إن النقد الادبي عند العرب نشأ عربياً؛ لأن أساس كل نقد هو الذوق الشخصي، تدعمه ملكة تحصل في النفس بدون ممارسة الآثار الأدبية، فلقد وجِدَ النقد الأدبي بصورته الأولى بعد أول مقطوعة شعرية قالها العرب، أي أنه كان ملازماً للشعر،متواجداً بتواجده، متطوراً بتطوره وأن الشعر يثير أنواعاً خاصة من الانفعالات، ومن المؤكد أن تكون هناك استجابات لهذا الانفعال في جانبين سلبي وايجابي،تحكم على الشعر لترفع مستواه، وجعله قابلاً للتدوين والاعجاب. وإن النقد الأدبي توطد واستقر في عهد الطبقات الأولى من اللغويين، عُرفت له مقاييس واصول، وهو ذلك النقد الذي تدعمه اسس نظرية او تطبيقية عامة وقد استعنت ببعض النماذج لمراجع نقدية قديمة، لأنها تساعد قارئ الادب على التواصل مع النص وفهمه، وتعينه على تذوقه واكتشاف جوانب الابداع فيه ويغرس فيه الاحساس بالجمال . ومن اهم تلك المراجع:

أولاـ الشعر والشعراء لابن قتيبة:

1ـ تعريف الكاتب:

هـو محمـد عبـد االله بـن مسـلم بـن قتيبـة الكـوفي الملقـب بالـدينوري نسـبة إلى دينـور الـتي ولي قضـاءها، ولـد في بغـداد وسكن في الكوفة وكان إماما من أئمة الأدب، وفقيها ومحدثا ومؤرخا، قصد البصرة واتصـل بالجـاحظ ثم انتقـل إلى بغـداد وتـوفي فيهـا سـنة (276 هــ / 889م)،" كـان صـادقا في مـا يرويـه، عالمـا باللغـة والنحـو وغريـب القـرآن ومعانيـه والشـعر والفقـه،وكثـير التصنيف والتأليف .

لـه تصـانيف ممتعـة ومفيـدة، تناولت معـارف أهـل زمانـه، قـد حـذا فيهـا حـذو المـبرزين مـن معاصـريه أمثـال: الجـاحظ وأبي حنيفـة الـدينوري، وكان هـم هـؤلاء أن يجعلـوا اللغـة والشـعر والأخبـار في متنـاول الكتـاب،الـذين بـدأ يـذيع صـيتهم ويعلـو شـأنهم إبـان دولة بني العباس .

لم يقتصـر دور ابـن قتيبـة علـى جملـة مـن التصـانيف الأدبيـة واللغويـة الـتي وضـعها والـتي أسـهمت إلى حـد بعيـد في إنمـاء المكتبـة العربيـة وإغنائهـا، بـل كـان مـن المـدافعين عـن السـنة والكتـاب ضـد النزاعـات الفلسـفية والتيـارات الفكريـة الـتي عرفـت في عصره،فاتهمه البعض بالزندقة شأن المارقين في كل عصر المتنطحين للقلة من الأضداد .

ولابـن قتيبـة آثـار كثـيرة قيـل أنهـا ثـلاث مئـة كتـاب في شـتى الموضـوعات منهـا كتـاب " معـاني الشـعر الكبـير" وكتـاب " عيـون الشـعر " وكتـاب " المعـارف " وكتـاب " أدب الكاتـب" كتـاب " الخيـل " وكتـاب " خلـق الإنسـان " وكتـاب " الأشـرية" ... الخ

2ـ تعريف الكتاب:

هـذا الكتـاب مـن مصـادر الأدب الأولى،وممـا أبقـي لنـا حـدثان الـدهر مـن آثـار أئمتنـا الأقـدمين، ألفـه إمـام ثقـة حجـة من أوعية العلم. تناول فيه ابن قتيبة المشهورين من الشعراء فأورد أخبارهم وما يستجاد من شعرهم وما أخذته علـيهم العلمـاء من الغلط والخطأ في ألفـاظهم أو معـانيهم... وكـذلك الـذين يقـع الاحتجـاج بأشـعارهم في الغريـب، وفي النحـو، وفي كتـاب الله (عز وجل) وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

. وهـذا الـذي قصـد إليـه:" ذكـره وكسـد شعــره، وكــان لا يعرفـه إلا بعـض الخواص،فأمـا أقـل مـا ّ فأمــا مـن خفـي اسمــه، وقــل ذكـرت مـن هـذه الطبقـة إذا كنـت لا أعـرف مـنهم إلا القليـل، ولا أعـرف لـذلك القليـل أيضـا أخبـارا " كمـا قـال هـو في ّ خطبة كتابه، وقدم له بمقدمة تنطوي على أبواب في أقسام الشعر، وعيوب الشعر، والإقواء والأكفاء،والعين في الإعراب وأوائل الشعر .

ثانياـ طبقات الشعراء لابن معتز

1ـ التعريف بالكاتب:

أبو العباس عبد االله بن المعتز بـن المتوكـل بـن المعتصـم بـن هـارون الرشـيد مـن الخلفـاء العباسـيين ولـد في سـامرا ولا تعـرف سـنة ميلاده معرفة ثابتة والأرجح كـان سـنة 247 هـ وقـد انصـرف منـذ حداثتـه إلى الدراسـات الأدبيـة فتخـرج علـى جماعـة مـن العلمـاء، نذكر منهم المبرد النحوي البصري والأديب المشهور وأبا العباس ثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغـة فكـان ابـن المعتـز مـن الطبقـة ّ المثقفـة ,إن لم تكـن ثقافتـه عميقـة وقـد نظـم الشـعر وهـو في نحـو الثالثـة عشـرة مـن عمـره قتـل ابـن المعتـز سـنة 296 ه بعـد أن اضـطرب علـى خليفـة المقتـدر وعسـكره وبـايعوه بخلافـة ثم عـادوا مـذعنين للمقتـدر، ولم يهنـأ ابـن معتـز بلقـب الخليفـة إلا يومـا أو بعض يوم، فتفرق الناس عنه وقضي عليه خنقا .

وقد أسـلمت المدرسـة البيانيـة في الحكـم والأدب وفي تذوقـه زعامتهـا إلى ابـن المعتـز الـذي ربي في ظـلال النعمـة والحسـب المنيـع وهـو أديـب وشـاعر ذو عاطفـة جياشـة وحـس مرهـف فجـرى أثـر تلـك النعمـة وبـدأ الفـن في أروع صـوره وأجمـل معانيـه وأعـذب 1 فنونه في شعره الذي كان لا يسوغه رغبا ولا رهبا .

2ـ مؤلفات ابن المعتز:

ذ كر أصحاب الكتب التي فيها ترجمة له أن له عدة مؤلفات منها: - كتاب الزهر والرياض - كتاب البديع - مكاتبات الأخوان بالشعر - كتاب الجوارح والصيد - كتاب أشعار الملوك - كتاب الآداب - كتاب على الأخبار - كتاب طبقات الشعراء - كتاب الجامع في الغناء - كتاب في أرجوزة في ذم الصبوح - كتاب السرقات .

3ـ تعريف الكتاب:

طبقـات الشـعراء لابـن المعتـز مـن أهـم الكتـب الـتي وجـدت في تراثنـا الأدبي الرائـع،يعرض ألوانـا مـن الشـعر لطائفـة مـن شعراء الدولة العباسية،ويجمع أشتاتا من أخبارهم ونوادرهم ومالهم من علاقات وصلات . وقـد أصـطلح الأدبـاء علـى أن ينعتـوا الشـعراء العباسـيين بلفـظ المحـدثين ولم يكـن ابـن المعتـز أول مـن افـرد تأليفـا عـن المحدثين وحدهم بل وسـبقه على الاقل استاذه المبرد في كتاب له اسمه الروضة، وسبقه هـارون بـن علـي المـنجم في كتـاب اسمه البارع . يذكر ابن المعتز أن الناس في زمانه كانوا يهتمون بأشعار المحدثين وأخبارهم . وقـد أوجـز فيمـا اشـتهر في عهـده وقصـر اهتمامـه علـى القصـائد والأخبـار الخاصـة بمعرفتهـا ولهـذا كـان كتابـه مـن أعظـم المصادر التي لا يستغنى عنها مـؤرخ أو أديـب ولا نجـد في غـيره مـا اشـتمل عليـه إنـه أثبـت أشـعارا تزيـد عـن ألـف وخمسـمائة بيـت لا توجد في كتاب سواه، لهذا كان تقويم ما صنف منها من أعسر الأمور .

ثالثا:ـ العمدة لابن رشيق:

التعريف بصاحب الكاتب: هو أبو علي الحسن ابن رشيق القيرواني الأزدي، ولد في نهايات القرن الرابع الهجـري في مدينـة (المحمديـة في) المغـرب العربي وكان ذا ميول أدبية فاتحة إلى القراءة، ورغب في الاستزادة مـن علـوم اللغـة والأدب، فرحـل إلى القـيروان ولمـا بلـغ السـابعة عشر، اتصل ثمة بالمعز بن باديس وابنة تيمة وأهل العلم والأدب فاشتهر أمره ونبه ذكره . تتلمذ علي يد أشهر علماء عصره كالقزاز النحوي صاحب (الضرار الشعرية) وعبد الكريم النهشلي صاحب (الممتع في علم الشعر وعمله) وغيرهمـا تـوفي رحمـه االله غـرة ذي القعـدة سـنة 456 هـ عـن سـت وستين سنة . وتعددت جوانب ابن رشيق الأدبيـة والعلميـة ولكـن غلـب عليـه جانـب الشـعر والنقـد ولـه ديـوان شـعر كبـير تناقـل كثـير من المؤلفين بعض قصائده في موضوعات مختلفة . ولا يختلف شعره كثيرا عن شعر معاصريه في موضـوعاته فهـو يغـرق في المـديح والتملـق والمبالغـة في صـفات الممـدوح مـع اصـطناع الظـرف أحيانـا والمبـادرة إلى القـول فيمـا يعـرض مـن موضـوعات أو يقـترح في المجالـس إلى جانـب الغـزل بالمؤنـث والمـذكر ووصف الخمر ومجالس اللهو كما يتفق شعره مع روح عصره في أسلوبه وديباجته وميله إلى الوزان الخفيفـة والرقيقـة والاكثـار مـن 3 التشبيهات والاستعارات، وإن كان لا يميل إلى الصنعة اللفظية كثيرا كالجناس والطباق، ولو انه لم يخل منهما

2ـ مؤلفاته:ـ

ترك ابن رشيق آثار نقدية جلاّ يتصدرها كتابـه (العمـدة في محاسـن الشـعر وآدابـه ونقـده) ولـه أيضـا (قراصـنة الـذهب) الذي صنفه للرد علـى ابـن شـرف الـذي اهـتم ابـن رشـيق بالسـطو علـى آراء أسـتاذه عبـد الكـريم النهشـلي، ولأبـن رشـيق كتـاب (الأنموذج في الشعراء) وهو ترجمة مفصلة لشـعراء القـيروان في عصـره،فضلا عن تلـك الكتـب فلابـن رشـيق عـدد مـن الرسـائل المفقودة .

3ـ تعريف الكتاب:

كتـاب العمـدة يعـد عمـدة دراسـات الشـعر في هـذا القـرن، وقـد قـال عنـه ابـن خلـدون " وهـو الكتـاب الـذي انفـرد بهذه الصناعة وأعطاها حقها ولم يكتب احد فيها قبله ولا بعده مثله" ويقول أحمد أمـين، إنـه بهـذا الكتـاب قـد نقـل النقـد من نقد شاعر خاص أو شعراء معينين كما فعل صاحب الموازنة والوساطة إلى نقد الشعر عامة، فابن رشيق قـد نقـل النقـد مـن المشرق إلى المغرب، وأن النقد بعد العمدة لم يعد حكرا لعلماء العـراق أو الشـام بـل شـارك ابـن رشـيق بكتابـه الكبـير في جهـود هؤلاء.

ويعـرض ابـن رشـيق خطـة كتابـه في المقدمـة فيقـول:(فقـد وجـدت الشــعر أكـبر علـوم العـرب وأوفـر حظـوظ الأدب،وأحرى أن تقبل شـهادته، وتمثـل إرادتـه، ووجـدت النـاس مختلفـين في كثـير منـه، يقـدمون ويـؤخرون ويقلـون ويكثـرون، يبوبـون أبواب مبهمة،و لقبه ألقابا متهمة ,و كل واحد منهم قد ضرب في جهة، وأنتحل مذهبا هو فيه إمـام نفسـه، وشـاهد دعـواه فجمعت أحسن ما قاله كل واحد منهم في كتابه ليكون العمدة في محاسن الشعر وآدابه إن شاء االله تعالى . فهـو لا يـرى أن النـاس اختلفـوا في الشـعر، ووقـف كـل مـنهم منـه موقفـا خاصـا أدلى فيـه برأيـه، وأنـه وقـف علـى كـل مـا قيـل في الشــعر، ومــا بــذل مــن محــاولات و جهــود في فهمــه ونقــده وتبويبــه واطلــع علــى مــذاهب العلمــاء فجمــع آرائهــم ونســق بينهــا وهضمها واختار منها ما كان سديدا في رأيه فصار هذا الكتاب

4ـ قيمة الكتاب:

كتـاب العمــدة كتــاب جليــل القــدر اجتمعــت فيــه الثقافــات العالميــة، وتمازجــت فكــان مــرآة للحركــة النقديــة، والــروح الفلسـفية، والحيـاة الاجتماعيـة عرفـت في ذلـك العصـر، فهـو مـن ثم شـاهد قـيم لمـا بلغـه الفكـر الإنسـاني مـن التشـبع والتحـري وتقصي الحقائق في روح علمية منهجية تتسم بسمة الدقة وسعة الآفاق وغزارة العلم والمعرفة . والكتـاب مرجـع مـن مراجـع الأدب تتجلـى فيـه الـروح الموسـوعية، الـتي طافـت خـلال عصـور الأدب، منـذ فجـره إلى عهـد ابـن رشـيق، وجمعـت مـن شـتى المصـنفات والمجموعـات ومـن شـتى المصـادر والمـوارد، قــدرا عظيمـا مـن الشـعر وأبرزتـه بعـد التنخيـل والمقارنة وإبراز يطمئن إليه العالم والمؤرخ والأدب .

رابعا - دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني:

التعريف بصاحب الكتاب:

هـو أبـو بكـر عبـد القـاهر بـن عبـد الرحمـان بـن محمـد، فارسـي الأصـل، جرجـاني الـدار مـتكلم عـن مـذهب الأشـعري، فقيه على مذهب الشافعي، ولد بجرجـان ولم يبرحهـا حـتى لطلـب العلـم، ولمـا طافـت شـهرته الآفـاق شـدت إليـه الرحـال وحثـت المطي،وظل متصبرا بجرجان يفيد الوافدين عليها إلى أن توفي بجرجان ودفن به سنة 741 هـ . تتلمذ علي يد شيخه أبو الحسين محمد بن الحسن بن عبـد الـوارث الفارسـي ابـن أخـت أبي علـي الفارسـي، وأنـه قـد قـرأ علـى القاضي الجرجاني علي بن عبد العزيز بن الحسن بن علي بـن إسماعيـل الجرجـاني، وقـد قـرأ عليـه وحمـل عنـه الأدب وعلومـه وكـان يفتخر به في مجالسه . أثـار عبـد القـاهر الجرجـاني تشـير بأنـه قـد أحـاط علمـا بمـا صـنفه السـابقون عليـه في علـوم الـدين والفلسـفة والكـلام والأدب و اللغة، وأدلى بدلوه فيما عرضوا له من قضايا ومشاكل،فضلا عن ما حفظ وجمـع لـه مـن شـعره، فيتضـح مـن آثـاره وإحاطتـه بما كتب أبو عمرو بن العلاء،والخليل، ويونس،و الأخفش، وسيبويه، وابن قتيبة، وأبو هلال العسكري .... وغيرهم . وتتلمذ في الفقه على مذهب الشافعي،وفي الكلام على مذهب الأشعري، وغلبت عليه شهرة اللغوي النحوي . تتلمذ علـى يديـه جلـة مـن العلمـاء مثـل علـي بـن يزيـد الفصـحي،وهـو مـن أشـهر تلامذتـه، قيـل عنـه: إنـه النحـوي الحـاذق بمـا اخذ عن عبد القاهر، وأبو النصر احمد بن محمد الشجري، وهو من العلماء المبرزين في اللغة والنحو بعامة . اشتهر عبد القاهر بسعة الصدر، وطول النفس، في مناقشة معاصريه ومؤلفاته هي:

المعنى: وهو شرح مبسوط للإيضاح يقع في ثلاثين مجلد . المقتصد: أقتصد الجرجاني شرح المعنى في مصنفه المقتصد . الإيجاز: هو اختصار أبي علي الفارسي, ووصفه صاحب " كشف الظنون" الكلمة: علق عليه صاحب " الإنباه" بقوله إن عبد القاهر لو شاء لأطالّ . الجمل: وصفه صاحب"كشف الظنون" وصفا يطابق واقعه وللجرجاني كتب أخرى .

(التلخيص - كتاب رسالة الشافعية – كتاب العروض - كتاب أسرا البلاغة - كتاب المختار) تعريف الكتاب: ـ

أ ـ سبب تأليفه:

إن النـاظر إلى كتـاب عبـد القـاهر الجرجـاني يجـد رجـلا يحمـل وسـيفا، لا يـألو أن يشـهره دائمـا في وجـه خصـمه، إلا أن الرجـل طغى عليه حب العلم، ولاسـيما إذا كـان في كتـاب االله، فالقـارئ لكتابـه يلـتمس المنافحـة الـتي يحسـها بيديـه مـن قبـل الجرجـاني في دفاعه عن نظرية النظم على طريقـة المتكلمـين، فـأن عبـد القـاهر الجرجـاني يصـرح أن هنـاك أنـاس قـد سـبقوه في الكـلام علـى وجه الإعجاز بفكر وطريقة لم يعرض لها الجرجاني .

ب ـ من أين اشتق الجرجاني مادته:

الكتـاب قـد ألـف مـن أجـل بيـان وجـه الإعجـاز في القـرآن،إذا فمادتـه الأولى هـي القـرآن، ثم إن عبـد القـاهر اعتمـد على علمين جليلين، وهما:سيبويه والجـاحظ فهـو لم ينتفـع بهمـا، فقـد ذكـر الجرجـاني، أن الخليـل وسـيبويه بلغـا في فقـه النحـو مبلغا لم يسبقهم إليه أحد, ثم ذكر أن الجاحظ بلغ في بابه أي علم الشـعر والمعرفـة جـوهره وطابعـه ومعدنـه، مبلـغ الشـيخين في علم النحو، وتفرد الجاحظ في علم الشعر كتفرد الشيخين في علم معاني النحو .

خامسا - منهاج البلغاء وسراج الأدباء:

تعريف الكاتب:

ولـد أبـو الحسـن القرطـاجني في سـنة (608- هــ 1211 م) بقرطاجنـة واشـتهر بنسـبته إلى مسـقط رأسـه حـتى عـرف بالقرطاجني، وقد نشأ أبو الحسن حازم في وسط ممتاز ذي يسار . حفظ القرآن وتخرج في قراءتـه علـى شـيوخ جلـة مـن قـراء بلـده،وأقبـل مثـل معاصـريه ابـن الآبـار والمخزومـي علـى دراسـة العلـوم الشـرعية واللغويـة واكتملـت عناصـر ثقافتـه فكـان فقيهـا مـالكي المـذهب كوالـده، نحويـا بصـريا كعامـة علمـاء الأنـدلس، فـارق حـازم وطنـه ومسـقط رأسـه مهـاجرا إلى المغـرب، كانـت حياتـه حافلـة بـالأدب والعلـم، زاخـرة بالنشـاط الفكـري في كـل مكان حل به من بلاد الأندلس والمغرب وإفريقية وقد عمر حازم وكانت وفاته ليلـة السـبت 24 رمضـان سـنة (684 /23هـ نوفمبر 1385 م)عن ست وسبعين سنة قضاها في البحث والدرس .

2ـ تعريف الكتاب:

المنهـاج كتـاب بلاغـة، ونقـد تـذكر موضـوعاته المختلفـة المتنوعـة بمصـنفات الرومـاني (384 هـ 944 م)،والقطـابي: (388 /هــ 998 م)، الجرجــاني (474/ هــ 1081 م ـ1082 م) كمــا يكمــل صــنيع كثــير مــن النقــاد أمثــال قدامــة: (337 / هــ 508 م) والأمدي:(371/ هـ 981 م) والخفاجي: (366/ ه 1073م .(وهـو فضـلا عـن ذلـك يتميـز بخصـائص تفـرق بينـه وبـين عامـة المصـنفات مـن نوعـه مـن جهـتي الشـكل والمـادة، ويسـتدعي في أسلوب حازم في المنهاج انتباها خاصا، فهو مقتضب في عرض الإحكام والقواعد خال في الغالب من الشواهد .

وينقســم الكتــاب إلى منــاهج والمــنهج علــى فصــول أو فقــرات طويلــة يســميها علــى التــوالي معلــم، إضــاءة تنــوير أو معرف، إضاءة ... وتتـوالى الإضـاءة فـالتنوير داخـل المعلـم أو المعـرف الواحـد ولـيس ثمـة فـرق عنـده بـين المعلـم والمعـرف، ولا بـين الإضاءة والتنوير بل هي تنويعات في تسمية الأقسام لا تخلو من حذلقة. وبـالرغم مـن الطريقـة الترتيبيـة الـتي أدخلهـا حـازم علـى مصـنفه فجعلـه أقسـامها ومنهاجـا ومعـالم ومعـارف و اضـاءات وتنــويرات، نلمــس في هــذا الكتــاب جوانــب مــن التعقيــد تقــوم في وجــه مطالعــة، فلغــة حــازم مستصــعبة لا يمكــن لمــن يجعــل الاصطلاحات المنطقية النفوذ إلى ما ورائها، كما لا يتسنى لمن لم يألف الاستعمالات الحكمية أن يدرك غرضه منها بسهولة .

سادسا ـ المثل السائر لابن الأثير:

تعريف الكاتب:

هـو أبـو الفـتح نصـر االله بـن أبي الكـرم محمـد بـن عبـد الكـريم بـن عبـد الواحـد الشـيباني، المعـروف بـابن الأثـير الجـرزي، الملقـب بضـياء الـدين. كـان مولـده بجزيـرة ابـن عمـر ونشـأبهـا، وانتقـل مـع والـده إلى الموصـل، وبهـا اشـتغل وحصـل العلـوم، وحفظ كتاب االله الكريم، وكثير من الأحاديث النبوية، وطرفا صالحا من النحو واللغة وعلم البيان وشيئا كثيرا من الأشعار . ثم اتصل بصلاح الدين الأيوبي في مصر، فوصله القاضي الفاضل رئـيس ديوانـه بالعمـل عنـده، ثم طلبـه الملـك الأفضـل نور الدين بن صلاح الدين، وولي عهده بدمشق، فخيره صـلاح الديـن بيــن البقـاء والذهـاب فاختـار الذهـاب، فاستـوزره نـورالديـن وحسنـت حاله عنده . ولما توفي السلطان صلاح الدين، واستقل ولده الملك الأفضـل بمملكـة دمشـق، اسـتقل ضـياء الـدين المـذكور والــوزارة، وردت أمـور الناس إليه، وصار الاعتماد فـي جميـع الأحـوال عليه . وتوفي ابن الأثير سنة (637 / هـ 1239 م) في بغداد وكان قد توجه إليها رسولا من قبل صاحب الموصل . ولابن الأثير من التصانيف

1ـ المثـل السـائر في أدب الكاتـب والشـاعر طبـع في مصـر سـنة 1939 م بتحقيـق محمـد محـي الـدين عبـد الحميـد ثم سـنة 1959 م بتحقيق الدكتورين احمد الحوضي وبدوى طبانة .

2ـ (الوشي المرقوم في حل المنظوم) طبع في بيروت، سنة 1289 هـ .

3ـ (المرصع في الأدبيات) طبع في الأستانة عام 1304 هـ، وفي ألمانية عام 1896م

2ـ تعريف الكتاب:

كتاب المثل السائر يعد في مقدمة كتب البلاغـة الـتي تجمـع التبويـب وحـدد موضـوع كتابـه في عنوانـه، فجعلـه في أدب الكاتـب والشـاعر أي يتـأدب بـه كلاهمـا ومـا ينبغـي أن يتـزود بـه مـن أدوات لإتقـان صـنعته، ويمكـن أن يجمـع إلى ذلـك جانـب النقد بأن يكون النظر في صنعة الكاتب والشاعر وتحليلها وبيان محاسنها أو مواقع القبح فيه . وينحصـر نقـد ابـن الأثـير في كتابـه المشـهور، المثـل السـائر في أدب الكاتـب والشـاعر وهـو كتـاب نظـر فيـه صـاحبه أولا إلى من سبقه من رجال النقد فلم يعجبه إلا الآمدي في "الموازنة " وابن سـنان الخفـاجي في سـر الفصـاحة وقـد رأى أنهمـا أهمـلا أبوابا كما أهملا التعمق في موضوعات تعد في النقد جوهرا .

ومن هناك انتقل ابن الأثير إلى موضوع الكتاب،إذ انه تناول في مقدمة ومقالتين والمقدمة فيها عشرة فصول: علم البيـان آلاتـه وأدواتـه – الحكـم علـى المعـاني – الترجـيح في المعـاني – جوامـع الكلـم – الحكمـة الـتي هـي ضـالة المـؤمن – الحقيقـة والمجـاز – الفصاحة والبلاغة أركان الكتابة – الطريق إلى تعلم الكتابة . وتـدور المقالتـان حـول علـم البيـان - المقالـة الأولى حـول الصـناعة اللفظيـة (اللفظـة المفـردة واللفظـة المركبـة) مـن مثـل السـجع والتجنـيس أو الجنـاس ولـزوم مـالا يلـزم و المنـافرة في الألـف ومـا إلى ذلـك، والمقالـة الثانيـة حـول الصـناعة المعنويـة مـن مثل الاستعارة والتشبيه والتجريد والإيجاز والإطناب وما إلى ذلك . ولقد أورد ابن الكثير من الآثار الأدبيـة وأظهـر رأيـه فيهـا كمـا حمـل موازنـات بـين بعـض الكتـاب والشـعراء مـن مثـل أبي تمام والبحتري والمتنبي فابن الأثير رجل نظر وتطبيق.

 

الاستاذ المساعد : ليلى مناتي محمود

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيللباحث والمترجم صلاح السعيد

صدر عن دار الفرات في مدينة الحلة بالاشتراك مع دار سما للكاتب والباحث والمترجم صلاح السعيد كتابه الموسوم (جمهرة الألفاظ العامية العراقية) الطبعة الرابعة مزيدة ومنقحة، الكتاب تضمن 352 صفحة من الحجم المتوسط ذات غلاف وطباعة جيدة، وقد تمت فهرست المفردات حسب الحروف الأبجدية مع الإهداء والمقدمة وما كتبه الكتاب حول الكتاب من اعجاب واستحسان، ويعد الكتاب مرجعاً مهماً للمفردات والألفاظ العامية العراقية. وقد اضاف السعيد لهذه الطبعة 765 مفردة عامية جديدة إضافة للمفردات السابقة ليصبح الكتاب يحتوي على 1930 مفردة عامية عراقية مستخدمة في الوسط الاجتماعي. والكتاب ممتع وقد تضمن الكثير ومن الأمثال الشعبية وأبيات الشعر الشعبي العراقي.

الكاتب والمترجم صلاح مهدي السعيد الحلي تولد مدينة الحلة عام 1945م، حاصل على شهادة البكالوريوس في كلية الآداب قسم اللغة الانكليزية، عمل مدرساً داخل وخارج العراق، وهو عضو نقابة الصحفيين العراقيين وعضو جمعية المترجمين العراقيين ورئس اتحاد أدباء وكتاب بابل، وقد ترجم الكثر من المقالات وصدر له أكثر من (20) مؤلف بين الترجمة والبحث والتأليف، وحائز على الجائزة الأولى لوزارة الثقافة العراقية لعام 2022م في مجال بحوث العقائد والانثرولوجيا عن كتابه الموسوم (طقوس وعقائد).

تمكن الباحث من جمع الكثير من المفردات العامية العراقية وتعتبر هذه المفردات مدخلاً لديباجة المعجم اللساني العراقي، وقد سلط الضوء الباحث على المفردات التي تطورّت وتشعّبت ونمت وتنقّلت وتبدّلت، وكأنها تحاكي روحاً وحالة عضوية قائمة، بما يوحي لنا بأن ما نقله ووثقّه السعيد هو علم يُعتّد به، ويُفخر بمكوثه. وهي مفردات نتداولها من خلال الاسترسال التراكمي من الحراك اللساني الممتد في عمق التاريخ، بعض أصول المفردات الماكثة من ألسنة لعدوّ أو محتّل سابق أو لاحق بصيغ مركبّة أو محرّفة أو مختزلة، لا تشكّل انتقاصاً من تاريخنا، لكن التوثيق يؤكد بعدم سلامة لهجاتنا من العجمة، ويمكن أن نقتبس بعض المفردات ليس للحصر مثل، أوجاغ، آهين، جادّة، جغان، عافرم، جطل، جشمجي... الخ. ونقرّ هنا أنه لا توجد لغة في الدنيا خالية من الاستعارات والتلاقحات حتى النائية منها، فالمفردات حُبلى بكلمات اللغات القريبة والبعيدة، وحتى من مصادر اللغات العراقية القديمة والعربية.

نجد إن اللغة العراقية الحالية منجم لغوي يمكن من خلاله الوصول إلى كثير من خفايا التاريخ اللساني البشري، وأن خامته تشرَئب إلى السومرية والأكدية، أو ربما أبعد من ذلك حتى اللغات الفراتية الأولى.

فإن دور الباحث السعيد في تدوين الألفاظ العامية العراقية سمّة لبيبة، يخشى البعض عن ضياعها وكذلك الباحث، وكم أنا ممتن للأستاذ صلاح السعيد للريادة التي قام بها في معجمه هذا (جمهرة الألفاظ العامة العراقية) التي تم اصدارها بأربع طبعات. لكن اليوم هناك مفردات دخيلة دخلت على المفردات العراقية العامية لم يسمع بها جيلي من قبل  ولا الباحث صلاح السعيد ومنها : علاس، خمط، نگري، حواسم، دفتر، بوري. فقد حدثت انقلابات جذرية في مفردات العامية العراقية، فالطبقة الحاكمة اليوم لا تأتي بعاداتها وتقاليدها فحسب، بل تأتي بلغتها ولهجتها وألقابها أيضاً، وتفرضها على المجتمع بمرور الوقت حتى يصبح الشارع صدى كلام هذه الطبقات، وثمّة من يسخر من هذه وتلك، فيحصل خلط وعجب عجاب، كما هو حاصل اليوم. فقبل عام 2003م كان الحاكم البدوي قد حوّل الشارع العراقي إلى ثكنة عسكرية ترطن بمفردات الصحراء والسلاح، واليوم جاء الفلاح بكل ترسّبات الريف، وألقى حمولته اللغوية بلهجتها الثقيلة والصادمة في الطريق. حيث يقال اليوم في الشارع العراقي للمرأة الجميلة (صاكة)، وهي مفردة عامية تطلق على الأشياء المسبوكة جيداً، و(صكه) أي صفّاه جسدياً، و(المصكوك) المغتال أو القتيل. فضرورة تدوين كل تلك التخرّصات والشطحات لتشكّل سمة مرحلة تفيد الدارسين مستقبلاً. ودراسة الكلمات تصّب في فهم سمات الناس وطبيعة زمانهم وخصوصيتهم العقيلة.

وأخيراً نقول كثرة المفردات العامية التي جمعها الباحث صلاح السعيد لرمزية ثرائها وتراكم تجاربها وما اضاف لها من أمثال وقصائد شعبية تشكل متعة للقارئ والمتابع. وفي السابق نجد كلمة (حريشي) المتداولة في الجنوب العراقي تعني بالآرامية (السكوت أو الخرس) وتعدّ من الشتائم كدعوة للخرس، ونجد إحدى عشائر الجنوب (الحريشية) التي تعني الخرسان. وما زلت أتفحص باستغراب وفضول المفردات والأمثال التي ذكرها الاستاذ السعيد أجد بعضها سومري أو آرامي أو مندائي أو تركي أو فارسي، وحري القول بأن للكلمات روحاً ومدىً، مثلما هي الكائنات، فإن كُتب لها البقاء، فهي ماكثة، وإن وهنت، فهي فانية وبائدة، ووراء ذلك أسباب تتعلق بالجهد البشري. وتمكث المفردات رهينة يُبذَل من طرف أهلها، ولا يمكن لها أن تُعين نفسها بنفسها، وتقف شامخة دون تدخل بشري.

وقد ذكر الباحث في ص17 من الكتاب قائلاً: "اللهجات الدارجة نجدها في كل لغات العالم تقريباً"، وهذا ما نجده في اللغات الأخرى من التركية والانكليزية والالمانية والدنماركية والسويدية، فهناك اللغة الفصحى وهناك اللغة الدارجة كما هي في اللهجات العراقية العامية.

وثمة من يجد في الاختلاف بين اللهجة والفصحى مثلبة، وأنا أجدها مكرمة، أولها أن العامية حافظت على الموروث، والثانية أنها تضطلع على اسلوبين للتفكير يساعدنّ على تطوير ملكات العقل، كما هو حال من يتعلم لغتين، أو يعرف ثقافتين، بالرغم من أن الفرق فيما بينهما بسيط، وعن المثقفين يقلّ حتماَ، حتى تتطابق عند البعض، وهنا نقرّ أنه لا توجد لغة في الدنيا إلى صنفين إحداهما مثقفة والأخرى عامية، لذا فمن يتعلم إحداهما يفهم الأخرى.

