هَلْ هناكَ قيمٌ مُشتَرَكةٌ عابرةٌ للثقافات والخصوصيات يتفقُ عليها جميعُ البَشَر، أَمْ أَنَّ القِيَمَ مَحَلِيَّةٌ ترتبطُ بالبيئةِ والجغرافيا والثقافة؟ واذا كانت هناك قيمٌ مشتركةٌ بين جميعِ البَشَرِ، فهل هناكَ تعارُضٌ بينَ هذهِ القيمِ المشتركةِ العابرة للحدودِ والخصوصياتِ والثقافاتِ وَبَيْنَ الثقافاتِ والخصوصيات لكل أُمّةِ ؟

 انَّنا نرى بالوجدانِ والفطرةِ وجودَ قيمٍ عابرةٍ للحدودِ والثقافاتِ، يتَطَلَعُ اليها كلُّ البَشَرِ على اختلافِ الوانهم ودياناتهم وثقافاتهم، كالتطلعِ نحو العدالةِ والحريّةِ والمساواةِ ؛ لانها قيمٌ مرتبطةٌ بالانسانِ كانسان بغض النظر عن لونهِ وعرقهِ ودينهِ .

 وهذه القيمُ ساهمت كلُّ الحضارات وكلُّ أُممِ الارض في ابرازها، فالحضارة عمليّةٌ تراكميّةٌ، فالحضارةُ الاغريقية تأثرت بحضارة وادي الرافدين وحضارة مصر واضافت اليهما، والحضارة الاسلاميّة، لم تكن مجرد حضارة ناقلة لماعند الاغريق، بل اضافت وطورت وأَبدعت، وكذلك الحضارة الاوربية، فهذا العطاء الحضاري المتواصل والمتراكم هو جهد انساني مشترك .

 هذهِ القيم الكونيّةُ قيمٌ انسانيّةٌ مشتركةٌ ساهمت فيها الانسانيّةُ عن طريق الحوار واللقاء والتواصُل الانسانيّ . وهذه القيم لايمكن أَنْ تُفرَضَ بالقوة . الاستعمارُ الذي فرضَ ثقافتهُ بقوةِ الجُيُوشِ، لايمكن أنْ نسميَّ هذهِ القيمَ المفروضةَ بقوةِ السلاحِ قيماً كونيّةً، ولايمكن ان نُسّمِيَ العولمةَ المتوحشةَ التي فرضتْ انماطَها الاستهلاكيّةَ على شعوبِ الارض، وفرضت رؤية واحدة على شعوبِ العالَم، لايمكن ان نُسّمِي ذلك قِيَماً كونِيَّةً . القيَمُ الكونيّةُ لاتتعارض مع ثقافاتِ الشعوب المحليّةِ . الحضاراتُ المختلفةُ تتعايش وتتحاور وتتبادلُ الثقافات والمعارف والخبرات، وحسب التعبير القرانيّ، الحضارت تتعارف ولاتتصادم، يقول الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). الحجرات: الاية: (13).

 الاختلافاتُ بين اممِ الارضِ ليس على كونيّةِ هذه القيم المُشتركة، وانما على تصورات هذه القيم . الاختلافاتُ منشؤُها الثقافات التي هي خصوصيات لكل أُمَّةٍ  أَو شَعبٍ، وهذه الخصوصياتُ لاتسحقها وتلغيها القيمُ الكونيّة ؛ لانها تتعايشُ مع الخصوصيات، وتحترمُ التعددياتِ، وتعتبرها نقاط قوةٍ وثراء . نعم، العولمةُ تسحقُ هذه الخصوصياتِ وتقهرها، وتفرضُ عليها نمطاً احادياً من التفكير، ورؤيةً واحدةً، وثقافةً واحدةً .

 البشريةُ بحاجةٍ الى قيمٍ كونيّةٍ عابرةٍ للحدود والخصوصيات والثقافات، تشكّلُ معاييرَ تحتكمُ اليها، مع احتفاظها بخصوصياتها وتنوعاتها الثقافيّة .

 

زعيم الخيرالله

 

قاسم حسين صالحتعدّ (الدوغماتية) احد أهم واخطر اسباب الأزمات السياسية والاجتماعية في العراق والعالم العربي.ومع ذلك فان السياسيين والاعلاميين يتعاملون معها كتعامل من ينشغل بوصف اعراض المرض ولا يلتفت الى تشخيص سبب العلّة..التي نكشفها لكم الآن.

تعني (الدوغماتيةDogmatism): الجمود العقائدي، الجزمية الفكرية، القطعية، العقيدية..غير ان اكثرها تداولا هو اصطلاح الجمود الفكري.ولقد انشغل الفلاسفة بتحديد مضمونها، فمنهم من وصفها بانها طريقة منغلقة للتفكير، يمكن ان تصاحب اية ايديولوجية بصرف النظر عن محتواها ما اذا كانت دينية او علمانية.ومنهم من وصفها بانها تنظيم معرفي مغلق نسبيا خاص بمعتقدات ولامعتقدات الشخص بخصوص الحقائق والوقائع والسلطة المطلقة، فيما حددها آخرون بعدم قدرة الفرد على تغيير افعاله او اتجاهاته حتى لو تطلّب الموقف ذلك، وحددها آخرون بأقوال مطلقة من غير سند او برهان، وصنفها آخرون بانها صفة الأفراد الذين يسعون الى فرض آرائهم بالسلطة، او بالنفوذ، وانتهى آخرون الى انها الاعتقاد الجازم واليقين المطلق المستند الى مباديء تقليدية راسخة دون البحث عن وجه الحق في التسليم بها.

ولأن الجمود الفكري (الدوغماتية) يعدّ من وجهة نظر علماء النفس والاجتماع السبب الرئيس للخلافات السياسية التي غالبا ما تنتهي بحروب، وأنه (مرض) خالقي الأزمات من القادة السياسيين، فقد ظهرت حوله نظريات اشهرها نظرية روكيتش التي تناولها في كتابه (العقل المنفتح والعقل المنغلق).وعلى وفق هذه النظرية فأن الافراد منفتحي العقول (غير الدوغماتيين، غير االمتطرفين)، هم الذين يقبلون التخلّي عن بعض معتقداتهم اذا ما اقتنعوا بخطئها، ويقبلون الافكار الجديدة اذا ساندتها ادلة قوية. اما الافراد منغلقي العقول (الدوغماتيون، المتطرفون) فهم الذين يرفضون الافكار الجديدة مهما كانت قوة الادلة التي تساندها، ويتشبثون بمعتقداتهم القديمة حتى ان ثبت خطؤها.

وعلى وفق نظرية التصنيف الاجتماعي فان الناس ينزعون الى تصنيف عالمهم الاجتماعي الى صنفين " نحن " (أو الجماعة الخاصة بالفرد) و"هم" (أو الجماعة الاخرى). وانهم يتحيزون لجماعتهم ويبالغون ويعظّمون ايجابياتها ويغمضون اعينهم عن سلبياتها، فيما يعمدون الى تضخيم سلبيات الجماعة الاخرى وغضّ الطرف عن ايجابياتها، وهذا ما كنّا نحتنا له مصطلحا جديدا بعلم النفس بأسم (الحول العقلي)، واثبتنا ان حكّام العراق..حولان في السياسة.

لقد توصلت الدراسات السيكولوجية الى ان الدوغماتي( الجامد فكريا) لا يسمع الا نفسه ولا يرى غيره ولا يتقبل الرأي الاخر، وليس هذا بسبب عدم كفايته الشخصية وانما بسبب شعوره بأنه منبوذ من قبل الآخرين، وهذا ما حدث لقادة احزاب الأسلام السياسي في العراق في انتخابات 2018 التي عزف عن المشاركة فيها اكثر من 80% من الناخبين العراقيين.

ولك ان تراقب حكّام العراق تجد أن اغلبهم يسارع الى رفض أي دليل او مناقشة تتعارض مع معتقداتهم، وينظرون الى الامور الجدلية على انها ابيض واسود فقط، وغير قادرين على التخلي عن ارائهم حتى لو بدا لهم خطؤها، بعكس صاحب الفكر المنفتح الذي يتشوق لمعرفة الجديد سواء كان موافقا لما يرى ام مخالفا له.

والمفارقة ان صاحب الفكر المنغلق لا يشعرك بأنه شخص عقلاني منطقي، كقول من كانت امور العراقيين بيده بأن العلمانية كفر وزندقة، لأنه متخندق مع نفسه ومتبرمج على معتقدات ومفاهيم جاهزة وقطعية..يحفظها عن ظهر قلب، دون ادنى اعتبار لمشاعر الآخرين، سيما اذا كان الشعب متنوع المكونات والمعتقدات كالشعب العراقي الذي يحتاج الى حاكم منفتح عقليا.

والدوغماتية تفضي الى التعصّب وتعمل على تشكيل شخصية بمواصفات معينة، اوضحها..صلابة الرأي التي لا تسمح له بأن يتزحزح عنه، والميل الى التسلط والعدوان الذي يسقطه على الجماعات او الاشياء التي يتعصب ضدها.وسيكولوجيا، يجد المتعصبون في احقادهم على الاخرين تفسيرا مبررا عن دوافعهم ورغباتهم المكبوته بما فيها الانتقام، ويعدون التسامح مع الخصوم ضعفا او جبنا، ولك ان تتذكر ما حدث بين عامي (2006 و2008) التي راح ضحيتها الآف الأبرياء من العراقيين بسبب دوغمايتهم.

وللتاريخ، كانت الدوغماتية هي التي اسقطت (الأخوان) في مصر، وهي التي ادخلت في نفق مظلم فريقي الصراع في اليمن (الحكومة والحوثيون) اللذين تفاوضا في الكويت (نيسان-ايار 2016) والى الآن(2021) ما تفقا!. والمفارقة ان الدوغماتية كانت هي السبب في بقاء سياسيين عراقيين في السلطة سبعة عشر عاما برغم انهم افشل وافسد من حكم العراق في تاريخه السياسي، بأن نجحوا في ايصال معظم العراقيين من ذوي الاصابع البنفسجية الى ان يكونوا في دوجماتيتهم مثل حصان العربة..لا يرون الا الذي امامهم، حتى اذا كان في حساباتهم احتمال ان يكون طريقهم الى..المقبرة!.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

 

محمد الورداشيلم يعد أحدٌ منَ الباحثين والمهتمين ب/في الشأنِ التربوي يماري في كونِ صرحِ الحضاراتِ الإنسانيةِ التي أرادتْ لنفسها التقدمَ والرقيَّ، والتربعَ على عرشِ قيادةِ العالمِ، يُشيَّدُ على التعليمِ والبحثِ العلميِّ. فهذا الأخيرُ يُعَدُّ اللبنةَ الأساسَ والترسانةَ الصلبةَ اللتينِ تقومُ عليهما المجتمعاتُ المتقدمةُ، والتي بوساطتها يمتدُّ التقدمُ ليشملَ الحياةَ الاقتصاديةَ والسياسيةَ والاجتماعيةَ والثقافيةَ لتلك المجتمعاتِ. ومن ثم، فلا غرابةَ في كونِ الدولِ المتقدمةِ، في مختلِفِ الجوانبِ والمجالاتِ، تتنافسُ في تخصيصِ مبالغَ ماليةٍ مرتفعةٍ للبحثِ العلميِّ، وإنشاءِ المؤسساتِ ومراكزِ الأبحاثِ لخدمةِ هذا المجالِ الذي لا مهربَ من عبورهِ بحُسْبانِهِ جِسرا للتقدم. وهكذا، نقولُ إن العهدَ الراهنَ ليس عهدَ الخرافةِ والتقليدِ والاجترارِ والتكرارِ في المعارفِ والقيمِ، وإنما هو عهدُ العلمِ والعقلانيةِ والإبداعِ والاختراعِ والتجديدِ في العقلياتِ وأنماطِ التفكيرِ، والمعارفِ والقيمِ. كما أنَّ انكبابَ وانهمامَ الدولِ المتقدمةِ بالتعليمِ والبحثِ العلميِّ، فضلا عنِ الميزانياتِ المخصصةِ إليه، تَدفعُ بالباحثِ العربيِّ إلى زاويةِ المقارنةِ، حتى وإنْ تأبَّى ذلكَ في قرارةِ نفسه، بينَ وضعِ تلكمُ الدولِ ووضعِ التعليمِ والبحثِ العلميِّ في وطنِه. ومنْ هذا السياق، نتساءلُ: لمَ تتدهورُ مكانةُ التعليمِ والبحثِ العلميِّ في الدولِ المتخلفة؟ وما نظرةُ هذهِ الدولِ إلى المعلمِ والأستاذِ، والباحثِ في مجالاتِ المعرفة؟ هل مَرَدُّ الأمرِ إلى غيابِ الإرادةِ السياسيةِ التي تَتعمدُ تغييبَ البحثِ العلميِّ، أم أنَّ المعلمَ والباحثَ كليهِمَا يُسْهِمانِ في هذا الركودِ والتخلفِ؟

لا نتغيا، في مقالتنا هذه، تشخيصَ وضعيةِ التعليمِ والبحثِ العلميِّ في الدولِ العربيةِ؛ لأنَّ هذا واقعٌ يَكشفُ عنْ وجهِهِ دونما صعوبةٍ تُذكرُ، ولكننا نسعى إلى الوقوفِ عندَ وضعيةِ الأستاذِ، في المغرب، الذي يُنتظر منهُ التغييرُ والتنويرُ، وزرْعُ بذرةِ الإبداعِ والابتكارِ في تربةٍ (تلاميذ) معينة. هذه الوضعيةُ التي باتَ يَعرفها القريبُ والبعيدُ، والعاميُّ والمثقفُ والمتخصصُ، تَدفعنا، مجددا، إلى التساؤلِ عنْ كيفَ تُفَرَّغُ الأستاذيةُ منْ محتواها، وتُعدمُ منْ أدوارها ووظائفها المنوطةِ بها؟. ف"المدرس رقمٌ مُتوَّج له أثر على أجيال متلاحقة من المتعلمين دون أن يكون له شكل أو معنى"(1)، ويُعزى ذلك إلى كونه قطبَ الرحى في العمليةِ التعليميةِ التعلميةِ، وبدونه لا يمكنُ أن نتحدثَ عن أيِّ إصلاحٍ جذريٍّ حقيقيٍّ لمنظومتنا التربوية. وبهذا، نرى أنَّ المدرسَ يعاني إهانةً مزدوجةً بحيثُ لها طرفانِ ينفذانِها مع اختلافٍ في الوعي بها؛ فمن جهة، يُهانُ منْ قِبَلِ الدولةِ التي يُنتظر منها أن ترفعَ من مكانته؛ إذ أضحتْ تَختزلُ "أدواره ووظائفه في سطور مبتورة بين وثائق الإصلاح"(2)، إنْ لمْ نقلْ إنها مُغيبةٌ بشكلٍ تامٍّ ومُلفتٍ للنظر، ويجعلنا مشدوهينَ من هذا التقزيمِ والتصغيرِ المُمنهجيْن، واللذينِ يحددان تناقضَ المسؤولين والقائمين على الشأن التربوي؛ لأنهم يُشكلون مفارقةً غريبةً، وصورةً متناقضةً للمدرس، ومن ثمَّ، "نصفه بالمربي وندوس كرامته، وبالقائد ونسلبه سلطته، وبالأب أو الأم ونحرض على عقوقه أو عقوقها، ونصفه بالمصلح ونسخر من كفاءته، وبالحكيم ونشكو خفة عقله"(3)، هكذا وضعَ الأستاذُ الدكتور، أحمد نظيف، إصبعَهُ على مَكمَنِ المفارقةِ، ووصَفها وصفا كافيا شافيا، وكيف لا؟ وهو الذي مارسَ مهنةَ التدريسِ، ولا يزال، واحْتكَّ بالميدان من خلال تكوينِ الأساتذة، لذلك نُحسُّ، في كلامهِ المُقتبسِ أعلاه، حُرقةً وحسرةً شديدتين على هذه الوضعية التي لا يُحسد عليها ممارسو التعليم في المغرب. كما أن الأستاذ والدكتور، قدم مجموعةً من الأدوار المستقبلية للمدرس التي من خلالها يمكننا أن ننتشله من هذا الوضع الجامد إلى وضع حيوي يجعل منه مبدعا وموجها ومرشدا، ومبتكرا ومجددا في مجال اشتغاله. ولكننا، ونحن نتحدثُ عن أدوار مستقبلية، لا بد منَ الإقرار أن تنزيلَها يحتاج إلى حرية، وما دام الأستاذُ مسيرا فيما يقوم به فإنَّ التغييرَ يغدو ضربا من التقليد. نحن نريد منه أن يكون مبدعا، بيد أننا نُحدد له نقطةَ الاجتهادِ ونُسَيِّجُهُ داخلها؛ إذ نريده أن يجتهد في ابتكارِ طرق جديدة لنقلِ معرفةٍ جامدة إلى المتعلم، بمعنى أن حدودَ اجتهادِه وابتكارِهِ لا ينبغي أن تتجاوزَ ما سطره القائمون على الشأنِ السياسيِّ والتربويِّ، وذلك دونما اعتبارٍ لمنْ سيتلقّى هذه المعرفةَ؟ ووظيفتها؟ ومنْ يستفيد منها: المتعلمُ أم ذوو الأدلوجةِ السائدة؟.

على أن تحريرَ وظيفةِ المدرسِ منَ التسييسِ والتأدلج، ومن ثمَّ، فتح المجال واسعا للإبداع والابتكار الشخصيين، وكذا الانفتاح على المجالات المعرفية والثقافية الأخرى، وإعطاؤه متسعا منَ الحرية، وتوفير الأدوات الضرورية له، والاعتراف بمكانته في المجتمع، لهوَ السبيلُ إلى الرقي بالمنظومة التربوية في المغرب، بعيدا عنِ التنظير في الهواءِ، واستيرادِ تجاربِ دولٍ أخرى واعتبارها وصفةً سحريةً للقفز من وضعية إلى أخرى.

ومن جهةٍ ثانيةٍ، وتوضيحا لدورِ الطرفِ الثاني في ممارسةِ فعلِ الإهانةِ، فإننا نتساءلُ عن مكانة المدرسِ لدى المتعلم؟ فالمكانةُ المهيبةُ التي كانت في السنوات الماضية لم تعدْ موجودةً في عهدنا الراهن، وبكلّ أسف، نرى أنه منذ أن بدأ المتعلمُ يجرؤُ على أنْ يطلبَ منَ المدرسِ النقطَ/معدلاتٍ دونَ مجهود، أي يغدو مُتعلما وُصُوليا بحيث يسعى إلى تملّكِ النقطِ بتوسُّل الإلحاف، والوشاية بين الأساتذة، والتزلف، والتملق، والغش...إلخ، منذ أنْ أصبح المتعلم على هذه الصورة قوّض الجدارَ المَتينَ الذي كان يَفصله عنِ الأستاذ، ويجعلُ كُلاَّ منهما في مكانته، بمعنى الاحترام والهيبة، هذان الأخيران اللذان كان يجعلانِنَا نتأهبُ الأستاذَ، ونتغيّا تقليدَ شخصيتِه ومهابتِه، ومن ثمّ، نأتي مُتعطشين لمعرفتِه من جهة، ولاقتفاءِ سيرته في الحياةِ الشخصيةِ والمهنيةِ من جهة أخرى.

أضف إلى ذلك، أنَّ تَنازُلَ الأستاذِ عن جملةٍ من حقوقه التي ما فتئتِ الدولةُ تُجهزُ عليها بين الفينة والأخرى، وتخلّيه عنِ القراءةِ والبحثِ والإبداعِ والابتكارِ، ومواكبةِ المعارفِ المتطورةِ والمتجددةِ، وتقوقُعَهُ داخل المقرراتِ المدرسيةِ يُكررُ ثقافتَها ويجترُّها عبرَ السنين، كلّ هذه النقاطِ التي أسلفنا ذكرَها، جعلتْ منَ الأستاذِ تلميذا كبيرا: يشتركُ هو والتلميذُ في تلويكِ المعلوماتِ نفسِها، ويتناقشانِ في الدائرة الضيقة المُسَيَّجَةِ نفسِها، ومن ثمّ، يتساويانِ في مرتبةٍ واحدة مع اختلافٍ يَتمظهرُ في كون أحدهما يَجلسُ في مكتب، والثاني في طاولة، وقد يحدثُ أن يتبادلا المواقعَ إنْ لمْ ينهضِ المدرسُ بتحرير نفسه من سِيرة الاجترارِ والتكرارِ والتقليد، وتلويكِ معارفَ لا تتجدد ولا تتغير، ومفارِقةٍ للواقعِ الاجتماعيّ لكليهما (الأستاذ والتلميذ) متعاليةٍ عما يزخرُ به منْ تموجات وتطوراتٍ على أصعدةٍ مختلِفةٍ، وفي ميادينَ مُتعدّدةٍ.

ونافلُ القولِ إنّ لا سلاحَ للأستاذِ سوى العودةِ إلى مكانته التي تبددتْ، والقائمةِ على القراءةِ والبحثِ والإبداعِ من جهةٍ، وعلى التفكيرِ والتنويرِ والتحريرِ من جهةٍ ثانية.

 

محمد الورداشي

........................

- الإحالات والهوامشُ:

1- أحمد نظيف: "الأدوار المستقبلية للمدرس، بين الثبات والتغير"، مجلة فكر العربية، العدد الثالث- السنة الأولى- دجنبر 2016، ص173.

2- المصدرُ والصفحة نفساهُما.

3- المصدر و...

 

 

صلاح حزاميتردد الحديث في اكثر من دولة وفي اكثر من مناسبة عن الاصلاح الاقتصادي وضرورة القيام به لتحسين أداء الاقتصاد الوطني.

وقد تكون التصورات مختلفة في اذهان من ينادون بذلك الاصلاح ويتمنون مجموعة من الاجراءات التي تقدم عليها الحكومة لانجاز ذلك الاصلاح.

ولغرض القاء الضوء على المقصود "اصطلاحاً" بالاصلاح الاقتصادي سوف أورد في ادناه عدد من النقاط التي تشكّل مفهوم الاصلاح الاقتصادي:

- هنالك اتفاق على ان اصطلاح "الاصلاح الاقتصادي" يعني الاستعداد لقبول دور متزايد لقوى السوق والقوانين الاقتصادية في ادارة الحياة الاقتصادية.

- انه يعني تراجع الدور المسيطر المباشر للحكومة على الانتاج والتجارة.

- تزايد استقلالية الافراد عن الدولة.

- نمو مؤسسات المجتمع المدني.

- تزايد لامركزية الادارة العامة.

- إصلاح الاسعار والاجور باتجاه ازالة التشوهات التي تسببها سياسات التدخل الحكومية.

- مراجعة اوضاع منشآت القطاع العام والاستعداد لبيع او تصفية او اعادة هيكلة هذه المنشآت وبما يضمن عملها بكفاءة.

- اتاحة المجال امام القطاع الخاص للمبادرة في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني والغاء السياسات التقييدية على حرية المبادرة الاقتصادية.

- الانفتاح على العالم بما في ذلك قبول المشاركات الاقتصادية بشكل استثمارات اجنبية بصيغ مختلفة وبدرجات مختلفة.

- تعتبر الليبرالية جوهر عملية الاصلاح الاقتصادي (ويمكن تعريف الليبرالية بانها : الاعتقاد بأن القوة المحركة للحياة الاقتصادية هي دافع المصلحة الشخصية والمنافسة وآلية الاسعار في ظل سوق حرة. وان هذه الادوات هي افضل مايمكن للوصول الى النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي وان الدولة عليها المساعدة في هذا المجال. وقد طوّرت ليبرالية القرن العشرين الجديدة neoliberalism دور الدولة بحيث وصل الى امتلاك قطاع عام وتدخلها في منع الاحتكار ومنع تدمير البيئة واستنزاف الموارد الطبيعية ومعالجة الازمات الاقتصادية ومراقبة التوزيع العادل للدخل. وتدعو الليبرالية الجديدة الى مراقبة عمل السوق فاذا ادى الى افضل النتائج المرجوّة فذلك مقبول اما اذا ادى عمل السوق الى مصاعب فأن الدولة تتدخل . كذلك الاهتمام بالوضع الانساني الناجم عن البطالة).

- يقضي الاتجاه نحو الليبرالية إعادة الهيكلة لاسيما مراجعة السياسة المالية والنقدية وآثارها على القطاعات الاقتصادية المختلفة.

- مراعاة العلاقة بين التوازن الداخلي (توازن الميزانية الحكومية) والتوازن الخارجي (ميزانة المدفوعات) والآثار المتبادلة بينهما.

- ان ذلك يعني وضع قيود على الانفاق الحكومي واحترام القواعد المالية والنقدية واتباع حزمة سياسات للاقتصاد الكلي تفضي، مجتمعةً ،الى تحقيق أهداف النمو الاقتصادي المطلوبة.

 

د. صلاح حزام

 

 

محمد بنيعيشكل فرد منا نحن بني آدم، مهما كان مستواه أو شكله أو عرقه أو لغته أو لونه أو صوته أو أو أو.. قد يسعى لإثبات وجوده أو لنقل حضوره ضدا على مغيبه، وهذا تأكيد على أن الإنسان حضاري بطبعه . ولا يسعى بعضنا لتغييب هذا الحضور بالتستر والتواري عن الأنظار إلا إذا كان يعاني من شبهة أو نقص قد يطال كماله فينزل منزلته نحو الأسفل .وعلى العكس من ذلك فقد يكون هناك نقص معين فيه قد سبب له تهميشا وتغييبا، ولم لا إغراقا في جب النسيان واللامبالاة، فيحتاج حينئذ إلى من يمد له يد المساعدة للخروج من غياهبه إلى أن يطفو على السطح فيشار إليه بالبنان والتفاح النفّاح، ثم يصبح مسجلا في لائحة الحضور .

