determinism)، إلا أنَّ جامر يرى أنَّه من المُصْطنَع وغير المُسوَّغ، الافتراض بأنَّ أفكارَ سبينوزا أثَّرَت على فِكْرِ آينشتين. لحَظَ جامر أيضاً أنَّ (آينشتاين شعَرَ بأنَّه قريبٌ من سبينوزا، لأنَّهما يشتركانِ في حاجتهِما إلى الانعزال، بالإضافةِ إلى قدَرِهِما بأنْ يتمَّ قراءتهُما ضمن التُّراث اليهودي، لكن في النِّهايةِ يَبْقيا غرباء عن التُّراثِ الدِّيني).

((ورغمَ أنَّ آينشتين أشارَ إلى إيمانِ سبينوزا بوحدةِ الوجود [pantheism]، إلا أنَّه في الحقيقةِ عبَّرِ عن إنكارِهِ أنْ يكون مُلْحِداً أو مؤمناً بوحدةِ الوجود، فقد كتَبَ:

"أنا لسْتُ مُلْحداً، ولا يمكن أنْ أعتبرَ نفْسي مؤمناً بوحدةِ الوجود. نحن في موقفِ طِفْلٍ صغيرٍ دخَلَ إلى مكتبةٍ كبيرةٍ مملوءةٍ بكُتُبٍ بلُغاتٍ مختلفة. والطِّفلُ يعرِفُ أنَّه يجب أنْ يكون هناكَ شخصٌ ما كتَبَ هذه الكُتُب. ولكنَّه لا يعرف كيف؟ هو لا يفهَمُ اللُّغةَ التي كُتِبَت بها هذه الكُتُب. الطِّفلُ يظُنُّ بنحو خافت بأنَّ هذه الكُتُب مرتَّبةً بطريقةٍ غامضة، لكنَّه لا يعرف ما هي هذه الطَّريقة. وهذا، كما يبدو لي، هو اتِّجاهُ أذكىٰ شَخْصٍ تجاهَ الإله. نحنُ نرىٰ العالَمَ مُنظَّماً بطريقةٍ رائعة، ويتَّبع قوانينَ معيَّنة، لكنَّنا نفهمُ بنحوٍ خافتٍ فقط هذه القوانين. عقولُنا المحدودة تدرِكُ القوَّةَ الغامضةَ التي تُحرِّكُ هذه الكويكبات."

((جامر لاحظَ، علىٰ سبيلِ المثال، أنَّ آينشتاين احتجَّ بنحو متواِصل ضدَّ اعتبارِهِ مُلْحِداً. وقد أعلَنَ في محادثةٍ مع الأميرِ هيبرتس أمير لونشتين (Hubertus of Lowenstein) قائلاً: "ما يجعلُني أشعُرُ بالغضَبِ فعلاً هو أنَّ الناسَ الذين يقولونَ بأنَّ الإله لا وجودَ لَهُ يسْتشهِدُونَ بكلامي لتأييدِ آرائِهِم." (نفى آينشتاين اعتناقَهُ الإلحاد لأنَّه لم يجِد أنَّ إنكارَهُ للإله الشَّخصي (personal God) يعني أبداً إنكاراً لوجودِ إله.) (ص 135-136).

((وكمُلخَّصٍ ينتهي جامر إلىٰ أنَّ آينشتاين - كما هو حال موسىٰ بن ميمون وسبينوزا - يرفُضُ بشكلٍ قاطعٍ أيَّ نوعٍ من التَّجسيم في الفكرِ الدِّيني ولكن على خلافِ سبينوزا، الذي رأى أنَّ النَّتيجةَ المنطقية لإنكارِ الإله الشَّخصي يجعل الإله في هويَّةٍ مشتركةٍ مع الطَّبيعة، آينشتاين أصرَّ على أنَّ اللهَ يكشِفُ عن ذاتِهِ (في قوانين الكون كرُوحٍ أعظم من تلك التي للإنسان، وعلى المَرْءِ في مواجهةِ ذلك – بما يملِك من قوى هزيلة - أنْ يشْعُرَ بالتَّواضع). آينشتاين اتَّفَقَ مع سبينوزا في أنَّ من يعرِف الطَّبيعة يعرِفُ الإله، لكن ليس لأنَّ الطَّبيعة هي الإله، بل لأنَّ مواصلةَ العِلْم في دراسةِ الطَّبيعة الثِّقة بالطَّبيعةِ العقلانية للواقِعِ، وقُدْرتِها الخاصَّة على الوصولِ إلى العقلِ البشري. في حين أنَّ هذه الثِّقة يفتقِرُ إليها العِلْمُ، حيثُ ينحطُّ إلى إجراءٍ لا روحَ فيه. إنْ أرادَ الكهنةُ جعلُ هذا هو رأسُ مالهِم فهذا شأنُهُم. فليس هناك علاجٌ لذلك يقودُ إلى الدِّين)) (ص 137)

كما يستشهد المؤلف بمقولات عديدة أخرى لأينشتاين، اخترتُ منها واحدة وهي كالآتي:

"تديُّني يتضمَّنُ تقديراً خاضعاً للرُّوحِ المتفوِّقة اللَّا نهائية التي تُظهِرُ نفسَها في أدقِّ التفاصيل التي نستطيعُ إدراكَها بعقولٍ واهيةٍ وضعيفة. هذه القناعةُ العاطفيةُ العميقةُ بوجودِ القوَّة المنطقية الفائقة التي تتجلَّى في  الكونِ الذي لا يمكن الإحاطةُ به، هو الذي شكَّلَ فكرتي عن الإله". (ص 139).

ويضيف المؤلف أنتوني فلو:

"آينشتين، وهو مكتشِفُ النظرية النِّسبية، ليس العالِم العظيم الوحيد الذي رأى ربْطاً بين قوانين الطَّبيعة وعقلِ الإله. رُوَّاد فيزياء الكوانتم، وهم عظماء آخرون من المكتشفين في الزَّمنِ الحديث، أمثال ماكس بلانك Max Planck))، وِرْنِر هيزنبيرغ Werner Heisenberg))، إرْوِن شروندجر (Erwin Schrödinger)، وبول ديراك Paul Dirac))، كل هؤلاء صدرت عنهم عبارات متشابهة (بخصوص الرَّبط بين قوانين الطَّبيعة وعقلِ الإله.) (ص 140).

وعن إيمان أينشتاين بالإله، وللأمانة أقول: أني شاهدتُ قبل أكثر من عشرة أعوام فيلماً وثائقياً عن أينشتاين على إحدى قنوات BBC، في مقابلة معه، سأله مقدم البرنامج فيما إذا يؤمن بالله، فأجاب بنعم، وأتذكر قوله أنه في مناسبات كاد أن يلمسه ! طبعاً لا يقصد لمساً مادياً باليد وإنما بالبصيرة أي العقل.

ويستشهد فلو بإيمان عالم عملاق آخر ساهم في تغيير التاريخ وهو دارون صاحب نظرية (التطور وأصل الإنسان)، فقال: ((وقبلَ أجيال من هؤلاءِ العلماء، أكَّدَ تشارلز دارْوِن على الفكرةِ ذاتِها بقولِهِ: "العقلُ يقولُ لي إنَّه من الصَّعبِ بدرجةٍ كبيرة، بل من المستحيل، أنْ نُدرِكَ هذا الكون الهائل والرائع، بما في ذلك الإنسان مع قابليَّتِه على النَّظَرِ إلى الماضي البعيد، والذَّهاب بذهنِهِ إلى المستقبلِ البعيد، ليقولَ بعد ذلك بأنَّ هذا الكون قد حدَثَ بصُدْفةٍ عمياء أو ضرورة. عندما أتأمَّلُ في ذلك، أجدُ نفسي مُضْطرَّاً للتطلُّع إلى السَّببِ الأوَّل الذي يمتلكُ عقلاً ذكياً يُشابِهُ بدرجةٍ ما الإنسان؛ عندها أستحِقُّ أنْ أُوصَفَ بالمؤمن.")) (ص 143-144)

هل كان الكون يعرف أننا قادمون؟

وفي الفصل السادس من الكتاب بعنوان: هل كان الكون يعرف أننا قادمون؟ يتحدث المؤلف عن دقة القوانين والثوابت التي تدير الكون بحيث لو تغير أي واحد منها ولو قليلاً، فإننا، وخاصة كبشر أذكياء، يستحيل وجودنا في غير هذه الظروف التي وفرتها هذه القوانين الطبيعية. 

وبعنوان ثانوي: (كوننا الدقيق our fine tuned universe)، يقول المؤلف: "الشُّهرة المعاصرة لهذه الحُجَّة تُسلِّطُ الضَّوءَ على بُعْدٍ جديدٍ لقوانينِ الطَّبيعة. كتَبَ عالِمُ الفيزياء فريمان دايسون Freeman Dyson قائلاً : (كلَّما قُمْتُ بفحصِ هذا الكون ودرسْتُ تفاصيلَ تكوينِهِ، أجِدُ دليلاً إضافياً على أنَّ الكونَ بمعنى ما كان يعلَمُ بأنَّنا قادمون. وبعبارةٍ أُ خرى: يبدو أنَّ قوانينَ الطَّبيعة صُمِّمت بنحوٍ يُحرِّكُ العالَمَ باتِّجاهِ نشأة حياة. هذا هو المبدأُ الأنثروبي، الذي أصبحَ مشهوراً بفَضْلِ مفكِّرينَ من أمثال مارتن ريز Martin Rees، و جون بارو John Barrow، وجون ليسْلي John Leslie".(ص 155)

ويضيف فلو: "دعنا نأخُذ أبْسَط قوانين الفيزياء كمثالٍ على ذلك. لقد تمَّ حسابُ أنَّه لو تغيَّرَ حتى لو واحد فقط من الثوابتِ الأساسية - علىٰ سبيلِ المثال سرعة الضَّوء أو كتلة الإلكترون - بدرجةٍ مختلفةٍ قليلاً، فإنَّه لن يكون هناك كوكبٌ قادرٌ على توفيرِ البيئة المناسبة لحياةِ الإنسان. لقد تمَّ تفسيرُ هذا التوافقَ الدَّقيق بطريقين: بعضُ العُلماء قالَ بأنَّ هذا التوافقَ الدَّقيق دالٌّ على التَّصميمِ الإلهي؛ كثيرونَ آخرون خمَّنوا بأنَّ كونَنا هو كونٌ من ضمنِ أكوانٌ أُخرىٰ –(أكوانٌ متعدِّدة) - مع فارق أنَّ كونَنا هُيِّءَ لكي يُوفِّرَ الشُّروط اللازمة للحياة. عملياً لا يدَّعي أيُّ عالِمٍ معروفٍ اليوم أنَّ التوافقَ الدَّقيق كان بنحوٍ صِرْف نتيجةً لعواملِ الصُّدفة في كونٍ واحد." (ص 156).

***

الملاحق

هناك ملحقان:

الملحق الأول: بعنوان: الإلحاد الجديد The New Atheism

وهو تقييمٌ نقديٌّ لرتشارد دوكينز، دانيال دينيت، لويس  ولبرت، سام هاريس، وفكتور ستينجر، بقلم بروفيسور روي أبراهام فارجيس (Abraham Varghese Roy). (ص 227)

يقول كاتب الملحق: "لم يفشل هؤلاء فقط في تقديمِ سببٍ لهذا الاعتقاد، بل إنَّهم تجاهلوا الظَّواهرَ الواضحة المُتعلِّقة تحديداً بالسُّؤالِ عمَّا إذا كان الإلهُ موجوداً. كما أرى، هناك خمسُ ظواهر واضحة في خبرتِنا المباشرة، لا يمكنُ تفسيرُها إلَّا بلُغةِ الإيمان بوجودِ إله. هذه الظَّواهر هي:

الأ ولىٰ : العقلانيةُ المُتضمَّنة في جميعِ خبراتنا الحسِّية عن العالَمِ الفيزيائي.

الثانية: الحياةُ، القدرةُ على الفعلِ بنحوٍ مستقلٍّ .

الثالثة: الوعيُ، القدرةُ على أنْ تكونَ مُدْرِكاً.

الرابعة: الفكرُ التصوُّري، القدرةُ على التعبيرِ وفهمِ الرُّموز كتلكَ الموجودة في اللُّغة.

الخامسة: النَّفْس (الذَّات) البشرية، (مركز) الوعي والفكرِ والفعل.

ويستنتج الكاتب في هذا الملحق أن هذه الظواهر لا يمكن فهمها إلا بارتباطها بإله، ويقدم شرحاً وافياً وممتعاً في هذا الصدد في حوالي 31 صفحة. (ص 227)

المُلْحَقُ الثاني بعنوان: كيف نعرف أن المسيح قد وُجد؟

أسئلة يقدمها أنتوني فلو إلى أسقف درهام، نيكولاس توماس رايت، المتخصص في العهد الجديد، فيما يتعلَّقُ بالادِّعاء بأنَّ هناك وحياً ذاتياً للإلهِ في التاريخِ البشري تجسَّدَ بيسوعِ المسيح. وكذلك عن قيامة المسيح، للتحقُّقِ فيما إذا كان المسيحُ المبعوثُ قد ظهَرَ واقعاً للمجموعاتِ التي ادَّعت رؤيتُه، لأنَّ ما لدينا من وثائقَ يقولُ فقط: إنَّ هذه الأحداث غير الاعتيادية قد وقعَتْ بالفعل. (ص 260). ويجيب الأسقف رايت على هذه التساؤلات بشكل واف في نحو 43 صفحة بلغة دينية غير مقنعة لغير المسيحيين المؤمنين.

ويقول المؤلف: "لقد ألحقْتُ هذين المحقين في كتابي هذا لأنهَّما معاً أمثلة لاستدلالٍ قادني إلى تغييرِ وجهة نظري حولَ وجود الإله. لقد شعرْتُ أنَّ من المناسبِ أنْ أُلحِقهُما بكتابي بنحوٍ كامل لأنَّهما إضافة أصيلة للنقاشِ بنحوٍ بالغ الدَّلالة، فضلاً عن كونِهِما يُعطيانِ للقارئ بعضَ الإضاءة حول اتِّجاه رحلتي العقلية الحالية. عندما يُؤخذان بالتَّزامُنِ مع (القَسْمِ الثاني: اكتشافي للمُقدَّس)، فستجد أنَّها تُشكِّلُ كلا عضوياً يُقدِّمُ رؤيةً جديدةً في فَلْسفةِ الدِّين". (ص 223-224)

ويضيف في مكان آخر من الكتاب: "أنا الآن أُؤمِنُ بأنَّ الكونَ قد جاء إلى الوجودِ بواسطةِ ذكاءٍ لا محدود، أنا أُؤمِنُ بأنَّ قوانينَ الكونِ المُعقَّدة تُبيِّنُ ما أسْماهُ العلماء (عقْلُ الله). أنا أُؤمِنُ بأنَّ الحياةَ وإعادةَ الخلْقِ أساسُها مصدْرٌ إلهي." (ص 212)

***

لا شك أن الكتاب مثير للجدل ويحفز على التفكير، جدير بالقراءة بروح الباحث عن الحقيقة، بدون تحيز، أو تعصب لمواقف مسبقة، بعيداً عن روح المكابرة والمعاندة ، يعني القراءة بعقل منفتح، إذ كما قال حكيم: العقل مثل المظلة، يعمل فقط عندما يكون منفتحاً.

Your mind is like a parachute, it only works when it is open.

د. عبدالخالق حسين

............................

روابط ذات صلة

رابط الكتاب- النسخة الإنكليزية: Anthony Flew: There is God

 http://islamicblessings.com/upload/There-is-a-God.pdf

رابط الكتاب، النسخة العربية، أنتوني فلو: هناك إله. ثم تضغط على عبارة (تحميل الكتاب).

(وفي في حالة عدم فتح الرابط يرجى نقل عنوان الكتاب إلى محرك البحث في غوغل، وتختار الرابط الأقرب للمطلوب، ثم تضغط على (تحميل الكتاب).

https://www.kotobati.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%87%D9%86%D8%A7%D9%83-%D8%A5%D9%84%D9%87-pdf

رابط الكتاب، الطبعة العربية الكويتية لنفس المترجم ولكن بدون تعليقات المراجع

https://ia802806.us.archive.org/23/items/85129/708.pdf

 

 

ثامر الحاج امينلا بأس ان يأتي الاعتراف بالخطأ متأخرا فذلك خير من أن لا يأتي أبدا، لأن بقاء الحقيقة مغيبة او ملتبسة يدور حولها الجدل والشك هو مضيعة للوقت ويدفع للمزيد من الخسارات وإلحاق الظلم بالغير، وقد أشار الروائي البرازيلي "باولو كويلو" الى صواب هذا التوجه في قوله (ان الوسيلة الوحيدة لإتخاذ القرار الصحيح هو الاعتراف بالقرار الخاطىء) لذا ومن أجل الوصول الى الحقيقة والتشجيع على تصحيح الآراء الخاطئة يجب ان لا يكون هناك سقف زمني محدد لأهمية وصلاحية قرار الاعتراف انما على باب التوبة والتطهر من أدران الكذب ان يبقى مشرعا للولوج الى عالم الصفاء مع النفس والتخلص من عذاب الضمير، لقد آن الأوان لمن يمتلك اسرارا تاريخية لنزع الخوف من قلبه والتحلي بالشجاعة لكشف المستور من خفايا التاريخ والتكفير عن آثام طمس الحقائق وذلك انصافا لمن ذهبوا ضحية اخفاءها وتشويهها، فتاريخنا ملغوماً بالأكاذيب والمبالغات والروايات الموضوعة حتى بات من النادر ان نجد مؤرخا او راوياً يتناول أحداث التاريخ وهو بكامل الشجاعة والنزاهة والحيادية، لذا علينا ان نفرح ونشجع عندما يستيقظ ضمير أحد من الذين يحتفظون بأسرار يمكن بكشفها رد الاعتبار لآخرين وينفجر ناطقا بالحق بعد عقود طويلة من الكتمان قضّاها ينوء بثقل هم الحقيقة التي كلفت الشعب أنهارا من الدماء والأرواح.

 ما جاء في كتاب (أمالي السيد طالب الرفاعي) الصادر عن دار مدارك للنشر ــ دبي ــ عام 2012 يتماهى مع هذا التوجه، فهذا الكتاب وان كان يمثل جانبا من المذكرات الشخصية للسيد (طالب الرفاعي 1931 ــ ...) وهو عالم ديني شيعي ويعد واحدا من أبرز رموز الاسلام السياسي في العراق حيث ساهم مع عدد من الشخصيات في تأسيس حزب الدعوة الاسلامية عام 1959 الاّ ان الكتاب في نفس الوقت يمثل مجموعة اعترافات جريئة عن حقبة زمنية لم يكن المذكور شاهدا على احداثها الخطيرة فحسب انما لاعبا أساسيا في العديد من حلقاتها والذي كان الاقتراب منها و الخوض في تفاصيلها الى وقت قريب يعد جريمة عند فرسانها الذين تلطخت ايديهم بدماء الشعب، حيث استعان الرفاعي في العام 2011 بالكاتب والباحث رشيد الخيون وأملى عليه جانبا من مذكراته التي ضمت ستة عشر فصلا تناول فيها مواضيع وحوادث خطيرة شهدها وعايشها عن كثب والتي تحفظت العديد من الشخصيات الخوض فيها لشدة حساسيتها، ولكن الرفاعي بشجاعة الكبار وحكمة الشيوخ تجاوز التابوات وأدلى بعدد من الحقائق التي ظلت ملتبسة لدى جمهور واسع من العراقيين، وتعزيزا لصحة ما جاء في مذكراته وتبرئة مدونها من التلاعب والتحريف فقد تصدرتها شهادة بإمضاء وكتابة السيد الرفاعي تشير الى مصداقية ما ورد فيها على اكمل وجه . ومن بين الموضوعات ــ محط الجدل ــ التي تناولتها المذكرات هو حقيقة ما يتعلق بحزب الدعوة الاسلامية الذي اختلف رأي الجمهور حول تاريخ تأسيسه حيث يذكر الرفاعي في مطلع الفصل الخامس من الكتاب (لقد انفجر الوضع في صبيحة يوم 14 تموز 1958 وانقلبت السياسة رأساً على عقب، وحلت الجمهورية محل الملكية، وجاء المد الشيوعي قوياً كالسيل، وحتى هذه اللحظة ليس لدينا تنظيم ولا شيء اسمه حزب الدعوة، لا الاسم ولا الكيان ولا حتى فكرة تأسيسه على الاطلاق، كانت شعبية عبد الكريم قاسم طاغية، وقوة الحزب الشيوعي العراقي مؤثرة في المجتمع، فحينها طٌرحت أمامنا مهام جديدة وأهمها كيف لنا مواجهة هذا التغيير ومشاكسة هذا السيل العارم ص 123) . وقد ذهب الى تأكيد هذا التاريخ في أكثر من مكان في الكتاب وفي موضع آخر من الكتاب يتناول الرفاعي اشكالا آخر شغل الجمهور وكان هو الاخر محط اختلاف في تقييمه ذلك هو شخصية الزعيم عبد الكريم قاسم حيث يدلي الرفاعي برأيه في الصفحتين 145، 148 من الكتاب فيقول فيهما (لم يكن عبد الكريم قاسم طائفياً، انما كان ميله الى الشيعة، إلا اننا كرجال دين لم نعرف استثمار هذا الميل، وأنا كنت من أشد المحاربين لعبد الكريم قاسم لكن الآن أشعر بخطأ توجهي آنذاك، كان يمكن لهذا الرجل ان ينقل العراق الى عصر آخر، لقد ساقنا البعثيون والقوميون الى معاداة عبد الكريم، ساقونا ببغض الشيوعيين، والقضايا الشخصية كانت داخلة بقوة في عواطفنا وتوجهاتنا ص145) ويؤكد في صفحة أخرى (كان عبد الكريم قاسم شخصية نظيفة بلا شك، ورجل صاحب نوايا وطنية مائة بالمائة، لكن في السياسة ليس عنده دهاء السياسيين لإدارة بلد مثل العراق، ومع ذلك لو بقينا عليه كان أفضل كثيرا لنا، وحقيقة بدأ العراق في عهده ينتعش اقتصادياً والأمور أخذت تتضح، غير ان البعثيين وعبد الناصر بذلوا ما بذلوا للإطاحة به وايذاء العراق في عهده وبلا شك في ان المرجعية الدينية ساهمت بذلك وأنا كنت اتحرك مع حركة المرجعية، أستطيع القول ولم نكن على حق بما حصل ص148).

كما ان الكتاب سلط الضوء على عدد آخرمن القضايا الخطيرة ومنها الصراع على زعامة الشارع الشيعي والذي كان قائما بين كبار الرموز الاسلامية في كل من العراق وايران، فضلا عن قضايا اخرى عديدة ظلت اسرارها خافية على جمهور المؤرخين والمهتمين بالشأن السياسي وكان الخوض فيها يتطلب جرأة وشجاعة كبيرتين .  

 

ثامر الحاج أمين

 

 

ناجي ظاهرتدخلنا الكاتبة الانجليزية اغاثا كريستي، في كتاب مذكراتها في سوريا والعراق "تعال قل لي كيف تعيش"، إالى الريف السوري وبعده العراقي في اواسط الثلاثينيات من القرن الماضي، مقدمةً لنا صورة كوميدية سوداء لأوضاع المواطنين العرب  هناك، وتوجههم المستسلم السلبي للحياة من وجهة نظرها.

تروي كريستي في كتابها هذا يومياتها خلال مرافقتها زوجها عالم الاثار  البريطاني مالون ماكس، وبحثه يرافقه آخرون من ابناء جلدته ومن السكان المحليين، عن الاثار التاريخية القديمة، عبر القيام بحفريات في المواقع الاثرية.

تقول كريستي في تقديمها لكتابها هذا، انها لا تقدم فيه بحثًا في الاثار وانما هي تسجل ذكرياتها اليومية المعيشة في بلاد قامت بزيارتها في واحدة من فترات  حياتها.

تستمد كريستي عنوان كتابها من مقطوعة ادبية للكاتب لويس كارول، صاحب قصة "اليس في بلاد العحائب"، المعروفة لدى الملايين من الاطفال في  مختلف اصقاع العالم، وتفتتح كتابها بالتحدث عن الاستعداد للسفر إلى سورية برفقة زوجها وفريقه البحثي الاثري، وما يتطلبه هذا السفر من ملابس احتياطية خاصة تتلاءم وسمنتها مع الاجواء الجديدة التي ستكون ضيفتها خلال عامي 1935- 1937، بعدها تنطلق في سرد مذكراتها اولًا بأول، مسلطةً الاضواء على احداث يومية لا تخلو من غرائبية وشخصيات عجائبية فريدة.

من الاحداث الغرائبية تتوقف كريستي عند توقف السيارة المرافقة كوين ماريا، بعد ان تورطت في مياه موحلة، وكيف تمكن الفريق المرافق من انقاذ الموقف ودفع السيارة الى الامام رغم افتقاده- الفريق- للأدوات المساعدة. كريستي تتوقف مطولًا عند لا مبالاة القرويين السوريين، ابان تلك الفترة، واكتفائهم بالقليل وعدم ميلهم لتحسين اوضاعهم المزرية، تقول انهم بالكاد كانوا يقنعون الفلاحين السوريين، بصورة عامة  طبعًا، بالعمل معهم في الحفريات الاثرية في هذا الموقع او ذاك، وان هؤلاء الفلاحين ما ان كانوا يتلقون رواتبهم، مضافة اليها حوافزهم المالية حتى يغادروا ولا يعودون للعمل إلا بعد صرفهم ما تلقوه من رواتب، وتوضح ان المنتدبين الفرنسيين تغلبوا على مثل هكذا مشكلة، بانهم ابقوا دائما جانبًا من الرواتب المترتب عليهم دفعها لهؤلاء العمال، ليعودوا مضطرين، الامر الذي رفضه زوج كريستي عالم الاثار قائلًا انه من حق هؤلاء العمال ان يتلقوا رواتبهم كاملة كما يقتضي الواجب.