لكن هناك بعض الملاحظات على بعض المفردات العامية التي استخدمها العراقيون في حياتهم اليومية، وقد شرحها الباحث صلاح السعيد بغير ما هي معروفة لدى الآخرين ومنها: أستكان وهي لفظة انكليزية وتعود إلى الانكليز والهنود ومع الاحتلال البريطاني للعراق وما زالت بعض المناطق شمنال العراق تسمي الاستكان (بيالة)، لكن بعض الجنود الانكليز كانوا يتناولون الشاي بالكوب، وهو الفنجان الزجاجي الكبير، وتميزاً لقدح الشاي الهندي (البيالة) عن الكوب الانكليزي اطلق هؤلاء على القدح اسم استكان، وهذا ما اكده د. علي ثويني في كتابة (الألسنة العراقية) ص 318.

كما اعتقد أن الباحث فد ترك سهواً بعض المفردات استخدمت في الالفاظ العامية العراقية مثال ذلك مفردات (أيجّات) وهي بمعنى الخيول المعمرة في سباق الخيول (الريسز) و(أيجه) تُطلق على المرأة التي تجاوزت فترة الشباب كذلك. فضلاً عن مفردات من الممكن إضافتها للكتاب منها: أطرقجي (بائع السجاد)، بازهر (طارد السم) وهي كلمة فارسية، بخّ بمعنى الذبح، برجم وهي كلمة تركية بمعنى (المسامير الحديدية المقببة، برداغ أي بمعنى كوب الماء وهي من لغات الشرق القديم، بلشتي (الحيلة) وقد اشتقّت من كلمة بلشفي، بلشه (ورطة)، بنجرجي، تنباك وهي لفظة هندية تلفظ على النحاس وفي التركية تعني تبغ النرجيلة، توثية (عصا)، جام كلمة تركية بمعنى الزجاج وكذلك هي كلمة من لغات البلقان، جراويّة أي غطاء الرأس وقد استعملها السوريين، جرخجي أي الحارس، جفجير، جفيان، جلاق، جلبي، جلّت أي بمعنى كلّت أو اكتفت، جمالة، جيب، جيجان بمعنى الشيشان الذين جاؤوا إلى العراق أيام الاحتلال العثماني، حايط انصيص، حبنتري، حسوه من الحساء، حمامجي، حسجة، الحرمدان أي حقيبة السفر، الجزدان كلمة تركية، البازبند وهي كلمة فارسية، خاتون وهي السيدة من اصل تركي ومغولي، خازوق من اصل تركي ويعني الوتد، خاصكي أي حاشية السلطان، خراب البصرة، خرگة ويقال للرجل خرگة وخنيوة وخنجة، خوجة أو خواجة، خنده وهي فارسية بمعنى السيد، دامرجي، داية ، الدربند فرسة بمعنى سنبلة من الحديد، درو فارسية بمعنى الألم، وهكذا هناك الكثير من المفردات بالإمكان للباحث اضافتها للكتاب ليعتبر معجم للألفاظ العامية العراقية.

مع كل ما ذكرت سابقاً أنا اشكر الباحث صلاح السعيد لهذا الجهد الذاتي الذي بذله لإخراج هذا الكتاب الذي يضم مفردات عامية قد تندثر ويطويها الزمان على النسيان.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

جمال العتابيبمثل هذا الأثر الأدبي الواسع المعالم يقدم لنا كامل شياع ملامح جديدة من قراءات في الشأن الثقافي والرواية والفن والشعر، في كتاب صدر له مؤخرا 2021 عن دار المدى، من إعداد شقيقه فيصل عبد الله، وإذا كان فيصل قد أفلح في إختيار عنوان الكتاب (أوراق كامل شياع)، فإنه قد أفلح في التعريف بكاتب لم نعرف عن كتاباته قبل عقدين أو أكثر من عام 2003، أي منذ أن غادر كامل العراق، يوم صارالوطن مجمرة، والموت حارس البوابات الشرقية.

أوراق كامل بمجموعها تمثل المقالات التي كتبها ونشرها منذ بداية تسعينات القرن الماضي في الصحف والمجلات التي تصدر في لبنان وسوريا، أو في بلدان أوربية، يرصد فيها الفنون المجاورة للأدب، و من المؤكد ان كامل شياع هو أحد الكتاب الذين يثيرون لدى القارئ فاعلية الجدل، حين يتناول الموضوعات الساخنة والحميمة التي تطالعنا في أجناس مختلفة ومتعددة في ميادين الإبداع، ليس بوسعنا في هذه المقالة أو الخلاصة أن ننقل سحر هذا العمل وألقه، انه تفاعل يقظ ومدهش، قادر على التجاوز، وكامل قادر على التجاوز وان يعطي معاني جديدة للأشياء، فالكتابة عنده متعة ومعاناة، والفكرة شاغل مستمر في عقله، تستحق المزيد من التفكير والتأمل.

أقول دون مبالغة: ان كامل نمط من المثقفين لا خيار لهم إلا الإشتغال بالكلمة والمعرفة والحوار، تجربته الفريدة تلخص لنا عالماً من الإنتماء الى هذا العالم ومحيطه، تجربة تعيد صياغة معنى الثقافة لتسمو بها اليوميات، يجد في فهمه للثقافة إكتشافاً للمعاني الإنسانية، عبر ما أنتجته عقليته النيرة، هو من القلة القلائل الذين يجيدون التحدث بست لغات ويكتبون فيها، لتعميق صلته بالمعطى الفكري والإبداعي العالمي، ومن صفوة المثقفين الذين  تخصصوا في الكتابة عن الموسيقى والسينما والتشكيل  والإجتماع والسياسة، فضلاً عن الكتابة في المسائل الأدبية الأخرى، مع تفوقه في تخصصه الدقيق في الفلسفة، إذ قدم إطروحته للماجستير بعنوان (اليوتوبيا معياراً نقدياً). وهو أبرز المشتغلين في هذا المجال، وله إجتهاداته الخاصة في هذا الميدان.

في أوراقه يعمّق كامل توجهاته النقدية، ويعطي مفهومي الادب والنقد بعداً فلسفياً عميقاً، يجد فيهما ضرورة فكرية وحاجة إنسانية، النقد كما يعتقد حالة مختلفة عندنا، لم يتأصل حامله الذي هو العلم، أو بالأحرى الروح العلمية كمرادف للتجرد، وشياع يكتب بتجرد ونبل وتواضع، مؤمن بإمتياز بالحداثة في اللغة والترجمة والخطاب، مؤمن بالعقل والتنوير والحرية، والتوق الى الحقيقة، والتحضر بأشمل معانيه وأرقاها، هذا النزوع يضطرم في عقله وقلبه ووجدانه، صادراً عن تنبه وتيقظ، كضرورة ثقافية وإنسانية، لقد إكتسب كامل مناعة خاصة ميزته عن الآخرين في نظرته للثقافة بشكل عام وللثقافة العراقية على وجه الخصوص، في مناقشاته لافكار سمير أمين وادور سعيد ومحمود صبري، الثقافة بنظره جهد حضاري ومشاركة لفعل ابداعي، لا تسمح بالإنطلاق نحو الخيالات والأوهام، ويُسجل لكامل شياع موقفه المختلف المعارض لإولئك الذين راهنوا على الحرب الأمريكية قبل 2003، إذ يقول:  لا أتفق مع هؤلاء لحل الأزمة العراقية، وأجد موقفهم كموقف من يرى الأشجار دون الغابة، لا أتفق مع حججهم الذرائعية، جلّ ما أخشاه في مهادنة مثقفينا للأمر الواقع من منظور يتناسى أيديولوجية ودوافع الإدارة الأمريكية.

وفي لقاء مع فؤاد التكرلي، يصفه بيتيم بغداد المريض بالأمكنة، في الإجابات ما يدعو للتوقف عند تبرير التكرلي لابتعاده عن السياسة في بلد مشحون بالصراعات السياسية، بوصفها محض تهويش وإدعاء، والنأي عنها يأساً واحتفاظاً بالكرامة الإنسانية. ويشير كامل إلى التجارب الجديدة في الفن التشكيلي المعاصر، من خلال تجربتين لكل من عباس الكاظم، وعلي عسّاف، وثالثة لجنان العاني. وفي محور الشعر، يناقش كامل كتاب الروح الحية لفاضل العزاوي، ومنجزات الجيل الطليعي الستيني من أدباء العراق، ويختتم شياع أوراقه بحوار مثير عن الشعر مع فوزي كريم، مؤكداً على الصدق كشرط لازم للعمل الفني كي لا يتحول إلى لعبة بيد محترفي الكلام. هذا الصدق يعبر عنه حين يرمي كامل بالمجاملات الادبية جانباً، ليفاجىء فوزي برأيه الصريح الشديد الوضوح إذ يخاطبه: حين أتأمل أفكارك عن الشعر وكتاباتك النقدية أجدها غير بعيدة عن تراث الرومانتيكية الأوربية في بداية القرن التاسع عشر، فأكثر ما يجذبك من الحياة جانبها المظلم المثقل بالحزن واللوعة والبلاء. هذه الأراء كانت دفقاً في تمتين أواصر العلاقة بين كامل وفوزي، إذ تقبلها الأخير بما أوتي من حكمة وعقل مستنير.

إمتياز كامل انه يمتلك بعد نظر في ما سيحصل من أحداث، لا أقول انه هاوي نبواءت، حتى تلك التي تتعلق بإستشهاده، انما هو إستشراف المستقبل بالمعرفة، لذلك لم يشاطر البعض تفاؤلهم بأن إسقاط النظام في بغداد سيعود بالعراق الى حالته الطبيعية المتخيلة، على المثقف ان لا يكون داعية سياسية عسكرية عدوانية.

ثمة معاني من الإفصاح والإشراق في هذه النصوص، تبقى تحتفظ بأثرها الحي، فهو يتواصل معنا قارئاً نقدياً واعياً، واضح الجملة، في نص جميل ورائع (تنبيهات غائب) عن روايته (المرتجى والمؤجل)، وتتنوع أراء كامل في النصوص، ويقدم نفسه ناقداً روائياً بإمتياز، وهو يراجع الرجع البعيد لفؤاد التكرلي، وفيصل دراج في كتابه (نظرية الرواية والرواية العربية)، وفولتير في اقصوصة (كانديد)، وكونديرا في الفن الروائي، وتقييم محاولة جورج طرابيشي في (شرق وغرب)، وأهم القراءات تلك التي قدم فيها مرثية لليسار العربي، في (وليمة) حيدر حيدر. ان مجمل أراء كامل في الرواية تهتم بالفن الروائي رفيع المستوى، قيمته الأساس تكمن في عمقه ودلالاته وتعبيره الصادق عن الإنسان، انه ينطلق بالكلمة بإتجاه كل الفضاءات. وهي المسافة التي ذاتها التي ينحاز اليها الكاتب في تناوله للموسيقى والتشكيل وفن الأوبرا، والسينما، والشعر في أعمق نداءاته الإنسانية.

أوراق كامل شياع تقودنا إلى طرح السؤال التالي: كم من الوقت إستطاع كامل وهو في عمر الشباب أن يؤسس لهذا الخزين من المعرفة والتجارب، وتعلم اللغات ، وتحقيق حضوره الإبداعي في الوسط الثقافي بوقت مبكر من حياته، كم أمضى من السنوات وهو يبحث في الآمال الكبيرة، والرؤى وافكار الحداثة، كما تعبّر نصوصه المكثفة المتوغلة عميقا عن الحس الداخلي للإنسان.

 

جمال العتّابي

 

 

مجاهد منعثر الخفاجيالمؤلف البرفسور دايفد باتريك هوتون أمريكي الجنسية من أصل بريطاني، أستاذا في جامعة وسط فلوريدا في الولايات المتحدة، وعمل قبل ذلك في جامعات بريطانية وأميركية. له ستة كتب وعدة مقالات منشورات في دوريات علمية محكّمة. كتابة علم النفس السياسي ترجمته الأردنية د. ياسمين حداد .

قبل الخوض في تفاصيل قراءة كتاب علم النفس السياسي، لابد لنا من موجز يوضح للقارئ الكريم من المستهدف في علم النفس السياسي؟

هذا العلم مجال أكاديمي متعدد الاختصاصات، يقوم على فهم السياسة والسياسيين والسلوك السياسي من منظور نفسي وتعتبر العلاقة بين السياسة وعلم النفس ثنائية الاتجاه؛ فيستخدم العلماء علم النفس كمرآة لفهم السياسة، وكذلك السياسة مرآة لعلم النفس، ويعد هذا العلم مجال متعدد الاختصاصات، لأنة يأخذ مادته من مجموعة واسعة من التخصصات الأخرى، بما في ذلك علم الإنسان، وعلم الاجتماع، والعلاقات الدولية، والاقتصاد، والفلسفة، ووسائل الإعلام والصحافة بالإضافة إلى التاريخ.

ويعرفه مورتون دويتش بأنه: “دراسة تفاعل علم السياسة مع علم النفس، خاصة أثر علم النفس في السياسة”.

تتصف الطبيعة البشرية بخصال عديدة ومتباينة، فتجد فيها الأنانية والقسوة وترى الكرم والنزاهة والطموح إضافة إلى الحماقة وغرابة الأطوار، بذلك هي خليط معقد من الخير والشر كما أنها تمثل معجزة التطور .

ومهمة علم النفس البشري تفسير تلك الطبيعة الإنسانية واختلاف الطبائع البشرية من فرد لآخر وأثر البيئة المحيطة الخارجية بالبيئة النفسية الداخلية للفرد.

أما على مستوى العلاقة بين علم النفس الإنسان وعلم السياسة فسنجد أنه فروع هذا العلم تتنوع إلى نظريات سياسية وعلاقات دولية ونظم سياسية وسياسيات عامة وخارجية وتنظيمات وقوانين دولية وغيرها من الفروع المختلفة التي يتطرق إليها علم السياسة.

وإذا ألقينا نظرة عامة وشاملة على هذه المجالات ندرك أنّ الفاعل الأساسي في كل هذه التخصصات هو “الإنسان“، والتفاعلات المختلفة من سلام وحروب أو تعاون وتنافر بين الدول والشعوب فهى تقوم على دوافع معينة تصدر من النفس البشرية.

يلخص الكتاب بنمطين أساسيين من المقاربات لفهم السلوك السياسي الإنساني: أوّلهما مقاربة موقفية تعدّ البيئة أو الموقف المحيط بالفرد، أكثر أهمية في تشكيل سلوك الفرد أو دوره في المجال العام من نزعاته أو خصائصه الشخصية أو انتمائه الحزبي؛ و الأخرى المقاربة النزوعية التي ترى أنّ شخصية الفرد وما لديه من اعتقادات وقيم أو حتى موروثات جينية، أكثر تأثيرًا في هذا المضمار. بل يمكن، على العموم، النظر إلى السلوك السياسي على أنّه حدث مدفوع بأسباب داخلية أو مؤثرات خارجية، أو بمزيج من هذين النوعين.

في هذا الكتاب يجيب المؤلف على سؤال جدلي من أكثر الأسئلة الفلسفية تعقيدًا حول سلوك البشر، وهو في ما إذا كان سلوك الفرد نابعًا من خصائصه النفسيّة الفرديّة -أي مدفوعًا بأسبابٍ داخلية -أم ناتجًا عن أسباب خارجية بمثل الظرف المحيط، والموقف الذي وُجد فيه الفرد (قوى موقفية).

وأن السؤال المحوري الذي يطرح هوتون والقضية التي تدور حولها موضوعاته في الكتاب، ما الذي يُحدّد سلوكنا؟ أو لماذا يفعل الناس ما يفعلونه؟

إن معظمنا يحمل نزعات إضافة إلى قيم واعتقادات نفترض بأنها تحول دون قيامنا بأفعال مشينة، إلا أن قوّة الموقف المحيط، وضغطه، قد يطغيان في أحيان كثيرة على هذه القيم والمعتقدات، ويجعلاننا نتصرف بما يخالفها.

ولكن إذا كان الموقف أو المحيط هو كل شيء، بحسب بعض علماء النفس الاجتماعي، وأنه المُحدّد الرئيس لسلوك البشر، فهل نتعامل مع الأفراد كأنهم يولدون «صفحات بيضاء فارغة» وغير مسؤولين عن سلوكهم؟ ألم نولد ونحن نحمل في داخلنا نزعات معيّنة تحدد سلوكنا؟ أليست لدينا القدرة على الاختيار؟ أليس لحالاتنا الذهنية والنفسية أهمية كبيرة في تحديد سلوكنا؟ ألا يحق لنا أن نتساءل عن أسباب استجابة الأفراد للموقف الخارجي الواحد بطرائق مختلفة؟ فما هو إذًا هذا الشيء في داخلنا الذي يُكوّن هذا الاختلاف في السلوك؟.

من خلال الإجابة على الأسئلة المطروحة أعلاه يريد دايفد هوتون فهم السلوك السياسي، فيعرّف هذا السلوك بأنّه “أي نشاط يومي يرمي إلى تحقيق غاية سياسية، ويشمل ذلك نطاقًا واسعًا من النشاط السياسي الذي يزاوله البشر، من السلوك المتطرف كالإرهاب والحرب إلى السلوك العادي المألوف كالتصويت في الانتخابات. ويتضمن ذلك صنع القرار – في مستوى الأفراد المصوتين، ومستوى النخبة في الحكومة- وما يتعدى ذلك.

في الكتاب مقدمة وثلاثة أبواب رئيسة. وجاءت المقدمة في فصلين، وضع فيهما المؤلف موجزًا لما سيتعرف إليه القارئ في الكتاب، إضافة إلى نبذة حول علم النفس السياسي وتاريخه. أمّا الباب الأول، فعنوانه: الموقف، وضمّ الفصول من 3 إلى 6. وفيه يفحص المؤلف مناحيَ متنوعة من المقاربات القائمة على علم النفس الاجتماعي، والتي تؤكد أهمية الموقف قياسًا بدور الأفراد وخصائصهم في توجيه السلوك، بادئًا بالتحليل الموقفي الأكبر، وهو السلوكية والتي كانت شائعة في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، لينتقل بعدها إلى وجهة نظر سكينر القائلة إنّ الدول تحسن صنعًا إذا عملت على إشراط مواطنيها (أي تعلمهم بالثواب والعقاب) على الأخذ بالسلوك "المرغوب فيه اجتماعيًا" وتجعلهم أفضل حالًا. وفي الفصل الرابع يتناول المؤلف تجارب ستانلي ميلغرام، والتي تعدّ من أبرع التجارب التي أجريت في علم النفس، محاولًا أن يطبق الاستنتاجات التي يخرج بها من هذه التجربة على فكرة الإبادة الجماعية، وخصوصًا تلك التي حصلت في ثلاثينيات القرن المنصرم. أمّا الفصل الخامس، فيستعرض تجربة مناظرة لتجربة ميلغرام، وهي تجربة ستانفورد الشهيرة على سلوك السجناء والسجّانين. وسيكون التركيز على متطلبات الموقف وكيف أنّ الأدوار المحددة اجتماعيًا يمكن أن تكوّن سلوكنا. ويختتم الباب بالفصل السادس المخصص لفكرة سلوك الجماعة. ويتناول بصورة خاصة أعمال إيرفنغ جانيس عن كيفية تغيّر سلوك الفرد استجابةً لضغوط الجماعة.

وفي الباب الثاني، الفرد، وهو الباب المخصص لوجهة النظر النزوعية، ويضمّ الفصول من 7 إلى 11، يبحث في النظريات النفسية القائمة على أساس فردي. والجدير بالذكر أنّ هذه النظرية ذات تأثير أكبر في علم النفس السياسي من وجهة النظر الموقفية. وفي الفصل السابع، يوضح المؤلف ما للمقاربات القائمة على التحليل النفسي من أثرٍ كبير في تطور علم النفس السياسي، ويَجري في الفصل الثامن بحث كتاب الشخصية الرئاسية لجيمس دايفد باربر. أمّا الفصل التاسع، فيتناول ما يسمى "الثورة المعرفية" لفترة الثمانينيات والتسعينيات. وهي الحركة التي عمدت إلى طمس آثار المقاربات الفرويدية الطابع وإن ظلت تحافظ على منطلقٍ نزوعي في الأساس، ونقلت بؤرة الاهتمام إلى البنى المعرفية القائمة في الذاكرة الإنسانية وكيفية تأثيرها في تكوين السلوك. في حين يتحدث الفصل العاشر عن التركيز التعويضي على العواطف والانفعالات، والذي حدث لعلماء النفس، بعد مرحلة التركيز على العمليات المعرفية الباردة التي سادت في الثمانينيات والتسعينيات. ويتحدث الفصل الأخير عن دراسة الانفعال، والتي تعد بتطورات على صعيد المقاربات النظرية ذات العلاقة بالسياسة.

أمّا الباب الثالث والأخير، ربط الاثنين معًا، والذي يشمل الفصول من 12 إلى 17، فهو أكثر إمبريقية (من حيث إنّه يتناول ظواهر خضعت للدراسة العلمية القائمة على الأدلة الملاحَظة)، ساعيًا قدر الإمكان إلى التوفيق بين النزوعية والموقفية، ومتطرقًا كذلك إلى نظريات القومية والصراع العرقي، والعنصرية وعدم التسامح السياسي، وسلوك الانتخاب، والأمن الدولي، ويسأل في كلّ حالة إذا ما كانت المقاربة الموقفية تقدّم التفسير الأفضل للسلوك موضوع البحث أم المقاربة النزوعية.

 

بقلم / مجاهد منعثر منشد

 

 

نضير الخزرجيعندما تقرأ مقالة أو دراسة أو كتابا يتناول دولة ما، هي وطنك أو كنت فيها لفترة طالت أو قصرت، فإن الذهن يزيح ستاره عن مسرح الذكريات، ولا سيما عن البلدة التي هي مسقط رأسك أو مكثت فيها طويلا لدواعي الهجرة أو العمل أو الدراسة أو السياحة لا فرق، ويحلق بك بساط الذكريات إلى أزقة البلدة وشوارعها وحدائقها، وينفتح أمامك طومار اللقاءات مع ناسها وسكانها، وتترآى أمام ناظري الذائقة مطاعمها ولذيذ السفرة وموادها، وتأخذك الذكريات إلى متاحفها تتنسم عبق التاريخ، وأسواقها القديمة وما ضاع من عطورها الزكية.

تتداعى الذكريات كتداعي أوراق الخريف، تحمل معها ثنائية الفرح والترح، فليست الذكريات جميعها ورود فبعضها قلَّ أو كثر أشواك، ولا تُقطف الوردة إلا من بين مشابك الأشواك، فحتى الأشواك تبقى ذكريات يستحضرها الإنسان يمر عليها دون أن يتلفت، فإذا توقف اعتبر العاقل منها، ونزف الدمع عندها من لا يريد لقافلة حياته أن تسير.

في سنة 1986م كنت مندوبا عن مجلة الشهيد العربية الصادرة في طهران مع زميلي الأستاذ علي كابلو لحضور مؤتمر دولي عن الخليج عقده مركز الدراسات السياسية والدولية (دفتر مطالعات سياسي وبين المللي) في شمال طهران، وهو أحد المراكز التابعة لوزارة الخارجية الإيرانية وكان يترأسه آنذاك الدكتور عباس ملكي، في هذا المؤتمر الدولي الذي حضرته شخصيات ديبلوماسية وجامعية وخبراء وأخصائيون من داخل إيران وخارجها، وفي الجلسة الصباحية من اليوم الأول اعتلى منصة الخطابة بروفيسوراً في التاريخ من جامعة طهران، تحدث عن الإحتكاك الأول بين الدولة الإسلامية الفتية في المدينة المنورة والدولة الساسانية الإيرانية وعاصمتها المدائن في بغداد، ونفى البروفيسور الجامعي في خلاصة محاضرته أن يكون الشعب الإيراني تقبل الإسلام من خلال معركة القادسية التي وقعت في العراق سنة 15 للهجرة وقلل من أهمية المعركة في تحول الإيرانيين من المجوسية إلى الإسلام ورأى أن الشعب الإيراني تقبل الإسلام لأنه وجد فيه ديناً ينسجم مع تطلعاته ولم يسلم تحت حد سيف القادسية.

استذكرت الهجرة إلى إيران قادما من العاصمة السورية دمشق سنة 1980م حتى العودة إلى دمشق ثانية سنة 1990م، وأنا أتابع بشغف كتاب "الإسلام في إيران" لمؤلفه المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر حديثا في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 135 صفحة من القطع المتوسط، وهو يتناول بشيء من التفصيل تاريخ دخول الإسلام إلى إيران واحتضان الشعب الإيراني له من فرس وترك وعرب وغيرهم.

اليمن كانت البداية

يمثل كتاب "الإسلام في إيران" حلقة من سلسلة كبيرة وطويلة بعدد دول العالم، استقرأ فيها المحقق الكرباسي تاريخ الإسلام في هذا البلد أو ذاك بمذاهبه المختلفة أودع القراءات في باب (معجم المشاريع الحسينية) من دائرة المعارف الحسينية، ثم تم إدراجها في كتب مستقلة ليسهل على الآخر قارئا أو باحثا متابعة سير الإسلام في البلدان المختلفة، وفي "الإسلام في إيران" تم استقطاع الصفحات 213- 274 من الجزء الثالث من معجم المشاريع الحسينية وصدر في حلته الجديدة من إعداد وتقديم الأديب الدكتور محمد حسين بن سلطان علي نوحه خان الصابري الذي كتب مقدمة مستفيضة عن حركة الإسلام في إيران من قبل عصر الإسلام وإلى يومنا الحاضر.

في الواقع إذا كانت بعض المصادر التاريخية تشير إلى معركة القادسية سنة 15 للهجرة كمفصل تاريخي في تحول الفرس إلى الإسلام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب أو معركة نهاوند سنة 21 للهجرة في عهد الخليفة نفسه، فإن المحقق الكرباسي يذهب أقدم من هذا التاريخ ناسبا إياه إلى عهد النبي الأكرم محمد (ص) وهذه المرة عن طريق اليمن التي كانت جزءاً من الدولة الساسانية الفارسية وليس عن طريق العراق يوم كان جزءً من الدولة الساسانية الفارسية أيضا، فهو يرى: (إنَّ الإسلام في إيران بدأ من اليمن حيث كانت اليمن ولاية إيرانية، وكان الرسول (ص) قد بعث كتابا إلى الملك خسرو پرويز الساساني يدعوه إلى الإسلام ولكن جاءت ردة فعله بتمزيق الكتاب، ثم كتب إلى واليه على اليمن باذام) يدعوه للإسلام وأسلم بعد أن رأى صدق الرسول الأكرم في خبر موت الملك الساساني، حيث: (تبين لباذام صدق قول الرسول (ص) بالتفاصيل التي ذكرها، وذلك عبر كتاب الملك الجديد قباد شيرويه، أسلم باذام وأسلم معه ناس كثير من أهل اليمن وفيهم الكثير من الفرس، وبعث باذام إلى الرسول (ص) يخبره بإسلامه فعيَّنه الرسول (ص) والياً من قبله على سائر اليمن حتى وفاته).

ولما كان المسلمون قد توزعوا إلى فرق ومذاهب، فإن المحقق الكرباسي يرى أن دخول التشيع إلى إيران تم هو الآخر عن طريق ولاية اليمن: (وأما تشيع أهل فارس فكما دخل إليهم الإسلام عبر اليمن فكذلك دخل التشيع إلى مجتمعهم عبرها، حيث إنَّ العلاقات منذ العهد الساساني كانت متينة بين اليمنيين والفرس، وبالأخص الفرس الذين استوطنوا اليمن، وقد عرف أهل اليمن ليومنا هذا بولائهم لأهل البيت (ع) وذلك منذ أن توجه أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى اليمن في السنة العاشرة للهجرة، وآمن على يده جميع أهل اليمن بحكمته المعروفة دون قتال)، على أن الكرباسي يعود بالتشيع الفارسي إلى عهد الرسول محمد (ص) حيث: (إنَّ البذرة الأولى بدأت باعتناق سلمان الفارسي الإسلام على يد الرسول الأعظم (ص) حيث كان عارفا بالتوراة والإنجيل وسائر الكتب القديمة وكان يبحث عن الدين الموعود) وأسلم مع دخول النبي الأكرم المدينة المنورة، وفي إسلامه والسبق إلى الإيمان قال النبي الأكرم (ص) كما نقل الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241هـ: (أنا سابق العرب، وسلمان سابق فارس، وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبش) فضائل الصحابة: 369 ح: 1739، وفي حديث آخر نقله الشيخ الصدوق المتوفى سنة 381هـ عن الإمام علي (ع) قوله: (السبّاق خمسة: فإنا سابق العرب، وسلمان سابق فارس، وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبش، وخباب سابق النبط) الخصال: 312، بلحاظ أن الرسول الأكرم (ص) هو الموحى إليه فهو أبو الإسلام وغيره السباقون إليه.

القبول الحسن

لقد نزل القرآن في ساحة العرب على نبي عربي بلسان عربي، فمن الطبيعي أن يكون للعرب الذين حملوا رسالة الإسلام بصدق الدور الأكبر لدخول الأمم الأخرى باحة الإسلام، وليس الفرس وعموم إيران بمعزل عن هذا التأثير، وبتعبير الدكتور محمد حسين الصابري وهو يتناول جغرافية إيران: "فإيران من جهة الجنوب لها حدود مع العرب الذين كان لهم الدور الكبير لتعريف إيران بالإسلام والأثر البالغ في تكامل الثقافة الإيرانية مع الإسلام".

إذاً كان دخول الإسلام على الشخصية الإيرانية دخولا تغييرياً نحو الأفضل والأحسن ويرد الدكتور الصابري على المستشرقين الذين يعتبر بعضهم أن: "دخول الإسلام إلى إيران من وجهة نظر المنظِّرين المستشرقين هجوماً، ولكن واقع الحال غير هذا تماماً، والمسألة تتجلى فيما عبّر عنه الشهيد مرتضى المطهري بأن الإسلام أحدث إنقلاباً لدى الشعب الإيراني، جعلهم يتحررون من الظلم والعبودية ويتخلصون من حكام الجور الذين تسلطوا على رؤوسهم من دون وجه حق وحرموهم من أبسط حقوق الإنسان"، وكان لهذه التكاملية الأثر الإيجابي على بقية الأمم في إيران الكبرى وبلاد ما وراء النهر وعموم الأمم غير الناطقة بالعربية، وبتعبير الدكتور الصابري:"أوجد الإيرانيون بتقبلهم الإسلام والعمل به شعوراً لدى الشعوب الأخرى أن ثقافة الإسلام ثقافة عالمية وأن كل قومية وملّة تستطيع أن تجد نفسها في الإسلام وتتطور من خلاله وتبني لها مكانتها وشخصيتها".

وهذا الرأي الذي يميل إليه معد الكتاب تؤكده الوقائع، فليس من المستغرب ان نجد كل أصحاب كتب الصحاح الستة (صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن النسائي، سنن أبي داود، سنن الترمذي، وسنن إبن ماجة) هم من غير بلاد العرب، فالبخاري محمد بن إسماعيل المتوفى سنة 256هـ من بخارى بأوزبكستان، ومسلم بن الحجاج القشيري المتوفى سنة 261هـ من نيسابور بإيران، والنسائي أحمد بن شعيب المتوفى سنة 303هـ من نسا بتركمنستان، وأبو داود المتوفى سنة 275هـ من سجستان بإيران، والترمذي محمد المتوفى سنة 279هـ من ترمذ بأوزبكستان، وابن ماجه محمد المتوفى سنة 273هـ من قزوين بإيران، وعدد غير قليل من رواة أهل الشيعة هم من إيران وإن كان بعضهم من أصول عربية قذفت بهم الحروب الطائفية والممارسات القمعية إلى المدن البعيدة عن مركز عاصمة الخلافة في دمشق أو بغداد في العهدين الأموي والعباسي، وينسجم هذا الأمر مع ما جاء في المأثور النبوي في حق سلمان الفارسي عن أبي هريرة: (كنا جلوسا عند النبي (ص) إذ نزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ: وآخرين منهم لما يلحقوا به، قال رجل: مَن هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي (ص) حتى سأل مرة أو مرتين أو ثلاثا، قال: وفينا سلمان الفارسي، قال: فوضع النبي (ص) يده على سلمان ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء) مختصر صحيح مسلم: 467 ح: 1751.

وهذه حقيقة يقر بها الجميع من عجم وعرب، وإلى يومنا هذا فإن المجتمع الإيراني يدين بالفضل إلى الإسلام بما هو عليه اليوم من تقدم وتطور في المنطقة في المجالات كافة، وبتعبير المعد: "جاء الإسلام بالوحدانية والعبودية التي أخذت طريقها وأصبحت جزءاً من ثقافة المجتمع، ومن هنا يأتي إفتخار الإنسان المسلم والإيراني بالخصوص عندما آمن بالعقيدة الإسلامية الحقَّة، وإذا كان هناك إفتخار فلابد من الإفتخار بالتقدم الذي حصل في إيران فإنما جاء بسبب اعتناقهم للإسلام ".

حكومات الماضي والحاضر

يستعرض الكتاب سلسلة الأسر والعوائل التي حكمت إيران قبل دخولها الإسلام وبعدها، لينتهي إلى قيام الجمهورية الإسلامية على يد قائدها السيد روح الله الموسوي الخميني والموقف من ولاية الفقيه المطلقة، والأشواط الطويلة التي قطعها الشعب الإيراني المسلم في المجالات العلمية والصناعية كافة حتى عدت إيران قوة إسلامية لا يُستهان بها.

وقبل الدخول في التفاصيل يتناول المؤلف أصل تسمية إيران التي تعود كما يفيد بناء على ما ورد في معجم البلدان إلى (استيطان أحد أحفاد النبي نوح (ع) والذي هو إيران (أرفخشد) إبن الأسود بن سام بن النبي نوح، وقد أقطع إيران أقاليم بأسماء أبنائه العشرة وهم: خراسان وسجستان وكرمان ومكران وإصبهان وجيلان وسندان وجرجان وآذربايجان وأرمان، وصيّر لكل واحد من هؤلاء البلد الذي سمِّي به ونُسب إليه، وقيل غير ذلك).