وعند هذا التداخل بين بواعث ومعادلة الحضور والغياب يتداخل موضوع المدح مع الذم على نفس الطاولة ويتبادلان الأدوار في الإقصاء والاستقطاب .

أولا: المدح بين الثقة بالنفس واستدراك الكمال

فالمدح لغة" هو إحسان الثناء على المرء بما له من الصفات الحسنة. مَدَحَه كَمَنَعَه مَدحا ًومِدحَةً: أحسَنَ الثَّناءَ عليه.. والمَديحُ والأُمدُوحَةُ ما يُمدَحُ به، جمعُه: مَدائِح، وأَماديح" و"المدح هو ذكر المحاسن، وهو الثناء بذكر الجميل، والمدح لا يستلزم المحبة"و"فالمدح هو إخبار مجرد، وقيل المدح هو ذكر المحاسن بمقابل وبدون مقابل، والمدح يكون بذكر الجميل الاختياري وغير الاختياري". هذا باختصار. وأما الذم فهو"بالفتح مصدر ذم، جمع ذموم، الانتقاد واللوم = ضد المدح."

ومن هذا التناقض الأخلاقي والتعبيري نتساءل: كيف يمكن للمدح أن يصير ذما وللذم أن يصير مدحا، مع أن القصد قد يكون إما إيجابا أو سلبا؟، وهنا تتدخل الكيمياء الأخلاقية لتحليل العناصر المتركبة منها المادتين.

وكمنطق علمي فلابد من البحث في أسباب المبادرة وبواعثها النفسية، قبل الاعتبارات المادية والظواهر الاجتماعية، وهذه الأسباب سيلخصها أحد فحول الفكر الأخلاقي الكبار، وهو أبو حامد الغزالي من كتاب الإحياء الثالث في أربعة أسباب:

السبب الأول هو شعور النفس بالكمال: وهذا ما يمكن وصفه بـ "الأنا" حسب المصطلح الحديث، والهوية والشخصية وما إلى ذلك، وهذه "الأنا" تطلب دائما أن تكون هي الأعلى. أعلى على المستوى الفردي، وأعلى على المستوى الجماعي، وهذا ما يمثله الطموح السياسي الذي يسعى للحكم والتحكم وإصدار الأوامر والنواهي، وفيه منتهى التطلعات على المستوى الظاهري.

والكمال هنا قد يتفاوت بحسب القيمة التي تعطى للأشياء في المجتمع. فقد يكون الأمر متعلقا بالظواهر الجسدية الجلية، كطول القامة واستقامتها أو قصرها وانكسارها، وصفاء اللون وعذوبته أو بحته وخشونته...والمدح في مثل هذه الحالات لا يورث لذة أو متعة تذكر، لأن لها منافسات عدة كما أنها مرحلية ومتغيرة، بل ما يعتبر ممدوحا في مجتمع قد يكون مذموما في مجتمع آخر .وهذا الأمر ربما سيجرنا إلى جدلية "القبح والحسن العقليين" عند الفلاسفة والمتكلمين.

لكن الكمال الذي يورث لذة لدى الممدوح حين مدحه هو حينما يتعلق الأمر بمسألة غير محصورة ويدخلها الشك في النفس من طرف الممدوح، كفي مستواه العلمي مثلا أو ورعه ونزاهته ودقة صنعته وخبرته، " فإن الإنسان ربما يكون شاكا في كمال حسنه وفي كمال علمه وكمال ورعه ويكون مشتاقا إلى زوال هذا الشك بأن يصير مستيقنا لكونه عديم النظير في هذه الأمور إذ تطمئن نفسه إليه فإذا ذكره غيره أورث ذلك طمأنينه وثقة باستشعار ذلك الكمال فتعظم لذاته".

وعند هذه النقطة سيتداخل موضوع المدح مع الذم بحسب طبيعة المادح، بحيث إذا كان المادح من المستوى الرفيع ومن علية القوم علما وشرفا ومكانة فإن هذا المدح سيكون كمالا للممدوح، لكن إذا كان المدح من سفلة القوم وأراذلهم، أو بالأحرى ممن ليس لهم إلمام بالمستوى أو التخصص الذي يكون عليه الممدوح فذلك سيصبح مؤلما للممدوح إن كان فعلا هو على مستوى رفيع. أما إن كان متقمصا لشخصية عالم أو مفكر، أو رجل دولة، أو ولي صالح، أو طبيب مختص، وهو ليس له من ذلك سوى الادعاء والتطفل فإن المدح حينئذ قد يزيده غرورا وبطرا وتكبرا ونقصا ووهما كماليا .

لكن المدح المفيد للكمال والجمال الأكيد فيكون مثلا" كفرح التلميذ بثناء أستاذه عليه بالكياسة والذكاء وغزارة الفضل فإنه في غاية اللذة وإن صدر ممن يجازف في الكلام أو لا يكون بصيرا بذلك الوصف ضعفت اللذة وبهذه العلة يبغض الذم أيضا ويكرهه لأنه يشعره بنقصان نفسه"حسب تعبير الغزالي.

أما السبب الثاني والثالث في المدح فهذا مربط الفرس لدينا في هذا المقال المختصر، وهما عبارة عن غريزة الامتلاك والسيطرة عند الإنسان من خلال صيد المدح والترويج له. وهما يسيران على نحو متناقض تماما كما هو عليه الحال بين المدح والذم حينما يوضعان في غير محلهما .

فالسبب الثاني قد يكون من باب سيطرة الممدوح على قلب المادح، ولكن ليس كل مادح بل ينبغي أن يكون صادرا من شخصية مرموقة وذات أهمية اجتماعية ومالية وحتى سياسية، كما يحصل من مدح بعض الرعايا ووجهاء القوم في حضرة حاكمهم، أو من بعض المريدين لشيخهم وأستاذهم أو إمامهم.فبقدر ما كان المادح له قيمة بقدر ما ازداد الممدوح فرحا واغتباطا بهذا المكسب، الذي قد تكون له انعكاسات مادية أو معنوية على المستوى الفردي أو السياسي العام.لكن حينما يكون المدح من رعاع الناس وعامتهم فذاك ليس إلا...

ومن نفس خلفية الامتلاك هذه نقول أيضا بأن هناك مدح ممن هو أدنى لمن هو أعلى مقاما لغاية جعله مِلكا له في مقام المادح الصغير وليس كممدوح كبير.وهذا قد يقع بين بعض أفراد الرعية والخدام والمتزلفين نحو المناصب بالتقرب إلى السلطان. فتجد المادح يستعمل أساليبه الفنية والنثرية والشعرية والمتمسكنة حتى يحصل له التمكن من قلب الحاكم، الذي قد ينقلب في لحظة وعند الغفلة من حاكم إلى محكوم وآمر على مأمور، ويصبح الحاكم نفسه حينئذ لعبة في يد حاشيته وندمائه لهذا السبب.

ثانيا: الوسائط في الثناء والاستقطاب غير المباشر

أما السبب الثالث فهو مرتبط بهذا المعنى ولكن بالقنص عبر الوسائط، وهنا يمكن إدراج الوسائل الإعلامية في الإشهار والتشهير والاستطلاع والتزمير، تماما كما كان يفعل الشعراء مع الخلفاء قديما، بحيث كانوا يضربون عصفورين بحجر واحد. الأول كسب قلب الحاكم حيث العطايا والهدايا والحظوة. والثاني الترويج لحكم الحاكم وملك قلوب العامة بتحريك العواطف وذكر المناقب والمنجزات التي قد تكون صحيحة أو وهمية، المهم هو أن الخطاب يكون قد وصل إلى القلوب والمشاعر .

فكما يرى الغزالي: "أن ثناء المثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه لاسيما إذا كان ذلك ممن يلتفت إلى قوله ويعتد بثنائه وهذا مختص بثناء يقع على الملأ فلا جرم كلما كان الجمع أكثر والمثني أجدر بأن يلتفت إلى قوله كان المدح ألذ والذم أشد على النفس".

وهذا المعنى يكاد يشبه ما يصطلح عليه في عصرنا ب"البروباغاندا" السياسية والإعلامية.والتي تمارس على أعلى مستوى، وفي مختلف المجالات، وخاصة السياسية والدعوية والطائفية. فيأتي الشخص من ذوي المكانة العالية علميا وإداريا وسياسيا مشحونا بحزمة من المدائح عند التجمعات، وإن كان هو بدوره غير مقتنع علميا أو سلوكيا بممدوحه، فيستَغل أو يوظَّف في مثل هذه التجمعات تحت شعار "إياك أعني واسمعي يا جارة". وما أكثر ما تصيدت به الجماهير من هذا الباب وغلب عليها العقل الجماعي وسيقت سوق البعير وهي لا تدري ! فتجدها تتمسح وتتمدح وتصيح وتذرف الدموع تفاعلا من خلال هذه المدائح، فتكون في النهاية المصيدة الصائدة.

وهذا الأمر والتفاعل بالمدح قد يحتمل نتيجتين متناقضتين أيضا. فإما أن يكون المادح و الممدوح من الصادقين والصالحين فعلا فيكسب المستمع وده وفضله وينتفع به، وإما أن يكون الممدوح ذئبا عاويا يفتك بالقطيع فيرديها الموارد، فيكون المادح من حيث لا يريد أو يدري مساهما في هذا المطب الصائد.

وعند السبب الرابع قد يلعب الوسيط نفس الدور ولكن مع وجود مانع أخلاقي لدى الممدوح ألا وهو الحياء والحشمة، وعدم الجرأة على إبراز مواهبه أمام الجمهور .فيكون المادح حينئذ ممن يبرز هذه الخلال نيابة عنه، ولكن بشرط أن يكون المادح ممن تعتبر مكانته في المجتمع وإلا انقلب المدح ذما والرفعة سفلا.

وخلاصة القول فإن الشريعة الإسلامية قد وردت فيها إشارة إلى هذه المعاني والمخرجات النفسية والاجتماعية لما يمكن للدعاية والثناء أو الذم أن تفعله في نفس المستمع والمادح والممدوح معا .فكان النهي من جهة وكان التوظيف من جهة أخرى وكان التخصيص بالكمال حيث المدح المطلق .

يقول النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ".

وفي نفس الوقت كان يستبشر ويجيز لحسان بن ثابت أن يمدحه:

وَأحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني       وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ

خُلِقتَ مُبَرَّءً مِن كُلِّ عَيبٍ           كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ

وفي باب الكمال ومدح الذات والصفات والأفعال الإلهية يقول النبي صلى الله عليه وسلم:". ما مِن أحَدٍ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذلكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ، وما أحَدٌ أحَبَّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ".

فعلى الفاهم والحاذق أن يفهم متى يمدح ومتى يذم . ولا نحصي ثناء عليك يا الله فأنت كما أثنيت على نفسه.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

 

تحليل عناصر التفاعل الاجتماعي لا يعني تمزيق الروابط الإنسانية بين المُكوِّنات الاجتماعية، وإنَّما يعني وضع الطبيعة الرمزية للفرد والمجتمع تحت مجهر الشعور الإنساني، لأن الفرد يتحرَّك في المجتمع انطلاقًا مِن شُعوره الداخلي الذي يُحتِّم عليه الانخراط في حركة التاريخ الجماعي، وأن يكون جُزءًا مِن الكُل، ولَبِنَةً في صَرْح المجتمع الحَي، الذي يُدرِك أبعادَ ذاته، ويُدرِك حُدودَ مجاله الحيوي . وحياةُ المجتمع لا تتكرَّس كواقع محسوس وحقيقة شرعية إلا إذا أدركَ المجتمعُ كِيانَه والكِيانات المُحيطة به . وهذه الإدراك يُمثِّل الخُطوة الأُولَى لتفسير مُكوِّنات الذات، وعلاقتها بالآخَر، سواءٌ كان الآخَر داخليًّا أَم خارجيًّا. والعاجزُ عن إدراك ذاته، لن يستطيع تفسيرها، ومَن لَم يَمتلك الوعي بالذات والآخَر، لن يستطيع تكوين روابط بينهما قائمة على الاحترام المتبادل، وهذا يعني وُجود احتمالية كبيرة للصِّدام بينهما .

2

شرعيةُ التفاعل الاجتماعي مُستمدة مِن مبدأ التجانس في العلاقة المصيرية بين معرفة الطبيعة الرمزية وفلسفة السُّلطة الاجتماعية . والتجانسُ يعني وضع الخصائص الرمزية فرديًّا وجماعيًّا في القوالب الاجتماعية المُناسبة، وهذه القوالب بمثابة الحدود بين الدُّوَل . وكما أن الحدود السياسية تُوضِّح الأراضي الجُغرافية التي تُمارس فيها الدَّولة سِيادتها، كذلك القوالب الاجتماعية تُوضِّح المساحات الإنسانية التي يُمارس فيها المجتمعُ سِيادته. وينبغي التفريق في الفكر الاجتماعي بين السُّلطة والسِّيادة، فالسُّلطةُ وسيلة عملية تختص بتنفيذ الأفكار على أرض الواقع، وليس لها علاقة بالأفكار الذهنية والإرادة الداخلية، أمَّا السِّيادة فهي منظومة وجودية شاملة للإرادة والتنفيذ معًا . أي إنَّ السِّيادة هي العَقْل، والسُّلطة هي العَضَلات .

3

لا يُمكن فهم السُّلطة الاجتماعية إلا بفهم ذراعها التنفيذي، التي تتغلغل في تفاصيل المجتمع الإنساني، لأنَّ السُّلطة فكرة ذهنية مُجرَّدة، لكن التطبيقات العملية المحسوسة هي التي تَكشف هوية السُّلطة وماهيتها . والعلاقة بين السُّلطة وتطبيقاتها تُشبه العلاقةَ بين الغاية وآلياتها، فالغايةُ لا تَكشف طبيعة الآليات، لكن الآليات تَكشف طبيعة الغاية، وذلك لأنَّ الغاية خيال حالم، أمَّا الآليات فهي الوسائل العملية لتحويل الخيال إلى حقيقة، والحُلم إلى واقع .

4

عِندما يَغرق المجتمعُ الإنساني في ضجيج الشعارات، يُصبح عاريًا مِن المعنى المعرفي، ومُفتقِرًا إلى الخيال الاجتماعي، الذي يقوم على نقدِ الأحداث السياسية، ومُساءلةِ النظريات الفكرية التي تتحكَّم بالسلوك الفردي والجماعي، وطرحِ تصوُّرات جديدة وبدائل إبداعية . وغيابُ الخيال يعني بالضرورة غياب الحُلم، وإذا خَسِرَ الفردُ حُلْمَه، خَسِرَ إنسانيته وشرعية وجوده ومشروعية حياته، وفَقَدَ القُدرةَ على تغيير مُجتمعه نحو الأفضل، مِمَّا يَجعل الفرد والمجتمع يَصِلان إلى طريق مسدود بلا حُلم ولا واقع، وينشأ النزاع بينهما، ويتعمَّق الصراع على الوهم . لذلك، ينبغي إرشاد الفرد إلى أهمية الخيال، واختراع الأحلام، وضرورة تطبيقها عمليًّا وتنفيذها واقعيًّا . وهذه هي الضمانة الأكيدة لفتح آفاق المستقبل أمام الفرد، وتعزيز ثقته بنَفْسه ومُجتمعه، وحمايته مِن اليأس والفشل .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

عزالدين عنايةتُشكّلُ الترجمة في السياق العربي الراهن دعامة نهضوية لا غنى عنها. يتوسّل الفكر من خلالها رفد النشاط الثقافي بخطاب حافز للذات وشاحذ للعقل. ومن هذا المنظور يقتضي المقام أن تكون الترجمة فعلا ثقافيا واعيا وهادفا. فليس ثمة ترجمة لغرض الترجمة، خالية من دواعيها ومقاصدها، إذ لكلّ واقع ثقافي استراتيجية خاصة به في الترجمة، واستراتيجية الترجمة المرابِطة في الواقع العربي تتلخّص في نشدان التواصل مع الفكر العالمي بُغية تكثيف سُبُل إثراء الذات وربطها بحراك الفكر العالمي، من هنا كان المقصد التنويري مضمَرا ومعلَنا في مشروع الترجمة. ولعلّ بحث الثقافة العربية عن الانعتاق من قيد التقليد، والتطلع لتخطي الانحصار الذي أُسِر فيه العقل، يملي عليها بناء تواصل رصين مع الفكر العالمي، العقلاني والتحرري، حتى يكون فعل الترجمة فعلا إضافيا.

صحيح أن ثمة مجالات في الثقافة العالمية يجد فيها المثقف العربي نفسه مدعوا للتواصل معها عبر لغة ثانية، أو عبر الترجمة. وعلى سبيل المثال يبدو ما يتوفر من أدوات معرفية للإحاطة بالواقع السوسيو-ديني العربي المتفجر وفهمه لا يفي بالحاجة، في ظل ندرة كتب علم الاجتماع الديني وسوسيولوجيا الأديان والأنثروبولوجيا الدينية وعلم النفس الديني وفلسفة الدين. لذلك يكثر التخبط في معالجة الظواهر التي يعيشها العرب اليوم، ولا يسعف المرء في ذلك سوى خطاب متشنّج في واقع مستنفر. لكن هذه الحاجة الماسة ينبغي أن تكون حافزا لما نطلق عليه توطين الترجمة، إذ يصعب إن لم نقل يتعذّر أن تَبْني ثقافة ما تواصلا مع الفكر العالمي من خارج لغتها، ولذلك يبقى توطين إبداعات الفكر العالمي عبر الترجمة عاملا حاسما في التواصل مع ذلك الفكر. ففي بلاد المغرب الكبير ملايين يتكلمون الفرنسية، لكن المفكر محمد أركون العائد عبر لغة الغنيمة، كما سماها كاتب ياسين، لم يقع انتقاده واحتضانه، أو لنقل مناقشته، سوى بعد ترجمته من الفرنسية إلى العربية. وبوجه عام ثمة كتب قيّمة تمور بها الساحة الثقافية العالمية، لن نكتسبها ما لم نعرّبها، ولا يكفي أن نقرأها في لغتها الأصلية إن كنا نروم صناعة تواصل حقيقي مع الإبداعات العالمية.

في خضم هذا المسعى، لا ينبغي الرهان في الترجمة على النص الإيديولوجي، بل التركيز على النص الرصين والمتين والأصيل، لأن النص الإيديولوجي مضلّل وخادع، ومحكوم استهلاكه بظرفية عابرة، وبقدْر ما يغوي الذات يضلّها. وعلى سبيل المثال، من مفارقات القراءة العربية الحديثة لنصّ التلمود أن كان اعتمادها على مؤلَّف لكاتب جرماني المسمى روهلنج، تعود أولى طبعاته إلى العام 1899، وقد عرّب الكتاب يوسف نصر الله، أحد النصارى الشوام، في منتصف القرن الماضي، وجاء بعنوان: "الكنز المرصود في قواعد التلمود". أتى تأليف الكتاب في حّمى موجة اللاّسامية في أوروبا، التي كان انعكاسها واضحا على بنية المؤلَّف ومضامينه. وشيوع هذا الكتاب في الأوساط العربية، جاء بموجب تداعيات الصراع العربي الإسرائيلي، ما جعل جلّ الكتابات العربية المتحدثّة عن التلمود تعتمد عليه اعتمادا رئيسا. كان الكتاب المذكور مدعاة للضرر بالاستهواد العربي، أي بالدراسة العلمية لليهودية، وقلّة من الدارسين العرب من تفطّنوا إلى أن التلمود هو أرحب مما اختزله فيه صاحب الكنز المرصود. انتظرنا طويلا حتى جاءت ترجمة التلمود من أصوله الآرامية وبأسفاره العشرين (2012)، وذلك بالتعاون بين كوكبة من المترجمين أشرف عليهم الدكتور عامر الحافي، وتولى مركز دراسات الشرق الأوسط في عمّان نشره.

ولكن فعلَ الترجمة يغدو بحقّ تنويريا مرابِطا حين يعضد ذلك المسعى "نقد الترجمة". ليس النقد المكتفي بمراجعة لغة الترجمات وأساليبها ومناهجها، بل النقد الذي يتوجه إلى مضامين تلك النصوص، وما يمكن أن تسهم به من ترشيد وتنوير وتطوير للذات. صحيح أن الترجمة في الثقافة العربية المعاصرة قد بدأت تشهد بعض التطور والنضج، منذ إنشاء جملة من المؤسسات المتخصصة في الشأن في مصر ولبنان والإمارات العربية، ولكن هذا التحول الواعد ما زالت تعوزه حركة نقد للترجمة، تتابع تلك الإنجازات القيمة، ليس في حدود عرض تلك الأعمال والتعريف بها، بل في إعادة قراءتها وتبين إلى أي حدّ تشكّل تلك الإنجازات مادة إضافية تنويرية في الثقافة العربية، لعل تلك النقطة الجوهرية هي مرحلة متطورة على درب التوطين المنشود للترجمة.

 

عزالدين عناية

ستاذ تونسي بجامعة روما

 

حاتم حميد محسنفي 19 ديسمبر 2020 جرى تخفيض قيمة الدينار العراقي بنسبة 23%، نزولا من سعره الرسمي السابق 1182 دينار الى 1450 دينار لكل دولار امريكي. وزير المالية العراقي ذكر ان التخفيض جرى الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي وهو يخدم التنويع في الاقتصاد العراقي(1).

ماهي الأهداف من تخفيض العملة؟

ان التخفيض يجعل الصادرات ذات سعر تنافسي ومن ثم يقود الى بيع المزيد من الصادرات، رغم ان هذا قد لا يؤدي بالضرورة الى هبوط مماثل في قيمة السلع والخدمات المستوردة. صناع السياسة ايضا يأملون ان تخفيض العملة يقود الى "تحوّل في الانفاق"، بمعنى ان المستهلكين ينفقون نقودهم على منتجات الشركات المحلية بدلا من إنفاقها على المستوردات.

التحول في الإنفاق يمكن ان يُدعم بفرض ضرائب اضافية او جديدة على المستوردات او عبر إدخال حصص (كوتا) سوف تقلل مباشرة من الإنفاق على الاستيراد. هذه الاجراءات كان القصد منها ايضا تحسين كل من ميزان التجارة و(بشكل غير مباشر) ميزان المدفوعات.

اخيرا، اعتمادا على مرونة عرض السلع، فان الضغوط التضخمية قد تبرز في الأجل القصير الى المتوسط.

في العراق، اوضح صنّاع السياسة في وزارة المالية والبنك المركزي العراقي وبشكل صريح اسباب تخفيض الدينار العراقي كالتالي:

1- هناك شعور بان الدينار العراقي عالي السعر مقارنة بالدولار الامريكي(2)، بما يشجع الاستيرادات ويدفع رأس المال للرحيل ويثبط الاستثمار الاجنبي والسياحة، مع وجود اقتصاد يميل نحو التجارة وتجارة التجزئة بدلا من القطاعات المنتجة.

2- في ضوء السعر المرتفع للدينار العراقي، يصبح الاقتصاد العراقي أقل تنافسية، والاسواق العراقية تصبح تحت سيطرة الاستيراد.

3- الدينار العراقي العالي القيمة، عموما، لا يشجع الاستثمار في القطاعات التي يرغب العراق تطويرها مثل الزراعة والسياحة والصناعة والخدمات.

4- ان تعديل قيمة الدينار العراقي سوف يزيد العائدات من البترول بالدينار العراقي وسوف يقلل عجز الموازنة، لكن توقيت تخفيض العملة الآن هو مرتبط عضويا بهبوط حاد في عائدات الدولة من البترول وان سعر الدينار العراقي يجب ان يعكس هذه الحقيقة(3).

يمكن القول، ان خفض الدينار العراقي يمثل اختبارا هاما لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ووزير ماليته علي علاوي. بهذه العملية هما يكسبان وقتا ثمينا – انها لحظة الحقيقة، حيث ان عملا سياسيا واقتصاديا حاسما مطلوب الآن لحماية الدينار والاقتصاد العراقي من الانزلاق نحو الهاوية. الكاظمي يجب ان يمنع الدخلاء من التخريب المتعمد والمنظم جيدا والمستمر منذ عام 2003 في مفاقمة دورة تفتيت الاقتصاد والمجتمع في العراق. انها مسؤولية عليا للكاظمي للعمل ضد الدخلاء الذين يسعون الى تعميق الشرخ والعمل ضد الصالح العام.

لكي يحميان الاقتصاد العراقي من الانهيار، فان امام رئيس الوزراء ووزير المالية فترة قصيرة من جنوري الى جون 2021. هما يجب ان يركزا على ثلاث قضايا حساسة وهي السياسة والاقتصاد والتنويع الموجّه نحو التصدير.

السياسة

يلخص معتز كمونه، الصناعي العراقي السياسة بدقة :معلقا على تخفيض الدينار العراقي، هو يخشى ان "سيطرة الميلشيات والجماعات المسلحة على السياسة، والاقتصاد والجيش يعطيهم فرصة هامة جدا للمنافسة وإفشال اي مزايا للصناعيين في العراق(4). ونفس الرؤية لدى محمد المعموري، وهو مستثمر في الزراعة، يلاحظ ان "الحكومة دعمت الاستيراد من السلع الزراعية وتجاهلت دعم الانتاج المحلي"

لكي يحقق خفض العملة اي فرصة للنجاح يجب على الكاظمي ان يتحدى، ويواجه بشكل رئيسي الميلشيات المسلحة ويمنعهم من اضعاف سلطة الدولة والاقتصاد لمصلحة الطبقة السياسية الدينية والبلوتوكرات المنتفعين ذاتيا. الميلشيات الاسلامية والجماعات المسلحة بما فيها الحشد، يُزعم انها تُموّل جزئيا من اموال البترودولار العراقية التي يتم تداولها عبر غسيل الاموال وشبكات التجارة والسيطرة على المنافذ الحدودية والفساد الصريح والتام. لم يكن ابدا من مصلحة تلك الجماعات والميليشيات تشجيع الانتاج المحلي لأن مثل هذه الاستراتيجية سوف لن تخدم حماتهم الاجانب.

