 قضايا

صادق السامرائيهناك أسباب عديدة للانتحار تتكرر في الكتابات ومنتشرة على مواقع الإنترنيت، ولست معنيا بها لأنها خالية من التفاعلات الإيجابية الصالحة للوقاية من الانتحار، وسأتناول بعض الأسباب المغفولة في مجتمعاتنا، التي لها دورها المؤثر في تأهيل البشر للوقوع في دوامة الإنقضاض على النفس وإطعامها للتراب، وبعض الإقترابات التداخلية اللازمة لها.

 الأسباب:

- إنعدام المساواة الخدمية

تقديم الخدمات لأبناء المجتمع بالتساوي يساهم في تأكيد قيمة المواطن ويشعره بأهميته، وبضرورة تواجده وتفاعله مع الأيام بإيجابية وإبداعية لتقوية المجتمع الذي ينتمي إليه، وبعكسه تتحقق أضرار نفسية شديدة تدفع بالمواطن إلى الجزع، وإتخاذ المواقف السلبية من الحياة بكينونتها الذاتية والموضوعية، مما يساهم في تأهيله لتفريغ كل شيئ من معناه ومحتواه.

- الطائفية والمذهبية

للطائفية والمذهبية دورهما الفتاك في تأجيج مشاعر الغضب والبغضاء في النفوس البشرية، مما يدفع إلى تفاعلات إنتقامية ومضايقات عنيفة توقد المشاعر السلبية، وتحيل المجتمع إلى تنور ملتهب تنسجر فيه الموجودات، وتنطلق السلوكيات المضرة بالفرد وما حوله، ومنها أن يقدم المواطن على الانتحار وقد يقتل العديد معه إنتقاما من مجتمعه الذي ظلمه وأعدمه.

- الإقصائية

من أخطر السلوكيات عندما تتخذها الحكومات وسيلة للحكم والهيمنة على مقدرات الآخرين، وإتهامهم بما ليس فيهم، وإشاعة الكذب المعبأ بالإزراء المتكرر، والذي سيتحول إلى وصمة كبيرة يصعب إزالتها، أو إثبات عدم صدقها، لأن الذي يقصي يمتلك الأدوات الإعلامية المادية والعسكرية الكفيلة بإرغام المُقصى القبول بما يوصف به ويتصرف بموجبه.

- النتائج السلبية المتراكمة

عندما تتراكم السلبيات في المجتمع فأنها تحقن المواطنين بسموم اليأس والقنوط والإستسلام لما لا يريدون ولا يرغبون، وتدفع بهم إلى سلوكيات معبرة عمّا يعتريهم من المشاعرة المناهضة للحياة، والمحببة للموت والإنقضاض على معالم الدنيا ونكرانها والهجوم عليها بشتى الوسائل المتاحة، وذروتها تتلخص بالإجهاز على النفس والتخلص منها.

- الإجحاف في تقديم الخدمات الأساسية

تقديم الخدمات الأساسية التي تقرها حقوق الإنسان، تعني العمل على إسعاد المواطنين في أي مجتمع، وعندما تعمل الحكومات بغير ذلك وتتخذها وسائل للحكم والقبض على مصيرهم، فأنها تدفع بهم نحو منحدرات التداعيات المريرة، وما يتأتى من تفاعلاتها وتواصلاتها مع ما يساهم في تعزيزها وتنمية معطياتها الفتاكة.

- قلة البحوث والدراسات

أية حالة تندر فيها البحوث والدراسات تتحول إلى معضلة مزمنة ومصدر للوجيع المروع، وبما أن موضوع الانتحار في مجتمعاتنا لا ينال ما يستحقه من الدراسات والبحوث الرصينة العلمية المناهج والمواصفات، فأن الإقتراب منها يكون ضعيفا وخاليا من المعلومة الصحيحة اللازمة لإتخاذ القرار الصائب القويم.

- العوامل المؤدية للكآبة

من المعروف والشائع أن نسبة مهمة من المصابين بالكآبة يقدمون على الانتحار، وعندما نتصدى لأسباب الكآبة ونحرر الأيام من عناصرها ومفرداتها، فأننا نعمل على تقليل الانتحار، أما عندما نجتهد في توفير ما يؤدي للكآبة فأن نسبة الانتحار ستزداد وتتطور، وما يجري في واقع مجتمعاتنا أن الكآبة صارت مشاريع للنيل من الآخرين.

- الإبلاس والقنوط

إنعدام الأمل وغياب القدرة على الإتيان بجديد واعد، والقول بأن ليس في الإمكان خير مما كان، من الاسباب المهمة المؤثرة في السلوك الانتحاري، لأن البشر يتملكه شعور بالإستنقاع والتأسن والتمحن في دنياه، فيعمل على التخلص من أصفاد همومه وأوجاع ما فيه من الطاقات والتطلعات، وعندما تغلق أمامه المنافذ وتنعدم المخارج يكون خيار الانتحار من الأولويات التي سينجذب إليها.

- نشر الإحساس بعدم الجدوى

نشر ثقافة اللاجدوى وما يرافقها من أفكار ومشاعر ضارة بالفرد والمجتمع، يدفع بإستنهاض ما يتوافق معها من التفاعلات والسلوكيات اللازمة لتعزيزها، وتأهيلها للإنطلاق نحو مشاريع تدميرية جذابة لمزيد من الإندحارات التدميرية الضرورية لدفع البشر إلى ما لا تحمد عقباه، فتراه يتقافز إلى ميادين الهلاك والإهلاك الفردي والجماعي.

الخراب السائد والعمران الغائب

الخراب يبعث اليأس في النفوس، والعمران يشحنها بطاقات التفاؤل والأمل، وكلما تزايد الخراب ألمَّ بالمجتمع الحزن والإحباط، وعندما يتنامى العمران وينتشر تنتعش الإرادة المجتمعية، ويتطلع الناس نحو المستقبل الأفضل والحاضر الأجمل، وهذه المشاعر والتفاعلات تؤدي للعدوان على النفس كما أنها تساهم في عزتها وعلاء قيمتها ودورها.

- الفساد

من العوامل الخطيرة المغفولة في حياة المجتمعات والشعوب، أن الفساد له دور مهم في التنكيل بالبشر والتأثير على وجودهم وتفاعلاتهم مع الآخرين، وكلما زاد الفساد زاد الظلم والقهر والإمتهان والجور والتقليل من قيمة الإنسان، مما يدفع لمزيد من التفاعلات السلبية المؤدية إلى النيل من الحياة وما يمثلها ويأتي في مقدمتها البشر.

- أوبئة الكراسي

التسابق نحو الكراسي وفقا لمعطيات مجحفة وإستحواذية يساهم في إنتشار المحسوبية، وترسيخ المظالم ومصادرة حقوق الناس وتعويق تطلعاتهم وإنطلاقاتهم، وهذه المصدات المتسببة بمعوقات شديدة تدفع إلى تأجيج المشاعر السلبية وتنميتها لتكون مؤهلة للتعبير عن طاقاتها التدميرية بأنواعها.

- نعرف ولا نعمل فلا قيمة للمعرفة بلا عمل 

تفريغ البشر من قيمة المعرفة ودورها في صناعة الحياة الأقدر والأكثر معاصرة وإنطلاقا نحو الأفضل، يؤسس لبناء الحالة النفسية المناوئة للحياة، ويدفع بأصحابها إلى إرتكاب تصرفات ذات نتائج مروعة، ويكون في مقدمتها العدوان على النفس، وقد يتوسع بالإقران ليشمل ما حوله.

- الواقع الهرموني والبيئي

للتغيرات البيئية دورها في دفع الموجودين فيها إلى القيام بعمل ما، ولإرتفاع درجات الحرارة والجفاف، تأثيرات على المكونات الكيمياوية في الدم، مما يتسبب بسلوكيات ناجمة عن نقصانها، بل حتى قلة الماء في الجسم قد تشيع القابلية على سرعة الغضب والإستجابات الفورية القاسية.

عدم القدرة على تحويل المعلومات إلى أجندات ذات قيمة عملية إيجابية

هذا السلوك يمثل العجز الحضاري القاضي بالقنوط والإبلاس وفقدان قدرات التواصل مع نبضات الحياة، والإمعان في الإنتكاس والإنكسار وتراكم الإحباطات، ويدفع إلى الإستسلام والخضوع والإرتهان بالآخرين، وتنامي مشاعر الإنتقاصية وفقا لأوهام تفوقهم الإقتداري وعجزنا التفاعلي المعطاء.

المعالجات:

- النشطاء الإجتماعيون والإعلاميون

دورهم توعوي ويقظوي لإخراج الناس من ظلمات الجهل النفسي، ولإيقاد أنوار المعرفة التي تؤهلهم للتفاعل مع الحياة، بإرادة مقتدرة على البناء والعطاء الأجزل. وإذا تغافلوا عن دورهم وأصبحوا أدوات لتمرير ما يساهم في التفريغ الجماعي من إرادة حب الحياة، لما يواجهونه من إحباطات منظمة، وإنتكاسات مبرمجة للتعجيز والتقعيد والتخميد، فأن مسيرة مجتمعاتهم ستكون تدحرجية ومأساوية.

- التداخلات الوقائية والعلاجية

"الوقاية خير من العلاج " قول ضارب في أعماق الأجيال وعلى مدى قرون وقرون، وتحول إلى لفظ بلا قيمة عملية أو إنجازية يعيها الناس في المجتمع، فالتوقي من الأخطار حالة مبهمة في واقعنا المعاش، ورغم تعلم هذه العبارة في السنوات الأولى من الدراسة الإبتدائية، غير أن التطبيق العملي لآلياتها مجهول، والأمية الوقائية سائدة على مر العصور.

- الأفكار والستراتيجيات

مجتمعاتنا يعز فيها المفكرون الستراتيجيون القادرون على اِلإتيان بما ينفع الناس ويزيدهم قوة وعزما على مواجهة التحديات، فأكثرهم يحلقون في مدارات بعيدة عن الواقع اليومي، وفشلوا في تقديم الحلول اللازمة لصناعة ما هو أفضل، وبسبب ذلك تراكمت المشكلات وتعضلت، وأصابت الناس بالمشاعر السلبية والأحاسيس الدونية، مما أهلهم للإنقضاض على حياتهم لفقدانها لجدواها.

- تغيير على مستوى الأفراد والمجتمعات

التغيير أن نأتي بحالة سلوكية صالحة تشافينا من تداعيات الحالة القائمة، ولا بد لها أن تنطلق من الأفراد أولا، وبشيوعها بينهم تصبح تيارا مجتمعيا قادرا على ترسيخ سلوك جديد صالح لبناء الحياة الحرة الكريمة للمواطنين، وبغياب هذه الهمة، يخيّم العجز والقنوط على النفوس ويدفع بها إلى إنهيارات تفاعلية قاسية وذات خسرانية عالية، فيأكلون ذاتهم وموضوعهم.

- إعادة ترسيم الأولويات

يقترن المفهوم بالدولة إن كانت ناجحة أم فاشلة، فالدول الفاشلة تعيش مآزق تدميرية متواصلة، لأن شرائع الغاب فاعلة فيها، فالدول الفاشلة بلا دستور مؤثر ولا قوانين منصفة، وإنما السلطة الحقيقية بيد المجاميع المسلحة والفئات المتأسدة التي ترى الأمور وفقا لأهوائها، وتطلعاتها المنحرفة المجردة من الإعتبار لحقوق الآخرين، مما يجعل المواطن في محنة الضياع والإنهيار النفسي والفكري والروحي، فيتحول إلى قشة في مهب الإنقضاضات الجائرة عليه.

- برامج متنوعة الجوانب والتوجهات والتخصصات

البرامج العلمية التعليمية المعاصرة تكاد تندر في وسائل الإعلام عندنا، ويتحقق التركيز على البرامج القابضة للنفوس والمؤججة للمشكلات، والخاوية الحلول والإجراءات، فما يذاع ويقدم وينشر، يعتبر محض هراء، ما دامت قوة القرار في مأمن ومحمية من القوى ذات المصالح الكبرى فيما يكون عليه الحال، ولهذا يذهب المواطن إلى إبتكار وسائل لزعزعة كراسي القوة والتسلط على مصير الناس، وإيقاظ ضمائرهم، ويتناسون أن لا حياة لمن تنادي.

- زيادة الوعي النفسي

ويبدو وكأن الوعي النفسي من المحرمات، مع أن القرآن فيه العديد من الآيات التي تحض على وعي النفس وتهذيبها وإرشادها، ومعظم التوجهات الأخلاقية تستهدف النفس الأمارة بالسوء والبغضاء، بينما تجد الذين يدّعون الدين يحالون تجهيل الناس بأنفسهم، وتخنيعهم ووصفهم بما ليس فيهم للحفاظ على مكانتهم ودورهم في إمتهانهم وإمتلاكهم.

وهذا النهج يؤدي إلى تداعيات خطيرة يكون في مقدمتها الانتحار الفردي أو الجماعي.

- تخصيص ميزانيات للرعاية النفسية

الرعاية النفسية في مجتمعاتنا لا تحضى بما تستحقه من الإهتمام والإلتزام، بالمقارنة بما تتلقاه في المجتمعات المتقدمة، فأنظمة حكم دولنا تعادي الثقافة النفسية، ولا تريد تسليط الأضواء عليها، لأن العديد من أصحاب الكراسي مصابون بإضطرابات وعلل نفسية تتسبب بتدمير بلدانهم، فعللهم النفسية مقدسة، وعلل المواطنين لعنة وسبة، وعليهم تجاهلها، ولتأكل النار حطبها.

- ثقافة الأمل والتفاؤل

الواقع العربي تزدحم فيه الكتابات الإحباطية المترعة باليأس والقنوط، والمشحونة بالتيئيس والإبلاس والإنتكاس، والدفع بإتجاه الإنكسارات والنكبات، وعدم الدعم المتواصل لتعزيز الإرادة ووضع الحجر الأساس لمشاريع تفاؤلية ذات قيمة تحفيزية وتوثبية، ولا بد لمنطلقات التفاؤل والأمل من السيادة على الوعي الجمعي لكي يتحقق بناء الحياة الحرة الكريمة.

- الشعور بالإقدام

الإقدام: الإسراع في إنجاز العمل دون توقف، وفيه بعض المخاطرة والمغامرة.

والإقدام في جوهره توثب نحو المستقبل، ولكي يكون الحاضر أجمل لابد من التفاعل الجاد مع المستقبل، فالعمل برؤى المستقبل تبث الحماس وروح التفاني والإبداع في النفوس، وتدفعها نحو النشاطات الحضارية الراسخة في وجدان الأجيال المتوافدة.

- المشاركة في صناعة الحياة

يجب أن يشعر المواطن بدوره في صناعة الحياة الوطنية، وعليه أن ينجز مهمته بإخلاص وإرادة صادقة تملي عليه إطلاق ما فيه من طاقة الخير والفضيلة.

وذلك يتأتي من تعميق الشعور بالمسؤولية تجاه النفس والمجتمع والوطن، وإدراك أن قيمة الوطن تكونها قيمة مواطنيه.

- حل مشكلة السكن

مشكلة السكن من المعاضل المزمنة المدمرة لنفوس المواطنين والمتسببة في همهم ويأسهم، وجزعهم المروع الذي يدفعهم إلى ما لا تحمد عقباه، فالحكومات عجزت منذ تأسيس دولنا على أخذ موضوع السكن على محمل الجد، ولم تتعلم بناء المجمعات السكنية كما فعلت الدول الإشتراكية في القرن العشرين، وكذلك الصين، وقهر السكن يؤدي إلى تراكمات نفسية سلبية قد تتفاقم وتنتهي بمأساة انتحارية.

- القضاء على البطالة

من أخطر أسباب فقدان الشخص لقيمته ومعنى حياته أن يكون عاطلا عن العمل، وبلا قدرة على التفاعل مع مجتمعه، وتأمين راحته النفسية وإرضاء حاجاته الأساسية، مما يتسبب بإنكسارات خطيرة وتداعيات نفسية أليمة، تفرغ الحياة من قيمتها وأهميتها، ويكون الموت المهرب الأقرب منها.

- زيادة الدخل

المواطن يجب أن يحصل على دخل يكفي لتأمين حياة حرة كريمة له ولعائلته، وعندما تغيب قدرات الدولة على توفير ذلك خصوصا في الدول النفطية الثرية، ويتسيد الجور والفساد والإستحواذ على ثروات الشعب وإيداعها في البنوك الأجنبية، وحرمان المواطنين من أبسط الحاجات، فأن في ذلك حث لهم على اليأس من الحياة والإستسلام لإرادة الموت.

- الإسناد النفسي والتداخل الوقائي الطوارئي

لا بد من تواجد الفرق الطبية المؤهلة للتداخلات السريعة اللازمة لمنع المنتحرين من إنجاز مهمتهم، وذلك بوعي العلامات الدالة على سلوك الانتحار، وفي العديد من دول العالم هناك خطوط ساخنة تساعد الذين لديهم أفكار انتحارية على تغيير وجهات نظرهم ورؤية الحياة بمنظار آخر.

- حملات التوعية النفسية

التوعية النفسية من ضرورات الحماية من المخاطر الجسيمة للتداعيات النفسية ومنها الرغبة في الانتحار، فعندما تكون العائلة يقظة وكذلك المجتمع، فأن الوقاية من الانتحار ستكون أكثر تحفزا، ومبررات الحيطة والحذر قائمة ومؤثرة في تأمين السلامة، وتوفير الرعاية الكفيلة بمنع إنجاز مشروع الانتحار والتاسيس للمآسي والويلات.

- زيادة المساحات الخضراء

العديد من مدننا تكاد تخلو من اللون الأخضر، وتتميز بأنها جرداء، وكأن الناس فيها تعادي الشجر، فلا توجد ثقافة زراعية وتوعية كافية بأهمية الأشجار والحدائق والمتنزهات للسلامة النفسية، والصحة السلوكية، مما يستوجب الإهتمام بزيادة المساحات الخضراء في ربوع مدننا.

- الإنتصار على الأمراض المزمنة

توفير الرعاية الصحية المتوافقة مع معطيات العصر، لمعالجة الأمراض المزمنة والحفاظ على حياة أصحابها، وتأهيلهم لممارسة نشاطاتهم اليومية بما يمدهم بمشاعر إيجابية، له دوره في حمايتهم من الإنزلاق في متاهات الإنقضاض على وجودهم، وهذا يستدعي بناء المستشفيات والمراكز الصحية ذات القدرة المعاصرة على إستيعاب حاجات المواطنين.

- الإهتمام بالمدارس الإبتدائية ومواقع التعليم

المدارس الإبتدائية هي الحاضنة الأساسية التي تؤهل المواطن للتواصل في مسيرته في البلاد، وعندما تكون بائسة وخالية من أبسط الشروط الكفيلة بالتربية والتعليم، فأنها ستزرع في نفوس التلاميذ بذور الإنكسارات والإحباطات، وترسم على وجوههم قسمات اليأس والحزن والإكتئاب المهين، ومن أخطر ما يساهم بالسلوك الانتحاري أن يُبذر في نفوس التلاميذ في الصغر ما يدفعهم لمعاداة الحياة ورفضها.

- نشاطات تحسين اللياقة النفسية والبدنية

للتفاعلات الحركية دورها في بناء النفس القويمة، فالنفس السليمة في الجسم السليم، لأنه يمدها بمؤهلات التواصل المطمئن مع محيطها، ولهذا يكون للنوادي الرياضية والنشاطات البدنية أهميتها في بناء القدرة النفسية المتماسكة المتمكنة من صناعة إرادة الحياة الأبية، التي تنفر مما هو سلبي وتتمسك بالإيجابي الآخذ بها إلى آفاق أرحب وأفضل.

- برامج منع التعويق النفسي

التفاعلات التربوية في بعض مجتمعاتنا ذات طابع تعويقي نفسي، فمنذ الصغر تضخ في وعي الأطفال ما يشجعهم على اليأس والعدوان، ويعلمهم السلوكيات الغابية القاسية، وهذا يمهد لبناء القاعدة الصالحة لنماء الأفكار المناهضة للحياة الطيبة، فيندفعون بإتجاهات ذات تداعيات انتحارية أو إجرامية، وعليه فالمطلوب إعداد البرامج القادرة على صناعة الأجيال المتفائلة الواعدة بالخير والفضيلة.

ما تقدم إقتراب عام فلكل مجتمع عناصره المتفاعلة والمؤدية إلى سلوك الانتحار، ولا بد من أخذ خصوصيات المجتمع بنظر الإعتبار عند تناول موضوع الانتحار فيه، فالسلوك البشري يتأسس في أوعيته الإجتماعية، وينطلق منها إلى غاياته الكامنة في أصحابه.

***

د. صادق السامرائي

 

علجية عيشمفارقات فكرية حول الفكر الديني ونقده

البحوث التي سلطت الضوء على الفكر الديني ونقده خلصت إلى أن "النمذجة" هي الإشكال المعرفي الذي يقع فيه الفكر الديني، ومشكلة الوعي الديني تعاني من الإحساس بالاكتفاء والتميّز، إذن لا يمكن للإنسان أن يعتقد أنه يملك الحق وغيره على باطل، والخطاب العاطفي يحتاج إلى تحليل اجتماعي، إن غياب الاجتهاد جعل الإنسان خارج مجال النهضة والتحضر، وقد وصف مالك بن نبي العالم الإسلامي اليوم بـ: تراكمات في هيئة فوضى وقال أن العالم الإسلامي اليوم خليط بين بقايا موروثة من عصر ما بعد الموحدين وهو خليط لم يصدر عن توجيه واعٍ وتخطيط علمي أدى ذلك إلى خمود إشعاع الفكر الديني ومن ثم دخل الإنسان مرحلة ما يعد الحضارة، حسب مالك بن نبي فالعقل عندما يفقد السيطرة على الغرائز تتحرر هذه الغرائز فيحدث انخفاض في مستوى الأخلاق وفي الفعالية الإجتماعية للفكرة الدينية، فيصبح المجتمع منحلا أخلاقيا ومتفسخ حضاريا فيدخل في مرحلة ما بعد الحضارة

في دراسة له حول نقد الفكر الديني في الخطابات العربية المعاصرة نشرت في صحيفة المثقف التي يرأسها المفكر والناقد ماجد الغرباوي يربط محمد زكاري ظهور النهضة العربية بميلاد تيار سلفي وجد ضالته في كتابات القدامى الداعية إلى الإقتداء بالسلف كابن تيمية غير أن هذا التبار ما فتئ أن ينقسم على نفسه بظهور تيارات أخرى فأنشأ كل تيار سلطة على طريقته الخاصة بحجة أن تخلف المسلمين سببه تخليهم عن الفكر الديني وعن العقيدة الصحيحة وعن الاجتهاد وأعطوا لهذه السلفية صبغة دفاعية ضد كل ما هو غربي أو كل من هو خارج السلفية، يرى هذا الباحث أن الفكر الديني احتل مساحات هامة من مجالات التفكير في واقع المسلمين، فقد رأى التيار السلفي أن إحياء الإسلام ضرورة مطلقة في مواجهة الثقافة التغريبية، وقد شكلت هذه اللحظة مخيال الجماعات الإسلامية بدءًا من الإخوان المسلمين، جماعة الهجرة والتكفير، ثم القاعدة ثم داعش لدرجة أن الخطاب الديني أعطيت له صبغة الدعوة إلى الجهاد بعد ظهور فتاوى بعضها متطرف، فكان من الضروري توجيه انتقادات لهذه الجماعات التي كانت سببا في انحباس الفكر وانغلاقه.