2651 اجاثا كرستي تعالتتوقف كريستي في كتابها  عند اماكن عديدة منها نهر جغجغ ونهر الخابور، وتتحدث عن عشوائية الفلاحين وعن استخفافهم بالحياة كونهم سيموتون ذات يوم، كما تتحدث عن شيخهم الذي يعد بان يكون كل شيء على ما يرام بمشيئة الله.. إلا ان شيئًا لا يكون كما يعد، وعندما يسألونه عن سبب تقصيره.. يتذرع بأسباب  واهية وغير مقنعة.

تميز كريستي بين الناس في سورية. هذا البلد الذي تناهبته في اواسط الثلاثينيات الاهواء والامزجة المختلفة لدى سكانه من عرب وارمن ويزيديين وغيرهم. متنبئة بما ستصير عليه الاحوال السياسية السورية من تشرذم.. وربما تضييع للبوصلة في بدايات الالفية الثالثة.. الفترة الجارية، ومن الطريف انها تتحدث عن شخص عمل ضمن الفريق المرافقة له كريستي، شكا من الم لا يحتمل في سن له. بعد ان اشتد الالم عليه لم يكن امامه من مفر سوى ان يزور طبيب الاسنان. الطبيب يطلب منه مبلغًا لا يريد ان يدفعه لأنه يراه باهظا.. المريض يحاول ان يقنع الطبيب بقبول مبلغ اقل.. وينتهي الامر بان يوافق المريض مع اشتداد الالم في ضرسه، على ان يدفع ما وافق على قبوله الطبيب. لكن مقابل ان يقلع ثلاثة اسنان اخرى معافاة إلى جانب السن المريض، وعندما يسأل الرجل الموجوع عن سبب ذلك التصرف الارعن، يجيب المريض قائلًا انه اقتلع اسنانًا  ستؤلمه ذات يوم!!!

يشار ان كريستي كاتبة روايات بوليسية مشهورة في العالم اجمع، غير انها لا تشير إلى صفتها هذه في كتابها سوى مرة واحدة. اما اسمها فلا يذكر داخل هذه المذكرات سوى مرة واحدة ايضًا، وعلى لسان اخر.

 

بقلم: ناجي ظاهر

.......................

* "تعال قل لي كيف تعيش"، تأليف اغاثا كريستي. ترجمة اكرم الحمصي. منشورات دار المدى السورية 2015.

 

 

محمود محمد علييعد اصطلاح ومفهوم «الحاكمية» هو نقطة الانطلاق الكبرى والركيزة الأساسية فى فكر كل الجماعات الإسلامية التى انتهجت نهج التكفير والعنف؛ ولهذا نجد الكتابان يؤكدان علي أن جماعات (الإسلام السياسي) تتمسك بوجوب تطبيق فكرة (الحاكمية لله)، باعتبارها معلوماً  من الدين بالضرورة، وتطالب الحاكم المسلم الاعتماد علي هذا المبدأ في الحكم وإخضاع جماهير المسلمين، وكذلك غير المسلمين في الدولة التي تعمل بالشريعة، لتطبيقاته وعدم التساهل في ذلك . أما النظم الديمقراطية المدنية الحديثة، فلا يقبلها هؤلاء بديلاً عن التطبيق الحرفي للأمر الإلهي المتمثل في النص والحديث، وحكم الله، ويعدونه كفراً وخروجاً عن قاعدة دين الله كله (39)؛ والهجوم يكون عنيفاً عادة علي من يدعو لتطبيق النظريات، والقيم والإيديولوجيات الغربية، ثم هم اليوم يقصون حاكمية الله، بجلتها، من يأتهم ويقيمون لأنفسهم أنظمة يسمونها (الرأسمالية) و(الاشتراكية) وما إليها، ويقيمون لأنفسهم أوضاعاً للحكم يسمونها (الديمقراطية) و(الديكتاتورية) وما إليها، ويخرجون بذلك عن قاعدة دين الله كله، إلي مثل جاهلية الإغريق والرومان وغيرهم، في اصطناع أنظمة وأوضاع للحياة من عند أنفسهم. أما النقاش الدائر بين النخب المدنية من جهة، والتي ترفض تطبيق هذا المبدأ، وتقول بالديمقراطية والشرائع، والقوانين الحديثة الوضعية، وبين منظري (الإسلام السياسي) من جهة أخري، فهو نزاع يحاول فيه الطرف الأول سلب المسلمين حقهم في الخضوع لله والاحتكام لأمره ولشرعه، وهو خروج عن الشرع وتعالي علي الله نفسه!، وعليه فالنزاع بيننا وبين العلمانيين ليس في مسألة من مسائل الفروع، بل هي قضية من قضايا الأصول، لأنها تتعلق بحاكمية الله تعالي، هل من حقه هز وجل أن يحكم خلقه ويأمرهم وينهاهم، ويحلل لهم، ويحرم عليهم أم لا؟ . العلمانيون يحرمونه من هذا الحق ويتعالون علي ربهم . وهناك رفض مطلق ومن منطلق ديني أصولي بحت لكل أفكار دعاة الديمقراطية والدولة المدنية، وهناك تكفير وتأليب وتهديد واضح بحقهم (40).

وهنا يخلص المؤلفان هنا بالقول بأنه :"لا نقاش في قضية (الحاكمية لله) إذن، فهي من أهم دعائم (الإسلام السياسي) ودولته الدينية المنشودة، واي طعن فيها ينسف أساس هذا الإسلام الهادف لتحقيق دولة الشريعة والحاكمية . أما سيادة الأمة والمجتمع ومفاصل الدولة وكل السياسات وأمور الحياة، فلا يجب أن تكون للشعب كما في الديمقراطيات الحديثة، بل لا بد أن تخضع لحكم الله، وأن يكون هذا الحكم هو القانون الملزم العالي، والذي لا يعلي عليه، ومن هنا فإن السيادة العليا في الدولة الإسلامية يجب أن تكون للشرع وحده، حيث أن مفهوم السيادة الشعبية أو سيادة الأمة يطلق حريتها في تبني ما تشاء من قوانين من منطلق كونها السيادة العليا الآمرة في المجتمع، وهذا يخالف الأمر الجازم بوجوب الانقياد لأحكام مما ينفي عن الأمة بداهة أنها صاحبة السادة طالما أنها لا تستطيع بمقتضي إرادتها العليا أن تضع قانوناً ملزماً، أو تقرر أمراً يخرج عن نطاق ما رسمه الشارع" (41).

والفكر الأصولي ومدارس (الإسلام السياسي) في نظر الكاتبان ترفض كلها التشريعات الحديثة التي تقول بسيادة الشعب في الدولة وحقه في تشكيل صبغة إدارة هذه الدولة وكيفية تسيير شؤونها . هناك رفض مبدئي عقائدي للدولة الحديثة، وإصرار علي إحلال البديل الإسلامي محلها . وهذا البديل هو الشريعة وتطبيقاتها . وفكر (الحاكمية لله) وشريعته المتمثلة في القرآن والسنة، هي من يجب أن تكون الأساس في السيادة والخضوع والإدارة وتحديد معالم السياسات الداخلية والخارجية، وطريقة الحياة والعيش، لذلك فقد أكدت تعاليم الإسلام أن السيادة للشرع وليست للشعب الذي يمتلك فقط السلطان المتمثل في تولية الإمام، ومراقبته، ومحاسبته، وعزله، فالدولة لا تستمد سلطة التشريع من الأمة، لأنها لا تملكها أصلا، ومن لا يملك شيئاً، فليس بوسعه أن يملكه غيره بداهة، ولذلك فالفقه السياسي لم يتناول مشكلة السيادة في النظرية السياسية الإسلامية للشرع ؛ ووفقا لهذا الرأي الرافض للدولة المدنية الديمقراطية، والقائل بدولة الشريعة التي تستمد الحكم من النص، وتخضع لـ(حاكمية الله)، فإن طريقة الحكم ظلت في الدولة المدنية الديمقراطية، وهو ما أدي إلي ظهور مشاكل ومصاعب كبيرة في الحكم والإدارة، لم تعرفها الدول الحديثة ولا المجتمعات الخاضعة للديمقراطية ولحكم الأغلبية، كما أن الحكم لله، استعيض عنه كما يؤكد المؤلفان بنظام شوري ظل قاصراً ومتخلفا عن تمثيل الشعب، وبما أن الحاكمية لله وحده، فإن الإسلاميين يرفضون مبدأ الحاكمية الشعبية أو السيادة الشعبية، ولا يولون مبدأ الانتخاب إلا أهمية عرضية، لذا إن لم تظهر أية شخصية تفرض نفسها تلقائيا كأمير، فإن هذا الأخير يمكن أن ينتخبه مجلس شوري أو حتي بالاقتراع العام، وفي هذه الحالة لا تعكس كلا العمليتين حاكمية ما أو سيادة ما، بل مجرد مبدأ الإجماع . والشوري هي مشورة أو نصيحة بالمعني الدقيق للكلمة : ذلك أن الحاكمية أو السيادة تنبع من الله وحده . أما الجماعة فإن الحق الوحيد الذي تملكه هو حق إبداء النصح وتذكير أو تحذير الأمير باسم المبادئ والأصول والمبادئ الإلهية، ومساعدة الأمير علي اتخاذ قراره باسم هذه الأصول وأخيراً لوم الأمير إذا ابتعد عنها (42).

واستخلاصا نجد المؤلفان يؤكدان بأن (الإسلام السياسي) يعتبر مبدأ (الحاكمية) من أهم دعائم فكره، ويقوم برنامجه علي جعل الحكم لله عبر الخضوع التام للنص والشرع وترك نظم الحكم والإدارة والإيديولوجيات الوضعية واعتبارها كفرا من عمل البشر، لا يجب مقارنتها أبدا بالشريعة، أو الاحتكام إليها، ولا يجب ن تحل محل حاكمية الله، التي ينبغي أن يخضع لها بكل مظاهر العبودية والتسليم الكامل (43).. ويرفض (الإسلام السياسي) ومفكروه أي اجتهاد مع مبدأ (الحاكمية لله) الذي طوره “أبو الأعلى المودودي”، وبحث فيه كثيراً سيد قطب، وهم يقولون بأنه مبدا كلي لا يمكن تجزئته، كما طالب بذلك فرج فودة مثلا . ويعتبر دعاة (الإسلام السياسي) كل العصور الذهبية في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية وليدة التمسك بهذا الفكر، وبالتطبيق الحرفي للشريعة، ويعيدون انتصارات الأمة للدين وانكساراتها للبشر الذين رفضوا تطبيق الدين وركنوا لأمور وأيديولوجيات أخري . وفي كل الأحوال يظل (الإسلام السياسي) وكافة جماعاته متمسكا بمبدأ (الحاكمية لله)، ورافضا للمناهج الوضعية، وثمة البعض من جماعاته يعلن ذلك علانية، والبعض الآخر يمارس التقية للالتفاف علي القوانين السائدة والوصول إلي الحكم والسلطة (44).

وختاماً نقول بأن الاختلاف مع الكاتبين لا يفسد للود قضية، كما لا يحق لأحد أن يمنع الاختلاف في وجهة النظر ويحتكر الصواب لنفسه، ويمنع الحوار، ويقمع الحرية، ويستبد في الرأي أو الحكم، فهذا الجانب السياسي هو جانب بشري خالص أخذ مصداقيته من المنهج الرباني، والخطأ القاتل الذي وقع به المسلمون عندما دمجوا ما هو بشري بما هو رباني وسحبوا الصفة الربانية “أي في الدين” فلذا يجب تمييز المنهجية الربانية كونها قواعد ومقاصد ثابتة لحفظ الفرد والأسرة والمجتمع، عن السياسة الإنسانية المتعلقة بالجزئيات والمستجدات التي تتغير حسب تغيير الوقائع (45).

والسؤال الآن : ما  معني الحاكمية لله وحده كما يتخبط الكاتبان في تحليلها ؟..  وهل يسير الدين علي قدمين ليمتنع الناس جميعاً عن ولاية الحاكمية، أو يكون الممثل لله في الحكم هو شخصية هذا المؤلفان الداعي، والذي ينكر وجدود الحكام، ويضع المعالم في الطريق للخروج على كل حاكم في الدنيا؟

إن القرآن نفسه يعترف بالحكام المسلمين، ويفرض لهم حق الطاعة علينا، كما يفرض عليهم العدل فينا، ويوجه الرعية دائماً إلى التعاون معهم؛ كما أن الإسلام نفسه لا يعتبر الحكام رسلا معصومين من الخطأ، بدل فرض لهم أخطاء تبددوا من بعضهم، وناشدهم أن يصححوا أخطاءهم بالرجوع إلى الله وسنة الرسول، وبالتشاور في الأمر مع أهل الرأي من المسلمين، فغريب جدا أن يقوم واحد، أو نفر من الناس، ويرسموا طريقا معوجا، ويسموه طريق الإسلام لا غير.. لا بد لاستقرار الحياة على أي وضع من أوضاعها من وجود حكام يتولون أمور الناس بالدين، وبالقوانين العادلة ومن الإسلامية :” إن الله يزع بالقرآن ما يزع بالقرآن”، فكيف يستقيم في عقل إنسان أن تقوم طليعة مزعومة لتجريد الحكام جميعاً من سلطانهم؟!! . وبين الحكام كثيرون يسيرون علي الجادة بقدر ما يتاح لهم من الوسائل، هذا شطط في الخيال، يجمح بمؤلفا الكتاب إلي الشذوذ من الأوضاع الصحيحة والتصورات المعقولة.

علاوة علي أن مفهوم الحاكمية الخاصة بالله عز وجل، هي حاكمية التشريع والتي تعول علي فكرة أن الحاكم هو الله تعالي الذي يقول هذا حلال فافعلوه، وهذا حرام فلا تفعلوه، وفي هذا تحرر كامل من عبودية الإنسان للإنسان، إلي العبودية لله سبحانه وتعالي .. كما أن لفظ ” الحاكمية” لفظ مشترك يطلق علي كثيرين مختلفين، مثل كلمة ” عين” التي تطلق علي الجارحة، وعلي البئر، وعلي النقود وعلي الجاسوس، ومثلها كلمة حاكم فإنها كما تطلق علي الله تطلق علي الإنسان الذي من حقه أن يحكم.

وكما اتضحا من كلام المؤلفان بأن فكرة الحاكمية هي فكرة بدأت منذ الخوارج، الذين أرغموا سيدنا “علياً” رضي الله علي قبول التحكيم، بعد اقترابهم من الهزيمة، ثن اشقوا عنه، وقالوا الحكم لله، وكفروا الصحابة وسيدنا عليا وقتلوه، وبعد أن اندثرت فكرة الحاكمية عادت مرة أخري علي يد عالم في الهند اسمه أبو الأعلى المودودي الذي كان يعيش في عصر سيطرة الإنجليز علي الهند، واتبعها ليحارب بها الإنجليز، ثم ظهرت مرة أخري علي سيد قطب، وبعده الجماعات الإرهابية التي ظهرت بعد 1965م واعتبرت أن مجلس الشعب المصر كفر، والانتخابات كفر، والديمقراطية كفر، لأنها تفتح المجال لحكم البشر، وبالتالي يكون المجتمع كافراً، ومن يحكم به كافر، ومن يرضي بهم دون أن يكفرهم فهو كافر أيضاً.

وقد رأينا من خلال هذا الكتاب الذي بين أيدينا كيف أعجب سيد قطب بكتابات معاصره وصديقه أبي الأعلى المودودي أشد الإعجاب لدرجة الانبهار، وانطلق منه إلي أن الحاكمية لله ؛ لأن الألوهية  هي الحاكمية، وكل البشر الذين يعطون لأنفسهم الحق في إصدار قوانين أو تشريعات، أو أي تنظيمات اجتماعية يخرجون من الحاكمية الإلهية إلي الحاكمية البشرية، وأصبح عنده أن البشر محكومون بقوانين غير قوانين الله – سبحانه وتعالي- وبأنظمة لا ترضي عنها شريعة الله، ولم يأذن بها الله، وبالتالي هذا المجتمع مجتمع مشرك وكافر ويعبد غير الله ؛ لأن العبادة طاعة الله في حاكميته.

إن هذه المفاهيم التي جاء بها سيد قطب ما أنزل الله بها من سلطان، ولكن للأسف الشديد وجدت من يقف وراءها من جماعات الإسلام السياسي الذين ساروا علي هذا المنهج ؛ علاوة علي أنه لا يلزم الحاكم من تطبيق الشريعة إلا ما يطبقه وتطبقه الظروف الموجودة ؛ لكنه لا يُعالج ضرر بضرر مساو له، أو بضرر أكبر، كما أنه يجب عدم الخلط بين الاعتقاد بما حكم الله، وبين التطبيق بما حكم الله، فالتطبيق منوط به البشر، وطالما وجد العدل فالحكم متوافق مع الإسلام، ولذلك فإن الأمة الإسلامية لم تستمر في تاريخها بنظام حكم واحد، أو شكل واحد .

ولذلك فمفهوم ” الحاكمية” ليس قاصرا علي الله تعالي، بل هو أمر مشترك بين الله وبين البشر، والقرآن الكريم في آيات كثيرة منه جعل من الإنسان حكماً وحاكماً وأسند إليه الحكم، والحكم لله هو حكم تشريع، وهناك مسائل كثيرة وصف القرآن فيها الإنسان بأنه حاكم، ومن يقولون إن الحكم لله فقط، وليس للبشر، فهؤلاء يأخذون بآية،ويضربون صفحاً عن بقية الآيات التي يجب أن تُفهم في إطارها وسياقها، كما أن مفهوم الحاكمية بالنسبة لله تعالي يختلف عن مفهوم الحاكمية بالنسية للبشر، فحاكمية البشر حاكمية تصرف، وحاكمية تشريعات جديدة، مرتبطة بالقضاء الإسلامي الأخلاقي والتشريعي، لكن حاكمية الله تعالي حاكمية حلال وحرام وحاكمية عقيدة.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............

39- الأستاذ طارق حمو والأستاذ صلاح علي نيوف : المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

40- المصدر نفسه، ص 51.

41- المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

42-المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

43-المصدر نفسه، ص 58.

44- المصدر نفسه، ص 59.

45-أحمد شقيرات: الألوهية والحاكمية، هدي الإسلام، وزارة الأوقاف والشئون والمقدسات الإسلامية، المجلد 56، العدد الأول، 2012،، ص 13

 

 

 

حمزة بلحاج صالح"حملة عرش الادب في الجزائر أربعة ابن باديس والميلي والعقبي والزاهري".. الأمير شكيب ارسلان

ان الكتاب على صغر حجمه يحمل قيمىة تاريخية ومعرفية مضافة ومهمة جدا انه من تأليف كل من الأستاذ شكيب بليلي الصديق المثقف والذي أعرفه جيدا وأعرف حصائله وكسبه الواسع ثقافيا ومعرفيا وفكريا وقدرته على التحليل واستيعاب مناهج كتابة التاريخ في العالم الغربي ....

فهو قلم مزدوج اللسان عن إقتدار ولمعرفتي به أستسمح القارء الكريم إن وصفته بالمثقف العضوي والعملي في سياقنا الثقافي حتى نزحزح المفهوم عن سياق تعريف "غرامشي" للمثقف فلعل الاصوب انه مثقف ملتزم وحصيف وعملي وميداني وصاحب رسالة...

و لعل نقل الرسائل التي تداولها الطيب بلحاج صالح المعروف بالعقبي مع عبد الحميد ابن باديس رائدان من رواد جمعية العلماء المسلمين هكذا بهذا الترتيب الافقي الذي يسوي بينهما قد طرح ما غاب عن الكثير من تضخيم وتهويل او بخس وانقاص ...

وانا واثق مما أقول لمعرفتي بتاريخ الجمعية والمنزلة التي شغلها كلاهما والأدوار الكبيرة التي قد نعود إليها تفصيلا في مقام اخر من خلال قراءة متعددة الادوان نسقية الميتودولوجيا قريبا ان شاء الله...

و الكتاب الذي نعرف به أنجز بمعية الكاتب سهيل شنوف الذي أتمنى ان اعرف عنه اكثر وأعرف به وبكسبه فمعذرة ان تحدثت بما أعرف عن المثقف القدير شكيب بليلي حيث صدرت الطبعة الاولى عن "منشورات ثالة "  في مائة وسبع وخمسين صفحة من القطع المتوسط مع الصور ونسخ من الرسائل التي ضمنها الكاتبان كتابهما ...

إن تاريخ الجزائر والتاريخ عموما في بلاد العرب والمسلمين يفتقر إلى أسس وعناصر مدرسة بمنهج لكتابة التاريخ ولا أريد هنا الإلتفات الى بعض التلفيقات التي تصدر هنا هو هنالك في بعض الجامعات ومخابر البحث في التاريخ فتدمج هذا بهذا وتلفق وتلصق وتنسخ وتركب وتعيد الصياغة ....

فهذا يتحدث عن كون منهجه يرتسم في إطار مقولة " التكامل المعرفي " وذلك يحدثنا عن مدرسة تاريخية قريبة الميلاد تدعى " مدرسة القيم " ونوزاع اديولوجية ترافق الفقر الرهيب والمفزع في ما تستدعيه وضعية تدريس وكتابة التاريخ عربيا وإسلاميا وجزائريا ...

2639 شكيب بليليإن القاسم المشترك لجميع هذه التلفيقات هي الانطباعية والسردية والتبعيض وعجز قراءة الوقائع في سياقاتها البعيدة وابعادها الاستراتيجية فغلبة السردية والتحيز جعلت التاريخ في قبضة اللامعنى واللادلالة والإثنيات والإنغلاقات الأيديولوجية والسياسوية والجغرافية والتزييف ...

الكاتب شكيب بليلي كباحث مستقل مهموم بالشأن الوطني والجزائري وهو يقدم هذا العمل انما يعرض علينا الوثائق التي تبنى عليها الفهوم الكلية للتاريخ وتبنى عليها التحقيبات الزمنية ويبنى عليها تحليل الخطاب التاريخي وبدونها لا ولن يكون تاريخ ....

فالنقد الفللولوجي الإستشراقي لولا " الوثيقة " ما استطاع ان يقدم إلينا فهمه الإستشراقي بما له وما عليه للتاريخ وللتراث والذي لا يخلو من تحيز...

لكن الوثيقة هي الأداة الرئيسة لمعارضة ونقد أطاريح الاستشراق القديم او حتى الحديث الذي سماه محمد اركون بالإسلاميات التطبيقية وقد قدمت له مداخل نقدية ومن أين وكيف ركب ولماذا يعتبره أركون أداة ناجعة لفهم التراث والتاريخ بدلا من الاستشراق القديم والقراءة الفللولوجية وعند بعضهم القراءة التاريخانية....

سوف نحاول تقديم عرض وصفي تعريفي بمسحة فينومينولوجية أي ظاهراتية لمحتوى الكتاب معتبرين هذا المدخل " الميتودولوجي " الذي أضعه بين أيديكم مقدمة في المنهج والكتابة التاريخية وحالها عندنا في الجزائر والبلاد الإسلامية مع غلبة ما ذكرت من خصائص لا ترشحها لتكون كتابة تمثل مدرسة للتاريخ مع غلبة المنهج التأريخي " الهيستوغرافي " عند البعض وليته كذلك بل طغيان السردية والانطباعية والتبعيضية ونزعة الأسطرة ...

و جميع هذه النوازع وبعض هذه الأدوات لا تساعد على علمية الكتابة التاريخية ولا تحل الاشكال ولا تؤسس لمدرسة للتاريخ وعليه سأعرف بمادة ثمينة تأسست على جهد عظيم وجبار هو ترتيبها وتوثيقها  لعلها تجد في المستقبل روادا يقومون بفحصها وتحليل محتواها وإستنطاق مقالها ولا مقالها ووضعها في سياقها التاريخي وزمنها المعرفي وأطرها الإجتماعية كما يسميها " جورج غورفيتش " في كتابه الثمين " الأطر الإجتمعية للمعرفة "...

إن الباحث المستقل والقديرالاستاذ شكيب بليلي متعدد الثقافة واللغات ومنفتح على المكون الإنساني الفكري والمعرفي والفلسفي والثقافي راسخ القدم في ذاته فهو من عائلة عريقة الأصالة وراسخة في هويتها ووطنيتها وبروح إنسانية عالية وتحضر ومدنية عرفت واشتهرت ....

فكيف لا يكون المعول عليه بعد هذا الكتاب ان يقوم بتحليل هذه الرسائل تحليلا لا يلغي "النسقية " عند فحصها وقراءتها فيجمع بين كل من التحليل السببي والغائي والنسقية بكل محمولاتها المنهجية والمعرفية والايبستمولوجية وهو ما نترقبه منه بعد هذه الإضافة الثمينة المتمثلة في جمع الرسائل التي تعد شاهدا تاريخيا على حقبة هامة تمكن من فهم السجال الدائر في جمعية العلماء المسلمين..

في قلب النص ومفاصل الكتاب

تضمن الكتاب واحدا وثلاثين رسالة بين القامتين العلميتين في ذلك السياق طبعا وبين رائدين من رواد الإصلاح بل أرى انهما من حيث الهرمية وحصائل العلم والعمل في الواقع اعلاهم هرمية جميعا وهي رسائل موثقة مرفوقة باحالات على الهوامش..