هذا التحدي لا يمكن معالجته كليا في الستة اشهر. لكن هذه الفترة ستكون حاسمة في اتخاذ خطوات مصيرية لإحتواء النشاطات الضارة للدخلاء، عبر تحقيق اصلاحات اقتصادية في العراق، وان كانت غير تامة كما تبين "الورقة البيضاء". لكي نؤسس توازن مالي فوري، يجب ان تكون الاولوية للفساد واسترداد الاموال المنهوبة (والتي قدرت بحوالي 200 بليون دولار) (5) . الدخلاء يمثلون "الدولة العميقة"، وهو التحدي الامني اليومي الذي يجب ان يواجهه الكاظمي. انهم قوة سياسية واقتصادية مدمرة.

اذا لم يتخذ الكاظمي إجراءات سريعة وحاسمة للقضاء على نشاطات الدخلاء وتلبية مطالب المنتفضين من الشباب المتحمسين العراقيين الذين يسعون لسيادة وطن، عندئذ فان تأثيرات خفض الدينار العراقي، وتنفيذ الاجراءات في "الورقة البيضاء" ومحاولات ادارة المال العام كلها ستتلاشى. ان جموع الناس العاطلين عن العمل، وجماعات اخرى، سوف يفقدون الثقة في قدرة الحكومة على إحداث التغيير الذي يخدم القطاعات الأفقر في المجتمع.

الاقتصاد

في مقابلة مع محطة TRT في اغسطس 18، 2020، يبين السيد علاوي، وكما متوقع فهما عميقا للتحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي(6). ورقته البيضاء في اكتوبر 2020 تحتوي على اثنين من التحديات الكبيرة:

1- ترشيد الانفاق التشغيلي بنسبة 13% من الناتج المحلي الاجمالي نزولا من النسبة الحالية 25%، من خلال تقليل حجم ومقدار الاجور والمنافع التي يمنحها الموظفون العموميون لأنفسهم.

2- تنويع الاقتصاد عبر استخدام القطاع الخاص لكي يمتص نسبة البطالة العالية.

هذه تُعتبر مهمة صعبة. لكن، كما في السياسة، كذلك في الاقتصاد، السيد علاوي يمكنه ان يضع الاساس للتغيير في الستة اشهر القادمة (وربما بعدها).

لم يكن هناك جديدا في أي من المهمات التالية. ما هو جديد هو الفورية في اتخاذ الاجراء والفعل المطلوب، والحسم الذي يجب ان ينفذ به علاوي هذه المهمات والتي تتمثل بـ :

1- مزاوجة المشاريع المملوكة للدولة مع الشركات الدولية، لكي يتم خفض تدريجي للاعانات الثقيلة، خلق مهارات جديدة وزيادة الانتاجية . شركة سكود للسيارات هي مثال جيد لملائمتها للظروف العراقية.

2- توسيع وتنفيذ استثمارات هائلة في البنية التحتية. عندما تقترض الحكومة للاستثمار (وليس للاستهلاك) فهي قاعدة ذهبية مقبولة، في بناء الموانئ البحرية ومحطات الطاقة والطرق وسكك الحديد والمدارس والإسكان، هذه الاستثمارات سوف تمتص عدد كبير من العاطلين والداخلين الجدد لسوق العمل.

3- تغيير القوانين الحالية وإدخال قوانين جديدة لخلق بيئة ملائمة للقطاع الخاص للاستثمار ومباشرة الاعمال، كل ذلك يجعلها عامل جذب للاستثمار.

4- إنعاش وتوسيع التصنيع (بما فيه البتروكيمياويات) والقطاع الزراعي.هذه ستراتيجية مجربة وناجحة لتحويل العراق الى اقتصاد قائم على التصدير. جنوب كوريا هي مثال جيد للاختبار.

5- إعادة بناء القطاع المصرفي، وهذا يتطلب تحركا جريئا وسريعا لوقف غسيل الاموال عبر مزاد العملة وشبكة التجارة. يجب بناء الشفافية في المصارف لإزالة الفساد.

6- فرض نظام ضريبي فعال وتصاعدي، النظام الحالي فيه الكثير من الثغرات ويمكّن من ممارسة الفساد من جانب جباة الضرائب. كذلك ضريبة الشركات يجب ان تحفز الاستثمار من جانب القطاع الخاص.

7- الحكومة يجب ان تقوم بترشيد انفاق الموازنة والتخصيصات، والتركيز على الاستثمار والبنية التحتية لمدينة الموصل. الحكومة يجب ان لا تتراخى عن هكذا ترشيد عندما ترتفع اسعار البترول مرة اخرى.

8- يجب على الحكومة ان تبدأ فورا بعملية استرداد الاموال المنهوبة من جراء الفساد والتي تشير التقديرات وبتحفظ على انها بحدود 200 بليون دولار امريكي. يجب على الحكومة ترسيخ الولاء لبناء الوطن، وليس للاحزاب الدينية والطوائف او الاقليات الاخرى، وبهذا تستعيد المبادئ الصحيحة وقيم السلوك. المخالفون يجب ان يواجهوا نظام قانوني عادل.

وفي ضوء أعلاه، من المدهش ملاحظة ان مسودة ميزانية 2021 تخصص اكثر من 83 بليون دولار "للانفاق التشغيلي" اي أقل فقط بمقدار 10 بليون دولار من الايرادات المتوقعة لعام 2021؟ هذا يضع خطة علاوي في سعيه لإنجاز توازن مالي امام التساؤل. والشيء المدهش الآخر هو تخصيص 2.5 بليون دولار للحشد، بما يساوي 40% من الاموال المخصصة للدفاع، واكثر مما هو مخصص لوزارتي التعليم العالي والصحة في زمن جائحة كورونا. ايضا هناك 450 مليون دولار ستذهب الى الوقف الشيعي وما يقارب 200 مليون دولار للوقف السني. ولو جمعنا هذه الاموال المخصصة للاوقاف الدينية نجدها تشكّل ما يقارب ثمان مرات اكثر مما خصص لمدينة الموصل التي دمرها داعش والتي خُصص لها فقط 86 مليون دولار(7).

يمكن القول ان هذه التخصيصات هي انعكاس لقوة تأثير الاحزاب الدينية (وميليشياتها) على الحكومة. في الوقت الذي يكون فيها الاقتصاد في حالة يرثى لها، فان مثل هذه التخصيصات تلقي ظلالا من الشك على خطاب الحكومة بحماية الاقتصاد.

تنويع الاقتصاد Diversification of the economy

ان تغييرات حاسمة وعاجلة في السياسة الاقتصادية مطلوبة فورا في الأشهر الستة القادمة. لم يحصل ابدا شعور قوي في العراق بأهمية المبادرات المتعددة الجوانب لتنويع الاقتصاد. وبينما تعمل الحكومة العراقية مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فان مقترحات الأخير في تنويع الاقتصاد العراقي من خلال المنتجات الزراعية تحتاج الى فحص دقيق (انظر البنك الدولي 2020، فصل 4). ومع ان السياق مختلف، وان تحولات واسعة حدثت منذ ذلك الوقت، لكن مقترحات البنك الدولي تذكّر بمقترحاته للحكومة العراقية في عام 1952 (انظر البنك الدولي، RID، 1952، ص40-97)(8). وبينما هو يعتبر الزراعة ذات اهمية حيوية في سياق العراق، لكن الزراعة وحدها سوف لن تستوعب الـمتوقع من الـ 4.5 الى 5 مليون من الداخلين الجدد الى سوق العمل بحلول عام 2030، دعك من البطالة العالية وحدها. ايضا، لأجل زيادة خزائن الحكومة، يحتاج العمال العودة من القطاع الكبير اللارسمي ودفع ضرائب من خلال عمالة ذات مردود. في العصر الرقمي، لا يمكن للعراق عمل نفس الاخطاء التي ارتكبتها حكومته في الاربعينات من القرن الماضي وحتى 2020. الأدب الاقتصادي الواسع يشير الى مزايا التنويع عبر التصنيع الموجّه للتصدير(9) عندما يدعمه اطار قانوني، وبنية اجتماعية ومادية، وقطاعات ذات تعليم قوي وصحة من الدرجة العالية .

ان الأمن وبيئة الأعمال كلاهما ضروريان للاستثمار الاجنبي المباشر ليشارك مع الحكومة والقطاع الخاص في البدء بالتنمية الاقتصادية، والتي تعني ايضا زيادة مشاركة النساء في سوق العمل.

وفي خلاف ذلك، كما يرى المتشائمون، فان الاهداف البعيدة المدى "للورقة البيضاء" سوف تذهب هباءً، كما حصل للعديد من خطط التنمية القومية السابقة في العراق.

استنتاج

حكومة مصطفى الكاظمي يجب ان تتخذ اجراءً حاسما في الستة اشهر القادمة لحماية الدينار العراقي والاقتصاد من الانزلاق نحو الهاوية. عبر تخفيض قيمة العملة، كسب رئيس الوزراء ووزير المالية وقتا ثمينا، الدينار العراقي يجب ان تدعمه افعال تحمي التغيير (الايجابي) الحقيقي في الاقتصاد وفي تمويل البلاد. وبالنهاية، فان قيمة العملة تعكس مدى صحة الاقتصاد. التنويع في الاقتصاد يجب ان يقوده الاستثمار في التصنيع الموجّه نحو التصدير، مع ارتباطات امامية وخلفية تتغلغل في كل جوانب الاقتصاد.

السؤال هو هل سيحوّل رئيس الوزراء ووزير المالية الصورة القاتمة "Bleak house" (10) الى "توقعات واقعية"؟ هذه هي لحظة الحقيقة.

 

حاتم حميد محسن

.........................

المصدر:

 Iraq-businessnews-com/wp-content/2021/01/IQD-needs-political-support

للباحث والخبير Dr Amer K.Hirmis مسؤول في شركة CBS (Capital Business Strategies Ltd) المحدودة للاستشارات في المملكة المتحدة. في 2009 عمل الكاتب كخبير في التخطيط التنموي في وزارة التخطيط العراقية، وصدر له كتاب (اقتصاد العراق- من الماضي القديم الى المستقبل البعيد) عن دار Grosvenor House publishing، المملكة المتحدة.

الهوامش

(1) انظر

http//www.mof.gov.iq/pages/mofBannerHeadlineDetail.aspx?BannerNewsID=886,and https://cbi/news/view/6224,websites accessed on Dec 20,2020.

(2) هذا الادّعاء مخالف لأخر استنتاج لتقرير من الباحثين في البنك المركزي العراقي، الذي يقترح انه على اساس مبدأ القوة الشرائية (ppp) فان الدينار العراقي هو منخفض القيمة في اي مقدار بين 4 الى 14% عند 1182 دينار عراقي لكل دولار. انظر mahwoos,A.Hussain and Muhammad,B-Qasim(2020)، الدينار العراقي 1200 دينار لكل دولار امريكي؟ (متوفر في

 http//iraqieconomists.net/accessed

 on November23,2020.

(3) انظر الجواب على السؤال الخامس:"اسباب تغيير سعر الصرف؟" المنشور في موقع وزارة المالية المشار اليه اعلاه في (1).

(4) انظر الحرة، في 20 ديسمبر 2020 "تخفيض قيمة العملة العراقية.. قرار صحيح في وقت خطير"

 https//www.alhurra.com/Iraq/2020/12/20

(5) علاّوي، (2020)، الاقتصاد السياسي للتآكل المؤسسي والفساد الرسمي – حالة العراق (متوفر في

 :http//iraqieconomists.net/en/2020/05/19/accessed of June 20,2020

(6) انظر محطة الاذاعة التركية

 TAT(https://www.youtube.com/watch,accessed on Dec14,2020). في هذه المقابلة يبيّن علي علاوي فهما عميقا لمختلف التحديات الحالية التي تواجه العراق – الأمن، البطالة العالية، مشاكل المنافذ الحدودية، الفساد الواسع الانتشار، تضخم الخدمة العامة، ضعف الانتاجية، نقص البيئة الملائمة للأعمال وغيرها. هو قال ان العراق في مفترق طرق. وذكر ان صندوق النقد الدولي يوفر تمويلا من خلال حقوق السحب الخاصة و بعض برامج التسوية الهيكلية عند الحاجة، اما البنك الدولي يساعد في مشاريع التنمية والتمويل ومشاريع دعم الجماعات الاجتماعية.

(7) انظر الجدول B في مسودة الميزانية الاتحادية لعام 2021 متوفرة في http//iraqieconomists.net/ar/wp-content,Dec30,2020

(8) لاحقا، في تقرير البنك الدولي للتنمية والبناء(IBRD) يعترف بانه قبل عام 1958"جرى تجاهل التصنيع في البلاد .. حيث ان الانفاق الكلي على التنمية خلال السنوات المالية 1951/52 – 1958/59 لـ "الصناعة والطاقة كان 13% مقارنة بـ 32% للزراعة، و 24% للنقل والاتصالات، و 28% للاسكان والبناء"(1963:18IBRD,).

(9) صادرات العراق غير النفطية تشكل نسبة ضيلة من الصادرات الكلية في عام 2019، انها شكلت 3.9% من الصادرات الكلية (www.cosit.gov.iq). العراق يعاني من عقود من العجز المزمن في الميزان التجاري. هذا جزئيا انعكاس لحقيقة ان : قطاع التصنيع يشكل فقط 0.86% من الناتج المحلي الاجمالي(النصف الاول من عام 2020 بالاسعار الثابتة لعام 2007)، الزراعة فقط 4.29%، البناء والبنية التحتية 1.93%، وبالمقابل، "الحكومة العامة"7.24% أي اكثر بثمان مرات من مساهمات التصنيع (انظر

 http://cosit.gov.iq/docements/national accounts, table 5,accessed on Dec23,2020). وهكذا، فان استبعاد التصنيع من ستراتيجية التنويع الاقتصادي بالطريقة التي يريدها البنك الدولي، لاتبدو خيارا جيدا.

(10) هي رواية كتبها شارلس دكنز(1852-53)، تتحدث عن قصة عائلة كان افرادها يكافحون ضد بعضهم البعض في المحكمة حول النقود والأملاك التي تعود لهم. النظام القانوني كان معقدا جدا لدرجة ان القضية استمرت لوقت طويل، كان على افراد العائلة دفع مبالغ كبيرة للمحامين، الامر الذي جعلهم في النهاية لن يحصلوا على أي شيء .

 

فتحي الحبوبيجرجي زيدان؛ نموذج قوة الإرادة ومضاء العزيمة

عندما تقلّب صفحات التاريخ التي تتحدّث عن العصاميين العرب، تعثر على عدد غير قليل من الذبن يستحقّون منّك إنحناءة إحترام. ولكنّ قلّة قليلة منهم لا يكفيهم ذلك. ولعلّ من أبرزهم في التاريخ الحديث العصامي جرجي زيدان الذي قال عنه بعض النقاد أنّه "من أوائل من كتبوا روايات تاريخية مستمدة في اطارها العام من التاريخ الإسلامي" بل واعتبره الكثير منهم "رائدا للقصّة التاريخية الإسلامية في عالمنا العربي." ولكن من هو العصامي جرجي زيدان؟

لقد وجد جرجي زيدان نفسه، منذ الصغر، أمام متاعب وعقبات لا حدّ ولا حصر لها، فقرّر شق طريقه الى إكتناه عمق المعارف وإلى المجد، بالاعتماد على جهوده الفرديّة فقط، دون الاستناد إلى أحد غيره - بما في ذلك السند العائلي-؛ فوالده أمّي لا يقدّر فضل العلم لأنّه لا يملك ناصيته، وفقير يعوزه تسديد نفقات تعليم إبنه. وبهذا التمشّي (الإعتماد على الذات) يكون جرجي زيدان تفاعل تلقائيّا مع مقولة إبن الوردي – دون علم بها- :"لا تقل أصلي وفصلي أبدا إنّما أصل الفتى ما قد حصل"

وكذا مع القول المشهورالمختلف على قائله(1):

إنّ الفتى من يقول هأنذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي

فقد كانت نشأة هذا العصامي في أسرة لبنانيّة متواضعة سرعان ما تدحرجت، بعد غضب إحدى المتنفّذات على الأسرة، إلى مستوى الفقر، رغم كدحها المتواصل، وفي هذا يقول جرجي زيدان في مذكراته : "نشأت في صباي وأنا أرى والدي يخرج إلى دكانه في الفجر، ولا يعود إلّا في نحو منتصف الليل أو قبيله، وأرى والدتي لا تهدأ لحظة من الصباح إلى المساء ...لم تكن تذهب إلى الصلاة بالكنيسة إلّا نادرا، وإنّما همّها تدبير بيتها وتربية أولادها ... وقد شببت على ذلك والفته فغرس في ذهني أنّ الإنسان خلق ليشتغل وأن الجلوس بلا عمل عيب كبير"

إلّا أنّ الطفل اللَّمَّاح جرجي زيدان، بوعيه المبكّر، لم يعتبر لا الفقر ولا الصعوبات، حائلا جدّيّا بينه وبين النجاح والنبوغ، إن في النهل من العلم أو في مسيرته العمليّة والعلميّة. فهو من طينة النوابغ القلائل الذين لا يهزمهم الدهر ولا يستسلمون مطلقا للهزيمة. لذلك وطّد العزم على أن يبذل كل ما يملك من قوة وإرادة في سبيل تحقيق ذاته كذات مؤثرة في محيطها.

درس جرجي زيدان لمدة 6 سنوات بشكل متقطّع وفي ثلاث مدارس مختلفة، ورغم ذلك فقد تفتّحت شاهيته للمعرفة، كما لو كان على علم بمقولة الإمام الشافعي البليغة :

"ومن لم يذق مرّ التعلّم ساعــة .. تجرّع ذلّ الجهل طول حياته"

ولكن "تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن"، فقد اضطرّ لمساعدة والده في مطعمه الصغير في أحد أسواق بيروت. ولمّا كانت والدة جرجي زيدان تريد إعادته إلى المدرسة كان والده يردّ عليها "إنّه قد أتمّ دروسه ولا فائدة من كثرة الدروس، إلّا إذا كنت تنوين أن تجعليه كاتبا أو معلّما". و وعبارة كاتب في السياق الذي وردت فيه تفيد معناها التوظيفي لا الإبداعي بما هو التأليف والبحث.

لذلك وجّهه والداه في سنّ الثانية عشرة إلى تعلّم صناعة الأحذية، إلّا أنّها سبّبت له متاعب صحيّة فتركها بعد سنتين فقط، ليعود مجدّدا إلى مطعم والده. وفي الأثناء، وكان سنّه لا يتجاوز خمس عشرة سنة، تعلّم الإنجليزية على مدى خمسة أشهر لدى معلّم، كان يتردّد على المطعم، لقاء ما يتناوله من مأكولات.ورغم تأكيد المعلّم لجرجي زيدان أنّه أصبح يجيد هذه اللغة، فإنّه واصل تعلّمه لها بالاعتماد على نفسه حتّى أجادها فعلا وسبر أغوارها وفكّ رموزها وفتح مغاليقها، إلى درجة أنّه حاول وضع قاموس انجليزي عربي وشرع في الإشتغال عليه لكنّه لم ينهه.

ويروي جرجي زيدان أنّ أوّل كتاب رغب في مطالعته، ولم يقدر على اشترائه، إلّا مستعملا و بأقلّ من نصف ثمنه، أثار غضب أبيه لأنّه "يشري الورق بلا فائدة" ووبّخه بقوله : »أتبدّل الدراهم بورق«!

لكن فطنة العصامي الذي نعرض له، جعلته في سنّه المبكّرة، يستعين ببعض المعلّمين ممن يتردّدون على مطعم والده لمطالعة كتب الطبيعة والجغرافيا، فهو له ميل كبير لا للأدب فحسب، بل وكذلك للعلم. ثمّ تعلّم بعد ذلك حساب مسك الدفاتر ليكون كاتبا في أحد المخازن عسى أن يتخلّص من العمل في المطعم، وتفتح له آفاق جديدة في مساره لمزيد التحصيل في العلم والأدب، معتقدا أنّ العمل بالمخزن، كما جاء في القول الشعري :

هو المهرب المنجي لمن أحدقت به

مكاره دهر ليس عنهنّ مهرب

لكن جرت الرياح ثانية بما لا تشتهيه سفينته وخاب ظنّه، فتجربته بالمخزن لم تدم سوى نصف يوم، وعاد في مساء ذات اليوم إلى مطعم والده أين التقى في مرحلة لاحقة بلفيف نيّر من العلماء والكتاب والصحفيين الذين إستفاد منهم بمثل استفادته من مناقشاته مع الطلبة الذين كان يجتمع بهم وخاصة منهم طلبة الطبّ الذين أعجبوا بذكائه وأصبحوا أصدقاء له ويدعونه لزيارة الكليّة مما حفّز فيه رغبة تعلّم الطبّ، لاسيما بعد اطلاعه على كتاب "سرّ النجاح"(2)، وانخراطه في جمعيّة أدبيّة جلّ أعضائها من طلبة الطبّ. وقد استغرب أصدقاؤه هذه الرغبة لأنّ امتحان الدخول إلى الكليّة يفترض الإلمام بالهندسة والحساب والجبر ونحوها من المواد التي يجهلها. إلّا أنّ جرجي زيدان، وفي فترة العطلة الصيفية فحسب، أقبل على درس هذه المواد، بالليل والنهار، واستوعبها بفضل ذكائه الوقّاد ونباهته. وهو ما أفضى إلى نجاحه في الإمتحان، ليندهش أصدقاؤه ثانية. ولا غرابة في ذلك مطلقا،،فهم طلبة نمطيون يجهلون معنى العصامية التي تقرع الأبواب الموصدة فتنفتح لها- ولو بعد حين- بما يترتّب عنه حصول مفارقات عجيبة تشكّل عالما سرياليا ) (surréel أو ما يشبه روايات فنتازيا الخيال، بما هي معالجة إبداعية للواقع خارج دائرة المألوف.وهكذا دخل جرجي زيدان كليّة الطبّ ونجح بامتياز في السنة الأولى ولكّنه وفي بداية السنة الثانية حمل لواء " أول ثورة وإضراب للطلبة في الشرق" للمطالبة بالحريّة الفكريّة بالكليّة، فوقع رفته مع لفيف من زملائه. إلّا أنّه تدارك الأمر ودرس علوم الصيدلة بمفرده، ثمّ أجرى امتحانا أمام لجنة من كبار الدكاترة من لبنان وسورية شفع بمنحه شهادة الصيدلة. إثر ذلك غامر بالهجرة إلى مصر -وكانت سنّه لا تتجاوز إثنتين وعشرين سنة- لدراسة الطب البشري ولم يكن لديه المال الكافي لمتطلبات الهجرة فساعده أحد جيرانه باقراضه بعض المال. ولكنّه في مدرسة الطبّ المصرية إعتبر طول المدّة عائقا أمامه فاتّجه نحو الصحافة واشتغل لأكثر من سنة محرّرا في الجريدة اليومية الوحيدة بالقاهرة وهي "جريدة الزمان" ثم استقال منها للعمل في السودان كمترجم لحوالي سنة لاقى إثناءها بعض المتاعب تبعا لأهوال الحرب التي كانت قائمة آنذاك. ورغم نيله 3 أوسمة مصرية بعد عودته من السودان مكافاة له على الخدمات التي قدّمها هناك، فإنّه غادر مصر إلى بيروت، أين أصبح عضوا عاملا في المجمع العلمي الشرقي. وفي الاثناء درس اللغات الشرقية كالعبرانية والسريانية، بما مكّنه من وضع كتاب"الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية" وكانت سنّه لا تتجاوز الخامسة والعشرين سنة..!

وكان من فرط إعجاب أحد أصدقائه به في هذه المرحلة، أنّ ألف رواية وسمها ب" رواية البطلين" تطرّق فيها بالخصوص إلى عصامية جرجي زيدان، باعتباره أوّل بطلي الرواية، معدّدا انتصاراته العديدة في معركة الحياة.