لم يُعَرّف محمد زكاري في دراسته ماهية الفكر الديني وكيف نشأ، إلا أنه أشار إلى وجود عاملان في تشكيل الخطاب الديني وذكر العامل الذاتي الداخلي المتعلق بمحاولة التفكير في أحوال الانحطاط الإسلامي والعامل الخارجي المتعلق بالتدخل الأجنبي والهيمنة الاستعمارية، وتحدث عن العلاقة بين الدين والفكر والعلاقة بين الدين والسياسة، هذه العلاقة بدأت منذ الأمويين إلى اليوم، يقول محمد زكاري أن نقد الفكر الديني يقتضي نقد نصوصه كما يقتضي فصل النص عن مدلوله الزمني، فلو أخذنا على سبيل المثال قضية سفر المرأة بمفردها دون محرم، فالفارق الزمني ين تلك العهود التي لم تكن وسائل النقل فيها متوفرة عكس ما تعيشه في عصرنا هذا، ففي زمن مضى كان الناس يسافرون مشيا على الأقدام في الصحاري ويستخدمون الجمال لنقل عليها أغراضهم، أما اليوم فالأمر يختلف بوجود كل أنواع السفر السريعة كالقطار والباخرة والطائرة ففي وقت قصير جدا تجد نفسك في المكان الذي تريد الذهاب إليه، فكيف نحرم المرأة التي لا محرم لها إذن من حقها في التنقل للدراسة أو للعمل؟.

 فقد ظهرت فتأوي متطرفة تصر على ضرورة بقاء المرأة في البيت بالاعتماد على الآية (وليقرن في بيوتهن ولا يتبرجن تبرج الجاهلية)، ثم أن نقد الفكر الديني يحتاج إلى قراءة متأنية ومساءلة وحضور (ذهني) مطلق أمام النصّ فلا ينشغل الذهن بمسائل أخرى قد تخلط عليه كل الأوراق، لأن موضوع الدين متصل عادة بالعاطفة الذاتية والمخاطبة المنهجية تقتضي الموضوعية، فقد يكون عمر النص لمدة زمنية محددة وبالتالي نقول أن صلاحيته انتهت، كما أن النص ما أن يصل إلى القارئ يصبح ملكه يخضعه للتحليل والتأويل (وليس للتمييع) حسب الثقافة السائدة في نجتمع ما والعصر الذي يعيش فيه ذلك المجتمع، يقدم محمد زكاري مثالا حيا عندما شبه ذات القارئ كما لو أنها في غرفة " مرايا"، كلما نظرت إلى زاوية من زوايا للنص فإنها تشكل نفسها من جديد، ويفهم من هذا المثال أن نقد الفكر الديني يشترط "الحيادية"، فلا فرق إذًا بين القراءة المقدسة للنصوص والقراءات الأخرى، أي ليس بالضرورة أن تكون للنص المقدس قراءة مقدسة لأن القراء بشر والبشر ليسوا مقدسين أو معصومين من الخطأ، فمثلا في سورة الفاتحة ثمة اختلاف في تفسير السورة خاصة في عبارة "غير المغضوب عليهم" فقد اختلفت التفاسير في هذه العبارة وأحدثت جدلا بين الأصوليين والحداثيين إن كان الخطاب موجه لغير المسلمين (الكفار) أم هو موجه للمسلمين العاصين أم الملحدين الذين خرجوا عن ملة الإسلام؟

الأصوليون والمحدثون وكيفية التوفيق بين خطاب العقل وخطاب العاطفة

و أمام هذه الظاهرة، ظهر جمهور من المحدثين يطالب بضرورة تحليل النص المقدس وتأويله، أراد صاحب الورقة القول أن نقد الفكر الديني وجب أن يكون مجرد من الذاتية والتعصب الديني ويلاحظ هنا أن محمد زكاري كان مبالغ جدا عندما قال أنه ينبغي على القارئ أن يكون "مريخي" حَلَّ لتوه على الأرض، ويخلص إلى أن مساءلة العقل للمعرفة تسبقها شروط لتحقيق مساءلة بين الموروث الثقافي والوجدان العاطفي، هذه المسافة حسبه أنتجت نمطين من التفكير، النمط الأول يرى أن العقل العربي لا سبيل له للتقدم إلا من خلال إحياء الإسلام دينا ودنيا والنمط الثاني يرى أن الإسلام إنما هو ثمرة لحظة تاريخية سياسية ثقافية وأن الواقع لا يُرى إلا في ميزان التقدم، ولذا يمكن القول أن الجماعات الإسلامية أو التيار السلفي (المتشدد) إن صح القول الذي يمثل النمط الأول أهمل جانبا مهما بل حساس جدا وهو أنه لم يعمل بفقه الواقع.

كانت هذه ورقة محمد زكاري لنقد الفكر الديني مع بعض الملاحظات لتقريب الفكرة ليس إلا، ويقابل نقد الفكر الديني آراء باحثين آخرين ومفكرين وفلاسفة اشتغلوا في الفكر الديني وأسسوا منهجا فكريا لموضوعاتهم إلا أنهم واجهوا مشاكل كثيرة أمام المحدثين قبلهم في حقب التاريخ الإسلامي، حيث طرحوا أسئلة تتعلق بكيفية التوفيق بين خطاب العقل وخطاب العاطفة ومدى تحكم العاطفة في هذا العقل، كما تساءلوا عن العلاقة بين الدين والعقل والعلاقة بين الدين والسياسية والتوفيق بينهم من أجل إعطاء الصفة العلمية للتفكير الديني أو الفكرة الدينية التي تحدث عنها المفكر الجزائري مالك بن نبي وآخرون، كانت هناك مقاربات بين الاتجاه الكلامي (من طبقات المتكلمين من سُنّة وشِيعَةٍ ومعتزلة وبعض الفرق الإسلامية) والاتجاه الفلسفي والاتجاه الصوفي العرفاني الذي تجاوز العقل ويقابله الاتجاه العلماني.

ولفهم الفكر الديني فهما صحيحا يرى المفكرون أنه يرتكز على عدة أصول هي: ( اللغة، النص القرآني، الحديث النبوي) ويلاحظ هنا أن البعض أعطى للحديث النبوي صفة القداسة، فإذا كان الأمر كذلك هل الأحاديث الضعيفة مقدسة أيضا؟ ولماذا ظهر جمهور من العلماء (الألباني) لتصحيح الأحاديث النبوية بما فيها الأحاديث الصحيحة التي صدرت عن الأئمة الأربعة الموثوق فيهم والمشهود لهم بالعلم والإجتهاد (الإمام الترمذي ومسلم وأبو هريرة والبخاري)، كما ظهرت عوامل أخرى يمكن تسميتها بـ: "الواقعية" وهي التاريخ والواقع الاجتماعي، كما يحاول بعض المفكرين تجديد مجال العقل فنجدهم يتحدثون عن العقل المجرد وعلاقته بالفكر الديني وقالوا أن العقل في الثقافة الإسلامية لابد أن يرتبط بمفاهيم متناسقة مثل: الفكر، الوعي، الثقافة والتراث، وتحدث آخرون عن العقل المُسَيَّسْ والعقل البراغماتي، يلاحظ أن محمد زكاري لم يقدم تعريفا دقيقا للفكر الديني، فقد عرفه بعض المفكرين بأنه الأسلوب التاريخي لفهم مبادئ الدين وتطبيقاته، ويرون أنه لابد من إعمال العقل في النص الديني لحل معضلات الواقع ومحاولة التوفيق بين القوى المتصارعة داخل الإنسان وفي واقع الحياة، المسألة إذن معقدة لأن تعامل الفكر هو تعامل مع اللغة الدينية أي مع النص المقدس، لا يختلف اثنان إذن أنه كلما ظل الصراع حبيسا بين الأشخاص من الصعوبة بمكان بناء دولة دينية (إسلامية)

 المسألة كما يقول أحد الباحثين ومنهم الدكتور الهادي محمد السعدي متخصص في علم الاجتماع في كتابه بعنوان: الفكر الديني عند مالك بن نبي، مرتبطة بـمفهوم " التديّنِ" والتدين كما قال لا يتوقف على شخص وإيمانه بل يمتد إلى الجماعة التي تقتنع بالفكرة الدينية، كان هذا في وقت كانت الجماعة تسيطر على الفرد وتتحكم في حياته وعلاقته (تاجماعت في منطقة القبائل، والمرابطين، كنموذج)، أما بعد ظهور الديمقراطيات وحقوق الإنسان وحرية التفكير والرأي وحرية التنقل لم يعد هذا المصطلح موجودا في الأدبيات الحديثة، ثم ماذا نفهم من عبارة التدين، هل السلوك أم الزيّ الإسلامي، وما يصدر من فتاوى لدرجة أن البعض كفر بكل الفتاوي، حتى المفاهيم تغيرت، بحيث أصبحت هناك مطالب بالدولة الإسلامية كمفهوم إيديولوجي بدلا من الدولة الدينية، أما رجل الدين فقد ما كان يتمتع به من مميزات كرجل دين في زمن مضى، كان رجل الدين هو الذي يحكم في مكان المَلِكْ، أما رجل الدين اليوم فهو ينفذ ولا يقرر، ينفذ ما تمليه عليه السلطة وهي التي تحدد له المواضيع التي يقدمها في خطبة الجمعة مثلا.

هكذا وقعت صراعات وأزمات حول النص المقدس ولعل السبب في ذلك هو غلق باب "الاجتهاد"، وهذه المسألة لم يتطرق إليها محمد زكاري في دراسته ولا حتى الحادي محمد السعدي، حيث بقيت بعض الجماعات (الإسلامية) تجتر نصوصا منذ قرون دون إخضاعها للتحليل ويراد بذلك الذين يسمونهم بـ: "الغوغائيين" الذين لهم فهم تقديسي لكل ما يمس الدين حتى ظهر مُقَدَّسٌ ثالث هو "التراث" وهي النصوص التي استعملت النص المقدس، والتراث كما يقول محمد السعدي هو كل الرؤى والأفكار والخبرات والإبداعات الخاصة بالمنتجات، فنشأت صراعات أيضا بين التراث (الأصالة) والحداثة والهوية في ظل نظام فكري حَجَبَ الواقع لصعوبة تحليل الواقع وخصوصيته، فيما أطلق عليه اسم "الإيديولوجيا".

الفكر الديني عند مالك بن نبي

لقد حرص مالك بن نبي على استقلالية ألأفكار وعدم خضوعه لأي سلطة تهيمن على أفكاره ومواقفه ومالك بن نبي يعتبر مثال المفكر الذي عبر عن أفكاره بكل حرية دون الخضوع لإغراءات سياسية أو سلطة المال والأحزاب والتيارات الأخرى "الإسلاماوية"، ونلمس اهتمام مالك بن نبي بالفكر الديني من خلال مؤلفاته التي تركها لاسيما، الظاهرة القرآنية، شروط النهضة، وجهة العالم الإسلامي، بين الرشاد والتيه وغير ذلك، كل هذه الكتب ناولها بالتحليل منذ عهد النبي إلى العصر الحديث الذي تميز بظهور الحركات المذهبية والطوائف التي أعطت للفكر الديني تفسيرات مختلفة لكيفية تشكل الوعي الإسلامي لدى الأفراد وقد قارن مالك بن نبي بين المجتمع النبوي الموحد وبين المجتمع المفكك اجتماعيا مجتمع خضع للاستعمار طيلة عقود من الزمن، حيث ارتبط عاطفيا بالدين، بحيث لم يكن له رصيدا لغويا يجعله يفهم الخطاب القرآني فهما صحيحا، مثلما جاء في حديث النبي (صلعم) عندما سُئِلَ عن الوهن وقال: هو حب الدنيا وكراهية الموت، فالعامل الديني عند مالك بن نبي له دور في شبكة العلاقات.

 من وجهة نظر الهادي محمد السعدي ليس الدين هو سبب تخلف المسلمين بل في طريقة فهم الدين وفي الوسائط التي تنقل الدين للأفراد (الخطاب الديني) فبعض الخطابات الدينية (الإسلامية) جعلت الناس تنفر من الدين وأسباب أخرى تتعلق باللغة والثقافة، هناك رجال دين يتكلمون دون ضوابط ما جعل المجتمع الإسلامي ينقسم إلى طوائف دينية ومذاهب كلامية، ويلاحظ أن الإشكال كله هو كيفية إيصال الفكرة الدينية إلى الناس، فاصل الصراع بين المثقف والسياسي وبين الكاهن والحاكم والفرد الذي عاش الرسالة الإسلامية في مبدئها ليس هو نفس الفرد الذي هو في تواصل مستمر مع الفضاء الأزرق اليوم، تتحكم فيه التكنولوجيا والإيديولوحيا، الحقيقة أن التحليل الذي قدمه الهادي محمد السعدي لمؤلفات مالك بن نبي فيما تعلق بالفكرة الدينية / الفكر الديني كان تحليلا دقيقا خاصة بالنسبة لسؤال النهضة وشروطها، فمالك بن نبي في كتابه شروط النهضة يقول ان الحضارة لا تقوم ولا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية ولعل نظرة مالك بن نبي تختلف عن نظرة بعض المفكين، فالكواكبي مثلا يرى أن الإسلام اليوم لا علاقة له إطلاقا بإسلام الماضي، ويرى أنه لا يمكن تحرير الإنسان من الأوهام التي تسيطر عليه، وبالتالي فنحن كما يقول محمد أركون في حاجة إلى تأسيس علاقة جديدة بين الله والإنسان، بين مجال المقدس ومجال الدنيوي بين العبادات والمعاملات.

 أما في كتابه الظاهرة القرآنية يركز مالك بن نبي على دراسات المستشرقين على الفكر الديني وتوجه الشباب إلى المصادر الغربية حتى فيما يخص معارفه الإسلامية وقد ساهم هدا التوجه في تجميد كل ما له علاقة بالفكر الديني، في مقابل ذلك هناك تصور آخر لمفهوم الفكر الديني وهو ما لم يتطرق إليه لا الباحث محمد زكاري ولا الهادي محمد السعدي، ألا وهو "الوحي" الذي تحدث عنه الدكتور بشير قادرة من جامعة باتنة في دراسة له نشرت ضمن كتاب جماعي حول سؤال النهضة عند مالك بن نبي صدر عن دار الأصالة للنشر الجزائر، هذا الوحي تطرق إليه مالك بن نبي، هذا الوحي الذي تحول إلى نص مقدس، في نظر مالك بن نبي يحتاج إلى مجهود علمي كبير لإثبات نسبتها له وقد كان للمؤرخ محمد أركون رأي في هذا الاتجاه عندما تحدث عن وجود " ديالكتيك" اجتماع- ثقافي يربط ما بين الكتابات المقدسة والقراءات المتباينة لها جيلا بعد جيل، فمالك بن نبي في مفهومه للفكر الديني تكلم عن ظاهرة "الوحي" وعلاقاتها بالذات المحمدية ليصل إلى الكلام عن أهمية نزول القرآن مجردا (متفرقا) وقال لو نزل القرآن جملة واحدة لتجول غلى كلمة مقدسة أو مجرد وثيقة دينية، لقد خلصت جل البحوث التي سلطت الضوء على الفكر الديني ونقده إلى أن "النمذجة" هي الإشكال المعرفي الذي يقع فيه الفكر الديني، كما أن مشكلة الوعي الديني تعاني من الإحساس بالاكتفاء والتميّز، إذن لا يمكن للإنسان أن يظل منتميا لذلك الماضي وأنه وحده يملك الحق وغيره مخطئ أو على باطل، والخطاب العاطفي يحتاج إلى تحليل اجتماعي للوصول إلى فهم ما يحرك الناس، إن غياب الاجتهاد وفقدان التميز جعل الإنسان خارج مجال النهضة والتحضر، وقد وصف مالك بن نبي العالم الإسلامي اليوم بـ: تراكمات في هيئة فوضى وقال أن العالم الإسلامي اليوم خليط بين بقايا موروثة من عصر ما بعد الموحدين وهو خليط لم يصدر عن توجيه واعٍ وتخطيط علمي أدى ذلك إلى خمود إشعاع الفكر الديني.

***

قراءة علجية عيش بتصرف

..................

للاطلاع

نقد الفكر الديني في الخطابات العربية المعاصرة / د. محمد زكاري

 

علي حسينلماذا تأتي الحرية أولا قبل السعادة في حال الصراع معها؟ لأنها، بكل بساطة، صفة متأصلة في الإنسان، و هي ما تميزنا عن الحيوانات، و تسمح لنا بالدخول إلى مجال الأخلاق، ففقدان الحرية يعني فقدان الإنسانية !!

لوك فيري من كتابه "مفارقات السعادة"

ولد لوك مارك فيري في الثالث من كانون الثاني عام 1951 في ضاحية شمال باريس لأب من مصممي السيارات الرياضية، يعشق قراءة الكتب، ويتذكر الصبي لوك ان الكتب كانت ترافق اباه حتى في مكان عمله، اما الام فقد ارتضت بان تكون ربة منزل مسؤوله عن ثلاثة ابناء، سيصبح اثنان منهم فلاسفة واحد منهم جان مارك فيري الذي يكبر لوك فيري بخمسة سنوات، كانت الام تؤمن بان ابنائها سيصبحون يوما ما في مراكز متميزة، يتذكر لوك فيري ان مارسيل بروست كتب في احد رسائله :" لطالما وافقت ماما انني لا اتفق إلا امرا واحدا في الحياة، ولكنه أمر كان كل منا يقدره بشدة، بحيث كان يُذكر كثيرا : بروفيسور ممتاز " عانى في مراهقته من الخجل وكان منطويا لا يحب رفقة زملائه الطلبة، تسحره شخصية الروائي مارسيل بروست الذي كان يمضي كل وقته في القراءة والكتابة، كما اعجبه غرور صاحب البحث عن الزمن المفقود واعتزازه بنفسه، وبسبب عزلته يقرر والده ان يكلف عدد من الاساتذة لتدريس ابنه في المنزل، يدرس الفلسفة وعلم الاجتماع في السوربون، يتخرج من الجامعة بشهادة فلسفية وبنظرة مغايرة للحياة، يبدأ حياته العماية مدرس لمادة الفلسفة في المدارس الثانوية، العام 1980 يحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية، ويتم تعينه في معهد الدراسات السياسية في ليون، بعدها ينتقل للعمل استاذا للفلسفة، ينشر اول كتبه بعنوان " الفلسفة السياسية " عام 1984 والذي لم يثر الاهتمام، واعتبره البعض مجرد كتاب مدرسي، لكنه سيكتسب شهرة عام 1985 بعد صدور كتابه " فكر 68 " الذي وجه من خلاله نقدا الى الفلاسفة الفرنسيين الذين وصفهم بانهم يحملون افكارا معادية لـ "الإنسانوية"، حيث تناول بالنقد كتابات ميشيل فوكو وجيل دولوز وجاك دريدا، ثم توالت إصداراته التي لفتت اليه الانتباه وجعلت منه فيلسوفا تطارده وسائل الاعلام وتخصص له الفضائيات برامج يعطي من خلالها دروسا مبسطة عن الفلسفة، مثلما كان الفلاسفة الاغريق ينشرون الفلسفة في الاسواق .

 يري لوك فيري ان ارسطو لم يكن فيلسوفا تأمليا، وانما كان يرى العالم بعين الفلسفة، ويدربنا على ان نتفق على ثوابت الحياة كجماعة انسانية وان نعي الوجود جيدا، يكتب ارسطو :" يجب ان نختبر ما قلناه سابقا ثم نختبر صحته بمقارنته بحقائق الحياة، فإذا ما وجدناه يتفق معها فعلينا إذن ان نقبله، وإذا ما تعارض معها فلا مفر من التسليم بانه محض حديث نظري " .  ونجد فيري يضع مقارنات في " تعلم الحياة " بين الدين والفلسفة، فالاديان تعد الإنسان بامكانية الوصول إلى إلى الخلاص عن طريق الإيمان، بينما الفلسفة تعد الانسان بانه سيتمكن من إنقاذ نفسه بنفسه  عن طريق العقل .4078 لوك فيري

ويثير فيري ضجة في الاوسط الثقافية الفرنسية  عندما يؤكد ان فولتير وروسو وديدرو  لم يكونوا فلاسفة بالمعنى الدقيق، وان فكرة التنوير لم تاخذ طابعها الفلسفي إلا على يد الفلسفة الالمانية وخصوصا عند ايمانويل كانط .. بل ويذهب ابعد من ذلك عندما يعتبر ديكارت ليس بفيلسوف جيّد. وهو يرى ان الفلسفة الفرنسية حاولت الغاء الدين من المعادلة التنويرية، عكس فلسفة كانط التي عملت على " علمنة الدين " . ويجد فيري ان الفلسفة في فرنسا حاولت ان تجرد الانسان من مركزيته في الكون :"  في تاريخ الفلسفة كان تاريخا للعباقرة  منهم إما من اليونان كسقراط وأفلاطون وأرسطو، أو من الألمان مثل كانط، والجيل من بعده: ياسبرز، هوسرل، وهابرماس  " – لوك فيري اجمل قصة في تاريخ الفلسفة .