ان مقدمة الكتاب كانت جميلة ولطيفة وغنية بالمعاني دشنت في بداية الكتاب بمقولة الأمير شكيب أرسلان التي صدر بها الشيخ مبارك الميلي رحمه الله كتابه " تاريخ الجزائر" ودشنت بها انا مقالي هذا أعلاه وهي " حملة عرش الأدب في الجزائر أربعة ابن باديس والميلي والعقبي والزاهري " وهي كأنها مستلهمة من مقولة ابن خلدون وهو يتحدث عن أركان الأدب الأربع ومصنفاتهم التراثية الثمينة منها الامالي للقالي وادب الكاتب لابن قتيبة والبيان والتبيين للجاحظ والكامل للمبرد...

و في كل الأحوال من غير تضخيم ولا بخس بضاعة الناس ان المنجز الادبي يعكس مراحل معينة و سياقات ولا يمكن محاكمة القديم بالجديد فحتى الذائقة الفنية تتحدد ماهية وتعريفا في السياق والزمان وتتطور وتتغير فرحم الله امبارك الميلي ورواد الادب الاربعة برحمته الواسعة أعطوا كثيرا للعربية وللدين وللهوية ومكافحة المسخ الذي كانت تريد نشره فرنسا عبر استعمار استيطاني ثقافي تربوي تعليمي وفكري متعدد الأدوات التدميرية والتهجينية ...

تناولت المقدمة بأسلوب سلس سهل بيان العلاقة الوثيقة التي كانت تربط ابن باديس بالطيب العقبي وتعكس قوة الترابط الإنساني والوجداني والعقلي ووحدة الوجهة وإصرار ابن باديس من جهته على طلب العون والمشورة من الشيخ العقبي حيث يظهر هذا خاصة في الرسائل الأولى قبل إيقاع بعض المغرضين بينهم بالفتنة والشقاق ...

كان الرجلان بأخلاق رفيعة مكنت لعلاقة المودة والتشاور بينهما أن تتوطد قوية صلبة متينة وقد بدأت تلكم العلاقة منذ إلتقاء الرجلين بالمدينة المنورة عام  1913 ثم تجددت هذه العلاقة بين الرجلين كما جاء في مقدمة الكتاب بعد عودة الشيخ الطيب العقبي الى الجزائر واستقراره ببسكرة ...

كما بينت مقدمة الكتاب كيف ان اشتراك الأهداف والغايات العملية والنضالية متن رابطة الاخوة بينهما وكذلك عملهما الصحفي في جريدتي السنة النبوية والشريعة النبوية والصراط السوي والتي أسندت جمعية العلماء المسلمين لرئاسة تحريرها الرائدين في الادب والخطابة والسجال الطيب العقبي وسعيد الزاهري وباشراف الأستاذ عبد الحميد بن باديس ...

ثم فصلت المقدمة التي جاءت في إحدى عشر صفحة ضمت صورتان مع تسع صفحات للتقديم كيف كان ابن باديس كان يشاور باستمرار عن طريق المراسلة الطيب العقبي لما كان ببسكرة ثم في الجزائر وابن باديس من قسنطينة...

هذه الرسائل كانت ذات قيمة تاريخية كبيرة تفند كل مزاعم الفتنة عند بعض هواة الكتابة التاريخية وبعض المتعصبين والمتحيزين وغير المحترفين بل تكشف عن بطلان ادعاءهم من أن نزاعا ما سواء يتعلق بالزعامة والرئاسة والظهورأو غيره قد نشب بين الشيخين ابن باديس والعقبي ...

حتى تدخل فعلا بعد وقت بعض المغرضين وبعض الأطراف لمحاولة افساد العلاقة المتينة بينهما ولن يتجلى ذلك فعلا الا بفحص هذه الرسائل التي تعتبر وثيقة تاريخية هامة جدا سوف نخصص لها سلسلة من المقالات تزيح كل الإلتباس القائم عند بعض المتأولين وهواة كتابة التاريخ بلا نزوع نقدي او بتحيز أيديولوجي او مصلحي او زعاماتي ...

ان هذا الكتاب يعتبر وثيقة تاريخية للعمل عليها بل جهد عملاق ميسر للباحث والطالب والمؤءرخ والأستاذ بالجامعىة والباحث بالمخبر والباحث المستقل في التاريخ الجزائري والإسلامي والثقافي ...

و لئن وجد من أصحاب الفضل والتنويه الذي يجب ان يقدم لهم الشكرا على مساهمتم في الحفاظ على هذا العمل وجمعه وتيسير طبعه فهو بعد الله يعود للباحث الحصيف مزدوج اللسان الأخ والصديق شكيب بليلي وأبناء الشيخ الطيب العقبي رحمه الله وحفيده نسيم بلحاج صالح ابن المرحوم محمد المكي بلحاج صالح وأيضا السيدة الفاضلة مريم العقبي حرم ابن الشيخ الطيب العقبي المرحوم جمال العقبي وابنيه طارق ونزيم وابن الشيخ شكيب العقبي ومحمود العقبي رحمة الله عليه واحميدة وكل الأبناء ...

و سنعود الى جهودهم جميعا ولكل انسان بدء منا نحن كبوة وقومة والله يجازي كل مجتهد ...

لقدجاء في مقدمة الكتاب " ان القراءة المتأنية للرسائل المتبادلة بين الشيخين جعلتنا نفكر بان قراءة جديدة لتاريخ جمعية العلماء المسلمين صارت ضرورية في الوقت الحاضر نظرا للنزعة التهويلية والتقديسية التي كتب بها التاريخ خاصة ان الذين بعض الذين اسهموا في كتابة التاريخ من وجهة نظر واحدة متحزبة أساسا للشيخ بن باديس بينما الامر ينبغي ان لا يكون اما اسود او ابيض فكلا الرجلين لهما قدرهما وجهودهما في سبيل الحركة الإسلامية او حسب تعبير الشاعر وهو ابلغ

خصمان فيما يفيد الامة اختصما ... اياك ان تنقم الخصمين اياك

كلاهما في سبيل الله مجتهد ... فلا تذمن لا هذا ولا ذالك " (1)..

رتب الباحث شكيب بليلي بمعية الأخ سهيل شنوف الرسائل حسب تاريخ كتابتها كما أشارا الى ذلك في مقدمة الكتاب مرفوقة بالردعليها حين يوجد رد من الطرفين وبينت المقدمة ان هذه الرسائل دونت في الفترة ما بين 1924 و1938 وهو التاريخ الذي وقعت فيه القطيعة بين الشيخين على حد تعبيرهما ...

بين الكاتب شكيب بليلي والأخ سهيل الصعوبات الكبيرة التي اعترضت سبيلهما ومنها التي تتعلق بقراءة الرسائل وخط الكتابة السريعة والقديمة مع وجود كلمات تعذرت قراءتها وأخرى مختزلة وبعضها غامض أحيانا....

وفي النهاية ان هذا الكتاب الثمين وثيقة تاريخية ستحدث عند ذوي النباهة والعلم من الكتاب والمحللين والمؤرخين منعطفا هاما ومنعرجا في زاوية النظر ورؤية جديدة لجمعية العلماء والسجال الدائر في احضانها ...

قسم الكاتبان كتابهما الى مبحثين الأول تناول ترجمة لحياة الشيخ العقبي اقتصرت على ترجمته لنفسه في كتاب شعراء الجزائر وهو ما يفعله جل الكتاب ونأمل ان نرى ترجمة اكثر توسعا وثراء ثم تناول مقتطفات من شعره وكتابته والجرائد والصحف التي كان يرأس تحريرها الشيخ العقبي وكذلك الحادثة الشهيرة لاغتيال بن دالي كحول واعتقال الشيخ العقبي...

و تناول الكتاب في المبحث الثاني على المراسلات المخطوطة والمكتوبة بيد الشيخين العقبي وبن باديس من سنة 1924 الى 1938 مع استخراج مضامينها ...

هذا الكتاب على تواضع عدد صفحاته يحتوي على كنز ثمين جد يوضع بين ايدي الباحثين ويدعوهم للنهوض من اجل قراءة تجديدية لتاريخ جمعية العلماء المسلمين غير التي رويت من طرف وجهة واحدة وراوية لا تنافسها أخرى وانتصار للتاريخ المروي من النافذ والمستقوي والمستحوذ على أدوات البلاغ والاشهار والقيادة والزعامة وقد أثار الكتاب همتي لأتناول في القريب العاجل على ضوء هذه الرسائل قراءة جديدة لتاريخ الجمعية والتاريخ الثقافي الجزائري في حقبة الاستعمار الفرنسي...

فالشكر والتقدير للاخ شكيب بليلي باحثا مزدوج اللسان ومطلعا ومهتما بتاريخ الجزائر والجمعية ...

و التحية لجنود الخفاء يشتغلون من غير ظهور بتاريخ الراحل العظيم الشيخ الطيب العقبي وعلى راسهم السيدة الفاضلة اطال الله في عمرها والمهتمة بتاريخ الشيخ الطيب العقبي وهي السيدة مريم العقبي حرم نجل الشيخ جمال رحمه الله وهو شخصية عمومية في حقل الرياضة الجزائرية السبعينية ونجلهما وبقية أبناء الشيخ العقبي ...

و كل من ساهم من قريب او بعيد ليساهم في بناء هذا الجسر المعرفي- التاريخي الهام عبر هذا الكتاب في انتظار مولود جديد لكتاب بلا شك ثمين للباحث شكيب بليلي....

 

حمزة  بلحاج صالح

........................

(1) ص 8 من كتاب " الطيب العقبي وعبد الحميد بن باديس – مراسلات واحداث -" للمؤلفين شكيب بليلي وسهيل شنوف- دار ثامة – الابيار الجزائر – الطبعة الاولى 2014

 

عبد الخالق حسينمقدمة: تأتي أهمية هذا الكتاب: (هناك إله There is a God)، من كون مؤلفه الفيلسوف البريطاني (أنتوني فلو Anthony Flew)، كان من أشهر الملحدين لأكثر من خمسين سنة في نشاطه الأكاديمي، وفجأة تحوَّل من ملحد إلى مؤمن بإله في أواخر حياته. و للصراحة أقول أنه رغم صدور الكتاب قبل 16 سنة تقريباً، إلا إني وللأسف لم أسمع به إلا بعد أن قرأتُ المقال القيم للأستاذ حاتم حميد محسن، الموسوم: (حوار حول الطاولة بين الدين والفلسفة)(1)، في صحيفة المثقف الإلكترونية الغراء، في 3 حزيران 2021، حيث ذكر السيد الكاتب في المقدمة:

"هل الدين يحتاج للفلسفة؟ ام العكس؟ هل هما طريقتان متضادتان في النظر للعالم؟ ماذا يمكن ان يقول الايمان والعقل الى بعضهما؟". ويضيف: "في آخر الألفية الماضية، جمعتْ (مجلة الفلسفة الآن)، وبالتنسيق مع (مؤسسة الفلسفة للجميع)، نخبة من المفكرين المتميزين أمام جمهور واسع في احدى دور الكتب في لندن [نهاية عام 1999]، لمناقشة الأسئلة الهامة الآنفة الذكر. وقدم الأستاذ حاتم مشكوراً، ترجمة وافيه عما دار في ذلك الحوار. وما جلب انتباهي هو الهامش (رقم1 في نفس المقال) عن أحد المشاركين في ذلك الحوار، وهو الفيلسوف أنتوني فلو، الذي كان مازال ملحدا في ذلك اللقاء، ولكن بعد أربع سنوات (أي عام 2004)، غيَّر موقفه وتحول من ملحد إلى مؤمن بالله، حيث نشر كتابه الذي هو محور مراجعتنا هذه (Book review).

ولا أفشي سراً إذا قلت، أني وكغيري من أغلب الناس، لي اهتمام في البحث عن الله. فكما قال الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط: إن أهم مواضيع الفلسفة هي: (الله والحرية والخلود). لذلك، و بعد انتهائي من قراءة المقال، سارعت إلى محرك البحث في غوغل أبحث عن الكتاب والمؤلف. فحصلت على ما أريد. وقد أنزلتُ الكتاب بنسختيه الإنكليزية، و العربية، بسهولة، أدرج رابطيهما في الهامش.(2 و 3).

قرأت الكتاب بنسخته الإنكليزية أولاً، ومن ثم بنسخته العربية التي وجدتها ترجمة مهنية دقيقة (ترجمة الدكتور صلاح الفضلي، ومراجعة الدكتور الشيخ مرتضى فرج). والجدير بالذكر أن المُراجع قد أغنى الترجمة العربية بإضافاته القيمة في الهوامش، يوضح فيها كل ما يحتاج إلى شرح وتوضيح، وكذلك نبذة قصيرة عن الأعلام من الفلاسفة الذين يأتي ذكرهم في سياقات الكتاب. لذلك فجميع الاقتباسات التي سترد في هذه المراجعة مستلة من الترجمة العربية، أضعها بين قويسات التنصيص. وهناك طبعة عربية أخرى كويتية لنفس المترجم، ولكن بدون تعليقات وإضافات المُراجع(4).

نبذة عن المؤلف:

هو أنطوني جيرارد نيوتن فلو (Antony Flew)‏ (1923 - 2010)، فيلسوف بريطاني، ابن قس ميثودست/بروتستانتي، غالبًا ما كان يحضر الاجتماعات الأسبوعية لنادي سقراط الذي كان يديره الأستاذ سي أس لويس عندما كان طالباً في جامعة أكسفورد، لكنه لم يقتنع بحجة لويس عن وجود الله.

اشتهر بكتاباته في فلسفة الأديان. وألف العديد من الكتب التي تدحض فكرة الإله، غير أنه في آخر حياته ألف كتاباً بعنوان: (هناك إله There is a God) في عام 2004، نسخ فيه كل كتبه السابقة التي تجاوزت ثلاثين كتابًا، تدور حول فكرة الإلحاد. وقد تعرض لحملة تشهير ضخمة من المواقع الإلحادية في العالم وذلك لأنه ولخمسين عامًا كان يُعتبر من أهم منظري الإلحاد في العالم. تميَّز فلو بعلميته في الطرح واستشهاده بقوانين الطبيعة لإثبات آرائه، وقد بدأ يتخلى عن الإلحاد بعد تفحص عميق للأدلة، عندما بلغ 81 عاماً من العمر، حيث أعلن ما اعتبر صدمة قوية في وسط الفكر الإلحادي في العالم أنه الآن يؤمن بوجود الإله بدافع من البراهين العلمية و تحوله إلى الفكر الإلهي.

كان فلو محاضرا في الفلسفة في كلية كنيسة المسيح (Christ Church) في جامعة أكسفورد لمدة عام (1949-1950). ومن 1950 إلى 1954 كان محاضرا في جامعة أبردين/ سكوتلاندا، ومن 1954 إلى 1971 كان أستاذا للفلسفة في جامعة كيل/أمريكا. ثم أصبح أستاذا في جامعة كالجاري/كندا 1972-1973. وأخيراً أستاذاً في جامعة ريدنغ/ إنكلترا إلى تقاعده، وعاش في هذه المدينة إلى وفاته عام 2010.

لماذا تحوَّل المؤلف من إلحاد إلى الإيمان بالألوهية؟

يجيب المؤلف في المقدمة: "منذُ أنْ أعلنتُ عن (تحوُّلي) إلىٰ الألوهية، طُلِبَ منِّي في مناسباتٍ كثيرةٍ جدَّاً بيانُ أسباب تغيير وجهة نظري...انتهيتُ إلىٰ القناعةِ بأنْ أعرِضَ ما يمكن تسميَتُهُ وصيَّتي وشهادتي الأخيرة. .. في البدايةِ لا بدَّ أنْ أكونَ واضحاً، عندما انتشرت أخبارُ تحوُّلي في وسائلِ الإعلام وعلىٰ شبكة الإنترنت، سارَعَ بعضُ المُعلِّقين إلى الادِّعاءِ بأنَّ تقدُّمي في العمر أثَّرَ فِي (تحوُّلي). لقد قيل: إنَّ الخوفَ هيمَنَ على عقلي بقوَّة، وقد انتهى هؤلاء المنتقدون إلى أنَّ توقُّعات الدُّخول إلى عالَم ما بعدَ الموت حفَّزَت لديَّ (تحوُّل فراش الموت Deathbed conversion). من الواضحِ أنَّ هؤلاء الأشخاص لم يكونوا مطَّلعين على كتاباتي عن اللاوجود بعد الموت، وهم ليسوا مطَّلعين كذلك على آرائي الحالية حول هذا الموضوع." ويضيف: "علىٰ مدىٰ أكثر من خمسين سنة لم أُنكِر وجودَ إلهٍ فحسْب، بل أنكرتُ أيضاً وجودَ حياةٍ بعد الموت. ومحاضراتي التي نُشِرَت في كتابِ (منطقُ الفناء) تُمثِّلُ ذروة هذا المنهج من التفكير. فهذا مجالٌ من المجالاتِ التي لم أُغيِّر وجهةَ نظري فيها." (ص 6).

كذلك يرد المؤلف على منتقديه قائلاً: "أود أنْ أضَعَ حدَّاً لجميعِ هذه الشَّائعات التي وضعتني في رهانِ باسكال Pascal* أيضاً لا بدَّ أنْ أُ شيرَ إلى أنَّ هذه ليست هي المرَّة الأولى التي (أُغيِّر فيها وجهةَ نظري) في موضوعٍ رئيسي. قد يندهشُ القُرَّاءُ المُلِمُّونَ بدفاعي المستميت عن الأسواقِ الحُرَّة إذا ما علموا أنِّي كنْتُ ماركسياً (لمزيدٍ من التَّفصيل، انظُر الفَصْل الثاني من هذا الكتاب). وقبلَ عقدينِ من الزَّمن، تراجعتُ عن قناعاتي السَّابقة بأنَّ اختيارات الإنسان محكومةٌ بنحوٍ شاملٍ بواسطةِ أسبابٍ مادية."(ص 7).

* ولتوضيح عما يسمى بـ (رهان باسكال Pascal wager)، هو مراهنة مبنية على نظرية الاحتمالات، وتُستخدم بضرورة الإيمان بوجود الله على الرغم من عدم إمكانية إثبات وجوده أو عدم وجوده عقلياً. و بليز باسكال (Blaise Pascal)(1623-1662)، هو فيلسوف وعالم رياضيات فرنسي عاش في القرن السابع عشر، يتلخص رهانه بقوله: "من الأفضل أن أؤمن بالله، فإن كان موجوداً فأنا رابح، وإن لم يكن موجوداً فلم أخسر شيئاً." وينقل رجال الدين الشيعة مثل هذا القول عن الإمام جعفر الصادق أيضاً. بمعنى أن هذا الرهان هو أشبه بالتأمين على الحياة، ولا يعني الإيمان بالله عن قناعة بالدليل التجريبي، أو المنطق، أو الحجة العقلانية.

وفي هذا الصدد يقول أنتوني فلو: "إنَّ على المرءِ أنْ يظلَّ مُلْحداً حتى يجِدَ الدليل التجريبي على وجودِ الإله."( ص 3).

لذلك، وكما يؤكد المؤلف، لم يكن تحوله من ملحد إلى مؤمن بدافع رهان باسكال، أو العمر، أو الإيمان بحياة ما بعد الموت كما اتهمه البعض، بل بدافع القناعة بالأدلة بعد كل هذه الرحلة الثقافية الطويلة، عملاً بالمبدأ السقراطي القائل والذي راح يؤكده: "يجب أنْ نتَّبع الحُجَّةَ أينما قادتنا." ويضيف في مكان آخر "وقد حاولتُ أنْ أُطبِّقَ هذا المبدأ طوالَ حياتي الجدلية."(ص 30).

ملاحظات توضيحية

يبدو أن هناك خلط و التباس بين الإلحاد، والنفور من الأديان لدى البعض. فأكثر الذين يرون أنفسهم ملحدين هم في الحقيقة لا يؤمنون بالأديان، وربما يؤمنون بإله كوني، أو ما يسمى بالعقل الكوني المطلق، وموقفهم هذا هو رد فعل لما أرتكبه السلاطين ووعاظ السلاطين من مظالم بحق البشرية باسم الله والدين. فأغلب الحروب في العالم كانت دينية، وخاصة في أوربا حيث الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت، إضافة إلى الحروب الصليبية بين المسيحيين الأوربيين والمسلمين في القرون الوسطى، وما ارتكبته الكنيسة من جرائم بشعة إبان محاكم التفتيش بحق العلماء، والفلاسفة، وملاحقة السحرة (witch hunting). وكذلك في عصرنا الراهن ما يرتكبه الإرهاب الإسلامي بمختلف مذاهبه ومنظماته (القاعدة، طالبان، داعش، بكوحرام، والمليشيات الطائفية وغيرها)، من أعمال إجرامية بحق الإنسانية والحضارة البشرية باسم الله والدين. وهذا ما جعل الكثير من المثقفين يكفرون بالله وبالأديان معاً. كذلك علينا أن نميِّز بين إله الأديان وإله الأكوان، أي الإله حسب تعريف العلماء والفلاسفة. فإله الأديان هو ما يُعرف بالإله الشخصي (Personal God)، ويشبهونه بالبشر (Anthropomorphism)، حيث يغضب ويعاقب ويحرق البشر...الخ. وفي هذا الخصوص يقول الشاعر إليا أبو ماضي:

كم روّعوا بجهنّم أرواحنا... فتألمت من قبلُ أن تتألما!

زعموا الإله أعدّها لعذابنا ...حاشا، وربُّك رحمةٌ، أن يظلما

ما كان من أمر الورى أن... يرحموا أعداءهم إلا أرقّ وأرحما

ليست جهنم غير فكرةِ تاجرٍ... ألله لم يخلق لنا إلا السما

بينما إله الفلاسفة، وكما نراه في سياقات هذا الكتاب الذي نحن بصدده، هو إله غير مادي، عقل كوني ذكي واعي بلا حدود، ليس كمثله شيء، سميع عليم، كلي القدرة والوجود، وهو خالق الكون والقوانين الطبيعية الثابتة والمُحكمة وبمنتهى الدقة والتعقيد.

كذلك يتوهم البعض أن الإنسان التقدمي أو اليساري، يجب أن يكون ملحداً!! وكأن الإلحاد شرط ملازم للتقدمية واليسارية، وهذا في نظري غير صحيح. فهناك العديد من القساوسة في دول أمريكا اللاتينية انتموا إلى أحزاب يسارية وماركسية بدافع النضال من أجل العدالة. وحتى الحبر الأعظم الحالي للفاتيكان، البابا فرانسيس، متهم بالشيوعية لحبه وانحيازه للفقراء والمظلومين في العالم. لذلك أقول أن مسألة الإيمان بالله أو عدمه، لا علاقة لها بكونك تقدمي، أو رجعي، أو يساري أو يميني، أو متدين أو غير متدين. وعلى سبيل المثال، كان المفكر والكاتب المسرحي المصري الكبير توفيق الحكيم يؤمن بالله، ولكنه ما كان يؤدي الفروض الدينية عملياً، أو ما يسمى بالتدين الظاهري، ولما سُئل لماذا لم يؤدِ الفروض الدينية، فأجاب أنه يؤديها بقلبه.

الكتاب

يتألف الكتاب من مقدمتين، واحدة للناشر (تعريف بالكتاب والمؤلف Preface)، والثانية للمؤلف في النسخة الإنكليزية، ومقدمة للمترجم وثانية للمؤلف في النسخة العربية، وعشرة فصول، وملحقين.

ويخصص المؤلف الفصولُ الثلاثةُ الأ ولىٰ للإجابة على سؤال لماذا صار ملحداً، والفصولُ السَّبعةُ الأخيرة يجيب على سؤال: لماذا تحول إلى الإيمان واكتشافه للمُقدَّس (الإله)".(ص7). وسنأتي بشيء من التفصيل لاحقاً.

أسباب إلحاده

يقول المؤلف: "بعضُ آرائي الفَلْسفية تشكَّلت حتَّى قبْلَ أنْ أدخُلَ إلى مدرسةِ كنغزوود (إعدادية). لقد كنْتُ معتنقاً الشُّيوعية في فترةِ تسجيلي في المدرسة، وقد بقيتُ كاشتراكيٍّ يساري نشيطاً حتَّى بدايةِ الخمسينيات من القَرْنِ الماضي، عندما استقلْتُ من حزْبِ العُمَّال، وهو الحِزْبُ الذي يُمثِّلُ تاريخياً الحركةَ اليسارية في بريطانيا."(ص 45). ويضيف في مكان آخر أنه أخفى إلحاده عن أبويه حفاظاً على استقرار العائلة، ولكنه بعد أن دخل جامعة أوكسفورد، ومساهماته في سجالات دافع فيها عن الإلحاد، عرف أبواه عن إلحاده وتسامحوا معه.

يقول أنتوني فلو: "... الأُسُسُ التي بنيْتُ عليها اقتناعي بالإلحاد، عندما كنْتُ في الخامسة عشرة، كانت ناقصةً بوضوح. لقد كانت مبنيَّةً على ما أسميتُهُ لاحقا (عنادِ صِغارِ السِّنِّ):

1 - مشكلةُ الشَّرِّ كانت بالنِّسبةِ لي دحضاً حاسماً لوجودِ إلهٍ كاملِ الخيرِ وكاملِ القُدْرة.