ولمّا عاد جرجي زيدان مجدّدا إلى مصر، واعترافا بجهوده في صناعة الفكر والعلم، فقد عيّن مديرا عاما لمجلّة "المقتطف" التي كانت تعتبر حينذاك أهم وأشهر المجلاّت العلميّة في الشرق العربي لاستقطابها لأقلام العلماء والأدباء المرموقين. وكان هو نفسه قد ساهم فيها ببعض مقالاته الأدبيّة وبحوثه العلميّة. علما وأنّ أوّل مقالة له في بداياته في بيروت- ولم تحظ بالنشر- كان قد أرسلها إلى هذه المجلّة. وقد أجابه ، مدير المجلة، لمّا سأله جرجي زيدان عن ذلك عند لقائه به لاحقا في بيروت بالقول "إنّه يرجو أن تكون المقالة الثانية خيرا من الأولى !". إلّا أنّ العصامي الذي يقرع الأبواب حتّى تفتح له عن طواعية أصبح في هذه المرحلة المسؤول الأوّل عن المجلّة وباقتراح من أصحابها بعد نحو10 سنوات من ذلك . لكنّه بعد سنتين من العمل الدؤوب على متابعة كل الجزئيات في علاقة بتحرير المجلة و بشؤونها الادارية، ارتأى أنّ هذا الجهد يعوقه عن متابعة البحوث والتأليف، فقرّر أن يستقيل وينصرف من المجلّة ليصرف وقته بالكامل للتأليف وكان "تاريخ مصر الحديث" )في جزءين( أوّل منجز له في هذا المضمار خلال هذه المرحلة. ثمّ جاء كتاب تاريخ الماسونيّة العام فكتاب التاريخ العام. ورغم أنّ المدرسة العبيديّة الكبرى لطائفة الروم اللأرتودكس بمصر عيّنته ليتولّى إدارة التدريس العربي بها، فانّ ذلك لم يمنعه خلال السنتين اللتين قضاهما بها من تأليف أوّل رواية تاريخية له- وكانت سنّه لا تتجاوز ثمان وعشرين سنة- ؛ ألا وهي "المملوك الشارد" التي لاقت رواجا كبيرا ، حتّى أنّها طبعت طبعات عديدة. ولمّا قرر التفرّغ كلّيّا لأهمّ مشروع في حياته؛ وهو تأسيس "مجلّة الهلال" التي أكسبته شهرة واسعة وميّزته في المجال الصحفي - فضلا عن تأليفه ل 22 رواية تاريخيّة تسجل أحداثا من تاريخ العرب والمسلمين منذ عصر ما قبل الإسلام حتّى العصر الحديث- غادر المدرسة العبيديّة في عمر لم يتجاوز 31 سنة. وفي هذه المرحلة، فإنّه كعادته، لم يكتف بالتحرير فحسب، بل ألّف روايات تاريخ الإسلام وهي6 وكتاب "التمدّن الإسلامي" )في 5 أجزاء( وكناب "العرب قبل الإسلام" و"علم الفراسة الحديث" و"مشاهير الشرق" في (جزءين) و"تاريخ الآداب العربية" في 4 أجزاء و"أنساب العرب القدماء" و"طبقات الأمم" و"عجائب الخلق" و "تاريخ انقلترا3. أمّا رواياته في غير التاريخ الإسلامي فهي "المملوك الشارد" -وقد أسلفنا الأشارة إليها سابقا- و"أسير المتمهدي" و"استبداد المماليك" و"جهاد المحبّين"و ... ولا بد من التساؤل هنا كبف أمكن لهذا العصامي من تأليف هذا الكمّ الهائل من الروايات التاريخية في حيز زمني لا يتجاوز الإثنتين والعشرين سنة. وهي ذات المدة التي حرّر –وأدارأحيانا- أثناءها "مجلّة الهلال" التي صدّرها في أوّل أعدادها بمقذّمة قال فيها : "لا بد للمرء فيما يشرع فيه من فاتحة يستهل بها، وخطّة يسير عليها، وغاية يرمي إليها. أمّا فاتحتنا فحمدا لله...والتوسل إليه ان يلهمنا الصواب وفصل الخطاب. وأمّا خطّتنا فالإخلاص في غايتنا والصدق في لهجتنا والإجتهاد في وفاء حق خدمتنا(...). أمّا الغاية التي نرمي الوصول إليها، فاقبال السواد yلى مطالعة ما نكتبه، ورضاؤهم بما نحتسبه، وإغضاؤهم عمّا نرتكبه . فإذا اتيح لنا ذلك كنّا قد إستوفينا اجورنا.."

لقد نال جرجي زيدان، لا فقط إعجاب العرب والمسلمين بعبقريتّه وتفرّده، بل حاز أيضا على إعجاب المستشرقين، فقد سأله أحد هم مستغربا :" أأنت جرجي زيدان؟" فأجابه :"نعم" فقال: "المستشرق "كنت انتظر أن ارى شيخا ذا لحية بيضاء، لأنّ من يطّلع على مؤلّفاتك، لا يقدّر عمرك باقلّ من ثمانين سنة." !

ولا غرابة في ذلك، فقد كانت حياته كلّها، رغم قصرها، عملا دؤوبا لتجاوز المعوقات؛ من فقر وجهل وشدائد وعقبات في سبيل بلوغ ما يرضي طموحه . وبذلك قفز من الفقر إلى الرخاء ومن الامّية إلى التعلّم؛ فأصبح متعدّد اللغات، يتردّد على فضاءات العلم .وبذلك أيضا إنتقل من العمل في مطبخ وفي صناعة الاحذية إلى العمل في صناعة الراي وإنتاج الفكر و العلم والأدب. وإستطاع، بالنتيجة، أن يشكّل حالة إبداعيّة مختلفة اثرت المكتبة العربية بإبداعات شكلت إضافة نوعية في تاريخ العرب والمسلمين وظلّت ولا تزال مصدر إلهام وثروة تنهل منها الأجيال وبقيت خالدة في الذاكرة والوجدان العربي بل والعالمي أيضا،وذلك بالنظر إلى ترجمة مؤلفاته إلى لغات عديدة. وهو ما يؤكّد مضي عزيمته وقوّة إرادته بما صح فيه قول أحمد شوقي :

وما نيل المطالب بالتمنّي ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

 

المهندس فتحي الحبّوبي

.................................

المراجع:

1- كتاب عصاميون عظماء/ أحد كتب الهلال التي تتنزّل في إطار السلسلة الشهرية إلتي تصدرها دار الهلال (القاهرة)، العدد35/ فيفري1954. وهو في 268 صفحة باقلام نخبة من الكتّاب وإشراف محمّد فريد أبوحديد.

2- كتاب مذكرات جرجي زيدان في 107 صفحات/ تاليف جرجي زيدان / نشر دار الكتاب الجديد 1968

3- كتاب وقفة مع جرجي زيدان/ د. عبد الرحمان العشماوي (مقاربة أديان في 89 صفحة) الطبعة الأولى/ 1993

4. كتاب بانورما الرواية العربية الحديثة/ د.سيد حامد النساج/ الطبعة الاولى/بيروت (المركز العري للثقافة والعلوم)

الهوامش:

(1) يقال أنّ المقولة للإمام الشافعي ويقال أنّها لغيره

(2) كتاب )سرّ النجاح( يحكي سير رجال عظماء نالوا مجدهم وعظمتهم بالاعتماد على النفس)عصاميون(. وكان من بينهم من كان نجّارا أو حدّادا أو حلاقا. وقد ترجم الكتاب للعربية الدكتور يعقوب صروف

 

 

 

 

فتحي الحبوبيفي يقظتهم يقولون: “أنتَ والعالَم الذي تعيش فيه حبَّةُ رملٍ على شاطىء غير متناهٍ  لبحرٍ لا حدَّ له”.

وفي حلمي أقول لهم: “أنا البحر الذي لا حدَّ له، والعالم كلُّه حبَّاتُ رمل على شاطئي ”.

جبران خليل جبران


 

بعيدا عن مفهوم فلسفة القوّة للفيلسوف "نيتشة"، ومفهوم الوجوديّة - الملحدة وغير الملحدة- خاصة لدى"جان بول سارتر" و"مارتن هايدغر، وفلسفة العبث لرائدها ألبير كامي. وبعيدا عن المفهوم الديني السطحي للقدر الذي يروّجه من يسمّونهم- تجاوزا- علماء الأمّة،  فإنّ مقاربة جبران خليل جبران مطلع المقال،  لمفهوم الإنسان الحقّ، المنسجمة مع مقولة أبو القاسم الشابّي الشعريّة "إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر" تفيد أنّه ذو قدرات لا محدودة، كفيلة بتمكينه من نحت مستقبله ونيل ما يريد بقلب كلّ الاوضاع لفائدته، بما يتّفق مع مفهوم التنمية البشريّة حديثة الظهور. ولا يتسنّى ذلك للإنسان إلاّ إذا  «عرف نفسه بنفسه» كما جاء على لسان سقراط، وتفطّن الى مواطن القوّة فيه ووجّهها الوجهة الصحيحة.

ومن مفاعيل ذلك، أن بات اليوم من البديهيات التي لا يختلف فيها عاقلان ولا ينتطح فيها عنزان كما قالت العرب، أنّ الإنسان- أيّا كان سوء وضعه ومهما كانت الاكراهات والعقبات وقساوة المأساة التي يعانيها- لا تفيده، لا اللطميات والبكائيات، ولا الندبيات ولا حتّى المآتم على  الحظ المنكود الذي قد يلازمه كظلّه في مرحلة ما من حياته،  ولكن ما يفيده، بالتأكيد، ويثري تجربته الحياتيّة، إنّما هو النظر إلى الحياة من زاوية نظر جديدة غير التي كان ينظر من خلالها وأدّت إلى معاناته. ويترتّب عن ذلك -حتما- رسم غاية وتكريس كلّ الجهود لبلوغها وفق منهج مرسوم بدقّة لا يخضع للصدف، في إطار زاوية  النظر الجديدة، بدل التعلّق بالأوهام الكاذبة وتنبّؤات الدجاجلة الهلاميّة أو بالأماني التي لا تتحقّق. وهنا يكتشف المرء أبعادا أخرى للحياة كان يجهلها وتظهر له صورتها شديدة الوضوح بتجلّياتها المختلفة، وما تنطوي عليه من تعدّد للرؤى، متجاوزة للأسوار الحاجبة لرؤية جمال الكون وورديّة المستقبل. ولكن- للأسف- السواد الأعظم من النّاس لا يغيّر زاوية نظره للحياة، ولو باتت شديدة الضيق، فيحكم على نفسه بالعيش في الضيق بما هو عيش ضنك.  ولعلّ من نافلة القول، في هذا السياق، التأكيد على أنّ الحياة رغم أنّها فسيحة طولا وعرضا كما الأرض، إلّا أنّ آفاقها المضيئة، غير المتناهية في سعتها، لا يبصرها بوضوح وجلاء تامّ إلّا  القليلون، الذين ينظرون إلى الحياة من الزاوية المناسبة بما ينسجم مع مقولة «إذا رأيت الصحراء تمتدُّ وتمتدُّ، فاعلم أنَّ وراءها رياضاً خضراء وارفةّ الظِّلالِ“ (1). ذلك أنّ الآفاق الرحبة لا تتجلّى إلّا لغير النمطيين ممّن أومأنا إليهم، الذين يرسمون الغايات، والمناهج لبلوغها ، فضلا عن توفّرهم على جذوة التعويل على النفس لصنع الذات الفاعلة، المؤثّرة، في المجتمع أو بالحدّ الأدنى، في محيطها القريب. ما يعني أنّ هذا الصنف من النّاس، يدخل معترك الحياة ولا يبالي بالمتاعب و يركب البحر ولا يخشى الغرق. وهو لإثبات ذاته يروم امتطاء صهوة المصاعب مهما بلغت من الشدّة والقسوة، ومهما بلغ وخز الأشواك المحيطة به من كل جانب. وهو كذلك يقبل- ساعة الفصل- بنتيجة مواجهة متاعب الحياة، وحيدا، في حالتي النجاح و الإخفاق، رغم نزوعه الشديد إلى النجاح والتفوّق. لأنّ الفشل، بمعنى من المعاني،  إنّما هو حافز للنجاح وأوّل خطوة على الطريق لبلوغه. بهذا المعنى، فهؤلاء لا يهزمهم الدهر، ولا يستسلمون للهزيمة،  ولا يرفعون الراية البيضاء منذ أوّل فشل، لا بل ولو تكرّر الفشل 99 مرّة كما كان الحال في تجارب "توماس أديسون"   Thomas Edison)) التي أدّت  في النهاية إلى اختراع المصباح الكهربائي ، فضلا عن تسجيل أكثر من  1000 براءة  اختراع باسمه.  وهي المقاربة ذاتها التي أيّدها لاحقا  "ألبرت أينشتاين" : (Albert Einstein) بقوله  "المعرفة ليست المعلومات، فالمصدر الوحيد للمعرفة هو التجربة  والخبرة". فالحياة من منظور هذا الصنف من الناس ليست في نهاية الأمر سوى مغامرة - وليست قصيدة كما يرى الشاعر محمّد آدم-(2)  ممتدّة في الزمان كما في المكان، بما هما (الزمكان) (3) بتعبير الفيزياء.

لا أعتقد أنّ أحدا يجادل في  أنّ هذه المعاني -مجتمعة- تكاد تتماهى مع مفهوم العصاميّة كمصطلح يدلّ  منذ العصر الجاهلي على "اعتماد المرء على نفسه حتى ينال الشَّرف والمجد" ويسودَ "بشرفِ نفسِه (فيكون عصاميّا) لا يشرّفِ آبائه" فيكون عظاميّا، كما جاء في المعاجم العربية.

للتذكير، فإنّ عصام بن شَهبَر الجِرمي، حاجب النعمان بن المنذر- أحد ملوك المناذرة قبل الإسلام - هو من نسب إليه هذا المفهوم  بعد أن أشاد به  الشاعر المسيحي، النابغة الذبياني، لإرادته القويّة وعزيمته الفولاذية واجتهاده المستمرّ الذي أهّله عن جدارة أن يصبح من أقرب المساعدين للملك المذكور، وهو الذي بدأ مشواره المهني عاملا بسيطا في قصر النعمان  ثمّ حاجبا له. وقد قال فيه النابغة الذبياني  :

نفس عصام سوّدت عصامِاً ... وعلمته الكر والإقداما

وجعلته ملكاً هماماً ... فتعالى وجاوز الأقواما

وقال فيه الملك النعمان نفسه" إنّ عصام بن شهبر بألف جندي".

 ما دعاني إلى هذا المبحث في العصامية، وهذه المقدّمة التي قد تكون ممطّطة وركيكة لدى البعض هو، بداية، إسهامات العصاميين ممّن عرفوا مكامن القوّة فيهم وطاقاتهم الخلّاقة، فحوّلوها إلى إكتشافات وآختراعات وإبداعات وخدمات جليلة لفائدة مجتمعاتهم، وأحيانا لفائدة المجتمع الإنساني. وقد كان لي شرف الإطّلاع الواسع على السير الذاتيّة للكثير منهم في بعض المؤلّفات الغربيّة  كما الشرقيّة -ولو بدرجة أقلّ- تلك الإسهامات التي كان لها عظيم الأثر في النهضة العلميّة و التقدّم الإنساني في مختلف مجالات النشاط الإنساني عبر الزمان والمكان بما هو الفضاء بأبعاده الأربعة (4) . وما شدّني، ثانية،  هو كوني أنا أيضا عصامي في مجالي الصحافة والكتابة الأدبيّة، باعتباري علمي التكوين والمباشرة العمليّة. وإن كنت من غير صنف المؤثّرين، فأنّ  ذلك لم ولن يثنيني عن ممارستي لهواية الكتابة. تلك الهواية بالغة المتعة، الممتدّة لنحو نصف قرن.

ولأنّي إزاء مبحث غير أكاديمي، والعصاميون كثر -وأكثرهم تأثيرا من الغربيين المعروفة سيرهم لدى الجميع مثل فلتة الدهر "توماس أديسون" سالف الذكر- فإنّي سأكتفي في المقالة القادمة، بعرض نموذج ملهم ووحيد، من العصاميين العرب؛ وهو الكاتب اللبناني النابغة جرجي زيدان، الذي دشّن عالم الشغل، وهو في سنّ الحادية عشرة، بالعمل في مطعم، بما يشبه ما كان لاحقا، حال الشاعر التونسي الموهوب صديقي منوّر صمادح، الذي، إن كتب لي البقاء رغم الوباء، قد يكون مادة لمقالة لاحقة، وهو العصامي الذي دشّن عالم الشغل كعامل بمخبزة، وكان لا يزال فتى يافعا، واللعب أنسب إليه من العمل، فإذا  به يصبح رجلاً غير الرجال وشاعرا غير الشعراء، ويلقّب بشاعر الثورة والحريّة.(يتبع)

 

المهندس فتحي الحبّوبي

..............................

الهوامش

(1) وردت هذه المقولة في كتاب "لا تحزن" لعائض القرني الذي يستشهد بقال الله وقال الرسول،  لكنّه  يسمح لنفسه بسرقة  الكتاب المذكور من "دع القلق وأبدأ الحياة" للأميركي ديل كارينجي، المتوفّي عام، 1955، في تعارض تام مع العصاميّة موضوع مبحثنا.

(2) لأنّ القصيدة  في وجدان الناس ممتعة في كل الأحوال وبالتالي ترفع مستوى هرمونات السعادة لدى المتلقّي: بنسقها الشعري،  وجمال صورها الفنية وكثافتها اللغوية،  ما يفتح المجال أمام الفكرة للتمدّد في ذهن القارئ  ، فيما المغامرة يترتّب عنها الخوف و التوجّس من القفز إلى  المجهول.

 

(3) و(4) الزمان والمكان معا أو الزمان المكاني المعروف باسم زمكان مينكوفسكي (Spacetime) ، بما هو الفضاء بأبعاده الاربعة أي أبعاد المكان الثلاثة من طول وعرض وارتفاع، وبعد الزمن، وهو البعد الرابع.ويرجع الفضل في ذلك إلى نظرية النسبية الخاصة لألبرت أنشتاين التي برهن على صحّتها هندسيّا أستاذ أنشتاين مينكوفسكي الذي اشتهرت بأسمه.

 

 

يسري عبد الغنيعجب من هؤلاء الذين يزعمون كذبًا إن ابن خلدون مؤرخ دون المستوى، وأنه نقل كتابه عن نسخة رديئة من كتاب الكامل لابن الأثير، إن مقدمة كتاب ابن خلدون نتحدث عنها ولا حرج، فمن لم يقرأ مقدمة ابن خلدون، يفوته الكثير والكثير، وإذا أراد المؤرخ أن يكون مفكرا فلا بد من أن يقرأ العبر والمقدمة.

في هذه الأيام نجد أن البعض يتطاول على القامات إما رغبة في الظهور أو رغبة في الإعلام والإعلان، فكما نعلم فإن العقل البشرى لديه المقدرة على إحقاق الحق وإبطال الباطل لكنه في الوقت نفسه لديه القدرة على جعل الباطل حقا، والحق باطلا، وفق زاوية معينة.

في أيامنا هذه كثرت القامات الهزيلة الراغبة في المزاحمة في الحياة والخروج بضوء شارد، يلقى بعض أضوائه على شخصيات معينة، فمن المؤرخ إذًا، ومن عالم الاجتماع الأول في العالم إذا لم يكن ابن خلدون؟!!، وإن مثل هذه الآراء التي تهون من شأن علمائنا وتصمهم وتصفهم بأوصاف هي محض خيالات في أذهان قائليه، ثم تلقى على آذاننا على أنها نتاجات فكر، أو نتيجة بحث عميق كل هذا لا يعطى لأي إنسان الحق في التهوين من عظماء فكرنا وتاريخنا .

يكتب أهل الجزائر الشقيقة عن المكان الذي كتب فيه ابن خلدون كتاب العبر في وسط الجزائر بالقرب من مدينة "تيارت" عاصمة الرستميين، وفيها نرى الروضة الغناء التي جلس فيها "ابن خلدون" والتي يصفو فيها الفكر ويسمو العقل ويرتقى الذهن.

أقول لكم: ابن خلدون علامة فارقة في مجال العلوم، ويكفى فخرا له أن بعضنا يتناولونه بالنقد، نعم ليس إنسان فوق النقد، لكن العيب كله أن ينتفص من قدره، أو أن يقال عليه إنه مؤرخ دون المستوى، وفى النهاية يسمح لي شيخنا ومعلمنا ابن خلدون بأن نقول عنه "جزاه الله خيرا عما قدم للإسلام وللمسلمين وللبشرية كلها".

إن المقارنة بين ابن الأثير وابن خلدون غير صحيحة بالمرة، وذلك لأن ابن الأثير كان مشغولا بالتاريخ العام حتى الفترة التي عاش فيها، بينما ابن خلدون "متفرد" بما يسمى بعلم الاجتماع، وهو أمر قائم على التحليل للحوادث التاريخية.

أما هؤلاء الزاعمين بكون ابن خلدون "مؤرخ دون المتوسط"، بمثابة البحث عن إحداث ضجة بالحديث عن شخصية في حجم ابن خلدون.

ابن خلدون صاحب الفكر الاجتماعي والمعرفي الذي لا ينتهي بالتقادم، بل قادر على التجدد والتعايش مع كل المستجدات الاجتماعية والاقتصادية، وبمعنى آخر مع كل ما تعيشه أوطاننا من أحداث ووقائع، وهذا هو الفكر الأصيل الخالد الصالح لكل مكان وزمان دون إدعاءات أو أكاذيب أو تأويلات .

ابن خلدون هو صاحب الفكر الاجتماعي الأصيل الذي كان نتيجة طبيعية لكل الظروف والملابسات والأحوال التي عاشها الرجل في المعمورة العربية الإسلامية، ونتيجة أيضًا للثقافات المختلفة التي استوعبها وهضمها وتمثلها وأخرجها لنا فكرًا أصيلاً واعيًا .

إذن لا داعي لأن يأتي في أيامنا هذه من يدعي ويزعم دون أسانيد علمية أو أدلة موثقة أو براهين معمقة، يدعي أن ابن خلدون نقل أو أخذ مقدمته من رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا أو من ابن الأثير في الكامل، وبالطبع هذا نوع من الخلط الشديد في الأوراق والبديهيات، فرسائل إخوان الصفا الفلسفية والعلمية لها منطلقاتها وتوجهاتها الثقافية والفكرية التي تختلف تمامًا عن رؤى وأطروحات وأطر ابن خلدون الفكرية، والتي اعترف بأهميتها وأصالتها القاصي والداني ..

ونشير إلى أن هذا الزعم الغريب لم يقل به أحد من المفكرين أو المؤرخين أو الباحثين من قبل، في القديم أو الحديث، حتى أهل الاستشراق الذين لا يوارون أو يجاملون، وتأتي توجهاتهم في بعض الأحايين مستفزة وصادمة، وليس لديهم أي مانع من إيضاح أي مسألة من هذا القبيل، حتى هؤلاء لم يقولوا لنا أو يشيروا مجرد إشارة إلى أن ابن خلدون أخذ مقدمته من إخوان الصفا .

سيظل ابن خلدون دائمًا وأبدا هو صاحب اجتماع العمران، وصاحب فلسفة التاريخ الإنساني، وصاحب تصنيف العلوم والمعارف، يضاف إلى ذلك كونه أول واضع لعلم الاجتماع الإنساني، وليس أوجست كونت أو إميل دور كايم، كما يحلو للبعض أن يقول ويدعي في غيبة أو غفلة منا .

أقول لكم :أن مشكلتنا الحقيقية أننا لم نهتم الاهتمام الكافي والواعي بمشروع ابن خلدون الفكري، أو بالفكر الخلدوني بوجه عام، لم نطوره ونحدثه ونجعل له الآليات الفاعلة على أرض الواقع، لو فعلنا ذلك لارتقينا بفكرنا الاجتماعي بعيدًا عن الانغلاقية والجهل والتخلف ..

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

عبد الجبار العبيديمشاريع أسلامية كثيرة طرحت على الساحة العربية منذ بداية القرن العشرين، ابتداْ بمشروع الاخوان المسلمين ومرورا بمشروع حزب التحرير وأنتهاءً بمشروع حزب الدعوة العراقي بقيادة السيد المرحوم محمد باقر الصدر. كلها جاءت بدعوى تطبيق الشريعة الاسلامية وحكم القرآن في الناس ولم ينجح واحد منها . ولكي ينجح المشروع الاسلامي اياً كان لابد من تغيير جذري، في جوهرالطرح الموضوعي له بعد استبعاد العاطفة الدينية واحلال العقل القرآني الرصين، لينهض الاسلام كعقيدة ومبدأ لا كمذاهب مخترعة وتحويل المذاهب الى آديان وفِرق متعددة ومختلفة في الراي والتشريع .

وحتى تتجدد القيم الدينية العقيدية استجابة للصيرورة الزمنية.. وتستمر مجتمعاتها ويقبلها الناس كعقيدة آيديولوجية طرحت على الساحة العامة للمجتمعات الانسانية مثل العقائد الأرضية الاخرى.. كعقيدة ماركس ولنين في الشيوعية.. وعقيدة آدم سمث في الرأسمالية.. وعقيدة ماو سيتونغ الصينية في الأشتراكية.. ان تكون فلسفتهم واضحة لامذاهب دينية كل يكفر الأخرفي التطبيق.. حتى أنشطر الاسلام الى سبعين فرقة متخاصمة.. هنا فشل الاسلام السياسي في التحقيق.

لماذا حققت تلك العقائد النجاح والتقدم وبنت دولا وقوانين وحضارات، بينما المشروع الاسلامي تراجع وأنحسر حتى اصبح المسلم مقرونا أسمه بالارهاب والقتل والتدمير والتخلف، وهذه حقيقة وليست تهمة موجهة اليه ؟ حين لم يحقق تقدما قانونيا، ولم يبني مؤسسات اجتماعية وسياسية حتى في أزهى عصور الحضارة الاسلامية، بل بقي يحكم بالشمولية والبهرجة المقدسة دون حقوق الناس مستندين الى القدسية الموروثة منه خطئاً.أسباب حقيقية لابد من ان يعكف المختصون على دراستها واسباب بيانها للناس ولمن يدعون قيادتها من جهلة العقيدة والدين معاً، ليعرف الأنسان المسلم المغلوب على امره هل ان الاسلام جاء حاملا لصفة التطور والعقلانية والقانون وحقوق الناس، ام فاقداً لها معتمدا على التخمين الوهمي كما في نظريات ولي الفقيه والمهدي المنتظر وخزعبلات المرشدين واصحاب نظرية قدس سره .. لاسيما وان النص الديني جاء يحمل صفة الثبات الخارجي وحركة المحتوى المتغير الداخلي، لان الغالبية العظمى من آياتة جاءت حدودية غير ملزمة التطبيق الآني، وليست حدية ملزمة التطبيق كما في الوصايا العشر وحقوق الناس . .وليست دعوة على خطى السلف بغض النظر عن مفهوم الزمان والمكان.وما نرى اليوم من تفاسير مختلفة للنص القرآني من الفقهاء الأوائل "ما بين القرن الثاني الهجري والخامس المطروحة على الساحة الذين لم يصلوا آنذاك وحتى اليوم الى مفهوم نظريات الترادف اللغوي في القرآن والى معرفة العلاقة البنيوية بين اللغة القرآنية والتفكير الأنساني.. وان الرسول "ص" نفسه لم يقدم على التآويل القرآني لأدراكه بتطوراللغة المستقبلة وتغيير المعاني العربية لها، وماهي الا معوقات في قلب المشروع الاسلامي اليوم.. كما اعتقد .