ويشير بالأرقام إلى الدول التي سبقت الحضارة الإسلامية وهي الدول: المادهائية، الهخامنشية، الأشكانية، والدولة الساسانية التي انتهت بظهور الإسلام على أن: (دخول الإسلام بشكل رسمي في عمق إيران فكان بسقوط الدولة الساسانية سنة 21هـ عندما انتصر المسلمون في معركة نهاوند).

وفي العهد الإسلامي ظهرت في إيران الكبرى دول كثيرة لخّصها الكتاب في الدول التالية: الكاووسية، الشروانشاهية الأولى، السامانية، الطاهرية، الدلفية، العلوية الديلمية، الصفارية، الساجية، المسافرية، الزيارية، البويهية الأولى، البويهية الثانية، الروادية، الشدادية الأولى، البويهية الثالثة، البويهية الرابعة، البويهية الخامسة، الدنبلية الكردية، الكاكوية، السلجوقية الأولى، السلجوقية الثانية، الإصبهندائية، الحِميرية، الكاويارية، السلغرية، الهزارسبية، القتلغخانية، الكيخوارية، المغولية الايلخانية، المظفرية، السربدارية، الجلاوية، المرعشية، العلوية، التيمورية الأولى، المشعشعية، التيمورية الثانية، الكجورية، الشروانشاهية الثانية، الصفوية، الأفشارية، الزندية، القاجارية، الپهلوية، والجمهورية الإسلامية القائمة اليوم.

ويتطرق الفقيه الكرباسي في الكتاب إلى ذكرياته قبيل انتصار الثورة الإسلامية وزيارته إلى فرنسا ولقاء أستاذه في الفقه قائد الثورة لمرتين بضاحية نوفل لوشاتو الباريسية، كما استعرض مسألة ولاية الفقيه التي يرى أنها من أساسيات إقامة الدولة الإسلامية لأنه: (مثل هذه الولاية إذا لم يقل بها الفقيه لا يمكنه من إقامة دولة ولا القيام بأي شيء تنفيذي على أرض الواقع)، متسائلاً: (ومن الغريب أنَّ كل الدول في العالم لها الحق في أن تكون لها الولاية العامة، وأما إيران لا يحق لها ذلك!).

يشكل الكتاب في واقع الحال قراءة تاريخية وحديثة لواقع إيران، نجد تفاعلاتها في إغلاق السفارة الإسرائيلية سنة 1979م وإحلال سفارة فلسطين محلها، والحرب العراقية- الإيرانية (1980- 1988م)، والاتفاق النووي وتداعياته، والمفاجئات التي تفجرها طهران بين الفترة والأخرى في المجالات العلمية والتصنيع العسكري، رغم الحصار الأميركي وحلفائها المفروض منذ قيام الثورة وحتى اليوم، وغيرها من التحولات الذي يرصدها الكتاب مستهدياً بالأرقام والإحصاءات المحلية والدولية.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

محمود محمد علي"إشكالية بناء الدولة في مرحلة التحول السياسي.. العراق الشقيقة نموذجا"، رسالة ماجستير ناقشتها الأسبوع الماضي بصحبة الأستاذ الدكتور عبد الرحيم خليل (رئيس قسم العلوم السياسية بكلية التجارة بجامعة أسيوط بجمهورية مصر العربية)، للباحث العراقي "علي عايد عبد الله حرجان" .

والرسالة من إشراف كل من الأستاذ الدكتور إسماعيل صبري مقلد – أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بكلية التجارة– جامعة أسيوط، والأستاذ الدكتور عبد السلام علي نوير- أستاذ العلوم السياسية والإدارة العامة بكلية التجارة – جامعة أسيوط، عام 2021.

تقع الرسالة في 212 صفحة، وقد قام الباحث بتقسيم الرسالة إلي أربع فصول تسبقها مقدمة وتلحقها خاتمة، وقائمة بالمصادر والمراجع العربية والأجنبية.

الفصل الأول وتجسد في شرح الإطار النظري لفكرة بناء الدولة والتحول السياسي، والفصل الثاني وفيه تناول الباحث "بنية الدولة العراقية حتي عام 2003"، أما الفضل الثالث، وفيه شرح الباحث التحول السياسي وبناء الدولة في العراق بعد 2003، وأخيراً جاء الفصل الرابع ليبرز الباحث من خلاله لفكرة التحديات التي تواجه عملية بناء الدولة في العراق.

تناول الباحث في رسالته عملية بناء الدولة في فترة التحول السياسي في العراق، وما أفرزته المراحل الانتقالية في الفترة من 2003 وحتي 2018، وقد توصل الباحث بأن ما أفرزته عملية التحول السياسي التي تمت بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة ضيقة من النخب العراقية لم تكن مناسبة لمهمة إصلاح الدولة العراقية وبناء المؤسسات الديمقراطية، حيث اكتشف الباحث بأنه لم تكن هناك عملية سياسية شاملة ونقاش وطني حول مستقبل الدولة العراقية، وبدلا من ذلك قادت مجموعة ضيقة من النخب السياسية العملية الانتقالية في غياب مشاورات واسعة .

وقد توصل الباحث إلي مجموعة من النتائج ؛ منها أن التدخل الخارجي شكل عائقا كبيرا أمام عملية بناء الدولة من خلال تأثيره الداخلي في تشكيل التحالفات داخل العملية السياسية وامتد إلي داخل المجتمع العراقي، حيث شكل الفراغ الأمني الذي سببه القرار الأمريكي في حل الجيش والشرطة العراقية والتباطؤ في بناء جيش وطني جديد ليحل محل الجيش القديم للقيام بمسؤوليات الأمن والدفاع، علاوة علي نظام المحاصصة التي أسست لها حكومة الاحتلال ومجلس الحكم الانتقالي، وأيضا تصدع النخب وضعف التماسك المؤسسي، هذا بالإضافة إلي صعود الطائفية والانتماءات الفرعية علي حساب تهميش الهوية الوطنية، وأخيراً الاعتماد المفرط علي الاقتصاد الريعي وبطء مستويات التنمية.

إن رسالة بعنوان " إشكالية بناء الدولة في مرحلة التحول السياسي .. العراق نموذجا" موضوع لا أتردد في القول بأنه من الموضوعات الحيوية الهامة في مجال العلوم السياسية . هذا الموضوع قضي الباحث فيه وقتاً طويلاً، وتتمثل أهمية هذا الموضوع في أنه لا يعد من الموضوعات السهلة، خاصة وأنه يبحث في مجال به مصطلحات عديدة، وباحثنا قد بذل جهداً في تحليل وصياغة العديد من الآراء التي أبرزت إشكالية بناء الدولة في مرحلة التحول السياسي في العراق.

كما أن من مزايا هذه الرسالة أن الباحث لم يقتصر علي مجرد العرض الموضوعي لفصول رسالته، بل إنه حاول جاهداً نقد هذا الرأي أو ذلك من الآراء التي قال بها الباحثون السابقين عليه.

ومعني هذا أن الرسالة تتضمن الرؤية الموضوعية والرؤية الذاتية النقدية، وإن كنا نجد عند الباحث نوعاً من المبالغة في إثبات نظرية المؤامرة – وهذه المسألة كان ينبغي معالجتها بحذر حتي نبتعد عن الأساليب الخطابية الإنشائية والتي تعتمد علي المبالغة بوجه عام.

الموضوع إذن الذي اختاره الباحث يعد موضوعاً هاماً، والرسالة بها معلومات كثيرة يمكن أن تفتح المجال لكثير من طلاب البحث والدراسة – أي أن الهدف الذي سعت إليه الباحث يعد هدفاً نبيلاً إذ يسعي إلي التعرف علي حقيقة الأشياء.

أيضاً من مميزات الرسالة اللغة الواضحة التي تميز بها الباحث في هذه الرسالة، ورجوعه للكثير من المصادر والمراجع , وأمانته العلمية في النقل , وكذلك خلت الرسالة إلي حد ما من الأخطاء المطبعية المزعجة التي نعاني منها في الكثير من الرسائل.

أيضاً من مميزات الرسالة التسلسل المنطقي لفصول الرسالة ؛ فالباحث قسم الرسالة إلي أربعة فصول، الفصل الأول وتجسد في شرح الإطار النظرية لفكرة بناء الدولة والتحول السياسي، والفصل الثاني وفيه تناول الباحث بنية الدولة العراقية حتي عام 2003، أما الفضل الثالث وفيه شرح الباحث التحول السياسي وبناء الدولة في العراق بعد 2003، وأخيراً جاء الفصل الرابع ليبرز الباحث من خلاله لفكرة التحديات التي تواجه عملية بناء الدولة في العراق.

وفي النهاية توصل الباحث في رسالته إلى جملة من النتائج ؛ أهمها أن السياسة العامة في العراق غير واضحة المعالم، وتعاني من الضبابية، نتيجة للموروث السياسي الذي جلب المحاصصة السياسية والحزبية، والتي تجذرت في المؤسستين التشريعية والتنفيذية على وجه الخصوص، فضلا عن التعددية الحزبية، وهذا ما أدى الى ضعف التفاعل الذي يجري في إطار النظام السياسي بين مكوناته وعناصره المختلفة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

صفاء الصالحيتاريخ نشوء الدولة العراقية

قبل ان استعرض الكتاب لابد من تعريف القارئ بمؤلفه وهو الدكتور واثق كريم سارو من مواليد ١٩٧٧ناحية جلولاء، تخرج من كلية الطب جامعة بابل١٩٩٦، وحائز على شهادة الدبلوم العالي (الماجستير) في الطب الباطني ٢٠١٣، له العديد من المقالات والبحوث المنشورة في المجلات والصحف العراقية والعربية، بالاضافة الى مشاركته في المحافل الادبية والمجالس الثقافية.

يقع الكتاب في ٣٦٢ صفحة من القطع الكبير ١٧*٢٤ ، صادر في ٢٠٢٠ عن دار الفرات للثقافة والاعلام بالاشتراك مع دار سما للطباعة والنشر والتوزيع، ويصنف ضمن كُتب التاريخ التي تتناول العديد من الأحداث التاريخية في ضوء المنطق الاجتماعي الحديث عن فترة طويلة نسبياً تمتد من العهد العثماني حتى منتصف القرن التاسع عشر تقريباً.

والكتاب عبارة خلاصة افكار ماكتبه الدكتور علي الوردي عن تاريخ العراق وتحديداً كتابه الموسم "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" الصادر بستة أجزء وعلى ثمانية مجلدات، ويعلل المؤلف في المقدمة اختزاله للأجزاء الستة بكتاب واحد تماشياً مع ما يسمى بعصر السرعة وعقلية الجيل الحالي الباحث عن المختصر المفيد، كما يوضح فيه الفرق بين هذا الكتاب عن كتب علي الوردي الأصلية.

2167 واثق كريم ساروويستهل المؤلف كتابه ما بعد العتبات النصية الاولى (العنوان، والمقدمة)، الى اهم ما سرده الدكتور علي الوردي في بداية كتابه الأصلي عن موضوع " التنويم الاجتماعي " الذي يشير فيه الى ان المجتمع يسلط على الانسان منذ طفولته الباكرة إيحاءا مكرِّرا في مختلف شؤون العقائد والقيم والاعتبارات الاجتماعية وهو بذلك يضع تفكير الانسان في قوالب معينة يصعب الخروج مِنْهَا ، وهو الذي جعل الانسان الذي نشأ في بيئة معينة ينطبع تفكيره بما في تلك البيئة من عقائد دينية وميول سياسية واتجاهات عاطفية وما شابه ذلك، وان الفرد الذي يعيش طيلة حياته في بيئة مغلقة كما هو الحال في القبائل والقرى المنعزلة يظل خاضعاً للتنويم الاجتماعي حتى ساعة مماته، وعلى العكس من الانسان الذي يعيش في بيئة مفتوحة فانه يقع تحت تأثير إيحاءات اجتماعية من أنماط شتى، وبهذا يخرج من قوقعته الفكرية الذي نشأ عليها في بيئته الاولى ويدخل في عالم جديد يحتوي على الكثير من وجهات النظر وصراع الافكار والجماعات.

ويشيرالمؤلف الى ان كتابه " قصة نهوض العراق " كتاب يسرد احلك العصور التي مرت على بلاد ما بين النهرين طيلة تاريخه، والتي عاصرت فيه نشوء الدولة العثمانية والصفوية، كما يشير الى استفحال الصراع الطائفي في العراق بعد ما صار موضع النزاع العنيف بين تلك الدولتين، ويكشف الكتاب سر وصف العثمانيين لسلاطينهم بالخلفاء، مع ذكر سيرة السلاطين الذين حكموا العراق لحين الاحتلال البريطاني، كما يستعرض الأسباب التي كانت وراء اندلاع ثورة العشرين مع تسليطه الضوء على على تفاصيل معاركها في عموم العراق، وينطلق قاريء الكتاب في رحلة طويلة مع المؤلف ليكتشف  خبايا ترشيح ملك العراق ومن كان منافسه على العرش من العراقيين.

ويختم المؤلف كتابه بالحديث عن تلخيصه لتاريخ العراق في العهود المظلمة من الاحتلالين العثماني والإنكليزي، وكيف قام هذا الشعب من غيبوبته واستفاق على حاله وأصبح شعباً ووطنناً له ثقله في المنطقة .

 

صفاء الصالحي

 

 

 

بشير خلفأدب الرحلات هو ذلك الأدب الذي يُصوِّر فيه الكاتب بكاميراته، وبقلمه، وربّما بريشته ما رآه، وما عايشه شخصيا، وما جرى له من أحداث، وما صادفه من أمور، وما تعرّف عليه من معلومات في أثناء رحلةٍ، أو رحلات  قام بها إلى بلدٍ، أو عدد من البلدان .

‎ ولأدب الرحلات أهمية كبرى في توثيق الأحداث، والمواقف، والثقافات، بل وحضارات الشعوب، وتعريف المتابع، أو القارئ بأبرز معالم، وعجائب، وموروث تلك البدان، وتاريخها، وعادات وتقاليد أهلها أفرادًا، وجماعات.

في رأيي يُشترط فيمن يقتحم الكتابة في أدب الرحلات أن يكون متمكِّنًا من اللغة التي يكتب بها: تعبيرًا، وتوصيفيا، وذا مقدرة في تقريب المَشاهد الى مُخيلة القارئ؛ كما يجب أن يكون صاحب خلفية ثقافية مناسبة كي يستطيع رفْــد مشاهداته بحقائق جغرافية، أو تاريخية، أو اجتماعية، أو اقتصادية وقت اللزوم.

فما بالكَ إنْ كان هذا الكاتب الرّحّالة إعلاميا ذا ثقافة عالية، وخبرة ميدانية اقتربت من العقد والنصف، وهذا ما لمسته؛ بل عشْت، وتماهيت مع كاتبه، وكأنني رفيقٌ له في رحلته إلى ربوع عشْر دُولٍ إفريقية، أثّث رحلاته إليها في كتاب متميّزٍ آيةٍ في النسج اللغوي البهي، والأسلوب الممتع المُشوِّق الموشّح بجمالية اللغة العربية، وسحْرِ الكلمِ. أخذنا الكاتب القدير الرحّالة الإعلامي الجزائري، نجم الدين سيدي عثمان في رحلاته إلى ربوع عشْر بلدان إفريقية التي دوّنها في كتابٍ متميّزٍ:" رحلات جزائري في ربوع إفريقيا.. حكايات ومشاهدات من مالي إلى ليزوتو في 137 يومًا".

الكتاب من الحجم الكبير، يقع في 270 صفحة، تضمّنت توطئة المؤلف، و تغطية الرحلات العش: السودان، غينيا الاستوائية، مالاوي، جنوب إفريقيا، بوركينا فاسو، ليزوتو، مالي، تنزانيا، البنين، ليبيا. الكتاب صدر عن دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع. 2017م. تغطية الرحلات من المؤلف نجم الدين تفاوتت صفحاتها بين: 21 صفحة، و29 صفحة.

في مقدمة الكتاب ينبّه الكاتب القارئ إلى أن ما سيطالعه في الكتاب هو مشاهدات عايشها ضمْن زيارات متكررة قام بها كإعلامي لعشر دول إفريقية خلال ست سنوات ونصف، تمكّن فيها قراءة المكان والزمان في تلكم الدول، وقف على طبائع، وعادات، وأخبار، وغرائب تلك الدول الإفريقية التي زارها، بناء على انطباعات استخلصها مباشرة مع ناسها، وتجارب حياتية، وتجارب حيّة طوال 137 يومًا، طوال تلك المدّة كان يستنتج، ويختبر، ويدقّق، ويشخّص، ويميّز، ويغربل، ثم يكتب، فكان كتابه الذي بين أيدينا.

بأسلوبٍ شاعريٍّ جميل وكأنه يأخذ بأيدينا معه إلى متعة النصّ الأدبي الرّحلاتي:

2164 رحلات جزائري« كنتُ في كلِّ بلدٍ أحرّك عقارب الساعة إلى الأمام أو الخلف، ثم أتحرّك بحثًا عن المتعة، والدّفْء التي يتوق قلبي إلى مجاهلها على نحْوٍ دائمٍ، إلى غموضها، إلى أسرارها، فأرغب أن أكون هناك على أن أمتطي الطائرة باتجاه أوروبّا، وكنتُ لا أكلُّ، ولا أملُّ؛ وأنا على أرضها، أكتشف الجديد، وألتقي بالناس، ولا أتردّد في السؤال، وكان في خدمتي دليلٌ سيّاحيٌّ متطوّعٌ في كل رحلةٍ، وربّما أكثر من ذلك؛ بينما افتقدْتُه في بلدانٍ لم أجدْ فيها مُعينًا وادًا مثل مالاوي.ص:5 »

ممّا برع فيه الكاتب تشويق القارئ في مستهلّ الحديث عن البلد بعتبة عنوانية يُبرز فيها أهمّ حدثٍ، أو صفة تطغى على ذاك البلد:

" في السودان يوم انفصل الجنوب، وفقد الشمال ساقيْه"، " ليلة الهروب من دكتاتور غينيا الاستوائية"، " في ملاوي أفقر البلدان الإفريقية"،" في جنوب إفريقيا حيث الجنة والنار على مرمى حجر"، في بوركينا فاسو بلد النقاء والشقاء والذهب"،" أيّامٌ مع شعب الباستو في مملكة السماء ليزوتو"، حكايات مالية في فرْن باماكو"، " تنزانيا دار الأمان والهيرويين والنفوذ اليهودي"،" البنين بلد الفودو، وجنّة تبييض الأموال"، " إرهاصات الثورة في بنغازي شهران قبل شرارة 17 فبراير".

إننا نعرف عن إفريقيا غير أنها قارة الأمراض، والفاقة، والحروب، فمن يزورها، ويطلع على حقائقها تأكيدا سيغيّر نظرته، وسيلغي أحكامه السابقة؛ الأفارقة يا ناس ليسوا أبدا شعوب غابات، وإفريقيا ليست أبدا محضن الأوبئة، والأمراض، وشعوبها شعوبٌ طيّبة، ومضيافون كرماء، وقلوبهم تتنافى مع بشرتهم السوداء؛ إلّا القليل الشّاذّ عن القاعدة، كما هو في كل شعوب الأرض.

إفريقيا قارّة شاسعة، قارة الخير والبركة، شعوبها تحبّ أرضها، وتدافع عنها منذ التاريخ القديم، تكوّنت بها ممالك وإمارات، وعمّرت قرونا، وكانت سيّدة؛ لكن البض الغزّاة الزاحفين من أوروبّا هم الذين دمّروا السود، السكان الأصليين أينما تواجدوا في القارّة من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، فأذاقوا سكّانها شتى أشكال التعذيب، والتدمير الجسدي والنفسي، وألحقوا بهم الأمراض والفقر المدقع، واستولوا على أراضيهم، وما تحتها من معادن ثمينة، وغير ثمينة؛ بها اغتنوا، وأغنوا بلدانهم الاستعمارية: بلجيكا، فرنسا، اسبانيا، إيطاليا، البرتغال، إنقلترا.

تخلّصت القارّة من الاستعمار إلا بعد منتصف القرن العشرين، لكن بعض دولها دخل في نزاعات إقليمية، أو عرقية، أو حروبٍ اثنيّة مدمّرة، وتحول الأمر من رقّ الاستعمار إلى قبضة أنظمة عسكرية، أو شبه عسكرية. بعد استقلال دول القارة من الاستعمار وجدت نفسها منهكة، ومضطرة لأن تربط نفسها من جديد مع مستعمريها باتفاقيات تتحكّم في مصيرها؛ وإن بدأت بوادر نهضة متميّزة في بعض دولها في السنوات الأخيرة.

السودان بلد السلام

تحدّث المؤلف نجم الدين عن كل ذلك في كتابه، نقّب عن المعلومات، شخّص الأوضاع، غربل المعلومات، دوّن فكان السودان بلد السلام، والمحبّة، والإنسان السوداني بشوش جدا، أساريره منفرجة على الدوام؛ عيون الجميع إلّا ما ندر متّسعة بالرضا، والغبطة، ومشاعر القبول والحمد.. الإنسان السودانيّ نادر في هذا الزمان الأرعن.

من تلك البساطة والطيبة أنّ بإمكانك لقاء المسؤول الكبير، دون مرورك على صغار الموظفين، فالمسؤول الكبير صغيرٌ بالسليقة السودانية. زار الكاتب السودان للمرّة الثانية، في زيارته تلك عاش حدثا تاريخيا في الخرطوم عاصمة السودان الموحّد، عاش إعلان استقلال الجنوب الذي نُظِّم في شهر جانفي 2011م ، ظهرت دولة في الجنوب ليست ورمًا انتُزع من جسدٍ آدميٍّ؛ إنما من جسد السودان، حيث فُصل الساقان اللّذان كان يقف عليهما؛ فضاعت ثرواتٌ ومداخيل المخزون الطّاقويّ المنفرد به الدولة الجنوبية الجديدة.. دخله الكاتب بلدًا واحدًا، وغادره بلديْن.

تنزانيا برُّ الأمان

لئن كانت تنزانيا دار الأمان يأتيها الناس من كل بقاع العالم لتسلّق جبل" كليمانجارو"،أو " شيطان البرد" باللهجة المحلية، وهي أعلى قمة جبلية في إفريقيا، كما حبا الله هذا البلد بطبيعة خلّابة, واخضرارٍ دائمٍ، وأراضٍ خصْبةٍ، وإطلالة بحرية، وبحيرات مثل بحيرة " فكتوريا" التي يقع جزء كبير منها في تنزانيا، فضْلًا عن بحيرة النطرون في شمال البلاد على الحدود مع كينيا؛ البحيرة الوحيدة في العالم التي لونها أحمر؛ فإنّ تنزانيا تبدو الحياة فيها جميلة، منظمة؛ وكأنها ليست بلدا إفريقيا، دار السلام العاصمة تعجّ بالحركة، وتنبض بالحياة. في هذا البلد ثقافة تترسّخ لدى الطفل منذ ولادته، وهي احترام الكبير، وتوقيره. صار البلد ملْجأً لمواطني دول أخرى عانت ويلات الحروب الأهلية، والمجاعة منذ سنوات عديدة متتالية، عدد اللاجئين بالكاد يناهز المليون، تنزانيا فتحت أبوابها للجميع، وقامت، وتقوم بالواجب الإنساني نحوهم. دار السلام مدينة إسلامية بامتياز، بناها المسلمون، هندستها عربية كما أنّ تسعين بالمائة من سكانها مسلمون.

تنزانيا بلد السكر الأبيض، ونعني به الهيرويين، وأسعار استهلاكه في متناول الجميع، بسعْر قطعة جبْنٍ، دليلٌ دامغٌ على كثرة الانتشار، والتناول. مهرّبو الهيرويين، وموزعيه يملكون نفوذا كبيرا، وتأثيرا قوييْن في المجتمع، والسلطة. إسرائيل متواجدة بقوّة في هذا البلد حتى أن علمها في الصدارة لدى البائعين المتجوِّلين؛ ساعدت إسرائيل تنزانيا في إنشاء سدٍّ فوق نهر النيل سنة 2010م، وقامت بإنجازه شركة تابعة للجيش الإسرائيلي، كما قامت بإنشاء منشآت، ومشاريع طبّيّة.

جنوب إفريقيا

مؤلّف الكتاب يؤكد لنفسه عديد المرّات أنهم محقّون في هذا البلد الجنوب إفريقي عندما سمّوا بلدهم "جنوب إفريقيا"، وأعطوْه تسمية جغرافية بسيطة؛ من المؤكّد أنهم عجزوا أمام مئات التسميات الممكنة. كانوا قادرين أن يسمّوه بلد المحميات، والحروب، والعزل العنصري، والجمال، والتنوّع، والامتزاج، والتطوّر، والقوّة الاقتصادية، وغير ذلك.

جنوب إفريقيا عالمٌ بأكمله على أرضٍ واحدة.. هي اجتماع الأضداد في نفس المكان، والزمان تحت سقْفٍ واحدٍ، هي الأمن والرهبة، الخوف والطمأنينة، النّقاء والخبث، الشياطين والملائكة، هي الاخضرار والقفار، هي المحيط الأطلسي، والمحيط الهندي اللذان يلتحمان على شواطئها، هي الجنّة والنار على مرْمى حجرٍ. نهارًا تعتقد أنك في لندن، نمط أكْلٍ، وعملٍ، وبنيان، وتسوّق، وعيش بريطاني؛ أمّا الليل فهو أمريكي صاخبٌ مليءٌ بالمجون والغواية، وحتى الجريمة مع طقْس البحر الأبيض المتوسّط المعتدل؛ وعلى الأرض مزيجٌ من خلْق الله فلا تعرف الأوروبيَّ من الجنوب إفريقي؛ وفي هذا البلد ليس من اللباقة أن تسأل فيه؛ فهناك حواجز عالية مثلما هي عالية أسوار النايات، والمساكن، المسافات شاسعةٌ بين الناس، فالجميع يسكنون في بيوت شائكة، مسيّجة بالكهرباء الصاعقة، الجار لا يعرف جاره؛ الكلّ متوجِّسٌ من الكلّ، والنوافذ معتمة.

الكاتب لم ينظر فقط إلى الجزء الفارغ من الكأس؛ فجنوب إفريقيا قوة عظمى في إفريقيا، وأكثر دولها تطوّرا، بلدٌ جميلٌ جدّا؛ بل قطعة من أوروبا، كل شيء منظّمٌ بشكل أنيقٍ، هندسة الشوارع كأنها مسطرة، الطرق مثل ملاعب لكرة القدم، الفنادق راقية، وبكلّ الأنواع، والأشكال، والأثمان، هنا يمكنك كل أنواع الهوايات حتى التي لا تعرفها، أو لم تسمع بها. مطويّات تقترح عليك تمضية وقتك، شواطئ ساحرةٌ وسياحة طيلة العام، ورحلات منظمة، وطبيعة خلّابة؛ والمقاطعات التسع للبلاد تنفرد عن غيرها بخصوصيّة المناخ، والطبيعة، والثقافة، والتاريخ، وكلّ شيء؛ كل مدينة هي سرٌّ بحدّ ذاته؛ إن هذا البلد له خصوصيّة لم تُعْط لغيره. جنوب إفريقيا أكبر دولة في العالم من حيث عدد المناجم، على أرضها ما يقرب من 90 بالمائة من مناجم البلاتين و 80 بالمائة من مناجم الماغنيز، و73 بالمائة من الكروم، و45 بالمائة من الفاناديوم، و41 بالمائة من الذهب.

يتعرّض الجزائريون المقيمون في هذا البلد إلى الخطر في كل وقتٍ، يموت 5 إلى 6 منهم كل سنة تقريبًا؛ أمّا السطو فيتعرّضون له دائمًا، ولا يمثّل لديهم خسارة كبرى لدرجة أنهم لا يتحدّثون عنه؛ الخوف الأكبر من الموت قتلًا. سمعة الجزائريين تتفاوت، منهم من نجح في التجارة بامتيازٍ، وأصبح مضرب الأمثال؛ ومنهم من اختار الطريق الخطأ كأحدهم الذي نزوّج من شقيقة رئيس عصابة خطيرة تتاجر في المخدّرات، وأصبح صاحبنا الجزائري مع مرور الوقت بارون " كوكايين"؛ وذات العصابة قتلته في " بريتوريا".

مالاوي .. البلد التعس

مالاوي أفقر بلدان إفريقيا والعالم. مالاوي أو رسميا جمهورية مالاوي، هي دولة حبيسة في جنوب شرق أفريقيا، عُـرفت سابقاً باسم نياسالاند. تحدها زامبيا إلى الشمال الغربي، وتنزانيا إلى الشمال الشرقي، وموزمبيق من الشرق والجنوب والغرب. تنفصل مالاوي عن تنزانيا، وموزامبيق ببحيرة مالاوي. ملاوي دولة غير متطورة ويعتمد اقتصاد مالاوي الزراعي إلى حد كبير على دعم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ودول أخرى في معاركه مع الاقتصاد والتعليم وانتشار مرض الإيدز.

من مطار بلانتير العاصمة إلى وسط المدينة مسافة 15 كم، مظاهر التخلّف بادية تصدم المرء، وكأن عقرب الزمن عاد به إلى القرن السابع عشر، حياة بدائية وسط الأدغال، أرصفة مختفية، مساكن الصفيح المقامة فوضويا، بعضها الآخر لم يكتمل بناؤه، لكنه يعجّ بالحركة، والجلبة؛ وهناك ما يشبه سوقًا قذرة، وكأنها من قرون غابرة، أطفالٌ عرّاة، نساء يطحنّ الذرّة، ويغسلن الملابس في العراء، جذوع الأشجار تُنقل على ظهور الشبّان، والأطفال، والشيوخ، وحتى النساء، رزمٌ بكل الأحجام من الفحم؛ من يحملونه تلوّثت ملابسهم الرثّة بالسواد، ما رأيتُ أحدًا نظيفًا؛ الناس تمشي في الطريق المعبّد الوحيد؛ كما كانت التلميذات وهنّ خارجات من المدارس قد حلّقن رؤوسهن بالكامل؛ ويصعب التفريق بين التلميذ، والتلميذة. الغاز ترفٌ لا يملكه الناس؛ لهذا رائحة الحطب والنار تسيطر على أغلب الأمكنة؛ لهذه التعاسة التي يعيش معها السكان في يومياتهم يلجأون إلى احتساء الكحول، أماكن بيعها منتشرة في كل الأماكن؛ شظفّ العيش طاغٍ في بلدٍ ليس له سواحل بحرية، ويكسب الناس فيه عيشهم من الزراعة؛ أو ما يُسمّونه" زراعة الكفاف"، أن يزرعوا ما يحتاجونه، ويعيشون عليه دون بيع المحاصيل؛ حياة الناس، خاصة المزارعين مرتبطة بالمطر؛ فإذا لم ينزل في وقته تحصل مجاعة، وإذا تهاطل بكميات كبيرة غير متوقعة، فيضانات جارفة مدمّرة.

في العاصمة بلانتير لم تجر المياه في الصنابير منذ سنوات، الاستسقاء بالطرق التقليدية هو الحل؛ الأطفال الذين من المفترض أن يكونوا في المدارس، ذاهبون إلى منابع الماء، وعلى رؤوسهم آنيات الماء، قليل منهم من يحصل على التعليم، الإناث مشروع تاجرات متجولات، وسيّدات بيوت فيما بعد. المنطقة الاقتصادية بالمدينة لا يسكنها الناس العاديون، فلا مكان لبيوتهم البائسة؛ ولكنهم في كل صباح يوم يتسكعون في شوارعها الفسيحة، ويتكئون على أسوار البنوك التي في خزائنها آلاف الدولارات، البطالة متفشية جدا، فالشبان والفتيان لا يفعلون شيئا غير البقاء، وتتبّع من يدخلون ويخرجون من البنوك، أولئك المتأنقون رجال المال الأثرياء الذين تشجعهم المصارف في بلانتير بنسب فوائد كبرى، منهم من يأتي من دول إفريقية بعيدة. ما يزيد من معاناة الناس أن أسعار معظم السلع الاستهلاكية باهظة الثمن، أغلبها قادمة من جنوب إفريقيا؛ وبما أن مالاوي دولة حبيسة، فالأسعار تُضاف إليها ضرائب الاستيراد، والجمارك، والشّحن.

من أغرب سلوكات سكان هذا البلد مطاردة الفئران لأجل أكلها، وهي جزء من النظام الغذائي للسكان، خاصة في العاصمة، تُقدّم مسلوقة، أو مشوية؛ كما أنها تُباع على قارعة الطريق في عيدان شواء، فالإقبال عليها من البديهيات اليومية. رؤية الأطفال أمر عاديٌّ وهم يحملون معروضاتهم من الفئران على الطريق، سعر 4 فئران حوالي 150 كواشا" نصف دولار". الأمر لا يتعلق بالجوع، والمجاعات؛ إنما هي ثقافة السكان، وعاداتهم، وموروثهم.

يوجد الهنود المسلمون بكثرة في مالاوي، يسيطرون على التجارة والاقتصاد؛ إنهم العصب المحرّك للعجلة الاقتصادية، وهم السبب في تحوّل مدينة بلانتير إلى قطب اقتصادي، أغلبهم أثرياء، يُدينون بالإسلام، مثل كثير من حاملي الجنسيات الآسيوية المقيمين بالبلد، وإنْ كان عددهم قليلًا. عددُ الهنود حوالي نصف مليون نسمة، كما أن ثلث السكان يدينون بالإسلام، فانتشاره واضحٌ، والآذان يصدح مسموعًا.