يسعى لوك فيري من خلال مؤلفاته التي قاربت الـ " 50 " كتابا الى  تبسيط الفلسفة وتقديمها من خلال لغة بسيطة واضحة من السهل فهمها من طرف جمهور غير متخصص، وقد قدم في هذا المجال عدد من الكتب ابزها "الفلسفة كما شرحتُها لابنتي"، وكتابه الشهير "تعلم الحياة"  وكتاب ممتع بعنوان بعنوان "اجمل قصة في تاريخ الفلسفة " والذي يستعرض فيه قصة الفلسفة عبر العصور مؤكدا ان  :" الفلسفة ليست فن الأسئلة كما يُشاع، وإنّما هي في الأساس فن الأجوبة ". فبرأيه، أن إنسان هذا العصر، في ظل هذه المتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة، والتقلّبات السياسية والاقتصادية المتتابعة، يصبح عرضة للشكوك والظنون، فيقع تحت تهديد مخاوف كثيرة، نفسية واجتماعية، تقلقه وتفسد عليه حياته واطمئنانه. ولذلك، يذكرنا فيري بما انتهى إليه الفلاسفة اليونانيون منذ القدم، وهو أن الإنسان لا يستطيع أن يحيا حياة سعيدة إذا كان الخوف يسكنه، لأنه في تلك الحالة سيكون أسير الحنين والتمني، أي انه يقع اسير حب الماضي وحب المستقبل، وسيتعذر عليه عندئذ التمعن في الحاضر جيدا

في عام 1994 يتم اختياره رئيسا  للمجلس الوطني للبرامج في وزارة التعليم،  وبعدها باعوام يتولى وزارة التربية، وهو لا يخفي اعتزازه بهذه المناصب، حيث قال  في تصريح صحفي : "لا أشعر بالخجل وأنا أمارس السلطة، فأنا أتعلم هنا أكثر مما أتعلمه طيلة عشر سنوات من تدريس فلسفة القانون".

يكتب لوك فيري ان ارسطو تمكن من تخصيب الفلسفة بالملاحظة اليومية للحياة . يحاول لوك فيري اقتفاء أثر ذاك ارسطو ليثبت لطلبة الفلسفة ولعشاقها ان بامكانهم أن يذهبوا في رحلة فلسفية يحجون فيها إلى بلد سقراط وافلاطون وأرسطو وديوجين  وابيقور للاستجمام العقلي والجسدي  . يكتب لوك فيري :" لا نزال بحاجة إلى الفلسفة من أجل تحديد موقعنا في هذا العالم وذلك بغض النظر عن عرضيتها أو أصالتها" .

 

قاسم حسين صالحأعرف أن هناك من سيتهمني بكذا وكذا، لأنني اعتبر الآباء والأمهات الذين يدفعون اطفالهم الى ضرب ظهورهم بالزنجيل و تطبير رؤوسهم بآلات حادة في عاشوراء..يرتكبون جريمة بحقهم، لاسيما ان بين هؤلاء الأطفال من هو بعمر ثلاث سنوات!

ولا يعنيني أمر هؤلاء، على قلتهم، ولا يعنيني هنا الجانب المعتقدي، فما يلزمني هنا أمران هما: واجبي بصفتي سايكولوجست، وتذكير من يعنيه الأمر (الحكومة والبرلمان بشكل خاص) بمخالفة العراق لوثيقة حقوق الطفل بصفته عضوا صادق ووقع عليها.

في سيكولوجيا الطفولة

نعيد التذكير بأن (الطفولة) شغلت اهتمام علماء النفس بشكل عام وعلماء نفس النمو بشكل خاص. والمفارقة اننا نحن العرب سبقنا هؤلاء في تبيان اهمية مرحلة الطفولة، يكفي الاشارة الى: اخوان الصفا، القيرواني، ابن سينا، الغزالي، وابن خلدون الذي خصهم بفصل في مقدمته بعنوان: (في تعليم الولدان واختلاف مذاهب المصار الاسلامية في طرقه)..وجميعهم اكدوا على ان ما يتعلمه الطفل من اسرته وبيئته يؤثر في تشكيل شخصيته طفلا ومراهقا وراشدا، وتحذيرهم للوالدين والمعلمين من استعمال العنف مع الاطفال..بل انهم، ويالنباهتهم، اوصوا ان يختار الوالدان اسماءا جميلة لأطفالهم!.

ونعيد التذكير ايضا بأن الكثير من العراقيين لا يدركون أن مرحلة الطفولة المبكرة تعد أهم وأخطر مرحلة في حياة الآنسان، لدرجة انه يمكن تشبيهها بالأساس الذي تبنى عليه عمارة. ولهذا اطلقوا عليها اسم المرحلة التكوينية التي يكتسب فيها مفاهيم تؤثر في سلوكه وشخصيته حين يكبر. فشيخ علماء النفس، فرويد، يرى ان خصائص او سمات شخصية الانسان الراشد تشتق من مرحلة الطفولة وان ما يصيبه من اضطرابات نفسية في مرحلة الرشد تعود اسبابها الى اساليب تنشئته في مرحلة الطفولة. ولخصمه العلمي علم النفس(سكنر) مقولة (اعطني عشرة اطفال وانا كفيل بان اصنع منهم عالما ومجرما وما شئت)، فيما الاسلام سبق الجميع بالقول ان الانسان يولد على الفطرة..ما يعني ان الطفل يتعلم من والديه والمجتمع الذي ينشأ فيه وان ما يتعلمه من قيم، عادات، طقوس..، تبقى ملازمة له خلال مراحل حياته كلها.

قوانين حق الطفل

منذ العام 1949 صدرت قوانين دولية متعددة على صعيد الأمم المتحدة، وبرتوكولات جنيف (1989الى 2005) هدفت الى تثبيت واجبات الأسرة والدولة تجاه الاطفال وما يترتب عليهما من حقوق تخص الطفل وحمايته من امور كثيرة بضمنها (عدم تعريضه الى الأذى الجسدي والنفسي). وكان العراق من بين 193 دولة التي وقعت عليها. يضاف الى ذلك ان الدول العربية اصدرت قانون حماية الطفل تضمن (145) مادة، بضمنها تلك التي تنص على عدم تعريض الطفل الى أذى جسمي او نفسي..والعراق من ضمن الموقعين عليه.

وكان العراق قد اصدر في 2010 (مشروع قانون حماية الطفل) جاء في المادة (1 – أ):

الارتقاء بالطفولة في العراق بما لها من خصوصيات إلى مستوى ما توجبه من رعاية تهيّأ أجيال المستقبل بتأكيد العناية بالطفل الحاضر)، وأقر في مادته التاسعة بـ(تمتع الطفل بكل الضمانات المقررة في القانون الإنساني الدولي والمنصوص عليها في المعاهدات الدولية المصادق عليها من العراق(..

والأهم من ذلك ان المادة (63، و 65) تضمنتا بالنص (كل من اعتدى على طفل بالضرب او بالجرح..وافضى الى موته او احدث فيه عاهة مستديمة يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن عشر سنوات " موت الطفل" ولا تقل عن خمس سنوات "عاهة مستدية ").

أطباء نفسيون ومفكّرون..يحذّرون

في عاشوراء العام(2017) تم نشر وتداول صور صادمة لأطفال بينهم بعمر ثلاث سنوات جرى تطبيرهم بطريقة سالت فيها الدماء من رؤوسهم على وجوههم وثيابهم، بينها صور لأمهات حاملات اطفالهن المدماة رؤوسهم وهن مبتسمات بتباهي . وكنا قدمنا مذكرة الى المرجعية الموقرة بتاريخ (5/19/2017) حملت تواقيع 763 شخصية عراقية تدعو المرجعية الى اصدار توجيه او فتوى بتحريم تطبير الأطفال في عاشوراء (موثقة في غوغل).

وانطلاقا من مسؤوليتنا التربوية والسيكولوجية، فاننا كنا قد توجهنا الى المرجعية الدينية الموقرة في (5 /10/2017) بالتماس نرجوها فيه اصدار فتوى بتحريم تطبير الأطفال، اوضحنا فيه ان هذه العملية تؤدي من وجهة نظر علم نفس الطفولة الى اصابتهم باضطرابات نفسية وسلوكية من قبيل: (كوابيس، تبول لاارادي، فزع، جفلة، تاخر دراسي...)، وان اثارها تمتد الى المراهقة والشباب والرشد، توصلهم الى استسهال العنف والعدوان وتعلم حلّ مشاكلهم والتعامل مع الآخرين باستخدام الالات الحادة، مستندين في ذلك الى دراسات علمية تؤكد ان ما يتعلمه الأطفال من بيئتهم يعدّ محددا رئيسا لما سيكونون عليه في المستقبل.

وكنا طلبنا رأي مفكرين وزملائنا الأطباء النفسيين عن موقفهم فجاءت داعمة لدعوتنا هذه، بينهم كبير الأطباء النفسيين العراقيين الدكتورعبد المناف الجادر(الأردن)، واستشاريين عراقيين في جامعات بريطانية، بينهم: محمد جمعة عباس، رياض عبد، زيراك الصالحي، و حسنين الطيار من جامعة اكسفورد، فيما طالب الطبيب النفسي الدكتور الراحل طه النعمة بأحالة آباء هؤلاء الأطفال الى المحاكم. واتفق مفكرون مع موقف الأطباء النفسيين بينهم الراحل الدكتور كاظم حبيب الذي اوضح بأن هؤلاء الآباء يحملون فهما مشوها ومزيفا للدين والمذهب والشيعة ويلحقون أفدح الأضرار بأنفسهم أولاً، وبأطفالهم ثانياً، وبالمجتمع العراقي ثالثاً، فيما رأى الدكتور تيسير الالوسي أن تطبير الأطفال يتطلب تنفيذ القوانين بـ" تجريم " مرتكبيه.

وها نحن نكرر دعوتنا الى من يعنيهم الأمر: المرجعية،  مجلس الوزراء، وزارة العدل، رجال دين، فضائيات، صحف، مواقع الكترونية، وسائل تواصل اجتماعي.. الى الزام الحكومة بتطبيق الاتفاقيات الخاصة بحقوق الطفل، والتوعية الجماهيرية بمخاطر تطبير الأطفال السيكولوجية والشخصية والسلوكية والمجتمعية، والدعوة الى الحدّ منها وايقافها لضمان جيل سليم نفسيا، يتعامل مع الواقع بمنطق من سيعيشون زمانا غير زماننا، لا باللطم وضرب الزنجيل والتطبير بالقامات التي تشيعها جهات سياسية تهدف الى تكريس التخلف وتغييب الوعي لضمان الفوز بالانتخابات!.

***

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

محمد محفوظالمجتمعات الإنسانية جمعاء، بحاجة دائما إلى روافع روحية وثقافية واجتماعية، لإزالة سيئات الواقع أو إصلاحه وتطويره..

وعاشوراء بما تحتضن من قيم ومبادئ، هي من المواسم الثقافية والاجتماعية الهامة، التي تشكل رافعة روحية وثقافية واجتماعية في آن..

ففي عاشوراء ولاعتبارات قيمية وموضوعية، تبرز نوازع الخير، وتتجه النفوس والعقول للمشاركة في الأنشطة الدينية والثقافية والاجتماعية.. لذلك نستطيع القول وبدون مبالغة، أن موسم عاشوراء، هي من المواسم النموذجية للأنشطة الخيرية والتطوعية في المجتمع..

حيث تحتضن عاشوراء العديد من المناشط التي تتجه في كل عناصرها ومفرداتها إلى التالي:

. نقد بعض المظاهر السيئة في الواقع الاجتماعي – الثقافي، والعمل على تفكيك موجبات وحواضن هذه المظاهر..

. بلورة المعالجات السليمة، التي تساهم في إخراج المجتمع من تداعيات تلك المظاهر السيئة..

من هنا فإن عاشوراء بما تشكل وتحتضن، ليست مناسبة للتشظي الاجتماعي، وإنما هي مناسبة إذا أحسنا التعامل والانفتاح عليها، لزيادة وتيرة التقارب والتفاهم بين المسلمين.

وعلى المستوى الوطني فإن المدن والمناطق التي تحيي هذه المناسبة، فإنها تشهد حضورا اجتماعيا متميزا، وتنفتح خلال أيام هذه المناسبة على الكثير من الرؤى والتصورات الثقافية والفكرية والاجتماعية، التي تؤكد جميعها على ضرورة التهذيب الاجتماعي، والرقي بمستوى أبناء المجتمع أخلاقيا ومعرفيا، وما نحتاج إليه هو العمل على توظيف هذا الحضور والتفاعل في مشروعات ذات طابع مؤسسي وتنموي، يتجاوز في فائدته حدود اللحظة الزمانية القائمة.. لذلك نحن بحاجة إلى التفاكر الدائم حول بعض المشاريع الثقافية والاجتماعية، التي يمكن أن نؤسسها انطلاقا من زخم عاشوراء...

وفي هذا السياق من المهم الالتفات إلى شركاء الوطن، والعمل على تطوير خيار التقارب والتفاهم بين أبناء الوطن.  وفي هذا السياق نود التأكيد على المقترحات التالية :

.  تطوير خطاب الوئام والتسامح والتفاهم بين أبناء الوطن الواحد، بحيث تعطي  منابر عاشوراء أولوية  لتأكيد قيم التلاقي بين المسلمين وإدارة اختلافاتهم على نحو إيجابي وحضاري،  وبعيدا عن نزعات العنف والتكفير وحروب الأوراق الصفراء.

. ضرورة أن ينفتح أبناء الوطن جميعا على الإمام الحسين بن علي (عليه السلام ورضي الله عنه) لأنه ليس خاصا بفئة أو طرف معين من المسلمين فهو من أئمة أهل البيت وسبط الرسول (عليه الصلاة والسلام). وفي تقديرنا أن الانفتاح على هذه الشخصية العظيمة والاستفادة من ذكرى استشهادها في إطلاق مبادرات تعريفية به، سيساهم في زيادة وتيرة التفاهم والتلاقي بيم أبناء الوطن الواحد.

.  التبادل الثقافي والمعرفي، بحيث يشارك دعاة وعلماء ومفكرين ومثقفين في الحديث عن الإمام الحسين (عليه السلام)  وذكرى استشهاده. فليس هناك كما يبدو ما يمنع أن يشارك داعية أو مفكرا من أي منطقة في المملكة بإلقاء محاضرة في المناطق التي تحيي مناسبة استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) والعكس بحيث يشارك داعية أو خطيبا في التعريف بهذه المناسبة في مناطق المملكة المختلفة .

.  أن تتبنى المؤسسات الثقافية والإعلامية برامج تثقيفية  وتوعوية على المستوى الوطني للتعريف بصاحب المناسبة والأنشطة المرافقة اجتماعيا وثقافيا وخيريا بذكرى إحياء  المناسبة.

.  أن نعزز قيم احترام مشاعر وقناعات الآخر، حتى لو كانت لدينا وجهة نظر مختلفة أو مغايرة . فإن مقتضى الشراكة الوطنية أن نحترم مشاعر وقناعات بعضنا البعض.

و جماع القول : إن وعينا الراهن ومدى استجابتنا لحاجات وطننا الحقيقية، هو الذي يساهم في تحويل هذه المناسبة إلى مناسبة وطنية للعمل الخيري والتطوعي وإطلاق مشروعات للوعي الوحدوي الذي يؤكد على المساحات المشتركة، ويحترم كل طرف خصوصيات الطرف الآخر .

***

أ. محمد محفوظ

 

علي محمد اليوسف

مارست النشر في الصحف العراقية والعربية منذ سبعينيات القرن الماضي، وانتقالتي الثقافية النوعية كانت نحو الفلسفة تحديدا في عام 2004 حين اصدرت كتابي الاول سيسيولوجيا الاغتراب قراءة نقدية منهجية طبعة محدودة على نطاق مدينة الموصل ونشر بعدها بطبعتين الاولى عام 2011، عن دار الشؤون الثقافية ببغداد والطبعة الثانية عن دار الموسوعات العربية في بيروت عام 2013، وصدر طبعة ثالثة عن دار غيداء بالاردن  وعرض مع مؤلفات اخرى لي في معرض بغداد الدولي للكتاب 2022..

إنتقالاتي الثقافية هذه نحو منهج النقد التاريخي الفلسفي المادي، لم تأت حصيلة دراسة اكاديمية، بل جاءت نتيجة تراكم خبرة ثقافية متنوعة مارستها كتابة ونشر لما يزيد على اربعين عاما، اذ كتبت مجموعة شعرية بعنوان (توهج العشق .. احتضار الكلمات) وكتبت في متنوعات الاجناس الادبية في القصة القصيرة والنقد وفي الثقافة عموما فكانت الحصيلة صدور كتابي (جهات اربع .. مقاربة في وحدة النص) صدر عن دار دجلة في عمان  عام 2010 واعترف الان انه مجموعة خواطر اردت  دمجها في نص اجناسي ادبي غير فلسفي فكانت تنويعات في الادب موزّعة بين القصة القصيرة والشعر والنقد الادبي والخاطرة.

استطيع اختصر لماذا تحوّلت حصيلة مجهوداتي في النشر والتاليف الادبي والثقافي عموما لتستقر في الفلسفة :

الاولى أصبح عندي ميلا ثقافيا شديدا نحو الفلسفة يؤمن لي هاجسي المدفون في اعماق تجربتي الادبية والصحفية المتواضعة التي وجدتها لا تلبي ما يعتمل في دواخلي النفسية الفكرية من ميل كبير نحو الفلسفة. حيث نضجت تماما عندي في منشوراتي ومؤلفاتي الفلسفية بعد عام 2015 تحديدا.إذ كانت قبلها كتاباتي ومؤلفاتي مزيجا من الادب والفكر والنقد الثقافي تتخللها مطارحات فلسفية عابرة.

الثاني اني لم اكتب مقالا واحدا بالفلسفة متاثرا بالنمط التقليدي الاكاديمي والمترجم في نسخ اجتزاءات من تاريخ الفلسفة تعنى بفيلسوف معيّن بشكل حرفي اكاديمي استعراضي يعتمد مرجعية ومصادر تاريخ الفلسفة في متراكمه الاستنساخي الثابت المعاد والمكرر، كما وردنا في قناعة خاطئة على أن تاريخ الفلسفة لا يحتمل النقد النوعي في التصحيح أو الاضافة بل إعتماد النسخ الاستعراضي التكراري المشبع بالتمجيد المجاني بلا اضافة تجديدية . اقولها بكل صراحة ان هذا التوجه الفلسفي المحصور بين مزدوجتين في اروقة الجامعات قادنا ان نكون شراح وطلبة استنساخ لافكار غيرنا بما يعتاش عليه اكاديمي تدريس الفلسفة. راجعوا تاريخ الفلسفة في مقارنة مع اصدارات الفلسفة عربيا الكتب المترجمة كلها. والمؤلف الذي لا يترجم عملا فلسفيا الى العربية نجده يلوك النسخ عن النص الاجنبي الفلسفي.

وكان السائد قبل ظهور فلسفة اللغة والعقل ونظرية المعنى منذ بداية 1905 على يد رائد الفلسفة البنيوية ليفي شتراوس ومجموعة فلاسفة ما بعد الحداثة، أن تاريخ الفلسفة هو من القدسية التي مرتكزها الثابت إعادات وتكرارات لسير ذاتية تخص حياة ومنجزات فلاسفة قدامى ومحدثين منسوخة اعمالهم في الترجمة الحرفية العربية اشبعت تناولا فلسفيا عند عشرات من الاكاديمين العرب العاملين على ترجمة قضايا الفلسفة الغربية في غياب منهج النقد من جهة والشعور بعدم الندّية المتكافئة مع آراء اولئك الفلاسفة بالحوار الموضوعي فلسفيا. وغالبا ما تخون الترجمة الى العربية اصالة النص الاجنبي الفلسفي المترجم وتلقى مسؤولية تهمة الخيانىة على تعبير اللغة القاصر وليس على تفكير فلسفة المؤلف القاصر..

 بخلاف هذا المعنى والتوجه مارست الكتابة الفلسفية (نقدا) منهجيا عن يقين ثابت  لافكار كبار فلاسفة غربيين وجدت في ثنايا مقالاتهم وكتبهم الفلسفية المترجمة الى العربية ثغرات خاطئة لا يمكن التسليم والاخذ بها وتمريرها كمسلمات دون مراجعة نقدية صارمة لعيوبها المستترة خلف اسم وفخامة و سمعة الفيلسوف الاجنبي فقط في غض النظر عن مناقشة افكاره بل الانبهار  بمنزلته في الاوساط الاعلامية كنجم هوليودي. واترك مسالة التوفيق والنجاح في مسعاي النقدي الفلسفي في كتاباتي ومؤلفاتي للقراء والمتخصصين في الفلسفة.

من الجدير الذي اود التنويه عنه اني كنت في مسعى المنهج النقدي الفلسفي وهو مشروع عربي متواضع صائب في تقديري سبقني به غيري بنهايات مفتوحة تتقبل النقد الاضافي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أن تاريخ الفلسفة الغربية قديمها وحديثها مليء بالمغالطات والاخطاء القاتلة وميتافيزيقا الافكار ومقولات فلسفية وهمية سفسطائية لا قيمة حقيقية لها تقوم على مرتكز مخادعة التفكير الفلسفي ذاته وليس مغالطة معنى اللغة في التعبير عنه كما هو الحال حين اصبحت فلسفة اللغة هي الفلسفة الاولى منذ النصف الثاني من القرن العشرين ولا زالت الى اليوم مزيحة عن طريقها فلسفة الابستمولوجيا التي وصلت عصرها المبتدئي الذي تسيّد الفلسفة قرونا على يد ديكارت..

اذ كانت البداية الحقيقية في نظرية التحول اللغوي ومتابعة فائض المعنى اللغوي علي يد فيلسوف البنيوية دي سوسير عام  1905بعد توصية فريجة  ليعقبها بعد ذلك عدد كبير من الفلاسفة الفرنسيين بعدها جاء ظهور  فينجشتين كطالب فلسفة ومن بعده اصبح فيلسوف لغة امريكيا وليس فيلسوفا نمساويا مستقلا نشأ في رعاية بيرتراندراسل ونال شهادة الدكتوراه بالفلسفة تحت اشراف راسل ومور ووايتهيد اقطاب الفلسفة التحليلية الانجليزية قبل ان يصبحا الاخوة الاعداء في تعليلهما الاختلافي حول دور اللغة في تجديد تاريخ الفلسفة الخاطيء بمجمله.

 اول من ابتدع نظرية التحول اللغوي هم فلاسفة البنيوية وعلماء اللغة تلتها الوضعية المنطقية حلقة فينا اعقبتها تاويلية بول ريكور وتفكيكية جاك دريدا ليستقر مقام فلسفة اللغة التي اصبحت الفلسفة الاولى في تاريخ الفلسفة الحديث منتصف القرن العشرين بعد تنحية ابستمولوجية فلسفة ديكارت كفلسفة اولى جانبا والتي استمرت قرونا طويلة الى جانب تشكيلة فلسفية لمجموعة فلاسفة جميع افكارهم كانت تدور حول نظرية المعنى وفلسفة اللغة.