نحن بحاجة اليوم الى فقه جديد، وفهم جديد معاصر للسُنة النبوية لتعطينا المعنى الحقيقي من أسلامية المعرفة.. .لكن ذلك لا يمكن تنفيذه الا بعد صياغة نظرية أصيلة في المعرفة الانسانية انطلاقا من القرآن الكريم، ولا يمكن لهذا المشروع الضخم ان يتحقق الا اذا دعم من حكومة تؤمن به على طريقة دعم الخليفة المآمون للمعتزلة في العصر العباسي الاول.، لان المنطق الفلسفي ينتج عنه بالضرورة الحل الفقهي الجديد كما ارادته المعتزلة حين دعت ان القرآن نظرية لا تتعامل مع الفروض بل مع الواقع. فهل نحن قادرون في عصرٍ أصبح الدين في خدمة السلطة كما كان في عصر الأمويين والعباسيين ومن جاء من بعدهم تحقيق مانرغب ونريد.. مستحيل في ظروف الطمع السياسي الحالي الذي فاق كل وصف جديد؟.

ان التوجه نحو مشروع اسلامي متطور يتماشى مع التطور الحضاري لابد من توفر المستلزمات له لتحديد المسار الصحيح الذي ارتكز عليه القرآن وأضاعه التفسير الفقهي للمذاهب المختلفة والمتخالفة.. وهو التقيد بمنهج البحث العلمي الموضوعي، وعدم فرضية اصدار الاحكام قبل دراستها والتأكد من صلاحيتها في التطبيق كما في مشكلة حقوق المرأة في الاسلام.. والتوجه نحو الاستفادة من الفلسفات الأنسانية السابقة للاسلام، والتفاعل المبدع معها.. لترصين نظرية المعرفة الاسلامية وأبعادها عن المواقف الفكرية الجبرية والمتزمتة.. واعتبار ان البشرية من النبي نوح وحتى الرسول محمد "ص" هم من المسلمين، واصحاب محمد هم المؤمنون.. استنادا الى الآية 35 من سورة الاحزاب.. "ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات اعد الله لهم مغفرةً واجراً عظيماً". والكف عن هرطقة مؤسسات الدين. لأمكانية تحويل العقيدة الى قانون لاشعارات عاطفية نغري بها الجماهير، لكي نهرب من تحديات القرن الحادي والعشرين..

وحتى نكون مثلهم لا يمكن ان نحقق ذلك الا من خلال التوجهات التي يجب ان ترتبط بالمنطلقات بغية تحديد المسار، وهذا ما خلت عنه المشاريع الاسلامية السابقة سوى ما كتبه المرحوم محمد باقر الصدر في كتابيه اقتصادنا وفلسفتنا اللذين لم يريا النور بعد اعدامه على عهد صدام حسين عام 1980.ولم يجدا من يروج لهما وفق عقيدة الامامية البعيدة عن المذهبية التي ألصقت بها لصقاً من قبل أصحابها المصلحيين من جهلة الدين.. وبعد ان خانوا مبادئه التي طرحت كبديل لسياسة السلطة الغاشمة.

ان من يدعي ان العقيدة الامامية مذهب فهو عدو لها، هي عقيدة لكل الناس وليس لبعضهم، وتسمية جماعة أهل البيت تسمية خاطئة يجب العمل بكل جدٍ على تصحيحها بعد ان استغلت من قبل مرجعيات الدين، فأصطلاح أهل البيت هم النبوة والائمة والصحابة وزوجات الرسول فهو لكل الناس لا لبعضهم كما في الآية الكريمة :(وقرن في بيوتكن ولاتبرجن تبرج الجاهلية الاولى...... وأطعن الله ورسوله، انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا، الاحزاب 33) الاية الكريمة واضحة ولا تحتاج الى تفسير أو تاويل. ولا يجوز قراءتها مقطوعة لغرضٍ في نفس يعقوب.. وما وجدت المذاهب الاخرى الا لتختصر هذا الاتجاه الموسع المنفتح تحت راية تعدد المذاهب لخدمة الحاكم لا لخدمة الدين، فهل منا من يعي ويصحى على الحقيقة المرة لدرء الخطر الدائم الذي نحن فيه الان والذي أوقعنا في هذا التخلف المريع؟.

ان سر التوقف عن التقدم جاء حين فلسفت مؤسسة الدين القرآن وفق نظرية الحلال والحرام، بدلا من نظرية النواهي والاوامر التي جاء بها القرآن والمؤيدة من الرسول(ص). وبالاعتراف بالاخر كند، عندها نكون قد أوجدنا نظرية الاخلاق التي يطرحها القرآن مبدءً وتطبيقاً، ودون هذه المكونات والمحددات للاطار المطروح قرأنيا لا فقهيالا يمكن ان نكون عقلا او فكرا منتج لمشروع اسلامي مقبول. لا احد من رجال الدين يتحكمون فيه ولا مرجعيات دينية تقدس وتوجه سوى ان رأيها يبقى استشاريا للدولة محددة بالمسائل الشرعية حصراً التي تدخل ضمن أختصاصهم الديني لا غير. وليبقى الحاكم هو الاساس والمحاكم الشرعية والآوقاف موحدة دون انقسام بحجة المذاهب المتعدة والمتخالفة باطلاً.. وفق التنظير القانوني محددا بالقانون، هكذا تقدمت الشعوب حين اتخذت من القانون وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية فيها وحفظت الدين واصوله معاً.

فالتقدم هو فعالية الانسان بابعاد الزمان والمكان والاسلام جاء متقدما زمنيا لكنه اصبح متاخرا زمانا ومكانا لان التربة الصالحة لانباته تبدلت بتربة مغايرة لواقع التحريك التاريخي، فتوقف الفعل عن ادراك النتيجة، بعد ان وفرت السماء المنطلق والتوجه بتحقيق التقوى والتزكي للنفس الانسانية ليكون الفلاح للجميع لا للحاكم المطاع.هنا كانت شخصية محمد"ص" مُمَثلة تماما لهذا التوجه الصحيح، لكن الفقهاء منذ البداية لم يفهموا الرسالة المحمدية ولم يفهموا تأويل القرآن فحولوه الى تفسير لغوي ناقص.. فعجزوا عن التطبيق حين جاؤا بما أوحت لهم تصوراتهم وتفسيراتهم من محدودية التفكير، فاصبح صحيح مسلم والبخاري وبحار الانوار وكانها الحد الفاصل في معرفة الاسلام.

 وسيبقى التخلف يلاحقنا الى ان نزيل هذه العلة ونأتي بالخبر اليقين. 

 ولان السماء هي اهتمام المطلق ونحن اهتمام المحدد، فقد تعارضت النظريتان وتوقف الوعي التاريخي للامة وان بقي العقل الانساني يدركهما متى عرضا عليه، فالعقل مضطر لقبول الحق على ما قاله الشافعي حقاً وصدقاً. لذا فان المشروع القرآني لا يعني التمسك بالسلف واعادة انتاج لنفس الفترة وبكامل مواصفاتها - مستحيل لأن الزمن لا يرجعالى الوراء-لاننا هنا نحن نلغي الزمن ودوره في عملية التغيير، كما لايمكننا ان نلغي مفهوم المتغير الاجتماعي من وجهة نظر جدلية تاريخية .هذا المفهوم يلغي النظرية السلفية القائلة بالغاء نظرية الزمن والتاريخ.. فاين لنا من حاكم شجاع ينفذ الصحيح.. ؟

القرآن لم يطرح نظرية الفرض الفكري بل الاختيار والحرية (لكم دينكم ولي دين يقول الحق :"وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفرانا أعتدنا للظالمين نارا" سورة الكهف 29" ولم يقل للكافرين.. فمفهوم الكافر هو الظالم.والقانون والعدالة الاجتماعية بدلا من الرأي والكيفية (أعدلوا ولوكان ذا قربى، الانعام 152والاية حدية التنفيذ)، بدلا من الحاكمية الدينية التي لم يفهموا مقصدها وفق (الاية 258 من سورة البقرة.. ان الله لا يهدي القوم الظالمين.)، فعدوها مطلقة، كمطلقية لا اله الا الله؟ "والاية.. وأطيعوا الله والرسول وآلوا الأمر منكم "وهم لم يفهوا التآويل لكلمة ولي الأمر الذي هو الجماعة وليس الحاكم.. فعدوها حاكمية.. ؟

هنا فالعودة عبر الزمن مستحيلة، فالقرآن يعطينا الحرية في التصرف في الغاء ما يمكن الغاؤه حسب مقتضيات الحال باستخدام القانون في التغيير لا التصرف الكيفي في حقوق الناس كما يريده الحاكم الظالم مُسندا من سلطة الدين.. ، وسيظل التطبيق الرسولي هو الاسوة الحسنة في التعامل مع نظرية التطور المجتمعي(ولكم في رسول الله اسوةً حسنة)، هذا الذي لم يدركه من جاء بعد محمد "ص"، حتى الخلفاء الراشدين يجب فحص الثوابت التي عدوها ثابتة في عهدهم دون تردد لانها ليست هي خاتمة المطاف في الاسلام ولانهم ليسوا من المعصومين الذي لا يخترقهم الخطأ، ولانها ليست مقدسة بمعنى التقديس المطروح كما عند الشيعة الامامية التي تدعي مرجعياتها بالسر المقدس والقرأن يقف موقف المغاير لهذا التوجه، يقول الحق" :ان الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلاً آولئك ما ياكلون في بطونهم الا النار.. .ولهم عذاب أليم، البقرة 174"

..

بعد اختتام الرسالة كان المشروع الذي قدم للبشرية قد اكتمل ولم يبق منه الا التطبيق العملي لدخوله مرحلى التطبيق العقلي لا الديني.. فلم يعد المشروع الاسلامي له علاقة الا بالعدل والاستقامة وذكر الله بعد ان صار العقل حرا، هذا ما عرضه محمد "ص"على الناس ولا غير ابدا(لا تكتبوا عني.. ومن كتب غير القرآن فليمحهُ.. أنظر الرقائق في الآحاديث رقم 5326).. لان محمدا كان مكلفاً بنقل الرسالة للناس وليس بصانعها(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل أليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس، المائدة 67).

ويبقى حجر الاساس هو علاقة الانسان بربه لتحريره من العبودية الفرعونية اي الدكتاتورية المطلقة، فلا حزب اسلامي.. ولا مجلس اسلامي.. ولا حكومة اسلامية ابدا، بل توجه مدني قانوني بثوب اخلاقي مستمد من الاسلام وفق التنظير التأويلي الصحيح.وبذلك يصبح كل الناس متساوون في الحقوق والواجبات.فلا حاكم ولا محكوم الا بالعدل والقانون.

هذا هو المشروع الاسلامي الذي طرحته السماء للارض فهل سنقرأ ونعي ما طالبتنا به السماء، وليس ما نقلناه عن اهل البيت والصحابة جزافا عن الفقهاء المبتكرين لكل جديد يخدم السلطة السياسية لا الدين.. ام نبقى نفلسف الأراء حسب ما نريد؟.

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

بليغ حمدي اسماعيلكم كانت وعود الثقافة كاذبة، بل أشد كذبا حينما استطاعت عبر أبواق إعلامية زائفة طيلة عقود طويلة منصرمة بأنها كفيلة بإعادة العقل العربي إلى رشاده المرغوب، وكم كانت بمنأى عن استشراف أفلاك التيارات الراديكالية التي باتت تتعملق منفردة وسط ثقافات تتدعي التجديد والتنوير، وهي في حقيقة الراهن المُعاش لا تملك درعا وسيفا لمواجهة الظلامية في الرأي المتطرف، وفتاوى التحريم ودعوات تكفير العامة والخاصة على السواء، والإرشاد الديني المسيس، وسياسات الترهيب والترغيب والتهذيب أيضا التي تتبعها جماعات بدأت دينية الفكر ثم تحولت بفعل روافد شتى إلى تيارات سياسية وانقضى أمرها تماما حتى صارت جماعات مسلحة تستبيح بغير استحياء مقدرات شعوب وأمم ارتكنت إلى ثقافات صوتية زائفة.

ويقين الثقافة الزائفة في مواجهة كل فكر خارج عن سياق العقل هو ما أشار إليه المفكر المصري الراحل الدكتور زكي نجيب محمود في كتابة الماتع " رؤية إسلامية " حينما قال: والتطرف في الفكر وفي العقائد، ما هو ؟ هو أن تختار مسكنا فكريا أو عقائديا لتقيم فيه راضيا عن نفسك، ولكنك لا تريد لغيرك أن يختار لنفسه ما يطيب له أن يسعد به من فكر وعقيدة، بل تلزمه إلزاما ـ بالحديد والنار أحيانا ـ أن ينخرط معك تحت سقف فكري واحد" .

ولعل ما أشار إليه الدكتور زكي نجيب محمود وذكره هو مفاد العراك المستدام بين دعاة التجديد من أبراجهم العاجية دون انخراط أو مزاحمة مع العوام وبغير مواجهة مباشرة مع أهل الفكر المتطرف، والعزلة الأيديولوجية التي فرضها على أنفسهم أنصار ومريدو التيارات عقيمة التجديد والتنوير. فلكل فريق من الفريقين وجهة منعزلة عن الآخر هذا ما أحدث الهوة السحيقة بين خلل قائم وتنوير لا يتم .

وفشل المواجهة الثقافية مع أئمة وأقطاب الراديكالية الدينية مفادها استخدام أسلحة أيديولوجية ماضوية لا تتزامن مع توقيت الحدث الراهن، فضلا عن أن فكرة استحضار الماضي وقصصه والتمجيد المطلق لرموز التنوير والتجديد دون التطرق لقضايا المواجهة نفسها من فتاوى عجيبة أو ظواهر اجتماعية مريبة كجهاد الحب والنكاح وغيرهما هو سبب وجيه لفشل الثقافة المستدام في معركة التنوير، وبالرغم من أن تجديد الخطاب الديني هو طموح مشروع حقا، إلا أن مستخدمي المصطلح أنفسهم يعانون من قلق المواجهة والمزاجية في التناول والطرح أيضا.

والظاهرة التي ينبغي التركيز عليها في صدد الكلام هي مزاجية التجديد لدى دعاة العصر وبعضهم غير متخصص من الأساس في التأهيل والتكوين والطرح أيضا مما يجعل مجمل أفكارهم بالضرورة مغلوطة بل ومشبوهة، ولقد رصدنا موجات التجديد بوجهيه السلبي والإيجابي على مرحلتين ؛ الأولى عقب المد الديني السياسي الذي تزامن مع الصعود السياسي الرسمي لجماعة الإخوان في مصر وتونس على وجه التحديد، فكانت المؤلفات الدينية التي باتت تعيد إنتاج الماضي بصورة معاصرة لكنها لم تخرج عن ثقافة النقل وسياسة السمع والطاعة بغير إعمال للعقل لنصوص السلف لاسيما النصوص التي لا تتوافق مع سياقها التاريخي اللاحق لكتابتها .

كذلك الفضائيات التي اجتاحت المجتمعات العربية ببرامجها التي تناولت قضايا تجديدية مغايرة للعقل الطبيعي مثل إرضاع الكبير، والزواج من القاصرات الصغيرات وكافة قضايا النكاح والطلاق والسفور والتبرج وكأن الإسلام من وجهة نظر هؤلاء اقتصر على قضية المرأة في الحياة وشهدت هذه البرامج مساحات طويلة من المهاترات الثقافية التي إن دلت فإنها تدل على سطحية الضيوف وضآلة الثقافة الدينية وابتعادهم عن مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة.

أما الوجه الإيجابي فكان أيضا مزاجيا ن وهو مد ديني صاحب ثورة الثلاثين من يونيو في مصر في نفس توقيت الإطاحة بجماعة الإخوان في تونس وهي إطاحة تمت على استحياء بغير وجهٍ واضح، هذا الوجه تبارى من خلاله الكثيرون من غير المتخصصين أيضا في الظهور إعلاميا بغرض المناداة بتجديد الخطاب الديني وضرورة تطوير الفكر الديني لمناسبة الواقع . ورغم أن توجه الدعوة كانت إيجابية إلا أن أصحابها فشلوا في تمكين أفكارهم التجديدية لأنهم راحوا يهاجمون التراث الديني ويطعنون في الرواة الثقات للحديث النبوي ن وباتوا يحيكون مؤامرات كما كان يفعل أنصار الأفكار الراديكالية ضد مخالفينهم، وبعد سنوات قليلة مرت ذهبوا ونسوا أمر التجديد وبالتالي ارتبط التجديد للخطاب الديني لديهم بحالاتهم المزاجية فقط دون يقين التوجه والمقصد والاعتقاد بضرورة التجديد.

وبين التوجهين السابقين الإيجابي والسلبي نظريتان تحكمان فكر كل توجه منهما ن فتوجه الجماعات الراديكالية صوب التجديد حكمته نظرية " الكمون "، وهي نظرية نقدية تشير إلى أن المجتمع يكمن في النص، وليس المقصود هنا بالنص القرآني المحكم والمقدس غير القابل للنقد أو الحكم على صحته فالقرآن الكريم نص قاطع ملزم، إنما المقصود بالنص هو ما كتبه المتقدمون في الزمن أي من جاء في العصور السالفة، ورأى أصحاب هذه النظرية أنه على المجتمعات المعاصرة أن تلتزم بما جاء في نصوص السلف دون النظر إلى سياقات التاريخ والجغرافيا وطبيعة الحياة الاجتماعية التي سطرت فيها نصوص ذلك الزمان البعيد.

أما النظرية الثانية الحاكمة للتوجه الإيجابي المزاجي، فهي نظرية الانعكاس،وهي نظرية مغايرة لنظرية الكمون، فهي ترى أن الفكر الديني هو انعكاس لحركة المجتمع وحراكه التغييري . وبين نظرية الكمون ونظرية الانعكاس، وهذا ما لم يرتبط بمزاجية التجديد نشهد غيابا واضحا لحضور النص المحتمل، والمقصود به أن يستشرف المجددون واقع الفكر الديني المستقبلي وهو ضمن الدراسات المستقبلية التي تحفل بها الدراسات والبحوث العلمية الغربية لكنها غائبة أيضا في علومنا العربية وأبحاثنا العلمية الراكدة التي لم تغادر جنبات المعامل البالية فقيرة الإمكانات والرؤى أيضا .

ووفقا لنظرية النص المحتمل وهو الوجه الثالث لوجوه التجديد، فإن المفكر والمجدد حسب تخصصه الشرعي والديني واللغوي من شأنه أن يستشرف واقع الفكر في السنوات المقبلة، ووضع تصور مقترح لحراك المجتمع وإدراك مقاصد الشريعة الإسلامية لحركة المجتمع وتغيره وتطوره الطبيعي والاستثنائي، هذا الاستشراف هو الذي يضمن ثمة نجاحات منها ضمان استقرار المجتمعات العربية دينيا وفقهيا، ومنها ضمان عدم انزلاق المجتمعات العربية في مغبة الجدل والجدال العقيم غير المنتج .

ولكم تمنيت أن يكون رجل الدين الحقيقي المتخصص متعصبا للدين، ورجل العلم الحقيقي وليس الموظف الأكاديمي متعصبا لعلمه، أقصد التعصب الذي ينتج فكرا ويعمل عقلا ويبني مجدا وفق أسس وركائز، رجل دين يقرأ تاريخه الثقافي والديني بعقل مستنير وبعدسة ثالثة تمنحه حق تقرير الصواب والخطأ فيما يقرؤه من نصوص تاريخية وكيفية إيجاد صلة قوية بين واقعه وكيفية تطور تلك النصوص ومدى صلاحيتها لمعالجة راهن قد يكون أقرب للغيب مثله مثل المستقبل .

ورجل علم حقيقي، يكافح من أجل الإنسانية لا من أجل الترقي الوظيفي والحصول على منصب رسمي زائل، وذاك يدخل معمله وهو متسلح بثقافته العربية أولا والتي من أجلها سيخرج من معمله بمنتج يخدم واقع هذه البيئة، وكُبرى مشكلاتنا العلمية أن علماء الكوكب وأساتذة المجرة العربية يتبارون في نشر أبحاثهم المقتبسة في كبريات المجلات العلمية ذات التصنيف العلمي الفائق، دون أن تكون لديهم أدنى فكرة عن مدى نفع أبحاثهم في بيئاتنا العربية التي هي في أمس الحاجة إلى علم وعلماء . لكن تبقى الفاجعة أن هؤلاء لا يزالوا رهن علوم العصور الوسطى، وكم أنا صادق الدعوة في إلغاء كل احتفالات المؤسسات الأكاديمية والعلمية بالدول العربية هذا العام بعيد العلم، فالحجة معلومة والعلة حاضرة والسبب حاضر بقوة أن علماءنا جميعا وهم صوب مواجهة جائحة كورونا لم ينجح أحد !.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية ( م )

كلية التربية ـ جامعة المني

 

 

 

يسري عبد الغنييأسف كل مثقف حقيقي أن الإنجازات الفردية في مجال الدراسات أو الإبداع ما زالت هي المسيطرة على كل مناحي الحياة الثقافية العربية، إذ ككل عام نحاول أن نرصد إنجازًا عربيًا نتعاون فيه نحن جميعًا كمثقفين عرب، عبر همّنا المشترك، فلا نجد ذلك .نعم هناك جوائز أدبية عديدة ورغم ما يثار حولها من جدل، فهي نوع من التحفيز المهم لأولادنا من الشباب المبدعين، وكذلك معارض الكتب العربية، والندوات الثقافية والفكرية، والمؤتمرات النوعية، آملين أن تتاح الفرصة لكل أهل الثقافة في المشاركة بعيدًا عن نفس الوجوه التي ألفناها وحفظناها ومن الممكن أن نردد عن ظهر قلب كل ما يقولون في أي فعالية”.

أعتقد أن ظاهرة الورش التي تعلّم الكتابة أو الفنون الأدائية من أبرز الظواهر التي انتشرت بشكل كبير، أن هذا موجود في الغرب، ويعود بالفائدة على الناشئة أو من يريد أن يجود في إبداعه، ولكني أطالب بأن يكون من يحاضر أو يدرّب في هذه الورش صاحب خبرة وثقافة واسعة.

يأسف المتابع لواقعنا الثقافي من المنجز الثقافي الذي لا يعبّر عمّا نقابله من تحديات على المستوى المحلي أو الإقليمي أو العالمي. أما فيما يخص الأدب النسوي أو النسائي، فهو في نظر ي حقيقة واقعة لا جدال فيها، ومهما كان الرأي، فالمرأة خير من يعبّر عن معاناتها وشواغلها، ولكن البعض يقول إن كاتبا مثل إحسان عبدالقدوس عبّر عن المرأة كما يجب، لكن ضيفنا يقول إن الظروف اختلفت والحياة دخلتها العديد من المستجدات، ومن هنا فخير من يعبّر عن شواغل واهتمامات وأفكار وتطلعات المرأة هي المرأة نفسها، ويلفت هنا إلى أن أعمالا عديدة لكاتبات متميزات ظهرت خلال هذا العقد والعقد الذي قبله.

وحول التنمية الثقافيةأقول “إنها منظومة لو وعينا مفرداتها لسرنا في طريق التنوير والتقدم والرقي، ولا مكان لنا تحت شمس الحضارة التي كنا من صناعها إلا باستراتيجية ثقافية عربية ترتقي بكل مواطن عربي، ومفهوم التنمية الثقافية غائب عنّا رغم أننا نعيه وندركه جيدًا، ولكنّنا في شغل شاغل بمعاركنا الجانبية من أجل منافع زائلة لا تجعلنا نتقدم بل تعود بنا إلى الوراء”.

ولا شك أن ما نعيشه من انفجار معرفي وثورة اتصالات وتقنيات تكنولوجية وتواصل اجتماعي لا حدود له، كان له أكبر الأثر على الثقافة، فهناك إيجابيات لهذا الواقع أهمها المعلوماتية التي أصبحت جزءًا فاعلًا من حياتنا، والنشر الإلكتروني، وفي نفس الوقت كان ذلك على حساب الجودة والتجويد في الإبداع والدرس والأنساق الفكرية.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

صادق السامرائيالمأمون هو الخليفة العباسي السابع تولى الخلافة (198-218) هجرية وعمره (28)، وماتت أمه في نفاسها، إهتم أبوه بتعليمه وإعداده، وأدّبه جهابذة عصره، وعني بالفلسفة والعلم وتكبّر وتجبّر بهما، وتسبب بتداعيات أزرت بأعلام الأمة. ومن خطاياه التي أثرت في مسيرة الدولة العباسية :

أولا: قتل الأمين

الأمين خليفة عربي هاشمي أصيل، تولى الخلافة بعد وفاة أبيه هارون الرشيد، الذي لم يكن على قناعة كاملة بقدرته على القيادة، لكنه خضع لإرادة الهاشميين، وكان عمره (23)، وخلافته (193-198) هجرية، وقتل وعمره (28) وبقتله أصيب العرب بضربة موجعة، وضعف دورهم في الدولة والجيش وتسيّد عليهم غيرهم.