في مالاوي لا يطلب الناس لأكثر من الأكل، إذ يردّدون المثل الشعبيّ" شيمانغو ندي مويو"، أي " الذرّة هي الحياة"، إنهم لا يطلبون لحمًا؛ بل ذرّة فقط، وهو الأكل الشائع، والناس مع الأجانب رغم الفقر المُدقع ودودون في معاملاتهم اليومية لكنهم لا يضحكون، ولا يمنحون أنفسهم هذا الحقَّ؛ وإنْ فعلوا فبعيدا عن الأعين؛ الضحك والابتسام بذخٌ لا يليق بهم؛ خُلقوا ليكونوا فقراء.

مالاوي قلْبُ إفريقيا الدّافئ لا تستحقّ هذه التعاسة الشاملة.

اكتفيتُ بالحديث ممّا جاء في الكتاب عن أربع دول: السودان، تنزانيا، جنوب إفريقيا، مالاوي؛ وما هو مدون في الكتاب عن الدول الستّة الأخرى لا يقلّ مُتعة؛ بل أكثر، وكذلك ألمًا. ممّا يُتّهم به الجزائريون أنهم لا يدوّنون رحلاتهم إلى بقاع العالم، وهم من السبّاقين إلى الرّحلات البعيدة والقريبة، وأنهم أقلّ جرأة من تدوين حيواتهم الشخصية؛ إلّا أنّ الإعلامي القدير المتميّز نجم الدين سيد عثمان ألغى هذا الحكم، وربّما فئة ممّنْ قرأوا، أو سيقرؤون هذا الكتاب سيشمّرون، ويدوّنون رحلاتهم.

كتاب" رحلات جزائري في ربوع إفريقيا" ذو مضمون ثريٍّ جدّا، وأسلوبٍ مشوّقٍ، سرْدٌ فما هو بالسّرد فحسب، شعْرٌ فما هو بالشعر فحسب، حكْــيٌ فما هو بالحكي فحسب، إنما كلها اجتمعت في هذا الكتاب كي يكون وجبة شهية ماتعة للقارئ.

 

بشير خلف/ كاتب من الجزائر

 

 

جمال العتابيتاريخ الخوف.. للكاتب الباحث فالح مهدي

زخم الأسئلة عن الجذور وأدوات الصنع

الكاتب فالح مهدي يسعى لتجاوز ماهو مألوف ومكرر أو مستهلك في معظم كتاباته، وبرؤية جديدة في مشروعه النقدي، ويحاول فالح أن يحقق حضوراً متميزاً ومضافاً، فيجد نفسه في حالة إلزام وبحث عن الحقائق في موضوعات فكرية، وبلغات أخرى غير العربية، تفتح أمامه أبواباً واسعة لمعرفة مضافة.

ولعل فالح قدّم للمكتبة العربية إسهامات جديدة أغنت الذهنية الإنسانية بدراسات جادة، كنمط جديد في التفكير والإبداع، منذ أن صدر له (المنقذ) عام 1972، دراسة مقارنة في عقيدة المنتظر بين ثماني ديانات، وللكاتب مهدي إسهامات مهمة في كتابة الرواية والقصة القصيرة، باللغتين العربية والفرنسية، ثم إتجه نحو تناول القضايا الفكرية الأكثر حساسية، تلك التي تتعلق بالمكبوت الديني والإجتماعي والأخلاقي والسياسي في تاريخنا الحديث والقديم، وهو في سائر أعماله هذه ينتبه إلى ماهو مثير في الكتابة، منشغلاً بعمق في الكشف والإضاءة.

إن إختيار فالح مهدي لنهجه الجديد في الكتابة، ليس إختياراً شخصياً فردياً لمادة معرفية، بقدر ماهو إستجابة لحاجة عميقة في الذات تتمثل  بزخم الأسئلة السايكولوجية، الميتافيزيقية، الأنثروبولوجية، السسيولوجية، وعموما هي أسئلة وجودية، عن الحياة والموت، عن الاديان، واللاهوت والطوائف، لذلك كان إختياره لـ(تاريخ الخوف) كميدان للدراسة، إختياراً فكرياً يضرب بجذوره في أعماق الكائن القلق المتسائل، انه إختيار غير عرضي، فالإنسان منذ القديم، يجد نفسه مدفوعاً إلى التساؤل عن مصادر الخوف وأسبابه ودوافعه،

ولكي نقف عند أبعاد (تاريخ الخوف) الصادر عن بيت الياسمين للنشر والتوزيع في مصر 2022، لابد من الإشارة إلى الصعوبة التي تواجه الكاتب في البحث التاريخي، فالباحث فالح مهدي ليس مؤرخاً يعتمد التسلسل التاريخي، إنما هو باحث في المعرفة والفكر، وحسب أوغست كونت، فأن المعرفة الجيدة بمعنى من المعاني لا تتيسر إلا بالإطلاع على تاريخه، كما انه ليس طرفاً في صراعات، ومن ثم فهو لن يوجهها، بل عامل أساس في إخمادها.

توزع الكتاب إلى ستة فصول، تبحث في جذور الخوف، أصوله وبداياته الأولى منذ عصر الصيد وجمع القوت حتى زمننا المعاصر، وتجنب فالح البحث في حالات الخوف (البديهية) كما يصفها، كالذعر والرهبة والهذيان، وفقدان العقل، وراح نحو (العمود الفقري) للكتاب المتمثل بالسؤال : لماذا إستندت كل الديانات إلى موضوع الخوف لكي تقوم ويستقيم أمرها؟ والثيمة الأساسية الثي إعتمدها البحث، هي الخوف الممنهج الذي رسم مسيرة المجتمعات، وتحكّم بطرق أداء وظائفها، وإعادة بناء سلوكها، في ضوءالمنهج الذي إعتمدته الأيديولوجية الدينية والأسطورية منذ مئات السنين، الموت أساس وجوهر مخاوف الإنسان، بل كان العامل الأول في قيام الحضارات، وتطور الثقافات.

1981 تخاريخ الخوف

ان تاريخ المعتقدات الدينية التي سادت كانت من نتائجها الإيحاء بتشييد الإهرام، والقبور، والتوابيت، والمعابد، والكتابات والتماثيل والنصب، والكثير من الصناعات الفنية، والأدوات الموسيقية، وحتى الرقص والموسيقى تقدما بسبب ذلك، ان الدافع لعبادة مظاهرالطبيعة كان بسبب الخوف لإتقاء شرها، وبرأي الفيلسوف الأثيني كريتياس(460-403 ق. م)، ان الناس ابتكروا الآلهة كي يزرعوا الخوف في نفوس الآخرين.

ان صعوبات عديدة تواجه الباحث في دراسة الخوف، فهو موضوع معقد ومتشابك، لانه يتعلق بدراسة تاريخ الذهنيات والأحاسيس الداخلية الدفينة جراء حوادث ووقائع كثيرة، مثل الكوارث والحروب والأوبئة والموت، والمجاعات، والأهوال الكثيرة، ودراسة فالح مهدي تعدّ اضافة جديدة لدراسات سابقة بدأها المؤرخ (جورج لوفيفر) نشرها عام 1932، بعنوان الخوف الكبير عام 1789،خصصها للثورة الفرنسية التي عمّت فيها الفوضى بشكل خطير، وكانت الدراسة حافزاً لدراسات أخرى تشتغل على الخوف كثيمة، أهمها مقالة مهمة للمؤرخ الفرنسي (لوسيان فيفر)، إلا ان أهم عمل صدر عن تاريخ الخوف هو الكتاب المرجع للمؤرخ الفرنسي (جون دوليمو)، بعنوان تاريخ الخوف من القرن 14 الى القرن18الصادرعام1978، ودراسة أخرى للمؤرخ البريطاني (ريتشارد أوفري) حول العصر المريض، نشرت عام2009، وفي كتاب: الخوف تاريخ فكرة  سياسية للامريكي (كوري روبين)، يخلص فيه الى ان الخوف أصبح ركيزة أساسية لدعم السلطة وتبريرها.

في ضوء ذلك يمكن القول ان الخوف كشعور انساني وغريزة طبيعية، أسهم بشكل كبير في صناعة التاريخ العالمي، وان تاريخ البشر ما هو الا يوميات مجتمع يعيش على وقع الخوف بكل أشكاله.

وإذا كان تساؤل فالح مهدي عن إمكانية قراءة تاريخ الخوف وفق المعايير التي إعتمدها في البحث، فان العديد من الآراء والأستنتاجات التي توصل اليها الباحث تستحق المراجعة والتأمل، والمناقشة، منها على سبيل المثال، اشارته الى ان الأيديولوجية الدينية هي التي كرّست صناعة الخوف، وليست تلك الايات التي قادت للذعر، انا افهم ان الايديولوجيا في هذا الحقل اساسها واحد، وفي اشارة أخرى الى ان الانسان الاوربي، كفّت ان تكون بلاده بلاد خوف، بتقديري ان الوقائع والأحداث التي يشهدها العالم الآن وأوربا على وجه الخصوص تقول غير ذلك، فالمخاطر والتهديدات ومصادرالخوف ما تزال ماثلة بوجوه متعددة.

وأمام واقع قاد العالم الى كوارث كبرى بملايين الضحايا والخسائر في حربين عالميتين، هل يمكن الجزم ان نظاماً قام ببنائه لينين وشيده ستالين انه(اكثر الأنظمةإرهاباً في العالم)؟ وإختتم فالح مهدي كتابه بمبحث أخير عنوانه (الرحمة مقابل الخوف)، ناقش فيه كتاب الباحث عبد الجبار الرفاعي (الدين والإغتراب الميتافيزيقي)، بتقديري، ان هذا المبحث بحاجة الى دراسة مستقلة، لا تندرج ضمن كتاب تاريخ الخوف، ربما لأن الكاتب مهدي ذهب الى موضوعة أخرى تتعلق بالحرية لا الخوف،

والملاحظة ذاتها بخصوص النصوص والصلوات والاشعار التي وردت في المتون، اتساءل كم هي أضافت للمضامين غنى وتأثيراً؟

وثمة ملاحظة أخيرة أقولها لانها تأتي ضمن إهتمامي بالإخراج الفني، والطباعي، والتشكيل، وهي ملاحظةأعني بها دار النشر، التي لم تكن موفقة في تصميم الغلاف واخراج الكتاب بالشكل الذي يتناسب واهميته الفكرية والمعرفية، أو مع أهمية اسم الكاتب وحجم الجهد العلمي الذي بذله فيه.

ان الاقتراب من موضوعة الخوف بالبحث والدراسة المعمقة، وبمقاربات متنوعة، يعد مغامرة للكاتب، استطاع فالح مهدي أن يخوضها بجدارة، والكتابة في هذا المجال، تعد إنجازاً له، وللفكر الإنساني.

 

جمال العتّابي

 

محمد عبد االشافي القوصيأول كتاب يُؤرِّخ لشعراء المعارضــة

كتاب (شعراء في مواجهة الطغيان) يُعدُّ موسوعة أدبية عن تاريخ الشِّعر السياسي في الوطن العربي، إذْ يَعرِض مآسي الشعراء العرب عبر العصور.. أولئك تعرضوا لأشد أصناف القمع والتعذيب والمطاردة والتصفية الجسدية!

"هذا الكتاب" بمثابة صندوق للشكاوى، ودفتر للمظالم، وساحة مصارعة، ومحكمة علانية منعقدة، تتبادل فيها الاتهامات بين الظالمين والمظلومين، بين المفترِين والمُفترَى عليهم، بين الطغاة المسلحين والمستضعفين العزل!

"هذا الكتاب" يحتوي على القصائد الممنوعة، والقصائد التي لم يُعرف أصحابها الأصليون، والقصائد التي بسببها تمَّ تصفية هؤلاء الشعراء، أوْ سجنهم، أو مطاردتهم، أوْ نفيهم؛ بدءاً من عمرو بن كلثوم، مروراً بالفرزدق، والكميْت، ودعبل، حتى نصل إلى البارودي، والكاظمي، ومحمود الزبيري، وأمل دنقل، ويحيى السماوي، ومُظفَّر النواب، ونزار قباني، وأحمد مطر، وغيرهم من الذين قضوا أعمارهم في المنافي والسجون!

إنَّ أزمة هؤلاء الشعراء تكمن في (أنظمة الحكم) الجائرة التي أنشبتْ أنيابها عبر حقب تاريخية مظلمة، وجاءت عن طريق انقلابات رعناء؛ تعمّدت تهميش الصالحين والمصلحين، وعزلهم عن مواقع الريادة والتأثير، بلْ ومطاردتهم وتصفيتهم؛ حتى يخلو الجو لحواشي السلطان من الأقزام والمتسلّقين الذين هم –بمثابة– اليد اليُمنَى من الطغيان!

***

ترى؛ لماذا يغضب الشعراء؟ وما هي الدوافع التي جعلت الشعراء يحملون راية العصيان؟ وأجبرتهم على كتابة القصائد المسمومة؟ التي يُعَدّ اقترافها من "الكبائر" أوْ من "المحظورات"! وما هي الأسباب التي أرغمتهم على كتابة هذا الشِّعر الحارق، وهذه القصائد المتفجِّرة التي جَرَّتْ عليهم كثيراً من الأزمات والمصائب؛ كالسِّجن والنفي والمطاردة والتشريد والتصفية الجسدية!

هؤلاء الشُّعراء لا يتصنَّعون "الشِّعر السياسي" ولا يتكلَّفونه كالأغراض الشعرية الأخرى، إنما يفرض نفسه عليهم فرضاً، ومُساقونَ إليه سوقاً، ومدفوعونَ إليه دفعاً .. ربما لسوء الأحوال الاجتماعية وتدهور الأوضاع السياسية، أوْ ربما بسبب طبيعتهم النفسية القلقة، أوْ بفعل شياطينهم المردَة، أوْ بسبب قسوة الحياة، ووحشية الحكومات، وضراوة الأنظمة الحاكمة!

فالشَّاعر العربي جُبِلَتْ نفسه على خَلْق هذا اللون الشِّعري "المُزعِج"! ورأى نفسه مشدوداً إليه شداً، ومدفوعاً إليه دائماً بدافع قهري. فعندما تلحّ عليه فكرة القصيدة أوْ موضوعها، لا يستطيع صدها أوْ منعها أوْ حتى تأخيرها ... إنها لحظة المخاض -كما وصفها الشعراء أنفسهم! فلابد لهذا الجنين أن يخرج إلى النور على الفور سواء كانت ولادته عادية مُيسّرة، أوْ قيصرية مُتعسِّرة! المهم أن يخرج هذا الكائن إلى الحياة ... أمَّا عن اسمه ورزقه وأجله؛ فهذه مسائل أخرى تتضح معالمها فيما بعد الولادة.. حيث يبدأ صراع هذا "الوليد" الشِّعري مع الوجود الخارجي المُلَبَّد بالسحب الداكنة، والعواصف الهوجاء، والحُفر الاجتماعية والمطبّات السياسية. ولطالما أمسى هذا الوجود الخارجي في حالة لا تسمح له بقبول هذا الوليد أوْ منحه مكاناً تحت النور!

***

"هذا الكتاب" جمع أشهر القصائد السياسية عبر التاريخ التي أودتْ بحياة أصحابها، وألقتْ بهم في غياهب الضياع ... حيثُ نتوقف مع الشّاعر الذي هجا "نوبار باشا"، والشّاعر الذي هجا "رياض باشا"، والشّاعر الذي هجا "الخديوِ سعيد"، وثورة شاعر البادية، وشـاعر البـؤس، وشـاعر في رَحِم السجن! والمُلاكِم الأدبي، وشـاعر الإسلام، وشاعر الثورة، وشاعر الدعوة، وشاعر وراء القضبان، وشاعر الانتفاضة، وشاعر الصحوة، والشَّاعر المجهـول، وأزهري في مواجهة الاحتلال، والأعمى الذي رأى كل شيء، وأمير شعراء الرفض!

وهناك قصائد مهمة جداً، احتواها الكتاب، مثل: قصيدة جـلاّد الكنانـة! ورسالة في ليلة التنفيذ! ورسالة في ليلة النصر! وفلسفة الثعبان المقدس، والخروج من السجن الكبير، واللَّعين الأول، وفرعون مصر، وفرعون وقومه، وقذائف الحياة الأولى، وصرخة من خلف الأسوار، والقدس عروس عروبتكم، والسيرة الذاتية لسيّاف عربي،  وأغاني الديكتاتـور، ومبارك العميـل، وكـِلاَب وأُسُـود، وصـلاة الكُهَّـان، والحاخام يخطب في بغداد، وارحــل يا جبان، وارحــل .. يا بلطجـي، وارحلـوا عنّا .. إلى غير ذلك من القصائد التي تقطر دماً.

نعم؛ إنها قصائد حارقة أطاحت بالأنظمة، وزلزلت عروش الطغاة!

وفي الوقت ذات؛ جنتْ هذه القصائد على شعرائها مصائب كبرى، فعوقبوا بالمطاردة، والملاحقة، والتصفية الجسدية!

العجيب؛ أنَّ أغلب هؤلاء الشعراء من (مصر واليمن والشام والعراق) وهذا أمر يجب التوقف عنده، والبحث في كُنْه هذه المجتمعات الاستبدادية؛ التي فرضت على أدبائها التمرُّد والعصيان!

ومن القصائد التي احتواها هذا الكتاب، قصيدة (ارحــل يا بلطجي) للشاعر السوري "محمود السيد الدغيم" التي هجا بها "بشّار الأسد"، قائلاً له:

ارْحَلْ وَخُذْ كُلَّ اللُّصُوْصِ

وَخُذْ رُعَاْعَكَ يَاْ هُبَلْ!

بَلْ خُذْ جَمِيْعَ الْمُخْبِرِيْنَ

وَكُلَّ جُمْهُوْرِ الْفشلْ

إِنَّاْ خَلَعْنَاْ خَوْفَنَاْ

فَارْحَلْ كَمَخْلُوْعٍ رَحَلْ!

بلْ استمع إلى الشاعر العراقي (يحيى السماوي) وهو يَروي مآسي وطنه:

فأرض "دجلة" عندي عن مصائبها

ما لا يُقالُ، فماذا يكتبُ القلمُ؟

مدائنٌ أصبحتْ للناس مقبرةً

وأنهُرٌ ماؤها مما يُراقُ دمُ!

وأيُّ حاكم لؤمٍ بات يحكمنا

وقدْ تساوى لديهِ الدِينُ والنغمُ!

وما أروع تشبيه الطغاة العرب بالكلاب الضالة، بل الكلاب أشدّ طهراً منهم –كما يقول الشاعر "إسماعيل شعشاعة":

كِلابٌ والكلابُ أشدُّ طُهْراً

كِلابٌ .. والكلابُ أجَلُّ قَدْرَا

إذا شبّهْتَهُمْ فيها اشمأزَّتْ

وتاهتْ فوقهمْ تختالُ كِبْرا

كلابُ الأرضِ أنصعُ .. بَلْ كَفَجْرٍ

وهم زادوا اسْوِداداً بَلْ وفُجْرَا

كِلابُ الأرضِ أرفعُ في مقامٍ

وأطهرُ منهمو فعلاً وسؤْرا

وهُمْ عارٌ على وطني وقومي

أحالوا الخصبَ كُثْباناً وقَفْرَا !

***

محمّــد عبد الشّــافي القُوصِـــي

 

 

وجبة دسمة من الجمال

يعود د.سمير ايوب مجددا ليأسرني بحروفه، بأحساسه وسرده، يعود هذه المرة ليحدث دويا في داخلي ضجيجا من المشاعر

يكتب بهذا العمق وهذا الاحساس ونعيش معه كل هذه المشاعر ليصعب علينا النسيان

نواصل المسير في عالم د.سمير ايوب وهذه المرة مع مجموعة جديدة من القصص الاكثر إمتاعا .

40 قصه يبدع بها الكاتب الكبير بنفس النهج الذي يعتمد على اختصار الكلام واطلاق الحكايه في افاقها الواسعة .

هنا ستجد لوحات من حياتك وحياة الاخرين بكل تفاصيلها، وقد تبتسم وتقول هذه الحكايه تمثلني، وهذه حكايه جاري، وهذا فلان دون شك !!

هنا يبدأ الابداع برسم ملامحه، عندما يمسك د.سمير القلم .

"ثرثرات في الحب "  عنوان مجموعة نصوص جديدة للكاتب سمير ايوب وأنا أعتبر ة شاعرا وقاصا وروائيا، رغم أنه لا يصف ولا يصنف ما يكتبه، هو يكتب فقط، يكتب دون أن يعكر ويفسد الدهشة بلغة التأويل، ولا تهمه الاعتبارات التي ينظر إليها الكتّاب حين يمسكون القلم.

عندما تقرأ نصه، تجده رسالة، أو مقطعا  من رواية، تقرأه مرة أخرى، فتحسّه قصيدة أو قصة قصيرة.

وهو في الكتابة ليس له خط سير، يتكلم بصدق وجرأه عن الكثير من القضايا التي تتوارى في الصمت ويطرح وجهة نظره ونظر غيره من الرجال والنساء

 يحس بتعب المفردات ويدعونا ان ننسى تماسكنا وننساب في متعه الانكسار العظيم عندما يقول :

 ماذا أفعلُ بهذا الكَمِّ الهائلِ مِنَ الألمِ  يا ظالمة؟ حضورُكِ الغائبُ يَعتصرُني، ويُلبِسنُي وجَعاً، مُمْتداً بينَ كلِّ غَفوةٍ وقَطرةِ حِبْر .

مر زمن طويل لم يشدني كتاب حتى عثرت على الدهشة هنا خلطة آسرة من المشاعر المربكة

خوف..إعجاب..دهشة..وجع..وارتجاف يصيب قلبك وعقلك

ادب يضعك على خيط رفيع بين الواقعي والخيال، بين تفاصيل الواقع وجزئياته الحياتية والغوص عميقا في التخييل لدرجة تجعل عقلك مأخوذا في دهشة لا تنقطع، دهشة تجعلك تتدخل في الحدث السردي وتعيد تشكيله وتأويله، وتفتح خيالك على اتساعه صارخا بلا وعي" يااااه.. كيف قال ما عجزنا عن قوله.. كيف رأى ما لا نراه؟!"

 في المجمل لا يمكن اختزال الحياة في عبارة ولا كتاب في كلمة لكن د. سمير ايوب لص محترف يسرق منك وقتك فتغرق في تفاصيل قصصه ورؤاة"

ليس من السهل أن تدخل عوالم سمير ايوب القصصية، الطريق المزينة بجمال لافت وعبقرية سردية طريق وعرة، ستشدك من قلبك وتتركك هناك تقرأ وتعيد، تقرأ وتشهق، تقرأ وتضحك، تقرأ وتبكي، تقرأ وتعيد.

ستجد نفسك مأسوراً، وراضياً جداً..

"ثرثرات في الحب" عمل لا يمكنك أن تتركه حتى تنهيه، ولا يمكن أن تنهيه إلا لتعود إليه مجدداً فأفضل الكتب تلك التي تجبرك على العودة إليها كالقُبلة الأولى في ثنيّات الذّاكرة!  تلك الكتب التي تخرج منها بعبارة عميقة و باقتباس جميل .

لم آسف في حياتي على انتهائي من كتاب، بقدر ما أسفتُ على مفارقةثرثرات في الحب "

كلما انتهت حياة شخصية شعرت بأن سمير يكسر لي ضلعًا. لا أذكر كم مرة ضحكت، ولا كم مرة بكيت، ولا كم مرة شهقت، لأن هذا المعلّم العملاق يبرع في إخفاء أدواتة .

أكثر السحرة إدهاشًا لا يستخرجون الأرانب من القبعات، بل يستخرجون القبعة من أذن الأرنب، وسمير من الصنف الثاني، النادر، العبقري دونما مبالغة وبتطرف تام من قبلي.

إذا كانت الكتابة هي الطريقة، فإن سمير ايوب هو شيخ الطريقة حتمًا.

د.سمير ايوب عرفته جيدا و منذ فترة طويله جدا

هو ذاك الذي يضعك في مكان تضيق فيه المساحات و يجبرك على ان تبحث عن طرق اخرى لتعرف نفسك اكثر فاكثر

هو نفسه الذي يجعلك تتفجر انهارا، ينابيع من كل المشاعر يجعلك تصبح طفلا صغيرا يبحث عن اله على مقاسه علّه يتفهمه

ثم يجعلك مراهقا يبحث عن ملامح حبيبة قادمة في خيوط دخان..في رائحة الجِنان..و يقع صريع قبلة هاربة، يجعلك تستبق عمرك الفاني لتشيخ قبل الوقت بايام ثم تسعد برؤية تجاعيد الكلمات في مقلتيك..تتساقط شلالا

 يجعلك تصدق بأن الشخصيات والأماكن والحوادث التي يكتب عنها هي حوادث حقيقية حدثت بالفعل، أو قابلة للحدوث، ومن خلال رسمه الدقيق لهذه الشخصيات يجعلك تراها بعينك حقيقة واقعة، حتى أنك ترفض مجرد فكرة التشكيك بها. 

كاتب ذو خيال يمتلك قدرة من نوع ما على تطويع الكلمات في وصف أشياء انت تصادفها كل يوم وتشعر بها وتتفاعل معها لكنك لا تتمكن من وصفها، لذلك فأنت تحب هذا الكاتب دون سواه لقدرته على وصف شعورك وليس لأنه جاء بشيء جديد لم تكن أنت تعلمه.

كاتب يتفوق على نفسه ولا يكرر ذاته وجمله، وعندما يكتب كأنما يعيش حياة أخرى، ليست حياته، ومع الانتهاء من الكتابة، يموت، ويمضي بعينين وأصابع جديدة، نسميها نحن المُخيّلة.

ربما من الغريب بالنسبة لي كقارئة متأنية  أن أقرأ كتابا كاملاً في جلسة واحدة، فأنا أرى في النص الادبي القصير حلوى أختم بها وجبة دسمة من قراءات متعددة..

ما حصل مع هذا العمل كان مختلفاً..

فمن الإهداء حتى آخر صفحة بيضاء كنت في حالة امتلاء ودهشة..

تتداولني مشاعر الحب، والخوف، والشغف، والشوق، والرعب والمتعة.

كل كلمة كانت تمتلك لحنها الخاص، كل نص كان رواية .

عمل مهم ومختلف في الشكل..والمعنى..والمبنى..والتقسيم.. والعناوين.. حوارات مدهشة ومتداخلة ومترابطة، في تركيب روائي ساحر، بشكله المغاير، وأساليبه المتعددة .

لن أتحدث كثيرًا عن الكتاب وكذلك لن أكتب عنه ما أريده حقًا

انتظروه واقرأوه ففيه الكثير الكثير، مما لم يكتبه غيره .

هذا ما تخبئه ثرثرات د.سمير ايوب ثرثرات رشيقه وشخصيات جريئه حره مرسومه بدقه وعنايه ناقلًا إلينا الدهشة، بخفة ساحر، وارتباك شاعر، وعين ضائعة، تبحث عن رؤاها، فيما لا يُرى.

مبارك صديقي..تستحق ألف شكر على هذه الوجبة الدسمة من الجمال..

لن أقرأ أي شيء آخر اليوم..غير أنني سأحلي بهذه النصوص قراءاتي لأيام كثيرة قادمة.

 

نوال عايد الفاعوري

 

 

يسري عبد الغنيعلي بن عيسى الكحال، طبيب عربي له إسهامات كبيرة في طب العيون، ومعنى كلمة الكحال أي طبيب العيون، عاش في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، ويعد كتابه (تذكرة الكحالين)، من أشهر الكتب في طب العيون عبر تراثنا .

ومن الأمور الجديدة التي أحدثها علي بن عيسى الكحال استخدامه للتخدير أثناء إجراء العمليات الجراحية في العين، وقد اعترف المستشرقون بأنه أول طبيب في تاريخ الطب العالمي يستخدم التخدير في العمليات الجراحية على وجه العموم، وفي العمليات التي تجرى في العين على وجه الخصوص .

هذا الرجل الذي عاش في بغداد العراقية تشهد بشهرة كتابه (تذكرة الكحالين) ترجمتان مهمتان، إحداهما: باللاتينية، والأخرى: بالعبرية، وترجع الترجمة الأولى إلى سنة 1497 م، وسنة 1499 م، حيث نشرت في مدينة البندقية الإيطالية، أما الترجمة العبرية فيرجح أن تكون قد نشرت في حوالي سنة 1500 م .

هذا، وقد عني المؤلفون والباحثون من أهل الاستشراق في القرن العشرين بتحقيق التراجم الموجودة لكتاب علي بن عيسى، وقاموا بنقلها إلى اللغات الأوربية الحديثة، حيث استفاد منها الغرب استفادة كبيرة .

ويقع كتاب (تذكرة الكحالين)، في أجزاء ثلاثة، وهو أقدم مؤلف كتب باللغة العربية في (الرمد)، إذا استثنينا مؤلف حنين بن إسحاق، والذي عنوانه (المسائل في العين)، وقد جاء على طريقة السؤال والجواب، حيث أنه وضعه لولديه: داود وإسحق .

ونشير هنا إلى أن الدكتور / ماكس مايرهوف، والأب سباط، قاما بنشر كتاب حنين بن إسحاق سنة 1938 م، والمعروف لنا أن حنين ابن إسحاق توفي سنة 877 م، في شهر أكتوبر تحديداً .

ولا يمكن لنا إلا أن نقطع في هذا المجال بتأثر علي بن عيسى في كتابه (تذكرة الكحالين)، بما ورد في كتاب حنين، ونؤكد أنه بنى عليه من عندياته إضافات عديدة مفيدة، فكانت النتيجة أنه أحاطنا علماً بكل معلومات زمانه في مضمار طب العيون .

ونقول أيضاً: إن حنين نفسه اعتمد على ما جاء قبله في نفس المجال، وهذه هي سنة التراكم العلمي، فلا ضرر ولا ضرار، أن يأخذ اللاحقين من السابقين، فكلنا عيال على الكتب، وعليه فلا داعي أن نشوه ونسئ إلى الآخرين عندما يستفيدون بكتب من سبقوهم، المهم أن يشيروا إلى ذلك وفقاً لقواعد البحث العلمي والأمانة العلمية، وفي نفس الوقت يجب أن يكون لهم رؤيتهم الخاصة بهم، وإبداعهم الذي يفيد القارئ .

نعود فنذكر: أن أول جزء من كتاب الكحال عني بالتشريح والوظيفة، بينما عني الجزء الثاني بالأمراض ذات الأعراض الظاهرة من الخارج، وجاء الجزء الثالث ليهتم بالأمراض الخفية، وبالغذاء، وبالطب العام، مع اهتمام كبير بالرمد وكيفية علاجه .

وقد ورد في الكتاب وصفاً لحوالي (130) مرضاً من أمراض العيون، وورد أيضاً (143) عقاراً لعلاج هذه الأمراض .

وفيما يلي نشير إلى بعض الدراسات والأبحاث التي قام بها أهل الاستشراق لدراسة الكحال، ودوره المتميز في الاهتمام بعلاج وتشخيص وبحث أمراض العيون:

1 - البحث الذي كتبه (هوشبرج)، بعنوان (علي بن عيسى الكحال)، وقد استند فيه إلى العديد من المخطوطات العربية الطبية، التي شرح الكثير مما تضمه عن الكحال، وقام بنشر هذا البحث باللغة الألمانية في مدينة ليبزج سنة 1904 م، ويجدر بالذكر هنا أن هوشبيرج قام بترجمة كتاب الكحال إلى اللغة الألمانية أيضاً .

2 ـ كذلك عقد (هوشبيرج)، فصلاً مهماً عن الكحال ضمن كتابه (متن في طب العيون العام )، وذلك في الصفحات من 121 إلى 146 .

3 - كما قام (سي.أ.وود)، بترجمة كتاب الكحال، بترجمة كتاب الكحال إلى اللغة الإنجليزية، وذلك في مدينة شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية، سنة 1936 م.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

علي محمد اليوسفصدر لي عن دار غيداء بالاردن كتابي الفلسفي الجديد بعنوان (نقد في الفلسفة الغربية المعاصرة)، إليكم تفاصيله:

المحتويات

المقدمة

القسم الاول : اللغة والفلسفة

-  فائض المعنى في فلسفة اللغة

-  توليدية جومسكي في التحول اللغوي

- البنيوية:الانسان خارج منظومة الحياة

- التفكيكية وسلطة تقويض النص

- بول ريكور : فلسفة الارادة والانسان الخطاء

- بول ريكور : تأويل خطاب ما بعد البنيوية

- ادراك الوجود ..الفكر واللغة

القسم الثاني: مختارات فلسفية محكمة

- فويرباخ: الطبيعة ونزعة التفكير البدائي الميتافيزيقي

- عالم الانسان المصنوع والطبيعة

- وحدة الوجود في الصوفية والفلسفة

- الوعي القصدي في فلسفة جون سيرل

- وعي الذات وما بعد الحداثة

- العقل والجسد ...البيولوجيا والفلسفة

-  الفلسفة وما بعد الفلسفة

القسم الثالث: الفلسفة الامريكية المعاصرة

-   الذرائعية والواقعية الجديدة في الفلسفة الامريكية المعاصرة.

-   وليم جيمس... هل الوعي موجود ؟

- المثالية النقدية الاميكية..الطبيعة والعقل والاخلاق

-  تيارات فلسفية امريكية متداخلة معاصرة

-  المنهج الطبيعي في الفلسفة الواقعية النقدية الامريكية

-  النزعة المثالية النقدية في الفلسفة الامريكية

القسم الرابع: هيدجر والميتافيزيقا

-  سؤال هيدجر في الوجود والعدم

-   الوجود مفهوم ميتافيزيقي وليس موجودا انطولوجيا

-   الوجود والموجود.. الثابت والصيرورة

-  هيدجر وميتافيزيقا الوجودية

- تعالق الوجود والموجود في فلسفة هيدجر

-  كلمات فلسفية في الوجود والحياة ج6

- العدم من منظور فلسفي

- الحقيقة البراجماتية والوعي الزائف

القسم الخامس : الفلسفة والمعرفة

- مبحث الابستمولوجيا في الفلسفة المعاصرة

- الابستمولوجيا والخبرة العقلية

- كانط وقالبا الزمان والمكان في الادراك العقلي

- فرويد :الزمن في اللاشعور

-  قضية فلسفية: قريبا من المتن بعيدا من الهامش

- شذرات فلسفية مداخلة وتعقيب ج2

- كلمات فلسفية في الوجود والحياة ج6

- هوسرل:ماهية الانسان في المنهج الظاهراتي (الفينامينالوجيا).