وبعد استلام فلاسفة وعلماء اللغة الاميركان راية فلسفة اللغة من الفرنسيين والالمان والانكليز حلقة اكسفورد في فلسسفة اللغة التحليلية الوضعية بزعامة براتراند رسل ، جورج مور ، كارناب. فينجشتين، وايتهيد وغيرهم.

خلاصة كل هذا التطور في تاريخ الفلسفة كان هاجسه تاكيد حقيقة أن تاريخ الفلسفة معظمه كان افكارا وهمية ومطارحات فلسفية تجريدية سببها المباشر الاول عدم دقة فهم تعبير اللغة الدقيق في تناول قضايا فلسفية مفتعلة لا قيمة حقيقية واقعية لها، ولم يتم التنبيه الى معالجة اخطائها الفادحة الا في وقت متأخر مع ظهور فلسفة اللغة والتحول اللغوي في نظرية المعنى. ولي عدة مقالات منشورة وموزعة في ثنايا مؤلفاتي رأيا توضيحيا في معنى التحول اللغوي وفلسفة اللغة والى ماذا اوصلت تاريخ الفلسفة الى نهايات سائبة ربما يتاح لي عرضه تفصيلا  لاحقا.

فلسفة العقل واللغة لدى الفرنسيين والاميريكان جعلت منذ نهايات القرن العشرين  فلسفة اللغة هي النسق البنيوي الكلي الذي يوازي الواقع الحياتي ولا يقاطع مسيرة الحياة وصنع التجديد في الوعي الجمعي كما فعلت الاجناس الادبية من شعر وقص ورواية ونقد وخير من توّج هذا الانحراف الاهوج كلا من جاك دريدا ليقتفي اثره بول ريكور وعدد من فلاسفة الانجليز بزعامة بيرتراند راسل في التحليلية الوضعية. مثل رورتي، وايتهيد ، جورج مور، كارناب، فينجشتين قبل انشقاقه عنهم، وسيلارز ، وسيريل، واخرين. فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات اصبحت هي الفلسفة الاولى بعد النصف الثاني من القرن العشرين.

انا ومنهج النقد الفلسفي

أقولها بأمانة وصراحة أني في كل كتاباتي المنشورة ومؤلفاتي لم اكن سوى طالب معرفة فلسفية لا زلت امارس رغبتي هذه من منطلق استزادة الاطلاع على مباحث فلسفية اجنبية غربية تحديدا، ولم أبلغ مستوى التبّحر في أغوار التراث الفلسفي الغربي الذي لا يسعني استيعاب النزر اليسير منه بما يحتويه من متراكم خبراتي فلسفيا تاريخيا لا يمتلك رغم ضخامته تزكية الصواب المليء بالحشو الزائد.

كما ان الغبن الزمني الذي وقع عليّ حيث اتجهت نحو الفلسفة عام 2004 جعلني متاخرا كباحث فلسفي وسط امواج متلاطمة من تمجيد اعلامي كاذب وشراء شهادات وغيرها من الاعيب خبيثة جعلت من الفارغين فلسفيا هم رواد الفلسفة العربية المعاصرة بما حملوه من امجاد اعلامية زائفة وليست فلسفية حقيقية هيمنت على وظائف التدريس الجامعي.. ولم يتمكنوا وضع لبنات فلسفة عربية مستقلة لها ميزتها العصرية. هذا التهويم الخبيث لا يقتصر على قضية الفلسفة وحدها بل نجدها في جذور غائرة في الاوساط الثقافية عموما في تلميعها الدعي الكاذب الفارغ ومحاربتهم المستميتة لكل بادرة ابداعية اصيلة وحقيقية.

أستطيع القول في نقاط:

* أن انتقالاتي في الكتابة الفلسفية التي لا تتمحور في غالبية مؤلفاتي في منحى فلسفي واحد تعطي إنطباعا لا أنكره على نفسي وبعض الاساتذة الباحثين في المجال الفلسفي اني استطعت تجاوز حاجز الكتابة التخصصية في موضوع فلسفي معين واحد يتمركز حول اجترار معاد ممل لا يفتح آفاقا فلسفيا جديدة يمكنها التطور الى فلسفات مجددة ناضجة ذات هوية عربية مائزة..

* منهجي الفلسفي الذي إعتمدته بكتاباتي هو التفكير المادي المعرفي وليس الجدلي المتداول ماركسيا تحكمه الضوابط المنهجية التالية التي لم أحد أو أتراجع عنها :

- عدم التزامي المنهج الاكاديمي الذي يعتوره إستنزاف مجهود الباحث في تغطية سطحية التناول الإستعراضي (مرجعية ثبت هوامش المصادر والمراجع) باللغات الاجنبية في التناول الفلسفي الذي يعتمد الترجمة الحرفية بتقديس مسرف لما يقوله الفلاسفة الغربيون على أنه يمّثل حقائق الامور. الفلسفة أكاديميا في التدريس والتلقي عند الطلبة في الجامعات العربية من أسوأ أخطائها أنها غيّبت الحس النقدي الممنهج على حساب ترسيخ إعتياد الحفظ والاستظهاراليقيني الساذج بعيدا عن الرؤية المنهجية النقدية في ممارسة نقد الفلسفة بما يخدم تغيير الوعي الجمعي المتخلف والمضلل وفتح باب الاجتهاد الفلسفي عربيا.

- عمدت الابتعاد التام الكامل عن كتابة العروض الهامشية لافكار فلسفية وردتنا بهالة من المكابرة الفارغة التي أسبغناها عليها، في إهمالنا أهمية ممارسة النقد الفلسفي وبذر نواته لدى طلبة الفلسفة واساتذتها اننا لا يجب ان  نتهيب اسم الفيلسوف في اعدام حقنا المكتسب ضرورة ممارسة منهجية النقد في دراساتنا الفلسفية. واستطيع القول بكل ثقة وامانة اني لم اكتب مقالة فلسفية واحدة لم امارس فيها منهج النقد الفلسفي في مقارعة الحجة بالحجة من منطلق التكافؤ الفكري لا من منطلق مشاعرالاحساس بالدونية الفلسفية التراتيبية كما يروج له البعض ويمارسه من عتبة الادنى بالنسبة لفلاسفة غربيين.

ولم أقرأ لفيلسوف غربي أجنبي لم يلازمني هاجس النقد  لافكاره في بعضها وليس مجملها رغم كل إعجابي به كفيلسوف صاحب نظرية فلسفية خاصة به فيها جوانب ليست نتيجة بهرجة وتسويق وتلميع اعلامي وصل حد التسليع.. لا بد لي في نهاية هذه المقالة الاشارة لماذا لم اكتب في الفلسفة العربية الاسلامية واقول بعد ظهور بوادر خلاص اوربا من عصور تخلف القرون الوسطى وبداية اكتشاف القارة الامريكية الذي زامن سقوط غرناطة. اضافة الى بروز خلاف مستحكم اشار له الفيلسوفين محمد عابد الجابري ومحمد اركون وبعض مفكري وفلاسفة المغرب العربي المعاصرين بين العقل المشرقي المستقيل الذي كان حجر عثرة في ترسيخ الجمود ومحاربة الاجتهاد الفكري الثقافي عموما خلاف الذي إمتاز به العقل المغربي العربي الخلاق القائم على موروث حضارة الاندلس اكثر من اعتماده الموروث الفلسفي المشرقي الذي غلبت عليه نزعة التصوف الديني والاشتغال الفقهي الاسلامي في النقل وليس العقل.. وتغييب الوعي الجمعي ومنع الاجتهاد الفلسفي.

لعلي لا اكون متجنيا متنكرا لميراثنا التاريخي بمجمله هو اننا لم نجد على مدى عصورنا أن قام بعض مفكرينا وفلاسفتنا باكثر من محاولة تطويع الفكر الفلسفي اليوناني المترجم المنقول الى سجنه خلف قضبان المنع والتحريم وتحاشي عدم التقاطع مع مفردة فقهية اسلامية واحدة باسم تغليب مفردة الفلسفة على فقه الدين.

فكان ما نطلق عليه فلسفة عربية اسلامية لا يستطيع المفكر امتلاك حرية الاجتهاد الفلسفي من جهة كما ولا يمتلك امكانية الخروج على نوع من توفيقية مخاتلة تلفيقية مهادنة مع الدين في مرجعية تسييس الدين لخدمة الحاكم الجائرلا تستطيع فيه النخبة الفلسفية تسمية الاشياء بمسمياتها الحقيقية، فبقيت اسيرة شروحات غير خلاقة ولا مبدعة في مجال تحقيق هوية فلسفية عربية اسلامية خاصة.

واذا سمحنا لانفسنا المقارنة بين الفلاسفة المسلمين المحافظين وبين فلاسفة الصوفية المنكوبين الذين تمت تصفيتهم ببشاعة رهيبة لادركنا جيدا لماذا تسّيد منطق الجمود الفكري والفلسفي وحتى الادبي وغلبته منطق وفلسفة التجديد والانفتاح عند الفلاسفة العرب الذين حاولوا التوفيقية التلفيقية بمداهنة سطوة الفقه الاسلامي الوضعي مدعومة من الحاكم السياسي المتنفذ بسطوة السيف في محاربته  العروض الفلسفية خارج تطويع الفلسفة بما يخدم رغبات الحاكم الاستبداية الظالمة وليس خدمة الدين.

وغالبا ما كان الاجتهاد الفلسفي العربي الاسلامي يحتجب خلف مرويات من القص الذي تتسيده لغة الالغاز والايهام في إعتماد اللغة على لسان الحيوانات وقصاصات الشعر الملغز. الذي كان جنسا ادبيا- فلسفيا كان اسهام العرب المسلمين لا يستهان به مشرقيا حتى وإن كان الاقرار ان بعضه كان مستفادا من ترجمة الفلسفات والاداب الفارسية والصينية والهندية والبيزنطينية.

ما نجده في التطاحن المذهبي على لبوس الانتفاع المالي باسم الدين في وقت نجده اليوم راسخا في مجتمعات العالم قاطبة ان التعايش السلمي بين الاديان هو العلمانية التي توازي الدين كذهنية لا قبل للانسان المشرقي اليوم التخلي عنها. وقد تبلور هذا النهج الذي بدأته فرنسا منذ عام 1905 في وثيقة ترسيخ المنهج العلماني الذي يتعايش فيه الدين مع العلمانية ولا يقاطعها.

ولا يزال هذا المنهج المتوازي بين العلمانية والدين ساريا في جميع دول العالم عدا المتخلفة منها التي تسفك الدماء من اجل ان يتسيّد مذهب على آخر في الدين الواحد. هل توجد دولة واحدة بالعالم اغلقت الكنائس والاديرة والمساجد واماكن العبادة لانها تعارض فصل سلطة الدين ووصايتها على مؤسسات الدولة؟ الجواب عندنا في العجائب والغرائب في محاربة تغيير الوعي الجمعي الضال تحت مسمى حرمة كل شيء بالحياة لا يمرعبر  فلترة رجال الدين له غالبيتهم من الفاسدين.

***

علي محمد اليوسف /الموصل

 

4076 النفريالتصوف هو ذروة ما توصلت إليه الثقافة الإسلامية ضمن حدود الإسلام الثقافي، أي ليس الإسلام الدموي، فهو ال"إبداع الإسلامي المحكوم بفكرة الثقافة العامة والخاصة وليس الديني، أي بالتاريخ الواقعي وليس اللاهوتي، بالحياة وليس بالآخرة(1).

فالتصوف فلسفة من حيث تناوله إشكاليات الوجود وما وراء الطبيعة، والأخلاق وقضايا المعرفة وغيرها. والإسلام الثقافي بوصفه التعبير المناسب عن مختلف مظاهر أنا الحق، بل التصوف وتمثله في حكمته النظرية والعملية، وليس طرائقه، بل تحرره من ثقل تقاليد العقائد المقدسة والمذهبية الضيقة والتقليد، والتصوف هو حركة حرة للقلب، والعقل والحدس، جوهرها البحث عن طريق للحقيقة. وإيجاد الظاهر الإسلامي والباطن الإنساني.

إذ أن كل ما يتناوله التصوف هو فلسفة دون شك. وخصوصية التصوف تقوم على فلسفة المطلق. أي الفلسفة النظرية والعملية في البحث عن المطلق، وهي تجربة تتسم بقدر كبير بالإصالة، والتصوف الكبير هو فلسفة المطلق في حدوده المحتملة، والتصوف هو علم وعمل صرف، لاستظهار الوجود لحقائق المنطق واستبطان أخلاقي لحقائق المعرفة الكبرى. ولذلك فأن كل فيلسوف كبير هو صوفي بالضرورة، كما أن كل صوفي كبير هو فيلسوف بالضرورة، وكلاهما ينتميان إلى الروح الإنساني المتسامي،  عموماً كلاهما جوهريان للتاريخ الانساني بشكل عام وتاريخ الحقيقة بشكل خاص، هما خزين الذاكرة التاريخية واسلوب شحذ وعيه الذاتي.

ومهما يكن الأمر فقد عرفوا التصوف بأنهُ (التخلّق بالأخلاق ال"إلهية)(2). أو هو (مذهب الغرض منهُ تصفية القلب من غير الله، والصعود بالروح إلى عالم التقديس، بإخلاص العبودية للخالق، والتجرد عما سواه)(3).

والتصوف بمفهومه العام هو ممارسة الانقطاع والتقشف والرياضات الروحية، فإنه لم يكن وليد البيئة العربية الإسلامية وحدها، بل أن تاريخ الشعوب يثبت اهتمام الأمم به منذ أقدم العصور، كالبراهمة والصابئة والبوذية والمانوية والمسيحية، كلٌ على طريقته. لكن التصوف عندما وجد تحت ظل الإسلام وأحيط بأدب القرآن، دخل في دور جديد، فتبلور في مدرسة الحلاج (309هـ) في الحلول، وفي مدرسة النفري (354هـ) الشهود أو رؤية الحق بالحق، وفي مدرسة الغزالي (505هـ) ومدرسة شهاب الدين السهروردي (587هـ) بالإشراق، وفي مدرسة ابن عربي (638هـ) بوحدة الوجود والحقيقة المحمدية، وغير ذلك من المدارس الفكرية والمقولات الفلسفية التي وجدت بذورها الأولى في الديانات القديمة.

ومؤلف كتاب المواقف هو محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفّري الصوفي. والنفرّي منسوب إلى بلدة نفَّر، وهي من اعمال الكوفة، وقد نسب إليها قوم من الكتّاب الأجلاء كما ذكر ذلك ياقوت الحموي في معجم البلدان ج5/ 295. ولعل نفرّ تعريب لكلمة (نيبور) المدينة التاريخية التي شيدت في ضفاف الفرات قبل أكثر من ستة آلاف سنة، حين كان يمر فيها الفرات، وهي اليوم ناحية تابعة إدارياً لمحافظة الديوانية، وتقع على بعد ثمانية عشر كيلو متراً شرقي مركز مدينة الديوانية، ولمدينة نفرّ الأثرية أكثر من عشرين موقعاً أثرياً، منها منارة نيبور التي ما تزال تشمخ بين تلال المدينة.

نسبهُ بعض الباحثين إلى التشيع بسبب ذكره المهدوية في آخر كتابيه (المواقف والمخاطبات) ص215، وذلك في قوله (تظهر كلمة الله، فيظهر الله وليه في الأرض، يتخذ أولياء الله أولياء، يبايع له المؤمنون بمكة، أولئك أحباء الله، ينصرهم الله وينصرونه، وأولئك هم المستحفظون، عدة من شهدوا بدراً، يعملون ويصدقون، ثلاثمائة وثلاثة عشر، أولئك هم الظاهرون). وقوله بالغيبة في كتابيه اعلاه ص216: (فلست أغيب بعد هذه إلا مرة، ثم أظهر ولا أغيب، وترين أوليائي القدماء يقيمون ويفرحون). لكن النفري لم يقل اسم المهدي وكنيته في سائر تراثه، كما يعتقد به الشيعة اليوم. وأمر آخر يؤمن به النفرّي وهو يعارض عقائد الشيعة، أي إيمانه بالرؤية التي يرفضها الشيعة جملةً وتفصيلاً.

فالنفرّي يحدس المستقبل بقلبه ويقينه، فيرى الآتي، ويكشف لنا عنه بصور هي أقرب إلى السحر أو الكرامة، ويرتقي بها إلى مستوى المعجزة.

كان النّفرّي غير معروف في عالم التأليف في عصره، وفضّل أن يعيش في عالم خاص بعيداً عن الأضواء، سائحاً لا تستقر به أرض، وأن يكون مجهولاً مغموراً من أبناء جلدته وكتاب عصره من المتصوفة. ويعزو يوسف سامي اليوسف ذلك إلى أسباب اجتماعية تتمثل في الأزمة التي اعترت التصوف بعد محنة الحلاج المقتول سنة (309هـ)، حيث التزم أهل التصوف بعدها مبدأ الحذر والتستر بالكتمان والتقية الشديدة على ما يكتبون ويعتقدون، هذا فضلاً عن التخوف من الفقهاء الذين كان دأبهم تكفير أهل السلوك وتفسيقهم وتحريض السلطات على قتلهم. من هنا كانت اللغة الحرة هي ملاذ النفرّي، فجمع (المواقف والمخاطبات) بعد موته يُبرئ النصوص من التوجه إلى قارئ، ومن ثم يبرئه من مراعاة أية قوانين خارجية.

يقول النفري في موقف (مالا ينقال): (وقال لي: المواجيد بالمقولات كفر على حكم التعرف. وقال لي: لا تسمع فيّ من الحرف، ولا تأخذ خبري عن الحرف. وقال لي: الحرف يعجز أن يخبر عن نفسه، فكيف يخبر عني؟! وقال لي: أنا جاعل الحرف والمخبر عنه. وقال لي: أنا المخبر عني لمن أشاء أن أخبره)(4).

وموضوع مقالنا حول كتاب المواقف للنفّري هو تعبير عن أعلى مراحل الفناء، لذلك قيل فيه (هو إخلاص وجداني، يبتدئ بالسماع للحق، وينتهي بخلق الأنا الكونية)(5). ويعتقد أن نظرية الفناء الروحي قد وفدت إلى رحاب التصوف الإسلامي من خلال الفلسفة الهندية، وأن أول من قال بها أبو يزيد البسطامي (261هـ) ومن بعد الجنيد البغدادي (297هـ)، ثم انتقل الجنيد من القول بالفناء إلى فكرة الاتحاد، وهي أن يصل المتصوف إلى درجة تتحد فيها الروح اتحاداً تاماً بعلّة الوجود عن طريق الشهود، وتصير الذاتان واحدة، وذلك بالتجرد عن حول العبد وقدرته إلى حول الله وقدرته، فيقوى بذلك وتتلاشى شخصيته البشرية(6). وغالباً ما تتألف عبارة الشطح من كلمات ما قاله النفّري في موقف بين يديه (أوقفني بين يديه وقال لي:... سبحانك! أنا أسبّحك فلا تسبّحني)(7).

والمراد بالوقفة في اصطلاح الصوفية (الحبس بين مقامين لعدم استيفاء حقوق الذين خرج مه، وعدم استحقاق دخوله في المقام الأعلى، فكأنه في التجاذب بينهما، بمعنى آخر التوقف بين المقامين لقضاء ما بقي من حقوق الأول، والتهيؤ لما يرتقي إليه بآداب الثاني. ولقد بدأ النفرّي بالمواقف اعتقاداً بأن الوقفة مع الله تعالى تتيح للسالك أن يرى ربه بقلبه في الحياة الدنيا، وطبيعي أنه بعد الوقفة تأتي المخاطبة، والمخاطبات على ذلك كانت التالية على المواقف. والمخاطبات فهي إحدى أدوات التلقي، وهو أخذك ما يرد من الحق عليك، بطريق الخطاب أو غيره.

والسياحة عند النفرّي ليست عبوراً للمكان، بل هي اكتشاف ضيق الوجود وضيق المفاهيم التي تعبر عن هذا الوجود، وهي رحلة تطلّع ولهفة إلى مكان لم يوجد بعد على الأرض، ومفهوم لم يوجد بعد في اللغة، ومن هنا تأتي غزارة لغة النفري التي تميزه عن سواه من المتصوفة.

وقد أثار النفرّي بعض الفقهاء ضد الصوفية في قوله (أوقفني وقال لي)، ويعتقد ابن تيمية في رده على النفرّي أن الشيطان يتمثل له، ويقول: أنا ربك، فيخاطبه ويظنه ربه، وإنما هو الشيطان. انظر نعمة الذريعة في نصرة الشريعة: لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي، ص47/48. ويبدو أن النفرّي يغلو في مقام الوقفة، فيجعله فوق مقام النبوة من حيث المعرفة بالله، لقوله (وقال لي: رسول رحمة لا يحيط بمعرفتي، ورسول عقوبة لا يحيط بمعرفتي)، والمقصود برسول الرحمة ورسول العقوبة الإشارة إلى قوله تعالى : (وما ترسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين).

وللنفري آثار أدبية منقولة عنه في غير الكتابين (المواقف والمخاطبات)، منها: كتاب موقف الموقف كتب سنة 366هـ. وكتاب أجزاء متفرقة. كتب في النيل سنة 354هـ. وكتاب قسم الحكم، كتبه في المدائن سنة 354هـ. وكتاب مواقف ومناجيات، كتبه في البصرة سنة 359هـ. وكتاب باب الخواطر، ومقالة في المحبة، كتب بعضاً منها سنة 352هـ، وبعضها في واسط سنة 252هـ.

وللنفرّي تسع وخمسون مقطوعة شعرية مبثوثة في أثناء (الأجزاء المتفرقة)، و(الحكم)، و(المواقف والمخاطبات)، تدور مضامينها حول الصفات الإلهية والحكمة الصوفية، والحب الإلهي، وتحدث فيها عن مواجيده وأشواقه.

والنفرّي في كتاباته يفجر طاقات اللغة، ويراعي النغم، والتناسق الصوتي والجمالي في تجربته النثرية التي تكاد تقترب من الشعر، بل قد تكون شعراً موزوناً، نحو قوله (أنت معنى الكون كله). ويمكن تحديد الأنواع الفنية للنثر في عصر النفرّي بالخطابة، والترسل، والاحتجاج، والحديث.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

......................