2 – و(الدِّفاعُ عن حُرِّيةِ الإرداة) لا يعفي الخالِقَ من مسؤوليَّة عدم إتقان الخَلْق."(ص 60)

ويشير إلى كتاب له بعنوان: (الله والفلسفة)، يقول: "لقد نبَّهتُ فيه إلى أنَّ هناك ثلاثةَ موضوعاتٍ

بالتَّحديد يجبُ الإجابةُ عنها فيما يخُصُّ مفهومَ الإله:

1 - كيف يمكنُ تعريفُ الإله؟

2 - كيف يمكنُ تطبيقُ التَّعبيرات الإيجابية والسَّلْبية (غير المادية) على الإله؟

3 - كيف يمكنُ تفسير عدم التوافُق بين تعريفِ صفات الإله مع حقائِقَ لا يمكنُ إنكارُها؟ مثال: (كيف يمكن تفسير وجود الأمراض في العالَم مع وجودِ إلهٍ قادر؟)". (ص 69)

فرضية الإلحاد

يضيف المؤلف: "بعد مرورِ عقدٍ من الزَّمن على نشْرِ كتاب (الإله والفَلْسفة)، قُمْتُ بكتابةِ مقالة (فرضيَّة الإلحاد) نُشِرَت في الولاياتِ المتَّحدة تحتَ عنوان: (الإله والحُرِّية والخُلُود). جادلْتُ بأنَّ النِّقاشَ حول وجود الإله يجبُ أنْ يبدأَ من فرضيَّةِ الإلحاد، وأنَّ عبءَ الإثبات يجبُ أنْ يكونَ على المؤمنينَ بالإله... وأن استخدامُ المؤمنين بالإله لكلمةِ (الإله) يجبُ أنْ يُقدِّم معنى يجعلُ من الممكنِ نظرياً لهذا الكائن الواقعي أنْ يُوصَف. توصَّلْتُ إلى نتيجةٍ مفادُها أنَّه مع هذا المنظورِ الجديد يظهَرُ مشروعُ الإيمان بالإله بأكملِهِ متزعزعاً أكثرَ عمَّا كان عليه من قبل... حتَّى نؤمن بأنَّ هناك إلهاً، لا بدَّ أنْ تكون لدينا مُبرِّرات جيِّدة للاعتقاد... والموقفُ المعقولُ الوحيدُ هو أنْ تكونَ مُلْحِداً سلْبيَّاً، أولا أدْريّا (agnostic). وهذا يشبَهُ كثيراً قاعدة (أصْل البراءة)، التي يستندُ عليها القانونُ العامّ الإنكليزي." [أي المتهم بريء حتى تثبت إدانته]. (ص 74-75)

ولكن الفيلسوف المؤمن رالف ماكإنيرني Ralph McInerny))، يرى أنَّ من الطَّبيعي للإنسانِ أنْ يعتقدَ بالإلهِ بسببِ النِّظام، والتَّرتيب، والقوانين التي تحكُمُ الأحداثَ التي تقعُ في الطَّبيعة. ولذلكَ كثيراً ما يقول: "إنَّ فكرةَ وجود الإله هي فكرةٌ فطريَّةٌ، وتبدو كمُسلَّمةٍ تقفُ ضدَّ الإلحاد. لذا فإنَّه في حين جادلَ بلانتِنْغا بأنَّ الموحِّدينَ (المؤمنين)، لا يتحمَّلونَ عبءَ الإثبات، ذهبَ ماكإنيرني أبعدَ من ذلكَ بالقولِ أنَّ المُلْحدينَ هم من يتحمَّل عبءَ الإثبات!" (ص 74-75)

وفي مكان آخر من الكتاب يذكر المؤلف عن أسباب أخرى دفعته إلى الإلحاد فيقول: "أنا أميل إلى الاعتقادِ بأنَّ الكونَ لا بدايةَ له وسيظلُّ دونَ نهاية. وفي الحقيقةِ، أعرفُ أنْ لا جدوى من تحدِّي أيٍّ من هذينِ الاعتقادين... وأعتقدُ أنَّ الكائنات الحيَّة تطوَّرت على مدى فترةٍ طويلةٍ لا يمكنُ حسابُها من موادٍّ غير حيَّة"(ص 96).

بمعنى أن الكون خلق نفسه بنفسه بالصدفة العمياء منذ الأزل كما يقول الملحدون. وإذا كان الكون بلا بداية يعني عدم وجود إله. وكذلك موضوع الحياة، حيث كان المؤلف يعتقد من الممكن ظهور الحياة من مادة غير حية، و ظهور العقل أي الإنسان العاقل من كائنات حية غير عاقلة حسب نظرية تشارلس داروين (التطور وأصل الإنسان بالاختيار الطبيعي).

ولكنه تأكد فيما بعد، وحسب نظرية الانفجار الكبير (Big bang)، التي استطاع العلماء تحديد وقته بأنه حصل قبل 13.8 مليار سنة، فهذا يعني أن للكون بداية. وطالما هناك بداية للكون فلا بد من وجود عقل كوني بلا حدود كلي القدرة قام بالانفجار الكبير، وخلق هذا الكون الذي هو أعقد ماكنة عملاقة لا يمكن أن يكون قد أوجد نفسه بنفسه بالصدفة العمياء.

وبعد تحوله إلى الإيمان بوجود إله، قال أن الاعتقاد بأن الله أوجد نفسه منذ الأزل وبدون خالق له، وهو بدوره خلق هذا الكون المعقد والدقيق، هو أقرب للعقلانية من الاعتقاد بأن الكون خلق نفسه بنفسه بالصدفة العمياء.

وقد حصلت التغييرات الكبرى في عقل المؤلف من هذه الأمور، في مؤتمر عقد في نيويورك عام 2004، حضره المؤلف ويكتب عنه بشيء من التفصيل، نوجزه أدناه.

المناظرة الأخيرة في نيويورك

يقول المؤلف: " المناظرةُ العموميةُ الأخيرة لي، كانت في ندوةٍ في جامعةِ نيويورك، وتمَّتْ في مايو من عام (2004 م). المشاركونَ الآخرون كانوا هم العالِم الاسرائيلي جيرالد شرويدر (Gerald Schroeder) مؤلِّف أفضل الكُتُب مبيعاً في مجالِ العِلْمِ والدِّين، وهو بعنوان :

(عِلْمُ الإله (Science of God . أيضاً كان من ضِمْنِ المشاركين الفيلسوفُ الأسكتلندي جون هالدين (John Haldane) مشاركاً في مناظرةِ (التَّوحيد والإلحاد) حولَ وجود الإله إلى جانبِ صديقي جاك سمارت Jack Smart.

"وكمفاجأةٍ لجميعِ المهتمّين، أعلنْتُ في البدايةِ أنَّني الآن بِتُّ أقبل بوجودِ إله، ما اعتُبِرَ في وقتِهِ تبادُلاً حادَّاً لوجهاتِ النَّظر المتعارضة أثناءَ المناظرة، انتهى إلى أنْ يُصبِحَ بحثاً مشتركاً في التطوُّراتِ العِلْمية الحديثة، التي يبدو أنَّها تشيرُ إلىٰ ذكاءٍ خارق. في الفيديو الذي عُرِضَ في الندوة، ادَّعى عريفُ الندوة أنَّ أعظَمَ اكتشافات العلْم الحديث هو الإله.

ويضيف: "وعندما سُئِلْتُ في هذه الندوةِ إنْ كان بحثي حولَ أصل الحياة يُشيرُ إلى ذكاءٍ إبداعي، أجبْتُ بالقول:

"نعم، أنا الآن أعتقدُ بذلك... بشكلٍ كاملٍ تقريباً بسببِ اكتشافات الحمض النووي (DNA). ما قدَّمَهُ اكتشافُ الحمض النووي- كما اعتقد - هو أنَّه أوضَحَ التَّعقيدَ الشَّديد غير القابل للتَّصديق للترتيباتِ اللازمة لخَلْقِ (حياة)، وهو الأمرُ الذي يوجبُ أنْ يكون هناك ذكاءٌ خارقٌ يجعلُ هذه العناصر المختلفة تعملُ معا. إنَّه التَّعقيدُ الخارقُ لهذه العناصر والدِّقَّةُ الهائلةُ في الطُّرُقِ التي تتفاعل فيما بينها. اجتماعُ هذينِ الأمرين (التَّعقيد والدِّقة) في الوقتِ المناسب بالصُّدفةِ أمرٌ - بكلِّ وضوح- مستحيلٌ. لا بدَّ من أنَّ الأمرَ يتعلَّقُ بتعقيدٍ هائلٍ أنتجَ ما وصلْنا إليه، وهو ما بدا لي أنَّه نتاجُ ذكاء.

"هذا التَّصريحُ مثَّلَ تغيُّراً كبيراً بالنِّسبةِ لي، لكنَّه مع ذلك كان يتَّسِقُ مع المبدأِ الذي تبنَّيتُهُ منذُ بدايةِ مسيرتي الفَلْسفية في اتِّباعِ الحُجَّة حيثما قادتني". (ص 105-106).

ويضيف فلو في مكان آخر: (بالمناسبةِ، عندما انتشَرَ خبرُ تحوُّلي إلىٰ التَّوحيدِ [الإيمان بالله]، علَّقَ بلانتينْغا علىٰ ذلكَ بالقول: "إنَّ هذا يدُلُّ على صدْقِ وأمانةِ البروفيسور فلو. فهو بعد كلِّ هذه السِّنين من معارضةِ فكرةِ الخالِق، هاهو يُغيِّرُ موقِفَهُ استناداً إلى الدَّليل.") ( ص 101-102)

مبرهنة القرود Monkey Theorem

فماذا حصل في ذلك المؤتمر الذي جعل فيلسوفنا يتحول من ملحد لستة عقود إلى مؤمن بإله؟

يجيب فلو على هذا السؤال بقوله: "لقد تأثَّرْتُ بشكلٍ خاصٍّ بالتَّفنيدِ المُفصَّل الذي قامَ به جيري شرويدر (Gerry Schroeder) لما أسميْتُهُ (مُبرْهنةُ القِرْود Monkey Theorem). هذه الفكرةُ، التي قُدِّمَت بطُرُقٍ مختلفة، تُدافِعُ عن احتمالِ حدوث الحياة بالصُّدفة، من خلالِ استخدام مثال قيام مجموعة من القِرَدة بالعبَثِ على لوحةِ مفاتيح الكمبويتر، ليُنْتِجَ هذا العبث في النِّهايةِ كتابة قصيدةSonnet لشكسبير.

"أشارَ شرويدر في البدايةِ إلى تجرُبةٍ قامَ بها المجلسُ الوطني البريطاني للفنون. حيثُ تمَّ وضْعُ كمبيوتر في قفصٍ بداخلِهِ ستَّةُ قُرُود. وبعد شهرٍ من العبَثِ بالكمبيوتر (بالإضافةِ لاستخدامِهِ كمرحاض!) أنتجت القرودُ خمسينَ صفحة مكتوبة، لكن دون كلمة واحدة تامّة. وقد علَّقَ شرويدر بالقول: "إنَّ هذه كانت هي النتيجة، بالرَّغمِ من أنَّ الكلمةَ بالُّلغةِ الإنجليزية يمكن أنْ تتكوَّنَ من حرْفٍ واحدٍ فقط ( (aأو (i). فالحرف (a) يمكنُ أنْ يُمثِّلَ كلمةً إذا كان هناك مسافة إمَّا عن يمينِهِ أو يسارِهِ . فإذا أخذنا بالاعتبارِ أنَّ هناك ثلاثينَ حرْفاً ورقماً علىٰ لوحةِ المفاتيح، فإنَّ احتمالَ الحصول على كلمةٍ مُكوَّنةٍ من حرْفٍ واحد هو ( 30 X30X30) أي 27000. وعندها يكونُ احتمالُ الحصول على كلمةٍ من حَرْفٍ واحدٍ هو أي (1: 27000). ويستنتج عدم إمكانية كتابة سونيتة شكسربيرية إطلاقاً." (ص 106-108).

بمعنى أن تجربة (مبرهنة القرود) اثبتت له فشل إمكانية خلق الكون نفسه بنفسه، وخلق الحياة من مادة غير حية بالصدفة العمياء.

ويعلق المؤلف قائلاً:

بعد أنْ استمعتُ إلىٰ محاضرةِ شرويدر قُلْتُ له: إنَّه توصَّلَ بصورةٍ مُرْضيةٍ وحاسمةٍ إلى أنَّ (مُبرْهنةَ القِرْود) ما هي إلَّا كومةٌ من القمامة، وأنَّ اختيارَ قصيدة السُّونيتة كمثالٍ كان مناسباً، لأنَّ البعضَ يتوهَّم أنَّ القِرَدةَ بإمكانِها كتابةُ روايةٍ كاملةٍ لشكسبير، مثل هامِلْت أو عطيل، أو حتَّى أعمال شكسبير بأسْرِها. فإذا كانت (مُبرْهنةُ القِرْد) غيرُ قادرةٍ على الصُّمودِ في قصيدةٍ واحدة، فمن المؤكَّد أنَّ من المستحيل القول بأنَّ عملاً رائعاً مثل أصْل الحياة (أي نشأة حياة من مادَّةٍ غير حيَّة) حدَثَ بالصُّدفة. (ص 108)

القشة التي قصمت ظهر البعير

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو أن أغلب الأدلة التي دفعت المؤلف إلى التخلي عن إلحاده وتبني الإيمان بالله، مثل: نظرية الإنفجار الكبير (Big Bang)، ومقولات أينشتاين، ومقولات رواد فيزياء الكوانتم، وغيرها من الأدلة التي سنأتي عليها في الحلقة القادمة، كانت موجودة منذ أوائل القرن العشرين، فلماذا تأخر المؤلف عن التخلي عن إلحاده إلى أن استمع إلى تجربة (مبرهنة القرود) في مؤتمر نيويرك الذي أعلن فيه تحوله من ملحد إلى مؤمن بالله؟ مع العلم أن الأسباب الأخرى التي دفعته للإلحاد مازالت قائمة مثل الحروب وشرورها، والمظالم، والفقر، والأمراض وغيرها التي رأى أنها تتنافى مع وجود إله كلي القدرة.

ولتفسير هذه الظاهرة، أعتقد أن البروفيسور فلو كان طوال حياته يعاني من صراع في نفسه بين الإيمان والإلحاد، ولم يكن ملحداً مائة بالمائة، و تراكمت عنده الأدلة، وما تجربة (مبرهنة القرود) التي استمع إليها في مؤتمر نيويورك إلا بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. فاقتنع بهذه "الأدلة" وأشهر إيمانه بوجود إله.

يتبع

 

.........................

روابط ذات صلة

1-  حاتم حميد محسن: حوار حول الطاولة بين الدين والفلسفة

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=955917&catid=272&Itemid=630

2- رابط الكتاب- النسخة الإنكليزية: Anthony Flew: There is God

http://islamicblessings.com/upload/There-is-a-God.pdf

 3- رابط الكتاب، النسخة العربية، أنتوني فلو: هناك إله. ثم تضغط على عبارة (تحميل الكتاب).

(وفي في حالة عدم فتح الرابط يرجى نقل عنوان الكتاب واسم المؤلف إلى محرك البحث في غوغل، وتختار الرابط الأقرب للمطلوب، ثم تضغط على (تحميل الكتاب).

https://www.kotobati.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%87%D9%86%D8%A7%D9%83-%D8%A5%D9%84%D9%87-pdf

4- رابط النسخة العربية الطبعة الكويتية

https://ia802806.us.archive.org/23/items/85129/708.pdf

 

 

محمود محمد عليتمتاز القراءات الحداثية للنص الديني في تراثنا العربي الإسلامي اليوم، بشيء من الضبابية في تحليلاتها، إذ يلفها غموض في المفاهيم، وقلق في المصطلحات، وتناقض في المناهج، ومغالطات في الطرح، مما ساهم في توسيع الخلاف بين التأويلات المختلفة للنصوص الدينية. بل تعدى الخلاف مرحلة السجال الفكري، ليصل مرحلة التناطح العقائدي والصراع الإيديولوجي الذي وسم الخلافات المعرفية والابستيمولوجية، خاصة بين النخبة الأكاديمية، ولم ينحصر ضمن الدوائر الرسمية فحسب، بل تعدى ذلك ليبيح لذوي العمى الفكري، تصدر محاكم التكفير والتبديع، أو الوسم بالتخلف والرجعية، كل من خالفهم الرأي. وتجرأ على النص كل من جمع حريفات من اللغة أو من المعرفة الهزيلة، فأدلى برأيه في نصوص الكتابات المقدسة (27).

في هذا المقال، نناقش موقف الكاتبين من قضية مركزية النص الديني عند دعاة الإسلام السياسي، حيث يعول (الإسلام السياسي) علي مسلمة وقاعدة لا يمكن تخطيها كما يري المؤلفان وهي أن:” النص الديني مقدس، ولا يمكن النقاش فيه، بمعني أن الاجتهاد مع النص لا يجوز , وهي قاعدة أصولية كما يقول المؤلفان أكد عليها كل منظري  (الإسلام السياسي)، بل مضوا في تكفير القائلين بأن النص القرآني ما هو إلا نتاج مراحل تاريخية، حيث أن الآيات في مناسبات وحوادث معينة في زمن معلوم بتاريخ واضح” (28).

ويستطرد الكاتبان فيقولا:" وتيارات (الإسلام السياسي) تعتبر النص ساري المفعول دائماً وأبدأ، ولا يجب الخوض في صلاحيته لكل وقت وأوان، ليس هذا فقط بل قامت جماعات (الإسلام السياسي) أيضا علي الدعوة علي لتطبيق شرع الله، أي آيات القرآن وما ورد في السنة النبوية . وكانت النصوص القرآنية بالدرجة الأولي هي المرجع والمستند لها لتبرير عملها الدعوي والسياسي علي السواء، انطلقت جماعات العمل الإسلامي السياسي من النص القرآني، حيث نزعته من سياقه التاريخي وأقحمته في الحياة المعاصرة، ولما لم تجد في آيات القرآن سنداً لها لتفسير ما يحدث من تطورات حياتية في بلاد المسلمين  وفي العالم، أو صنع موقف من قضية ما، لجئت إلي الأحاديث النبوية، باعتبارها ركناً ثانياً مقدساً في التفسير والموقف النظري لهذه النظري لهذه الحركات مما يجري في المجتمعات الإسلامية وعموما العالم" (29).

ومن هذا المنطلق، ظهرت بعض الآراء حول الحركات والجماعات الأصولية (كما يري المؤلفان) لتقول بأن:" الإسلام، ليس شيئاً غير النص، وهو ما يؤدي بدوره إلي القول بأن الحجية في الإسلام، ليس لشئ سوي النص . لقد ظلت هذه الحقيقة الأولية مهيمنة علي العقل المسلم، لفترة من الزمن، لم يكن للإسلام فيها سلف ولا تاريخ، كان ذلك في مرحلة التكوين الأولي، منذ المنشأ وحتي مشارف عصر التدوين، فعلي مدي هذه الحقبة التي لم تدم طويلاً، كانت الحجية منحصرة في الوحي، وبوجه خاص في القرآن، علي اعتبار أن السنة في معظمها كانت تطبيقاً عملياً للقرآن، أو شرحها شفهياً له، ولم يلتفت إليها في الوعي الفقهي، كمصدر كامل الاستقلالية عن القرآن، إلا في وقت لاحق، ومن خلال تكوينه عقلية مختلفة، حين بدأت عملية الطلب الواسعة النطاق علي الحديث بشكل مقصود ومبالغ فيه أدي فيما بغد إلي ظاهرة التضخم الكمي في الحديث بكل أعراضها الإشكالية علي مستوي السند والمتن جميعا"(30).

ويفرغ المؤلفان من هذه النقطة ؛ حيث يقولا:” وبهذا نجد أن دعاة (الإسلام السياسي) يعدون قضية قداسة النص وأزليته أساساً له ولا يمكن بأي حال من الأحوال التساهل جول الآراء التي تنفي تلك القداسة وتجعل من النص القرآني نصا تاريخياً، وكما ذهب “سيد قطب” فلا يمكن سوي الخضوع التام للنص الإلهي وعدم ناقشته، بل مساءلة النفس: هل كان هذا الخضوع تماما وكاملا كما هو مطلوب ومأمور به في هذا النص الإلهي الأزلي؟.. ولأن حرمة النقاش والحوار المفروضة من جانب جماعات (الإسلام السياسي) وأذرعه الممتدة في مؤسسات الدولة، كانت قاعدة ثابتة لا يمكن التساهل مع من ينتهكها، فقد جرت حوادث تصفية وتكميم أفواه طالت العديد من من الحداثويين والعلمانيين والتنويريين في العالمين العربي والإسلامي . فلم يعتمد (الإسلام السياسي) علي كتبه وحججه وآراءه في ضرورة التمسك بالنص وبالتطبيق الحرفي المتحرر من الزمان والمكان فحسب، بل أطلق يديه في عمليات ردع وتصفيات جسدية ومعنوية بحق رموز التيار العلماني العلمي المخالف له بالتفسير والتوجه . لقد كان رد (الإسلام السياسي)فيمن ينكر أساسه النظري المتين، أي النص القرآني وهو العنف والإقصاء والمطاردة والتهديد والتصفية(31).

وننتقل الآن للحديث عن مبدأ الحاكمية لله في تصور دعاة (الإسلام السياسي)، حيث تعني بالنسبة لهم الاحتكام إلي النص الديني والعيش، حياة وحكماً، وسياسة، وسلاماً، بحسب مقتضياته وأوامره، وقد بحث آباء (الإسلام السياسي) في مختلف جوانب وأوجه هذا الموضوع، واعتبروه أساسا من أساسيات فكرة الإسلام دين ودنيا، والتي تقول بضرورة الحياة وفق الشريعة والنص وتذليل القوانين الوضعية لصالح القوانين السماوية الشرعية، والحاكمية في جوهرها بيان لمورد الدين أي مصدره، وهو الله، الذي تجسد إرادته الدينية في الشرعية أو الشريعة الإسلامية باعتبارها ما سنة الله لعباده من أمور دينهم ليعلنوا خوعهم له والتزامهم به، والحاكمية مبدأ والتزام وخضوع لهذا المبدأ والتزام به، والشريعة مضمون لهذا المبدأ ومحتوي له، ويمكن للباحث كما يذكر المؤلفان أن يمضي في هذا الطريق فيضيف أن الشريعة – مصدرها الله – هي الحاكمية علي الإطلاق والعموم علي جميع المكلفين بما فيهم الرسل والعلماء والمراء والناس أجمعين (32).

وعليه فنجد بأن (الحاكمية لله) كما يري المؤلفان الالتزام بالنصوص والسنة واعتبارهما قوانين حياتية، معاشية، ملزمة لا يجب نكوصها أو رفضها، بل يجب الخضوع لها، لأن ذلك يعني الخضوع لأمر الله، ولأمره ومشيئته. و(الإسلام السياسي) يعتمد بشكل كبير علي هذه الفكرة في توطيد دعائمه وترسيخ برنامجه الذي يقول بأن الإسلام دين ودنيا، وأن حياة البشر يجب أن تخضع للعبودية التامة لله، وأن تكون الحاكمية الإلهية هي التي تقرر الشرائع والقوانين بحسب النصوص القرآنية وثوابت السنة، بعيداً عن القوانين الوضعية البشرية والأيديولوجيات والفلسفات المختلفة (33).

كما يذهب دعاة (الإسلام السياسي) (كما يري المؤلفان) في كتاباتهم ومؤلفاتهم في أن (الحاكمية لله) هي أمر مفروض من الخالق ولا يمكن ولا يحق للمخلوق أن يرفضه أو يعيش حياته بمعزل عن تطبيقات هذه الفكرة، وبالتالي فهي أساس نظري رئيسي للإسلام السياسي . وهؤلاء كما يذكر المؤلفان يطرحون لتدعيم رأيهم جملة كبيرة من النصوص والأحاديث والتفاسير التي لا تدع أي مجال للشك أو الاجتهاد حول ضرورة، بل وأمر، الالتزام بمدأ ( الحاكمية لله)، والخضوع التام له. ولا يقتصر الشرح والتفسير في هذا الأمر علي قضية إقناع الجمهور المسلم بالحجة والكلمة، ولكنه، كمعظم أفكار منظري (الإسلام السياسي)، يذهب إلي التهديد والوعيد والتكفير، فكل من ينكر هذا المبدأ ويرفضه، ويطعن فيه، أو حتي لا يعتقد به، فهو كافر، مرتد عن الدين، وعليه فلا ريب أن من لم يعتقد بوجوب الحكم بما أنزل الله علي رسوله فهو كافر، فمن استحال أن يحكم بين الناس بما يراه عدلاً من غير إتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من آية إلا وهي تأمر بالعدل، وقد يكون من العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلي الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله، كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي أن يحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر، فإن كثيرا من الناس أسلموا، ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون . فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار (34).

ويؤكد المؤلفان فيقولا:"ولابد للفرد المسلم ولكي يكتمل إسلامه وتقبل فروضه، ولا يكون كافراً كما أفتي اين تيمية، أن يعترف بشكل كامل وواضح وبخضوع شامل، بمبدأ (الحاكمية لله) ويقبل بكل تبعات ذلك علي حياته وعلي المجتمع ككل .فكذلك الدولة يجب أن تسير وفق هذا المبدأ . يجب عليها أن تطبقه وتتمسك به في كل أمورها الحياتية، وفي كل ما يتعلق بأمر مواطنيها، بل حتي في سياستها الداخلية والخارجية، أن الأساس الذي تقوم عليه بناء لدولة الإسلامية هو مفهوم حاكمية الله الواحد الأحد، وان نظريتها الأساسية أن الأرض كلها لله وحده، وليس لفرد، أو أسرة، أو طبقة، أو شعب، بل لا للنوع البشري كافة شئ من سلطة الأمر والتشريع كافة شئ من سلطة الأمر والتشريع، فلا مجال في حظيرة الإسلام ودائرة نفوذه إلا لدولة يقوم فيها المرء بوظيفته خليفة الله تباركت أسماؤه، ولا تتأتي هذه الخلافة بوجه صحيح إلا وجهتين: إما أن يكون ذلك الخليفة رسولا من الله، أو رجلاً يتبع الرسول فيما جاء به من الشرع والقانون من عند ربه" (35).