والأمين إستمع لمن أذكى الخلاف بينه وبين المأمون، ويُتَّهم وزيره (الفضل بن الربيع)،  الذي خشيَ على فقدان منصبه إذا تولى المأمون فشجعه على خلعه من ولاية العهد. كما أنه في بداية خلافته أعفى أخاه (القاسم) من مسؤولياته في زمن أبيه، والذي هو ولي العهد بعد المأمون حسب عهدة هارون الرشيد

ويُذكر إنه كان منشغلا عن الخلافة باللهو واللعب وأقرب إلى التهور.

ويبدو أن المأمون قد أحاط نفسه بمَن يثق بهم ويأمنهم على حياته وسلطانه، ومال نحو توجهات تسببت بتداعيات وخلافات وإنشقاقات دامية.

فالمأمون كان واليا على خراسان وهو دون العشرين، وبجندها إستطاع أن يتقدم إلى بغداد ويحاصرها ويقضي على الأمين، الذي قتله وفتك بذريته (طاهر بن الحسين)، وأرسل برأسه إلى أخيه، ويُقال أن المأمون قد تألم لرؤية رأس أخيه، وغضب على قاتله وأنكر فعلته، فكان يريده حيا!!

ثانيا: خلق القرآن

بدعة رفع لواءها المعتزلة بقيادة القاضي الفقيه (أحمد بن أبي داؤد) تسببت بمقتل وتعذيب وإهانة العديد من أعلام العربية والدين، الذين يتهمون بالزندقة لعدم إقرارهم بخلق القرآن، وإستمرت المأساة حتى نهاية حكم الواثق، أي في زمن المأمون والمعتصم والواثق، وكانت فتنة فتاكة عمياء.

 البدعة التي لا تنفع الدين، تسللت إلى وعي المأمون المغرم بالمعارف الفلسفية والعقلية، وتمكنت منه وأجبرته على إتخاذ الفقيه المعتزلي ليكون له الحَكم الفصل في تقرير مصير ألمع علماء الفقه والدين في زمانه ، ومن واجبهم أن يتبعونه ولا يخالفون رأيه.

ثالثا: جمع معارف الدنيا في بيت الحكمة

كان المأمون مولعا بترجمة كتب الأمم الأخرى وجمعها، فجلب ما أنتجته العقول من المعارف ووضعها في بيت الحكمة، ولم يفكر الخلفاء من بعده بإنشاء كمثلها في البصرة والكوفة، وغيرها من المدن المعروفة بنشاطاتها المعرفية، وعندما دخل هولاكو بغداد أحالها إلى عصف مأكول.

وبهذا عن غير قصد جنى على الثقافة البشرية، لأن معظم علوم الأجيال السابقة قد ضاعت وأتلفت.

"لو لم تُحرق كتب المسلمبن لكنّا نتجول اليوم بين المجرات"

رابعا: تقريبه أحمد بن أبي داؤد

الذي إستولى على الخلفاء من بعده، وبموجب ما يراه تم النيل من المئات من أعلام الثقافة والفكر والفقه، فهو صاحب بدعة خلق القرآن، ومن لايقر بها توجه له تهم الكفر والزندقة ويقطع رأسه أو ينال عذابا قاسيا، وبسببه قُتِلَ الأبرياء دون مسوّغ مبين.

فكيف إستطاع أن يقنع المأمون بهذه البدعة، ليتخذها منهجا لحكمه؟!

وهي من أخطر مساوئ إعمال العقل في النص الديني وتأويله وفقا لرؤى قاصرة ذات أهواء، فخلق القرآن يستند على " إنا جعلناه قرآنا عربيا"، والتأويل أن ما يُجعل مَخلوق!!

وبدأ المأمون بإمتحان العلماء الأجلاء، فأرسل رسائل مطولة ومفصلة إلى ولاته بهذا الشأن، وقهر العشرات منهم وروعهم وقتلهم، لأنهم لا يوافقون ما ذهب إليه (أحمد بن أبي داؤد)، والذي ربما كانت غايته الخفية السلطة والتحكم بمصير المسلمين، وتأكيد ما يراه في مذهبه الذي صار وسيلة للنيل من الناس بإسم الدين.

فهل كان (أحمد بن أبي داؤد) منافقا متبرقعا بالدين، ويعبّر عن نقمة ونوازع سيئة ضد الدين؟!!

هذه الخطايا التي إرتكبها المأمون تسببت بتداعيات كبيرة، أثرت على مصير الدولة العباسية، وتفاقمت تفاعلاتها وأودت بحياة الكثيرين من أبناء الأمة.

بل أن توجهه الفلسفي والعقلي المتطرف وأحيانا المنغلق أصاب الأمة بمقتل، وكان من أهم العوامل التي أنجبت العديد من الفرق والجماعات ودفعت إلى تأويلات، وأهواء معقلنة آذت الدين.

 

د. صادق السامرائي

 

إن مراجعة النموذج التنموي المغربي تستوجب تمكين المجتمع المغربي من الحق في قيم حياتيَّة تَرصُّ البُنْيَانَ الثَّقافي الوطني، تُتبِّثُ الأمَلَ، وتُحَفِّز على التَّزَوُّدِ بمفاهيم العمَل الجديدة واكتساب المَهَاراتِ المُستَجَدَّة، كَي تساعِد على الارتقاءِ بالوطَن والسّيرِ به نحو الصُّعود. وذلك بِكَسبِ رِهانِ استِكمالِ بناءِ مغربِ المسَاواةِ للجَميعِ، عبر تًوْطيدِ الثّقةِ والمكتسباتِ والتَّسْريع الاقتِصادِي والنَّجاعَة المؤَسَّسِيّة دُونَ الانغلاق على الذات. بالتالي تُشَكل الوثبة التّثْقِفيّة مَدخلا أساسيا لإنجاح المرحلة الجديدة التي لن تكتملَ إلاَّ بِوَثْبَة جَيْلٍ ثَقَافي جديدٍ مُبْتَكَرٍ ومُبْدِعٍ، جَيْلٍ مَغربي يُنَاضلُ من أجلِ تَقَدُّمِ الوَطَن، ولِمَصلحَة تحسِينِ مُحيطِ عَيشِ الموَاطناتِ والموَاطِنينَ.

كَمَا لا مجالَ لِحُسْنِ تَداولِ مَفاهِيم التّنميَّة والديمُقراطيّة والحُرية عَدَا رَحابَةَ الفَضاءِ المشْتَركِ المؤَسَّسِ بدَوْرِه على أَوْتَاد الجوابِ الثقافي العَميق المُنْبَعِثِ من رمادِ المجتمع السّحيقِ، والمُرتَكِز على مبدأ التَّعَدُّدِيَّة المتَسَاوِيَّة في تَنميَّة الوَعْيِ والذَّوْقِ وتَقوِيَّة حِسِّ التَّمَدُّن والتَّربيَّة على المواطَنَة. فَهوَ ذاتُ الجوابِ التَّشَارُكِي الذي يضمنُ القُدرَة علَى إلتِئَامِ جميعِ مُكَوِّناتِ المجْتَمَع المغرِبي لِرَفْعِ تحَدِّيَات مرحَلةِ التِّقْنية العَالية، والإنطلاقِ بأملٍ مع العملِ لتَجديدِ النمُوذج التَّنمَوِي المغربي والتَّقليصِ منَ الفَوارِقِ الإجْتماعِيَّةِ والمجَاليَّةِ.

مِثْلَما يضمنُ لنَا – دونَ خوفٍ أو تَردّدٍ – إِحلالَ القِيَم البَنَّاءة والمنَاهِج العِلميَّة الرَّائِدَة التي تجْعَل منَ الرَّقْمَنَة التَّعليميَّة وَرْشًا عُمُوميّا مُنتِجًا لأجيالٍ ثَقَافية جديدةٍ، وفقَ إستِعَاضَةٍ إِصلاَحِيَّةٍ مَحَلِّيَّةٍ ثاقِبَةٍ تَعمَلُ علَى تَطوِيرِ دِينَامِيَّةِ المجتمَع المحَلي ومُؤَسَّساتِه القَريبَة وتَفاعُلِ العَلاَقاتِ الثَّقافِيّة والاجْتِماعِيّة والاقْتِصادِيّة المحليَّة معَ زَمَنِ الرَّقْمَنَة السَّائِلَة وتِقْنِيَّاتِ الذّكاء الاصْطِناعي. إذْ يَستَحِيلُ الإنتماءُ المُوَاكِبُ لِسُنَنِ التاريخِ البَشَري، والإنخِراطُ المُشَارِكُ في رَسمِ الفُسَيفِساء الحضاري العالمي عَدَا بتَقديمِ الإضَافَة النَوْعِيّة للمَنتُوجِ المَحلِي وإعادَةِ تَحْديثِ شَخْصِيَّتِهِ الأَصِيلَة.

و لَعَلّ كوارِثَ التَّنافُرِ والتَّضَادِّ والتَّدَابُزِ القِيَمِي والسّياسي الاجتماعِي والتَربَوِي داخلَ الوَاقِع الإفتراضي المغربي. بالإضافَة إلى فَواجِع الإِنْزِلاقاتِ الاحتِجاجيّةِ، وفَظاعَاتِ التَّفاوتاتِ الطَّبَقِيّة الصّارِخة، وشُيُوعٍ مَظاهر الرِّيعِ الفَظِيعِ. ودونَ التَّغافُلِ عن مَصَائِبِ العَقْلِيَّاتِ الجامِدَة والتَّصَرُّفاتِ البَاليّة المُحْبِطَة، وخَسائِر إهْدَارِ الوَقْتِ والجُهْدِ والمالِ. جَمِيعُهَا مَشاهِدٌ تَخْتَصِرُ التَّعبيرَ عن النَّواقِصِ الجَسيمَة، كَيْ تُوَضِّحَ بِجَلاءٍ تَقَادُمَ الجوابِ الثّقافي الحَالي الذِي يَعيشُ علَى حَصيلَةِ الفَشلِ في بناءِ حداثةٍ مَغربيّةٍ سَليمةٍ تُخلِّصُ المجتمَع المغربي من تَفشِّي أَمراضِ التَّوَهُّمِ والعَجْزِ والتَّواكُلِ والاسْتِيلابِ المُريعِ. حيثُ غَلَبَت مُؤَثِّراتُ الدُّونِيَّة الثقافيَّة وطَغَتْ مظاهِرُ التَّبدِير الاستِهْلاكي الساذَج، وسَيْطَر التَّعَصُّب الأعمى على مَفاتيح الرّحمَة، وانتَشَر الخطابُ العَدَمي المُحْبِط المُؤَدِّي إلى سَعير تَسْفيهِ وإفْشَالِ الإصلاحِ المُنْقِذِ للهندسَة المؤَسَّساتيَّة الدُّستورِية.

مِثْلَمَا فَشلَ الجواب الثقافي المُتَجَاوَزُ في بناءِ حداثةٍ بَنَّاءة تجعل الإنسان المغربي قَادِرًا على المشارَكة في زمَن الثورة التكنولوجيا العالية، من موقع مَحلّي فاعل مُعتَز بِشَخْصِيَّتِهِ الثقافيّةِ المُنفتِحة، نَاهِضٍ بِالتلاقُحِ الحضاري وتَبادُل التأثير بما يؤشر على البصمة الثقافية المغربية، التي تُعَزِّزُ فَرَضِيَّاتِ الاختيار الحُرِّ المُبادِر كأساس للتَّغيِير الإجتمَاعي المُناسب، وتُجَدِّدُ قِيَمَ العَمَلِ والمسؤولية، والاستِحقاقِ وتكافُؤ الفُرَص، بما يتَنَاسَبُ مَعَ سياقِ الطفرة الإنسانية الجديدة .

إن تَبْريزَ النموذج التَّثْقِيفِي المغربي يَرتبِطُ ارتباطًا غير مُنْفَصِلٍ عن وَاجبات إنجاحِ وَرْشِ الجِهوية المُتَقدِّمَة، والذي يَتَطلَّبُ تأهِيلاً ثقافيًّا رَقْمِيَّا للموارد البشرية (مُنتَخَبين وإداريين ..)، حتّى تَتمكَّن من ممارسة الإختِصاصَات الموكولة إليْها بما يَفرِضُه مبدأ التَّفْريع كَتِقْنِيّة دستوريّة لتنظيم عملِ مؤسَّسات الجماعات الترابية. فَلن يستقيمَ صِراطُ الديمقراطيّة المحليّة وتقريب الخدمات الإدارية عدَا بتَرسيخِ ثقافة الرَّقْمَنَة قصد تَثْبِيتِ اللاَّمَرْكَزِيَّة واللاَّ تَركيز وتغيير العَقلِيّاتِ، والاعتماد أساسًا على احتضان السّاكنة المحليّة لثقافة المَأسَسَة والتَّعاون الجماعي ورعاية الحقوق الأساسية المُشتركة، وإشراكِ النسيج الثقافي الاجتماعي في تنزيلِ الهندسة الجديدة لتَنظيمِ سُلطة الدولة على مجالها الترابي بما يلائِمُ خصوصياته الثقافية المتعددة وبما يتَعَايَشُ مع ثورة التكنولوجيا العالية.

لذا نعود من أجل التأكيد على أنَّه واهِمٌ من يعتقد أن خَلْفِيَّتَهُ الثقافية ومَرْجِعيَّتَهُ الفكرية هي الضامن الوحيد والأَوْحَد لِابداع الحلول المناسبة للمشاكل التنموية والاجتماعية وتطوير المنظومة التَّحديثِيَّة وإصلاح أعطاب الجهات الترابية.

هذه الأخيرةُ تستَوجِب وثبةَ الثقافات المحلية المغربية نحو العُمقِ الإبداعي البارِع والمدَى الرقْمي الواسع . وذلك من خلال اعتماد نَهْجٍ تَثْقِيفي مُتعَدد الأبعادِ وحاملٍ لأَثرِ التكنولوجيا العالية بِصَبيبِهَا الذي يَسْري بين عروقِ فئات المجتمع بتنوع تَمَايُزَاتِهَا المَحلية. نهجٌ تَثْقِيفِي لا يربط فقط النتائج بالمُقدِّمات، بل يعمل على جعل قلوب الثقافات المحلية مُتَضامِنة، وعقولِها مُؤَهَّلَة لحِقبَة التَّعَلُّمِ الآلِي، وسَوَاعِدِهَا قادِرَة على حَمْلِ حُلُمِ الوطن المغربي المُوَحَّدِ واللّحَاقِ بالركب الحضَاري المُتَقدِّم.

1- لماذا الجواب الثقافي الجديد؟

ننطلق من مَفْهُومِ الإستِعَاضَة التِّقْنِيّة بما هي تعبير حُرٌّ عن تطوير مُستَمر لآلياتِ التفكير داخل بُنَى الثقافات المحلية. حيثُ يدفَعُنا للتَّنْبيه إلى أنّ الإسقاطَ السياسوي غير المُعقلَنِ لصراع أَيْديُولُوجياتِ: "الحَداثَة المَفْرُوضَة" و"التَّدَيُّنِ الحَاكِمِي"، لم يعمل باستِحضَارِ المصلَحة الثّقافيَّة الوَطَنِيَّة العُلْيَا . ممَّا أدّى إلى ضُمُور العديد من التَّخَصُّصَاتِ المَعْرِفية والرَّوافِد الفكريّة. وتَسَبَّبَت جَاهِلِيَّة الصراعِ في إقصاءِ العُقُول الوَطنيَّة المَنْسِيَّة التي تتَوفر فيها معاييرُ الفِطْنَة والتَّمَرُّس والخِبْرة والتَّجَرُّدِ، مع القُدرَة على التّناغُمِ مع نَبْضِ المجْتمع وانتِظَاراتهِ المستَعجَلة.

هذا الإسقاطُ الأجوفُ يجسِّدُ أَبْرَزَ الأسبابِ الجوْهَريّة في شَلَلِ الإصلاحِ الدّيمقراطي التنموي بالمغرب. حيثُ فاضَ إناءُ تَطَاحُنِ النُّخْبَة المُسَيْطِرَة وكانت تَداعياتُهُ هَدَّامَةً بانْتِشارِ سُلوكٍ مجتمعي تَبريري تَوَاكُلي غارِقٍ في التَّماطل والتَّخاذُل عن التَّعَلُّم النَّافِع، سُلوكٍ مجتمعي عاجزٍ على تَعبيدِ طَريقِ التَّطويرِ الذَّاتي للشَّخصيَّة المغربيّة، وتَأهيلِ رَأْسِمالِها اللاَّمادي قصدَ احتِضانِ مَشروعِ الصُّعودِ المنْشُودِ . وذلك عبر إجتِنَابِ عيوب الرَّبْطِ الميكَانيكي لإنجازِ الإصلاحِ بِمَرجِعيَّةٍ أَيْديُولوجيَّةٍ وَحيدةٍ مُحدَّدة ومُنْغلِقة زَمَكَانِيًّا. لأنَّ جَدوى القيَم التَّنْوِيرِيَّة تُدْرَسُ منْ مَحَلِّيَتِها إلى كَوْنِيَتِهَا، في إرتباطّ بحاضِر الإنسانِ في إِنْفِرَادِهِ وفي ضرورة الآخر بِوُجُودِهِ، وذلك تَكْريسًا لمبدأ الإختلاف القائم على الإيمان بالمُغايَرَة وإحترَامِ التَّنَوُّعِ.

لأجل هذا ؛ يؤسس مفهوم الإستِعَاضَة التّقْنِيَّة لِفتْحِ وَرش الوَثبَة التَّثْقِفيّة الجديدة بهدف إضافَة لَبِنَة إصلاح مُتَجددة في ظل الاستمرارية. نعم ؛ وثبةٌ تَثْقِيفِيَّة تنطلقُ من نبذِ عَادَاتِ الإنهزاميَّة والعُنف والتّطرفِ والتَّكفيرِ والانْغلاقِ. كَيْ تَصِلَ إلى تَحصيل المَعرِفة وحُسن التَّمَرُّس،وَ إِبداعِ أَفْكارٍ وصِيَغ مُتَطَوِّرة، وتوفير نماذِج عمليَّة مُجدَّدَة تُتِيحُ المُشاركة الجادة في استكمالِ تَجويدِ مَشروعِ الإصلاحِ الثّقافي الدّيمقراطي التَّنمَوي على الصّعيدِ المحلِّي، الجِهوي والوَطَني.

فالجوابُ الثقافي المحلِّي يُشكِّل المَدخلَ السليمَ لإبداعٍ وتَنْفيذِ النموذج التنموي الجديد السّاعي بهدفِ إحقاقِ التَّأْهيلِ المحلّي بنَفَسٍ دِيمقراطي تَشارُكِي. ولَعلّ هَذا الذي يَستَلزِمُ تَوْظيفَ التَّراكمُ العَقلاني المغربي بما يتمَاشَى مع طبيعةِ الزَّمن التاريخي الرَّاهنِ. والذي يُسائِلُنا عن مُهِمّات الحَفْرِ في أعماقِ تُراثِ " الأصالَة المَغْرِبِيَّة " وإستِخْراجِ كُنُوزِهِ المعرفيّة المطمَرَة لتَحريرِ الحِسِّ الإِبداعي بما يُنَمّي تماسُكَ ثقافة المجتمع المغربي ذاتِ الرَّوَافِد المتعَدِّدَة (العربيَّة، الأمازيغيَّة، العبريّة، الأندلسيّة، الإفريقيّة، الحسانيّة)، وبما يؤدي إلى صيانة تَنَوُّعاتِها المَجاليَّة واللُّغوية المُشَكِّلَة لهُوِّيَّتِها. ويُطالِبُنا كذلكَ بإنجازِ المُعَايَشَة الرَّقْمِيّة فوقَ سَماءِ مفهُومِ "المعاصَرة"، بهدَف تطويرِ الشّخصيّة المغربية القائمة بذاتِها، وبما يتَطلبُه النموذج الثقافي الوطني من عقلياتٍ رحيمَة ترفضُ أشكالَ الإِستِئْصَالِ والعُنْفِ والتَّطرف والإقصاءِ والإرهابِ والسِّلْبيّة والعَدَمِيّة، وتَرفُضُ كذلكَ أساليبَ الوِصايَة والحجْرِ المنْغَلقِ والإستيلابِ المنْبَهِر بِطَفراتِ الآخَر. نعَم؛ عقلياتٌ وطنيةٌ ومواطنةٌ تعملُ بتَحصيلِ المعرفَة التِّكْنُولُوجِيَّة اللاّزِمَة والتمَدُّن الرَّاقي. كمَا تُناضِلُ منْ أجلِ التَّغيير الإِجتِمَاعي الإيجابي السِّلْمي بِتطْوير المقاربة المحليّة الجادَّة ذاتِ النَّفَسِ الدِّيمقراطي التَّشارُكي المُنْتِج والمُتلاقِح مع الآخر ومستجداته العلميّة والتِقنيّة والتواصليّة.

و لعلَّ محاولَة تقديم الأجوبة حول سؤال المسْتَقْبل تَنْطَلقُ من حاضر التأكيد على أن الكُتلة الغالِبة من الأجيال المغربية الصاعدة تعتنق مذهب " اللاَّمُبالاَة بالسِّياسة"، وتعاني من حرِّ الغياب أو التَّغْيِيب عن ذوق " نماء الثقافة". إنها الكتلة الناشئة لزمن « الثورة الصناعية الرابعة»، وهم شباب يعاصر فوضى وفرة المعلومة وينخرط إرادياً أو لا إرادياً فيما اصطلح عليه بـ" المواطن العالمي"، ولو افتراضياً من خلال شبكات التواصل الاجتماعي.

هذه الفِئَة العُمريَّة التي ارتفَعت نقرات مطالِبها الآنية في ظل وضع اجتماعي واقتصادي جد قاسٍ، هي شبابٌ أغلَبُهُ منفتح في السلوك والمعاملة وإستعمال تقنيات التواصل الحديثة. إنه نتاجٌ إنساني وجب أن تَتَطور إدراكاتُهُ الثقافية بما يُسَايِر التّغَيُّرات المُجْتَمَعِيَّة الكبرى. وذلك من خلال الإلتزام بالمفيد من التشبع العقلاني بقيم المعرفة والاعتدال والانفتاح، والتَّحَلّي بالإرادَة الجامِحة في المزيد من التّعلم الأًلِي النافع، والارتقاءِ بتِقْنِيَّة الإستِعاضَة لتَرْمِيمِ البَالِي المُتَهَالِكِ وتَنْقِيحِهِ من نَعَرَاتِ الإقصاء والتّمْييز والغُلُوّ والتَّكفيرِ والانْغلاقِ . وكذلك عبر النّضال السلمي السليم من داخل المؤسسات قصد التمتع بحقوق المواطنة والعدالة الدستورية.

وحيث أن التأويل الأيديولوجي الحَجَري الخُرافِي قادَ الإنسانية بسقوط حُر في حَانةِ جُمود العقل. وظهر من تجاربه الأليمة أنهُ تأويل غير قائم على المعرفة وحسن التَّعَلُّمِ والتَّقَدُّمِ، وأَنَّهُ تأوِيلٌ لم يأخذ بالأسباب ولم يَستَجْلب الإنسان بمَكارمِ المُوَاطَنَة المتوازنة. فإن الجواب الثقافي الجديد يَسْتَبْطِنُ الزَّاهِرَ من أَلوانِ المُستَقْبَلِ، كَيْ يَستَدْعِيَ الشبابَ المغربي ويَشْحَذَ الهِمَمَ من أجل الانخراط الشجاع والمثمر في تغيير وَضعٍ لم يَعُد مَقبولاً استمراره. نعم .. آن الأوان للتّثْقِيفِ الذكي حتَّى تتَحوَّلَ الثقافات المحلية المغربية نحو القدرة على احتضان العقول الممكنة لمواجهة تحديات وإكراهات الكامنة في زمن industrie4.0، وآثاره القادمة على الإقتصاد والتنمية المطلوبة، خصوصا في ظل النقص والخصاص الحاصل في تمكين الفئات المستضعفة من حقوقها في علوم التكنولوجية الحديثة .

و عليه شَذْرَة الجوابِ: مفهوم الإِسْتِعاضَة التِّقْنِيَّة التي تَزُفُّ خبر الوثبة التَّثْقِيفيَّة الرامية إلى بلوغ مرحلة التَّكَيُّفِ والتَّأَقْلُمِ معَ حِقْبَة التَّجْميع التِّكنولُوجي للْعَوَالِمِ الرَّقْمِيّة والبْيُولوجية والماديَّة. وهي الإستِعاضَة تِقْنِيَّةُ تَحَوُّلٍ تنطلق من لُوغَارِيتْمَاتِ المسألة الثقافية أولاً، من حيثُ أنَّها وَثْبَةٌ فكرية إصلاحيَّة لها ما يكفي من عزيمة الانتصار للمستقبل. هَكَذَا بتَنْقِيّة الذات من أَدْرَانِ الانغلاقِ والعيش في ماضي الصراع الكلاسيكي المُتجاوز. مع الدفع بالسياق العام نحو عبق التعايش والتلاقح والتعاون والعمل العلمي والالتزام المُؤَسّساتي المُشتَرك قصد استكمالِ بناءِ تعاقُد الحاضِر من أجل المستقبل الذي يُبَشِّرُنَا بِحِقْبَة الرُّوبوتْ وتِيمَة الإِنْسانِ الآلي التي سَتُسْقِطُ عَرْشَ الكَثِير من السَّرديَّات الكُبْرَى المُتَقَادِمَة.