المصادر

1- د. ميثم الجنابي، العراق حوار البدائل، حاوره مازن لطيف، مؤسسة المرتضى للكتاب العراقي، مطبعة جعفر العصامي، 2009، ص36.

2- محمد على التهانوى، موسوعة كشف اصطلاحات الفنون والعلوم، سلسلة موسوعات المصطلحات العربية والإسلامية، تقديم واشراف ومراجعة: رفيق العجم، تحقيق: علي دحروج، ترجمة: جورج زيناتي، مكتبة لبنان، ناشرون، ط1، 1996، ج1، ص456.

3- محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين، دار المعرفة، ط3، 1971م، ج10، ص585.

4- محمد عبد الجبار بن الحسن النفري، المواقف، تصحيح واهتمام: أرثر يوحنا اربري، مطبعة الكتب المصرية في القاهرة، 1934م، ص60 الموقف 34.

5- د. ميثم الجنابي، حكمة الروح الصوفي، دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2007، ص338.

6- د. كامل مصطفى الشيبي، الصلة التصوف والتشيع، دار المعارف بمصر، ط2، ص339.

7- كتاب المواقف للنفري، مصدر سابق، ص72.

لبنى بطاهرسأباشر القول بكون عدمنا (موتنا) أفضل من وجودنا (حياتنا) بلغة الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر(Martin Heidegger)(1976-1889)،ففي نهاية المطاف سنموت . كما أن  منامنا (أحلامنا) أجمل من يقظتنا (واقعنا) بتعبير العالم النفساني سيغموند فرويد(Sigmund Freud)  (1856-1939)، آملين بأن ما كنا نطمح إليه في طفولتنا يترجم إلى حقيقة واقعية في مستقبلنا .لقد خُلقت وأبدعت أفكار وهمية خيالية أضحت واقعا، لنحارب بها أنفسنا وينعموا هم بالسلام معنا . إنها أفكار السادة والحكام على شعوبهم، وهي ما حاول كشفه لنا نيكولاي ميكيافيلي(Niccolo di Bernardo dei Machiavelli) (1469-1527) في عصر النهضة الأوروبية في كتابه الذائع الصيت " الأمير" (Le Prince)، بعبارة مختصرة تجمل معنى الكتاب في جوهره ألا وهي " كيف يضلل الحاكم شعبه لا كيف يقوده " .لماذا لا نستطيع التحديق في أشعة الشمس ؟ ألقوة وهجها ؟ هل نكتفي بالظلال وعشق الظلام  لينسينا واقعنا ويذكرنا بوهننا وارتكاسنا ؟ عجبا،قمنا بشن حرب على ذواتنا وقتلنا آمالنا بأيدينا وشيعت أرواحنا جنائزنا، ببكاء ونواح على ضمائرنا المقادة الى المقابر . هنا حروب وفتن أهلية، خربت البيوت والمدارس والشارع . جعلت منا مسحوقا متناثرا أكثر مما هي عليه فوضى الحواس، ومثالية التجريد العقلي.

لنتأمل وضعية التربية والتعليم ببلادنا  مثالا ونزولا من برج الكلمات المتعالية،حيث ما يسري عليها من نتائج ينعكس على المجالات الأخرى،باعتبارها شرط إمكانية الوجود الانساني، لأنها بؤرة ومرآة كل المهن والحرف المعاصرة .قبل الاسترسال في الألفاظ والعبارات، ينبغي الوقوف على مهمة  رجل التعليم باعتباره جنديا مسلحا لا بمسدس أو بندقية كمحارب في الحروب الدموية ، إنما سلاحه العلم والمعرفة، يخوض بها معركة شديدة الوطيس في محاربة السفسطة الواقعية الوهمية، بغية  تحقيق سلام بعدي .وهذه هي المهمة التي تكلف بها كل الأدباء والعلماء والفلاسفة على مر تاريخ الأفكار الأدبية والفلسفية والعلمية، في مقابل القادة المحاربين العسكريين أمثال نابليون بونابرت (Napoléon Bonaparte)(1769-1821) في مواجهة الأيديولوجين بأفكارهم الحرة، لنكون قد قدمنا هنا النتائج على المقدمات .

فالمدرسة / المؤسسة بمعية الأسرة هي أرضية ولبنة للأحداث، وليست جدرانا من الإسمنت، بل هي مشكلة من إدارات وجمعيات وخلايا مخابراتية ونقابات وأحزاب متصارعة المصالح ...، ليتأرجح المعلم(ة) / الأستاذ(ة) بين كل تلك المخاضات .فهذا تابع ومقاد مثله مثل العامة التي تنظر بالبصر لا البصيرة، لكن الأحرار لهم نظرة مخالفة، شبيهة بنظرة النسر وهو محلق في السماء يود الانقضاض على فريسته  . فلا يكون الدافع الذاتي الخاص محركا بلغة أرسطوطاليس (Aristoteles) (384 ق م – 322 ق م)، بدل القيام بالواجب المهني من زاوية الضمير العملي، وتبليغ رسالة سامية المقام وكونية الغاية من جهة الضمير الأخلاقي على نهج الأخلاقيات الكانطية.

فأشباه رجال ونساء التعليم في موطننا، يتخذون  أسهل وأيسر الطرق للتمويه والتضليل، فهم قطيع تابع، لذلك لن نسلط الضوء عليهم ،  بل سنتربع على عرش الأحرار . الذين يسلكون الدرب بعصامية ومغامرة،فلا يهبون ولا يخفون لومة لائم، إذ يتبعون ما يمليه عليه ضميرهم وإن قادهم إلى الجحيم، فهو مصدر نور وقنديل في العتمة . يؤمنون بأداء الأمانة والقيام بالمهام سواء كانت عادلة أو ظالمة في حقهم .ولنا عبرة في ذلك من أب التربية الأخلاقية، وشهيد الحقيقة في فلسفة التربية  " سقراط " (Socrates) (470 ق م – 399 ق م)، لتكون قصة موته أمثل صورة للوطنية بصفة خاصة وللإنسانية عامة، بقبول الأحكام الصادرة سلبا كانت أم ايجابا فداء لما لقنه من تعاليم للشباب .  سؤال: لماذا لا يحتج أصحاب هذا التوجه السقراطي ببلادنا بصوت مرتفع مثل البقية التي تنتفض في الشارع ؟ ألا يفقهون ثقافة الاحتجاج والنضال ؟

الجواب بالسلب والنفي، فلنصغ بعقولنا لهذه الحروف : " ليس كل من يرفع الشعارات وسط الجموع مناضلا وليست كل المطالب لذاتها،  فهناك حق يراد به باطل في أغلب الأحايين . وما المناضل الحقيقي في التربية والتعليم إلا موجه للمتعلمين / المتعلمات ويظل أثره يتوارث من جيل لآخر". هذا لا ينفي أو يتعارض مع التضامن الاجتماعي في القضايا العامة ببلادنا، كمناهضة ارتفاع الأسعار في المواد الاستهلاكية والبترولية في المغرب في وقتنا الراهن، بالمقارنة بالدول المجاورة والأجنبية  حيال الحكومة الجديدة، التي يترأسها رجل الأعمال والبولدوزر " عزيز أخنوش "(Aziz Akhannouch) (1961، تافراوت)، الذي يمارس نوعا من السيادة الطاغية والتعسفية على المواطنين، بقهرهم بالزيادات المتتالية داخل المغرب . جعلت الشعب برمته يرفع له كلمة " ارحل "، في أشهره الأولى من انتخابه كرئيس للحكومة .

فهناك تداخل بين ماهو اقتصادي وسياسي وتربوي واجتماعي، إلا أن الأنا العاقلة تنحاز دائما لتحقيق السلام(La Paix)  والحب (L’amour) بين كل تلك المجالات المتداخلة . حيث تتجنب  الصراعات الشعبية المقادة من طرف جبابرة الدول . الذين  بثوا سموما على شاكلة أحزاب (Des soirées)  ونقابات(Syndicats)  وتنسيقيات (Formats) متصارعة وهما وزيفا، لتعد ترياقا للرؤساء والحكام .  ترتكز على الخلافات غير المبنية على الحب، وإنما على الكره (Le ballon)  والمصلحة (Intérêt) لصالح فرد أو جماعة معينة  . هي نفس الصورة المماثلة لما فعلته الدول الغربية القوية بالدول العربية بعيدة الاستعمارات والاستيطانات المباشرة من ناحية معينة، وبطريقة غير مباشرة متمثلة في غرسها نوعا من التفرقة العرقية والعقائدية والسياسة داخلها،إضافة إلى  بثها الفوارق الاجتماعية، كي تظل مكتفية بالتفكير في همومها وأزماتها، محاولة بذلك تضميد جروحها. بينما هي ماضية في التقدم في البحث العلمي تسابق الزمن،محافظة على هيمنتها ومركزيتها الدولية.

الإشكال المؤرق الآن هو : لم لا نستيقظ من سباتنا العميق ونحن نتوجه نحو الحائط ؟ لم يعد تفصلنا عنه سوى شعرة ؟ كلنا نعلم في بواطننا أن النجاة في التكتل (Une agglomération)،وتصالحنا مع ذواتنا وفكرنا، فننبذ تلك الأفكار المعيشة المزيفة،و على سبيل التوضيح : لا وجود لكذبة اليمين واليسار، حتى تعدد الفصائل وكثرة النقابات بدعة لم تخلق سوى الدمار (Destruction) والحقد(Détester)  والضغينة (Rancune)- يتفرقون في الأحداث ويجتمعون في المصالح ويصفون الأشخاص المحايدين بالبراغماتيين لعلمهم بغاياتهم المشؤومة ووسائلهم المخاتلة - في حين أن الحقيقة الصارخة تجمعنا " كفة الشفقة "(Pitié Manchette)، وهو شعور لا يرضاه أحد لنفسه، فقد استنشقنا عبيره الفياح . كما أن الرؤساء والقادة على موائد من ذهب يشربون نخب سذاجتنا وخلافاتنا الوهمية.

***

لبنى بطاهر

 

محمد محفوظجاء في التراث أنه كان هناك أربعة من الفقراء جالسين في طريق، وكل منهم من بلد: أحدهم رومي، والثاني فارسي، والثالث عربي، والرابع تركي، ومر عليهم محسن فأعطاهم قطعة من النقد غير قابلة للتجزئة، ومن هنا بدأ الخلاف بينهم، يريد كل منهم أن يحمل الآخرين على اتباع رأيه في التصرف في هذا النقد. أما الرومي فقال: نشتري به (رستا فيل) وأما الفارسي فقال: أنا لا أرى من (الأنكَور) بديلا، وقال العربي: لا والله لا نشتري به إلا (عنبا)، وقال التركي متشددا في لهجة صارمة: إن الشيء الوحيد الذي أرضى به هو (أوزوم)، أما ما سواه فإني لا أوافق عليه أبدا. وجر الكلام بين الأربعة إلى الخصام، وكاد يستفحل الأمر لولا أن مر عليهم رجل يعرف لغاتهم جميعا، وتدخل للحكم بينهم، فبعد أن سمع كلامهم جميعا، وشاهد ما أبداه كل منهم من تشدد في موقفه أخذ منهم النقد واشترى به شيئا، وما إن عرضه عليهم حتى رأى كل منهم فيه طلبته، فقال الرومي: هذا هو(رستافيل) الذي طلبته، وقال الفارسي:هذا هو (لانكور) وقال العربي: الحمد لله الذي أتاني ما طلبته! وقال التركي: هذا هو(أوزوم) الذي طلبته. وقد ظهر أن كلا منهم كان يطلب العنب من غير أنت يعرف كل واحد منهم أنه هو بعينه ما يطلبه أصحابه. 

لا ريب أن قراءة هذه القصة تثير الضحك وروح الفكاهة، وتثير الاستغراب والاستهجان في آن واحد. من جراء الاختلاف والنزاع الذي حدث بين هؤلاء الصحبة دون وجود مبرر عقلي وواقعي للخلاف والنزاع. فالكل يطلب العنب إلا أن اختلافهم اللغوي حال دون تفاهمهم المشترك، مما أدى إلى الخصام على موضوع أقل ما يقال عنه أنه وهمي. ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: أن الكثير من الاختلافات والتباينات بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد، لا تخرج عن مضمون القصة المذكورة أعلاه. بمعنى أن الكثير مما نتصوره من اختلافات بيننا هو من جراء مواقف مسبقة أو رؤية جاهزة حملناها على بعضنا البعض، دون أن نكلف أنفسنا عبء فحص هذه الرؤية أو تجاوزها بشكل علمي وموضوعي. والإنسان الذي ينحبس في إطار رؤية ضيقة، فإنه سيتعصب لرأيه دون أن  يدرك حجم الجوامع المشتركة بينه وبين الآخرين. فحيث ينعدم التواصل، وتتضاءل فرص التعارف فإن مساحات سوء الظن والفهم تتسع وتتراكم. 

لذلك فإن التواصل بين مختلف مكونات المجتمع وتعبيراته المتعددة، هو من الروافد الأساسية التي تساهم في تعزيز خيار الوحدة والتضامن الداخلي. فوحدة المجتمعات والأوطان بحاجة بشكل دائم إلى التواصل والتعارف المباشر بين مختلف المكونات والشرائح. وذلك حتى تبنى الوحدة على حقائق المعرفة العميقة المتبادلة. وبدون هذه المعرفة سنجد أنفسنا نختلف وتتباين مواقفنا حتى لو كانت غايتنا واحدة. 

فالهدف المشترك بوحده لا يصنع وحدة، وإنما هو يحتاج إلى مساندة مستديمة عبر التعارف والتواصل الذي يزيل الالتباسات والهواجس ويحول دون الفرقة المذمومة.. وتاريخيا لم تكن الوحدة التي  صنعها العرب والمسلمون، تعني التوحيد القسري ونبذ أشكال التعدد والتنوع الطبيعية في الوجود الاسلامي. وإنما صنع المسلمون وحدة، قامت على احترام التنوع وخصائص التعدد، لأنها حالات وحقائق تاريخية، مركوزة في التكوين النفسي والاجتماعي، ومتناغمة مع نواميس الوجود الإنساني. لأن الباري عزوجل قد خلق البشر مختلفين من نواح عديدة: لتكونهم من ذكر وأنثى [وإنه خلق الزوجين الذكر والأنثى] وهم مختلفون لاختلاف ألسنتهم وألوانهم [ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم] كما هم مختلفون لاختلاف عقائدهم [هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن] وعلى ضوء هذا الاختلاف والتنوع، تنشأ الوحدات الاجتماعية، لكن لا لكي تتباعد عن بعضها ,وإنما لكي تتعارف.  

فالتعارف هو المنظور القرآني، لتجاوز الآثار السيئة والسلبية لحالة الاختلاف والتعدد. قال تعالى[يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم]..

فالاختلافات العقدية والفكرية والسياسية، تزداد اتساعا، وتأخذ منحى تصاعديا وفي بعض الأحيان عنفيا، حينما تتراجع خطوات التفاهم وتغيب حقائق التلاقي والتواصل بين المختلفين. بينما التلاقي والتفاهم والتواصل يساهم في ضبط الاختلافات، ويحوله إلى رافد للثراء المعرفي والفكري، وترتفع من الفضاء الاجتماعي كل الهواجس والأكاذيب التي تسمم العلاقة وتدفعها نحو دوائر وخيارات خطيرة. 

ولقد دفع المسلمون جميعا غالي الأثمان من هواج س بعضهم البعض، ومن الأكاذيب والافتراءات التاريخية والراهنة، التي ساهمت بشكل مباشر في تأجيج النفوس وزيادة الاحتقانات بكل صورها وأشكالها. 

وأود في هذا السياق أن أؤكد على النقاط التالية: 

1/ ضرورة العمل على تطوير التواصل العلمي والثقافي بين مكونات المجتمع والوطن الواحد.. فكل طرف في هذا المجتمع يمتلك من الكتب والمؤلفات الثمينة الشيء الكثير، ويعيش بين ظهراني هذا المجتمع العديد من العلماء والمفكرين والكتاب المتميزين. ولكن وبفعل الجفاء المتبادل، وغياب حقائق التلاقي والتواصل، كل طرف يجهل حقيقة الآخر، أو لا يمتلك رؤية واقعية عنه.. 

وإننا نعتقد أن القيام بمبادرات حوارية وتواصلية بين حكماء المجتمع وعلمائه، سيفضي إلى فهم متبادل عميق، قادر على إفشال كل مخططات الفتنة والتشظي.  ويشير إلى هذه المسألة أحد العلماء بقوله:إن توحيد المسلمين ثقافياً لا ينافي أن تعمل كل طائفة من الطوائف الإسلامية بما ثبت عندها واعتقدته، ما دام هذا لا يمس العقائد الأساسية، التي يجب الإيمان بها، ولكن من الواجب أن تعرف كل طائفة من المسلمين حقيقة عقائد الآخرين، لعلها تجد فيها ما تستفيد منه، أو على الأقل إذا أراد أحد باحثيها أن يكتب عنهم شيئا، أو ينقل بعض فتاواهم، فلا يكتب وأما ما سمعنا عنهم أنهم يقولون كذا وكذا أو أنه يقال عنهم كذا وكذا. ولعمري أن هذا لسبة في جبين العلم أن لا يتعب رجاله أنفسهم بالبحث عن كتاب يجدون فيه كل ما يبحثون عنه، من غير أن يسندوا أقوالهم إلى السماع، وكثيرا ما يجي ءهذا القول المسموع من ذوي الأغراض الخبيثة.

 لو أن التعارف بين المسلمين تم على أساس توحيد الثقافة، بما في ذلك التبادل الثقافي، وتأليف كتب عن كل طائفة لإعطاء صورة صحيحة عنها، وتعليم اللغات الإسلامية في جامعاتهم وترجمة آثارهم ورجالهم، لعرف المسلمون أنفسهم، وعلموا قوتهم ومقدرتهم، وأنهم مسلمون قبل كل شيء، مسلمون في كتابتهم وتآليفهم، مسلمون في قصصهم وأشعارهم، وأنهم أمناء فيما يكتبون.. 

فالحوار والتواصل بين مختلف التعبيرات والمكونات لا يلغ ي الاختلافات والتباينات، وإما يوصل الجميع إلى أفضل صيغة ممكنة لإدارة الاختلافات وضبط الانقسامات والتباينات. فالتعددية على حد تعبير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية في تقريرها الموسوم ب(التنوع البشري الخلاق) ليست مجرد غاية في حد ذاتها، فالاعتراف بالاختلافات ماهو إلا شرط لبدء الحوار، وبالتالي لبناء اتحاد أوسع نطاقا بين أناس مختلفين. وعلى الرغم من المصاعب فإننا نواجه مصيرا محتوما، فلا بد من إيجاد سبل للتوفيق بين تعددية جديدة ومواطنة مشتركة. وقد لا يكون الهدف مجرد مجتمع متعدد الثقافات، بل دولة تتألف من ثقافات متعددة، دولة يمكن أن تعترف بالتعددية دون أن تفقد وحدتها.

2/ إن التحصين الوطني ضد كل المخاطر التي قد تهدد الأمن الاجتماعي والوطني، يتطلب العمل الجاد على بلورة مشروع ثقافي وطني، يحتضن كل أطياف وتعبيرات الحياة الثقافية الوطنية، ويوظف كل إمكانات الوطن ويصبها في خدمة المشروع، وينفتح على كل الخصوصيات الثقافية، ويتفاعل ويستفيد من كل القوى والوسائط الثقافية والاجتماعية الموجودة، ويتواصل مع منابع الفعل الثقافي بتنوعه ومستوياته ومجالاته وآلياته القائمة والممكنة. 

وبكلمة:إن تحصين الوطن من المخاطر، يتطلب بلورة حياة ثقافية جديدة تتجاوز صعوبات الواقع وسيئاته، وتسعى نحو إرساء دعائم وتقاليد التواصل والحوار والانفتاح على كل مكونات الفعل الثقاف والإبداعي الوطني. فالتحصين لا يتأتى بالمنع وزيادة قائمة الممنوعات، بل بغرس أسباب الحياة والحيوية في حياتنا الثقافية والاجتماعية.   فالمجتمع الراكد، هو أقرب المجتمعات إلى الاختراق على المستويات كافة. أما المجتمع الحي و الحيوي، فإنه يمتلك الدينامية الكافية التي تؤهله لمقاومة كل الأخطار ومجابهة كل محاولات الاختراق التي تهدد أمنه الاجتماعي والوطني.

فوجود الحياة الثقافية الجادة بكل مستلزماتها ومتطلباتها وآلياتها، يساهم مساهمة أساسية في إرساء دعائم الأمن الاجتماعي والوطني. فحيوية المجتمع وديناميته، هو رهاننا لمجابهة كل التحديات والمخاطر لذلك فإن عملية التحصين الوطني، تتطلب منا جميعاً، تنمية الاستعدادات والإمكانات الثقافية الوطنية، التي تأخذ على عاتقها معالجة الظواهر المجتمعية، واستيعاب أبناء الوطن بمختلف مستوياتهم في أطر ومؤسسات، تنمي كفاءاتهم، وتصقل مواهبهم، وترفع من مستوياتهم وتشاركهم في صياغة حاضرهم ومستقبلهم.

***

أ. محمد محفوظ

 

محمد محفوظثمة حقيقة أساسية ينبغي أن ننطلق منها، حينما نود الحديث عن طبيعة العلاقة بين الأديان والإنسان. وهذه الحقيقة هي أن الأديان السماوية بكل أنظمتها وتشريعاتها، جاءت من أجل خدمة الإنسان وسعادته. بمعنى أن الالتزام بتشريعات الدين وأنظمته، تفضي على المستويين العام والخاص إلى سعادة الإنسان واستقراره على جميع المستويات. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتصور الدين الذي أنزله الباري عز وجل بمعزل عن الإنسان ومصالحه النوعية.

فالعلاقة جد وطيدة وعميقة بين تشريعات الدين ومصالح الإنسان الخاصة والعامة. فهي تشريعات تصون الإنسان وتحمي حقوقه ومكاسبه. لذلك نجد أن القرآن الكريم أنكر على أهل الكتاب تنازلهم عن حقوقهم المشروعة وحرياتهم الإنسانية التي ولدوا عليها، ورضوا بالعبودية لرهبانهم وأحبارهم الذين تبوؤا سلطة التشريع بدل الحق جل وعلا.

وفي هذا يقول ربنا سبحانه وتعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون).