ومن خلال الرأي أعلاه، والذي طرحه أبو العلي المودودي، يستخلص المؤلفان بأن:” نظام الحكم في الدولة الإسلامية يجب أن يكون قائماً علي الطاعة الكاملة للنص الديني وللحديث النبوي من بعده، وما علي المواطن إلا أن يخضع، من منطلق إيماني عقائدي، وكذلك من منطلق وطني / مواطني، لهذه الدولة ولشرائعها . وباختصار علي المواطن أن يكون وفياً وملتزما بهذا القانون والشرع، وان يجتهد أن يكون خليفة الله علي الأرض وإلا فإن هناك عقوبات ستردعه عن ذلك، وهكذا فإن أبا الأعلى المودودي يتبني فكر الحاكمية نقلا عن أفكار الخوارج باعتبار أن الله وحده خالق الكون وحاكمه العلي، وأن السلطة العليا المطلقة له وحده، أما الإنسان فهو خليفة هذا الحاكم، والنظام السياسي لا بد وأن يكون تابعاً للحاكم الأعلى، ومهمته الخليفة تطبيق قانون الحاكم الأعلي في كل شئ وإدارة النظام السياسي طبقا لأحكامه، فهو يري أن الله قمة الكون خلقه ويحكمه ويسيطر عليه فيقول الأرض كلها لله وهو ربها والمتصرف في شئونها . فالأمر والحكم والتشريع لله وحده، فلا مجال في حظيرة الإسلام لدولة يقوم فيها المرء بوظيفة  خليفة الله ولا تتأتي هذه الخلافة، إلا أن يكون ذلك الخليفة يتبع ما جاء به الشرع، ويستتبع ذلك في نظر المؤلفان ما يلي: أولا:حتمية طاعة النبي وحكمه بوصفه مبلغا عن السلطان الأعلى والحاكم المطلق وهو الله، وثانيا: أن القانون والحكم الذي يقرر التحليل والتحريم في جميع الميادين هو قانون الله وليس للعباد حق المساءلة والنقاش في أحكام الله فما حرمه الله يكون حراماً وما حلله يكون حلالاً . وتتضمن الحاكمية لله رفض حاكمية البشر وضرورة الثورة عليها، وكأن عصيانها أمر إلهي . وتتمثل حاكمية البر في ثلاثة نظم: العلمانية، والقومية، والديمقراطية، وهي النظم التي سيطرت علي الحياة السياسية في العرب” (36).

ولقد تميز الأستاذ “المودودي” في نظر المؤلفان عندما أدان الواقع المحلي والعالمي ووصفه بـ ” بالجاهلية” وبـ” الكفر” بأن ركز، في إنتاجه الكفري علي تحديد المعالم البارزة والأساسية – وليست التفضيلية – التي تحدد مفهومه لطبيعة” البديل الإسلامي” الذي يدعو إليه، ليحل محل هذه الحضارة – الجاهلية- المعاصرة- الكافرة.. وهذا البديل، عنده، هو ” حضارة الحاكمية الإلهية” .

ونستطيع أن نحدد من خلال فكره “قوانين صياغة هذا البديل الإسلامي الجديد”.. والتي يمكن تكثيفها في أربعة قوانين:

أولها: إحياء الإسلام، كما تمثل في متابعة الأولي –قرأنا وسنة – بشموليته التي تغطي كل شعب الفكر والقيم والحياة .. والالتزام بهذا الإسلام التزاما نسلم فيه الوجه لله.. إلتزام الجندي لأمر القائد في ميدان القتال ..

وثانيها: عدم الالتزام بالثقافة الإسلامية القديمة بجوانبها الحضارية والقومية والوقوف منها موقف الانتقاء والنقد .. فنسترشد بإبداعها ونستعين به علي فهم المنابع الإسلامية –قرانا وسنة- ونستفيد بما يفيد واقعنا وعصرنا من اجتهادات المجتهدين دون التزام ولا إلزام.. مع الحذر من إضافات المتأخرين من ” علماء ” عصر التراجع والانحطاط.

وثالثها: استلهام العلوم والاختراعات الحديثة التي ابدعتها الحضارات الأخرى، وفي مقدمتها الحضارة الغربية سواء أكان ذلك في ميدان العلوم الطبيعية، أو الوسائل والتنظيمات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية .. وبذل الجهد الصادق لاكتساب المهارة في هذه الميادين.

ورابعها: محاربة الحضارة الغربية، الوثيقة الصلة بفلسفة هذه الحضارة ذات الطابع المادي الالحادي، واقتلاع فكريتها التغريبية من عقول المسلمين يستوي في هذه الثقافة فكرها ومذاهبها ومدارسها، أو أسلوب الحياة ونمط المعيشة النابع من فلسفة الغربيين في الحياة والمرتبط بقيمهم وأخلاقياتهم.

ثم يؤكد المؤلفان بأن المرجع في تقبل مبدأ (الحاكمية لله)، هو النص القرآني،  وهو أيضا، سنة وسيرة النبي محمد بن عبد الله، الذي لم يكن يمثل في حكم المسلمين وتسيير شئون دينهم ودنياهم، شخصه فقط، بل كان يمثل الأمر الإلهي . فلا مناص هنا من التقيد بالنص القرآني والامتثال له، وكذلك الاقتداء بالنبي وبسيرته، أما وجوب الاحتكام إلي الشرع مطلقاً فقد أفادته النصوص بمثل قوله تعالي ” فلا وربك لا يؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم”، وبقوله تعالي ” فإن تنازعتم في شئ فردوه إلي  الله ورسوله”. وبقوله تعالي ” وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلي الله “. ففي الآية الأولي: حقيقة كلية من حقائق الإسلام جاءت في صورة  قسم مؤكد، مطلقة من كل قيد، تنفي الإيمان عن من لم يحتكم إلي النبي، عليه وعلي آله الصلاة والسلام، وليس هناك مجال للوهم أو الإبهام بأن تحكيم رسول الله هو تحكيم لشخصه الكريم فحسب، كما يزعم دعاة اليسار الإسلامي!، أو دعاة العلمانية الإسلامية!، إنما هو بالضرورة، تحكيم شريعته ومنهجه، لا لشخصه الشريف فحسب، كما يظهر بالبداهة من غير تأويل (37).

ويستطرد المؤلفان فيقولا: .. رغم أن دعاة الأصولية الإسلامية، ورموز (الإسلام السياسي)، قد تعرضوا كثيرا وفي مؤلفات ضخمة لهذه  الفكرة، ودعموها بالآيات البينات والأحاديث الصحيحة الملزمة، إلا أن سيف التكفير المشهر علي رؤوس المسلمين ظل مرفوعا،ولم يترك الأمر للمسلم بتقبل الأمر أو الإعراض عنه . فأصلا هذا الموضوع  غير قابل للنقاش كما يذهب أحد كبار معلمي مدرسة الإسلام السياسي، إن موضوع الحكم بما أنزل الله من المعلوم من الدين بالضرورة، فهي من الأمور التي ينبغي أن لا تخضع للنقاش والحوار أساساً، فهي من أصول الإسلام ذاته، ولا يتصور من مؤمن أن يرفض ذلك (38).

ولم يكتف الكاتبان بذلك بل نراهم يقولا:” … وهكذا نجد بأن (الإسلام لسياسي) يعتمد في منهجه العقائدي عل فكرة (الحاكمية لله)، ويرفض بشدة غير ذلك، ويدعم أفكاره، ورؤاه بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ومقتطفات من سيرة النبي محمد والخلفاء الذين جاءوا من بعده، ويرفض (الإسلام السياسي) الآراء التي تناقض فكرة الحاكمية وتربطها بزمان ومكان العصر الذي نزلت في الآيات التي تتحدث عن حكم الله في الأرض، ويعتمد (الإسلام السياسي) علي سلاح التكفير والرفض في وجه كل من يقول بغير (حاكمية البشر) علي سلاح التكفير والرفض في وجه كل من يقول بغير (حاكمية الله)، ويعتمد هذه الفكرة أساساً نظرياً قوياً لفكرة إقامة الشريعة، ودولة الخلافة في عموم بلاد المسلمين والعالم (39).... وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............

27-عطية بن عطية: القراءات الحداثية للنص الديني تأملات في المفاهيم والمصطلحات والمناهج، 2019، ص 15.

28- الأستاذ طارق حمو والأستاذ صلاح علي نيوف: المصدر نفسه، ص 33.

29-المصدر نفسه، ص 39.

30-المصدر نفسه، ص 40.

31-المصدر نفسه، ص 44.

32- المصدر نفسه، ص 46.

33- المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

34-المصدر نفسه، ص 47.

35-المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

36- المصدر نفسه، ص 48.

37-المصدر نفسه، ص 49.

38-المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

39-المصدر نفسه، ص 50.

 

 

محمود محمد عليخلا الخليفة "عمر بن الخطاب" يوماً فجعل يتساءل: "كيف تختلف أمة الإسلام، ونبيها واحد وقبلتها واحدة".. فقال له "عبد الله بن عباس" (ابن عم النبي):" لقد أنُزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيم نزل، وأنه سوف يكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يدرون في منزل، فيكون لهم فيه رأي، ثم يختلفون في الآراء، ثم يقتتلون فيما اختلفوا فيه".

ولا نغالي إذا قلنا مع الأستاذ "حسين معلوم" في كتابه الإسلام والسياسة .. قراءة نقدية في مفهوم الحاكمية- إن ما حاول ابن عباس القيام به من استشراف مستقبل الخلاف بين أبناء " أمة الإسلام"، عوامله وأسبابه، قد " تحقق" ؛ علي الأقل: فيما يخص " النهج التفسيري" لنصوص كتاب الله وألفاظه، والكيفية التي يتم بها النظر إلي دلالات هذه الألفاظ؛ إذ، جاءت العصور " الإسلامية " التالية، لتشهد تغيراً في " النهج " الذي رآه ابن عباس (نهج تفسير آيات " الكتاب" وفقاً لأسباب نزولها) ؛ فقد تنبني جانب من الفقه الإسلامي – منذ تلك العصور – نهجاً في التفسير يعتمد قاعدة، مفادها:" العبرة " بعموم اللفظ" . فإذا لاحظنا، أن ثمة تغييرات دلالية (سيمانتيكية)، للمفردات اللغوية، كتعبير عن تغير المفاهيم المجتمعية التي ترمز إليها، أو قل: كنتيجة لتغيرات مجتمعية مفهومية تفرض نفسها في واقع المجتمع والتاريخ، وننتقل – من ثم – إلي واقع اللغة..

ولهذا السبب وجدنا مؤلفا هذا الكتاب الذي بين أيدينا يقسمان كتابهما هذا إلي فصلين رئيسيين: الفصل الأول: المصادر النظرية والاجتماعية للإسلام السياسي، والفضل الثاني: (الحرية) و(الديمقراطية) كقيمتين متغيرين في منظور (الإسلام السياسي) بعد التحولات الأخيرة في العالم العربي.

في الفصل الأول: المصادر النظرية والاجتماعية للإسلام السياسي: حيث أردا المؤلفان أن يتوقفا علي ماهية الظاهرة والأسس النظرية لها عبر تتبع مراحلها التاريخية وبنيتها العقائدية، ومن ثم التعرف علي الآباء الأوائل الذين وضعوا أسس هذه الفكرة وساهموا في تكوينها ودخولها ميدان السياسة، ومن ثم الأوضاع الاجتماعية التي أثرت عليهم وساهمت في توسيع حطاب (الإسلام السياسي) وجماعاته، وكيفية استفادة هذه الجماعات من الحالة الاجتماعية لقطاعات الشعب في نشر رسالة وأفكار الأصولية الإسلامية؛ ويتكون الفصل الأول من ثلاث مباحث، هي: الأول: الإسلام السياسي: الظهور والأسس النظرية، والثاني: مرجعيات خطاب الإسلام السياسي، والثالث: البيئة الاجتماعية الحاضنة لتيار الإسلام السياسي.

وفي الفضل الثاني: تحدث المؤلفان عن (الحرية) و(الديمقراطية) كقيمتين متغيرتين في منظور (الإسلام السياسي) بعد التحولات الأخيرة في العالم العربي، وهنا حاول المؤلفان التعرف لنظرة (الإسلام السياسي) لقيمتي (الحرية) و(الديمقراطية) ، ومن ثم كيفية تعامله معهما في فترة ما بعد التحولات الأخيرة في العالم العربي ؛ بمعني كما يقول الكاتبان: إننا خرجنا من الإطار النظري في الفصل الأول إلي الإطار الميداني حيث تجربة (الإسلام السياسي) علي أرض الواقع وفترة حكمه، وتعرضه لاختبار هاتين القيمتين، وكيفية تصرفه في التوافق بين تعهداته السابقة باحترامهما وبين ولائه للأصول العقائدية التي تحتكم فقط إلي الشريعة وترفض غيرها من المبادئ والقيم الوضعية المعاصرة . والفصل الثاني يتكون من مبحثين: الأول: نظرة (الإسلام السياسي) لقيمتي (الحرية) و(الديمقراطية)، والثاني يتكون من مبحثين: الأول: نظرة (الإسلام السياسي) لقيمتي (الحرية) و(الديمقراطية)، والثاني: قراءة استشرافية لنظرة (الإسلام السياسي) لقيمتي (الحرية) و(الديمقراطية) ما بعد التحولات الأخيرة في العالم العربي، بالاستناد إلي تجربة جماعة الإخوان المسلمين في الحكم في مصر(12).

وأود من خلال قراءتي النقدية لهذا الكتاب، أود أن أركز علي أهم نقطة محورية يدور حولها الكتاب لأناقشها مناقشة موضوعية؛ ألا وهي قضية "الإسلام السياسي ومبدأ الحاكمية لله"، ونبدأ أولا بتعريف الكاتبان لقضية الإسلام السياسي، ومركزية النص الديني لديه، ثم موقفه النهائي من مبدأ الحاكمية لله .

وهنا يقول الكاتبان بأن مصطلح (الإسلام السياسي) قد ظهر كدلالة علي الجماعات والحركات التي تستند إلي الدين الإسلامي وأفكاره، وتتخذ منه مرجعاً لها في سبيل تحقيق أهداف سياسية واضحة والوصول إلي الحكم . و(الإسلام السياسي)، هو مصطلح سياسي وإعلامي وأكاديمي سعت من خلاله هذه الحركات إلي توطيد مشروعها القائم علي أن الإسلام سلح نظاماً سياسياً للحكم (13).

ويستطرد الكاتبان بأنه يمكن الحديث عن ثلاثة مستويات من الإسلام عند دراسة ظاهرة (الإسلام السياسي) وتفريقها عن بقية أنواع الممارسات للإسلام كدين وترتث وعقيدة، وهذه الممارسات هي: الإسلام الشعبي، والإسلام السياسي، وفي حين يرتبط الإسلام الشعبي بآليات التدين التقليدي، حيث تكتسب العبادة صفة العادة المتكيفة مع تقاليد المجتمع المحلي وخصوصياته الحضارية والاجتماعية، فإن الإسلام الرسمي يرتبط بالمؤسسة الفقهية المشيخية، التي غالباً ما تكون جهازاً إيديولوجيا من أجهزة الدولة، يمكن وصفه علي نحو ما بإسلام رجال الدين . بينما يرتبط الإسلام السياسي نظرياً وحركياً بشعار الدولة الإسلامية (14).

ويقول الكاتبان بأنه يمكن تعريف الإسلام السياسي كمفهوم ومصطلح، هو: تعبير عن الحركات والقوي التي تصبو إلي تطبيق الشريعة الإسلامية منهجاً حياتياً، مستخدمة بذلك منهجية العمل السياسي الحديث القائم علي المشاركة السياسية في السلطة، فكل حركة إسلامية تعتبر المشاركة السياسية منهجاً تدخل ضمن هذا التعريف، وبالتالي فإن كلمة سياسي في مصطلح (الإسلام السياسي) ليست توصيفاً للإسلام بمقدار ما هب توصيف وتعريف للحركات التي تقبل بمفهوم المشاركة السياسية وخوض الانتخابات والاحتكام إلي صناديق الاقتراع، حيث أن هناك العديد من الحركات والأحزاب الإسلامية التي ترفض هذه القاعدة، وهناك العديد الذين يقبلون بهذه القاعدة (15).

ويستطرد الكاتبان فيقولا:" لقد توسع تعريف مصطلح (الإسلام السياسي) وتزايد الاهتمام به في الشرق والغرب، حتي أصبحت ظاهرة استرعت اهتمام مراكز الأبحاث الدولية والعديد من الباحثين المختصين بحقول الاستشراق والدراسات الإسلامية، وبدأ البعض في الغرب يطلق أسماء مثل الأصولية الإسلامية، أو التطرف، والغلو في الدين علي (الإسلام السياسي) كتعريفات مرادفة له، ومن هنا انبثق مفهوم (الإسلام السياسي) الي نظر إليه البعض من هذه الزاوية التي يسعي من خلالها إلي ممارسة السلطة وإقامة النظام السياسي الإسلامي الذي يرجع إلي المجتمع الذي أقامه النبي (صلي الله عليه وسلم) في المدينة المنورة وإحياء الخلافة الرشيدة، وكان من خلال حزب سياسي إسلامي له الحق في استخدام كل الوسائل المباحة والجائزة في الصراع السياسي" (16).

واعتماداً علي ما سبق فقد قرر الكاتبان أن هناك تشابها وربما تطابقا بين مصطلحي (الإسلام السياسي) و(الإسلام الأصولي )، فالإسلام السياسي يكون بالضرورة أصولياً، أي معتمداً علي الأصول والمرجعيات الإسلامية تماما، وهكذا فإن صفة الأصولية تشير في الغالب الأعم إلي تلك الحركات والإيديولوجيات التي تصر علي أن جزءً لازماً من الدين الإسلامي أن تطبق عقائد الدين الإسلامي، وفي مقدمتها الشريعة، علي كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية (17).

وفي نظر المؤلفان يمكن تعرف (الإسلام السياسي)، كذلك، علي أنه لجوء إلي مفردات الإسلام كدين للتعبير عن مشروع سياسي، علي أن النقطة المحورية في الإسلام السياسي ربما كانت هي سعيه للوصول إلي السلطة، باعتبار أن ذلك هو الشرط الضروري لإقامة مشروعه . وتضم الحركات الإسلامية، في مفهومها الواسع، جميع الأفراد والجماعات التي تسعي لتغيير مجتمعاتها عن طريق اشتقاق أفكارها وبرامجها من الإسلام. وفي حين تختلف هذه الجماعات والأفراد في طرقها ومناهجها وأساليبها، فإنها تتفق علي القيمة الإيجابية للإسلام، وتريد تحويل إطار المرجعية في الحياة العامة إلي مرجعية يكون فيها الإسلام، بتفسيراته المختلفة، قوة رئيسية في تشكيل هذه الحياة (19).

ورغم أن القوي السياسية الأخرى تتقبل أصول اللعبة الديمقراطية في القضية مشاركة قوي (الإسلام السياسي) في الانتخابات والتنافس الشريف علي ثقة الشعب (كما يري الكاتبان)، إلا أنها في الوقت نفسه ترفض فكرة أن تتحول الدولة المدنية إلي دولة دينية تحتكم إلي الشريعة الإسلامية وفق شرح وتأويل محدد (20).

وهناك توجس وخوف من طروحات وأجندة (الإسلام السياسي) في نظر الكاتبان، وهو الأمر الدي يدفع بجماعات الإسلام السياسي إلي إظهار نوع من المرونة في خطابها والاهتمام بالأمور الحياتية للمواطنين وطرح برامج تطويرية وتنموية أيضاً، ومن هنا يقول المؤلفان بأن (الإسلام السياسي) هو في واقع الأمر إيديولوجية تحاول التزاوج بين الدين وقداسته وبين مجموعة من المشاكل الدنيوية المعاصرة من أجل استغلال العامل الإيماني الاعتقادي لدي الناس للوصول إلي الحكم وتطبيق برامجها الرامية لإنشاء دولة الخلافة (21).

وبالإشارة إلي ما سبق يقول المؤلفان بأنه يمكن النظر إلي (الإسلام السياسي) علي إنه:" إيديولوجية وليست خطة موضوعية تهدف إلي تطبيق واقع متخل (يوتوبيا) فيه العدالة الكاملة والسعادة الكاملة، وليس الانتصار علي المشاكل والعقبات الحياتية المعاشة. وأجندة الإسلام السياسي لا تحوي مكاناً للقيم المدنية المعاصرة، مثل العدالة، والديمقراطية ودولة القانون والحقوق الفردية، بل هي لا تستبعد العنف من برامجها من أجل تطبيق نظامها الديني الرامي للوصول إلي السلطة" (22).

ويستطرد الكاتبان فيقولا:" ويشمل هذا التوصيف كل الجماعات الإسلامية، بغض النظر عن مناهجها أو برامجها السياسية أو البيئية التي تعمل فيها، فهناك من يرفض التفريق بين هذه الجماعات، ويقول بوجود قواسم مشتركة بينها، يتمسك الكل بها مهما بدت الفروق بينها جوهرية وواضحة من الوهلة الأولي، ومن هنا فإن حركات الإسلام السياسي، وبغض النظر عن الفروقات الظاهرة بينها، إلا أنها تشترك معاً في مبادئ لا يمكن تخطيها، أو إهمالها، تحدد هذه المبادئ خطابها وأيديولوجيتها إزاء الآخر المختلف، حيث الرفض التام بل والعداء الصارخ في بعض الأوجه . ومن هذا المنطلق تجد الكل يشترك في معاداة العلمانية، ومعاداة السامية، ومعاداة الليبرالية، ومعاداة الشيوعية، ومعاداة أمريكا، ومعاداة المرأة، ومعاداة المثلية" (23).

كما يؤكد الكاتبان بأن اصطلاح (الإسلام السياسي) فضفاض وشامل، وهو يضم الكثير من الجماعات والحركات والأحزاب التي تطرح أفكاراً بتفسيرات شتي، ولكنها تنهل من معين الدين الإسلامي، وترغب في استلام زمام الحكم والإدارة، أي إن الحركة الإسلامية في مفهومها الواسع، تضم، جميع الأفراد والجماعات التي تسعي لتغيير مجتمعاتها عن طريق اشتقاق أفكارها وبرامجها من الإسلام، وفي حين تختلف هذه الجماعات والأفراد في طرقها ومناهجها وأساليبها وقضاياها الآنية، إلا أنها تتفق علي القيمة الإيجابية للإسلام والصلة الوثيقة بين مفاهيمه وقيمه الأساسية والعالم المعاصر، فهي تريد تحويل إطار المرجعية في الحياة العامة إلي مرجعية يكون فيها الإسلام بتفسيراته المختلفة قوة رئيسية في تشكيل هذه الحياة (24)؛ ولأن التنوع هو الغالب علي طروحات جماعات الإسلام السياسي وبرامجها، فهناك من يفهم الإسلام السياسي بأنه واقع الحال حركة تهدف إلي تجديد فهم الإسلام، من خلال تقديم أفكار جديدة للحياة العامة والتخلص من التقليدية في الفهم والتفسير، وهذا التجديد هو الرجوع إلي الأصول والتخلص من الأساطير الموروثة والتقاليد (25).

واستخلاصا لما سبق يقول الكاتبان بأن:”الإسلام السياسي، مصطلحا ومفهوما هو وصف للجماعات والحركات والأحزاب والمنظمات والكتل التي تحمل رؤس وأفكار مستدمة من الدين الإسلامي (تكون مطعمة ببعض البرامج الدنيوية الوضعية التي تهم حياة الناس) تهدف لتطبيق الشريعة، حسب تفسيرها له، وإحقاق نظام الحكم الإسلامي، أي دولة الخلافة في النهاية،وهذه الجماعات تملك برامج وتصورات سياسية تقوم علي الاحتكام للدين الإسلامي والشريعة، تطرحها علي الجماهير من أجل إقرارها والمباشرة في تأسيس المجتمع الإسلامي القائم علي الشريعة، وتطبيق كل حيثياتها وفق الاجتهاد والتفسير الذي تقدمه هذه الجماعات أو منظريها المعتمدين لديها، وترفض بعض هذه الحركات القوانين الوضعية وتتمسك بالشريعة وتطالب بتطبيقها، وتلجأ بعضها إلي العنف طريقاً للوصول إلي الحكم لتطبيق برامجها الرامية لتحقيق الشريعة ودولة الخلافة . وقد درج علي تسمية الظاهرة التي تشكلها هذه القوي والحركات مجتمعة بـ (الإسلام السياسي)، وهو مصطلح شق طريقه إلي عالم السياسة الدولية وتوطد في الأدبيات السياسية وظهر بشكل أكبر وأكثر اتساعا في العقود الأربعة الماضية” (26)... وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............

12- الأستاذ طارق حمو والأستاذ صلاح علي نيوف: المصدر نفسه، ص 13.

13- المصدر نفسه، ص 19.

14-المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

15- المصدر نفسه، ص 20

16-المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

17-المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

18- المصدر نفسه، ص 21.

19-المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

20-المصدر نفسه، ص 22.

21- المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

23- المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

24- المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

25- المصدر نفسه، ص 23.

26- المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

 

 

خالد جودة احمدفي واقعنا شديد الجهامة، يطل علينا ديوان (مايهمش) للشاعر/ سيد الشرقاوي، ليقدم جرعات فنية منعشة تحتاجها الروح المصرية الكسيرة، فمنذ اللمسة الأولي التي تصافح بها عين القارئ علامة الكتاب الكلية يستشعر أنه يمكن للأدب في أيامنا الحزينة تلك أن يقدم حبات للأمل تداوي جراحًا قومية وإنسانية أصابتنا في الصميم.