2- الإستِعاضَة التِقْنِيَّة بَيْنَ الفِكْرَةِ والمَعنَى:

أَسْتَفْتِحُ تَقْعيدَ مفهوم الإِسْتِعَاضَة التِّقْنِيَّة بمِثالِ الفِكْرَةِ التي نُلْصِقُ بِهَا مَعنى خاصاً، وهي أيضاً تُريدُ شَارِحَهَا فِي سِياقِ مُفْرَدَاتِهَا الخاصَّة، ومنه فَلا بُد منْ الإحتِفَاظِ بِبَناتِها لَهَا. إِذْ أَنَّ كُلَّ إِسْتِخْفَافٍ بخَوارِيزْمِيَّات " بَنَاتِ الفِكْرَة " يُجَسِّدُ في العُمق اغتيالاً لمَعنَى الفِكرةِ-الأمِّ، رَغْم جميع محاولات التَّفَنُّنِ في تَجميلِ القَوَامِيسِ ونَقْل التَّرجمَة . وكَذَلِكَ كلّ تَحريفٍ لهَا هو حكم على الفِكْرَة-الأُم بالذُّبول رغم كُلِّ طُقُوسِ الاحْتِفَال اللَّحْظِي بِتَأْوِيلاَتٍ تَسُرّ المُتَخَاذِلِينَ فقَط. وفي غَمْرَةِ البَحثِ عن مَعنى الإحساس بالسِّلْمِ والسَّلاَمِ والإِعتِدال والأَمانِ والحُريّة والكَرامَة والعَدل والإِحسانِ، تتشَكَّلُ رَوابِطُ التَّعايُشِ المَتينِ بين الثقافات المحلية، وتتَجَلَّى بَواعِثُ تَلاقُحِها مع قِيَمِ الحضارة الإنسانية النبيلة، ويلوحُ في أفقِ انفِتاحِها الثَّقافي التِّكْنولوجي فَتْحُ أَوْراشُ التَّعَلُّمِ الآلي وتحصيلُ الشباب للمَعرفة الرّقْمِيّة اللازمة.

لذا فالمَعنى " إِحْلاَلٌ رَقْمِي"، وما بَيْنِه وبين بناتِ الفِكْرَةِ صَوْتُ الأَنْتِلِجَنْسِيَّا الطَبِيعِي، وهي تُلامِسُ قِراءةَ المَعنَى من خَارجِ الصندوقِ ولَيْسَ من دَاخِلِه. وعَليه يُحتَمَلُ تَفَتُّح فكرة الإستِعَاضَة التِّقْنِيّة بِقَدرِ طَفَرَاتِ عَقْلِ بَنَاتِهَا . ومنْهُ تَصيرُ المُهمة التثْقِيفِيَّة مُضاعَفَة:

* إستيعابُ فِكْرَةِ الإسْتِعَاضَة وبَناتِها بِعَقْلِ المَعنَى.

* إحلالُ التِّقْنِيَّة في سياق الوَعْي بِحركيّة العقل والتاريخ.

ومن تَمَّ تُعَرَّفُ الإستِعاضَة التِّقْنِيَّة بالتَّحوُّل الثَّتْقِيفي نحو تَنْقِيَّة الذَّاتِ المَحَلِّيَّة مِمَّا عَلقَ بها منْ ثِقلٍ تارِيخَاني مُفْرِطٍ في عَرقَلَةِ وَثبَة المُجتَمعاتِ الطّامِحة إلى الصعود الحضاري. وبهذا التَّحول المنشود نتَجاوَز أَلْغَامَ النِّزاعِ المُفْتَعل الذي يَرومُ تَحريضَ الماضي على الحاضِر أوِ العَكسُ كذلك صحيحٌ. وبِذاتِ الإستِعَاضَة نَفْتَحُ وَرْشَ وَثْبَة مَعرِفِيَّةٍ للشباب المغربي، إذْ هِي إستِبدالٌ لِأنماطٍ بِصِيغ مُتَطورة تضمن تفعيل واجباتِ وحقوق المواطنة الدستورية، كمَا تَفْسَحُ في المَجال قصدَ استِكْمالِ تَلْقِيمَ شَجَرة الإصلاحِ بِإشراقاتٍ ساطِعَة تنير عقل التّأْهيلِ المَعرفي والثَّقافي لِمَنْظُومَةٍ جامِدة مُتجَمدة أمام ثورة " رَقْمَنَة الإنْسانيّة ".

هَكَذَا .. إِذَنْ .. هِي الإِسْتِعَاضَةُ التِّقْنِيَّة تَعبيرٌ جَديدٌ عن فِكْرَةِ الهُويَّة ومَعْنَى المُثَاقَفَة الحَضارية عند الأجيالِ المغربية الصاعِدة في زمنِ التَّحَوُّلِ التِّقْنِي الكَبِير. وأَوَّلُهَا دِينامِيّة العَوالِمِ المُترابِطَة، وثَانِيهَا حَرَكِيَّة الذكاء الإصطناعي، وثَالِثُهَا تفاعل العلاقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية مع طَفْرَةِ " أنترنيت لكل الأشياء".

وَ لِأَنَّها الإستعاضَة فِكرةٌ نابِعَة من رَحِمِ الثَّقافات المَحلية المَغربيّة، فَبَنَاتُهَا إمتداداتٌ خَوارِيزْمِيَّةٌ نحوَ مُجتمَع المُنْجَزاتِ وليسَ مجتمع المُزايَدات. إذ هِي التي تَحتَضِنُ قُدرَتَنا على الانطلاقِ من جديدٍ لِكَسْب التَّحديات المُستَقْبَلِيّة، وتجاوُز الانتكاساتِ الراهنة دونَ تخاذل أو تَردُّدٍ. وهِيَ - كذلك- الإستِعاضَة التِّقْنِية بَاقَة قيَمٍ إنسانِيَّة نشتَرك فيها كاختيار فِكري آخر يتَطلَّع إلى إعلاءِ رَايَةِ مغرب الحُرية والكَرامَة والعَدالة الاجتِماعيّة والمجاليّة، مغربِ الثَّقافات المَحليّة المُتلاقِحَة معَ النُّبوغِ الحَضارِي العالَمي.

إنَّهَا وِعاءُ المُثَاقَفَة الجَديدَة الذي نَستَطيعُ فِيه وبه إنجازَ وثبةٍ معرفية خاضعة لعملية اكتِشاف مُستَمرَّة من داخلِ وخارجِ صُنْدوق المُجتَمَع. فهذا المَفهوم الثَّقافي الآخَر ليسَ بالمشروع الفِكْري الكاملِ الإنجازِ والمُسَجَّل باسم أَيْديُولوجيّة مُحَدَّدَةٍ بِعَيْنِهَا. إِنَّمَا هي الإستِعَاضَة التِّقْنِية ذاكَ الرَّسْمُ المِبْيَانِي لتَجَانُسِ الذَّاتِ المُستَنِيرَة مَع مِيكَانِيزْماتِ حِقْبَة الرَّقْمَنَة، وضَرُوراتِ تَحرير الإرادَة من مُعيقاتِ الصّعودِ الحَضاري المَنشودِ.

كمَا تُجَسِّدُ الإِسْتِعَاضَة آلِية مَعرفيّة تَسمَحُ بِتَمْكينِ الأَجيالِ المَغربيّةِ الصّاعدَة منَ مَلَكَاتِ الغَوْصِ العَميقِ فِي ثَقافَة النَّانو العالمِيّة. فلاَ يَجُوزُ أنْ نسْتَمر فِي التَّجديفِ بين تلاَطُماتِ أمواجِها العاتِيّة دُونَ أنْ نُسَجِّل حضورَنَا بين أجزائها المُشَكِّلَة لهَا والمُشَكَّلَةِ فيها. فالغايَةُ منَ الإستعاضَةِ تَبَدُّلُ العَقْلِيّاتِ وفَكُّ قيودِ الجُمودِ الفكري والمَعرفي الذي كرّسَهُ البعض باسْمِ دُوغْمائِيّة الثّقافَة البَالِيَّة السَّائِرَة نحوَ التقَادُمِ، أو تحت غطاءِ الخُرافة المُؤَدْلَجَة كما يُخْفِيهِ البعضُ الآخَرُ . وقد جَعلا منها أَمْراضًا مُجْتَمَعِيَّة مانِعَةٍ لارتِقاءِ الذَّوْقِ الجَمْعِي للأجيالِ المغربية الصاعدة، رَافِعَةً مِعولَ هدمِ وإحباطِ الطاقاتِ باجبارِها على العيْشِ في كَنفِ صِراعاتِ المَاضِي أو بجرِّها إلى خطاباتِ التَّضليلِ والعَدَميّة والانْغلاقِ والتَّسفيهِ. وهيَ العوَائِقُ التي ينبَغِي عليْنا تَجاوُزُها بعَزيمَة الواثِقِ من مُعَاينَة انتصارِ المُستقبل. لأنَّ سيرة الثقافة الماضيّة تفضحُ فظاعًة عَجْزِ المُثَقَّف البَالي عن مُواجَهة بَرمَجِيَّات المُثَقَّف الآلي. بل إن التَّسَتَّر عن العَجْزِ المَعلومِ قد يَمْنع الشباب المغربي من إفراز الاختيارات الجديدة، ومن تجاوُز صدمة حِقْبَة التِّكنولُوجيا العالية. كَمَا يَصُدُّ عن تَحفيز بواعث الأمل في نجاح وثبة المُثَاقَفة الحضارية.

و منهُ نَمضي بالتأكيدِ الفصيحِ على أَنَّ الإستِعَاضَة التِّقْنِيَّة هي دَالَّة مُشْتَقَّةُ من حِوَارِيَّةِ الغاضِبِ والمَغْضُوبِ عَلَيْهِ عندَ إِحْدَاثِيَّتَيْنِ مُخْتَلفَتَيْنِ، إِذْ تَستَحْضِرُ قَلَقَهَا الوُجُودِي باطمِئْنانٍ، وبِفِطْرةٍ نَقديَّة لِدَوَافِعِ الغَضَبِ والقَلَقِ. فَماهِيَّة الغاياتِ هي الإستِعاضَة باستِثْمارِ الغَضَبِ، الإستِعاضَة بعَقْلِ المُغامَرة عَن طَيْشِ التَّهَوُّرِ. هَكَذَا هُو مَخَاضُ وِلاَدَةِ مَفْهومُ الإِستِعَاضَة التِّقْنِيّة من رَحِم الثَّقافاتِ المَحَلِّية، وإنَّمَا يَستَوي مَعنَاهُ الأخلاقي بالارتِكازِ علَى جَوابِ " مَا بعدَ النّقدِ الذاتِي !". وبِالجَزْمِ أستَرسِلُ في تَبْسِيطِ المَفهومِ بما يجعلُ مُرِيدَ الثقافة العالمة البالية مُلزمًا بتَحيِينِ أَدوارهِ ووَظائِفِهِ من أجل البحث عن تَفْكيكِ مَرَاحِلِ الإستِعَاضَة، وضمان إفراز تفاعُلاَتِهَا النّقديّة بعيداً عن نواقِص التَّعالي وعن مساوئ الأَضاليل والمرجعيات التّحريفيّة التي من شأنِها إعادَة إنْتاجِ نفسِ السُّلوك العَقيم الفاقِد للعُمْق التّثقِيفي وللجَرد الفلسفي-الرقمي.

3- الإستعاضة التقنية من زمن الإنسان الآلي:

إِنَّ نَعْتَ " التِّقْنِيَّة " خَبَرٌ لا يعني فقط ادعاء الانتماء للزَّخَم التكنولوجي الرقمي الحاصل، بل هو الإنْصاتِ المُسْتَدِيمِ لمُحْتَمَلِه واحتِمالاتِه، والتَّبْئير على قوّة ركائِزنَا، وجَعلها المُحَرك الإِرادي لكلّ ارتقاءٍ أَو صُعود. وكذلك الإستعاضة مُبْتَدَأ لا يُختزَلُ -فقط- في تيمَة التحول نحو المُسايرة والمُواكَبَة وتًقفّي بَرْمَجِيّاتُ الشعوبِ المُتَقدٍّمة. بلْ أنَّه يرومُ تَفكِيك لُوغَاريتْمات المُنعَطفاتِ الكُبْرى الكامِنة في أعماق تاريخِ الثقافاتٍ المَحَلية المَغربية، وتَحديد نقاط ضُعفٍها، والتّسطيرٍ تحت مكامِن قُوَّتِها، بمًا يخلق الإِنسِجَامَ في القبول لدَى عَقْلِ مُتَلَقِّيهَا. إذْ سيحتَفظُ لهُ بِبَصْماتِهِ العَريقَة، ويجعلُ منه آليةً مُستَعِدة دوماً لخَوْضِ غِمار التَّطوُّر العَظيم. وذلِكَ قَبْل أن يداهِمهُ الذكاءُ الاصطناعي بالسّؤالِ عن حَقِّ " القَرينِ الآلي" في تَقرِير مَصير الحضارَة الإنسانِيّة، وقبلَ أن يَصدِمَهُ «اللاَّيًقين» في تَقديمِ الجَوابِ المُبَرْمَجِ!!!.

وَ لنْ نَضمَنَ نَجاحَ وَثبةِ المُثَاقَفَة المُتَضامِنة عَدَا ببناء استِعَاضَةٍ يَقِظَةٍ، لا تَركَنُ لجَوابِ البَديهَة ولاَ تَكتَفي بإعادة تَدويرِ اليَقِينِيَّاتِ. وإنما هِي مُتَوَالِيَّة نَقديَّة تُراكِمُ التّخْمِيناتِ وتُكَدِّسُ الإِحتِمَالاتِ، وتَضْطَلِعُ بِأَرَقِ الأَسْئِلَة الكُبرى دونَ التَّفريطِ في إنتِعَاشَةِ الحُلول الصُّغرى ذاتِ الأفُقِ المَحدودِ. لأنّ الأثَر المَلمُوسَ من الإستعاضَة التقنية هو التّخلِّي عن أثقالِ ثَقَافة جامِدة بالِيَّةٍ، والتَّحَلِّي بزينَةٍ أُخْرى مُتَطَوِّرَةّ فالزمن ثورةُ تِكْنولوجْيَا آليَّةٍ عَاليَّةٍ. ولن نَكْتًفي بالتَّبْسيط المُوصِلِ إلى قفَص أحكام القيمَة المُصْطَنَعَةِ. بل سَنَسعَى بِالتَّحليلِ المُعَبّر والمُنْبَنيّ على معطَيات الفِطْرَةِ الإِنْسيَّة والطّفْرَة الرَّقمِية ومُفاجآت الطبيعة . ولَعَلَّهَا نفسُ الوَظِيفَة التاريخية التي كان ينْبَغي أن تَنْبَري لَهَا نُخَبُ الثّقافَة البَالِيّةِ، عبرَ تَحديثِ تَطْبِيقَاتِها الفكرية ومُمارَسَاتِها، وتَحيِينِ مُحتَوى سَرديَّاتِهَا من أجل شَرحِ كُنْهِ الغاياتِ التي تريدُ إِحقَاقَهَا من داخِل النَسَقِ وليسَ من خارِجِه.

وَ إنَّهَا روح " الإستعاضَة المُتَعَالِيَّةُ " التي تَجْعَل من ذَراتِ رومانسِيَّةٍ حالِمَةٍ عَوَالِمَ فَسيحةً، وتُتِيحُ لنَا موسوعَ القُدرَة على إعادَة تَكْريرِهَا. فَعَمَلِيَّةُ تَلْقيمِ شَجَرَة الثَّقافاتِ المَحَليَّة تَفْسيرٌ سليمٌ لِمَعنَى الاستمراريَّة النَّقْدِيّة في مُساءَلَةِ تَمَثُّلات الإنْتِمَاءِ الثَّقافي الرَّشيدِ، وفي مُلاَمَسَةِ زَمنِ النُّورِ القَريبِ بَعيدًا عن رُهابِ المَغَارَة.

فَكَما الصّبحُ المُتَنَفِّسُ بإشْراقَاتِ الشَّمسِ المُنيرَة لِلْمَمْشَى، والضّاوِيَّةِ بالأَمَلِ مع التَّحفيز على كَرامَة العمَلِ. كذلك مَوَاقِع النُّجومِ الآفِلَةِ الكامِنَة بين الجَوابِ الثقافي البَالي، تُميطُ اللثامَ عن أطلالِ نخبَة مُتَهَالِكَةٍ، باتَتْ مُجرَّدَةً من أَلْقَابِ مَظْلُومِيَّتِها، تَائِهَة في دَوَّامَة اغْتِرَابها الرقمي باسْتِغْرابٍ مُفْرِطٍ. وبين ثَنايَا نُعوتِها " العالِمة" رَقَدَتْ تستبطِنُ عَجزَها، وتتَأَبَّطُ شَرَّ الفَشَلِ في مُعَايَشَة زَمَنِ "الثَّقَافَة الآليَّة"، مَصدُومَة مَشْدُوهَةً أمامَ مُستَجَدَّات الحاضِر والعَجائِب التي سَتَلِيه. وقد تَبَنَّى المُثَقَفُ البالي " ديمُقراطيّة الجَمَاعَة"، مُتَحَدِّثًا بنُصوص العتاقَة ومُتَوارِيًّا وراء فصاحَة التقليد والنَّقلِ لِيُخْفِيَ قُصُورَهُ الذَّاتي عن فتح بابِ الاجتهادِ الكَبير. ثم يَتَعَانَقُ المُثَقَّفُ البَالي والدَّاعيَّة معاً عند حَانَة " الشَّرِّ المُستَطِير " . ثُمّ بعدَهَا يَفْتَحانِ المُحيطَ العَامَّ علَى المَجْهول السيَّاسي في مَسرحيَّةٍ وَصمُهَا المُشينُ : تَقْلِيدَانِيَّةٌ.

وَ بينَ ما إستَحَاثَّ من قَعرِ الثقافات المَحلية، وبين التعمُّقِ في تَنقيَّةِ الذاتِ، تَتراءى مَلَكَات الذكاءِ الطَّبيعي الكافِية لِسَبْرِ أَغْوَارِ الإستعَاضَة المَكْنُونَة دون مطالبة المُحيطَ العام بالحَصانَة؟!. بَل هي الاستعاضة بِصَبْرِ «المَنْجَمِي»، قبلَ أنْ نَرتَقِي إلى مَقامِ «المُعَلَّم»؟. لِذَا ؛ فالاستعَاضَة التقنيّة في عُمقِها التَّثقِفي تُحَرِّضُ على الإستِمساكِ بِجَدوى التَّعَلُّمِ الآلي، لأنَّهَا وَاثِقَة من قابِليّة التَّكَيُّفِ البشري معَ التَّطَور الرقْمي دون الانشداد إلى دُوغمائيَّة ثقافة باليّة أو مرجعيَّةٍ وَاهِيَّة، التي لم تسفر عَدا عن إنكماشَة مُعيقة إِكْتَفَت باجترار النهج الإستهلاكي العقيم حين توالَت صدمات الحداثة وما بعدها، وما بعدَ بَعْدِها.

و لا تعني المساءلة النقدية تجريحَ الذّات،بل تُفيد أن الإستعاضة بمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ لِتنزيل قابِليَّتَها للتَّطَوُّرِ. كما أنَّ عِبَادَة أَقَانيم الحَقيقة المُطلقة في تَصديقِ سَرديَّات الثقافة البالية، والثقة الساذجة في سَرَاب مُستَقبلها، لن تُسقطَا العقلَ عدَا في تراجِيديا المادة الرّمادِيّة التِي تُطلق إشاراتٍ كلَّ لَحظة بِلَوْنٍ مزاجي. وقد تتعدد الألوان البراقة غير أنَّ العَقل يأبى إلَّا أن يظل " ثُقْبًا مظلِما" يحجب الأفق البعيد، ويصيب البصيرة بِقُنُوط الثقافة الجامدة.

وَ عَلَيه تعمَل الإستِعاضَة التِّقْنِيَّة باستراتِيجيَّة تَلقيمِ الثَّقافاتِ المَحليّة عبرَ التأَمُّل العَميقِ فِي «فَوْضَى» الحَركَة الدوليَّة للتَّغيير. والتي تفْضي بنَا نحو تجديدِ التَّنْبِيه إلى أن الحُرية والكرَامة والرغبة في الرخاء والرفاه، والعَدالة الإنسانيَّة والمُساوَاة والتَّنمية الشامِلة، هي مطالبٌ مَفتُوحَةٌ للأجيالِ المَغربية الصَّاعِدة التِي مِنَ اللاَّزِم أن تتَشَبَّعَ بما يكفي من مناعَة المُثَاقَفَة الرَّقميّة. وذلكَ كَيْ يَكسِبَ الوطنُ رِهَانَ الصعودِ المَنشُود، وحَتَّى لاَ تُصادِرَ عَقْلِيَّاتُ الخُرافَة المُؤَدلَجَة والثَّقافَة البَالِيَّة، حَقَ هَذه الأجيالِ في الاختيارِ وحقَّهَا في الإِبدَاعِ.. وأَيْضًا كَيْ لا يصيرَ مَصيرُهَا المُستَقْبَلٍي مُقيَّدا بما يُخْفِيهِ البعضُ الآخَرُ من إحتِكَار لتَطبيقاتِ أنترنيت-الأشياءِ وخاضِعًا لِبرمَجة الذَّكاءِ الاصطِناعِي فِي عَصرِ احتكار البيَاناتِ الضَّخْمَة Big Data.

وهكذا جازَ الخَتْمُ بذَمِّ التّرهُّل الثقافي الذي تَعرفه ميكانيزمات العقل المغربي، والذي وجَب أن تنتفي مُبَرِّرات شُيُوعِهِ تبعاً لفُرَصِ الإستِعاضة التقنيَّة المُتَوفرة بالقِسْطَاسِ والإِتْقَانِ. وكذلك لأن المُستَفيدِينَ من هذا التَّرَهُّلِ هم سَدنَة الثقافة البالية وعُباد الخرافة المؤدلجَة الذين يُشَكِّلونَ حِلْفَ العقليات المانِعة للصُّعود الحَضاري الرفيع، ممَّا يشكل تهديداً خطيراً لِمستقبل التجربة الديمقراطية التنموية المغربية.

 

عبد المجيد مُومِيرُوسْ

شَاعِر وكاتِب مَغْرِبي

 

 

عدنان عويدفي المفهوم: إذا كانت الليبرالية الكلاسيكية في أبسط صورها هي ميل من التفكير والممارسة يؤكدان على سيادة العقل ودوره، وقوة الإرادة الإنسانية وحرية الفرد، والسعي نحو الحقيقة، من أجل تحسين المحيط الاجتماعي وإعادة تشكيله عبر المعرفة والتكنولوجيا والتجربة الإنسانية المتراكمة بما يخدم حرية الإنسان وعدالته ومساواته. أو بتعبير آخر هي  مجموعة القيم والمبادئ التي عبرت بعد قيام الثورة الصناعية عن طموحات الطبقة الرأسمالية الوليدة وسندها القوي آنذاك الطبقة العمالية،  في القضاء على سلطة الاستبداد، ممثلة بالملك والنبلاء والكنيسة، وإقامة الدولة المدنية، أي دولة المواطنة والقانون والمؤسسات والتعددية السياسية واحترام الحقوق الطبيعية للإنسان، من حيث حق الملكية وحرية الرأي، وحق الحياة .. الخ

فإن الليبرالية الجديدة ممثلة بالطبقة الرأسمالية نفسها بعد أن وصلت إلى السلطة، وتحولت إلى برجوازية (إمبريالية – استعمارية) مع نهاية القرن التاسع عشر أولا، ثم إلى برجوازية (احتكارية – متوحشة) بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد سقوط المنظومة الاشتراكية ونهاية الحرب الباردة ثانياً.  حيث راحت تسعى لإضعاف وهدم أفكار وقيم الليبرالية الكلاسيكية ذاتها، التي جئنا عليها أعلاه،  إذ  تبين لها أن أفكار ومبادئ هذه الليبرالية بالنسبة لدعاة النيوليبرالية، بأنها أفكار ليست طبيعية بالنسبة لمحبي الإنسانية، أو هي ليست حقيقية بالنسبة للطبيعة الإنسانية، فهي برأي هؤلاءالليبرالين الجدد لا تعدوا أن تكون أكثر من مثاليات، أو أبنية ذهنية محض.

الظروف الموضوعية والذاتية المنتجة لليبرالية الجديدة:

عموماً نقول: بعد الحرب العالمية الثانية، وما خلقته من دمار،أصبح من الصعوبة بمكان استمرار النظرة التفاؤلية تجاه المستقبل، وأن هناك الكثير من الأشياء السيئة حدثت أثناء الحربين العالميتين، والتي يأتي في مقدمتها ظهور الفاشية والنازية، وذاك الدمار الشامل الذي لم يعف أي شيء من ضرره على مستوى الساحة العالمية بشكل عام وعلى أوربا بشكل خاص، ثم ذاك التهديد الدائم للإنسان بأسلحة الدمار الشامل والسباق نحو التسلح الذي فرضته الحرب الباردة. فكل ذلك أعطى انطباعا عاما لدى المتابعين في تلك الفترة الحرجة من التحولات، بأن المستقبل يبدو مبهما ومشكوكا فيه أيضا .