- الجنس البدائي ومشاعية تملك المرأة والثروة

2154 علي محمد اليوسف

المقدمة

كعادتي المتبعة في مؤلفاتي الفلسفية الاخيرة لا يقتصر هذا المؤلف على موضوع محوري مركزي واحد كما يدأب عليه بعض الباحثين في الفلسفة عنونة الكتاب فقط، وغالبا ما يسود مثل هذا التناول الحشو الزائد والاستطرادات الاجتزائية من تاريخ الفلسفة المعادة المكررة التي لا علاقة له بمتن الكتاب المركزي المتناقض مع العنونة من حيث وجوب ربط العنوان الدلالي مع موضوع الكتاب المحوري الواحد قيد البحث الفلسفي، أذ نجد عنونة عريضة مبهرة ومضمون فكري فلسفي فقير ضحل يبتعد عن توضيح ومناقشة صلب موضوعه المعلن في عنوان الكتاب وهو ما نجده واضحا عند المشتغلين في المباحث الفلسفية تعريبا أو شروحات عرضية لا تخرج عن تكرار نفس المفردات نصّيا ونقلا حرفيا عن أصل الموضوع دونما حتى أمكانية عرضها بوضوح.

أختصر القول أن محتوى هذا الكتاب لا يخرج عما كنت دأبت عليه في مؤلفاتي الفلسفية من ميزات أقصدها بالذات ولا تفرض هي نفسها، تلك هي أن القضايا الفلسفية التي أتناولها وهي جميعا تخص الفلسفة الغربية المعاصرة متنوعة جديدة، مقالة ، دراسة ، وبحث، مثال ذلك أني أفردت قسما كاملا يتألف من ثمانية مباحث في الفلسفة الذرائعية (البراجماتية) الامريكية وتياراتها الفلسفية المتعالقة المتداخلة تحقيبا زمنيا معها، التي غالبا لا نجدها في مؤلفات مترجمة عن الانكليزية والفرنسية والالمانية معظمها ترجمات أكاديمية لا تتعرض كثيرا للتيارات الفلسفية المتعالقة مع البراجماتية العملية المزامنة لها من حيث التحقيب التاريخي لنشوء تلك التيارات وتبيان الاضافات الفلسفية التجديدية والاختلافية التي طرأت على الذرائعية الامريكية الفلسفة الأم التي ولدت من رحمها..

مسألة أخرى أن مباحث ومحتويات هذا الكتاب الفلسفية تقع في خمسة اقسام موزعة على ستة وثلاثين مبحثا هي تنويعات فلسفية مختارة بدقة وعناية مكتنزة بموضوعاتها وليست عروضا سطحية مكتفية بالتعريف بها كمواضيع كما هي في الاصل المترجم كأنها مسلمات لا يطالها الشك ولا النقد الرصين في توضيح نقاط الضعف التي تحويها تلك القضايا البحثية المعربة في ألنص الاجنبي المنقول الى العربية ويجري عندنا التعتيم على تحاشي نقد تلك الاراء لغياب توفرالقدرة الفلسفية والامكانية الفكرية في نقدها وتبيان مناحي القصور فيها ومعاملتها كتوثين فكري صنمي معصوم من الاخطاء لا نقد يطاله ولا توضيح حصيف يتقصّاه..

كما أن تخمة العروض الفلسفية المترجمة للعربية أصبحت من الكثرة والتراكم الثقافي والاكاديمي التداولي قرائيا تخصصيا في قاعات التدريس الفلسفي الجامعية ما يستوجب معه ضرورة ممارسة النقد لها وزرع النزعة النقدية لدى طلبة الجامعة المتخصصين بدراسة الفلسفة بغية الشروع بتأسيس مشروع فلسفي عربي يقوم على التكافؤ الندّي في رؤيتنا الفلسفية العربية الخاصة بنا التي بدأت تفرض نفسها علينا..والتحصيل الفلسفي أصبح مكمن قيمته اليوم لنا عربيا أن يكون جزءأ لا يتجزأ من مشروع تحديث عربي مطلوب وأكثر الحاحا بضرورة حضوره في كل مناحي حياتنا..

مسألة أخرى جديرة بالتنويه لها هي أنني أعمد تجنب أستخدام ثبت المصادر والمصطلحات الفلسفية باللغات الانكليزية والفرنسية والالمانية المعرّبة كما وردت في الاصل والتي أصبح هوس الاكاديمين من نقلة النصوص الفلسفية محموما بأستعراض قدرات لا تتعدى نقل تعريب حرفي للمصطلح الاجنبي على أنه مفتاح التفلسف المحتكر من قبل الفيلسوف المؤلف والتغاضي عندنا عن ضرورة تقريب تلك المصطلحات الفلسفية الاجنبية من ذهنية وتلقي القاريء العربي كبنية نقدية وليس كمسلمة ناجزة لا يمكننا المساس بها..

معظم الباحثين في قضايا الفلسفة عندنا يعاملون المصطلحات الفلسفية الاجنبية على أنها مفاهيم ومباحث فلسفية قائمة بذاتها وهو خطأ..فالمصطلح الفلسفي كما هو المصطلح في كل ميادين العلم والمعرفة هو أجماع متفق عليه من قبل واضعي تلك المصطلحات بينما يكون (المفهوم) مبحثا فلسفيا مشاعا للجميع الاسهام بتناوله وتخليقه وتصنيعه من جديد..بمعنى المصطلح ثابت لا يتغير، والمفهوم متغير متحرك غير ثابت لعدم أمتلاكه أجماعا حسميا عليه..

لا حاجة لتكرار أن القضايا الفلسفية المطروحة في فصول هذا الكتاب هي من الكثرة والتنوع الثري التي تجعل المتلقي المتخصص الفلسفي وغير المتخصص يتنقل بين ثنايا تلك المواضيع بمتعة معرفية نقدية وحصيلة فلسفية تجعل من تلك القضايا الفلسفية نصوصا يمكن للباحث العربي المتمكن من ثروته الفكرية وأدواته البحثية ممارسة نقدها بكل يسر وسهولة ولا تحتاج الفذلكة اللغوية المستعصية الخاوية من المعنى والتنطع وراء المصطلح المستغلق واللغة التي دأبت عليها المؤلفات الفلسفية العربية كتلفيق وتدليس يستغفل المتلقي العربي وليس كتأصيل معرفي حقيقي في مسؤوليته توصيل المعنى المطلوب فلسفيا..

وميزة أسلوب طرح مواضيع الكتاب المنوعة هذه التي أعتمدتها في جميع مؤلفاتي أنها تبتعد عن تقعرات اللغة وطلاسمها العصيّة المربكة في محاولة التضليل المخادعة على أنها فلسفة تمتلك العمق والرصانة وهي في حقيقتها تعمية لغوية وعدم وضوح في التعبير الفكري الفلسفي..

النقد الفلسفي ألذي أمارسه مع منقودات لمواضيع فلسفية أجنبية في محتويات هذا الكتاب أجدها تضطرني مجاراتها بلغة فلسفية من وزنها قد تبدو صعبة على المتلقي القاريء المتخصص وطلبة الدراسات الفلسفية في الجامعات العربية لكنها هي بالاصل كذلك صعبة فلسفيا..فالفلسفة ليست قيمتها في وضوح المعنى ولا قيمتها في أستغلاق لغة التعبير عنها أيضا..وعلى النقد تكافؤ المنقود كقراءة جديدة على صعيد لغة الفلسفة مع الاصل النصي والا انفقد الهدف الذي لا يكتفي بعرض الموضوع الفلسفي فقط..

أود هنا بالختام الاشارة الى أن محاربتي الوضيعة في مدينتي الموصل والعاصمة بغداد كوني باحثا في مجال فكري – ثقافي هو الفلسفة غير متاح ولا متوفر لغيري من عديمي الموهبة والامكانية مجاراتي به من حملة الشهادات الجامعية العليا بوسائل التزويرومزاد البيع والشراء لتراخيص الشهادات الجامعية المفلسة في مجال الفلسفة وحملتها غالبيتهم خلو من القدرة والقابلية في كتابة بحوث في مجال تخصصهم الذي يدعونه أساتذة جامعيين يقومون تدريس الفلسفة في الجامعات العراقية،،

لذا أصبحت محاربتي والتعتيم على منجزي الفلسفي عراقيا وليس عربيا الذي غالبا ما أنشر العديد منه على مواقع عربية فلسفية وثقافية محكمّة مثل موقع المثقف في سدني وموقع الحوار المتمدن، وموقع كوة المغربي وموقع فيلوبريس التونسي وموقع النور بالسويد.. وأني والحمد لله متابع ومقروء في نتاجي الفلسفي بآلاف من القراء العرب بما يسعدني المفاخرة به وبهم بهذا المجال.. عليه تكون محاربتي في مدينتي الموصل والعراق هو شهادة كفاءة أبداعية فلسفية أنتزعها منهم عنوة أن كتاباتي الفلسفية الموزعة في بحوثي ومقالاتي ومؤلفاتي الصادرة عن دار غيداء الغراء بالاردن هي رقم صعب تجاوزه أمام عديمي الموهبة والقدرة الفلسفية ممن يحاربوني بغباء ودناءة وأنانية مرتذلة على الصعيد الشخصي وليس الفكري.. وأجد ذلك من الامور غير الغريبة التي أعتدتها تصدر عن أناس متخلفين يرون في المبدعين الحقيقين جبالا سامقة ويبقون هم صغارا يتصارعون في الحفرالموحلة على سفوح وحافات تلك القامات الثقافية الكبيرة ..

لقد عقدت ببغداد واربيل بالتعاون مع بيت الحكمة الذي لا يمتلك أي نوع من مباديء ورسالة بيت الحكمة العباسي العريق فلسفيا وحضاريا وبالتعاون مع المؤسسات التي ترتبط بوزارة الثقافة أو الاتحادات شبه المستقلة عنها وبعض كليات جامعة بغداد جميع هؤلاء عقدوا مؤتمرات بائسة داخل العراق بأسم الفلسفة لا تمت للفلسفة بأدنى صلة، ومسخوا محبة الفلسفة وقيمتها العليا في أذهان الطلبة والمهتمين بالشأن الفلسفي من العراقيين، ولا يوجد من بين هؤلاء القائمين على مثل هذه المؤتمرات الهزيلة ثلاثة مشاركين على الاقل ممن يمتلكون حضورا فلسفيا على المستوى العربي كباحثين تحترم كتاباتهم أسوة بمفكرين وباحثين كفوئين عربا بهذا المجال كما في الاردن والمغرب وتونس ولبنان ومصر ممن أصبحت منابرهم ومنتدياتهم الفلسفية مفخرة لكل العرب الذين يتطلعون تحقيق نهضة فلسفية متاحة..

أخيرا أود التنبيه ألى مسألة مهمة أن ما سبق لي نشره على صفحات مواقع الكترونية ويجدها القاريء من محتويات هذا الكتاب، تشوبها في العديد منها أخطاء تعتبر من الامور العادية التي يقع بها كل مؤلف وكاتب وأتداركها بالتصحيح  ويعتبر تصويب الكتاب لها هو المرجع الصحيح وليس المنشور منها على مواقع التواصل الاجتماعي.

أتوجه بالعرفان الجميل لكل متابعي نتاجي الفلسفي على مواقع الانترنيت العربية ومؤلفاتي الورقية المطبوعة بدار غيداء في الاردن على ثقتهم بكتاباتي الفلسفية... والى مزيد من الابداع الفلسفي العربي بعون من الله وتوفيقه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

كانون ثان /2019

 

جاسم الصفارصفحات لم تنطوي بعد.. المهيأ للنشر

من الفصل الأول "زائر الفجر"......

في الدول التي حكمتها انظمة دكتاتورية كانت معظم الاعتقالات السياسية تُنفّذ قُبيْل الفجر، وهي أهدأ فترة في الليل، يخلد فيها الانسان للنوم، تاركا حذره جانبا، وتخلو الشوارع من المارة، فلا يشهد على الظلم الا ألله. وقد استوحيت عنوان الفصل الأول من الفلم المصري المعروف (زائر الفجر) لممدوح شكري 1975، الذي ترددت في أحد مشاهده عبارة "البلد دي ريحتها فاحت... عفنت... بقت عاملة زي صفيحة الزبالة.. لازم تتحرق". وكان مصير معتقل "قصر النهاية" الرهيب، الذي ارتبط اسمه وسمعته بنظام البعث الإرهابي الهدم، بعد ان فاحت رائحته العفنة.

ولكيلا يكون هدمه سببا لنسيان ما اقترفه البعثيون من جرائم بين جدرانه، تأتي شهادتي المتواضعة عن تلك الأيام لتضاف لشهادات اخرى كثيرة، أوسع اطارا وأعمق تأثيرا لتوقظ في الذاكرة تاريخ المظالم التي تعرض لها عدة أجيال، من خيرة أبناء شعبنا العراقي، ابان حكم البعث. تصرخ فيهم كما صرخت ماجدة الخطيب (نادية) في فيلم (زائر الفجر): "الناس اللي تظلمت.... اوعوا تنسوا، اوعوا تنسوا....".

من الفصل الثاني "حكايات من قصر النهاية".....

وانا أعود بذاكرتي الى ما قبل خمسين عاما مسترجعا بعض من ذكرياتي عن تلك الأيام وشخوصها، خطر على بالي ما كتبه الروائي الروسي الرائع فيودر دستيوفسكي في (ذكريات من بيت الموتى) عن شخصيات عاشت في سجن في سيبيريا عانت جميعها من عالم يفرض عليهم قوانينه ويستلب حريتهم. أما بالنسبة لطبيعة هذه الشخصيات وسلوكياتها ومكنوناتها الروحية والعقلية، ففي رواية دستيوفسكي يختلف السجناء في سجيتهم، وهم كذلك في المعتقلات التي اكتب عنها في مذكراتي المتواضعة التي بين ايديكم.

تجدر الإشارة الى ان الحكايات التي سأسردها هنا، تشمل شهادات شخصية إضافة الى شهادات من كان معي في ذلك المعتقل الرهيب تلك الفترة، بعضها قاسية وبعضها لا تخلو من الطرافة. وسيدرك القارئ أني في سردي لتلك الحكايات لا ادعي بطولة، كما أني سأتجنب ذكر أسماء من لم يتحمل الموقف المذل والقاسي في المعتقل فاضطروا الى الاعتراف بأسرار تنظيمية او تعاونوا مع رجال الامن بعد ان استنفذت قواهم طاقة التحمل. وهناك حقيقة لا يجب ان تغيب عنا، وهي ان قدرة تحمل ظروف الاعتقال وأساليب التعذيب القاسية لا علاقة لها بحزب او قومية او طائفة او دين، فكم من المحسوبين على أحزاب دينية او طائفية او حركات قومية صمدوا وتحملوا ولم تنكسر ارادتهم طيلة فترة مكوثهم في المعتقل.

ما يحيي فينا انسانيتنا ليس البحث عن عثرات الاخرين فمن منا بدون اخطاء وبدون عثرات. ان ما يجعلنا انسانيون هو اندماجنا بالجزء الانساني من اقراننا في الانسانية وليس شحذ ذاكرتنا وخيالنا من اجل تضخيم سقطات الاخرين والبحث عن أسباب سقوطهم في زيف انتمائهم. ولكن هذا لا يعني اطلاقا تحرير الاخرين من مسؤوليتهم تجاه تنظيمهم وتجاه رفاقهم الذين شاطروهم الفكر والموقف.

رغم ادعاء البعثيين بتمسكهم بشعارات الوحدة العربية وتحرير فلسطين الا انهم كانوا يحتجزون في قصر النهاية مواطنين فلسطينيين واردنيين ومن المغرب العربي. معي في المعتقل كان عدد من الفلسطينيين وفي المطبخ الخاص بجلاوزة القصر كان يعمل معتقل من الأردن، لا ذنب له سوى انه تجاوز الحدود مع ماشيته فصودرت الماشية واستعبد صاحبها. وفي مكان اخر ليس بعيدا عن الصالة التي احتجزت فيها، كان هناك معتقل من تونس، تهمته اشتباه أحد رجال الامن بتلاعب مادي في صفقة تجارية شاركه فيها!

كان معي في المعتقل شاب، يكبرني في العمر ببضعة سنوات، معتقل بتهمة انتمائه للبعث اليسار (وهو جناح بعثي مؤيد لحزب البعث في سوريا)، لاحظت عليه دماثة الخلق مع مستوى لا بأس به من الثقافة، فأصبحت اتحين الفرص للحديث معه. في حديثنا كان قدر من الصراحة، رغم ما في ذلك من خطر علينا نحن الاثنين. لم اعرف انه من القومية الكردية الا بعد خروجي من المعتقل وزيارتي لأهله حاملا وصية منه. فاستغربت وقتها ان كرديا يتحمل كل هذا القدر من التعذيب دفاعا عن شعارات قومية عربية، بينما من يعذبه يدعي انه امينا على هذه الشعارات.

من الفصل الثالث "في معتقل مديرية الأمن العامة".......

في صباح يوم خريفي من عام 1970 نودي عليَ من زنزانتي ليجري اقتيادي برفقة أحد رجال امن القصر الى مكان قريب من بوابة الخروج لأصطف في انتظار السيارة المخصصة لنقلي، الى جانب اثنين من المعتقلين الذين كانوا معي في معتقل قصر النهاية وهما كريم احمد (ابو شروق)، عضو اللجنة العمالية للحزب الشيوعي العراقي، والمعتقل الثاني هو اخي باسم، الى معتقل مديرية الأمن العامة. وبعد طول انتظار دُفعنا نحن الثلاثة الى المقعد الخلفي لسيارة صغيرة، وكان ترتيبنا انا وأخي في طرفي المقعد الخلفي يتوسطنا كريم احمد. أما المقعد الامامي الى جانب السائق فقد احتله نائب رئيس الهيئة التحقيقية الثانية حسن المطير.

في طريقنا الى معتقلنا الجديد في مديرية الامن العامة، خاطبني حسن المطير ناصحاً بالابتعاد عن السياسة والاهتمام بمواضيع اخرى كغيري من الشباب، فالحياة بالنسبة لي، كما قال، في بدايتها وعلىَ ان لا اضيع مستقبلي وان استفيد من فرص الحياة الأخرى دون الدخول في مغامرة سياسية غير مضمونة العواقب. تحدث حسن المطير طويلا في هذا السياق، بينما كان كريم احمد يندسني خفية على قدمي استخفافا بكلام حسن المطير. كانت تلك بداية تعزيز الثقة بالمناضل المغدور كريم احمد (أبو شروق)، بعدها قدر لنا ان نصبح صديقين حميمين، وبقينا كذلك الى ان جرت تصفيته في بداية الثمانينات من القرن الماضي.

من الفصل الرابع "في معتقل الفضيلية".....

بعد معتقل الامن العامة تم نقلنا انا وابي وأخي وعدد من المعتقلين الاخرين الى معتقل الفضيلية الذي كان اشبه بمركز احتجاز لمعتقلين بتهم تنوعت بين الجريمة العادية والسرقة والاغتصاب وتهريب وترويج المخدرات وغيرها الى جانب المتهمين بممارسة النشاطات السياسية أو المغضوب عليهم من النظام السياسي القائم. وكما تنوعت التهم التي بسببها تم احتجاز مرتكبيها او المتهمين بارتكابها فقد تنوعت مباني المعتقل.

كانت هنالك الصالات الكبيرة او القواويش المنفصلة عن بعضها ببوابات صغيرة، وقد حشرت فيها فئة السجناء العاديين الذين لا نفوذ لهم ولا حظوة في المعتقل بينما خصصت غرف منفصلة صغيرة تتوفر فيها بعض وسائل الراحة للمعتقلين المتنفذين من امثال جبار كردي وعمار علوش وهما من كوادر البعث القديمة وشقاواته، وقد كانت لهم سطوة بعد انقلاب شباط الاسود في عام 1963 وكانوا من المسؤولين عن حمامات الدم ضد الشيوعيين في معتقل قصر النهاية السيئ السمعة.

جرى حشرنا في أحد القواويش الذي كان اغلب المحتجزين فيه بتهم سياسية. وقد بدى لي بعد تعرفي الاولي على المعتقلين، بحسب طبيعة علاقتهم بنا، ان هنالك تصنيف للقواويش وفقا لنوعية التهمة، وأغلب الظن ان هذا التصنيف قد حصل حسب العرف وليس بتخطيط من ادارة المعتقل. اضافة الى القواويش والغرف الخاصة كانت هنالك زنزانات الاعتقال الانفرادي، وقد عرفت ان من بين المحتجزين فيها (كريم حواس) شقيق (مطشر حواس) عضو تنظيم الحزب الشيوعي العراقي-القيادة المركزية والذي اصطدم بقوى الامن في بغداد وجرح أحدهم بطلق ناري قبل ان يقتل.

أعود مرة أخرى لرواية (ذكريات من بيت الموتى) للكاتب الروسي فيودور دستيوفسكي والتي يحكي فيها عن علاقة السجناء في سجن اومسك السيبيري ببطل روايته، والتي تميزت في البداية بالشك وبعض من الكراهية بسبب انحداره من طبقة النبلاء وعلاقته هو بهم كسجناء غلاظ النفوس، ثم تبدلت هذه العلاقة لتحل محلها علاقة، ان لم تكن ودودة فهي طبيعية. هذا، تقريبا، ما حصل لنا في معتقل الفضيلية، فقد تغيرت علاقتنا بغيرنا من المعتقلين بغض النظر عن طبيعة التهم الموجهة لهم واصبحت أكثر ايجابية وأحيانا ودية.

توطدت العلاقة بجبار كردي الذي وجد في حضورنا متنفس له للحديث عن امور يهتم بها كالسياسة والتاريخ السياسي للعراق، وقد افاجئ البعض إن ذكرت بانه قد اظهر اهتمامات ادبية وخاصة بالأدب السوفيتي مما اوجد ارضية للحوار الادبي بنكهة انسانية. وربما ان ما عزز العلاقة معه اننا قد تجاوزنا اي حديث عن تاريخه الشخصي الدموي. ومما لاحظناه عليه هو انفتاحه علينا (أنا ووالدي) بحيث انه كان يطرد وكلاء الامن في المعتقل عند الاقتراب من مجالسنا.

أما عمار علوش فلم يكن سوى شخصية قميئة، كان جبار كردي يحتقره. وهو من جانبه كان يحسد جبار كردي على نفوذه وسطوته في معتقل الفضيلية ويتمنى ان يحظى باهتمام المعتقلين السياسيين به كما هم يهتمون بجبار، وكان عندما أمر بغرفته يدعوني لتبادل الحديث معه ويفتخر كما جبار بانه قرأ "كيف سقينا الفولاذ" للكاتب السوفيتي نيكولاي استروفسكي اضافة الى كتابات مكسيم غوركي، ولكن شخصيته الى ان غادرت معتقل الفضيلية لم تولد عندي اي ثقة بانه يمكن ان يتمسك في ساعة بمفاهيم الانسان وهموم المجتمع.

الشخصية الاخرى التي بودي الحديث عنها من معتقلي الفضيلية هي شخصية الشرطي (هتلر) الذي كان يعمل في مركز شرطة قريب من وزارة الدفاع. كان (هتلر)، وهذا هو اسمه الحقيقي، متزوج من قريبة له عضوة في الحزب الشيوعي العراقي وكان الحزب يختزن في بيتها اسلحة وقنابل يدوية خاصة بالحزب، دون علم زوجها هتلر. ولم ينكشف هذا الامر له الا في أحد الايام عند عودته من عمله، حيث لاحظ وجود رجال امن امام باب بيته فسألهم عن غايتهم، ولكنهم حال ما عرفوا بانه صاحب الدار اعتقلوه واتهموه بخزن اسلحة في داره.

زوجة (هتلر) تمكنت من الفرار قبل وصول رجال الامن، أما هو فتعرض لصنوف التعذيب القاسي وهو لا يعرف اي شيء عن الاسلحة التي في داره، وبعد ان يئس المحققون من الحصول على معلومة مفيدة منه قرروا احتجازه في سجن الفضيلية لحين الوصول الى زوجته. وفي أحد الايام جيء بأحد اقارب زوجة (هتلر) الى معتقل الفضيلية. فتم فسح مجال له لوضع فراشه في نفس القاووش الذي كنا نحن فيه، وصادف ان يكون هذا المكان قريبا مني فاستمعت الى حديثه مع (هتلر) الذي كان يهدد بطلاق زوجته حال الافراج عنه، بينما قريبها يقنعه بالحفاظ عليها كونها قريبة هتلر كذلك، أما ألأسلحة فقد خبأتها في البيت، كما قال قريبها مستغفلا هتلر، فهي لحمايته شخصيا، ليتساءل هتلر بسذاجة "يعني شلون؟ اذا فد يوم اتعارك ويه جاري تكوم هيه تضربه بقنبلة...."

من الفصل الخامس "ما بعد الاعتقال".....

بعد مغادرتي العراق للدراسة، زارني الشهيد عبد الكريم احمد (أبو شروق) في موسكو وتعرفت من خلاله هناك على الممثلة العراقية المعروفة ناهدة الرماح (احدى بطلات النخلة والجيران)، فأصبحنا ثلاثة اصدقاء نلتقي ليس فقط لمناقشة هموم الوطن بل ولنقضي ساعات جميلة فيها النكتة والمرح. أذكر مرة اننا، أنا وابو شروق، زرنا الفقيدة ناهدة الرماح في قسم داخلي كانت تقيم فيه، وبينما غادرت هي غرفتها لتغسل اكواب الشاي، لمح ابو شروق وجود باروكة نسائية في احدى زوايا الغرفة فلبسها مازحا، وكان جالسا وظهره الى الباب، لذا تفاجأت ناهدة عند دخولها مع اقداح الشاي فسألتني اين ابو شروق ومن هذه الفتاة التي معك؟ فضحكنا جميعا وعلقت ساخرا "كيف يمكن ان يمر هذا المشهد المسرحي على ممثلة قديرة مثلك يا ناهدة".

قررنا يوما انا وناهدة الرماح وابو شروق ان نقضي امسيتنا في مطعم (بودابيست) الذي كان يقع مقابل تمثال مايكوفسكي في مركز موسكو تقريبا. تمتعنا هناك بعزف موسيقي جميل ادته الفرقة الموسيقية التي تعمل في المطعم والتي كانت تعزف اضافة الى الاغاني الكلاسيكية الجميلة المناسبة للرقص البطيء، اغاني تتطلب من الراقصين مهارة في الحركة. راهنت ناهدة على ان يطلبها للرقص أحدهم، بعد ان اعتذرنا انا وابو شروق من اداء هذا الدور. ولما لم يتقدم أحد لطلبها خاطبتنا بحزم "شوفوا، إذا محد منكم يكوم وياي راح اكوم اركص لوحدي" فتعين على أحدنا ان يرافقها الى الرقص، وكنت انا.

تركت ناهدة حذائها بكعبه العالي تحت الطاولة وتقدمت نحو صالة الرقص حافية. ومن حسن الصدف ان الفرقة الموسيقية عزفت اغنية فيها المزيج من اللحن الروسي والشرقي، مما وفر فرصة كبيرة لناهدة كي تظهر مؤهلاتها في الرقص فكانت لوحة جميلة انسجمت فيها المعزوفات الموسيقية مع حركات ناهدة الرشيقة مما اثار اعجاب الحاضرين الذين تركونا في المنتصف متنحين جانبا واكتفوا بالتصفيق لنا.

يحضرني في استذكاري لتلك الساعات الجميلة ما قاله الكاتب البرازيلي جورج امادو من اننا، حتى في أحلك الظروف، حتى في ايام العبودية، يجب ان نحتفل ونفرح، ذلك لأننا لا يمكن ان نحافظ على الامل دون ان نفرح ونعزف الموسيقى ونرقص. قول امادو هذا يصلح لمواجهة كل اشكال العبودية سواء تلك التي سادت بمضمونها السياسي او تلك التي تسود اليوم بمضامين جديدة هي خليط من السياسة والدين والقومية والطائفية.

 

د. جاسم الصفار

14/12/2020

 

بهجت عباسمقتطفات من مقدّمة من كتاب لم يُنشر بعد

الحظّ

كلمة جميلة وغريبة في الوقت ذاته. لغويّاً تعني (السّعد) بصورة عامة أو ما يأمَله المرء من رغبة تتحقّق أو نجاح في عملٍ فيفرح ويرقص طرباً فيكون (محظوظاً). ولكنْ ماذا عن سوء الحظّ أو الحظّ السّيّء؟ إنّه حظٌّ أيضاً ولكن ليس في صالح المرء، حيث يكون على عكس ما يرغب أو يشتهي فيكون نحساً يجلب التَّعْسَ! لذا يُقال في اللغة الإنكليزية Good luck (حظّ جيد) أو Bad luck (حظّ سيّء) إذا أصابه سوء حظّ. ولكنّ كلمة lucky الإنجليزية وكلمة Glücklich الألمانية تعنيان دائماً (محظوظاً). لذا يمكننا القول إنّ الحظّ ليس دائماً (حسناً) فقد يكون (عاثراً) أيضاً أو ربّما يمكن القول إنّه القدر/ المصيرDestiny أو Fate في الإنگليزيّة أو  Schicksal في الألمانية وإنْ كانت تُطلق على الحظّ أيضاً.

**

الحظّ يبدأ قبل ولادة الانسان

حظّ الإنسان جينيّاً (مقدّرٌ) له قبل أن يُخلَقَ، إذ يبدأ قبل البيضة/البويضة المخصّبة Zygote، التي تتولّد أو تنشأ من اتّحاد الحيمن والبيضة، وهما خليّتان جنسيّتان تحوي كلّ منهما 23 كروموسوماً فرديّاً (من الأمّ أو الأب) يتّحدان ليكوّنا 23 زوجين من الكروموسومات (46) فتكون الخليّة المخصّبة التي تتكاثر بالانقسام ويكون الجنين. أمّا كيف يبدأ الحظ (جيّداً أو سيِّئاً) هنا؟ فهذا يعتمد على ما يحدث قبل الاتّحاد، ذلك أنّ الخلية الخاصّة تعاني انقسامين، حيث تتضاعف الكروموسومات في الانقسام الأول فقط، فيلتصق الكروموسومان المتماثلان (واحد من الأب وآخر من الأم) ببعضهما ويتبادلان قطعاً جينيّة قبل أن ينفصلا وينقسما ليكوّنا أربعة كروموسومات فرديّة (كروماتيدات) فتنتج عن ذلك أربع خلايا جنسية تحمل كلّ منهن عدداً فرديّا من الكروموسومات (23 كروموسوم) وتُسمّى كلٌّ منهنّ  (گميت)، حيمن في الذكر أو بيضة في الأنثى، وهذا ما يُسمّى بالانقسام الاختزالي، الميوزي  Meiosis  والنتيجة هي أنّ هذه الخليّة الجنسيّة تحمل كروموسومات فرديّة (23) مختلفة عن الكروموسومات الأصلية لاحتواء كلّ كروموسوم منها على  قطعة من كروموسوم مماثل، كما ذُكر آنفاً. تتلاشى ثلاث بيوض وتبقى  بيضة واحدة للتخصيب وهذه عند ّ اتّحادها مع أحد الحيامن تتكوّن الخليّة المخصّبة Zygote التي تحتوي على العدد  الزوجي من الكروموسومات (46 كروموسوم)  وهنا يلعب الحظّ دوره.