إشراقة البدايات:

يأتي النص الأول في الديوان (الحلوة دي بلدي) ليقول لنا إن شعرًا عجيبًا في زمان المحنة يستعلن بصرخة شاعر ما زالت روحه تحمل البراءة (الحلوة دي بلدي): (فتح عينيك/ إنت بقيت أكبر من الأول/ وازرع أمل/ تلقى الوجود بإديك بيتحول/ وابني بإيديك/ جنة حلوة/ طرحها وردي/ واصرخ بعلو الصوت وقول/ الحلوة دي بلدي)، وإذا كان من طموح البحث الأسلوبي النظر في تقاطعات البنية الإيقاعية والتركيبية والمعجمية لاكتشاف الآفاق الدلالية للنص، يمكن أن نقف في تأويلي أن دلالة ديوان "مايهمش" (باعتباره كائنًا من ورق له شخصيته المستقلة) أن تمنحنا فكرة.. أن أروع ما في الحياة إشراقة البدايات رغم المآسي والكوارث اللاحقة؛ لأن تلك الإشراقات النيرة سر التكوين وفجر البراءة، إنها روشتة الدواء للواقع المر، يقول الشاعر في نصه المعنون (معني الحياة) والذي يحمل روح الديوان جميعه، بل ويضم بين جوانحه مقولة الشاعر الرئيسة: (كل حاجة في بداية أمرها/ دايمًا جميلة/ فيها سحر الفطرة/ والروح والدفا/ فيها إحساس الوفا/ فيها ترانيم الفرح/ وعيون ماهياش مستكينة/ وكفوف بتزرع في الوجود/ حبات أمل/ تطرح سنابل طيبة/ وقلوب نبيلة/ يتعلم الطير منها معنى الشرف/ معنى الكرامة والفضيلة)، إن الصدق الفني الذي ينبع من صدق الشعور وصفاء الروح ينطق عبر تعبيرات سهلة غير معقدة أو مقعرة، تتواصل مع قارئها عبر درب الفن، إنه الأديب الرسالي صاحب الالتزام القيمي، لا ينثر أدبًا قاتمًا معذبًا ومعذِّبًا للقارئ في تهويمات الروح العليلة، بل يقصد أن يطرق أبوابًا للحلول، ويقدم "معنى الحياة" للذين داستهم الدنيا بسنابك التصحر القيمي والروحي في واقعنا المعاصر.

المقاومة وركوب "سفينة نوح" عليه السلام:

لم يكن شاعرنا "السيد الشرقاوي" مغيبًا عن الواقع أو مثالي النزعة يدور في رحاب الخيال غير مدركٍ لكوارث الوقائع، وغياب الضمير الجمعي الحارس للقيم المصرية (الغائبة مؤقتًا)، بل جاء يرسم بالشعر سبلًا للنجاة، فدارت مفردات قاموسه الشعري حول الصمود، وتناوله في أكثر من مقطع شعري وقصيدة، وتحتل مفردة السفينة (ومشتقاتها وتوابعها) مكانة مهمة ومهيمنة شاعريًّا، بمفهوم طوق النجاة في خضم أمواج كالجبال، ويعلي من قيمة المشاركة الإنسانية والتعاون والمحبة طريقًا وحيدًا كالطود العظيم في عواصف المحن والدواهي، يقول في نصه "احلم معاه": (واركب معاه المركبة/ إيدك بإيده/ صارع الأمواج معاه/ خليك شراع/ واتصدى للريح العتية بقوتك/ وارسم حياتك شط يهديه الأمل/ ويوصله لبر الأمان)، وتشرق شمس التربية بالمحبة في صورة مجازية أرابيسك معشقة، وتتماس مع مقولة (نعيب زماننا والعيب فينا)، فالقدوة الماثلة في إنسانية هادية محبة صافية الروح تماهت مع الشط الآمن (بر الأمان)، والشط ذاته أصبح فنارًا يضئ بوصلة الأمل ويقدمه هدية للحيارى المنكوبين الذين يصفهم الشاعر في نصه "اصحى بقى": (شايل همومك على ضهرك ومتكدر (..)/ تايه بهمك جوا ليل جارح/ بتحارب الأمواج بسفينة امبارح)، إنه يدعو فنيًّا لسفينة نوح القيمية تحديدًا وليست سفينة سواها مثقلة بتاريخ وميراث طويل من الاستكانة.

إن معنى المقاومة ينبض في أوصال الديوان جميعه بعشرات الشواهد، لكنها المقاومة الفاعلة الحركية، التي تعني (من الرائع أن نموت من أجل الوطن، ومن الأروع أن نعيش من أجله)، ليس هروبًا ولا تخاذلًا ولكن فطنة تنظر إلى حياة القضية ذاتها، ومقاومة طبيعة الاستكانة الموروثة، وفيضية النهر التي أثمرت شعبنا الفيضي المحب للاستقرار ناسيًا أن الموت يمثل قمة الاستقرار، وبغير هذا لن يكون النصر الذي يشغل فكر الذات الشاعرة، يقول: (وهنطق الناس اللي عاشت/ من سنين متلجمة/ وامسح على عيون البشر/ أمحي العمى/ وامحي الغيامة المعتمة/ وأدوس على كل المحن/ وافرد دراعاتي وأرفرف في السما/ واكتب على جبين السحاب كلمة وطن)؛ لذلك لم يكن غريبًا أن تتناول القصائد مفكرة حول ثورة الكرامة (يناير 2011) التي لن تخبو روحها، وأن تطل علينا قضية الأوطان (القدس الذبيح)، وأن نسمع نص "خليك حر" الذي يقول إن الحرية موصولة بأسباب السماء والتضرع إليها: (إيه رأيك لو تبقى الفايز/ عيش اللذة/ قوم واتهنى بطعم العزة/ كفاياك ذل وطيش ومهانة/ خليك صادق وارجع ثابت/ خليك واثق).

ولا يتركنا الشاعر دون أن يعيد إنتاج مقولات شائعة ويكسبها حسها الشعري في تفاؤل واستبشار، فيقول لنا مقولة (إن أكثر اللحظات سكونًا هي التي تسبق العاصفة)، في اسشراف شعري لا نبوءة، حيث الاستشراف هو كنز الشاعرية التي ترى ببصيرة معطيات الواقع لترسم المستقبل، فيقول في نصه "فرعون وغار": (ياللي انت عبدت البشر/ رغم إنهم أحرار/ حاسب وحاذر من رماد النار/ كل البشر راح تنفجر من صمتها/ كل العواصف قبلها استقرار)، إنها الشمس التي تغزل الغد المشرق كما جاء في القلب الصافي للشاعر.

استواء سفين الشعر والصور اللونية:

إن سفينة الشعر استقرت علي جودي الصباح، فتألق المعجم ببهجة المفردات، وتداعي التركيب الشعري البسيط الدال، وإذا كان الناقد بوصفه قارئ محب للخبرة الجمالية في الآثار الأدبية يجب أن يتحدث من داخل النص الأدبي، ويقدم شواهد من النصوص كسند قطعي تصدر بها أحكام القيمة في ساحة التلقي العام، فإننا هنا سنكون بصدد نقل نصوص كثيرة، لكن نكتفي بشاهد نصي مثال العينة المنتخبة الدالة على مجتمعها الكلي، يقول: (وانده لصبحك/ تلقي شمسه متزوقة/ وعلى خدودها الفستقي/ ضحكة جميلة محندقة)، (واغزل شعاع الشمس/ يصبح نهار بكره/ أزرع بذور الضي/ تطرح في الوجود فكرة/ واهدم جبال اليأس/ وابني قصور همة)، وتبدو الصور اللونية حاضرة تتماس مع هذا النسيج المبهج وتنسجم معه، ففي نصه الذي يحمل عنوانه معنى الاستعلاء على مضايقات الواقع بلفظها العامي الذي ينطق به المصري الأصيل البسيط "ما يهمش"، يقول: (فلون الحلم مايهمش/ يكون أخضر/ يكون فوشيا/ يكون بمبي/ يكون قلبك على قلبي/ مادام خلفيته بيضا/ فمايهمش).

البساطة التعبيرية وشاعرية التكوين:

يدور أدب التكوين حول الكتابة عن فترة التشكل النفسي والسلوكي للشاب في مقتبل حياته، وزمنيًّا فترة الشباب الأولى، فترة كما يقال في وصف مقوماتها (زمن الصداقة والحب والأحلام، زمن النهم للتحصيل والتغيير)، والسمات النفسية المركزية للديوان تنطلق من هذا الأفق، وشاهد ذلك البساطة التعبيرية وسلاسة الأسلوب ووضوحه وعدم وقوعه في أسر التعقيد؛ لتشرق الديباجة الشعرية بتركيب شعري جوهرة (الأمل/ الحلم/ المشاركة)، هذه البساطة والغنائية وضحت في موضوعات القصائد بين المناجاة والعاطفة، باعتبار العاطفة الصادقة دليل الاستواء النفسي، وغذاء النقاء، والتي نجد بها أيضًا مشتقات السفينة وتوابعها، يقول في نصه "إيه اللي بيربطنا ببعض": (حبنا مرسى وشط ومينا/ بيلملم أشواقنا ف حضنه/ وبيدفينا/ بيخلينا/ ننسى جراحنا وننسى البعد)، واحتلت واسطة العقد قصائد في مرحلة الشباب المبكرة بنص "جراب الحاوي"، والذي يحمل حدوتة شعرية بسيطة وقريبة من المتلقي، ونص "فارقته ليه" المضمخ بغنائية فيها معاني معروفة للقراء وتصل لهم بسهولة حيث تتماس مع أفقهم العاطفي المبكر بشواهد كثيرة، فهي تجربة شعورية عاطفية عادية لكن تستشعر صدقها بألق البدايات.

حتى مواسم الطاعة وقمتها موسم شهر رمضان الكريم "سوق عمران" بتعبير الشاعر في قصيدته ذات المناسبة "سباق الخير"، نجد بهجتها المفتقدة التي كنا نتذوقها قديمًا في رحاب القصيدة، باعتبار الشهر الكريم ميدانًا للتدريب ومعسكرًا للتأهل والإعداد؛ لذلك نجد وعظية في خاتمة القصيدة لتذكرنا بالغاية والأهمية، يقول: (يروح رمضان/ يفوت رمضان/ يموت رمضان/ إله رمضان.. مابيموتشي)

مفردات ثقافية، والمصري البسيط:

في رحلة الديوان نجد التعاطي مع مفردات ثقافية تشكل خلفية المبدع، وتمنح القارئ مفتاحًا لبواعث التأثير على وجدانه، وتضميناته التي تتسرب في شعره لتعبر عنه خير تعبير، فالشعر وثيقة نفسية في الأساس، ولابد أن نعرف روح الذات الشاعرة من شعره، وإلا كان شعرًا مفتعلًا يفتقد الأصالة الأدبية، وهذا ما أسماه النقد بالتناص، أي إن كل نص هو في حقيقته فسيفساء لمئات المشاهد والنصوص والتأثرات المتعددة، وفي الديوان نجد قصص خير من أنجبتهم الحياة (الأنبياء) عليهم السلام، فمن سفين نوح إلى إدريس وأيوب وعيسى عليه السلام؛ الذي أفرد قصيدة تحمل اسمه، وتنضوي على قيمة "الشط الفنار" الذي يحمل هداية القدوة ويعبر عن روح سمحة تعشق الأمل وتراه شط الأمان، يقول في قصيدته "المسيح": (راجعي الأسامي والدفاتر والكشوف/ أيوب ونوح/ إدريس ويونس والذبيح/ يوسف وموسى والمسيح/ أيوه المسيح)، ونجد أيضًا قصة قدمها كتاب الله العزيز في مواضع متعددة وهي قصة سيدنا موسى عليه السلام وفرعون اللعين، باعتبارها قصة الصراع بين الظالم والمقاوم النبيل.

ونجد في الخلفية تقبع "فؤادة" في رواية (شئ من الخوف)، ويستحضر فكرة المؤذن في شخصية سيدنا "بلال" في نصه "نهاية ظالم"، ويتماس مع الأحداث المعاصرة والأخبار العاجلة بنموذج ذبيحة الطهر "مروة الشربيني" في نصه "سؤال" القائم على العزف على وتر الطفل اليتيم لتبشيع الجريمة النكراء، والطفولة حاضرة أيضًا في نصه "كابوس فظيع"، وهي قصيدة وصفية تعبر عن أصالة شاعرية وجراح دفينة من مشاهد معاصرة تدمى لها القلوب الحية لطفولة مقتولة خسة وغدرًا.

كما نجد في الخلفية الانشغال بالمصري المحب للسلام ونفسه الهادئة، فيصف البعد الثقافي لطبيعة الشعب المصري الذي عصف به مكر الليل والنهار، وهو عائد بإذن الله، يقول عن الحلم في قصيدته "مايهمش":  (يكون شموسه دهبيه/ بتحضنّا بحنيه/ وبتدفي سنابل قمح مصرية/ بتتمايل على نغم الفواعليه/ وتتنهد وتتبسم/ بنكتة جميلة مصرية/ وعشه فوق ضفاف النيل/ بتدلل على الميه)

خاتمة.. وفارس الكلمة:

أؤمن أن أجمل الآثار الأدبية ما وافق معناها مبناها، أي امتزج الشكل بالمضمون، والقلب بالقالب، مثلما قال المنفلوطي "الكأس تشف عن شرابها، كما يشف التشكيل عن المعنى". ويكتمل إيماني بأن أجمل النقد ما وافق روح النصوص وعاش في رحابها ذائقًا، لا يجلب لها من خارجها دخيلًا عليها من صخور المصطلحات، بل متحدثًا وهو يتنعم داخل بيتها، ولهذا فإن من المقولات النقدية الممتازة أن كل عمل أدبي يحمل لافتة معبرة عنه ملخِّصة لمقولته، الشارحة لمضمونه في عبارة موجزة، وأنها أشبه بالنافذة المضيئة التي نطل بها داخل النص (= البيت)، ولن نجد مثل نص (فارس الكلمة) والذي يشكل نصًّا موازيًا للديوان ذاته ولا أروع، يقول: (وسط الحديد يا قلم/ يعلى صدى صوتك/ رغم الجراح يا قلم/ تغلب ندا موتك/ تحيا ويحيا الوطن/ طاير في ملكوتك).

 

خالد جوده أحمد

 

 

محمود محمد عليمن الخطأ أن نقرأ الأفكار وكأنها مجرد ردود أفعال، فيتم تحليل الأقوال، وينحي عن المشهد تأصيل الأجوال . ولعل "الحاكمية"، تاريخاً ومصطلحاً ونسقاً، هي الأولي بقراءتها بعيداً عن هذا المأزق المنهجي الذي بحبسها في فكره مأزومة قبل ارتياد الآفاق التي حركتها من رحم التاريخ النائم إلي جدل الحاضر المتلاحم (1).

ولذلك قيل عن القرن 18م في تاريخ الفكر الأوربي؛ إنه "عصر الإلحاد"، وبدأت لغة التحقيب التاريخي يمكن أن يسمي القرن 19م في تاريخ الفكر الإسلامي بأنه” عصر الاضطراب”؛ الاضطراب في كل شيء في الدولة وسلطانها، وفي المجتمع وتنظيماته، وفي الإنسان التائه بين الواقع الرديء، والمأمول الذي يبدو وكأنه لن يجيء، ظلمات بعضها فوق بعض (2).

كانت الدولة العثمانية هي الإطار الذي تلتقي في داخله هموم الأمة وطموحاتها، وكان الإسلام هو مصدر شرعيتها، وأساس ترابط شعوبها رغم تفرع انتماءاتهم، وتنوع لغاتهم وتباين تصوراتهم للمستقبل المنشود، وكانت الدول الأوربية تري في انكسار هذه الدولة فكراً وسياسة، هي الطريق الأوحد لإفساح الطريق أمامها في مجال حيوي لا حياة لها فيه إلا بتكسير عظام هذه الدولة وتدمير بنيتها الثقافية والسياسية والاجتماعية، وكانت فكرة الخلافة هي القلب الذي ينبغي إيقافه عن العمل، فنبضه يغذي حركة الصمود، فبقاء الخلافة يعني تراجع المشروع الغربي عن بلوغ غايته، وتلك خطوط حمراء في نظر دوله ومفكريه. لم تكن الفكرة دينية، وإن أفرزت تعصبا دينياً، واستخدمت من الجدل الطائفي ما يعزز أهدافها ويحقق مراكبها، كان الدين ملاذاً في أجواء الصراع؛ لأن فكرة رئيسية عند القديس "أوغسطين" كما هي فكرة جوهرية في مذاهب الإسلاميين (3).

وفي دراسة أكاديمية جادة بعنوان " الحرية والديمقراطية في خطاب الإسلام السياسي بعد التحولات الأخيرة في العالم العربي"، والذي قام بإعداده كل من الأستاذ "طارق حمو"، والأستاذ "صلاح  نيوف"،وقد نشر الكتاب ضمن مطبوعات مركز الكتاب الأكاديمي في عام 2014.

وتأتي هذه الدراسة لأحد أهم المرتكزات التجديدية للحركة الإسلامية المعاصرة، في إطار المحاولات المستمرة لتأصيل المفاهيم الإسلامية وبنائها – جزء من بناء خطاب سياسي إسلامي معاصر يتخذ أداة لرؤية الواقع وتحليله، كمقدمة لتطويره وإصلاحه، ورغم أن المفهوم يكاد يكون من بديهيات الفكر والتصور الإسلامي، كما أعاد طرحه “سيد قطب” في كتابه معالم علي الطريق، حين ميز بين ثلاثة مستويات للحاكمية: حاكمية الاعتقاد والتصور، وحاكمية الأعراف والتقاليد، وحاكمية التشريع، ورأي سيد قطب أن الحاكمية الإلهية هي الثورة الشاملة علي حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، إلا أن هذا المفهوم – وخصوصاً أبعاده العملية والسياسية تحديداً – ما زالت عرضه للخلاف والجدل الشديدين بين الفرقاء في الساحة السياسية، ولعل أحد الأسباب المهمة – وراء ذلك- أنها طرحت تاريخياً، وما زالت تطرح حاليا في إطار الصراع بين مجتمعاتنا الساعية لإبراز هويتها والانطلاق من مرجعيتها الإسلامية والأنظمة الحاكمة التي تفرض سياسات عملية تكرس التبعية والتغريب والعلمنة .. فكما أنه مفهوم فكري إسلامي أصيل إلا أنه في الوقت نفسه " أداة" من أدوات الصراع السياسي في المنطقة، ومن هنا كان الخلاف والجدل والتهم المتبادلة (4)، بين معظم لتيارات الإسلامية وبالأخص جماعات (الإسلام السياسي).

ولذلك نجد في مقدمة هذا الكتاب الذي بين أيدينا، أن الكاتبين يعولان علي فكرة هامة، وهي أن:” موضوع الإسلام السياسي يحتل في وقتنا الحالي أهمية كبيرة، وبتزايد الاهتمام به علي صعيد العالم العربي، وكذلك علي الصعيد الدولي العام . لقد شهدت السنوات الأخيرة أحداثاً كبيرة علي مستوي منطقة الشرق الأوسط والعالم، لعب فيها (الإسلام السياسي) وجماعاته دوراً كبيراً، واستقطبت هذه الأحداث اهتمام الحكومات في الشرق والغرب، وبدأت مراكز القرار والدراسات تبحث في هذا الموضوع، وهذه الظاهرة التي بدأت بالتطور والتوسع وإشغال الرأي العام، سيما بعد الهجمات الإرهابية التي وقعت في العديد من المناطق، وسجلت كلها علي حساب جماعات (الإسلام السياسي) من التي تدعي الجهاد ضد الغرب، زاعمة خدمة شريعة الإسلام ونصرة الدين (5).

ثم يؤكد المؤلفان بأنه بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 م تزايد الاهتمام بشكل كبير وملفت بظاهرة (الإسلام السياسي)، وصدرت دراسات وأبحاث كثيرة وبلغات عديدة حول الظاهرة وأصولها، خلفياتها، وتطوراتها المحتملة في المستقبل، ومدي خطورتها علي السلم والاستقرار الدوليين، ومن ثم كيفية التعامل معها والتصدي لانعكاساتها (6).

ويستطرد الكاتبان بأنه:" بعد اندلاع الانتفاضة التونسية نهاية 2010، ومن ثم بدأت التحولات السياسية في العديد من البلدان العربية، فيما عُرف لاحقاً بـ” الربيع العربي” أو ” الثورات العربية”، ورفع الشعوب المنتفضة لمطالب الديمقراطية والحرية، وبزوغ الأمل الكبير في إنهاء مرحلة الديكتاتورية وحكم الفرد والنظام الأوحد، وخلق دولة العدل والقانون، وطغيان الصوت الشبابي المطالب بالتغيير، تزايد الاهتمام بالمنطقة، وبدأ العالم يترقب عملية الانتخابات والتحول الديمقراطي، ما بعد الأنظمة القمعية في البلدان العربية التي أسقطت أنظمتها كتونس، وليبيا، ومصر. كان هناك ترقب لدور جماعات (الإسلام السياسي) ومراقبة خطابها الذي تماهي في المراحل الأولي من الانتفاضات مع مطالب عامة الشعب، حيث الشعارات المطالبة بالديمقراطية والحرية، وضرورة احترام هاتين القيمتين . وبدأ العالم يتساءل: هل ستطبق هذه الجماعات قيمة (الديمقراطية)، وهل ستحترم قيمة (الحرية) في حال أن تصدرت الحكم واستملت الإدارة، أم إنها ستتخلى عن هذه الشعارات التي نادت بها في مرحلة ما، لصالح الأسس الإيديولوجية والعقائدية التي بينت عليها: تحكيم الشريعة الإسلامية، وبناء دولة الخلافة وتمكن فكرة الحاكمية لله؟ "(7).

كذلك في هذا الكتاب حاول المؤلفان الإجابة علي هذا التساؤل، ومراقبة سياسة جماعات (الإسلام السياسي)  في البلدان العربية التي شهدت تحولات جذرية، بعد سقوط الأنظمة القديمة، حيث انطلقت عملية بناء جديدة، وانتخابات، أتاحت أيضا لجماعات (الإسلام السياسي) المشاركة بكل حرية، وقد تتبع المؤلفان خطاب هذه الجماعات منذ البداية مروراً بالمشاركة في الانتخابات وحتي تسلم بعضها السلطة، مثلما حصل في مصر، حيث تسلمت جماعة " الإخوان المسلمين" السلطة، بعد فوزها في الانتخابات، كما حاول المؤلفان رصد التغيير الذي طرأ علي خطاب هذه الجماعات، وبشكل خاص في مصر، حيث ركز المؤلفان علي النموذج المصري، كدولة، من مكانة مركزية في العالم (فهي أكبر بلد عربي)، وتأثيرها الواضح علي مجمل المشهد السياسي العربي والشرق أوسطي، فراقب المؤلفان خطاب " الإخوان المسلمين" والتحولات والتغييرات التي طرأت علي هذا الخطاب: فيما يخص احترام قيمتي (الحرية) و(الديمقراطية)، كما تتبع المؤلفان التجربة منذ اندلاع المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام وإلي أن تم الإطاحة بالإخوان عبر انقلاب المؤسسة العسكرية، ومن ثم قدم المؤلفان قراءة استشرافية لمستقبل بعد إزاحتهم عن الحكم في مصر.

ومن خلال تقديم تحليل لتجربة (الإسلام السياسي) فيما يخص احترام وتطبيق قيمتي (الحرية) و(الديمقراطية) في ما بعد التحولات الأخيرة في العالم العربي، قام المؤلفان بتتبع ظاهرة (الإسلام السياسي)  منذ البداية، وحاولا شرح الأسس النظرية والمرتكزات التي تقوم عليها جماعات (الإسلام السياسي)، ومن ثم التعامل السياسي مع التطورات والأحداث بعد التغييرات الكبيرة في العالم العربي ما بعد 2012. لقد حاول المؤلفان أن يقدما تعريفا بهذه الظاهرة وشرحا حول ظهورها والأسس والمرجعيات التي تقوم عليها، وإبراز رموزها، ومن ممارستها للسياسة وكيفية تفاعلها مع الأحداث والمجريات وعلاقاتها مع القوي المختلفة في الداخل والخارج . كان الهدف كما يؤكد المؤلفان هو تقديم دراسة جادة في هذا الحقل تجيب علي التساؤلات التي ظهرت فيما يخص موقف وسياسة (الإسلام السياسي) ما بعد التحولات الأخيرة في العالم العربي: وكيفية احترامها لكل من قيمتي (الحرية) و(الديمقراطية)، علي أمل تقديم شئ جديد وإضافة علمية في هذا الحقل(8).

وقد وضع المؤلفان هذا الكتاب الذي بين أيدينا في خانة تقديم إضافات جديدة للأبحاث الموجودة في حقل (الإسلام السياسي)؛ حيث يجتهد هذا الكتاب لتعريف (الإسلام السياسي) وشرحه والاجتهاد في كيفية التعامل معه في ضوء الحدث السياسي علي أرض الواقع، وهي محاولة كما يصفها المؤلفان متواضعة للإجابة علي بعض التساؤلات التي يطرحها المواطن العادي، وكذلك الباحث المنشغل حول (الإسلام السياسي) والمهموم بموقفه ومستقبله في منطقتنا: منطقة الشرق الوسط (9).