بعد انتهاء الحرب الباردة، ومحاولة الرأسمال الاحتكاري العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التفرد بالقرار الاقتصادي والسياسي والثقافي العالمي، ومع سيطرة الرغبة العارمة لدى "مالكي" هذا الرأسمال الاحتكاري في تجسيد ما يسمى بسياسة النظام العالمي الجديد، أو  سياسة القطب الواحد، أو الليبرالية الجديدة، التي تعبر عملياً عن طموحات ومصالح هذه الطبقة الرأسمالية الاحتكارية العالمية، حيث راحت هذه السياسة تعمل على إعادة صياغة أو هيكلة العالم وفقا لمصالح هذه الطبقة، مستغلة في ذلك القوة الاقتصادية الهائلة المتمثلة عملياً في الشركات المتعددة الجنسيات من جهة، ثم السيطرة السياسية على الهيئات والمنظمات الدولية الفاعلة من خلال الطبقات الحاكمة للدول العظمى التي يسيطر عليها مالكي الرأسمال الاحتكاري عبر النشاط الفاعل لهذه الشركات في هذه الدول العظمى من جهة ثانية،  ويأتي على رأس هذه الهيئات والمنظمات الدولية، " مجلس الأمن " و " صندوقا النقد والبنك الدوليين" و "منظمة الغات " وجمعية حقوق الإنسان ... إلخ .  وعلى اعتبار أن ما سنقوم بعرضه هنا لا يهدف في الأساس إلى تناول كل ما يتعلق بالنشاط الجوهري لهذا النظام الليبرالي الجديد، لأن هذا سيتطلب منا الحديث عن الدولة، ومنظمة الغات، وصندوق النقد الدولي، و البنك الدولي، والشركات المتعددة الجنسيات، وأساليب وطرق إعادة هيكلة العالم وفق رغبة ومصالح الطغمة الرأسمالية الاحتكارية التي راحت تقود العالم عبر الولايات المتحدة الأمريكية، ممثلة بما سمي (إجماع واشنطن)، الذي تتحكم فيه الطبقة الرأسمالية الاحتكارية، الساعية إلى خلق نظام عالمي جديد، يقوم على مجموعة من المبادئ المتعلقة بالليبرالية الجديدة التي صاغتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية والمؤسسات المالية التي ترتبط بهذه الحكومة إلى حد كبير، وعلى تحقيق هذه المبادئ بطرق مختلفة  على مستوى مجتمعاتها أولاً، وعلى مستوى دول ومجتمعات العالم الأضعف ثانياً،  وذلك على شكل برامج تهدف إلى تعديل بنيوي ملح في هذه الدول أو المجتمعات بهدف إعادة هيكلتها بما يخدم مصالح الطبقة الرأسمالية المتوحشة ونظامها الليبرالي الجديد. أما أم هذه المبادئ فهي:

1- تحرير قطاع التجارة والمال.

2- السماح للأسواق بتحديد الأسعار، أو تصحيحها.

3- القضاء على التضخم، أو تحقيق الاستقرار على مستوى الاقتصاد العالمي خدمة للشركات المتعدية الجنسيات.

4- خصخصة المنشآت الحكومية. (1).

إذا، ً إن الطيقة الرأسمالية الاحتكارية في نظامها الليبرالي الجديد أخذت  تفرض هيمنتها الاقتصادية ليس على أوربا فحسب، وإنما على الاقتصاد والسياسية العالميين، حيث دفعتها شهوة الثروة والسلطة إلى التحكم في رقاب الناس، وبالتالي السعي إلى إفراغ معظم الشعارات التي مثلها تيار الليبرالية الكلاسيكية المرتبط بالبرجوازية التقدمية آنذاك  من مضامينها كما بينا سابقاً، والعمل تحت ذريعة شعارات الحرية والديمقراطية وغيرها من الشعارات الشكلانية التي راح يسوِّق لها  في مضمار عالمها الليبرالي الجديد، على نفي وتدمير وتجاوز كل ما هو إنساني، أو يدعو إلى الرقي بالإنسان، والتمسك بما يساعد على تجسيد وتعميم ثقافة وأخلاقيات كل ما يعمل على تكريس مفاهيم  الموت والدمار وعدم التواصل والتفكيك والتذرير، وغير ذلك من المفاهيم المنتمية إلى العبث و اللامعقول   .

إشكاليات الليبرالية الجديدة :

1- سيادة نمط رأسمالية الدولة الاحتكارية بمؤسساتها على المستوى الاقتصادي ممثلة بـ (صندوق النقد الدولي – والبنك الدولي لللإعمار والتنمية – ومنظمة أو اتفاقية الجات).

2- السعي لفرض أنموذج الديمقراطية الأمريكية على العالم، واستخدامها كوسيلة لفرض السيطرة الأمريكية .

3- تحطيم سلطة الدولة عموماً والدولة المركزية على وجه الخصوص، سعياً لإضعاف الدولة وجعلها هشة أمام اختراق الرأسمال الاحتكاري العالمي.

4- تحطيم الحوامل الاجتماعية الوطنية والعقلاني للدولة، والعمل على رفع قيمة ومكانة الحوامل الاجتماعية ذات المرجعيات التقليدية  عشيرة، قبيلة، طائفة).

5- محاربة كل الأنظمة الوطنية التي تغار على شعوبها وتعمل على مصلحتها، والعمل بجد للحفاظ على الأنظمة الدكتاتورية في دول العالم الثالث، وتقديم كل الدعم السياسي والعسكري والمالي، خدمة لمصالح الرأسمال الاحتكاري العالمي في هذه الدول.

6- العمل على نشر ثقافة الاستهلاك عالمياً بكل مستوياتها الاقتصادية والثقافية والأخلاقية، بغية تذرير الإنسان ونمذجته كفرد منعزل عن محيطه الاجتماعي بكل مستوياته، وتفتيت لحمته الاجتماعية، وإعادة تشكيل وعيه بما يشتغل على تنمية غرائزه بدلأ من تنمية عقله وإرادته.

7- تسييد فكرة موت ونهاية كل شيء ( الفن – الدين – القيم – الأخلاق – التاريخ ... الخ .) وبقاء الوهم واللامعقول .

الموقف النقدي لليبرالية الجديدة:

أما الموقف النقدي العقلاني تجاه رؤى وأفكار ومبادئ وممارسات الليبرالية الجديدة، فهو موقف يرى أنها رؤى وأفكار كانت تعبر في حقيقة أمرها تعبيراً صادقاً عن وضعية الإنسان الأوربي بشكل خاص، وإنسان عالمنا الثالث أو النامي بشكل عام، بعد النتائج المدمرة للحربين العالميتين، والنمو الهائل للرأسمال المالي (الرأسمال المالي هو التحام الرأسمال المصرفي بالرأسمال الصناعي) الذي التحم بالدولة الرأسمالية وتحول بالضرورة إلى رأسمال احتكاري يمارس قوته وجبروته على الآخرين عبر هذه الدولة التي التحم بها وحولها إلى رأسمالية دولة احتكارية، حيث راحت تعمل بدورها من خلال هذا الرأسمال وحوامله الاجتماعيين  المسيطرين على زمام السلطة في هذه الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى إعادة هيكلة العالم من خلال الشركات المتعدّية أو المتعددة الجنسيات خدمة لمصالحها الأنانية الضيقة، الأمر الذي أدى إلى أن تفقد الكثير من الدول والشعوب قدرتها على التوازن في محيطها الاجتماعي والسياسي والثقافي، وهكذا أصبح حال الفرد في هذه المجتمعات أيضا، فهو لم يعد  قادراً على مسك زمام أمور نفسه بيده. فالفرد والمجتمع فقدا معاً معظم المقومات الحقيقية القادرة على إعادة بناء الإنسان ومجتمعه بناء إنسانيا فاعلاً. فتحت مظلة هذا النظام الليبرالي الجديد راحت تسود أفكار النهايات التي جاء على رأسها نهاية التاريخ، ونهاية الفن والأدب، ونهاية كل ما يعبر عن إغلاق أبواب الخلاص والمستقبل معا أمام الإنسان، وإن وجد مستقبل وفق الرؤى الـ " لليبرالية الجديدة"، فهي رؤى تمثل في واقع أمرها موت الإنسان ودماره كأمر محتوم ، وهذا ما عبَّر عنه " ميشال فوكو "، وجاك ديدرا، وهبرماس، وبشلار..وغيرهم " ، فكل ما طرحه هؤلاء ومن يمثل تصوراتهم من أفكار، أخذ يشير في الحقيقة إلى الموت أو النهايات أو العبثية، فنهاية التاريخ  " لفوكو ياما " تضمنت على سبيل المثال  في سياقها العام الأفكار الأساسية لما بعد الحداثة وهي، موت الفن، موت النزعة الإنسانية، العدمية، عودة الميتافيزيقيا، التفكيكية، التشتت، اللا استمرارية، التذرير الاجتماعي والقومي. إلخ.

بهذه الرؤى التشاؤمية السوداوية.. بهذه النهايات، راح منظرو الليبرالية الجديدة  يصورون  للإنسان عالمه القائم دون أن يرسموا له مسارات جديدة لخلاصه من هذه النهايات التي يعرف معظمهم مَن أوصل الإنسان إليها، وكيف أُوصل إليها في  هذا العالم ، متناسين، أو متجاهلين بأن هذا الإنسان هو خليفة الله على هذه الأرض ، وأنه في كل مرة تعرض فيها لمثل هذا القهر، خرج منتصراً على أعداء الإنسانية،  لا لشيء إلا لكونه إنسانا  يحمل دائما إرادة التغيير ، مثلما يحمل  عقلاً قادراً على توجيه هذه الإرادة نحو الأهداف الإنسانية السامية .

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

...........................

الهوامش:

1= (راجع نعوم تشومسكسي – الربح مقدماً على الشعب، الليبرالية والنظام العالمي الجديد. (1) ترجمة لمى نجيب .2011)

3- للاستزادة في معرفة الليبرالية الجديدة ورأسمالية الدولة الاحتكارية. راجع كتابنا (رأسمالية الدولة الاحتكارية). إصدار دار التكوين – دمشق = 2008.

 

 

"كتاب انزلناه اليك مبارك ليدبروا اياته وليتذكر اولوا الالباب"..محمد29

 تعرف الفلسفة بانها حب الحكمة وهي اختصار لكلمتين يونانيتين فيلو وتعني محب وسوفيا وتعني الحكمة، تقوم فكرة الفلسفة على النظر الى الكون والانسان والحياة .

والفلسفة ليست معارف جزئية بل انها علم المبادئ العامة كما عرفها ديكارت وقال انها دراسة الحكمة لانها تهتم بعلم الاصول فيدخل فيها علم الله، وعلوم الانسان، والطبيعة، وركيزة الفلسفة عند ديكارت هي في الفكر المدرك لذاته الذي يشمل الوجود ومصدره الله.

وتعتمد الفلسفة على زاويتين الاولى حسية من خلال النظر الى الشئ وادراكه من خلال الامساك به وتفحصه بحواسنا والاخرى لامرئية والتي لايمكن ادراكها بل انها من الامور الغيبية.

وقد عرف المسلمون "علم الكلام" الذي يعد البذرة الاولى لمفهوم الفلسفة التي اعتمدت بالاساس على استخدام الاساليب اللغوية والمنطقية المستمدة من القران، وتطور الفكر الفلسفي في القرن التاسع الهجري وظهر جيل من الفلاسفة مثل ابن رشد في الاندلس الذي تمسك بتحكيم العقل بناء على المشاهدات والتجارب وقد سبقه كل من الكندي والفارابي.

واذا نظرنا نظرة متفحصة متاملة لكلام الله في القران الكريم لوجدنا حقيقة النظرة الفلسفية للامور باعتباره كتاب عقيدة يخاطب الضمير والفكر والنفس والطبيعة ويدعو الى التفكر والتدبر"اولم يتفكروا في خلق السموات والارض ومابينهما الا بالحق واجل مسمى"..

وقد حث في ايات عديدة على العلم باعتباره اللغة التي تنهض بها الحياة وتزدهر"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون"

والخطاب القراني يوافق العلوم الحياتية الطبيعية ويتوافق معها وقد اثبت العلم ذلك على مختلف الازمنة لانه يتوافق مع العقيدة الفلسفية للانسان والحياة والتي تصب في مصب واحد "التدبر"

"ونفصل الايات لقوم يعلمون"

ومن البديهي ان الحدث يقترن بالسبب ويكون تحصيل حاصل له وقد جعل الله لكل شئ سببا"ويسالونك عن ذي القرنين قل ساتلو عليكم منه ذكرا، انا مكنا له في الارض واتيناه من كل شئ سببا، فاتبع سببا.." اي ان الله اعطاه من الاسباب الموصلة له لما وصل اليه، فليس كل من لديه سبب يستطيع ان يسلكه الا اذا اجتمعت القدرة والقوة للقيام به وذلك مرهون بمشيئة الله جل وعلا.

"قال مامكنّي فيه ربي خير فاعينوني بقوة اجعل بينكم وبينهم ردما.."

ولذا فالعقل يصل الى حقيقة مفادها ان الاسباب تصاحب الحوادث وتقترن بها بفعل الارادة الالهية وهنا تكمن النظرة التاملية الفلسفية للايات القرانية التي تحدث وفق حساب دقيق بل انه بالغ الدقة لان اي خلل فيه لن يؤدي النتيجة المطلوبة وفق قانون السبب والنتيجة"انه من لدن حكيم خبير"

 

مريم لطفي

 

حاتم حميد محسنالحياة الخلاقة

تندفع الى الأمام.

الى الأمام دون نهاية.

هناك القليل من الفلاسفة في التاريخ كانت محاضراتهم سببا في إحداث إختناق مروري، كان هنري برجسون واحدا منهم. وُلد هنري برجسون (1859-1941) في باريس لأب بولندي يهودي وام ايرلندية يهودية. أمضى جزءاً من طفولته في لندن قبل ان تستقر عائلته بشكل دائم في فرنسا. كان هنري الطفل متفوقا جدا في الرياضيات، حيث تمكّن فيها من الفوز باحدى الجوائز لحلّه مشكلة باسكال (ليست المشكلة التي تستلزم وضع رهان على وجود الله).

لاحقا اصبح برجسون بروفيسورا في الفلسفة. هو تزوج من ابنة عمه الروائي مارسيل بروست الذي كان أحسن الحاضرين في الزفاف.

عُرف برجسون في جداله بأن عمليات التجربة المباشرة والحدس اكثر اهمية من العقلانية المجردة والعلوم في فهم الواقع. هذا الاتجاه أثار الجدل حول افكاره في فرنسا، حيث اُعتبر مضادا للموقف العلماني والعلمي السائد في البلاد.

2137 هنري برجسونفي عام 1907، نشر برجسون كتابه (التطور الخلاق) Creative Evolution. في قبوله لفكرة التطور، رفض برجسون الأحداث العشوائية للاختيار الطبيعي كقوة دافعة للتطور. بدلا من ذلك، هو جادل بان هناك محرك إبداعي غامض متأصل يتغلغل في كل الوجود،  أطلق عليه "قوة الحياة". هذه القوة ومن خلال الكثير من الصراع والبراعة تخلق اشكالا جديدة للحياة عبر قهر مقاومة المادة المراد تنظيمها. ان قوة الحياة هذه هي مصدر إبداعية الانسان وشرارة العبقرية الانسانية.

الناس العاديون (بمن فيهم جورج برناردشو) اعتقدوا ان هذه الفكرة هي فكرة عظيمة،  وعندما زار برجسون مانهاتن في الولايات المتحدة عام 1913 لإلقاء محاضرة حول الكتاب، تزاحم الناس كثيرا في الشارع لدرجة لم يشهد المسرح مثيلا لها من قبل.

في عام 1927، مُنح برجسون جائزة نوبل في الأدب لتعكس المكانة العلمية لتأملاته حول التطور. وفي ابتعاده عن الاهتمامات الأكثر فلسفية، كتب برجسون ايضا تحقيقا في أسباب الضحك، أسماه (الضحك: رسالة في معنى الفكاهة، 1900).

بعد سقوط فرنسا أمام النازية عام 1940، كان على اليهود في فرنسا المحتلة ان يسجّلوا حضوريا لدى مراكز الشرطة. وعندما حضر برجسون للتوقيع على الاستمارة لدى الشرطة كتب: اكاديمي، فيلسوف، فائز بجائزة نوبل، يهودي.

في آخر ايامه اصيب بالروماتيزم الذي تحوّل الى  شلل نصفي، توفي على اثره في 3 جنوري عام 1941 في باريس ودفن في احدى الكنائس.

 

حاتم حميد محسن

 

صالح الطائيهل بات الإيمان مستهجنا ومتهما، لكي يأتي من يعتبره معيقا لقدرات البشر على اتخاذ قرارات واعية؟

سؤال خطير سأحاول الإجابة عن بعض جوانبه من خلال هذا الموضوع!

الإيمان والكفر نقيضان متنافران لا يجتمعان ولا تهدأ العلاقة المتوترة بينهما، فهما يمثلان قطبي العداء الحقيقي منذ بدء الخليقة وإلى زوالها. وفي صراعهما الصلب كانت الغلبة أحيانا للإيمان، وأحايين كثر للكفر حتى أن الإيمان لم يهنأ بانتصاره طويلا إذ سرعان ما كانت قواعده تنهار أمام ضربات الكفر، ليتحول المؤمنون أنفسهم إلى طرائد تنهشها ضباع الكفر، وهذا أمر طبيعي جداً فيما يخص حالة العداء والمنافسة التي كانت قائمة بينهما، لكن غير الطبيعي أن الكفر كان يقاتل بالسيف، ولا يملك سلاحا غيره، والإيمان كان يقاتل غالبا باللسان وبالكلمة الطيبة، ويأنف أن يحمل سيفا إلا عند الاضطرار، وهذا هو ديدنهما على مر التاريخ.

لكن ثمة ما طرأ على هذه العلاقة مفيداً من عطايا التقدم وانفتاح الحضارة، وانهزام التابو امام اللامقدس العالمي، وهو أن الكفر أضاف (الكلمة) كسلاح جديد إلى أسلحة نزاعه مع الإيمان، ولاسيما وأنه وجد هناك من يسمعها، ويأخذ بها، ويؤمن بفحواها، ويقوم بالترويج لها ونشرها بوسائل العلم الحديث لتصل إلى العاقل والمجنون والبسيط والساذج دونما تمييز بينهم، بعد أن وجد هناك توقا لسماع النتائج العلمية باعتبار أنها محصلات نهائية لا تقبل النقض مع أن العلماء أنفسهم يؤمنون انه لا يوجد مطلق في العلم، وأن كل نظرية مهما كان مصدرها ودرجة صحتها عرضة للنقد والانتقاد والتسقيط والتخطئة!

وهكذا اعتقد الكفر أنه حينما تلتقي نخبة ذات أهداف قصدية مع قاعدة ساذجة ممكن أن تُمرر الكثير من المشاريع المعطلة الكبيرة والمهمة والخطيرة، والتي تُرفض في الظروف العادية، ولاسيما مشاريعه ذات الأبعاد السياسية باسم العلم، ولنأخذ على سبيل المثال جمعية علم النفس الأمريكية (American Psychological Association) التي تختصر (APA) وهي أكبر جمعية علمية ومهنية للنفسانيين على مستوى العالم، إذ تضم بين صفوفها نحو مائة وسبعة وثلاثين ألف عضو من مختلف الاختصاصات العلمية والنفسية، وهي جمعية أسسها "غرانفيل ستانلي هال" ((G. Stanley Hall (ت: 1924) سنة ١٨٩٢، وتتخذ من واشنطن دي سي مقراً لها.

هذه الجمعية وفق المقاييس العلمية العامة، تبدو جهة علمية محايدة، تبغي تسخير مخرجات العلوم لإسعاد الإنسان في العالم، والمفروض بها أن تتجنب الدخول في نزاعات ومهاترات ضد الإيمان؛ الذي هو الآخر يسعى إلى إسعاد الإنسان في العالم، لكنها لم تحترم مهنيتها وحيادها حينما علمنت رؤية قابلة للتفكيك والتسقيط حالها حال أي رؤية تشكيكية أخرى، لتُسقط من خلالها أقوى ركائز الإيمان، وهي الإيمان بالإله القادر المقتدر الذي لا حدود لسلطته ولا منازع له، وبالتالي أنفقت خمس سنوات في البحث عن تأثير الإيمان الصادق على الحالة النفسية للمؤمن، لتخرج بمحصلة تقول: "إن الإيمان القوي في إله أو سلطه عليا قدسيه، يعوق قدرة المرء على اتخاذ قرارات واعية حول المسائل بحس السليم، وبالتالي يمكن تصنيف هذا الإيمان على أنه مرض عقلي". بمعنى أنها بجرة قلم حولت مليارات البشر الذين يعبدون آلهة وأربابا مختلفون إلى مجرد مرضى عقليين يحتاجون إلى من يعيد ترتيب حياتهم وطلباتهم ورؤاهم وسلوكياته، مع أن مجموع الملحدين أو اللادينيين أو الذين لا يؤمنون برب في العالم كله لا يزيد عن نسبة 16% من مجموع البشر في الكرة الأرضية.

ورأيهم هذا مخالف لأبسط متعارفات العلوم والعقائد التي أثبتت بالدليل القاطع أن الإيمان يبعث في النفس ثقة وإصرارا، ويُشعر المرء بالنقاء النفسي الداخلي، ويشحذ هممه، ويجعله متعاونا مع الغير، موقنا أن كل عمل إيجابي يقدمه إلى أخيه الإنسان منفرداً والمجتمع بكليته سيجد قبالته أجراً أخرويا، يجعله في منتهى السعادة والفرح.

وهذا خلاف النتائج التي توصلت إليها أبحاث الجمعية من أن شدة المرض العقلي الذي يؤمن به الإنسان المؤمن تختلف حسب نظرته إلى الله تعالى، فالذين ينظرون إلى الله بطريقة (عقابية) يصابون باعتلال الصحة العقلية، أما أولئك الذين ينظرون إلى الله على انه خير، فهم حتى لو لم يكونوا يعانون من المشاكل النفسية، إلا أنهم يشتركون مع الفئة الأولى بكونهم يعانون من انفصال عن الواقع! أي أن المؤمنين لا يرتبطون بالواقع مهما كانت درجة إيمانهم!.

إن الجمعية والقوى المسخرة لها، والتي لا يختلف اثنان على أدوارهم التخريبية التي تسببت في كل ذلك الدمار والخراب الذي أصاب الإنسانية من خلال تلك الحروب الكونية العبثية التي أججوا نارها، يوم قادوا البشرية إلى حافة الفناء، تحاول التملص من جرائمها التاريخية، بنسبتها إلى المؤمنين الذين طالما اعترضوا على تلك العبثية وانتقدوها وعملوا ضدها، واتهموا الذين أشرفوا عليها بأنهم مضطربون عقليا، لسبب بسيط وهو أنها بدأت تشعر بالعار من ذلك الهوس المخزي، وهي في سبيل الدفاع عن منهجها أخذت تبحث عمن تَعْصِب برأسه إخفاقاتها التاريخية، فلم تجد أضعف من الدين والمؤمنين به، بعد أن أنهكته خلال السنين الماضية بأنواع التهم الباطلة، وحمَّلته أكثر من طاقته، ولذا، خرجت بنتيجة تقول: "سبب المعتقد الديني، وفكره الله الغاضبة، الفوضى والدمار والموت والحروب على مدى قرون. وقد حان الوقت لتصنيف هذه المعتقدات البالية على أنها (اضطراب عقلي)" وقد فات الجمعية والمدافعين عنها والداعمين لها أنهم وقعوا في خطأ تاريخي فاضح حينما تحدثوا من دون قصد عن مخرجات ونتيجة اتهام المؤمنين بالاضطراب العقلي بأنها أول خطوه من العديد من الخطوات اللاحقة بالاتجاه الإيجابي. فهذا القول فضح لعبتهم وأوضح أنهم يسعون إلى محق الإيمان من الصدور لكي يمرروا قوانينهم التي تعترض عليها الأديان دون معرقلات، فالدين والإيمان هما حجر العثرة الكأداء في طريقهم نحو تحويل العالم إلى كيان ملحد لا يخاف عقابا ولا يجد رادعا، فيفعل ما يشاء متى يشاء، وبالتالي لا يهمه من يحكمه وما نوع القوانين التي تنظم حياته.

وأن تكون تلك التهمة المنكرة أول خطوة من مشروع التذعين القسري، فلابد وأن تكون الخطوات بعدها أشد إنكارا وغرابة وقسوة وشذوذا بحق من يتهمونهم بأنهم غير قادرين عقليا على اتخاذ القرارات الصحيحة!.

والظاهر أن طرح هذه الرؤى في هذا الوقت الحساس من عمر البشرية بالذات، جاء ليعلن أن مشروع التغيير الكوني الذي تتبناه الدول العظمى والقوى الخفية، دخل مرحلة التطبيق بعد أن تجاوز مرحلة التمهيد من خلال كل تلك الفوضى التي أحدثها منذ الأيام الأولى لبناء تنظيم القاعدة، مرورا بالربيع العربي الأجرب، وصولا إلى الحروب العبثية كما في العراق وسوريا واليمن والبحرين، وهي الحروب التي أنتجت كما كبيرا من ردود الفعل السلبية؛ التي أنتجت بدورها أعدادا كبيرة من ضعفاء الإيمان، ومن لا إيمان لهم، بعد أن تخلوا عن إيمانهم!

إن الذي أراه والذي تعلمته من خلال تجربتي في الحياة أن الإيمان بالله والتمسك بالمعتقد الديني، ولا أقصد ديناً بعينه، بل كل دين يؤمن بوحدانية الله تعالى، هو الضمانة الأكيدة لسلام الدنيا، وهو الرابط بين الإنسان وإنسانيته. ويبقى اليقين أن من أعتقد بحجر كفاه سمة غالبة في طبائع البشر الذين لا يمكن ان يتنازلوا أو يتركوا البحث عن قوة يستندون إليها وقت الأزمات والحاجة على العون.

 

الدكتور صالح الطائي