فقد تحوي البيضة المخصّبة جيناً منحرفاً أو مشوّهاً (غير فعّال) يحتوي على مجموعة المثيل CH3 فتغلقه، أو جيناً فعّالاً، وقد يكون هذا (الغلق) في صالح الطفل بعض الأحيان، كما يكون (الفتح) ضارّاً أيضاً. وهناك هيستون الكروماتيد الذي تلتصق به مجموعة الأستيل CH3CO فتبطل عمل  الجينات التي تجاوره، ثمّ إنّ البيضة تحتوي على الميتاكوندريا  التي يكون قسم منها مشوّهاً أو خاملاً، وهي مصدر طاقة الخليّة، (يتراوح عددها بين 1000 إلى 2000 في كل خلية ولكن خلية عضلة القلب قد تحتوي على 5000 لحاجتها إلى طاقة أكبر.) فعند الانقسام تتوزّع بصورة غير متساوية أو متناسقة (اعتباطاً)على البيوض الأربع الناتجة وهنا قد يحصل الجنين (الطفل) على ميتاكوندريا أكثرها سليمة، فيكون نشيطاً ذا طاقة جيدة وقد يكون (خاملاً) نتيجة حصوله على ميتاكوندريا (عاطلة) إضافة إلى قسم من الميتاكوندريا السليمة. فيتكوّن كروموسوم جديد في الجنين (الطفل) نتيجة تبادل القطع الجينيّة وإعادة الاتّحاد Recombination لا يُشبه أيّ كروموسوم من والديْه، ليكون خاصّاً به. لذا يحمل كلّ إنسان كروموسومات خاصّة به لا تُشبه كروموسومات أبويْه أو إخوته أو أطفاله من بعده، حيث يكون ترتيب الجينات فيه مختلفاً وكذا تسلسل القواعد النتروجينيّة. وتجري العمليّة ذاتها هذه على أطفاله . هذه القطعة المتبادلة قد تحمل جينات سليمة أو متغيّرة mutated وقد يكون التغيّر جيّداً أحياناً، معتمداً على (الحظّ) فتلعب دوراً أو أدواراً  في حياته! ثمّ إنّ البيئة تلعب دوراً في حياة الأبوين من حيث التغذية (نوع الطعام) والانفعالات العاطفية التي تزيد أو تقلّل من إفراز هورمونات أو خمائر تؤثّر على الجينات التي سيُورثانها أطفالهما. ولكنْ هل ينتج الجينُ البروتينَ بكمية متساوية وفعّالية واحدة في كلّ الأفراد الذين يحملونه مع بعض الفوارق البسيطة، أم أنّ ثمة تفاوتاً في الإنتاج؟ هذا ما تُجيبنا عليه القصة الهولندية التالية التي روتْها د. نيسّا كيري في كتابها (Epigenetic Revolution 2013 ) وكذلك د. ريشارد فرانسيز في كتابه (Epigenetics 2011 ) وهذا مختصرها:

**

هولندا والحصار الألماني

عندما حاصر الألمان غرب هولندا في الأشهر الأخيرة (نوفمبر 1944- مايس 1945) من الحرب العالمية الثانية كانت هناك مجاعة، حيث حاول الهولنديون البقاء على الحياة بسعرات حرارية هي 30% من السعرات العادية اليومية، أكل الناس فيها الحشائش وأزهار التوليب. مات أكثر من 20 ألفاً منهم. فأخذ العلماء يدرسون تأثير

هذه المجاعة على الأطفال (الأجنّة) الذين كانوا في أرحام أمهاتهم حينذاك. فماذا وجدوا؟ إذا كانت الأم في تغذية صحيحة في فترة الإخصاب ولكن عانت المجاعة في الأشهر الأخيرة من الحمل ولدت طفلاً صغير الحجم، وهذا الطفل بقي صغير الحجم طوال عمره مهما كانت تغذيته جيدة في السنين التي تلت مع نحافة بدنية. أمّا الأم التي عانت المجاعة في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل، ولكنها كانت في تغذية جيدة في الأشهر الباقية من الحمل، ولدت أطفالاً ذوي حجم طبيعي أو طوال القامة مع بدانة غير طبيعية. والغريب أنّ أطفال هؤلاء الأخيرين اكتسبوا البدانة أيضاً. وعندما درس العلماء نفسيّة هؤلاء الذين ولدتهم أمهاتهم اللواتي عانـيْـن المجاعة قبل ولادتهم، وجدوهم أكثر عرضة للإصابة بأمراض نفسيّة وخصوصاً مرض الشيزوفرينيا والكآبة وضغط الدم العالي ومرض السكّر وأمراض القلب وتصرّفات غير عادية في علاقتهم بمجتمعهم. ولكنّ نوع المرض المصاب به هؤلاء الأطفال يعتمد على فترة المجاعة أثناء الحمل، فيما إذا كانت في الشهر الأول أو الرابع أو التاسع مثلاً. كما أنّ المرأة الحامل في المجاعة معرّضة للأمراض، فمثلاً إذا كانت في الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل وتعرّضت للمجاعة تكون عرضة لمرض القلب التاجي وسرطان الثدي، وفي الأشهر الثلاثة الثانية من الحمل تكون عرضة لأمراض الرئة والكلى، والأشهر الأخيرة فمرض السكر يكون في انتظارها.

**

د. بروس لبتون وبرمجة العقل الباطن

هو بروفيسور سابق في جامعة ستانفورد – كاليفورنيا - ومؤلف "بيولوجية الاعتقاد  Biology of Belief  "وكتاب التطور العفوي Spontaneous Evolution" كان يعتقد بأن الجسم هو "ماكنة بيولوجية مُبرمجة بالجينات" وبتحوير أجزاء منها يمكنك تغيير صحتك، وباعتبارها ماكنة فهي تستجيب للأشياء المادّية مثل المواد الكيميائية الفعّالة في الأدوية، وبضبط كمية الدواء لهذه الماكنة يستطيع الطبيب أن يغيّر الحالة الصحيّة ويسيطر عليها. ولكن طبقاً لآراء د. لبتون الآن، فإنَّ "إدراكنا أو تفسيرنا للبيئة يسيطر مباشرة على جيناتنا، والبيئة تسيطر على فعّالية الجينات بواسطة السيطرة فوق الجينية. والفهم الجديد لبيولوجية الإنسان لا تنظر إلى الجسم على أنّه مجرّد ماكنة ولكن تشمل دور العقل والروح." وإنّ سرّ الحياة ليس في الدنا DNA وإنما في آليّة غشاء الخلية. ففي هذا الغشاء توجد مستقبِلاتٌ تلتقط إشارات البيئة، و"هذه الآليّة تسيطر على قراءة الجينات داخل الخليّة"، وللخلية الخيار في قراءة هذه الإشارات اعتماداً على نوع الإشارات الواردة من البيئة.. لذا يكون الاعتقاد، حسب هذه الدراسات الحديثة، بأنك "أسير" جيناتك المورثة وأنّ القدر محتّم عليك حسب تركيبها، وأنْ لا قدرة لك على السيطرة على صحتك، محض باطل. فالعلم الحديث يُظهِرُ بأنّ "الادراك الحسّي" يسيطر على صحتك البيولوجية، فإذا استطعت أن تغيّر هذا الادراك أو الإحساس تستطيع أن تلعب بقراءة الجينات، يعني فتحها إذا كانت في صالحك وغلقها إذا كانت ضدّ صحتك. وكما يقول د. لبتون بأنّ " البيولوجي الجديد ينقلك من "الضحية" إلى "المُسيطِر" على صحتك الخاصّة. ففكرة د. لبتون إنّ 98% من الأمراض التي تُصيب الإنسان هي بيئية، وإنّ 2% فقط هي جينية، ذلك أنّ تركيبنا الجيني له تأثير بسيط علينا، ولكن كيمياء الجسم تفعل الكثير. ثمّ يذهب د. لبتون أبعد من هذا فيقول" إنّ المفتاح الذي يفتح صحتنا كامن في العقل الباطن (اللاشعور) إذا أعدنا برمجة عادات تفكيرنا السالب، سنخلق كيمياء داخلية يمكن أن يكون الشفاء الفوري والصحة النابضة بالحياة ممكناً.". وأخذ يتساءل عن العلاقة التي تربط بين جسم الإنسان وخلاياه التي تتجاوز الخمسين تريليون وعن تأثيرات البيئة على كيمياء الإنسان الداخلية، فوجد العقل الباطن الذي يسيطر على 95% من تفكيرنا، اعتقادنا، فعالياتنا، وعواطفنا هو الذي يدير كيمياء الجسم. فعندما تكون لدينا فكرة أو إحساس بشيء، يقود تفاعلات كيميائية داخل الجسم. فإذا كانت الفكرة إيجاباً، ستعزز وجود بيئة كيميائية مرغوبة - تؤدي إلى حالات عقلية مشعة تتماشى على طول مع عمليات جسمية متناغمة. أما إذا كانت الفكرة سالبة، فيكون ثمة إحباط/إجهاد وخوف تغرق كيمياؤها النظام برسالة مرض واضطراب، تغلق  جهاز المناعة والفعاليات المناسبة اللازمة. وهذه تسبب معضلة خطيرة، لأن أكثر تفكيرنا هو عقل باطني، تبرمجت فيه أفكار وعادات سالبة كثيرة اعتمدنا عليها خلال طفولتنا وسيطرت على تصرفاتنا وبقيت لاصقة بنا حتّى الممات. فـ"إحساس العقل بأنّ ظروف البيئة ملائمة وجيدة تجعل خلايا الجسم تتكاثر فيقوى الجسم، ولكن عندما يكون العقل في حالة كآبة، تنسى خلايا الجسم التكاثر الطبيعي وتتّخذ وضع (الدفاع الوقائي)، فتتوجّه الطاقة المُخصّصة للتكاثر إلى أجهزة حماية الجسم خلال فترة الكآبة." كما يقول لبتون. لذا يكون التكاثر خلال فترة الكآبة والغمّ والقلق محدوداً جداً. فإذا كانت فترة الكآبة قصيرة، يمكن تداركها، أما إذا طالت، فيكون المرض الذي يصعب علاجه. وهذه الحال تُشبه وضع المجتمع الذي يعيش في بلد معيّن، فعند الاستقرار والحرية والسلام، يشعر الفرد بالطمأنينة فيستثمر ماله وينفتح على الآخرين ويعيش بصحة ورخاء. أما إذا كانت الظروف قاسية وخطرة، كما الحال عليه الآن في العراق مثلاً، يخشى الفرد من استثمار ماله، بل يحافظ عليه ويعيش منه، فينكمش ويتقلص. وقد يتحمّل هذه الحالة إذا كانت فترة عابرة، وإن طالت، فالانهيار. المصدر الرئيس للكآبة هو العقل، الذي أطلق عليه د. لبتون (الصوت المركزي) وهو على قسمين منفصلين، العقل الخلاّق المبدع المفكّر الذي هو (أنتَ) المعبّر عن إرادة حرّة أو الشعور، ورفيقه المساند له، العقل الباطن أو اللاشعور. هذا الأخير هو "حاسوب أعظم محمّل بمعلومات التصرّفات المُبرمَجة"، كما يصفه لبتون، " بعض المعلومات هي جينيّة، وهي غريزية تمثّل الطبيعة" أما برامج العقل الواعي (الظاهر)، فأغلبها مُكتسبة من التجارب والتعليم وتمثّـل (التطبع). العقل الباطن هو "ليس عقلاً واعياً أو مُبدعاً، بل أداة استجابة للمحفّـز. هو طيّار آليّ مُبرمَج يستطيع أن يقود الطائرة من دون مراقبة أو معرفة الطيّار- العقل الواعي/الظاهر." و"عندما يكون الطيار الآليّ (اللاشعور) مسيطراً على تصرّف ما، ينطلق العقل الظاهر بحرية في الحُلم بالمستقبل أو الإبحار في الماضي." 

 

د. بهجت عباس

 

 

حاتم جعفرعن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع، صدر مؤخرا للشاعر العراقي جليل حيدر نوفيلا تحتِ عنوان تنظيف الماضي. وتعريفا بهذا الجنس اﻷدبي وعلى ما أجمع عليه أصحاب الشأن والعلاقة، فهو ينتصف المسافة بين اﻷقصوصة والرواية، لذا ستنطبق عليه شروط الكتابة السردية بكل ما تحمله الكلمة من دلالة ومعنى، غير انه سيختلف عنهما في حجمه ليس الاّ. وزيادة في الإيضاح وعلى ما يرى البعض، فإنَّ عدد صفحاته (النوفيلا)سوف لن تزيد عن المائة أو نحو ذلك. في كل اﻷحوال فإنَّ أمرا كهذا ليس مهما، فما يعنينا هنا وبالدرجة اﻷولى، أن يكون النص مكتمل الشروط، مستجيبا لها ويصل القارئ على كف من الراحة والمتعة والفائدة.

ومن خلال قراءة النص، فقد بدا واضحا وبما لا يدع مجالا للشك وبضرس قاطع، بأن الكاتب يتمتع بذاكرة وقادة وقدرة فائقة على الخوض والغوص في الماضي وفي عالم السرد، لذا وإذا جاز لنا أن نبدي رأيا، فكان بإمكانه أن يمد يديه ويبسطها أكثر كي يوسع من نصّه، وأن يحث خطاه ليشتغل على موضوعة الربط بين حلقات مدونته وفصولها، وأيضا الدخول وبشكل أعمق على مستويات أخرى كاﻷحداث والوقائع التي جاء على ذكرها، وكذلك على بنائه لشخصيات  نصه وتفعيله لها، لتمتد وتأخذ  مديات أرحب، خاصة إذا ما علمنا بأنَّ الكاتب يتحدث عن فترة زمنية فائقة الخطورة وعصيبة من تأريخ العراق، الا وهي فترة الستينات وما حملته من تغيرات دراماتيكية وإضطرابات، كان لها الدور الكبير في رسم مستقبل البلاد وما لحق به من مصائب. غير انه وفي كل اﻷحوال، سيبقى لصاحب النص الكلمة العليا في إختيار نوع الجنس اﻷدبي الذي سيخرج من بين يديه، وبما ينسجم ويتلائم وغاياته التي كان قد خطط لها ورسمها، عند شروعه في الكتابة.

أمّا عن لغة القص فقد استوعبت بين جنباتها وفي اغلب فصولها الكثير من فنون الكلام وبديعه، عدا عن الإستعارات والتشبيهات وأخواتها اﻷخريات من أشكال البلاغة، لنخرج بنتيجة مفادها: أنَّ الكاتب قد أحْسَنَ وأجاد في إستخدامها. وهدف كهذا على ما أجزم لا يقل أهمية عما جال في خاطره وأراد إيصاله. وإذا كان لنا من قول وتعليق على هذه الجزئية من العمل، فينبغي ان لا يغيب عن بالنا بأن صاحب السرد أو النوفيلا هنا، هو شاعر من الطراز اﻷول، وبينه وبين اللغة ما أنصف الدهر. وإذا ما تحدثنا عن سلطة الخيال فعنده منسابة، سلسة، طوع يديه، مكنته من توظيف ملكاته هذه على صياغة نصه. وكحصيلة لهذا كله، سنجده موفقا في اﻷخذ بيد القارئ والتحليق به وبخفة الطير ورشاقته حيث يشاء.

وعن أثر لغته الشعرية في بناء شخصياته فلا بأس من التوقف عند بعضها، ولنأخذ هنا مثالا الا وهي شخصية لويزة. فقد صاغها الكاتب بطريقة واضحة، أكملها من كل أطرافها، لتصل المتلقي بإعتبارها إبنة الحي (الحبابة)، ذات اﻷصول والحسب والنسب، بل حتى راح مغاليا في بناء هذه الشخصية، وربما أراد من خلال ذلك التذكير بطبيعة العلاقة ومدى جمالها وطهرها وأناقتها، والتي كانت سائدة آنذاك بين بنات المحلة وشبابها. وعن ذلك أقول، أنا كاتب هذه السطور ومن غير تردد، بأنَّ هذه الـ (لويزة) التي صاغها لنا جليل حيدر قد أثارت حفيظتي، رغم البعدين الزماني والمكاني الذي يفصلنا عن بعض، وأعادت لي مواجع الصبا ولوعاته، لِمَِ لا وهي الخاتون والأكثر سحرا وجمالا من بين بنات المحلة، لذا دعني ياصاحبي أغتبطك على رسمك لهذه الفاتنة.

وﻷن شخصيتها تتمتع بجاذبية لا يدانيها أحد وأقضت على مضاجع الكاتب قبل غيره، فقد أفرد لها من الكلام ما لم يقله لغيرها، لذا بات لزاما علينا العودة الى ما كتبه عنها. ففي إحدى الفقرات على سبيل المثال. رأى فيها ما لم يره في النساء اﻷخريات (ﻷنها رصينة مثل راهبة، ومحتشمة مثل مصلية في كنيسة). بهذه العبارة البليغة التعبير والدقة سيعيدنا جليل الى مفهوم الحب العذري، التقي النقي، البريء من كل شائبة الاّ ما حلَّله الله ودعاة العشق الالهي.

وﻷنه يعيش مغتربا ومنذ أمد بعيد، وبينه وبين لويزته دهر من المسافات واﻷزمة، لذا راح يبحث عن معادل موضوعي، يعوض من خلاله ما كان قد فقده هناك في بغداده، فكانت مايا بحضورها البهي، السويدية اﻷب واللبنانية اﻷم، فهي اﻷخرى، تتمتع بقلب طيب وبلا حدود.شفيفة، لطيفة، بدت ومن بين سطور السرد، كما التي إصطفاها الله لتكون شفيعة ومنقذة للكاتب أولا ومن ثم لجمهرة غفيرة من المغتربين الى بلدان الشمال، بلاد الثلج والمحبة، بعدما ضاقت بهم اﻷرض بما رحبت، وَضَيَّقَ عليهم الحكام حتى سُمِعَ أنينهم. وإذا كان هناك من إختلاف بين الشخصيتين اﻵنفتي الذكر فيتمثل في الأجواء المحيطة بهما، فللجغرافية بعض نصيب وللعادات نصيب آخر، فمالمو السويدية ليست كبغداد في أحياءها ودرابينها وتقاليدها وقاهيها، وليست هناك من عتبة أو دكة تجمع شباب الحي وفتيته.

ـــ 2  ــ

في هذا القسم من النوفيلا،سنستعرض شخصيات أخرى ومن حيث انتهى اليه الكاتب وعلى قاعدة الفلاش باك، والحديث هنا سيدور عن كريم دعبله، احد الشخصيات الرئيسية التي جرى تركيز الضوء عليهان إذ كان ضمن مجموعة أصدقاء، جرى التعويل عليها أيام الحرس القومي، وكان الحال كذلك حيث تصدى هو وصحبه ﻷولئك الذين عاثوا في اﻷرض فسادا. هنا وعلى ما جاء في النص ستقع المفارقة بل قل الفاجعة. فـكريم هذا وبعد مضي قرابة العقود الستة على تلك الواقعة، وبعد أن كان يدافع عن أبناء حيّه وعن تلك المبادئ التي حملها بين ضلعيه ويديه، فإذا به يقف (مؤشرا على قصر عباسي من قصور بغداد) وهو في حالة سطو علني وأمام الملأ وبالهواء الطلق، موعزا لشلته المرافقة بطرد سكان البيت اﻷصليين والإستحواذ عليه. هنا سيأتيك السؤال: هل تمت عملية الطرد على أسس طائفية ودينية وعرقية؟ الرد سيكون في ذمة أهل الحكم.

عن حالة كهذه وما يشابهها وهي كثيرة وباتت مدن العراق وخاصة العاصمة تَعجٌ بها، سيعلن جليل حيدر إحتجاجه وبصوت عالٍ، لِيُسمعُ حتى مَنْ بإذنه صمم (أنا اﻷول واﻵخر أعلن عن بدء الضد وأصرخ ايضا تفاً). ثم يمضي مكملا وبدافع الغيرة عن مدينته التي أحبها وفارقها على ضيم: دَعْ بغداد تكن بغداد لنا يوماً. وفي هذا البيت الشعري، ومن غير عناء وبتفسير صريح العبارة، أراد الكاتب أن يقول أن مدينته لم تعد له ولا ﻷخوته ولا لويزة وشقيقاتها.

والذي أثار حنق الكاتب أكثر هو أن يكون قائد مجموعة السطو على البيوت هو كريم دعبله: حتى أنت يا كريم يا إبن دعبله، أنسيت اﻷحبة هكذا؟ وإذا كنت نسيت أو تناسيت عن عمدٍ، فسأعيدك الى ذلك اليوم الذي جرى فيه إحتلال مركز شرطة الخلاني من قبل ثلة من الحرس القومي، ليتخذوه مقرا لهم، ويقوموا بإعتقال فلان وفلان وفلان والقائمة تطول، بتهمة الولاء للشعب. وعن ذلك اليوم اﻷسود وشباطه سأذكرك أيضا حين قمت بالدفاع عن أهلك، يوم كنت رجلا بشاربين وزندين، ويوم إهتزت فرائص كل مَن سولت له نفسه.

وإستمرارا لمدونة الكاتب، سيظهر بجلاء مدى إلتصاقه ببغداد، وإذا كان لنا من وصف لها فهي علاقة عشق أبدية، جرى تعميدها بمباركة كبار سدنتها وسادتها، وجال أزقتها وتخبّرَ درابينها مُذْ كان صغيرا. فمنطقة الفضل هنا، وعكَد الأكراد هناك، والشواكة على مرمى حجر. وإذا ما أراد أن يستحث التأريخ وَيُحضرهُ، فسيتذكر كيف تم عقد صلحا أبديا بين محلتي أبو سيفين والعوينة، فاق في نظافته كل المواثيق، عماده المحبة والنخوة، مما شجع أحياء أخرى على الإنضمام لهما وكان في مقدمتهم أهالي فضوة عرب. سار كرخها ورصافتها بقدمين مباركتين، وبنشوة خمر وغرة شعر بطويات ستة، وعلى هدى وإيقاعات المقام البغدادي وصوت حسن خيوكة ويوسف عمر .

أما والحال قد تغيَّرَ، فما كان له الاّ أن يناجي أحد متصوفة مدينته، انه بشر الحافي، الإمام التائب عن المعاصي:

ــ  يا أزهد الناس وأكثرهم أناقة في الكلام، إياك أشكو حال بغداد، فها نبوءتك قد تحققت حين قلت: يأتي زمان ستكون الدولة للحمقى. ثم راح الكاتب يزيد عليها في إستشهاده ما قاله الجواهري الكبير بعد قرون، بعد أن شَمَّ اﻷخير رائحة الطغاة وهو على بعد عقود عديدة، لتأتي أبيات شعره كما الذي قرأ ما سيحصل:

فضيق الحبل وأشدد من خناقهم

فربما كان في إرخائه ضرر

تصور اﻷمر معكوسا وخذ مثلا

مما يجرونه لو انهم نصروا

وحدثت الواقعة ووقع المحذور، فخسر الشعب كل الشعب الاّ قلة باغية.

ـــ3 ـــ

سيواصل الكاتب سبر سيرته البعيدة ليتوقف ويسترجع واحدة من أهم وأزهى المحطات التي ظلَّت راسخة وبقوة في ذاكرته، والتي يمكن عدَّها موئلا  وخزينا ثريا، لا أظنه سينضب بتلك الخفة، بل سيكون معينا له ويعود اليه كلما إقتضت ضرورات الكتابة. ولعل النص الذي بين أيدنا، لهو نموذج ودليل قاطع على ما ذهبنا إليه. فمصادر التأثير على منتج جليل حيدر بادية عليه. وإذا شئنا العودة الى فترة الستينات والعود رحمة لِمَنْ يُحسنها، وعلى الرغم من يفاعة عمره، فقد راح ساعيا في مناكب اﻷدب والثقافة، بهمة وحماس وكان له ما أراد. ومن هناك إبتدأ مشواره وشرع في بناء أعمدته والمشي بخطى ثابتة ومستقرة، ليجد نفسه مؤتلفا مع ذائقته الفنية بل راحا يسيران سوية.

إنه إبن الجمهورية اﻷولى وزعيمها اﻷمين، ومن جيل سيُطلق عليه بجيل الستينات. وخلال الفترة التي كان فيها طالبا للمرحلة المتوسطة، كان إبن الحجي، الشيوعي الصغير، قارئا ممتازا وشغوفا (مقارنة بأقرانه وزملائه ... حفظ الكثير من شعر المعلقات للزوزّني)، فضلا عن تأثير شقيقته الكبرى على ذائقته الفنية وعلى خياره السياسي، فقد كانت هي اﻷخرى مولعة بقراءة الكتب الملتزمة ومواضبة على مشاهدة اﻷفلام الجادة، من على شاشات السينما، يوم كانت بغداد زاهية وعاجة بدور العرض، وربما فاقت آنذاك في عديدها وبهاءها كل العواصم العربية بما فيها القاهرة، التي تُعد عاصمة للدراما العربية، إذا ما حسبنا اﻷمر على قاعدة النسبة والتناسب من حيث عدد السكان.

مبروك لجليل حيدر إصداره لنوفيلاه (تنظيف الماضي)

 

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو

 

 

عدنان حسين احمديُشكِّل الكتاب الثالث للناقد السينمائي علاء المفرجي انعطافة في مساره الإبداعي الذي كرّسه للفن السابع منذ ثلاثة عقود أو يزيد لكنّ شغفه لم يقتصر على السينما حسب وإنما تعدّاه إلى الأدب والفنون بأشكالها المتعددة. كما ساهم عمله الصحفي في تشظية اهتماماته الإبداعية إلى فن الحوار الاستقصائي الذي ينبش في أعماق المبدع ويكشف عن أسراره الدفينة وعوالمه المخبّأة. وهذا ما لمسناه في  كتابه الجديد "تاركو الأثر" الصادر عن دار "المدى" في بغداد. يضمّ الكتاب مقدمة بقلم الكاتب سهيل سامي نادر وعشرين حوارًا مع مبدعين عراقيين كانت الغَلَبة فيها للأدباء والشعراء على المنهمكين في الحقول الإبداعية الأخرى.

يتميّز المُحاوِر علاء المفرجي في هذا الكتاب بقدرته على الإحاطة بالسير الذاتية والمنجز الإبداعي لغالبية الشخصيات التي حاورها إن لم أقل كلها على الإطلاق، بل أنّ هناك شذرات وومضات نقدية تلتمع في بعض المقدِّمات المركّزة التي تزوِّد القارئ بما يحتاج إليه من معلومات مهمة كانت غائبة عنه قبل شروعه بقراءة الكتاب.

على الرغم من أنّ الحوار مع الشاعر مظفّر النوّاب لم يتعدَّ حدود الدردشة التي اشترك فيها علاء المفرجي والكاتب علي حسين والشاعر كاظم غيلان ولعل أهمّ ما جاء فيها أنّ النوّاب يعُدّ "أبو صخر الهذلي" أبرز وأهمّ شاعر في تاريخ العربية!" ومن بين التصريحات المُلفتة للنظر في هذا الحوار قوله: "أنا فخور بأني من شعب حادّ كالشفرة رقيق كما الماء" مُذكِّرًا إيانا بالشخصية العراقية المتضادّة التي رسمها عالِم الاجتماع علي الوردي في أبحاثه ودراساته الاجتماعية.

البوح الصادق

يكتنز الحوار مع الشاعر والمُترجم صلاح نيازي بما يُشبه اللُمع والأقوال المأثورة، فحين يفرّق بين "الغريب" و"المغترب" يقودنا إلى المتنبّي والجواهري اللذين يعدّهما غريبَين لأنهما لا يُتقنان غير اللغة العربية، ويصف البياتي وبلندا الحيدري "بأنهما وحيدا اللغة مهما ادعَيا من ترجمة ليست من صنعتهما البتّة". فالمُغترب من وجهة نظر نيازي "مغامر من أجل البقاء. نبات منقول من بيئة إلى أخرى". ومن بين الصفات الحميدة لدى نيازي هي قدرته على البوح الصادق من دون مُزوّقات لفظية فحين يسأله المفرجي عن سبب هيمنة السرد في شعره لكنه لم يقترب من كتابة القصة والرواية فيجيب بصراحة تامة:"لم أطّلع في ذلك الوقت على القصة القصيرة، ولا على الرواية. ما من أحد دلّني على أهميتهما".

يُقرِّع الشاعر ياسين طه حافظ النقّاد العراقيين ويسِم اشتغالاتهم النقدية بالسرعة وعدم التأني، بل أنه يذهب أبعد من ذلك حين يقول: "النقد عندنا عَجِل، وفي أحيان كثيرة يعتمد الانطباع والقراءات الجاهزة" التي تخالف الطرق العلمية المتّبعة في البلدان المتطورة علميًا وحضاريًا. يكتب ياسين طه القصيدة المُركّبة التي تتوفر على أنماط من التعابير، والدلالات المشتبكة، ويرى أن الشعر العظيم هو "صدى لروح عظيمة" وأنّ "الداخل هو مَصهر وورشة للإبداع الوطني".

يُعدّ المبدع خزعل الماجدي هو واحد من أبرز شعراء جيل السبعينات فلاغرابة أن يركِّز المفرجي على قصيدة النثر، وجيل السبعينات، وصورة المثقف العراقي، وثمة أسئلة أخرى لامست الدين، والأسطورة، وتاريخ الحضارات. ومن أبرز مقولاته في هذا الحوار هي أنّ "الشاعر الحقيقي هو الذي يكون بارعاً في تأليف قصيدة ذات إيقاع روحي عميق". ثم يمضي الشاعر في التفريق بين قصيدة النثر والنص المفتوح، فقصيدة النثر بالنسبة إليه تعني بالضبط "كتابة الشعر عن طريق النثر" لكنها تظل قصيدة مكثفة تُعنى بالمضمون الخفيّ المُوارب والمُدهش أكثر من عنايتها بالشكل واللغة.

الشاعر والباحث في الفن الإسلامي شاكر لعيبي غسلَ يديه من العراق حدّ الكوع، فبعد محنة الهروب والاغتراب القسري خرج بخُفيّ حُنين حيث يقول بمرارة:"أنّ العراق الراهن لم يمنحنى للأسف إلا الخيبة. وبمقدار انشدادي إليه ورغبتي بالعودة إلى أحضانه فقد جُوبهت بالصدّ المُعلن من طرف الدولة وعدم الرغبة المُضْمرة من طرف بعض المثقفين". ولعله يذهب أبعد من ذلك حينما يستدرك ويقول:" جُلّ المتنفّذين والمقرّرين في حقل الثقافة الآن خرجوا من معطف الأحزاب الواحدة والطغاة".

الثقافة الثالثة

2144 تاركو الأثرتكتب لطفية الدليمي القصة القصيرة، والرواية، والنص المسرحي، والمقال النقدي، وتترجم عن الإنكَليزية بغزارة. تعلمت العزف على يد الفنانة  بياتريس أوهانسيان، كما تعلّمت الرسم على يد الفنانة نزيهة سليم، لكنها ما إن شبّت عن الطوق حتى تعلّقت بالكتابة وأخذت توظّف الموسيقى والتشكيل في سردياتها. وبما أنها كائنة معرفية حتى النخاع فقد أصبحت مثل "توليفة مشتبكة من المعارف والأهواء والمُصنّفات التجنيسية". تُحبِّذ لطفية الدليمي مفهوم الثقافة الثالثة وتستسيغهُ جدًا كما تميل إلى صورة الروائي المتجسدة في كل من "مارغريت آتوود، إيّان ماكيوان، ديفيد ميتشل، كازو أوشيغورو" وتجدهم ممثلين معياريين لهذا النمط المُغري من الثقافة.

ما يميّز الروائية إنعام كجه جي عن قريناتها الروائيات هو الكتابة النوعية، وشغفها بالوطن الأول الذي لا يمكن أن تستبدله بأيّ وطن آخر. فلاغرابة أن تقول:"أنني بعد بغداد لم أرتبط بمكان بالقوة ذاتها". وهي محقّة تمامًا لأنه ما مِن نبتة في العالم تتمنى أن تُقتلَع من تربتها وتُزرع في بيئة مغايرة تُشعِرها في الغربة المكانية، وتفشل في تدجينها ولهذا تقول:"رغم أنني أعيش في باريس منذ أربعين سنة فإنها بالنسبة لي كبسولة فضائية، وأشعر أنني طافية بين جدرانها في حالة من انعدام الجاذبية". أمّا عن شعورها بالحنين إلى الوطن فتقول:"لا تسكنني النوستالجيا لأن الحنين مرض. وقد برئتُ منه بعد السنة الخامسة من اغترابي". لا تتعامل كجه جي مع التاريخ بحذر لأن "الحذر يُقيّد الكاتب، ويقتل الخيال، ويعطّل السرد".

أصدر سعد محمد رحيم ست مجموعات قصصية، وثلاث روايات أنجزها خلال حياته القصيرة، وروايتين نُشرتا بعد رحيله، إضافة إلى بعض الكتب الفكرية. يحب الراحل السرد منذ زمن مبكر ويقول في هذا الصدد:" السرد حاجة، وأكاد أقول غريزة أساسية، كما هي غرائز الجوع والجنس والخوف والبقاء". وأنّ "الرواية تمنح قارئها حياةً بديلة". وحين يتحدث عن البطل المأزوم والمهزوم لا يوعِد قارئه بالخلاص، ولا يخدعه بحزمة أوهام كبيرة وإنما يقول بلغة الجمع:"حين نكتب لا ندّعي أننا سنغيّر العالم. وإنما نوفر، ولو بقدر جد ضئيل، الأمل بتغييره". لا يفرض سعد محمد رحيم قناعاته وآراءه الخاصة على شخصياته كي لا يقع في فخ الافتعال.

حاول المُحاوِر أن يسلّط الضوء على أكبر عدد ممكن من الروايات المهمة التي أصدرها محسن الرملي، وسوف نعرف من إجابات المؤلف نفسه بأنّ رواية "حدائق الرئيس" التي نالت حقها من النقد والتحليل قد كتبها "بصيغة الراوي العليم" بخلاف غالبية رواياته الأخرى التي كتبها بضمير الشخص الأول الذي يحب أن يروي به الأحداث. و "تمر الأصابع" التي ناقش فيها صراع ثقافتين ومكانين وهُويتين، وبعد تفريغ هواجسه وهمومه على الورق بدأ يتصالح مع نفسه، ويشعر بالاسترخاء، ويتخلص من التوتر الذي كان يعاني منه قبل كتابة هذا النص الروائي.

زيارة إلى قلب العدو

لم يكتب نجم والي سوى أربع قصص قبل أن يغادر العراق ويتخذ من ألمانيا مستقرًا له، ففيها واصل دراسته، وتأسست تجربتة السردية في القصة القصيرة والرواية. يوضح نجم والي طبيعة المخطط الذي رسمه لحياته المستقبلية فيقول:"كان في ذهني مشروع واحد: أن أصبح كاتبًا، وكنت أعرف، أنني أنجح بذلك فقط إذا حافظت على استقلاليتي". اشتغل نجم والي على تعدد الهُويات في روايتي "تل اللحم" و "صورة يوسف". ويدعي بأنه لا يعرف رواية كُتبت في المنفى عن الحرب. ويعتقد أنّ المهم هو "كيف تكتب رواية بمستوى عال، رواية جيدة وجميلة تشد القارئ وتضيف له معرفة جديدة ".

تأسست شهرة القاص أحمد خلف منذ  أواسط الستينات من القرن الماضي وتعززت مكانته الروائية في بداية الألفية الثالثة التي توالت فيها رواياته الأربع  من بينها"موت الأب" و "الحلم العظيم". بعد إحالته على التقاعد اتبع منهجًا يلائم هذه المرحلة التي "يقرأ فيها كثيرًا ويكتب قليلاً". يسأله المُحاور عن القاسم المشترك بين كتاب "الجمال في مدياته المتعددة" و "مذكّرات الدرويش" فيجيب قائلاً:"إن منجز المبدع لا يتجزأ ولا ينفصل عن بعضه، ولا مفرّ من دراسته أو قراءته على اعتباره نتاج حياة واحدة عاشها إنسان ذو وعي وثقافة".