لقد شكل (الإسلام السياسي)  في نظر الكاتبان بمختلف جماعاته وأحزابه ظاهرة ملفتة باتت تؤثر في الأحداث والسياسات في منطقة الشرق الأوسط، وبدأت دوائر صنع القرار تهتم بالظاهرة وتجتهد من أجل معرفتها وكيفية التعامل معها في المستقبل، وبعد التحولات الأخيرة في العالم العربي تصدرت جماعات (الإسلام السياسي) الحسنة التنظيم، الواجهة وبدا أنها هي التي ستحكم في فترة ما بعد الأنظمة الفردية الشمولية . وكانت هذه الجماعات تبث للعالم الغربي، وكذلك للقوي السياسية في بلدانها، خطاباً معتدلاً في البداية، وتقول بأنها ستخترم قيمتي (الحرية) و(الديمقراطية) اللتين ناضل من أجلهما الشعب ؛ وبالأخص فئة الشباب . وقد تزايد الاهتمام بهذه الجماعات محليا ودولياً وكثر الطلب علي المعلومات والأبحاث التي تحلل ماهيتها وخطابها وتستشرف مستقبلها . ولأهمية هذه الجماعات ودورها في الحياة السياسية، واختبار مدي مصداقية شعاراتها في اخترام قيمتي (الحرية) و(الديمقراطية)، سيما وهي تتجه إلي الحكم، منفردة، أو مشاركة، فقد رأي الكاتبان من الأهمية بمكان التطرق لهذا الموضوع والبحث فيه ورصد تطوراته وفهم وماهية هذه الجماعات والفصل في خطابها السياسي (10).

ولاشك في أن موضوع هذه الدراسة هو من أهم المطارحات المعاصرة الجدلية ؛ لما تنطوي عليه من مبان دقيقة متشعبة المداخل والفروع، وما ترتب علي المغالطات في فهم "الحاكمية لله" وخلطها بالسياسي بعيداً عن الفكري والثقافي من آثار بالغة الخطر، أسهمت كثيراً في تشكيل جزء من مشهد العالم اليوم.

وقد أبدع المؤلفان في ترتيب الأفكار، وتسلسل المباني علي الوجه الذي يخدم مقولتهما مستخدمين في ذلك منهجان: المنهج التاريخي والمنهج الوصفي، فأما المنهج التاريخي: من أجل الاستدلال في تفسير الظاهرة السياسية والتي هي هنا (الإسلام السياسي) ، حيث يتتبع الكاتبان بدايات الظاهرة والأفكار التي أثرت فيها وساهمت في تبلورها التاريخي كظاهرة سياسية مشاركة ومؤثرة في الأحداث . والمنهج الوصفي: وذلك من خلال دراسة الظاهرة السياسية، كما هي، للوصول إلي فهم العلاقة بين هذه الظاهرة والظواهر الأخرى، ومن ثم متابعة التغيرات التي طرأت عليها، وتحليل طريقة عملها وتفاعلها مع التطورات، ومن استشراف مستقبلها وتعاملها الاتي وموقفها من التطورات المحتملة (11).. وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............

1- محمد كمال الدين إمام: الحاكمية والاعتدال الإسلامي: رؤية نقدية، الإحياء، الرابطة المحمدية للعلماء، ع 46,45، 2018، ص 87.

2- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

3-المرجع نفسه، ص 88.

4- هشام أحمد جعفر، وآخرون: الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية، المسلم المعاصر، جمعية المسلم المعاصر، المجلد 18، العدد 61، 62، 1994م، ص198.

5- الأستاذ طارق حمو والأستاذ صلاح علي نيوف: الحرية والديمقراطية في خطاب الإسلام السياسي بعد التحولات الأخيرة في العالم العربي، مطبوعات مركز الكتاب الأكاديمي، 2014، ص9.

6- المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

7- المصدر نفسه، ص 10.

8- المصدر نفسه، ص 11.

9-  المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

10-المصدر نفسه، ص 12.

11- المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

 

علجية عيشنقاد يطعنون في جهوده ويلصقون به اتهامات غير مقبولة

يبقى البحث عن النسخة الأصلية لمقدته ومكان وجودها

كثيرة هي الإنتقادات التي وجهت للمؤرخ عبد الرحمان ابن خلدون في مقدمته الشهيرة ذكرها أحد النقاد وهو الدكتور خالد كبير علال من جامعة الجزائر في كتاب له بعنوان: "أخطاء ابن خلدون في كتابه المقدمة" صدر عن دار الإمام مالك، معتمدا في ذلك على آراء مجموعة من النقاد الذين هاجموا ابن خلدون وقالوا ان ابن خلدون قد أخطأ في كتابته للتاريخ وآخرون قالوا أنه لم يكن مطلعا على الأخبار ربو الأحداث التاريخية، فنقدهم لإبن خلدون كان من أجل النقد أو الطعن إن صح القول في مسيرته، كما أن المطلع على أفكار ابن خلدون ونقله للأحداث التاريخية يقف على أن المقدمة الموجودة في سوق الكتب ليست هي النسخة الأصلية، بل هناك من أعاد طبعها وقام بشرحها او بتعديلها، والحقيقة أن مقدمة ابن خلدون تحتاج إلى قراءة متأنية وتحليل للوقوف على جوانبها الخفية ولماذا تعرضت للنقد، وهذا يتطلب البحث على النسخة الأصلية ومكان وجودها؟

هذا ما وقفنا عليه من خلال كتاب الدكتور خالد كبير علال من جامعة الجزائر والذي حمل عنوان: "أخطاء المؤرخ ابن خلدون في كتابه المقدمة" صدرت طبعته الأولى في 2005 عن دار الإمام مالك، الكتاب عبارة عن صراع أفكار بين أهل العلم من الحفاظ والمؤرخين والمتكلمين والنقاد، تمثلت في انتقادات ناقلي الأخبار التاريخية ومعارضيهم، وقد ركز صاجب المتاب على أخطاء ابن خلدون عندما قدم نماذج من الأخطاء في المقدمة وأكد قائلا: نحن نركز على أخطائه ومجازفاته دون صوابه وروائعه، لأننا خصصنا كتابنا هذا لأخطائه، لقد نقل صاحب الكتاب في الفصل الأول الذي تناول فيه أخطاء ابن خلدون في منهج النقد التاريخي ما تداوله النقاد من أفكار ابن خلدون وهذا يعيد القارئ إلى أول نقطة تطرق إليها في كتابه، عندما قارن ابن خلدون بين الخبر الشرعي والخبر البشري، وقال الكاتب أن مقارنة ابن خلدون غير صحيحة من حيث الأصل لأن الفوارق الموجودة بينهما هي فوارق جزئية، ويبقى علينا هنا ان نتساءل إن كان الخبر الشرعي هو ما جاء من أحاديث الرسول؟ أو القرآن؟ أم الإثنان معا؟، أم أنه ينحصر في باقي الكتب السماوية (الإنجيل، التوراة والزبور) أي العقائد؟، خاصة وأن هذه الأخيرة تعرضت هي الأخرى للنقد والتحريف.

الملاحظ أن مقدمة ابن خلدون تناولها كثير من الباحثين كلٌّ من زاويته الخاصة وهذا يدعوا إلى البحث عن النسخة الأصلية، في ظل غياب المصادر القديمة التي هي منعدمة في المكتبات العربية، يقول الدكتور خالد كبير علال أن ابن خلدون نقد طائفة من الروايات طبق عليها منهجه النقدي الذي عرضه في مقدمته، وإن وفق في ذلك إلا أن نقاد آخرين سبقوه إليها لم يشر هو إليهم (على حد قول صاحب الكتاب) وهذا يُعَدُّ إشارة إلى أن ابن خلدون نسب إليه روايات مؤرخين آخرين، وهذا يستلزم البحث والتدقيق للوقوف على الحقيقة، كما قال أن ابن خلدون بالغ كثيرا في الدعوة إلى الإعتماد على قانون المطابقة بين الروايات التاريخية والثابت من التاريخ والواقع الطبيعي فدعا إلى استخدامه كقانون طبيعي وأهمل الإسناد في النقد التاريخي، ويضيف بالقول أن ابن خلدون غاب عنه أن قانون المطابقة محدود ولا يصلح لتحقيق كثير من الأخبار التاريخية، فليس كل رواية ممكنة الحدوث بالضرورة أنها حدثت في الواقع، فقد تكون مكذوبة ومزوّرة، كما يرى أن كل روايات ابن خلدون مبالغ فيها وبالتالي فإن قانونه لا يوصل إلى التمييز بين الحق والباطل، وزعمه هذا فيه قدح بعلماء الحديث المحققين وإغفال لجهودهم الكبيرة.

كانت هذه أمثلة للعلماء النقاد الذين أدرجوا روايات حديثة وتاريخية في ممارستهم للنقد التاريخي، إسنادا ومتنا للرد على ابن خلدون في زعمه من أن المحدثين والمؤرخين المسلمين أهملوا النقد التاريخي واهتموا بنقد أسانيد الأحاديث على حساب متونها، ولنأخذ على سبيل المثال قصة الخليفة العباس المعتضد الذي طلب من بوران بنت الحسن بن سهل أن تسلم له دار الخلافة التي ورثتها عن أبيها فتنازلت له عنها وسلمتها له، لكن الخطيب البغدادي أنكر الخبر وقال أنه غير صحيح لأن بوران لم تعش إلى وقت الخليفة المعتضد، كون هذا الأخير تولى الخلافة سنة 279 هجرية وبوران توفيت سنة 271 هـ، ومحتمل أن تكون قد سلمتها للخليفة المعتمد وليس الخليفة المعتضد، فمعظم الروايات وصلت دون نقد او تمحيص لها، فما يرويه ابن كثير أن ما يرويه الناس من خرافات تحتاج إلى دراسات انتروبولوجية، خاصة وأن هذه الخرافات لا علاقة لها بمقدمة ابن خلدون، لأن مثل هذه الخرافات تأباها العقول.

2635 اخطاء ابن خلدون

رؤية ابن خلدون للسُنّة النبوية

الغريب أن خصوم ابن خلدون انتقدوا حتى مؤيديه ومن بينهم الباحث فاروق النبهان كما جاء في الصفحة 12، ويتضح أن الدكتور خالد كبير علال لا ينتقد ابن خلدون وحده بل حتى مؤيديه، وهذا يوحي بأن جميعهم (في نظره هو) أخطأوا في نقل الروايات التاريخية، وأن خصوم ابن خلدون أنبياء معصومون من الخطأ، خاصة في المسائل التي تتعلق بالسنة النبوية، حيث يرى ابن خلدون أنها تكليف إنشائي وليست أخبارا عن واقعة تاريخية، وهذه الرؤية الخلدونية في نظر هؤلاء النقاد غير صحيحة لأن الإنشاء هو نفسه خبر وحادثة تاريخية، في حين يرى البعض أن الحادثة التاريخية ليست إنشاء، لأنها تقع دائما بين طرفين متنازعيين، أما الإنشاء فهي أحيانا تكون في شكل أوامر وتوصيات كما نراه في أحاديث الرسول، وفي الصفحة 16 ينقل الكاتب ما دار بين المؤرخين من نقد وطعن في ما نقلوه من روايات، على غرار نقد ابن تيمية للمسعودي بأن تاريخه فيه أكاذيب كثيرة لا يحصيها إلا الله تعالى، كما ينتقد الكاتب الإمام الطبري عندما قال أن تاريخه مليئ بالأكاذيب والروايات الباطلة، لأنه رواها كما وصلته من "الكذابين" ولنتأمل هذه العبارة، من هم الكذابون الذين يتحدث عنهم صاحب الكتاب الذي قال عنهم بأنهم نالوا الإمامة المعتبرة في رواية التاريخ الإسلامي وتدوينه عن طريق الأكاذيب.

لا شك أنه يتكلم عن الشيعة بمختلف فرقها، الملاحظ أن الدكتور خالد كبير علال تراجع عن موقفه عندما استثني الطبري بأن يكون ضمن جماعة الكذابين بعدما قال أن تاريخه مليئ بالأكاذيب، لينتقل إلى نقد الشافعي والذهبي لروايات الواقدي حيث قال الإثنان عن الواقدي بأنه لا يعي ما يقول، وهذا يدعو إلى التشكيك في الحالة الصحية التي كان عليها الواقدي في تلك الفترة، الحقيقة أن الدكتور خالد كبير علال أراد أن يفتح النار على الشيعة ورُوّاتهم وعلمائهم تحت غطاء مقدمة ابن خلدون الشهيرة، حيث انتقدهم دون أن يستثني المعتدلين والوسطيين منهم، وكأنه يريد أن ينعت ابن خلدون بأنه شيعي او مُوَالٍ للشيعة قبل ان ينحرف عن العلويين كما جاء على لسان الدكتور خالد كبير علال، الذي كما يبدوا وقف إلى جانب المؤرخين من أهل السنة، حيث أراد أن يؤكد للقارئ أن في المؤرخين المتأخرين طائفة من كبار المحققين كانوا قمة في الذكاء والإجتهاد والتحرر والتحقيق والنقد والجرأة في الحق والزهد في الدنيا وعلى رأسهم ابن قيم الجوزية وابن تيمية والذهبي وابن كثير وهؤلاء كلهم ماتوا قبل ان يكتب ابن خلدون مقدمته وكانت لهم تحقيقات سبقوا بها ابن خلدون في مجال نقد الأخبار.

الملاحظ كذلك أن هناك أخبار لا تهم القارئ ولا حتى الباحث، لأنها لا تخدم البحث العلمي، فمثلا نجده في الصفحة 20 يتحدث عن المؤرخ ابن حزم الأندلسي (دون أن يذكر بأنه ظاهِرِيُّ المذهب)، عندما انتقد اليهود في رواياتهم للخرافات والأساطير وقالوا أن لحية فرعون يبلغ طولها 700 ذراع وأن طائرا باض وهو في السماء فوقعت البيضة على 13 مدينة فهدمتها كلها، فمثل هذه الروايات نقلت سياسة اليهود في تأليف الخرافات من أجل تضليل المسلمين، وهذه أخبار لا معنى لها ولا فائدة، ويبدو أن صاحب الكتاب لم يكن منصفا لإبن خلدون، فبينما نجده في الكتاب يتحدث عمن انتقدوا ابن الجوزي مقدما تبريرات من باب الدفاع عنه، مثلما نقرأ في الصفحة 21 عندما ذكر في الفقرة ما قبل الأخيرة عما قاله النقاد ومنهم ابن حجر العسقلاني بأن ابن الجوزي أخطأ فيما رواه عن مقتل المتكلم ثمامة بن الأشرس المعتزل، لكن صاحب الكتاب أراد أن يبعد هذه الشبهة على ابن الجوزي، وقال أن الخطأ الذي وقع فيه ابن الجوزي كان من باب السهو والغفلة والنسيان، وأن ابن الجوزي كان يتمتع بنزعة نقدية تمحيصية مثلما قال في ابن تيمية (في الصفحة 26) أن بعض ما قاله ابن تيمية صدر عنه غفلة وسهوا ونسيانا، لكن هذا الكلام لم يقله في ابن خلدون.

نفس الكلام قاله الدكتور خالد كبير علال عن المؤرخ الحافظ ابن كثير الذي قال أن قصة مقتل الحسين كذب، وأخبار مقتله باطلة لأن الشيعة الرافضة هم الذين وضعوها ولا يصح منها شيئ، كذلك الشان بالنسبة لقصة نهر النيل وكيف نبع ماءه من مكان مرتفع، في بعض الصفحات يعرض الدكتور خالد كبيرعلال روايات تؤرخ للصراع الذي دار بين الحكام قبل سقوط الخلافة الإسلامية مع تقديم أمثلة تطبيقية لنقد الأسانيد والمتون وقال أن الإهتمام بهما في غاية الأهمية، خاصة وأن طائفة من الحفاظ والنقاد والمؤرخين قد مارست النقد والتحقيق وطبقته على الروايات الحديثية والتاريخية، وقد قدم الكاتب في ذلك أزيد من 11 شهادة (من الصفحة 31 إلى الصفحة 61) عن روايات نقدها المؤرخون ومنهم الخطيب البغدادي، وكل رواية لها شهود، بعضها يتعلق بأهل البيت كالحديث عن قبور مكذوبة زوّرها الناس بدمشق، كقبر زوجة الرسول أم سلمة بنت أبي أمية، وقبر الصحابي أبي بن كعب وهي قبور غير موجودة في دمشق لأنهم لم يقدموا إليها، كذلك قبر الحسين بن علي بن ابي طالب والذي قيل أنه وجد بالقاهرة، وهذا عند ابن تيمية كذب وبهتان لأن الحسين قتل بكربلاء.

الملاحظ أن صاحب الكتاب لم يوضح جيدا موقف ابن كثير من موقف ابن تيمية في قضية مقتل الحسين وإن كانت السماء قد أمطرت حقا دمًا، لأن ابن كثير قال أن قصة مقتل الحسين كذب، في الوقت الذي أكد ابن تيمية أن مقتله كان بكربلاء، وهذا مايؤكد على وجود تناقض في روايات ابن كثير وابن تيمية، فلماذا إذن ينتقد الكاتب هنا ابن خلدون دون سواه؟ كذلك بالنسبة لغزوة السلسلة وهذه الأخيرة (السلسلة) الكلام فيها له شأن آخر، ثم قصة الإسراء والمعراج، وغيرها من الشهادات وعددها 11 شهادة، طبعا لا يسع المجال لذكرها في هذه الورقة كون كل شهادة تضم عدة روايات، وكل رواية لها شهود رواها مؤرخون ولم يذكر الكاتب أن ابن خلدون تطرق إليها ماعدا الثمان روايات التي تكلم عنها في الفصل الثاني.

ثمان روايات نقدها ابن خلدون

أما في الفصل الثاني ينتقد الدكتور أحمد كبير علال ثماني روايات نقدها ابن خلدون، كالحديث عن عدد جيش إسرائيل في زمن التيه وعدد أجيال جد بني إسرائيل يعقوب وموسى عليهما السلام الذي تحدث عنها المسعودي، إلا أنه في هذا الفصل يقف إلى جانب ابن خلدون حيث قال أن نقده صحيحا وفي محله وغاية في القوة، احتكم فيه إلى الإحصاء وعلم الأنسان ابن خلدون مطلع على هذا العلم)، وقال نقاد آخرون أن ابن خلدون له ذهن وقّاد وجاء بمحكمة منطقية وهذا بفضل اطلاعه الواسع فكان استخدامه للعامل الديمغرافي إلمامة وضّاءة في تاريخ الفكر الإنساني، من بين الروايات التي تحدث عنها ابن خلدون وانتقدها قصة مدينة إرم ذات العماد، وقال انها غير موجودة وأكد ذلك ابن كثير حينما قال أنها من خرافات الإسرائيليين، وقد اسهب الكاتب في تحليل قصة المدينة التي ورد ذكرها في سورة الفجر وخص لها خمس صفحات كاملة (من ص 66 إلى ص 70)، والشيئ نفسه بالنسبة لقصة بناء مدينة الإسكندرية ومدينة النحاس بصحراء سجلماسة حيث انتقد ابن خلدون المؤرخ المسعودي، واعتبرها ابن خلدون من خرافات القُصَّاصِ وغيرها من الروايات.

في الفصل الثالث قدم الدكتور أحمد كبير علال نماذج من الأخطاءالتي وردت في مقدمة ابن خلدون، ففي الأحاديث النبوية قال أن ابن خلدون لم يميز بين الأحاديث الصحيحة والأحاديث الضعيفة وقد اعتمد الكاتب على الأحاديث التي صححها الألباني دون تدقيق ولا تمحيص، وهذه مسألة تحتاج إلى إعادة نظر إذا قلنا أن عامة الناس وحتى بعض الفقهاء يعتبرون محمد ناصر الدين الألباني مصحح الأحاديث النبوية، بما فيها أحاديث الإمام مسلم وأبي هريرة والترمذي والبخاري، وهم من الأئمة الرواة المشهود لهم بالصدق والأمانة وأحاديثهم صحيحة، فكيف للألباني أن يُصَحِّحَهَا؟، بعدما أصبح العوام مقلدين متمذهبين لإمام من هؤلاء الأئمة الأربعة، وهذا لذهاب الإجتهاد وتشعب العلوم، هذا الكلام من وجهة نظر أحمد كبير علال خطأ وفيه مغالطات ومجازفات، أما أن يكون التمذهب قد اقتصر- كما يرى ابن خلدون- على طائفة معينة تمثلت في أهل العلم والسياسيين وليس عامة الناس، بسبب التعصب للأئمة وتشجيع الخلفاء والملوك المستبدين على التقليد كوسيلة لتجهيل المجتمعات شيئ فيه مغالطات ايضا، يبقى القول أن ابن خلدون كما جاء في الكتاب كان فعلا مخطئا ولا نقول سلبيا كما جاء في الكتاب في موقفه من العرب وسقوط الدول .

مقدمة ابن خلدون بين نقد أحمد كبير علال وشرح الإسكندراني

للتحقيق عدنا إلى نسخة من مقدمة ابن خلدون ضبطها وشرحها وقدمها الدكتور محمد الإسكندراني في كتابه بعنوان: "مقدمة ابن خلدون" صدرت طبعته في 2008 عن دار الكتاب العربي بيروت لبنان وفي فصله السادس والعشرون صفحة 148 "في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان اسرع إليها بالخراب" وقال شارح المقدمة أن السبب في ذلك أنهم أمة وحشية، اي متوحشة ويقصد في ذلك العرب وليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد، إنما همّهم ما يأخذونه من أموال الناس نهبا أو غرامة...الخ صفحة 149، وهم أكثر بداوة من سائر الأمم وأبعدهم عن سياسة الملك (صفحة 150)، ودون الدخول في التفاصيل، حسب الكاتب أحمد كبير علال فابن خلدون كانت أحكامه قاسية وغريبة في حق العرب لأنه أطلق على اسم العرب على العرب كلهم بدوا وحضرا معا، بحكم أن مصطلح العرب يشملهم جميعا، وأنهم لا يصلحون للملك بسبب توحشهم، مثلما جاء في الصفحات ( 91، 92، 93 و94 ) وقد قاد هذا المصطلح الناس إلى التيه لاسيما قضية التعمير وسقوط الدول.

و من باب الإنصاف قد لا يقف القارئ مع موقف ابن خلدون، عندما وصف العرب بالتوحش، خلصة وأنه عربي فكيف له أن يطعن في العرب، فكثير من الشعوب قادت حروبا استعملت فيها القوة والسلاح للتغلب على العدو، وبالتالي لا يحق وصفها بالتوحش إلا أنه وجب الإشارة هنا إلى أن فكرة الحرب تختلف عن الغزو أو الأعمال الوحشية حتى لا نقول الإرهابية مثل الأعمال التي قامت بها قبائل بنو هلال وبنو سليم والتي شملت تخريب كثير من مظاهر العمران في المغرب الإسلامي ، كما أن هذه الأعمال التخريبية لا تخص بنوهلال أو بنوسليم وحدهم بل هي موجودة في كل بدو العالم وقد قدم الكاتب أمثلة لقبائل بدوية متوحشة كقبائل المغول وقبائل الغجر، إلا أن الدكتور كبير علال في الجانب الآخر لم يتطرق في كتابة إلى موقف ابن خلدون من العصبية التي شرحها الدكتور الإسكندراني، الذي يمكن أن نقول أنه شرح مقدمة ابن خلدون من الزاوية التي يراها هو صائبة، ولا ندري إن كان هذا الكلام هو كلام ابن خلدون أم شارح المقدمة (الإسكندراني) أضافه من عنده ونسبه إلى ابن خلدون، كما لا يدري القارئ إن كان الإسكندراني قد أصاب في شرحه أو أخطأ أيضا، لأننا لم نلحظ في شرحه أيّ رواية من الروايات التي تطرق إليها المؤرخون والنقاد والمتكلمون والحفاظ كالجوزي وابن تيمية والخطيب وابن كثير وغيرهم، كما لا ندري إن كان الدكتور أحمد كبير علال قد اطلع على شارحي مقدمة ابن خلدون كما اطلع على ما تقدم به النقاد أم لا؟ .

أما ما جاء في الأحاديث فابن خلدون تحدث عن علوم الحديث وقال عنها أنها كثيرة ومتنوعة لأن منها ما ينظر إليه في ناسخه ومنسوخه، كما تحدث عن وجوب معرفة الناسخ والمنسوخ الذي يعتبر من أهم علوم الحديث واصعبها، خاصة وأن من علوم الأحاديث النظر في الأسانيد، ومعرفة الراوي للراوي الذي نقل عنه الرواية، فقد كان النبي يميز الناسخ من المنسوخ وعرفه اصحابه فعرفوه، واسباب النزول ومقاصد الآي (الايات)، وبالعودة إلى تصحيح الألبانس للأحاديث نعيد طرح السؤال كيف يصحح الألباني أحاديث الأئمة الأربعة وهي أحاديث صحيحة، إذا قلنا وكما جاء في المقدمة أن إسناد الحديث يقع من طرق متعددة عن رواة مختلفين وقد يقع الحديث في ابواب مختلفة باختلاف المعاني التي اشتمل عليها، خاصة وأن ألأئممة المجتهدين تفاتوا في الإكثار من هذه الصناعة، فليس كل ما ينقل هو حديث الرسول (عن رسول الله) فأبو حنيفة يقال أن روايته بلغت 17 حديثا، ومالك في كتاب الموطأ بلغت 300 حديثا، وابن حنبل في مسنده 50 ألف حديثا (ص 411 من شرح الإسكندراني للمقدمة).