فالأديان جاءت من أجل تحرير الإنسان من العبودية لغير الله سبحانه وتعالى، لذلك نجد القرآن الحكيم يدعو أهل الكتاب كافة ليتحرروا من هذه الأغلال والعبودية لغير الله، وأن يفردوا الله وحده بالعبادة والخضوع. إذ قال تعالى (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) .

فالإنسان وفق الرؤية الربانية هو أكرم المخلوقات حيث نفخ فيه من روحه، وهو الوحيد من مخلوقاته جل وعلا الذي اختاره ليكون خليفته في الأرض، وكرمه بالعقل وهداه السبيل، وعلمه البيان وسخر له ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة.

وعلى هذا فإن جميع القيم والتشريعات الإسلامية، جاءت من أجل تحرير الإنسان وحمايته وتكريمه والسمو به في مدارج الكمال والرقي المادي والمعنوي.

وفي سياق بيان دور الأديان في بناء الإنسان، نود أن نثير النقاط التالية:

1. حينما نريد أن ندرس التجربة الدينية في حياة الإنسان المعاصر، من الضروري التفريق والت مييز بين مستويين وهما:

ا. المستوى المعياري: وهو مجموع القيم والمبادئ الخالدة، وهي العابرة لحدود الزمان والمكان. ولا مشكلة لدينا على هذا المستوى. إذ أننا نعتقد وبشكل جازم أن الباري عزوجل لم يشرع للإنسان القتل والعدوان وممارسة الكراهية بكل مستوياتها وأطوارها. فالأديان السماوية كما أنزلها الله هي منبع الخير المطلق.

ب. المستوى التاريخي : وهو مجموع الجهد البشري والدين كماهو معيوش.

ويبدو أن كل الإشكالات المتعلقة بين أهل الأديان التوحيدية الثلاثة، تستوطن هذا المستوى . وينبغي أن تتجه كل الجهود الحوارية نحو صياغة علاقة إيجابية بين أهل هذه الأديان، بعيدا عن إكراهات و عبء التاريخ .

وعلى أهل هذه الأديان في هذه اللحظة التاريخية الحساسة أن يتخذوا موقفا صريحا وواضحا تجاه الظواهر الثلاث :

ظاهرة الحركة الصهيونية في التجربة الدينية اليهودية، وهي الحركة التي اغتصبت أرض فلسطين، وهجرت وقتلت شعب فلسطين، وكل ذلك تم بغطاء ديني توراتي.

ظاهرة الاستعمار ونزعات السيطرة والهيمنة التي سادت المجال الحضاري الغربي، واستفادت من الغطاء الديني المسيحي، وصولا إلى ظاهرة المحافظين الجدد في التجربة الدينية المسيحية.

ظاهرة الغلو والتطرف والإرهاب الديني في التجربة الدينية الإسلامية. وهي الظاهرة التي عاثت في أصقاع الأرض فسادا وقتلا، وعملت كل هذه الجرائم بتفسير وغطاء ديني إسلامي.

إننا نعتقد أن بذل الجهود الثقافية والدينية لرفع الغطاء الديني عن كل هذه الظواهر، سيساهم في خلق السلم الإنساني والدولي.

إن التعايش بين أهل الأديان اليوم، بحاجة إلى التأكيد على المقولات التالية:

ا. ضرورة الانتقال في عملية الحوار من النطاق اللاهوتي إلى النطاق الثقافي الذي يبني حقائق التسامح والحرية واحترام الآخر وجودا ورأيا في الفضاء الاجتماعي.

ب.الاهتمام الجاد بمسألة حقوق الإنسان، فالاختلاف الديني لا يشرع بأي حال من الأحوال انتهاك حقوق الإنسان.

إننا نعتقد أن انفتاح الثقافات الدينية المعاصرة على ثقافة حقوق الإنسان، سيفضي إلى المساهمة في بناء عالم أكثر عدالة وتسامحا وحرية.

إن تنمية القيم الروحية في المجال الإنساني المعاصر، يتطلب ضمن ما يتطلب إلى أن تتبنى المؤسسات الدينية في كل الأديان مقولات بناء النظام السياسي المرن والديمقراطي.

فالأنظمة السياسية المنسجمة مع خيارات شعوبها الثقافية والسياسية، هي الأقدر على تنمية القيم الروحية في المجتمع.

فلنرفض جميعا كأهل أديان سماوية، كل أنظمة الجور والعسف والهيمنة. حتى تصيغ القيم الروحية المبثوثة في الأديان السماوية كما أنزلها الله سبحانه وتعالى حقائق المحبة والسلام في حياة الإنسان فرد أو جماعة.

إن أحد وجوه الأزمة والتي تنعكس سلبا في مجالات الحياة المختلفة، هي تضاؤل النزاهة الأخلاقية والعملية لدى شريحة معينة من أهل الدين. فلم يتمثل هؤلاء مثل الدين الحقيقية تمثلا كافيا، كما أنهم لم يكونوا أمناء على حقوق مجتمعاتهم وأمتهم برغم كل الدعاوى التي صدروا عنها أو صدرت عنهم.

ويعبر عن هذه الحقيقة الدكتور فهمي جدعان بقوله: إذ إنه يؤسفني جدا أن أصرح بأن أغلبية الناس وأكاد أقول جميعهم بإطلاق ومن بينهم مفكرون ومثقفون كبار، وإن كانوا يفاخرون دوما بأنهم يحتكمون إلى العقل ويسلكون وفقا لتوجيهات العقل، إلا أنهم في أغلبية الأحوال يتحركون بنوازعهم ورغباتهم وإيراداتهم وأهوائهم ولايستخدمون العقل إلا من أجل الوصول إلى هذه الأغراض بأدق الطرق وأحكمها وأكثرها ضبطا وإحكاما. ويستوي في ذلك الأخيار والأشرار. وهذه هي قضيتنا مع العقل، إنه أداة بالغة الخطر، ولكنه أداة لا يستطيع أحد الاستغناء عنها، وكي تؤتي ثمارها الإنسانية الطيبة لا بد من إحاطتها بسياج من القيم العالمية ولابد من تحريرها من رغباتها وأهوائها المضادة للموضوعية ولخير الإنسان وكرامته، ولابد بشكل خاص من أن نحول دون تحول هذه القوة إلى سلاح ضارب يقضي على معاني الإنسانية فينا وعلى حساسيتها الجمالية، ويدمر قيم الحرية والكرامة والعدالة في عالم الإنسان.

وثمة مدارس وتجارب دينية عديدة، حاولت من خلال محطات تجربتها وآفاقها وممارساتها، أن تقدم إجابة أو إجابات على الأسئلة الوجودية التي تعترض الإنسان الفرد والجماعة في مسيرته الإنسانية. وهذه التجارب الدينية هي في تقديري، إحدى الإجابات التي قدمتها الحالة الدينية الإنسانية كوسيلة من وسائل السلم والسلام. حيث أن السلم الذاتي والانسجام الداخلي وارتفاع وتيرة الإيمان في نفس الإنسان، هي أحد المداخل الرئيسة لإنجاز مفهوم السلام في الحياة العامة.

ولعل التجارب أو المدارس العرفانية الإسلامية والمسيحية هي أحد نماذج ذلك "وهذا العرفان المدروس (على حد تعبير كتاب الأسس النظرية للتجربة الدينية – قراءة نقدية مقارنة لآراء ابن عربي ورودلف أتو)، ربما تختلف مفرداته، فيتم توظ يف المفاهيم والأفكار التي تشرح بتفصيل أو بإجمال سير العارف العملي في أعماق الأنفس والآفاق، وهو ما يسمى بالعرفان النظري، الذي يمثل محيي الدين بن عربي عماده وركنه.

وإذا اس ته دفنا من العرفان النظري هذا دراسة وتدوينا وتعليما، الحصول على تصورات عقلية لظواهر غير عقلية كما يقول أصحابها، فليس ذلك بالأمر السلبي أو المحال، فبالإمكان خلق مفردات ونحت مصطلحات وابتكار سياقات لفظية للتعبير عن حالات روحية عميقة، وهو أمر يتصاعد في عسره كلما تعمق الإحساس وغاص في دهاليز الروح، وهو إن دل فإنما يدل على نضوج عقلي وثراء لفظي.

وهذا العرفان النظري، يخضع – هو الآخر – لنظام التعليم ونقل الأفكار وانتقالها طبيعة، ومن ثم فأحد أهداف هذا العرفان هو تكوين تصورات نظرية عقلية عن تجارب روحية، تماثل الدور الذي يلعبه علم النفس أحيانا. لكن السؤال البارز هنا، والذي كان محط خلاف بين المشتغلين بالعرفان، هو هل أن جذب السالك إلى هذا الطريق يكون عبر خلق تصورات نظرية عن التجربة، أم أن ذلك لا يتم إلا بأسلوب عملي ربما يكون قائما على ممارسات طقسية وذكرية، أو على أنواع تربوية تهذب النفس وتصفيها؟ " .

ولقد جذبت هذه التجارب العديد من الشخصيات، وأضحت مدخلا هاما من مداخل اكتشاف مخزون ومكنون القيم الروحية في الديانات التوحيدية الكبرى. وذلك لأن حجر الأساس في هذه التجارب، هو الاندفاع القلبي - الطوعي - الاختياري الذي يدفع الإنسان صوب التفاعل الخلاق على صعيد القناعات والمسلك مع قيم الدين ومثله العليا. وتطهير الباطن أو توفير المقدمات الروحية هي الشرط الشارط للانخراط في هذا المسلك أو التجربة الدينية العرفانية .

فالعلاقة بين الدين والإنسان، علاقة عميقة ودائمة. ولايمكننا أن نتصور أن تكون القيم الدينية في موقع مضاد للإنسان وجودا ومصلحة. فدائما قيم الدين ومبادئه مع الإنسان، ووظيفتها الأساسية هي الحفاظ على الإنسان في مختلف المستويات والدوائر.

وفي المحصلة النهائية، الأديان جاءت من أجل خدمة الإنسان، لكي يعيش حياة سعيدة ومستقرة. لذلك قرر الفقهاء أن أحكام الشرع تدور مع المصلحة وجودا وعدما .

- انتهى –

***

محمد محفوظ

 

حاتم حميد محسنقبل قرون، بحث المستكشف الأسباني بونسي دي ليون عن الينبوع السحري للشباب، عن ماء يعيد الشباب لكل من يشرب منه او يستحم فيه. اليوم، يحاول بعض العلماء إحياء هذا الحلم. هؤلاء العلماء يعتقدون ان الهندسة الوراثية و إكتشاف العقاقير المضادة للشيخوخة، يمكن ان يمدد حياة الانسان بعيدا الى ما وراء حدودها الطبيعية. في الحقيقة، يرى الخبير الوراثي الاسترالي ديفد سنكلير ان مثل هذه العقاقير ستكون في حوزتنا في غضون عشر سنوات. اما الباحث في جامعة كامبردج غراي دي اوبري يعتقد ان لا سبب هناك يمنع الانسان من العيش لمدة ألف سنة على الأقل. من المؤكد ان هذا أمل جذاب يستهوي الكثير من الناس للوصول اليه. في عام 2013، بدأت غوغل ضمن شركة حياة كاليفورنيا (calico) بتوظيف علماء من حقول الطب والوراثيات وتطوير الأدوية والبايولوجيا الجزيئية. تسعى الشركة الى "ابتكارعلاج يبطئ الشيخوخة ويكافح الأمراض المتصلة بها".

اولئك الذين يخشون من الموت ويريدون العيش الى أطول ما يمكن سيرحبون بهذا النوع من البحوث. لكن عددا من الفلاسفة والأخلاقيين يشككون بمضامين الحياة الطويلة الأجل، سواء للفرد او للمجتمع. هذه الشكوك تستذكر القول القديم "كن حذرا مما ترغب فيه؟.

المساوئ للفرد

يرى البعض ان فكرة العيش لفترات أطول هي فكرة واضحة وبسيطة. طبقا للأخلاقي البايولوجي جون هارز، ان الحرص وتبنّي حياة لامتناهية هو شيء مبرر بنفس المنطق الذي يلزمنا بالحفاظ على الحياة. هو يعتقد ان العلماء لديهم التزام أخلاقي للقيام بهذا. لكن ليون كاس المستشار الرئاسي السابق في الولايات المتحدة في مجال الأخلاق البايولوجية، يذهب عميقا بمفهوم الحياة الخالدة بما يتجاوز فكرة "الحياة جيدة والموت سيء". هو يسأل ماذا يحدث لو أطيل عمر الانسان، هل ستزداد ايضا متعته بالحياة بشكل تناسبي. "هل سيتمتع لاعب التنس المحترف اكثر بزيادة فترة لعب التنس بمقدار 25%؟ هل سيشعر الأسباني دون جوان Don Juans المولع بالنساء بمتعة أفضل لو انه أقام علاقة مع عدد اكبر من العدد الفعلي؟.

هو يتسائل ان كانت الحياة ستكون جادة وذات معنى بدون الموت. يعتقد كاس ان وجود نقطة نهاية للحياة سيشجعنا للاستفادة من معظم أوقاتنا، لكي نعيشها بحماس وكفاح لإنجاز أهدافنا في الوقت القصير المتبقي لدينا. بكلمة اخرى،"الموت يجعل للحياة معنى".

وعلى نفس المنحى يؤكد الفيلسوف (لاري تيمكين) ان ما يهمّهُ هو معرفة ان كان أي شيء سيكون مثيرا وجذابا لو هو عاش الى الأبد. هو يردد مخاوف العديد من الفلاسفة حول مستقبل الخلود: كل النشاطات والتجارب التي تجعل حياتنا مثيرة ستصبح مملة وبلا معنى بعد آلاف من الحالات المكررة.

فقدان الذات

يعبّر تيمكن عن قلق فلسفي آخر حول الحياة الممتدة الى آجال طويلة. قدرتنا على التذكّر هي محدودة. عندما نتقدم بالسن نميل لنسيان العديد من الأشياء التي حدثت في حياتنا المبكرة. الناس الذين يعيشون لفترة ألف سنة سوف ينسون تماما ما حدث لهم في فترات مبكرة من وجودهم. وحتى لو كانت حياتهم المبكرة مسجلة، هم سوف يجدون من الصعب التأكد من ان هذه التجارب المسجلة تعود لهم. يقول تيمكن لو اتيح له العيش طويلا، هو سيصبح بعيد جدا عن أول مجموعة من أطفاله الذين لم يعد يعتني بهم او حتى تذكّرهم. وفي نفس السياق، يعتقد الفيلسوف برنارد وليمس ان الحياة الممتدة ستكون مدمرة للهوية. عندما تُفقد الذكريات والناس يغيّرون شخصياتهم واهتماماتهم اثناء مسيرة حياتهم الطويلة جدا، هم سيفقدون الاتصال مع الشخص الذي اعتادوا عليه. هو يعتقد ان محاولة إطالة وجودنا هو عملية فاشلة بذاتها. الذات التي نريد تصوّرها سوف لن تكون موجودة بعد زمن طويل. غير ان المدافعين عن البحوث المضادة للشيخوخة، مثل هارز، يعتقدون ان الناس الذين يعيشون طويلا سوف يتكيفون مع ظروفهم الجديدة ويجدون طرقا جديدة لتقييم الحياة والتمتع بها. لكن حتى مع هذا، فان المخاوف الاجتماعية والاخلاقية التي أثارها نقاد الحياة الطويلة ليس من السهل الاستهانة بها.

المساوئ الاجتماعية

العديد من النقاد يخشون ان وسائل إطالة أمد الحياة لا يُحتمل ان تكون متوفرة لكل شخص. الناس الأثرياء بما فيهم الاوتوقراط ذوي النفوذ في الدول الفقيرة، سيكونون قادرين على الحصول عليها. اما الفقراء سوف لن يكون بمقدورهم ذلك.

لكن لنفترض ان معظم الناس سيكونون قادرين على تمديد حياتهم. اذا استمر هؤلاء بامتلاك اطفال، عندئذ فان العالم سيكون مكتظا بالسكان اكثر مما هو عليه اليوم. وان أمل الشباب بمستقبل زاهر سوف لن يتحقق  لو ان الناس الكبار في السن مع ثرواتهم وخبراتهم، يستمرون بشغل الوظائف المتوفرة وإحتفاظهم بمواقع القوة. ان إزدهار الشباب هو أمر هام ليس فقط لأجلهم بالذات ، الشباب عادة هم مصدر الابتكار والتقدم الاجتماعي. يعتقد هارس لو كنا نعيش بوفرة سكانية مفرطة ، سيكون من الضروري تبنّي شكل من "تطهير الأجيال". هذا سيعني ان السلطات تقرر الأمد المعقول لحياة الجيل وتضمن موت الافراد عندما يصلون الى نهاية مدتهم. حالما تقوم السلطات بما هو عادل فان الكبار يجب ان يكونوا مستعدين لترك العالم للشباب. سيكون من المفارقة لو ان إطالة أمد الحياة يعني إجبار الناس الاخرين على الموت.

لكن القضايا التي وُصفت أعلاه من غير المحتمل ان تكون عائقا. ان العديد من الناس قد يستطيعون تحقيق هذا الحلم اذا اتيحت لهم الفرصة. يرى تيمكن ان الوقت الحالي هو وقت جيد للتفكير لماذا الحياة ثمينة. "اذا كانت الحياة بلا معنى في عمر السبعين، فسوف لن يكون لها معنى لمجرد انها أطول بكثير من ذلك".

***

حاتم حميد محسن

 

4050 سؤال النهضة(مالك بن نبي: المثقف العربي أول المتخاذلين في طريق النهضة)

قال باحث لبناني وهو الدكتور أسعد السمحراني استاذ العقائد ومقارنة الأديان بجامعة  الأوزاغي بيروت في دراسة له  نشرت ضمن أعمال جماعية صدرت في كتاب عن دار الأصالة للنشر الجزائر، الدراسة حملت عنوان: أسس  المشروع النهضوي من منظور مالك بن نبي يقول هذا الباحث ان سؤال النهضة قد طرح قبل أن يخط مالك بن نبي رؤاه تحت عنوان مشكلات الحضارة  ويؤكد أن سؤال النهضة يبق إليه عالم أزهرب كان في مهمة دعوية في جاوة بأندونيسيا، إنه الشيخ محمد بسيوني عمران، حسب الباحث فإن هذا العالم الأزهري قد وجه سؤال النهضة للأكير شكيب ارسلان وكانت الإجابة عنه في مقالات جمعتها مجلة المنار في القاهرة للإمام محمد رشيد رضا، في كتاب بعنوان: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم صدر عام 1930، دون أن يقدم مبررات أو معالجة الفكرة من زاوية معين يقنع بهعا القارئ من كان السباق إلى طرح سؤال النهضة، ثم نلاحظ أن الكثير من الباجحثين يأخذون بالقضور ويتركون اللب او الجوهي، فهل القضية هنا من كان السباق ومن كان المتأخر؟

 يشير هذا الباحث أن المصطلحات تتزاحم عند مقارنة التطلع النهضوي عند مالك بن نبي وشكيب ارسلان في مشكلات الحضارة، الثقافة والنهضة والخروج من حالة التخلف يكون بسلوك طريق النهضة، المشكلة ليست في من كان السباق لطرح سؤال يتعلق بالنهضة أو بالحضارة أو بالثقافة، فهناك اشخاص يطرحون أسئلة لإشكاليات مختلف يجهلون أن هناك اشخاص سبقوهم إليها، ثم أن المسالة لا تتعلق بمن سبق الآخر في طرح هذا السؤال، طالما الغاية واحدة وهي العمل التنويري  وكيف تؤصل الأفكار والمشاريع  من مرجعية الأمّة والإسلام، يعتقد هذا الباحث أن مشروع النهضة عند مالك بن نبي يرتكز على  الإستثمار في الترببة ودور المدرسة والمناهج والمتغيرات، ولكن مالك بن نبي لم يترك كبيرة أو صغيرة إلا وتطرق إليها وهذا يعني أن الباحث أهمل أهم عنصر في القضايا التي كان يطرحها وهي "الثقافة" والإنسان  والحضارة وقد ربط عامل التراب والزمن بالإنسان،  الذي هو صانع الحضارة والمستفيد من إنجازاتها وبذلك يكون الإنسان محور سؤال النهضة، والإجابة على هذا السؤال تبدأ من تفكيك المصطلحات المتعلقة بهذا السؤال، والتي هي ثقافة، مدنية وحضارة.

 يعرف الباحث أسعد السمحراني  الثقافة فيقول هي الهوبة ( ص 151) دون أن يبسط فكرته، فلطاما أثار مفهوم الثقافة جدلا بين العاملين في الحقل الثقافي وحتى الفلاسفة ولم يجدوا تعريفا محددا لها، يقول تن الثقافة تشكل في مكوناتها الدين، الفكر والأدب والفنون والأعراف والتقاليد، فالدين من وجهة نظره والحضارة هي صناعة بشرية تشمل المدنية ومعها التقدم،، ويبدزو أن الباحث كان متناقضل مع نفسه ففيما يعتبر الدين أول مصادر ثقافة الإنسان يقول أن شحصية الإنسان من ثقافة أمته والإجتماع البشري الذي ولد وترعرع فيه وذلك يجعل الثقافة هي من تطبع الأمة وهي من تعطيها هويتها،  يمكن أن نقدم هنا مثالا عن المجتمع الأمازيغي الذي طبع على ثقافة معينة من الصعب عليه ان يتجرد منها حتى لو اعتنق دينا معينا كما نراه في مجتمعات اخرى تدين بعدة ديانات وتتكلام بعدة لغات، دون أن ننسى عامل اللغة التي فطر عليه الإنسان، والتي صارت تشكل هويته.