يلامسَ المفرجي في هذا اللقاء محاورَ حسّاسة في تجربة الفنان سامي عبدالحميد الذي كان منهمكًا بالتجريب، والبحث عن الجديد الذي يصدم ذائقة الجمهمور، ويفجّر في أعماقهم حُزمة من التساؤلات. دعونا نقتبس الجمل الآتية التي يقول فيها:"لجأتُ إلى التجريب في عدد من أعمالي المسرحية، ولكن لم أدخل باب المسرح التجريبي، بل  لجأت في بعض أعمالي إلى تقنيات المسرح التجريبي ومنها "العمل الطاقمي" و"التأليف الجماعي" و"الارتجال"، وكان يراهن على تقنيات "السهل الممتنع" و "ما قلّ ودلّ" ولكنه يشدّد على ضرورة وجود المسرح التقليدي قبل أن نتجه للمسرح التجريبي الذي تمّ ابتذاله وانتحال صفته في أحد البلدان العربية.

تكتظ جعبة المخرج المسرحي صلاح القصب بالكثير من الآراء التي تصدم المتلقين وتهزّ قناعاتهم، فهو يقول، تمثيلاً لا حصرًا، "أنّ الفن تعلّم وليس موهبة"، كما ينفي وجود مسرح عربي، ويؤكد على "وجود تجارب مسرحية عربية"، ويعتبر "المسرح العربي جزرًا صغيرة وسط محيط كبير جدًا". ويعتقد بأنّ "المسرح العربي يعاني من قصور في أوجه عدة أبرزها النص، والأداء المسرحي"، بل يذهب إلى أنّ "التمثيل عندنا عملية استنساخ بائسة"، وأنّ مسرح الصورة الذي تألق فيه ليس من عندياته ولم يبتكره هو شخصيًا، "ولكنه طوّر هذا الاتجاه".

سينما المؤلف

مثل زميله السابق صلاح القصب يتحفّظ قتيبة الجنابي على توصيف "السينما العراقية" ويدعو منجزها بأفلام عراقية وذلك لانعدام مستلزمات صناعة الفيلم إلاّ بحدود ضئيلة. تناول الجنابي قضية المنفى في أكثر من فيلم ويتمنى مثل السينمائيين العراقيين كلهم بأن ينجز الفيلم الروائي الطويل الذي يدور في ذهنه. ويقول في هذا الصدد:"منذ أن بدأت العمل في هذا المجال وفي رأسي أكثر من عمل روائي عراقي. يقترح الجنابي اللجوء إلى "سينما المؤلف" ذات الكلفة الواطئة وهي أقرب إلى السينما الواقعية الإيطالية التي نبذت الأستوديوهات ونزلت إلى الشوارع والميادين العامة.

يمتلك الفنان فيصل لعيبي بصمة خاصة تُحيل إليه، وتدلُّ على تجربته الفنية الواسعة التي تشظّت بعيدًا عن لمسة الرسم المدرسي التي لا تستجيب للجماليات التي ينغمس بها. ثمة أسئلة دقيقة لا تخطئ الهدف، وإنما تصيبه مباشرة وهذا ما حدث في سؤال المفرجي الأول الذي استفسر فيه عن البيئة المحلية التي انغمس فيها الفنان وظل مخلصًا لها منذ أوائل السبعينات وحتى الوقت الحاضر. يقول فيصل لعيبي في هذا الصدد:"أنّ ما نتعلمه في المعهد والأكاديمية، لا يتعدى المنهج الغربي في الرسم، من هنا ذهبت الى المتحف العراقي القديم  أفتش عن حلول من خلال أعمال اجدادنا القدماء والى رسوم الواسطي و المنمنمات الفارسية والهندية في الكتب المطبوعة، والتمعن في تصورهم  لحياة الناس وعلاقاتهم وطرق التعبير عنها. كنت منجذباً ولا أزال لطريقة المشهد الشامل".

سيقان وأرصفة

لم يرتقِ فنان تشكيلي عراقي إلى مستوى النجومية مثل ستار كاووش، فشأنه شأن نجوم السينما والمسرح والتلفزيون حقق شهرة كاسحة منذ معرضه ذائع الصيت "سيقان وأرصفة" الذي احتضنته "قاعة التحرير" عام 1987. يقول كاووش عن هذا المعرض المتفرّد:"كانت كل اللوحات تقريبًا عبارة عن مقاطع تظهر فيها فقط الأحذية والأرجل والسيقان على أرصفة مغسولة توًا بفعل المطر". ما كان لستار  كاووش أن يفكّر بهذه الطريقة لو لم يشاهد فيلمًا تشويقيًا لم يظهر من بطله سوى جزمته في إشارة إلى "أنّ الجزء يعوّض عن الكل"، ولولا الصورة الشعرية المُذهلة التي اجترحها أوكتافيو باث وهو يقول:"الريشة عصفور حي يرزق" لما أقدمَ كاووش على معرضه الاختزالي الذي اكتفى بأجزاء محددة من شخصياته وموضوعات اللوحات التي تعدّ صادمة في حينها. يبحث كاووش عن التمرد، ويذهب بالمغامرة إلى أقصاها.

ينتقد السلطاني "المزاج الشعبوي" الذي شوّه مبانينا التي صُممت من قِبل روّادنا المعماريين، وانتهكَ حُرمة منجزاتهم الراسخة في الذاكرة الجمعية. ولعل السلطاني لا يختلف عن غيره من المعماريين العراقيين الذين يعبّرون عن إعجابهم بالمهندس الحداثي المبدع لوكوربوزيه ويقيّمون منجزاته المعمارية الملفتة للأنظار.

يحاول المعماري معاذ الآلوسي أن يتبسّط في كتبه الثلاثة المعروفة "نوستوس، وتوبوس، وذروموس" وينزل من برج العمارة العاجي كي تكون آرائه ومفاهيمه في متناول القرّاء غير المختصين بالهندسة المعمارية. كما ينتقد المعمار المشوّش الذي يفتقر إلى أي هُوية محلية، ويصل تحامله إلى حد القول:"دروسنا بالية، مناهجنا لا تواكب الزمن"، كما ينتقد بعض المسؤولين الذين شوّهوا المدن المقدسة بتوسعتها وإضافةسقوف في صحون الأضرحة المفتوحة.

شاعر الضوء

يستحق المصوّر الفوتوغرافي فؤاد شاكر لقب "شاعر الضوء"، وهذا ما كنّا نشعر به قبل هذا التوصيف وبعده. يسأله المفرجي سؤالاً جوهريًا عن الفكرة التي تشغله قبل أن يضغط على زر الإغلاق فيجيب:"أنني أضع في الأولوية الفكرة قبل الصورة لتنتهي كناتج تفكير مسبق وحصيلة فوران أحاسيس". وهو لا يلتقط أي صورة من دون التماع فكرة ما حتى لو كانت صغيرة أو خاطفة يراهن على مضمونها وفنيّتها. وحتى عندما نزل إلى الشارع وبدأ بتصوير الحياة العامة، والمحيط البيئي، والنماذج المقهورة والمُستلبة من البشر المنسيين، والعابرين الذين يمرّون أمام عينيه كان يضع الأفكار نُصب عينيه لأنه يؤمن "بأنّ الصورة تنبع من فكرة وليس من فراغ". وبما أنه يثق بشعرية الصورة التي يلتقطها فلاغرابة أن يقول بالفم الملآن:"أنا شاعر الحقيقة الذي قدّم للذائقة والذاكرة الجمعية قصائد صورية لا تتكرّر ولا تشبه إلا نفسي تماماً".

يراهن عازف العود أحمد المختار على التأمل والإحساس ويكاد يهمل التقنية رغم أهميتها. لنقتبس هذه الفقرة التي يقول فيها:"بالنسبة لي كعازف وكإنسان، أرى أنّ الموسيقى تأمّل، ومن يعتقد أنها تكنيك عضلي فهو واهم، أو أنّ من يقوم بذلك لم يصل إلى جوهرها". ويختم المختار في الإجابة حول إمكانية إشراك العود في القالب الغربي قائلاً:"عن نفسي لا أخوض التجارب إلا إذا كنت مقتنعًا بها وواثقًا منها ولا أستغلها من أجل الإعلام والخبر الصحفي".

الدِقّة والاكتناز

نخلص إلى القول بأنّ هذه الحوارات العشرين التي أجراها الناقد السينمائي علاء المفرجي تقدّم صورة بانورامية لجانب من المشهد الثقافي العراقي في الداخل والخارج، إذ شملت الحوارات عددًا من الشعراء والروائيين، والمخرجين المسرحيين والسينمائيين، والفنانين التشكيلين، والمعماريين، إضافة إلى مصور فوتوغرافي واحد، وعازف عود منفرد. وقد تميّزت بعض الحوارات بالدقة، والانسيابية، والاكتناز، فيما اتسمت حوارات أخرى بالجرأة، والجسارة، وحدّة التعبير، فيما أخذ بعض الحوارات طابع الغمر واللمز والتشهير من دون أن يتدخل المحاوِر في ردّ التُهم أو الدفاع عن المتهمين الذين لم تُثبت إدانتهم حتى الآن. "تاركو الأثر" كتاب سلس يركِّز في جانب منه على السِيَر الذاتية للشخصيات التي حاورها علاء المفرجي وكأنّ قضايا السيرة، كما يذهب سهيل سامي نادر، قد "باتت من صلب اهتماماته" في إشارة واضحة إلى كتابه السينمائي الثاني "أفلام السيرة الذاتية" الذي قُوبل باستحسان القرّاء والنقاد على حد سواء. 

 

عدنان حسين أحمد

 

صالح الرزوقتعزو رجاء بن سلامة في كتابها (بنيان الفحولة: أبحاث في المذكر والمؤنث)* الفضل في ريادة وتأسيس مفهوم  الجندر (ص11) أو ما تسميه النوع الاجتماعي (ص13) لفرويد مؤسس مدرسة التحليل النفسي. ومع ذلك كان منهجها أقرب لحفريات فوكو. فقد تابعت ولادة معنى الجنس الثالث (المخنث) واللاجنسي (الخصيان) في المدونات ابتداء من القرآن وحتى الأغاني لأبي فرج مرورا بكتابات الجاحظ، ولم ترفد قراءتها بأي دليل مادي. بمعنى أنها اكتفت بتذييل  نص على نص مثلما فعل ابن رشد بأرسطو على سبيل المثال. وهذا يترك كل شيء على ذمة الراوي. كما أنها خلال تشريح المدونة اكتفت بجانب واحد من الحقيقة اللغوية. فقد اعتبرت أن القرآن حرّم بشدة المثلية الذكورية ولكنه وعد الصالحين بولدان مخلدين. ورأت أن هذه الإشارة تدعم موضوع متعة الرجال بغلمان من الجنة (ص15).  ولم تكلف نفسها عناء قراءة العبارة بسياقها اللاهوتي، على الأقل، والذي يشير بكل وضوح لدور خدماتي لا يشمل البهجة الجنسية أو اللذة. ناهيك أن كلمة ولدان تدل على يافعين وغير بالغين وكلمة مخلدين تدل على أهل الجنة (من نشأ فيها بعيدا عن كل قيود وأعصبة الواقع الدنيوي). ثم إن العبارة غير نوعية ولا مخصصة، وتطلق على المذكر والمؤنث. ولا أعلم  لماذا ترى ابن سلامة في هذا المشهد شيئا يتجاوز حدود الخيال الإسلامي لليوتوبيا. فهو مجرد وعد من الذات الإلهية بتوفير أساليب ووسائل الراحة للكبار الذين اتبعوا توصيات الخالق وطبقوا كل تعليماته. وربما لا يوجد في كل القرآن آية نظيفة ومتعالية على الشهوات مثل هذه الآية. ولدينا كم هائل من المشاهد فوق الطبيعية سواء في القرآن أو الحديث، وفيها تتعايش كافة الأجيال والأجناس في جو مسحور، وفي إطار رموزي يتعمد المبالغة.

ولكن هذا لم يمنعها من استنتاج ملاحظات هامة عن الفجوة المعرفية التي تفصل الواقع عن النص. فقد كان المجتمع العربي منذ بداياته يعاني من ازدواجية في المعايير، ويتعايش مع واقع شيزوفراني تسوده مقاييس غامضة. وهو ما رأت فيه ريبكا غولد، ضمن دراساتها عن إسلام العصور الوسطى، اضطرابا بالتعبير المجازي. فالعرب كانوا يميلون للاستعارة والفرس للتشبيه. وأعتقد أن هذه النتيجة هي تحصيل حاصل لدراما الصراعات البينية. وإذا كان الصراع على الموارد قد تحول إلى صراع على السلطة، وإذا كانت تلعب به أيدي الدول العظمى (الفرس والبيزنطيين) فقد انتقل لصراع بين بين لوبي حضارات، أو ثقافة شمسية مقابل ثقافة قمرية. وهو ما تطور في العصر الحالي لنوع من المواجهة بين الولاءات. وبلغة رجاء ابن سلامة بين عرب محدثين وموجات تدخل في عداد ما يسمى الصحوة الإسلامية (ص20). ولا تنسى بهذا السياق أن تشير لعقدة مستعصية في تفكيرنا السياسي المعاصر وهي تهمة التآمر والتجسس. حتى أن محمد حسنين هيكل ذكر في كتابه “كلام في السياسة” أن ملك الأردن السابق كان يتقاضى راتبا شهريا من المخابرات الأمريكية. ويحالف ابن سلامة الصواب حينما تعزو هذه المشكلة لسقوط وتصدع النظام الأخلاقي (وضمنه الجنسي والسياسي) عند العرب. فالسياسة مثل الجنس مجال خصب للأوهام وإضفاء هالات تقديس مزيفة وبلا طائل، وهي جزء من الأساطير التي اختلقها النظام المثنوي في عملية الخلق الإلهي. وقادها ذلك إلى قراءة سريعة في بعض المفاهيم ومنها مبدأ القوامة في الإسلام (ص30)، فهو مبدأ اجتماعي وله أسباب اقتصادية فرضها النظام الاقتصادي المتبع في القرن السادس بعد الميلاد والذي يتصف بأنه اقتصاد جائر وغير متوازن ويعبر عن اختلافات عميقة بين بقايا مجتمع البادية ورواسب الحياة الحضرية. فقد كانت حياة القبائل تعتمد على الصدفة والمغالبة، بينما استقر في المدن نظام عمالة هرمي وطبقي، وبقليل من المرونة يمكن أن تفهم أن الحياة في المضارب تحتاج لذراع لحمل السيف، إن لم يكن بهدف الحرابة فعلي الأقل لمواجهة مخاطر وغدر الطبيعة، مقابل الإيمان بالقيمة التبادلية للسلع والحرف في المدن. حتى أن الأمر الإلهي كان مشروطا. فقد ربط القوامة بالتفضيل والإنفاق (ص 30). وكما لاحظت ابن سلامة إن انتهاء الظرف يفرض إنهاء المفعول. وتعتقد أنه ضرورة واقعية ولا مندوحة عنها، ولذلك تدعو دون مواربة في خطوة أولى لإنهاء وصاية التراث وفرض الحداثة باعتبار أنها مكسب مدني ومعرفي تنظر للإنسان على أنه قيمة بحد ذاته وليس مصدرا للقيمة فقط. وفي خطوة ثانية لافتراض حداد على الماضي وأمواته، أو بالأحرى لتبني “عمل حداد” بلغة فرويد. وتضيف لاحقا: إن الحداد لا يسيء لأحد ولكن يضفي جوا من الاحترام والتقدير دون أن يسمح للموضوع المنعدم بالتحكم بحياتنا ومصيرنا (ص146).  

لم يكن الإسلام دينا جاهزا ومفصلا بشكل مسبق مثل الأحزاب السياسية الحديثة، ولكنه جاء ليعيد ترتيب العلاقة بين الوعي والطبيعة أو بين نظام المعرفة ونظام العمل. ولم تبدأ المشكلة إلا حينما تحول لدين دولة.  وهذه نقطة مفصلية. وسرعان ما فقدت المرأة بعد ذلك الحقوق التي كفلها لها الشرع (ما تعارفنا على تسميته بالوحي)، وأصبحت رهينة بيد إرادة ورغبات الفقيه. ويوجد فرق ملحوظ بين المفهومين. فالتشريعات نصائح إلهية، في حين أن الفقه حوّل الوعي الباطن إلى قدوة يجب اتباعها. بتعبير آخر فرض رغبات الفقيه ولم يعرب عن حاجات المجتمع والأفراد. ونجم عن ذلك استبدال الشرائع بمجموعة من اللوائح والأحكام، وبهدف واحد لا ثاني له، وهو تعويم السياسة الدينية على حساب الدين ذاته، أو كما تقول ابن سلامة: الارتهان لهوية أمة متخيلة (ص42).

2140 رجاء بن سلامةويمكن القول إن انحطاط واقع المرأة لا يمكن تعديله بالشعارات التي رفعتها الحركات النسوية مثل المساواة (أو المساواة قليلة الدسم - المختزلة إلى ما تسميه ابن سلامة الإنصاف)، ثم الحق بالتصويت أو مطالب مضحكة ومدعاة للطرافة كقيادة السيارة، وارتداء أزياء لا تعمل على تجريمها وسوى ذلك (ص42). فالمشكلة هي في انحطاط الوضعية الاجتماعية والحقوقية لشعوب العالم الثالث بشكل عام. ولسوء الحظ أن معظم الشعوب الإسلامية تعيش ضمن المجال المجدي لهذه الحضارات نصف الميتة. فقد خسر فيها الدين وضعه الوظيفي (التحرر من أدوات التأويل والدخول بشراكة موضوعية مع السياق)، وأصبح جزءا من نظام الرقابة والعقاب، أو بتعبير ابن سلامة: عمل على إخلاء وتفريغ الفضاء العام وعلى زيادة دور آلة المحاسبة (ص40). حتى أنه في بعض الحالات لعب دور وسم إيديولوجي مع إعادة ترتيب لنظام الفوارق (ص40).

وهذه الصورة القاتمة هي تحصيل حاصل لما تعرضت له المنطقة من حالات تهجير ونزوح. ولا أشير لموجات الهجرة بسبب الحروب ولكن بسبب الكوارث. فإخلاء الريف من سكانه، ومحاصرة المدن بالمهاجرين من الأرياف ساعد على تبدل جذري في سلم الأخلاق. ولم تعد هناك أي علاقة انتماء للأرض وإنما التزام بنظام الإنتاج. ولا ضرورة للتذكير أنه نظام عسكري. حتى الشرائح المدنية تخضع لتراتب يشبه المفهوم العسكري بالواجب والانضباط، وهو ما ترى ابن سلامة أنه سبب لانتشار مقولات مغلوطة ونفعية مثل خصوصية الأمة وفرض هويات غير مرغوب بها (ص42). ولكن السؤال الشائك: عن أي أمة نحن نتكلم، وبالمنطق عن أي هوية؟؟..

لا يوجد لحينه أي اتفاق حول هذه الحدود. وتبدو لعين الناظر أشبه بتعويم رأسمال رأسمالي، فكل حد مرتبط بصورة نفعية ومؤقتة بحد آخر يدخل في تركيبه، مثل معنى جوهر الإسلام، فهو بمفهومه المعاصر مجرد طريق لتشكيل وعي مادي عن مسائل ميتافيزيقية.

ومن هذه الصدوع تسللت مفاهيم جهادية متناحرة لم تفعل شيئا غير زيادة مساحة الخراب والتخلف والازدواجية في السلطات، أو ما تقول عنه ابن سلامة: انفصام لدرجة الطلاق بين التشريعات والواقع الاجتماعي (ص41).

وعلى هذا الأساس تنظر لمشكلة الحجاب الذي تختص به المرأة وتعفي منه الرجل، ولكنها تقسم الحجاب النسوي لنوعين: حركي (خمار وفوقه جلباب- ص65)، وفضائي (يفرض إقامة جبرية على النساء في محميات لا تصل إليها عيون الذكور البالغين) وتقصد به على نحو خاص عزل نساء النبي عن الحياة العامة (ص58).

وأغتنم هذه المناسبة لتوضيح نقطتين.

الأولى أن الخمار تقليد اجتماعي معروف قبل الإسلام. وهذا باعتراف ابن سلامة التي بنت فكرتها على بحوث روزين لامبان المختصة بالثياب الدينية (ص65).

النقطة الثانية أن تضييق الحركة على النساء مذكور حتى في معلقة طرفة بن العبد المتوفى قبل البعثة بحوالي 40 عاما، وذلك في معرض كلامه عن البكهنة في حرمها المعمّد (المرأة البدينة بيضاء اللون التي لا تضطر لأداء أعمال سخرة عضلية). فقد كانت زينة ذوات الخدور لا تكتمل إلا بلون البشرة الأبيض. وهذا بالضرورة يتطلب ارتداء كساء فوق كساء أو جلبابا مع خمار. بالإضافة إلى الاحتماء تحت سقف يمنع  أشعة الشمس والغبار. وأنا مع ابن سلامة أن الخباء كان علامة طبقية خاصة بالحرائر كما لاحظت في خطاب للخليفة  عمر بن الخطاب مع جارية مكممة (ص67). وحين فرض الإسلام الحجاب على كل النساء لم تكن الغاية تحصين المجتمع من الفتنة، كما هو شائع، ولكن لتحقيق المساواة ولتحرير الإماء من علامة التبعية. لقد ساوى ما بين الحرة والأمة، وألغى الفروق بين من يملك ومن لا يملك. عدا ذلك لم تكن المرأة العربية تفتقد للتقدير لدرجة العبادة. وخذ اللات على سبيل المثال. كان لها معبد في الطائف يدعى بيت الربة، وله كسوة وحاجب، ويجاريها بهذه المكانة العزى ومناة، وهما بالأساس من آلهة الأنباط والآشوريين. وباعتقادي أن العرب أكرموا المرأة عندما اختاروا للحياة وللأرض والشمس صيغة تأنيث، وللموت واللحد والقمر صيغة تذكير. بتعبير آخر كانت المرأة واضحة ومعروفة ومأمونة الجانب، بينما الرجل كائن مجهول ومحجوب عن الإدراك والتجربة العملية ولا يمكنك أن تضمنه. ولا ضرورة للتذكير أن المؤنث في كل اللغات مبدأ يعمل على ثلاثة محاور:

الطبيعة المانحة، والأرض الحاضنة، واللسان الذي يلزم للتواصل ولبلورة حياة اجتماعية وإنسانية كريمة. وهذا المثلث وحده يكسر القاعدة الشريرة لعقدة أوديب ويخففها ببدائل تضمن لنا تصعيد الجانب المدمر من الغرائز. وبالنسبة لشرط اللغة لا يسعنا إلا ملاحظة طبيعته الثنائية. فهو يتكون مثل الآخر عند لاكان، من حالة شمولية (أحرف كبيرة) تحيلنا إلى اللسان أو القواعد الأساسية. وحالة نوعية خاصة (أحرف صغيرة) تحيلنا إلى الكلام. وعليه لا يمكن أن يكون القانون ذكوريا باستمرار، بل هو بالأساس اختراع أمومي له تطبيقات ذكورية. وهذا خير تعبير عن الطبيعة المتكررة للسان الأم، والحالة الاجتماعية المعزولة في بيئاتها للكلام واستعمالاته. بتعبير آخر إن الحالة الطبيعية في أي مجتمع هي رحمانية (تدين بالفضل للأم - بالتحديد الرحم) مع وجود مساحة للتطبيقات المذكرة. ومن هنا يبدأ التقابل المدمر بين المعاني الضمنية والألفاظ الظاهرة، ويمكنك القول بين سياسة البيت وسياسة الشارع، فكر الحضانة والرعاية وفكرة استنزاف الطبيعة واستثمارها. وإذا تورط العرب بمنطق ذكوري فهذا ليس مشكلتهم بل مشكلة تطوير الفكر الريعي بشكل عام، ولا سيما في حالة الديانات السماوية التي حصرت الربوبية والتأله بالرب والله والخالق (وهي مفردات تأخذ حصرا صيغة تذكير). ولا يفوتني هنا التنويه بخصوصية معنى “الفحولة”، فهو مجرد ترضية رخيصة للطبقات المعدمة التي لم تحصل على كفايتها من التعليم والثقافة، وتستطيع أن تشعر بخطره في أوقات الشدة حينما تكون المبادرة لغريزة الموت وما يرافقها من عنف وانتهاكات واستعمال مفرط للقوة.

ولا بد هنا من التفريق بين خطاب الجماعات الشعبوية وخطاب ذاكرة الشعوب الذي تحفظه الملاحم والسير والأمثال من الضياع. فالخطاب الشعبوي يتطور باتجاه واحد ودون أي بنية فنية، في حين أن للذاكرة الشعبية عدة صيغ وأشكال، وكلها تتفق على المساواة بين الجنسين. مثلا الساحرة امرأة لديها قوة خارقة، ولكن المارد رجل لديه عضلات فولاذية. ويمكن أن يتصارع الطرفان، وأن تنشب حرب بين امرأة استثنائية وسوبرمان، ويصبح كيد المرأة بمواجهة علنية مع جبروت الرجل.

إن الظواهر السلبية التي عانت منها المرأة طويلا هي نتيجة تخلف حضاري أو اختناقات اجتماعية. ولا علاقة لها بالعرب أو الإسلام. وإذا كنا نقر بتعدد الزوجات فالعرف المدني الأوروبي يقر بتعدد المعشوقات والمحظيات. وإن كنا نلجأ للزواج المدبر، فالغرب يعرف هذه الترتيبات سواء بين الأسر الحاكمة، أو بين العوائل البورجوازية التي واكبت أول ثورة في وسائل الإنتاج واستمرت حتى سقوط الرايخ. وتورد ابن سلامة عدة ملاحظات بهذا الاتجاه منها أن غطاء الرأس كان مستحسنا عند النساء والرجال منذ العصر الجاهلي، وتحول لفرض أو واجب أخلاقي منذ ظهور الطربوش في القرن التاسع عشر (ص70). وتجد أصداء هذه التحولات في الرواية العربية، سواء المكتوبة بعد ما يسمى بالثورات (المقصود انقلابات العسكر بعد مأساة 1948)، أو بعد اندلاع شرارة الربيع العربي. وتجد في الطورين أدلة على ظواهر عجيبة يندى لها الجبين مما تنطوي عليه من أحقاد وانتهاكات للقانون الإنساني ولبديهة وفطرة البشر، ولا سيما في روايات ظاهرة الحرب الإسلامية المقدسة. فقد رفعت الستار عن تشوهات نفسية عميقة لم تدفن المرأة تحت الأرض فقط بل شجعت على تسليعها واعتبارها مجرد قيمة جاهزة للتداول في السوق (وتشير ابن سلامة لعدة أمثلة من هذا النوع لكن في مجال الحفريات والدراسات. انظر ص 80 - 84). وتزامنت هذه الظاهرة مع موجة الرواية المثلية في أوروبا والأمريكيتين، وحولت المسألة لقضية حقوق طبيعية. بمعنى أنها نظرت إليها كجزء من إكراه الطبيعة على إلغاء نفسها وميولها.  ويمكن لأي متابع أن يشعر بالدهشة كيف تتوازى مسائل الجنوسة في الحالتين: استعباد الإنسان من قبل أدوات التخلف أو تحريره بواسطة أدوات الصناعة. إن الفوضى الناجمة عن التخلف لا تقل شأنا عن الركود الناجم بسبب زيادة التقدم، وربما كانت أول لحظة هي نتيجة موضوعية لثاني لحظة. فأي أطروحة يرافقها أطروحة مضادة، وهو ما يدعوني للنظر للمسألتين على أنهما جزء من نفس المنظومة. وربما أبسط تفسير لذلك تجده في قانون الصدمة.  فأثر التخلف لا يقل عن أثر الإفراط بالتحديث، وكلاهما ارتطام بالحاجز الزمني أو إقلاع بآلة الزمن وإن تعاكست الاتجاهات. والدليل على ذلك هو تطابق البنية الفنية وأدوات التصوير والمحاكاة في الحالتين. لقد وضعت هذه الوحدة السردية عاطفة الإنسان أمام الطبيعة وليس العقل، ولذلك كان التناقض بين عاقل وغير عاقل وليس بين ذهن ومشاعر. وساعد ذلك على زيادة الجرعة الدرامية أو الصراع لدرجة تناقض أساسي، ولم تنجم عنه مواقف انطباعية تشجع على التكهن والتأمل، وربما الدعوة للمصالحة. لقد تم تفكيك أي فلسفة تشجع على المصالحة وأصبح الطريق ممهدا لأن يلغي كل طرف عكسه. وأعتقد أن هذا الإلغاء أفاد أطروحة هنتنغتون المشؤومة في صراع الحضارات، فصحوة الحضارة الشرقية القديمة لم يكن يجاريها شيء غير صحوة الحضارة الغربية الصاعدة. وأعتقد أن المتضرر من هذا الصدام المسعور هو وعي النوع لذاته. فقد ظهر مفهوم نوعي غريب وشاذ لكل فئة، وتدخلت الإرادة الوهمية لفرض حقيقة مفتعلة، وربما لو تفاقمت هذه المساعي لتبدل توازن البشرية وأصبحنا أمام مشكلة في بيولوجيا النوع مثل مشكلة تلويث الجو والمياه، أو حتى ظاهرة الاحتباس الحراري. ولا أستغرب أن يأتي يوم ونجد أنفسنا فيه أمام نوع بشري غير معروف، فالإنسان الجليدي مختلف تماما عن الإنسان الحديث سواء بالبنية التشريحية أو حجم الدماغ، وهذا سينعكس على الواقع وأشكال تطوره. ويكفي أن نلاحظ النمط الجديد من الهجرات. إذا غلبت هجرة الأفراد على جيل التنوير في بدايات القرن الماضي، تغلب على الدفعة الثانية هجرات جماعية، وأغرب ما في الموضوع أن الاتجاه معكوس. الغرب الرأسمالي يوفر الرعاية للاتجهات المتأسلمة (ذات الاتجاه المتزمت) بينما توفر الإمارات والممالك العربية الملجأ لبقايا اليسار العربي. بلغة أوضح تحولت منطقة الخليج الناطقة بالعربية لأندلس جديدة، لم يبق فن لم يشهد نهضة، وكذلك بالنسبة لكل الصناعات الاستهلاكية ومنها السياحة والثقافة. بالمقابل تحولت العواصم التقليدية للشرق إلى نفق مظلم، وتحتله سلطات مشغولة بأوهامها. ودون أي تردد أجد أن الشرق التقليدي تحول لغربال أو بأحسن حال لمنطقة عازلة. بمقدار ما هو مشغول بمشاكل البقاء والضروريات هو أيضا معزول عن مستقبل العالم، والأسوأ عن هويته الأصلية والحقيقية، وربما هو حاليا شرق غير شرقي، لا يعرف نفسه، ويغطيه رماد موته البطيء. وفي هذا الجو لا يهم أي بنية، فهي بنية عقيمة ومعطلة، ولا يمكنها أن تكون واضحة، أو لها معنى بمضمون محدد. ولا شك أن الواقع الجريح سيتكفل بخصاء الدوائر الاجتماعية، لا فرق أنها مذكرة أو مؤنثة. المهم أنها معطوبة وجريحة، وتحتاج لتضميد محتوياتها المنهكة قبل أن تدلي بدلوها. وأي حديث عن جنس ثالث أو حريات مدنية سيكون موضوعا سابقا لأوانه. وأن نطالب للمرأة بحق التصويت والاقتراع هو في حقيقة الأمر أقل من نصف المشكلة. والمفروض أن نطالب أولا بالنزاهة في إجراء انتخاباتنا. وفي ظل الأنظمة القمعية لا يمكن تفعيل أي دستور، ناهيك عن تنشيط بقية الفعاليات، فدساتيرنا لهذه اللحظة مجرد حبر على ورق. وأفضل من يعبّر عن ذلك الصحف الوطنية. فالصفحة الأولى قصائد عشق ومديح للقيادات، والصحف الداخلية تعيش في حالة غيبوبة، كأن الصحيفة الواحدة موزعة على حلقات ودوائر مغلقة لكل منها دستورها ومرجعياتها. والتعديلات الدستورية نتيجة لمسيرة طويلة وشاقة، ويمكننا أن نتعلم خلالها المعايير الحديثة، وأن نعيد هيكلة عقولنا وأدمغتنا. وهذا ينطبق على الأنظمة العلمانية والمشيخيات على حد سواء.  وإذا سلمنا مع رجاء ابن سلامة أن المرأة تتعرض لانتهاك دستوري وأخلاقي في منطقتنا، فهو جزء من الانتهاكات العامة التي تلحق بعلاقة الأب بابنه، ومدير المؤسسة بالعاملين لديه.

وباعتقادي إن جيل التنوير العربي كان مناصرا للمرأة أكثر من جيل التنوير الغربي. وأي مقارنة بين أعمال فنية لها عناوين نسائية تحسم المشكلة لمصلحة أول طرف مع أنه كان يضع شعرا أوروبيا مستعارا. بتعبير آخر مع أنه بجوهره ينادي بمحاكاة الغرب في تثوير الواقع تبقى الإيديولوجيا ببرقع نسائي واضح. وإذا أخذنا (زينب - 1913) لهيكل و (سارة- 1938) للعقاد على سبيل المثال لن نقابل غير بنات حقول خضراء مدللات أو سيدات صالونات مخملية. ولا يمكن أن تسجل أي خشونة تدين الرجل حتى لو أن المجتمع دون قلب ولا عاطفة.  ولو تمهلت قليلا ستلاحظ أن المشكلة في مستوى الحياة وليس في ظرف الوعي، أو أن المواجهة كانت محتدمة بين المطلق والنسبي. بعكس حال مول (فلانديرز- 1722) لديفو أو (نانا- 1879) لزولا.