السؤال الذي يمكن أن يطرح هنا هو: إن كان الدين يؤخذ عن أصوله الصحيحة، من الكتاب والسنة، فكيف يمكن للجمهور أن يثق في كل الأحاديث الصادرة والتي تناقلها الأئمة والرواة، أو يصدقونها ويعملون بها وفيها الصحيح وفيها الضعيف، وقد نقول فيها المُزَيَّفُ أيضا؟، ثم وجب أن نفرق بين القرّاء وبين الروّاة وهو ما لم يتطرق إليه الدكتور خالد كبير علال في كتابه، فابن خلدون كان حياديا في حديثه في علوم الحديث والفقه ولم يقف في صف جماعة أو طائفة دون أخرى عندما قال: فكتب الشيعة في بلادهم وحيث كانت دولتهم قائمة في المغرب والمشرق واليمن ولكل منهم كتب وتآليف وآراء في الفقه غريبة، وكما يقال: "لا يمكن نقل علم من الكتب من غير مفتاح المعلمين"، وقد فعل ذلك ابن حزم فصار إلى مذهب أهل الظاهر.

ابن خلدون والعلويون

نلاحظ أن الدكتور أحمد كبير علال أهمل جانبا مهما من نقده لمقدمة اين خلدون، فقد تحدث ابن خلدون عن مذاهب الشيعة في حكم "الإمامة"، واختلافهم في مساق الخلافة بعد موت عليّ، فمنهم من ساقها في ابنيه السبطين أي ولدي فاطمة، خاصة ما تعلق بالنصوص الجلية كقول النبي: "من كنت مولاه فعلي مولاه" وهو حديث أخرجه الترمذي في كتاب المناقب، أي أنه حديث صحيح ولا غبار عليه، كما لم يتطرق الدكتور أحمد كبير علال في نقده للمقدمة إلى موقف الشيعة من المهدي المنتظر خاصة الإثنا عشرية منهم وهم من غلاة الإمامية ولقبوا بعد ذلك بالواقفية، كما جاء في (الصفحة 192و 193) من شرح الإسكندراني للمقدمة، ما وقفنا عليه هو أن ابن خلدون تحدث عن الفرق الشيعية واختيار كل فرقة من يكون إمامها، بدءًا من الإثنا عشرية (الإمامية) التي ترى أن الإمام الثاني عشر هو محمد بن الحسن العسكري ويلقبونه بالمهدي.

كما تحدث عن الكيسانية التي حوّل أتباعها الإمامة من محمد بن الحنفية إلى ابنه ابي هاشم، ومنه سموا بالهاشمية قبل ان يفترقوا فمنهم من ساقها إلى أخيه علي بن ابي طالب ثم إلى ابنه الحسن، ثم تحدث عن الزيدية التي قالت بإمامة علي ثم ابنه الحسن ثم أخوه الحسين ثم ابنه زبد بن علي، كما ذكر ابن خلدون الإسماعيليين المعروف عنهم بالفاطميين، وقالوا بإمامة اسماعيل الإمام بالنص من ابيه جعفر، لكن الدكتور علال لم يذكر اسماء الفرق الشيعية عدا الإسماعيلية التي اتهمها بالكذب والضلالة، كما لا نجد في المقدمة دفاع ابن خلدون عنهم حتى لو كانوا على ضلالة كما قال هو (اي الد/ علال)، فابن خلدجون ةكما جاء في المقدمة دافع عن الحسين بن عي لما خرج إلى الكوفة لقتال يزيد.  من حهة أخرى يقول خالج كبير علال أن الرواية التي جاء بها ابن خلدون حول جعفر الصادق باطلة ويؤكد أن جعفر الصادق كان سنيا ومن علماء اهل السنة الثقات المشهورين ولم يكن رافضيا اسماعيليا ولا اثنا عشريا .

أما فيما يتعلق بعلم التصوف لم يذكر الإسكندراني في شرحه لمقدمة ابن خلدون بأن المتصوفة قوم بهاليل ومعتوهون وهم أشبه بالمجانين من العقلاء فمن اين جاء الدكتور خالد كبير علال بهذا الوصف في الصفحة 134 من كتابه؟ فالمتأخرين من المتصوفة المتكلمين توغلوا في البحث في الحقائق فذهب بعضهم إلى الحلول والوحدة كما وجدوه عند الهروي وابن العربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وغيرهم وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين حتى ظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب الذي لا يمكن لأحد أن يساويه في العلم والمعرفة، ما يمكن قوله هو أن صاحب الكتاب استعمل منهجا خاصا هو "نقد النقد"، حيث نقل نقد طائفة لطائفة من العلماء والمحدثين تختلف مذاهبهم وبالخصوص ابن حزم الذي يتبع المذهب الظاهري الذي تتجنبه غالبية المسلمين، تبقى بعض المسائل ليس لنا الحق الخوض فيها لأنها من اختصاص أهل العلم كالحديث عن علم الجرح والتعديل وما إلى ذلك.

 

قراءة وتعقيب علجية عيش

 

 

ابراهيم معروفمرجع اكاديمي وسوسيولوجي لاغنى عنه للعراقي الباحث عن هويته

بدءا يأخذك عنوان الكتاب الى السؤال المبهر (هل حقاَ مرّ على العراق قرن من الزمان ولم يقف على اقدامه ولو لفترة وجيزة طوال ذلك القرن لتكون له دولة وهوية خاصة به ؟".

 يبهرك العنوان المنطوي على التساؤل المؤلم " حتى متى نبقى نعيش وهمَ الدولة، ووهم الوطنية والانتماء والهوية!؟" حتى تكتشف من مراجعة أولية للعنوان بأنه حقاً يطوي بين دفتيه قرن من الاوهام  ليسجل العنوان أول نجاح في الاختيار.

الكتاب يعيدنا الى السؤال الاساسي في المنظومة التسلسلية لمقومات قيام الدولة التي بدأت خطواتها في أعقاب تفتت الامبراطورية العثمانية وسعي الشعوب الباحثة عن هويتها وانتمائها الى تحديد كياناتها الخاصة بمقوماتها المشتركة من أين كانت البداية .

في تسلسل الكتاب وفهرسه المفيد تجد سياقاً أكاديمياً لإعادة تشكيل حجرات البناء التوعوي لمجموعة المفاهيم التي يتصدى لها الكتاب . تسلسلاً أكاديمياً وسوسيولوجياً متناغماً مع السياقات التاريخية لتشيوء الدولة ،وكأن الكتاب والكاتب أرادا أن يشركا -على مدى قرن كامل - أجيالا من العراقيين بمسؤولية البحث عن الاجابات التي يطرحها الكتاب على أنها أوهام تستدعي قدح مساحة الوعي وتحمل شرارات الاجابات الصادمة .

ذلك ليس فقط للعراقيين في الداخل  ،حيث وجد العراق وتعرض لكل العاديات خلال قرن من الزمان ، بل للعراقيين في الخارج أيضا الذين يصارعون موضوعة الهوية والانتماء والمواطنة بين قوميات وشعوب وجنسيات وانتماءات تستدعي منهم التسلح جيدا بدريئة من القيم والمفاهيم الباحثة عن تشكيل وتبلور كياناً لم تتحدد صورته وبدت كأوهام تعشعش في مخيلة العقل ولاتجد لها استجابة في الواقع ترى نقائضها من انتماءات بالعنوان وعلى البطاقات الشخصية ولكنها ليست كهذه وتلك في الممارسات الواقعية ، واللافت أنها آخذة في التوسع أفقياً في انخراط تجمعات بشرية واسعة في اللاوعي لمفاهيم الوطن والهوية والانتماء والولاء وعمودياً تنخر عمود الدولة الذي يسعى الى التبلور ضمن عوارض وويلات لاتدع له فرصة التكون للحفاظ على ميكانيزم التطور والتبلور المعبر عن ذاته.

2633 عبد الحسين الطائيفي بدء تشكيل الوعي للتساؤلات التي يطرحها الكتاب كمقومات يساعدك المؤلف في الفهم الاكاديمي للدولة ونشأتها إذ لايمكن مناقشة المفاهيم اللاحقة بدون الحديث عن ماهية الدولة وتحليلها ودراسة النظريات التي تشرح مفهوم الدولة ومكوناتها حسب آراء المفكرين والباحثين الذي قرأ المؤلف جهدهم وتحليلهم وأورد ما يتفق مع المقومات الاساسية لذلك كان الفصل الاول المخصص لنشأة الدولة ومفهومها قد استهل به فصول الكتاب الاربعة ضمن هذه الضرورة المنطقية في التسلسل المعرفي، تضمن العديد من المباحث والمقاربات التي تضع بين أيدي القاريء والاكاديمي والطالب وحتى رجل الشارع البسيط منهجاً علمياً يؤسس لقواعد النقاش والحوار بين الذات والذات أولاً وبين القارئ المتابع والمحاور ثانياً ، فهو ينحى في هذا الفصل وفي مجمل الكتاب منحى تربوياً أكاديمياً بالتوازي مع التحليل السوسيولوجي لعملية الوهم في التطبيق وذلك لتسليح القارئ بتلك المفاهيم وايضاً لمأسسة النقاش وتوفير مفرداته ومفاهيمه كمنهج للتخاطب والتحاور والتساؤل الذاتي، لتجد بحوثاً في مقومات الدولة واركانها يحددها الكاتب بالشعب والاقليم والارادة والسلطة لمفكرين كبارومؤلفين وضع كتبهم وبحوثهم ونظرياتهم رهن الباحث الساعي للاستزادة والتعلم، بالاضافة الى توضيح العلاقة المتناقضة بين قوة الدولة وقوة المجتمع ومدى تبادل أدوار التحكم بناء على قوة احدهما على حساب الاخر، مستطرداً في تعريفه لنوع السلطة ومكوناتها التشريعية والقضائية والتنفيذية ، وصولاً الى اشكال تلك السلطة ونوعيتها وبروز مفاهيم الدولة المدنية والدينية منذ تأسيسها عام 1921 متتبعاً ذلك تاريخياً في التجارب التي سعت الى بناء الدولة العراقية و مسقطا ذلك على واقعنا الحالي  وبالتحديد من دستور عام 2005 الذي تسعى السلطة الى بناء ذاتها في حالة اقرب للوهم منه للواقع المطلوب. إذ كانت النتيجة بعد ذلك وبالذات بعد تجربة الاحتلال مؤسية وعكس المبتغى نجم عنها تفتيت الدولة وتفتيت المجتمع وبروز مقومات وانتماءات ضيقة على حساب العباءة الكلية للانتماء ليبرز وهم الدولة كحلم يدور في الذات اكثر منه في الواقع.

وضمن نفس التسلسل الجدلي يأتي الفصل الثاني مفصلا موضوعة المواطنة والمواطنة متتبعا تسلسلا تاريخيا لفهم الموضوع منذ بدايات التاريخ الاسلامي مشيرا الى وثيقة المدينة التي اسست لمجتمع مدني عنوانه البناء وضمن حقوق المواطن دون تسمية للمواطنة حينها، وحتى عصرنا الحاضر مع المتابعة المتأنية لمدى اسقاطات تأسيس الدولة العراقية على موضوعة المواطنة  ومعاييرها السياسية والثقافية ومدى قدرتها على تـآكيد وتخليق مساحة جديدة من التوحد الوطني ، ويفرد الكاتب صفحات وافية تعكس مدى تطور وتكرس مفهوم المواطنة في الدساتير التي جهد باحثا عن فقرات تؤكد تلك المواطنة على ورق الدساتير دون ان يكون لها صدى في الواقع في ظل سيطرة القيادات السلطوية على الدولة .

خالصا الى نتيجة مهمة في تطور مفهوم المواطنة مرتبط عضويا بتطور الثقافة مابين وعي الصفوة ووعي الجماهير ومدى القدرة على تحقيق دور السلطة وحقوق المواطنة وايضا وهو المهم المواطنة المبنية على الحرية والمساواة.

وبموازاة هذا يتتبع الكاتب بتأن شديد منظور العلاقة المتناقضة والتناحرية في تأسيس التجربة العراقية مابين الموروث الاقطاعي العشائري وبين اسس قيام التركيبة البشرية الجديدة القائمة على العمل والاستثمار متفقا في تتبعه السيسيولوجي وثيقة الملك فيصل الاول وكذلك الجهود القيمة لحنا بطاطو ود علي الوردي وعدد من الباحثين التي تتفق جميعا في ان العراقيين مجموعةتكتلات بشرية خالية من فكرة الوطنية.

يستمر الكاتب في نفس السياق مستعرضا المتغيرات المجتمعية ما بعد التغيير في 2003

التي انتجت الطائفية والتمييز على نحو واضح مدعوم من قوى جديدة تجمعها المصالح الضيقة في محاولة بائسة لاحلال ظاهرة التعصب الديني والمذهبي والقومي بددلا من المواطنة وهي الغطاء الضامن لكل الانتماءات والمعتقدات ولكن ليس على حساب وظيفة ومسؤولية المواطنة.

وفي جو من هذا التخبط في البحث عن غطاء فكري وايديولوجي يأتي الفصل الثالث مفصلا موضوعة الهوية بضم الهاء والذي افرد له الباحث جهدا لغويا لتحليل المفهوم أولا قبل البدء به مستعرضا تطور المفهوم تاريخيا لدى المفكرين ومحللا عناصر الهوية الخاصة المتمثلة بالعناصر المادية الفيزيائية وكذلك العناصر التاريخية بابعادها النفسية والاجتماعية  وبموازاة نظريات متعددة بعضها يعطي للجانب الوطني الاولية والاخر للجانب الاجتماعي أو الثقافي او الافتراض لكي يقودك الكاتب الى ضبابية المشهد الباحث عن الهوية العراقية والحاجة الى تأكيدها واحيائها في الذات اولا ضمن واقع عولمي متغير ومتسارع تضغطه المصالح المادية الكبرى وعلاقات الدول والشركات لتجد ان  الانتماء للهويات الفرعية والارث القديم يشكل ذلك الكابح المتقاطع سلبيا مع جهود تأكيد الهوية الوطنية.

وضمن ضبابية المشهد وصراعاته الاجتماعية يفرد الكاتب بحثا سوسيولجيا مهما في الفصل الرابع لثنائية الانتماء والولاء مبرزا الفوارق مابينهما وبالتوازي مع مفهوم المواطنة والانتماء، وعلاقة ذلك بموضوع الجنسية والجدلية القائمة لتحليل وتأكيد أيهما الارجح في الانتماء

وكخلاصة للكتاب الذي يقع في اكثر من ثلاثمائة وخمسون صفحة من القطع المتوسط اشرف على طباعته دار لندن للطباعة والنشر بغلاف جميل ومعبر عن شريط هذا القرن المزدحم بالاوهام ، يشكل بنظر مرجعا معرفيا واكاديميا مهما للانسان العراقي أولا لمراجعة قاموسه الشخصي من المفاهيم التي يطرحها الكتاب ويقيه من الامية السياسية السوسيولوجية ، كما أن حاجة الطالب والاكاديمي للكتاب ولاكثر من مائة مرجع ودورية وموقع استعان بها الكاتب بجهده المتأني والدقيق يشكل بحد ذاته مرجعاً مهما للبحوث القادمة سواء اكاديميا او معرفياً ، وفوق ذلك يؤكد الكتاب حقيقة مهمة اشار لها الكاتب في مقدمته الرائعة بأننا لسنا فقط كجيل أول يتصدى لتلك الموضوعا فحفيدة الكاتب التي ولدت في مجتمع غربي ودرست في مدارس بريطانيا وجدت في لغتها الأم واهتمام اسرتها بها لصقل تلك اللغة وجدت كل تلك الامكانية الرائعة لترجمة مقدمة الكتاب مؤكدة ان الجيل الثالث سيواصل مهمة البحث عن الهوية والانتماء الوطني وليس فقط جيلنا الثاني فمبروك لها هذا الاختيار والاهتمام والتمكن، وحسنا فعل المؤلف بدفع مخطوطته لها للاطلاع عليها.

 

عرض: ابراهيم معروف

 

خالد جودة احمدمتعة حصدتها في المطالعة لعدة ساعات متواصلة في كتاب (المريد - في صحبة عبد الحليم عويس) للكاتب د. وليد كساب، وأعتقد أن القارئ يجد مثل هذه المتعة في كل مرة يطالع فيها الكتاب، ويمكن حينها تصنيفه باطمئنان في خانة (كتب النفس الواحد)

وإذا كان الحديث عن (الثيمة) أنها الموضوع الاساسى الذى يدور حوله النص الأدبي أو كما يذكر د. زكى محمد عبدالله: (الثيمة الفلسفة التى يريد الكاتب أن يقدمها إلي القارئ فالثيمة هى المفتاح الذى يوصل الشرارة الكهربية إلي محرك السيارة فيدور)، وبراعة الكاتب في استخدام الفن ﻹذابة (الثيمة) في المادة القصصية فيحتسيها القارئ هنيئا مرئيا وقد تمثلت روحة غذاء المعنى والقيمة مجسدة في تلك (الثيمة)، وثيمة هذا الكتاب الشيق تتجسد أنه مصباح الحكيم في البحث عن اﻹنسان. يتحدث المريد عن شيخه ص 48: (ها أنذا من بعدك أغدو في الطرقات والسبل .. / أفتش عن وجهك في كل الوجوه وأبحث عن ذاتي في ذاتك ... / أبحث .. عن إنسان)، وجعلها أيضًا كلمة النهاية، في نصه المؤثر برحيل المعلم: (... ساعات ولبي النداء .. رحل الشيخ، وترك المريد.. تركه.. يبحث .. عن إنسان)

والكتاب جاد وطريف أيضًا، يقطن موطنًا بين حدي السيرة الذاتية والغيرية والحكي بأسلوب قصصي ممتع،  ويذكرنا بسفر دكتورة بنت الشاطئ النفيس (علي الجسر – بين الحياة والموت)، حيث السيرة الذاتية ممزوجة بالسيرة الغيرية ومقتصرة علي حدودها، وهذا دال موضوعي علي الأثر الذي تركه المعلم في المريد، لذلك كان التوفيق في إصابة العنوان الرئيس (المريد – بصحبة عبدالحليم عويس) للمتن الحكائي جميعًا.

كانت قدرة الراوى الذاتي هنا في حشد التفاصيل المنوعة الموحية والممتعة والراقية في عشرات الموضوعات، لكن بكلمات دقيقة مختصرة، لدرجة أرى معها أن هذا السفر ملخصا موجزا يمكن بسطه في صفحات كثيرة أخرى لملامح من سيرة المعلم والمريد معا، وتقديم خصال نفسية لهما معا، وترجمة ذكية للعالم الجليل في سجل اجتماعى طريف، وفوائد يتعلمها القارئ -والأدب كما يرى برناردشو يجب ولا مفر له من أن يكون تعليميا- حول الجدية والاخلاص والاجتهاد والجهاد الفكرى الكبير، وقران العلم بالعمل وقطوف من فكر الراحل الكريم. نموذجًا: يقدم مثالا راقيًا حول سمة "الجدية" في حياة المعلم للمعتبر، يقول المريد ص 28 و 29 "بتصرف": (عشق الرجل للعمل ليس له نظير .. / هكذا كنا.. نصل الليل بالنهار بين صفحات الكتب والمراجع.. / يثير مني مواطن العجب في شخصية الدكتور عويس، أنه كان يطلب أن أوقظه بعد نصف ساعة أو ساعة علي الأكثر، وكثيرًا ما كنت أشفق عليه فأتركه حتي يستريح لعلمي أنه لم ينم، فيصحو مرتاعًا وكأنما لدغته حية، ثم يصيح قائلا: يا أخي الله يهديك، بقولك صحيني بعد نص ساعة تسيبني نايم ساعة بحالها. إن ساعة واحدة لا تكفيني لاستدعاء النوم نفسه، فكيف له أن ينام هذا الوقت الوجيز، فتقر به نفسه؟! / يستغل كل لحظة من حياته، إما بالقراءة أو بالكتابة، أو بالمراجعة، أو ما عدا ذلك من شئون الفكر). وفي موطن آخر من الكتاب الشهي ص 143، يصف كيف كان الراحل الكريم يكتب ويقرأ حتي في سرير المرض وفي المشافي: (فقد كان –رحمه الله- معنيًا بالقراءة والكتابة حتى الساعات الأخيرة من حياته)

فالكتاب يقدم ترجمة صادقة للعالم أستاذ التاريخ والحضارة د. عبدالحليم عويس، من خلال رفد المعلومات  في ثنايا الحكى الشائق، فعن موسوعية المعلم يتحدث المريد: (عجيب استيعابه للأحداث والوقائع التاريخية وإحاطته بجوانب عديدة من العلوم الإسلامية الأخرى كالفقه والتفسير والفلسفة ... إلخ. كان أسلوبه في الكلام شائقًا جذابًا).

ويقدم المريد في كتابه نوافذ مضيئة من كلمات نيرة عبر عتبات نصية يقدمها بين يدي كل قطعة سردية من الكتاب، ينتقيها بعناية، بحيث تنسجم مع المعطي الفكري لتلك الكتلة النصية من الكتاب، بل كان اختيار اللغة مقصودًا ليماثلها، ففي قصته الطريفه المعنونة (عريس رغم أنفي)  حيث يسعي المعلم بديكتاتوريته الشفوقة –كما جسد الحكي- لتزويج تلميذه دون ترحيب أو إرادة منه، وفي إصرار ومثابرة، انتقى لها الكاتب عتبة نصية بالعامية من كلام المعلم: (سيبك من المثل بتاع امشي في جنازة ولا تمشيش في جوازة.. أنا شخصيًا بمشي في الاثنين!)، أما عتبات الكتل النصية الأخرى فتجسد أثر المعلم في فكر المريد ورؤيته لدور التاريخ وفلسفته في رعاية المستقبل، منها:

* ص 34: (فهل رأيتم دينًا وحضارة علي هذا المستوي من تقدير الحياة والإنسان؟!)

* ص 93: (وكم في حضارتنا من صور رائعة يرتفع فيها المخلصون المتواضعون إلى درجة ملائكية مع علمهم وفضلهم ..)

* ص 15: (أما الذين يحاولون صنع الإنسان أو صنع حضارة، فلهم طريق آخر، كريم ونظيف. ع ع)

كما تمتع الكتاب بالظل الفكه والروح التواقة المرحة، وهي من الأمور المحبوبة للقراء، وشواهد الكتاب كثر في هذا الشأن، منها:

* في حديث الكاتب حول ما يبديه العريس في اللقاء الأول بخطيبته، وكيف يبدي: (تلطفًا، ويجتهد في إخفاء معايبه  فيبدو صحابيًا متسللا إلى زماننا) ص 80

* في حكيه عن موقفه من إصرار المعلم شراء المريد للهاتف الجوال، وكيف حسم الكاتب أمره أنه يتمثل مذهب الدكتور أحمد كمال أبوالمجد، الذي لا يقتني جوالًا، فلما سأله قال: (لا أحمله، فالشيطان ينصرف بالاستعاذة منه، أما هذا الجهاز فلن تجدي معه الاستعاذة ولا الأدعية المأثورة والمنثورة) ص 42، ثم أن مصنف الكتاب لاحقًا يقتني جوالًا، ونحن معه فقد أصبح ضرورة لا غني عنها، وإن كان يعامله بالمذهب الأثير، فيجب ألا يستعمل الجوال إلا في المختصر المفيد.

* ويقدم الكاتب -علي اختصار الكتاب- صورًا طريفة وراقية من العطاء والكرم الحاتمي للدكتور عويس، وكيف كان داره محلا للوافدين والطالبين للمعونة، وكيف كانت ولائمه العامرة والتي يستقدم لها الضيوف "يجلبهم من داخل القاهرة وخارجها فرحًا بما يصنع" بتعبير الكتاب ص 55، وكيف لا يحب الطعام باردأ وهو ما يعني عنده أنه دون درجة الغليان، وفي موطن آخر من الكتاب كيف كان يعيد الطبق الواحد لتسخينه عدة مرات. ولا يجدي الضيف توسلا أو اعتذارا، يصف الكاتب كيف كان: (كانت ديكتاتورية الرجل في إطعام الطعام لا توصف. ديكتاتورية ما أحلاها!) ص 57

وكان الكتاب في سمته من التكثيف والإيجاز كاشفًا لنظرات نفسية واجتماعية، ودقيقًا في التعبير عنها، مستعملا اللغة والمفردات التي توافق السياق، يقدم صورًا باذخة للزهد والبذل والعطاء والكرم ومحبة العلم والفكر، وتقدير النماذج الإنسانية رفيعة المستوي "الإنسان" المقصود، حتي يشعر القارئ بالفقد لغياب أمثالها في واقعنا المعاصر، نموذجًا في رثائه لزوجته الأولي وما لها من خصال: (فقد قال بأسي: "كانت –رحمها الله- أكرم مني على أهلي") ص 126. والعالم الفذ بحيرات منابعه من حياته الأسرية النابهة، فيحكي المريد كيف كان المعلم يقطع المسافات للإصلاح بين الزوجين وتبصير الزوجة والزوج بتقصيرهما، ويتواصل مع مريديه وزوجاتهم ويحث على تلقي شكواهم، ويمنحهم أرقام هواتفه: (ويري أن ذلك أفضل من شكوي المرأة لأهلها.. فكم من زيجة انفرط عقدها بسبب رعونة الأهل وتعنتهم) ص 97.

وتظل اللغة فارسًا في الحكي، حيث يلتهم القارئ وجبة المريد بملحها الرشيق من اللغة السهلة الدقيقة، ورعاية المفردات الموجزة الموحية،  بل بيان موقفا سياسيا كاملا في مفردة واحدة فقط (الثورة الحقيقية) وهذه الدقة البالغة  يدل على ذكاء في الكتابة ومنظومة قيم طيبة ترشد الكتابة وتهدى سبلها.

 

خالد جودة أحمد