الملاحظ أن اسعد السمحراني وهو يبحث عن السباب التي جعلت الأمة والمسلمين يعتريهم الوهن وتأخرهم عن ركب التطور  والحضارة كما قال هو ( ص156)،  قد تحدث عنها مالك بن نبي حينما شخص المعوقات التي تقف حجر عثرة  في حركة النهضة، وكان مالك بن نبي قد ركز مسؤولية المثقف وجهله في تدارك تلأحداث، وقال أن من بين المعوقات جهل المثقف العربي واعتبر جهله أخطر من الأميّة، فامية الجاهل حسب مالك بن نبي تعالج لكن جهل المثقف مرض مزمن ومعدي ومتوارث بين الأجيال، ويضيف أن هذا الذي يقدم نفسها أننه حامل الشهادات الأكاديمية وحامل لكتاب الله هو الذي يشكل خطرا على المجتمع، فليست الشهادة ألأكاديمية كما يرى مالك بن نبي هي المقياس الوحيد للمكانة العلمسة وهو ( اي المثقف) عاجز عن تصحيح أخطائه، لأنه غارق في جنون العظمة وفي أسر الغرور، يقول مالك بن نبي ان اسباب هذا المرع راجع إلى تيار الإصلاح والتحديث الذي أنشأ أشخاصا سمّاهم مالك بن نبي بـ: "رجل القلّة" الذي فضل بين  جوهر الثقافة ومظهرها والمظهر التافه الزائف، وهم بذلك عملوا على تحريف الثقافة، حيث كان المثقف العربي اول المتخاذلين في طريق النهضة عن طريق التعالم، فحطموا الأفكار الجاة  والفعالة وكانوا سببا في شل قدرات الأمة بل الأخطر من ذلك تكريس الأخطاء والرداءة الفكرية وتوريثها للأجيال، تتحكم في مواقفهم وتوجه سلوكاتهم إلى درجة الإستيلاب أو " الإمّعية البليدة" لكل ماهو تاريخي،

يقول مالك بن نبي إن كانت نعضة المجتمع الإسلامي  متوقفة على طبيعة الأفكار التي يحملها افراده فإن كل ما يسود المجتمع الإسلامي  من اختلاط وفوضى في الميادين الفكرية والخلقية أو في ميادين السياسة إنما هو نتيجة ذلك الخلط من الأفكار الميتة والأفكار المستعارة التي يتعاظم خطرها كلما انفصلت عن إطارها التاريخي، ومن هذا المنطلق تحدث مالك بن نبي عن القابلية للإستعمار  عندما اشار في كتابه "في مهب المعركة" إلى ألأفكار الميتى والأفكار القاتلة وهذه ألأخيرة هي الأخطر لننا نستعيرها من الغرب، الحقيقة هناك معوقات كثييرة تحدث عنها مالك بن نبي جمعها الدكتور محمد عاطف في كتاب عنونه: معوقات النهضة ومقوماتها في فكر مالك بن نبي ومن هذه المعوقات "التعصب" للفكر والرأي، وهذه تلمعوقات لك يتطرق إليها أسعد السمحراني في دراسته المنشورة في كتاب سؤال النهصة الصادر عن دار الأصالة للنشر الجزائر،  نلاحظ هنا ىأن اسعد السمحراني قد تراجع عن موقفه عندما انكر سؤال النهضة لمالك بن نبي ونسبه لعالم أزهري، إذ نراه يقول في الصفحة 157 يؤكد أن سؤال النهضة أو الإستعداد للنهوض الحضاري من خلال فكر مالك بن نبي الذي صاغه في مجموعة مسؤوليات تنوعت عناوينها   وقد جمعها عنوان واحد هو مشكلات الحضارة، وهذا ما يؤكد أنه مالك بن نبي قد يكون أول من طرح سؤال النهضة قبل هذا العالم الأزهري، وقد اعترف أن ابتكار مالك بن نبي للقابلية لفستعمار ابتكار محل تقدير وواجب على كل قوى التغيير والثورة ان تنطلق منه في صناعة التحرر والتقدم وتحقيق النهضة.

***

علجية عيش

لَيْسَ كُلُّ الناسِ لَهُم القُدرةُ للخروج عن المألوف، وانما غالبيةُ الناسِ تسيرُ مع التَّيارِ وتمشي باتجاههِ. الذين يَخرُجُونَ عن المألوف، ويغادرونَ ثقافةَ القطيع هم أُناسٌ استثنائيونَ، يمتلكون رؤيةً للواقعِ سابقة على رؤيةِ أَكْثرِيَّةِ الناس ِ، ولديهم فهمُهم للواقع متقدم على فهم غالبيةِالناس. ووعيُهُم  متقدم على وعي َالسَّوادِ أَلأَعطَمِ مِنَ الناس. الخارجون عن المألوفِ المتمردونَ عليه هم الذين يُلْقُونَ أَحجاراً في البركِ الراكدةِ ليُحدِثوا فيها حراكاً وهياجاً.

 لولا هذا الخُروجُ عن المألوفِ، لما حَدَثَ إِبداعٌ في مجالاتِ العلم، ولاتَطَوُّرٌ في الأفكار؛ فنحن مدينونَ لما قَدَّمَهُ غاليلو ونيوتن وكوبرنيكوس، في خروجهم عن المألوفِ وتفكيرهم خارجَ الصندوق، ومدينون لكل الذين ساهموا في الابداع وتَجاوَزوا المألوفَ، في حقولِ ألأدَبِ والفنِ والشعر وسائِرِ المعارِفِ الإنسانِيَّةِ.

القُرآنُ الكريمُ يرفضُ ثقافةَ المَألوفِ

ألقُرآنُ الكَريمُ عابَ على الذينَ ألغَوا عُقُولَهُم واتَّبَعُوا الْثَقافةَ السائِدَةَ ألْمَألُوفَةَ من خلالِ إِتِّباعِ آبائِهِم حتى ولو كانَ آباؤُهُم لايمتلكونَ عِلماً ومعرفةً. يقول الله تعالى:

(بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ). الزخرُف: الاية: (22).

(وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ). الزخْرُف: الاية: (23).

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ). البقرة: الاية:(170).

 إِتِّباعُ أَلآباءِ سَيْرٌ مع المألوفِ والتَّيّارِ السائِدِ؛ ولذا؛ فَالمَسْأَلَةُ ليست باتباع السائد والمألوف وانما المَسْأَلَةُ هِيَ إِتِّباعُ العلمِ والحُجَّةِ والدَليلِ.

الامامُ الحسين(ع) وثَقافَةِ المألوفِ

كانَ خُروجُ الامامِ الحسينِ (ع) ضَدَّ يزيد بن معاويةَ خروجاً عن المألُوفِ والثقافةِ السائِدَةِ التي كانت ترى في يزيدَ خليفةً شرعياً للمسلمين، وقد حَشَّدَ وُعاظُّ السلاطين الاجاديثَ المكذوبةَ لِشِرعَنَةِ حُكم يزيد. الامام خرج من المدينةِ رافضاً البيعة وكان هذا الخروجُ خُروجاً عن المألوفِ والسائِدِ، وغادر الى مَكَّةَ وخرج منها في الثامنِ من شهرِ ذي الحِجَّةِ ولم يكمل حَجَّهُ متوجهاً نحو العراق، وكان هذا الخروجُ من مكةَ خروجاً غير مألوفٍ وخلاف الثقافَةِ السائِدَةِ.

وقد حَذَّرَهُ شخصيّاتٌ لها ثقلُها الاجتماعي والديني امثال، عبدالله بن عباس ومحمد بن الحنفيّة وعبدالله بن عمر، ولكنَّ الامامَ الحسين (ع) خرجَ على كلِّ هذا المَألوفِ وتوجه نحو العراق. خروج الامام (ع) بالاطفال والنسوة لم يكن خروجاً مألوفاً ومستساغاً عند الناس. ونفس خروجه سلام الله عليه بهذا العدد القليل في مواجهة دولةٍ عاتية في أوجِ قوتها وسطوتها لم يكن خروجاً مألوفاً. كانت الثقافة السائدة، وكان المألوفُ هو طاعةُ الحاكمينَ مهما كانت قسوتُهم وظلمُهم. وهناك فقهٌ اسسه عبدُالله بن عُمَرَ بقوله: ( نحن مع من غلب )، وعلى ضوء هذه المقولَةِ المُخَدِّرَةِ نشأَ فقهٌ وهو امامة المتغلب، الذي شَرَّعَ لسلطَةِ كُلِّ مُغامِرٍ نَزى على السُّلْطَةِ بعَمَلٍ مُسَلَّحٍ. هذا هو الفقه السائِدِ والمألوفِ الذي وقَفَ بوجههِ سَيِّدُ الشهداء عليه السلام. ولذلك بهذا الفقه السائد حكموا على الامام الحسين سيد شبابِ أهلِ الجَّنَّةِ بالخروجِ على وليِّ الامرِ، وبهذا الفقه قال ابو بكر بن العربي: (الحسين خرجَ عن حَدِّهِ فقُتِلَ بسيفِ جَدِّهِ ).

 ومازالتِ هذهِ الأصواتُ النَّشازُ الى يومِنا هذا تَدينُ حركةَ الامام الحسين(ع) وتعتبره خارجاً على الشرعيَّةِ.

 الامامُ الحُسَيْنِ (ع) بهذا الخُروجِ غيرِ المألوفِ أرادَ أَن يَضَعَ الأمورَ في نِصابِها الصحيح، ويصححُ لِلأمَّةِ مفاهيمَها وتصوراتِها ويَهُزُّ وجدانَها المُخّدَّرَ؛ ولذلك فان نهضة الامام الحسين عليه السلام آتت أُكُلَها وطوت صفحةَ الظالمين وَأعادت للأُمَّةِ وعيها ووجدانها وعقلها المغيب وروحها التي تبلدت وتخدرت. هذه هي الرؤُيّةُ التي كان يمتلكُها سيّدُ الشهداء عليه السلام التي لم يمتلكُها الآخرون الذينَ عاشوا الثَّقافةَ السائِدَةَ المألُوفةَ.

السلامُ عليكَ يا أبا عبدالله وعلى الارواح التي حلت بفنائك عليكم مني جميعاً سلام الله أبَداً مابقي الليلُ والنَّهار.

***

زعيم الخيرالله

 

عدنان عويدهو عالم وفيلسوف وفيزيائيّ، (1596 –  1650). لُقّب بـ"أبي الفلسفة الحديثة"، كما ساهمت أطروحاته الفلسفيّة التي لا زالت تُدرّس في المدارس والجامعات حتى يومنا الحالي في ظهور عدد كبير من الأطروحات الغربيّة الفلسفيّة الحديثة، ومن أشهر كتبه ومؤلفاته هو كتاب بعنوان "تأملات في الفلسفة الأولى" والذي قام بنشره في عام 1641 للميلاد، والذي يُعتبر حتى عصرنا الحالي المرجع الأساس لمعظم كليات الفلسفة في العالم. وبالإضافة للفلسفة والفيزياء فقد كان نابغةً في علم الرياضيات؛ حيث وضع نظاماً رياضيّاً جديداً أطلق عليه اسم نظام الإحداثيات الديكارتيّة، كما يُعتبر المؤسس الأول للعقلانية في القرن السابع عشر، وهو صاحب العبارة الشهيرة " أنا أفكر؛ إذاً أنا موجود". (1) .

نظريّة المعرفة عند ديكارت:

ينطلق ديكارت في فلسفته من أثنيّة الروح والجسد، فهو يسلم بوجود جوهرين في هذه الحياة، ماديّ. وغير ماديّ.

فالجوهر غير الماديّ يتمتع بصفة التفكير، بينما الجوهر الماديّ فيتميز بالامتداد. أي هو يفصل بين ما هو فيزيائيّ وميتا فيزيائيّ كما يقول عنه ماركس. ففي إطار الفيزياء (الامتداد)، تُشكل المادة الجوهر، وهي الأساس (الوحيد) للوجود مع الوعي.

لقد كان ديكارت ماديّاً في فهمه لبنيان العالم، ونشوء الكون وتطوره، وفي الفيزياء وعلم الأحياء. وقد وضع نظريّة عن الارتقاء الطبيعي للكون، وكذلك عن تطور الحياة على الأرض وفقاً لقوانين الطبيعة. وهو ينظر إلى الأجسام عند الحيوانات والإنسان على أنها آلات معقدة تسير وفقاً لقوانين الحركة الميكانيكيّة. ومع ذلك كان مثاليّاً في البيسكولوجا (علم النفس الجماعيّ)، وفي نظريّة المعرفة، وفي آرائه عن الوجود. وهو يبدأ شأنه شأن بيكون يمارس الشك بيقينيّة جميع المعارف التي كانت تعتبر سابقاً حقيقيّة لا يرقى إليها الشك.(2)

إن المعرفة اليقينيّة عند ديكارت لا تأتي عن طريق الحواس ولا حتى عن طريق العقل. فالحوس عنده كثيراً ما تخطئ، والاستنتاجات العقليّة كثيراً ما تخطئ أيضاً. لذلك من هنا يجب الانطلاق من الشك... الشك المطلق... الكليّ الراديكاليّ، مع اعتباره شكاً غير ريبياً أو لا أدريّاً.

إن ديكارت ينتقد المعرفة الموجودة في عصره للوصول إلى المعرفة الأكثر يقينيّة. فاشك وسيلة لامتحان قوانا المعرفيّة أو العارفة، ومنها الوصول إلى اليقين. ومن هنا جاءت أهمية الشك ذاته عند ديكارت لإثبات الوجود. (أنا أشك إذاً أنا موجود)، فطالما انا أشك فأنا أفكر، ووجود الشك يبرهن على تفكيري ووجودي معاً. بيد أن النزعة المثاليّة ظلت قائمة عنده أيضاً، وذلك انطلاقاً من كونه يعتبر وجود الفكر عند الإنسان أكثر يقينيّة وأصالة من وجود الجسم، أو المادة. فهو يدعم المثاليّة لا انطولوجيّاً، بل غنوصيّاً أي روحيّاً. لا بوصفها سمة للوجود، بل سمة لمعرفة الوجود. وبالتالي هو في المحصلة يؤكد أن هناك حقيقة يقينيّة أسمى من الماهيتين الماديّة والروحيّة، هي الله. (3).

المنهج الديكارتي:

يرى ديكارت ان المهمة الأساس للمعرفة هي ضمان رفاهيّة الإنسان وسعادته، وذلك من خلال مد سلطانه على الطبيعة وتسخير قواها لمصالحه. وهذا ما يجعله يسعى من أجل الوصول إلى منطق يقيني عام، ومنهج صحيح يؤدي به إلى المعرفة الحقة. وهذا المنهج يجده في مقولته الشهيرة : (أنا افكر إذن أنا موجود). فهذا المبدأ الديكارتي، يُكتشف بالحدس العقليّ الذي يتميز عنده بالتصور الواضح الجلي عن الموضوع، حيث ينتفي هنا أي شك كما يرى ديكارت. فمعيار الحقيقة أو اليقين عنده ليست الممارسة، بل في الوعيّ الإنسانيّ. وهذا جانب مثاليّ آخر في منطلقاته الفكريّة.

إن النزعة المثاليّة تتعمق عنده أكثر في المنطلقات الدينيّة التي وضعها أساساً لمذهبه الفلسفيّ. فللبرهان على وجود العالم، يجب أولاً البرهان على وجود الله.  وإن فكرة الله موجودة في دماغنا كسائر الأفكار الأخرى. ففكرة الله فكرة وجود كامل غير متناهي. ونحن موجودون بالله كعلة أولى، والله غاية الكمال، وعلى ذلك كان وجود عالمنا المحسوس يقينياً. أما الضلال فيأتي للاستعمال غير الصحيح لقدراتنا المعرفيّة، ولا سيما الإرادة، التي هي عنده حرة، ومطلقة وغير مشروطة بأي بواعث، كونها لا تنقاد للأهواء، بل للحقيقة. (4).

يعتقد ديكارت أن بلوغ المعرفة يعود إلى وجود أفكار أو حقائق فطريّة تأتي في مقدمتها المسلمات، لكنه يؤكد أن فطريّة هذه الحقائق لا تعني أنها كاملة أو جاهزة، بل تعني استعداد العقل لتقبل المسلمات والمبادئ لا أكثر. والعقل في المحصلة لا الحواس هو من يلعب الدور الأساس في عمليّة المعرفة، وأن أسلحة العقل للصول إلى المعرفة هي اليقينيّة والحدس والاستنباط.

قواعد المنهج الديكارتي:

1- التسليم فقط بيقينيّة المبادئ التي تبدو للعقل بسيطة وواضحة ومسلمات ولا تثير يقينيتها أي شك.

2- تقسيم كل مشكلة إلى أجزائها.

3- الانتقال المنظم من المعروف، إلى المجهول الذي يتطلب البرهان.

4- عدم إهمال أي من مراحل البحث المنطقيّة.(5).

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

.............................

الهومش:

1- موقع موضوع.

2-.( موقع مرسال - ما هي نظرية المعرفة – الكاتبة دعاء أشرف.).

3- (مسألة الأفكار الفطريّة عند ديكارت. الشك الديكارتي. موقع (connexion.))

4- جورج برشيني – إثبات وجود الله عند ديكارت. – صفحته على الفيس بوك.

5- (للاستزادة في المنهج الديكارتي راجع موقع موضوع – منهج ديكارت وقواعده). وراجع أيضاً موقع لماذا؟. – المنهج الديكارتي – الكاتب محمود حسين.).

 

اكرم جلالالأخلاقُ الإنسانيّة كانَت ومازالت أحد أهم أهداف التَّعليم، ولأنّها المعيار الفاصل بين الصواب والخطأ، فهي إذن مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بتفكير الطلاب، ومُلازمة لمشاعرهم وتصرفاتهم، لأجل ذلك نرى وجوب عودة فصول التربية الأخلاقية، والعلوم الأخلاقية، والسلوك الأخلاقي، إلى حقل التدريس وبقوة، فقد أدركت المجتمعات المتماسكة، وعلى صعيدي النظريّة والتطبيق، أنَّ العلوم ستضمحل وستندثر مالم تكُن مُستندة إلى أسس التربية الأخلاقية.

إنّ القِيَمَ الأخلاقية لها صورٌ وأبعادٌ مختلفة وتعريفات متنوعة، تَبَعًا للثقافات المُجتمعية التي انبثقت عنها، حيث نرى تضارب بين العديد من مجتمعات دول العالم حول تعريف وتحديد معالم تلك القِيَم، فبعضُ المجتمعات الشرقية، على سبيل المثال، يحدد معايرَ للقِيَم الأخلاقية قد لا تراها ولا تعتقد بها مجتمعات في الدول الغربية، كما أنَّ الثقافات والأديان والأعراف مختلفة، وهذا أمرٌ مسلّمٌ به، ومُتّفق عليه.

وعليه، فالفلسفة التربوية لا بدّ أن تنطلق من صميم الواقع المجتمعي، والذي يُمثّل الحاضنة والمُنطلق لتلك القِيَم الأخلاقية، وعلى أساسه يتمّ الفصل بين الأفعال الصحيحة والخاطئة، فيتحدد بذلك أبعاد السلوك الأخلاقي. ورغم هذا التنوّع إلا أنّ هناك قواعد مشتركة في فرز وتحديد القِيمِ الأخلاقية والتي لا يختلف عليه أحد، كالعدالة، والمساوات، وإعانة الضعيف، واحترام الكبير، الخ.

وبعبارة أخرى، فإن لكلّ مجتمع مُحدداته للخطأ والصواب، وهذا لا يعني بالضروة قلب المعادلة بالكامل؛ وأنّ تعريف الأخلاق وإن كانَ مرتبط بمحددات المُجتمع المعني، إلا أنّ هذه المُحددات هي في الواقع عملية تراكمية توالدت، فكان حقلها الأساسي نتاج لما أفرزته الأديان الإلهيّة وما جاء به الأنبياء والرُسل ونزلت به الكتب السماويّة، ثمّ جاء الفلاسفة والمُنظّرون وَبَنَوا عليه أفكارهم واطروحاتهم ونظرياتهم.

لقد كان لنظرية راولز في العدالة أو ما يُطلق عليها بأسم "المساواة العادلة في الفرص" (1971، 72-75)[1]  أحد الأسباب الرئيسية في تثبيت أسس العدالة وفي التوزيع العادل للتعليم بين الأطفال، ليكون جميع الأطفال، بغضّ النظر عن حالاتهم الاجتماعية، وأديانهم وأصولهم وأعراقهم، وانتماءاتهم الجنسية والمذهبية، متساوون ومتكافؤون في فرص التَّعليم.

إنّ فلسفة التَّعليم أخذت على عاتقها التفسير، وبالشكل المنطقي والنقدي والعقلاني، للنظريات والمناهج والسياسات التَّعليمية وإظهار حقيقة وجوهر التَّعليم وأهدافه والقِيَم الأخلاقية الكامنة فيه، وبذلك يكون فلاسفة التَّعليم قد فسّروا التَّعليم من خلال اعتمادهم على المدارس الفلسفية الرئيسية. فحينما ننظر إلى التَّعليم على أنه الوسيلة لنقل المعرفة فإننا بذلك نعترف ضمنيًّا بحاجتنا إلى الاستعانة بنظرية المعرفة من أجل بلوغ هذا الهدف، وإذا نظرنا إلى التَّعليم على أنّه نتاج لسياسات حكومية أساسها الديمقراطية وروح المواطنة فإننا سنتحتاح إلى استلهام الأفكار من الفلسفة السياسية، وكذلك نحن بحاجة إلى الفلسفة الأخلاقية خصوصًا وأن التَّعليم يهدف بالأساس إلى تعزيز المبادئ وتعميم الخير في المجتمعات البشرية جمعاء. وبالنتيجة، فإن الفلسفة التربوية لا تستقيم بمعزل عن الأخلاق الإنسانية ومن دون التفكير في أسس التربية الأخلاقية.

إنَّ الفلسفة العقلانية تؤكد على أنّ للحياة الأخلاقية أسس ومبادئ عقلانيّة تستند إليها، وتَبَعًا للمسار النفعي الذي أسس له أرستبوس القورينائي ومن بعده هوبز وبانثام، فإن الحياة الأخلاقية لها مبدأها الأساسي وهو اللذة والمنفعة، ومن سار على هذا المبدأ فإنه سيعكس المصالح والمنافع على جميع النظريات التي تخرج من الفلسفة التربوية. وأما المسار الكانطي، أو ما يُعرف بنظرية الواجب الأخلاقية، التي وضعها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، فأن الفلسفة التربوية ستربّي الأطفال على اتباع الواجب الأخلاقي، وشتّان ما بين الفلسفتين.

وللبحث صلة، نستكمله في مقالات قادمة إن شاء الله تعالى.

***

د. أكرم جلال

 

 

حاتم حميد محسنكانت مدرسة فرانكفورت عبارة عن مجموعة من الباحثين المرتبطين بمعهد البحوث الاجتماعية في آلمانيا، سعوا الى تطبيق الماركسية على نظرية اجتماعية راديكالية متعددة الحقول. حاول أعضاء المدرسة تطوير نظرية في المجتمع ترتكز على الماركسية والفلسفة الهيجلية لكنهم استعملوا ايضا رؤى من تحليلات علم النفس والسوسيولوجي والفلسفة الوجودية وحقول اخرى. هم استخدموا مفاهيم ماركسية أساسية لتحليل العلاقات الاجتماعية ضمن الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية. هذا الاتجاه الذي أصبح يُعرف بـ "النظرية النقدية" وجّه انتقادات مؤثرة وهامة للشركات الكبرى والاحتكارات والى الدور الخطير للتكنلوجيا وتصنيع الثقافة وانحدار الفرد في المجتمع الرأسمالي. الفاشية والسلطوية ايضا كانتا من المواضيع الرئيسية للدراسة.