فكل شيء هنا ينصب على تأثيم المرأة وتذليل الرجل. ولا أعلم ماذا يمكن أن تقول عن هذه الإيديولوجيا الفنية. إنها عمليا لا تدعو لتمريغ واقع الجنسين بالوحل، ولكن لعلها تكتب مرثية لموت أخلاق وعادات وصعود بديل عنها. ويمكن أن تقول إن المرأة بنظر رواد التنوير الأوروبي كانت تلقي وزر ووصمة العار التوراتية على النساء، سبب طرد الإنسان من الجنة.

ولا يمكنني أن أجد في التقابل بين الجنسين أي خطأ استراتيجي. فالتصنيف شيء من طبيعة الأمور، والجينيالوجيا (علم الأنسال) موضوع قائم بحد ذاته، ويخدم تعريف الأشياء بصفاتها النوعية والوظيفية الخاصة. ومن الطبيعي أن المرأة هي كائن أو مخلوق غير الرجل (وهما ثنائية متقابلة - ص97). وأن يكون للمرأة اسم صفة يعني أنها كائن مختلف، ويتطلب مقاربة خاصة في معظم الأحيان. إن التقابل شيء والتمييز شيء آخر. ويتأتى العنف من أسلوب الفهم والاستيعاب والمقاربة. وهو شيء ينطبق على الجنسين. وأن تحدد عمل المرأة بواجباتها المنزلية(ص79) مثل أن تحدد للرجل القيام بأعمال عضلية وشاقة. (الحالة لا تختلف كثيرا عن واجبات الشاب البالغ والكهل أو الشخص القصير والشخص الطويل). وإن لم نعترف أن ثقافة العنف هي لدينا أخلاق موجهة ضد الذات والطبيعية وتعبر عن ردة الحضارة الجريحة على ظروفها التاريخية نكون قد أغفلنا جزءا هاما وأساسيا من حقيقة المشكلة. ومثلما لا أجد أي مسوغ للتحفظ على إدانة العنف المطبق على النساء (ص104) لا أفهم لماذا لا نعمم ونطالب بإدانة العنف المطبق على الإنسان الذي يعيش في ظروف قهرية. وأن نخص المرأة بهذا الطلب يعني أننا نميز بينها وبين الرجل ضمنا. والأجدى في الحقيقة المطالبة بشروط حياة كريمة وبعدم تطبيق أي عنف من الكبار على اليافعين، وعدم توريط الصغار بعمالة تتطلب جهدا يتخطى حدود عمرهم، سواء من الناحية العضلية أو الذهنية، وأن يشمل هذا الطلب البنات والذكور معا ودون تمييز. وبهذه الطريقة نكون قد ألغينا مشكلة الفصل بين الجنسين أو إقامة حزام عازل يحاصر البنات والنساء. فالمرأة ليست إيديولوجيا، ولا هي شيء فوق التاريخ، ولكنها نوع له وظائفه بقوة الطبيعة.

بوجيز العبارة: لحينه المرأة مثل الرجل ضحية لعنف اجتماعي يأخذ شكل البلطجة. وهذا النظام الذي يعتمد على الإكراه له عدة ترجمات واقعية بالأخص في الحواضر، أو ما يسمى المجتمعات المدينية، حيث يكون لكل حي عصابة تضبط أموره وتوزع الصلاحيات والحصص فيما بينها وكأنها دولة داخل دولة. لا أستطيع أن أقول إنها ما فيات عربية، ولكنها انحراف في النظام، ولا سيما في حال ضعف الدولة، وحصر اهتمامها على ضبط بعض المرافق، وترك ساحة الخدمات والكماليات لنوع من العرف أو الاتفاق الأهلي. إن الدولة الضعيفة تمهد الطريق أمام تنمر وتغول التكتلات الأهلية والمحلية التي يسودها تفاهمات غير مكتوبة ويصعب حصر طرائق عملها.

ويوجد أمثلة عن الانفلات الأمني، وإهمال الدولة له، في بعض المحطات غير الحساسة. وهذا ينطبق في بلداننا على العشوائيات، فهي دائما محرومة من عاطفة ورعاية النظام، ويوجد حالة مشابهة في أحياء المهجرين والمعدمين والأقليات العرقية في دول الشمال. ولا أعتقد أن النظام المتحضر عاجز عن ضبط هذه التجاوزات، وعلى الأرجح هي بالون اختبار، والعين الساهرة لا تتدخل إلا إذا وصلت الأحوال لدرجة معينة. وبهذا السياق أحيل لرواية “مذكرات من نجا” للبريطانية دوريس ليسنج، ورواية “شرف” للتركية إليف شافاق. في العملين متابعة لظروف إنضاج وتهيئة الفوضى قبل دخول الدولة على الخط والقضاء على الرؤوس المدبرة. ولكن الصبر والحنكة اللذين تلجأ لهما دول الشمال ليسا مطروحين للنقاش في بلداننا، وغالبا ما تتفاقم الأحوال، وتتحول لتصفية حسابات أولا بين البلطجية، ثم بين العوائل المتنفذة في كل منطقة. بمعنى أن النتائج تبقى داخل أسوار اجتماعية كتيمة لا تخترقها السياسة لأنها أصلا غير مهتمة بها. هذا إن كان في البلد المعني سياسة من الأساس.

وبظني إن منطقة الشرق الأوسط تنحو لتمييع أي شكل من أشكال السياسة باعتبار أنها فن الحكم، وتتحول بسرعة مرعبة لمجتمعات منقسمة على نفسها ومعصوبة، وبينها انقطاعات بنيوية. فالحكم في مجتمعات الداخل تحركه لغة ومنطق يختلف ويتعارض تماما مع المنطق الدبلوماسي أو النشاط الذي يستهدف الساحة الدولية.

كما تفضلت رجاء ابن سلامة لقد تطور القهر ضد المرأة لدرجة جناية، وأسبابه التاريخية البعيدة تشير لعمل إجرامي منظّم ناجم عن أحقاد دفينة، وهي نتيجة صراع مستميت على التسلط، وكل الحفريات تؤكد أن حلول الرجل مكان المرأة تلازمت معه تبدلات في شكل حياة النوع البشري بشكل عام. والفرق بين الدولتين.. دولة الأم ودولة الأب يشبه الفرق المؤسف بين معنى الرعاية والحراسة، ومعنى التملك والتسيد. ولكن إذا وضعنا إلى جانب ذلك نكوص الوعي في منطقة شعوب العالم الثالث لا يمكن أن لا تنتبه لتربيع الدائرة. إنه انتقام ذكوري دموي من دولة المرأة رافقه انفجار الغرائز البدائية التي تميز نشاط قانون الضرورة في مجتمعات التخلف. بل ويمكن القول إن الأسباب أحفورية وتاريخية. مثلا لم يتم التخلص من شجرة الدر لأنها امرأة بل لأنها امرأة تجلس على العرش. وغني عن القول أن القاتل هن من جواريها، نساء يقتلن امرأة غاشمة ولا مبالية. باختصار العنف في منطقتنا لا يوفر أحدا، غير أنه مزدوج بالنسبة للنساء.

ثم تضع ابن سلامة قائمة بانتهكات الدين ضد النساء. أو بالأحرى الوكالة الدينية أو الحلقات التي تتكفل بحراسة اللاهوت والميتافيزيقا. ولكن حقيقة لم أجد أي عيب فعلي في النصوص، فالأديان تلجأ للأساطير والترميز للترويج لنفسها. إنما تخلف الحضارة وقصور عقلية التخلف يحد من مرونة التواصل مع المعنى. فالتخلف لا يعتمد كما يفترض أدونيس على نقل وتمكين الأسطورة وكأنها واقع، أو التصورات وكأنها أحداث جرت فعلا، أو أعمال طبقها الإله بالفرض من فوق لتحت، أو من ذات علية إلى كتلة فيزيائية تؤدي عقوبتها على خطأ ارتكبه أبو البشر. وإنما يلجأ التخلف للمحاكاة، ويقلد أوهامه الذاتية قبل أن يقلد تصورات غيره (التقاليد). فالتخلف لاشعور جماعي تابع. وهنا أود أن أستعير من خليل أحمد خليل مخططه عن البنية الهرمية للقيادة عند العرب. في وقت الرخاء يكون التابع مساويا للمتبوع، لكن في أوقات الشدة تفصل الطرفين مساحة غامضة من الأفعال المؤجلة. ولذلك إن بنية التخلف ليست تبعية فقط، ولكنها ملغومة، وتزداد فيها الاحتمالات. ومن هذا الباب يمكن تفسير زيادة عدد الأعمال الانقلابية في منطقتنا. لم تكن تمر خمس سنوات دون تبدل دراماتيكي في السلطة سواء بالشكل (بين 1950 -  1970) أو بالمضمون (بعد 1970). وكان يتخلل ذلك مناوشات تصل لدرجة حروب محدودة أحيانا. وفي واقع من هذا النوع لا يمكن أن تساوي بين الإيمان والدين. فالدين واحد لكن أشكال الإيمان مختلفة. ويمكن أن تقول لا يوجد ولاء حقيقي بالسر، وتقتصر الطاعة على النفاق العلني المدفوع القيمة.  ويبدو لي أن اضطهاد المرأة هو جزء لا يتجزأ من هذه البنية غير الإيمانية واللاهوتية التي تدين للتخلف وللطاعة المأجورة. وبرأيي إن الفحولة ترفع من مكانة المرأة كطرف مرغوب أو جائزة للاستجمام والسعادة. لكن دراما الصراع على التسيد والاستئثار هو الذي يبدل المعاني. ناهيك عن الأكاذيب والتلفيقات التي تضاف منهجيا وبشكل متعمد لإرضاء الدولة. ولا أعتقد أن أحدا لم يسمع بمشكلة صحيح البخاري والكم الهائل من الأحاديث المشكوك بصدقيتها ولكن المنسوبة للرسول والتي يقيس الفقهاء عليها أحكامهم وتشريعاتهم. وأن تجتهد على خلفية أسطورية وملفقة لا يختلف عن بناء دين لا علاقة له باسمه أو منابعه اليقينية. وعمليا لا يمكننا انتقاد الدين (ومن خلفه الفكر الديني) قبل غربلة الحقائق، وملاحظة أساليب تطورها وتحولاتها. 

ويأتي آخر فصل بشكل مسك الختام. النهاية السعيدة التي تجرّأ كامو ورأى فيها انتحارا طوعيا، أو ميتة سعيدة. وأقصد بذلك التفاؤل بالحداثة العربية، وتقسيمها لأنواع: منسية ونهضوية ومعاصرة (ص149). ولا جدال أنه لدينا كم هائل من المقاربات لمشكلة الحداثة، ولكن هل نحن على وشك أن نفهم هذا اللغز الغامض؟؟!!.. إن ما كل ما فعلناه حتى هذه اللحظة هو البحث عن اسم لتفكيرنا ولأساليب المناورة مع هذا التفكير. وبالنسبة للحداثة تحديدا فهي رماد لأوراقنا المحترقة التي لا يسعني أن أرى فيها غير بقايا رومنسيات وميتافيزيقا. والمحوران بتناحر دائم، كل منهما يلعب بعروس الحداثة بطريقته، وبرأيي حداثتنا لا تزيد على مسرح عرائس أو خيال ظل. فالشكل الراديكالي أو الميلودراما المتواضعة من دعوات التحديث لا تزيد على استيراد الثياب الجاهزة، مفصلة في مخبر دريدا أو فوكو، وإن كنا من أنصار الحداثة الواقعية أو الاشتراكية الحديثة (ويسمى في بعض الحالات: “الطليعية” تهربا من الدخول بملف الإمبريالية الراعي الأول لكل هذه الصيغ) ستكون الأجهزة والأدوات من القاموس الماركسي (بنسخته الأوروبية غالبا)، لأن النسخ الأرثوذوكسية الشرقية وقفت ضد أي تحديث بشكل أعمى ولم توفر شتيمة لم تنعته بها بدءا من التحريفية المعاصرة وحتى الانحلال والتميع والمغالطة التاريخية (ص149).

ويوجد تحديث آخر معكوس بأقنعة تراثية، وهو ما بدأ يأخذ اسم تأصيل الحداثة أو تحديث الأصول. وهي معادلة طرفاها مغيبان بقوة الواقع التجريبي لأن أي معادلة لا يمكنها أن تقف بوسط الطريق وتختار أن لا تكون شيئا لتلعب دور المخلص والمطهر. وهذه هي حال كل النظريات القومية. دائما أقف أمام خلطتها عاجزا. فهي تتبنى فلسفة من كل بستان زهرة، وتسمي ذلك تأسيسا لهوية عروبية ثورية. ولكن لو وضعتها في أنبوب الاختبار ستنفصل لمكونات تلغي نفسها بنفسها. والواقع سيد الأحكام، فالعرق العربي يمر بنفق مظلم، ومثله العاطفة القومية برومنسياتها وطموحاتها، تتعرض لكبوات فظيعة، وأقله هي مرتهنة لأصدقاء غير عرب ليفضوا النزاعات البينية أو ليحسموها وفق إرادتهم.

وحالة تغييب الحداثة، أو قلة حضورها على ساحة حياتنا اليومية، تضعنا أمام معضلة يسميها فرويد الكمون. فالليبيدو لا يعرف كيف يعبر عن نفسه، وهو أيضا تحت مظلة ليس لها لون محدد، فهو خائف من المشكلتين الأساسيتين: قضية العمل وقضية المعرفة. ولذلك كل شيء يضيع في متاهات الاستهلاك. وهذا بدوره استهلاك رخاء أو استهلاك حرب. بمعنى أنه تعبير عن العدم بلغة الوجود. فهل يجب أن تستغرب إذا كانت المرأة موجودة في الخطاب الرسمي، ومفقودة من التجربة الواقعية أو البراكسيس. بمعنى أنها ليست متحققة في مجالات العمل؟.

ولم تفوت رجاء ابن سلامة الفرصة على نفسها، وأعلنت عن أقنعة حداثاتنا المبسترة وقليلة الدسم، بمعنى غير النافعة إن لم تكن الضارة (في كل أساليب تطبيقاتها)، حينما قالت إنها شيء بأسماء مستعارة، ونعتقد أنه يدل على أفق نهضوي لكنه يعتمد على ماهيات تعيق المعرفة التاريخية العلمية (ص149).  وتضيف في السطور القليلة التالية: حتى أن كل هذه الأسماء الشائعة لا تشير إلى فكرة وصورة الخروج أو القطيعة أو التبدل الجذري (ص150)، بل تحولت لمشروع مجتمعي يروج لرواية رسمية أو شبه رسمية عن نهضة ميتة (ص153).

 

د. صالح الرزوق

 ...................

*بنيان الفحولة: أبحاث في المذكر والمؤنث. رجاء بن سلامة. 2005. ط1. دار بترا للنشر والتوزيع. دمشق. 174 ص.

 

علجية عيشمن خلال كتاب "الكتابة تَحَوُّلٌ في التَّحَوُّلِ" للناقدة اللبنانية يمنى العيد

(خطاب الإسترداد والدفاع يخفي حقيقة الصراع العربي الإسرائيلي)

في كتاب لها حمل عنوان: "الكتابة تَحَوُّلٌ في التَّحَوُّلِ" سلطت الناقدة اللبنانية يمنى العيد الضوء على الظاهرة الحربية وعلاقتها بالثقافة، ودور الإستعمار في الإستيلاء على أراضي الآخر وسلب حريته ومحو هويته مقدمة في ذلك مثال عن القضية الفلسطينية ومشاهد الإجتياح الإسرائيلي للقدس وللبنان في ظل الحرب الأهلية وما لحق بالشعوب من دمار وخراب للمدن، سعى فيه الخطاب افسرائيلي إلى التعتيم على هذه المشاهد ومن ثمّ إلى تحوير معناه ووظيفته من منظور يخدم العدوان الإسرائيلي ومن ثم كيف يمكن صيانة الذاكرة الثقافية من الإعتداء على كل ما يشكل تاريخها

والكاتبة اللبنانية يمنى العيد ناقدة أدبية، أستاذة في النقد العربيّ من مواليد 1935 بصيدا، اسمها الحقيقي حكمت المجذوب الصباغ، وتعرف أيضًا باسم حكمت الخطيب، حائزة على عدة شهادات تقدير وجوائز عربية منها جائزة سلطان العويس، أما عن انتمائها السياسي فهي يسارية، انتسبت في بدايات حياتها الثقافية والفكرية إلى الحزب الشيوعي اللبناني، في كتابها السالف الذكر، قد قسمت المؤلفة الكتاب إلى سبعة فصول تطرقت فيها إلى الأعمال الأدبية التي لها صلة بالحرب، لاسيما رواية العطل والفرق: (الظل والصدى) للروائي اللبناني يوسف حبشي الأشقر الذي تحدث عن السقوط اثناء الحرب باعتباره علامة مختلفة في مسار الكتابة الأدبية اللبنانية، ورواية العطل الآخر: (أيام زائدة) لحسن داوود، وقد خصصت الكاتبة لكل رواية فصل خاص (الفصل الثالث والرابع)، كذلك رواية "ميرامار" لنجيب محفوظ التي تناولت الوضع السياسي وأخطائه أيام الحكم الناصري، مشيرة أنه من الضروري الأخذ بعين الإعتبار ما يعتري التناول الروائي للأمور السياسية من غموض، وكيفية الخروج منه لتحديد الهُمْ والنَّحْنُ، أي بين القاتل والضحية، بين المُتَسَلِّطِ والمُخَلِّصِ، حتى لا تتحول الحروب إلى تدمير ذاتي، فتردم الأحلام تحت ركام الحاجة إلى أولويات العيش .

كما عرضت التجربة الشعرية خلال الحرب حددت فيها المفاهيم المتعلقة بالشعر المقاوم وشعر التجريب، وكيف تتأثر الكتابة باعتبارها تعبيرا بالواقع المعيش، كما تطرقت إلى الحرب من وجهة نظر ثقافية وإعلامية، فالحرب كما قالت هي خارج الثقافة وضدها، لأن الحرب تدمير وخراب والثقافة بناء وحياة، أي مقاومة، وبالرغم من الإختلاف بينهما، فالحرب تترك أثرها في الثقافة، وقدمت صاحبة الكتاب أمثلة حية عن الحروب التي عاشتها الإنسانية، لاسيما احتلال فرنسا البلاد العربية، كذلك حروب نابليون بونابرت وحرب أمريكا ضد الفيتنام، وحروب المغول... وغيرها، وباختلاف أساليبها وأهدافها، وعليه فإن للثقافة خطابها المقاوم، لكن هذا لا يعني أنها تدعو إلى حرب أخرى، وانما فضح إيديولوجيا الحرب، فثقافة المقاومة هي إحلال الحوار مقابل القمع والعقل مكان القتل، أما في الجانب الإعلامي اشارت الكاتبة كيف استخدم الإعلام التكنولوجيا الحديثة محولا في ذلك المعلومة المرسلة التي يقدمها خطاب الحرب، هذا الخطاب الذي طالما استخدم علم الإشارات وعالم الصورة لصنع المعلومة التي يتوجه بها إلى الجماهير.

ومما لا شك فيه أن هناك من يتفق مع وجهة نظر الكاتبة بأن الغزاة والمستعمرون هم أعداء الثقافة ومُدَمِّرُوا الحضارات، وهم يتبنون خطابا يسوغ لهم منطقا قادرا على الإقناع يتوجهون به إلى فئات واسعة من الناس بغية حملهم على الإنتصار لهم، في محاولة منهم تشويه التاريخ وتغليط الرأي العام، والإعتداء على أراضي عربية معترف دوليا بحدودها، ومعروف تاريخها وهويتها المرتبطة بهذه الأراضي، كما هو الشأن بالنسبة للقضية الفلسطينية، فإن الخطاب الإسرائيلي يسعى إلى محو تاريخ عاشه الفلسطينيون فوق أرضهم ولا يسمحون لهم بأن يقيموا دولة، وهذا الخطاب الذي قالوا أنه خطاب استرداد ودفاع يهدف إلى تحقيق المشروع الصهيوني الخاص بإقامة دولة إسرائيل الكبرى على حساب مساحة واسعة من الأراضي العربية بالإضافة إلى فلسطين وتدمير قواها، كي تبقى في وضعية الأضعف والتابع لنظمها، إذ كيف للخطاب الإسرائيلي أن يدّعي لنفسه معاني الدفاع وهو يمارس الإعتداء ويستبيح أرواح المدنيين وأرزاقهم، ترى صاحبة الكتاب أن خطاب الإسترداد والدفاع يخفي حقيقة الصراع العربي الإسرائيلي الذي صارت فيه إسرائيل طرفا قويا، كما توضح في كتابها أن الخطاب الذي يحمل نزعة التدمير لا يمكنه أن يكون خطابا ثقافيا، إلا أنها تدعو إلى وجوب التفرقة بين الصهيونية واليهودية، إذ ترى أن الأولى هي إيديولوجيا سياسية والثانية دينا سماويا، ولذا وجب عدم الإنزلاق وراء خطاب يصنع الصراع على حد الإنتماء الديني.

من جهة أخرى تعرف الدكتورة يمنى العيد الإستعمار على أنه نظام اقتصادي سياسي وسلطة حكم زمنية وليس هوية قومية ولا انتماءً دينيا، ومن هنا تكتسب الثقافة معنى المقاومة وسمات النضال والمعارضة للحروب، فهي ترتبط بحياة الشعوب وبوعيهم للعالم، وهي بذلك ترمز إلى الثراء البشري، حتى لو كانت الحرب حربا أهلية، لكن ما يميز الحرب أهلية هنا هو أن هذه الأخيرة تكون فيها ثقافة المقاومة أكثر تعقيدا، لأنه الحرب الأهلية هي حرب بين مواطنين، وهنا تقدم يمنى العيد تجربة لبنان كنموذج، عندما تفتت المدينة وتهاوت أجزاؤها، ومن ثم يمكن القول أن الحرب الأهلية تفعل ما يفعله الإستعمار الخارجي من تدمير للمنشآت وتقتيل أبرياء وتعطيل الحياة الثقافية، من هذا المنطلق تطرح إشكالية الكتابة في زمن الحرب، وقد طرحت الكاتبة جملة من الأسئلة حول كيف يتكون النصُّ الكتابي في ظل سلطة تمحو وتهدم كل شيئ، وبأي لغة يكتب النصّ؟ هل باللغة السابقة، أي بالذاكرة؟ بالمرجعي العام؟ وكيف تُنْتَشَلُ الكتابة من الموت لتكون إبداعا يستعيد حضوره، وليكون لها موقعُ الفاعل في الثقافي نفسه؟، وهل مشكلة الكتابة هي مشكلة وجود؟ أم مشكلة ولادة جديدة، أي لها ديمومة التعبير وحياته؟.

و كما هو في الكتابة الروائية تحدثت يمنى العيد في كتابها عن الكتابة الشعرية، ووصفتها بالحفر على الجسد، عندما يتفتح الوعي على صوت المدفع والتاريخ يصعقهم في بداية حياتهم، شعراء ذهبوا للقتال دفاعا عن الوطن أو عن الطائفة أو عن الحزب، لكن غالبا ما تنتهي الحرب إلى مستنقع من الدماء، والمعركة التي كان يتبغي ان تستهدف عدوا عند حدود الوطن ويكون للموت فيها معنى للشهادة والفداء، فإذا بها معارك بين القوميين والمرابطين أو بين البعثيين العراقيين والإشتراكيين، وة بين الشيوعيين، مثلما حدث في معركة طرابلس عام 1985 ضد حركة التوحيد والفلسطينيين التي دفعت الكثير لترك السلاح عندما وجدوا ان يعضهم يقتل بعضا وشعروا انهم يغطسون في الوحل، وأضحت الحرب حرب الدمار بين الداخل والداخل، وليس بين الداخل والخارج كما رسمه مشهد الإجتياح الإسرائيلي للبنان.

 وتستخلص الكاتبة إلى أن الكتابة تحوّل في التحوّل، وكانت هذه العبارة ملائمة لإختيارها كعنوان لكتابها، حاولت أن تُفْهِمَ القارئ العربي أن الأدب الذي وظّف ذاته للتغيير الإجتماعي في الستينيات يسعى إلى البحث عن لغة جديدة لحياته، من أجل رؤياه لا رؤيته، وليتحرر بذلك من الواقعية والإلتزام، إنه الأدب الإيديولوجي الذي يختزل النص ويُحَوِّلُهُ إلى خطاب، ففي رواية "نهاية الوجوه البيضاء" لإلياس خوري تعلق يمنى العيد أنه في الحرب لا جدوى من معرفة من هو القاتل ومن هو المقتول، لأن الجميع معرض للموت ولذا لا يمكن الحديث عن الضحية لأن الكل ضحية، في الحرب كل شيئ مباح وجائز، التجارة بالسلاح، بالحشيش، تصبح الجريمة أمر عادي ويكون السقوط هو الغالب، لأن اللصوص يحكمون باسم الثورة.

 

قراءة علجية عيش

 

شاكر فريد حسنللناقدة ستيلّا رانش "نافلة علي مرزوق"

"مسار الشّمس" هو عنوان الكتاب النقدي الجديد وباكورة أعمال الكاتبة الناقدة ستيلّا رانش "نافلة علي مرزوق" من بلدة البقيعة في أعالي الجليل، الصادر حديثًا، ويقع في 94 صفحة من الحجم المتوسط.

يتناول الكتاب برؤية نقدية معاصرة ومعمقة في الطرح والتناول والتحليل والتشخيص، وبلغة علمية بارعة، وأسلوبية منهجية، وتحليل أكاديمي، التجربة الشعرية الإبداعية للأستاذ د. عامر جنداوي، بما تملكه المؤلفة من ثقافة واسعة واختصاص بالأدب المقارن، وآليات نقدية وثقافية حديثة، مكنتها من الغوص واستكناه عالم الشاعر والوقوف مع صياغاته الشعرية بكل تفاصيلها وأبعادها وقوامها واتجاهاتها اللغوية والفنية الجمالية.

وإنني اتفق مع ما تفضل به البروفيسور لطفي منصور، والشاعر نبيل طربية في استهلالهما للكتاب، بإشادتهما بالدراسة وبالكاتبة وتحليلاتها، حيث قال منصور:" ستيلّا تمتاز بحاسة التأمل وسبر عمق المعاني واستنباط معاني جديدة من بين السطور وما وراء السطور وهذا هو الفن في النقد. فهو المكمل للنص الذي يبقى ناقصًا حتى يتيسّر له الناقد الذي يقف على مواطن الجمال فيه فيشرحها. وأنها غنية بالثقافة وخاصة بالأدب المقارن، ويعجبني الاستشهاد بالشعر العربي والانجليزي في كتاباتها وهو قمة النقد". بينما طربيه فيقول:" في هذه التجربة، والتي أظنّها الأولى من نوعها في البلاد، نصادف كاتبة ومشروع ناقدةٍ تسير بخطى واثقة على طريق الأدب خاصّة وقد لمست لديها غنى المعرفة وسعةً في الاطلاع وإلمامًا بمقومات الشعّر وضوابطه، وتمكنًا من النّحو وحسًا رفيعًا، الأمر الذي صقل هذه القدرة وهيّأ لنا هذه التجربة المشبعة بالجمال".

وفي هذه الدراسة النقدية الأكاديمية تتعرض ستيلّا إلى شاعرية د. عامر جنداوي، فتسبر أغوار نصوصه، وتسهب في التعاطي والتعامل مع قصائده وأغراضها وموضوعاتها الاجتماعية والنفسية والتصويرية والوصفية والبلاغية، وتقدم استعراضًا وتحليلًا وافيًا لكل نص تعاملت معه، وتحلق عاليًا مع النتاج والإبداع الراقي عالي الجودة والدهشة لشاعر مبدع يحسن صياغة المفردات وسبك الكلمات في قوالب فنية جميلة ولوحات شعرية مدهشة وساحرة عميقة الأبعاد ولافتة النظر.

في البداية، وفي المقدمة التي كتبتها ستيلّا تقرر أن د. عامر جنداوي "شمس شعر بازغة، حرفه بؤر نور حملت إرث جمال شعري لا يضاهى، حرفه مختلف، ملامحه تعمّدت في أفق السحر، تخاله سيفًا ماردًا يشق عُباب الرتابة والملل، حرف كأنه شهاب نيزك يشقّ عباب السّماء ليقصم ظهر الظّلمة، فهو شاعر الحديث الشّعرِيّ المثاليّ المصبوغ بعناق ثلاثي مميّز، لا يخترقه فضولٌ أو شكَ بين عمق الفكرة الحديثة، رهافة الحسّ التّلقائية الفطريّة واستثنائية اللغة على وجهها اللفظيّ والتّصويريّ".

في الباب الأول من الكتاب تعرض الكاتبة للنضوج الفكري لشاعرنا الالق د. عامر جنداوي، ووعيه لقضايا مجتمعه الملحة خصوصًا القضايا الأخلاقية، وتقدم نماذج شعرية تدل على ذلك. 

وفي الباب الثاني تتطرق لفن التصوير المحترف لدى الشاعر، المتمثل بالصورة الشاملة لقصيدته، والتناغم بين الشكل والمعنى في شعره، موضحة أن عامر برع في هذا المجال، وكم أدهش وأذهل عقولًا، خاصة في قصائد البادية والبداوة، حيث براعته في التصوير، وأي براعة، كما هو واضح بكل جلاء في قصيدته "مشوار مع الندى" من مجموعته الشعرية "نزف الخاطر" الصادرة في العام 2005.

وفي الباب الثالث تتوقف مع المجاز عند العامر، الذي يجعل - كما تقول- من الشعر أكثر جاذبية وزهاء وينقل رسالتها بقوة وسلطان يصيبان قلب وفكر المتلقيّ وتشدّانه إلى حيث المعنى والغرض. وتخلص إلى الاستنتاج أن عامرًا هو "شاعر المعاني والمواعظ، شاعر الوجدانيات والأخلاقيات، الذي جعل من الحروف دررًا، ومن الكلمات أصدافًا ملوّنات ساحرات، وقد احترف الشعر من شغف وهوًى، ونبع شعره من محبة وعشق لفن الكتابة، وإنصات لأنين اليراعة".

وفي الباب الرابع تطرق ستيلّا رانش موضوعة المرأة والغزل في شعر العامر، من خلال ديوانه "قصائد لعيني السهر"، فترى إلى أنه أنصف المرأة كقيمة وجودية، ووهبها احترامها وتبجيلها أكثر من بعض النّساء الشّاعرات اللاتي هوين بمقامها وقيمتها ومقامهن تباعًا إلى الحضيض شعرًا وأخلاقًا.

وتؤكد أن عامر يميل إلى الغزل العذري، كيف لا وهو الشرقي الغيور على عرض المرأة، والذي نهل من منابع التربية الأخلاقية الشرقية المحافظة التي تتخذ من القرآن الكريم قبلتها.

 

وفي الباب الخامس تتعرض للمدارس الشعرية التي يتجول عامر جنداوي في رحابها، مشيرة إلى أن فضاء عامر الإبداعي الخيالي بطبعه، مزدان بالرومانسية بمعناه الفكري الفلسفي، وبالواقعي، والكلاسيكي الاتساعي الممتد في مسافات وسياقات الزمن.

أما في الباب السادس والأخير فتتناول النزعة الوطنية والمشهد البدوي الأصيل في شعر عامر، منوّهة إلى أنه عند قراءتنا لنصوصه يصادفنا تصريحًا أو تلميحًا ملامح حسّه الوطني الحاد، وأن قلبه يسكنه عشق حارق لكل ما هو عربي وبدوي، ونجده يفتخر بجذوره البدوية، ويبدع في تصوير أجوائها، ورسم طبيعة وملامح الصحراء  السّاحرة الخلّابة.

وتقرر ستيلّا أن عامر صادق مع نفسه ومع شعبه، وافتخاره بنفسه لا يمنعه من قول الحقيقة، فهو لا يخشى لومة لائم، وهو الشاعر الحقيقي الذي لا يساوم على الحقيقة وقول كلمة الحق بكل الصدق العفوي.

وفي ختام الدراسة تقدم ستيلّا رانش خلاصة لملامح وميزات شعرية د. عامر جنداوي وتستنتج أنه شاعر الأصالة، في زمن غدت شاشات التواصل ساحة واستباحة، يصدح شعره في أرجاء العقل، والنزعة الإنسانية الاتساعية تلازم قصيدته، وهو ابن التراث ومتمم تاريخه، وحارس اللغة والأدب من ذئاب الافساد والترقيع، وفي هويته الشعرية نضوجًا احتوى عمقًا في المعاني، ورقة في السبك، ودهشة في الرسم والتصوير، ونزعته الخيالية المشبعة بالمجاز المبتكر، وفن تصوير الإحساس الداخلي المتناغم مع عناصر الطبيعة، ما يجعلنا نثمل ونرتوي من شعره الوطني الإنساني الوجداني الصادق.

كتاب "مسار الشّمس" هو ثمرة جهد نقدي وأدبي يسلط الضوء على مواضع وبواطن الجمال والفنية العالية في نتاج شاعرنا مرهف الإحساس عامر جنداوي، وقد برعت ستيلّا في المقارنة بين قصائده وبين وينستون، ما يدل ويثبت على ذائقتها الأدبية، وسعة اطلاعها، ومعارفها النقدية، والمامها بالثقافتين العربية والاجنبية.

أحيي الصديقة الكاتبة والناقدة ستيلّا رانش على دراستها الهامة حول الشاعر د. عامر جنداوي، التي تستحق الاهتمام، وجديرة بالقراءة والتقدير، وتشكل مساهمة جادة ورائدة وإضافة نوعية للمكتبة العربية الفلسطينية، التي تفتقر في السنوات الأخيرة للإصدارات والدراسات النقدية والأدبية، متمنيًا لها وللصديق الشاعر د. عامر جنداوي المزيد من النجاح والتألق والإصدارات القادمة.

 

 بقلم: شاكر فريد حسن