اهتم أعضاء المدرسة من الاكاديميين والمختصين بتطوير نظرية نقدية ونشر الطريقة الديالكتيكية للفهم عبر التحقيق في تناقضات المجتمع. رجالها البارزون كانوا ماكس هوركهايمر وثيودور ادرنو وإريك فروم وهربرت ماركوس. في عام 1923، أسس الأكاديمي الماركسي كارل رونبيرج المعهد، الذي جرى تمويله اساسا من اكاديمي آخر وهو فيليكس ويل. رجال مدرسة فرانكفورت عُرفوا بطابعهم المتميز في تبنّي نظرية ماركسية جديدة ذات تركيز ثقافي، وإعادة التفكير في الماركسية الكلاسيكية التي جرى تحديثها لتتناسب مع المرحلة الاجتماعية والتاريخية. هذا الامر كان هاما لحقل السوسيولوجي والدراسات الثقافية ودراسات الميديا.

معظم اعضاء المدرسة كانوا قد اُجبروا على مغادرة آلمانيا بعد استلام هتلر السلطة عام 1933، والعديد منهم حصلوا على لجوء في الولايات المتحدة. وهكذا اصبح المعهد مرتبطا بجامعة كولومبيا حتى عام 1949، بعدها عاد الى فرانكفورت. في الخمسينات من القرن الماضي تفرّع منظّروا مدرسة فرانكفورت في مختلف الاتجاهات الفكرية. معظمهم تنصّل من الارثودكسية الماركسية، لكنهم ظلوا ناقدين بعمق للرأسمالية. هربرت ماركوس انتقد النزعة المتصاعدة للرأسمالية في السيطرة على كل مظاهر الحياة الاجتماعية، وهو ما جعل لكتاباته تأثيرا عميقا في الستينات بين الأجيال الشابة. هابرمس وهو العضو الأبرز في الحركة في فترة ما بعد الحرب، حاول ان يفتح النظرية النقدية للتطورات في الفلسفة التحليلية والتحليلات اللسانية والبنيوية والهيرمونطيقا. اما هربرت ماركوس فكان من بين أهم أعماله هو (الانسان ذو البعد الواحد، 1964) جادل فيه ان المجتمع "الثري" الحديث يقمع حتى اولئك الناجحين فيه، بينما يحافظ على رضاهم من خلال الإشباع الزائف لثقافة الاستهلاك. عبر ترسيخ مثل هذه الأشكال الضحلة من التجربة ومن خلال منع الفهم النقدي لعمل النظام في ارض الواقع، كان المجتمع الثري يحيل أعضائه الى وجود فكري وروحي بائس ذو "بعد واحد". الكتاب لقي اقبالا واسعا خاصة بين اليسار الجديد، ونجاحه ساعد في تحويل ماركوس من مجرد استاذ جامعة غير معروف الى نبي او أحد الآباء البارزين.

ومن بين الأعمال الاخرى الأكثر تاثيرا كان كتاب "النظرية التقليدية والنقدية، 1937"، لهوركهايمر قارن فيه بين ما اعتبره توجها اجتماعيا مطابقا للفلسفة السياسية التقليدية والعلوم الاجتماعية من جهة، وذلك النوع من الماركسية النقدية المفضلة من جانب المدرسة من جهة اخرى. طبقا لهوركهايمر، الاتجاهات التقليدية كانت سعيدة في وصف المؤسسات الاجتماعية القائمة اكثر او اقل كما هي، ولهذا فان تحليلاتها لها تأثيرغير مباشر في إضفاء الشرعية على الممارسات الاجتماعية القمعية واللاعادلة باعتبارها طبيعية وموضوعية. بالمقابل، النظرية النقدية من خلال فهمها التفصيلي للسياق التاريخي والاجتماعي الأكبر الذي تعمل به هذه المؤسسات، كانت تعرّي الادّعاءات الزائفة للأنظمة بالشرعية والعدالة.

أصل مدرسة فرانكفورت

في عام 1930 اصبح ماكس هوركهايمر مديرا للمعهد وقام بتعيين عدة اكاديميين شكّلوا ما يسمى مدرسة فرانكفورت. وفي أعقاب فشل تنبؤات ماركس بالثورة، كان هؤلاء الافراد قلقين من صعود حزب ماركسي ارثودكسي وشكل دكتاتوري للشيوعية. هم وجّهوا انتباههم لمشكلة الحكم من خلال الايديولوجية، او حكم يتم في عالم من الثقافة. هم اعتقدوا ان التقدم التكنلوجي في الاتصالات وإعادة انتاج الافكار ساعد في ظهور هذا الشكل من الحكم. هناك أعضاء اوائل آخرين لمدرسة فرانكفورت كان من بينهم فردريك بولوك واوتو كيرشهايمر وفرانز ليوبولد نيومان. كان والتر بنيامين أحد الأعضاء ايضا اثناء ذروة نشاط المدرسة في منتصف القرن العشرين.

أحد المخاوف الرئيسية للنخبة في مدرسة فرانكفورت، خاصة هوركهايمر وادورنو وبنيامين وماركوس هو صعود "الثقافة الجماهيرية". هذا المصطلح يشير للتقدم التكنلوجي الذي سمح بتوزيع المنتجات الثقافية – الموسيقى، الفيلم، والفن – على نطاق واسع. (تجدر الملاحظة انه عندما بدأ هؤلاء الاكاديميون في صياغة نقدهم، كان الراديو والسينما لايزالان ظاهرة جديدة، والتلفزيون لم يظهر بعد). هم عارضوا الطريقة التي قادت بها التكنلوجيا الى التشابه والنمطية في الانتاج وفي التجارب الثقافية. التكنلوجيا سمحت للجمهور بالجلوس بشكل سلبي امام المحتوى الثقافي بدلا من الانخراط الفعال مع بعضهم البعض كما فعلوا في الماضي. المفكرون الأعضاء اعتبروا ان هذه التجربة جعلت الناس كسالى فكريا وسلبيين سياسيا، لأنهم سمحوا للقيم والايديولوجيات المنتجة على نطاق واسع للتأثير عليهم بقوة والتسلل الى وعيهم.

جادلت مدرسة فرانكفورت بان هذه العملية كانت احدى الحلقات المفقودة في نظرية ماركس في هيمنة الرأسمالية وأوضحت لماذا لم تتحقق نبوءة الثورة. ماركوس اتخذ هذا اطارا له وطبّقهُ على سلع المستهلك واسلوب حياة المستهلك الجديد الذي اصبح عقيدة في الدول الغربية في اواسط القرن العشرين. هو جادل بان الاستهلاكية تعمل بنفس الطريقة، كونها تحافظ على استمراريتها من خلال خلق حاجات زائفة لا تشبعها الاّ منتجات الرأسمالية.

نقل مقر معهد البحوث الاجتماعية

في ظل الوضع السائد في آلمانيا قبل الحرب العالمية الثانية، قام هوركهايمر بتغيير مكان المعهد حفاظا على سلامة أعضائه. في عام 1933، انتقل المعهد الى جنيف، وبعد سنتين انتقل ايضا الى نيويورك بالارتباط مع جامعة كولومبيا. في عام 1953، وبعد الحرب، اُعيد تأسيس المعهد في فرانكفورت. المنظّران يورجن هابرمس وأكسل هونيت اصبحا نشطين في مدرسة فرانكفورت في سنواتها اللاحقة.

المطبوعات

من بين الأعمال البارزة التي نشرتها مدرسة فرانكفورت تشمل التالي (لا الحصر):

- النظرية النقدية والتقليدية، ماكس هوركهايمر.

- ديالكتيك التنوير، ماكس هوركهايمر وثيودور ادرنو.

- نقد العقل الأداتي، ماكس هوركهايمر.

- الشخصية السلطوية، ثيودور ادرنو.

- نظرية الجمال، ثيودور ادرنو.

- إعادة النظر بصناعة الثقافة، ثيودور ادرنو.

- الانسان ذو البعد الواحد، هربرت ماركوس.

- البُعد الجمالي: نحو نقد الجماليات الماركسية، هربت ماركوس.

- أعمال الفن في عصر إعادة الانتاج الميكانيكي، والتر بنيامين.

- التحول الهيكلي والمجال العام، يورجن هابرمس.

- نحو مجتمع عقلاني، يورجن هابرمس.

***

حاتم حميد محسن

علي حسينبعد ما يقارب المئة عام على نشر البيان السريالي الاول حيث تم الاعلان عن "المغامرة السريالية".. نتساءل اين اصبحت هذه " المغامرة " التي شغلت العالم لعقود وهل هناك اليوم من يدعي انه سريالي.. يكتب اندريه بوتون عام 1951 ان السيريالية " لا بداية لها ولا نهاية. إنما دائما سيظل هناك سرياليين ". كانت الحركة السريالية قد رفعت شعارا مثيرا " ابدلو نحاس عقولكم بالذهب السيريالي ".. ما الذي ذكرني بالسريالية في هذا الوقت بالذات ؟ كنت اتصفح الفيسبوك ولمحت صورة نوري المالكي يحمل بندقية ويرتدي قميص عسكري بطريقة غريبة ومع الصورة تعليق يقول: هذا عصر السريالية.. حقا اننا نعيش عصرا سيرياليا غريبا وعجيبا.

في العشرين من عمره يعين في مصحّة للطب النفسي تابعة للجيش، هناك سيتفرغ لمشاهدة المرضى العقليين، وسينهمك بقراءة كتاب فرويد الشهير "تفسير الأحلام"، في الإجازة يُحدّث أصدقاءه عن عالم النفس النمساوي وكيف يمكن لأبحاثه أن تطبّق على الأدب والشعر والسلوك، سيكتب في دفتر يومياته: " كنت في العشرين من عمري حين تحدثت مع أبولونير وأندريه جيد وبول فاليري عن قدرة فرويد على أن يقلب العالم الذهني رأساً على عقب، كنت آنذاك في حالة عالية من الحماس، مهتمٌ، ربما، بأن أشرك بآرائي أولئك الذين كانوا يثيرون اهتمامي "، وسيذهب بعيداً حين يعتبر التحليل النفسي أثمن الكشوف التي شاء حسن الطالع أن يتعرف عليها: " فمثل هذا الكشف المثير لايأتي العمر مرتين ".

في تلك السنوات والحرب العالمية الأولى مشتعلة، تغير المفهوم العام عن الإنسان، حيث أعلن فرويد إن الإنسان الواعي لا يعدو ظلاً باهتاً لقوى تتخفى في اللاوعي، وتعلن عن نفسها في مظاهر ملتوية من الأحلام والعقد وأمراض العصاب، ولكي نغوص إلى هذه الظلمات حيث يكمن الجوهري وتختبئ حقيقتنا، ينبغي أن نلجأ الى التحليل النفسي.

عاش اندريه بروتون سبعين عاماً، اتّسعت، لأفكار ومدارس غيّرت من طبيعة الآداب والفنون ومارست تأثيرها عليها حتى اليوم. ولد في الثامن عشر من شباط عام 1896 في شمالي فرنسا، قبله بستة وستون يوماً بالضبط ولد طفل في الضاحية الشمالية من باريس اسمه يوجين إميل بول سيسمى فيما بعد " بول إيلوار "، وبعده بعشرين شهراً سيولد في باريس طفل اسمه لويس أراغون، وسيشكل هؤلاء الثلاثة فيما بعد الأساس الذي انبثقت منه الحركة السيريالية، وسيصبح بروتون فيما بعد مكتشف السوريالية ومنظرها الأبرز الذي نشر البيان الأول لحركته عام 1924.

يرسم لنا أراغون في روايته " أوريليان" صوره لأندريه بروتون الذي كان يصفه بأنه العبقري الذي يدير الأحداث: " لقد كنا أفضل صديقين في الدنيا، ويجب لأدراك حقيقة هامة بشكل جيد، وهي إن الأساس بيننا لم يكن قط أدبياً وكانت أمور حياتنا تختلط حسب أذواقنا وأفكارنا، كانت لنا حماستنا، كما قمنا ببعض الاكتشافات، لقد كانت حياتنا حياة اكتشافات ".أما بروتون فإنه يتحدث عن أراغون في رسائله: " إنه ودود الى أقصى الحدود، يهب ذاته في الصداقة دون تحفظ، والخطر الوحيد الذي يتعرض إليه هو رومانسيته الزائدة "، عاش طفولته مع جده لأمّه،، الجد ولد في مقاطعة " بريتاني " شمال فرنسا، كان راويا للحكايات من طراز نادر كما وصفه بروتون فيما بعد، وهذه الحكايات نفسها هي التي ستجعل جعلت طفولته سعيدة يتذكر تفاصيلها باستمرار: " لا يمكن للمرء إلا أن يرتد إلى طفولته التي مهما نكّل بها المرّوضون تبدو له مفعمة بالمفاتن "، ولهذا نجده يركز على أن الطفولة وحدها التي: " تقترب أكثر من غيرها من الحياة الحقيقية "، تلقّى رعاية مبالغة فيها من أمّه التي كانت تتمنى أن تصبح محامية فحاولت أن تورّث أحلامها الى ابنها، فيما أورثه جده حب القراءة ورواية القصص الغريبة، نشأ وسط عائلة متوسطة الحال، وتفوّق في الدراسة، مع اهتمامه بالأدب، اهتم بدراسة الطب العقلي. في السابعة عشرة من عمره، يجرب كتابة الشعر، كان قد تعرّف على أشعار بودلير ومالارميه، لكنه وجد نفسه غير ميال لدراسة الأدب، وغير مبالٍ لدراسة الطب ايضا، لكنه أذعن لرغبة والدته التي فشلت في أن تجعل منه محامياً، فقررت أن يدرس الطب، في العام 1914 سينشر أولى قصائده التي أهداها الى الشاعر بول فاليري لشدة إعجابه به، بعد أشهر ستندلع الحرب العالمية الأولى وسيجد بروتون نفسه داخل: " بالوعة الدم والجنون والوحل "، هكذا سيلتحق بالجيش في الأشهر الأولى من عام 1915، وقد كان شعوره بالغربة كبيراً وهو يجد نفسه وقد اضطر أن يترك وراء ظهره أحلامه وأصدقاءه والحياة التي أراد أن يعيشها على طريقته، إلا أن الحرب أيضاً لعبت دوراً حاسماً في تغيير مسار حياته الى درجة اعتبر انها خلقته من جديد: " كانت الحرب حاسمة نحو إرساء طروحات السيريالية "، فضّل أن يكون نفراً في المشاة بدل أن يجلس خلف مكتب، أثناء الحرب يتعرف على شعر أبولونير الذي سيلعب دوراً كبيراً في تغيير مساراته الأدبية، وقد قرر أن يزوره أثناء الإجازة، في المستشفى الذي نقل إليه أثناء خدمته العسكرية سيلتقي بجاك فاشيه الذي كان قد أصيب في ساقه ونجا من الموت بإعجوبة، وقد أدهشته شخصية " فاشيه " اللامبالية، قال له أنا أحب الموت، لكني أرفض أن أموت بسبب الحرب، والغريب إن فاشيه سينتحر بعد توقف الحرب، لأنه أراد أن يكون موته بإرادته وسيكتب عنه بروتون قائلاً: " رحل عنا بصورة غامضة شاب في الثالثة والعشرين من عمره كان يمتلك أجمل نظرة صائبة عن الكون، لقد تعلقت في الأدب بأبولونير ولوتريامون، إلا اني أدين لجاك فاشيه أكثر مما لأي منهم، فقد كنت أشبه بالمسحور وأنا أتحدث معه، ولن أتعلق بأحد من الناس بمثل هذا الاستسلام ".، كان فاشيه يرسل الى اصدقائه رسائل ستنشر عام 1919 بعنوان " رسائل الحرب " وسيكتب في واحدة منها الى بروتون: " ساخر هو من لا يستسلم لحياة خفية كئيبة. ايتها الساعة التي توقضني – عينان – ومرائي – كم تكرهني ! ساخر من يحس بكذب سراب الرموز الشاملة، هي رمزية من طبيعتها ".

في العام 1917 يتم تعيين اندريه بروتون في مركز للطب العقلي تابع للجيش، هناك سيجد الفرصة مناسبة لقراءة كتب فرويد التي سيتعلق بها، في العام 1921 سيزور فرويد في بيته بفينا ليتحدث معه حول الأحلام وضرورة التعامل معها من حيث هي تعبير عن جانب أساس في حياة الإنسان.

إضافة الى فرويد، تعرف بروتون آنذاك على اعمال الشاعر الفرنسي " لوتريامون " الذي تَعرض في حياته القصيرة إلى التجاهل، والبعض كان يصفه بالمجنون، في المكتبة الوطنية التي كان يتردّد عليها سيعثر بروتون على النسخة الوحيدة من كتاب لوتريامون" أناشيد مالدورور "، فكان يقضي الوقت في استساخها، وفي المساء يقرأها بصوت عال مع آراغون وسيكتب بروتون في البيان السريالي الثاني إن: " الاسم الوحيد الملقى عبر العصور، الذي شكل تحدياً لكل ما هو آبله وحقير ومقزز إنما هو لوتريامون "..

وسيلعب أرثر رامبو الدور نفسه الذي لعبه لوتريامون في حياة بروتون، ولعل من الغريب إن هذين الشاعرين ختما تجربتهما الشعرية وهما في العشرين من العمر، توفي رامبو وهو السابعة والثلاثين من عمره وكان خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة من حياته قد توقف عن كتابة الشعر واتجه ليجرب حظه في التجارة، فيما توفى لوتريامون في الرابعة والعشرين من عمره، والإثنان برغم قصر تجربتهما الشعرية إلا إنهما تركا أعمق الأثر في جيل الشباب من الشعراء الذين اتوا بعدهما، وسنجد تأثيرهم المباشر في ألبير كامو وهو يسطر صفحات كتابه " الإنسان المتمرد " .

في العام 1922 يكتب أندريه بروتون إن " الدادائية " لم تكن سوى حالة فكرية بالنسبة لهم، ولهذا قطع بروتون وأرغون وإيلوار علاقتهم بالدادائية، واصبح هذا الانقطاع محتماً نتيجة تباين اهتمامات بروتون وتزارا.

كان تريستان تزارا يصغر بروتون بسبعة وخمسين يوماً، ولد في السادس عشر من آذار عام 1896 في رومانيا، أسس الحركة الدادائية التي ولدت في الساعة السادسة مساء من يوم الثامن من شباط عام 1916 بمقهى في زيورخ وسيكتب النحات والشاعر هانس آرب عن هذه الحركة التي كان هو أحد صناعها: " لما شعرنا بالاشمئزاز من وحشية الحرب العالمية التي اندلعت عام 1914 كّرسنا أنفسنا في زيورخ للفنون، وبينما كانت أصوات المدافع تدوي بعيدة، طفقنا ننشد ونرسم ونصنع لوحات من الكولاج ونكتب الشعر بكل ما أوتينا من قوة، كنا نبحث عن فن يستند الى الأسس لنداوي به جنون هذا العصر، كنا نبحث عن نظام جديد للأشياء من شأنه أن يعيد لنا التوازن ما بين الجنة والنار "، ويقال إن كلمة " دادا " اختيرت بعد ان تم تمرير مقطع من ورقة بالصدفة في صفحات قاموس. وقد تمسك تريستان بهذه الكلمة لأنها حسب قوله: " منعدمة المعنى بشكل كامل، وكانت بياناً في حد ذاتها "، أما لماذا ولدت هذه الحركة يكتب تريستان تزارا: " لقد ولدت دادا من تطلّب أخلاقي، من إرادة صارمة لبلوغ مطلق أخلاقي، من شعور عميق بأن الإنسان يؤكد تفوقه، وسط كل إبداعات الروح، على المفاهيم المفتقرة بالماهية البشرية "، لعب الفن الحديث في أوائل القرن العشرين دوراً كبيراً في ظهور الدادائية ومن بعدها السيريالية، فتكعيبية بيكاسو وبراك كانتا بمثابة خروج على التقاليد الفنية التقليدية، وكانت لوحة بيكاسو " آنسات أفينون " عام 1907 تمثل منعطفاً في تاريخ الفن مثلها مثل أعمال المسرحي السويدي أوغست سترندبرغ التي أسست لما سمي فيما بعد بالمدرسة التعبيرية، وسنجد تريستان تزارا مغرماً بسترندبرغ الذي توفي قبل تأسيس الدادائية بأربعة أعوام -ولد سترندبرغ عام 1849 وتوفي عام 1912. وقد وصِف بأنه أكثر من أي كاتب مسرحي يكتب " نفسه " والنفس التي يكتب عنها باستمرار باستمرار هي نفس إنسان عصري غريب عن بيئته: " يزحف بين السماء والأرض، يحاول يائساً أن يقتلع بعض المطلقات من كون منبوذ "، شبه الدادئيون سترندبرغ بـ" بروميثوس " الذي يرفع لواء المعارضة لكل مطلق، وقد وصف سترنبرغ نفسه بانه: " رجل منبوذ، طريد الفردوس، على جبينه علامة الابن المتمرد "، وسيعبر سترندبرغ عن تمرده في قصيدة كتبها وهو في الثالثة والثلاثين من عمره: نحن نهدم ليدخل النور والهواء.

كان سترندبرغ مغرما بنيتشه، وكان يشاطره الكثير من آراءه حول الحياة والحب والحرب، وسيبعث بمسرحيته " الاب " الى نيتشه الذي ارسل له رسالة كتب فيها: " سررا برؤية صورتي الخاصة للحب.. الحرب وسيلته، والكراهية المميتة بين الجنسين قانونه الاساسي، والتعبير عنها بهذه الطريقة الفريدة ".

بعد سبع سنوات على تأسيس الدادائية سيجد أندريه بروتون إن الحياة بحاجة الى هزة عنيفة، فقد شهدت السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الأولى فترة تغير عنيف، اذ اندلعت الثورة الروسية بقيادة لينين وتروتسكي، وأثرت اكتشافات اينشتاين على الوعي البشري بشكل عميق، وسجلت روايات جيمس جويس ومارسيل بروست وفرجينيا وولف وأشعار إليوت ـ وبالتحديد رواية عوليس التي صدرت عام 1922، وملحمة مارسيل بروست البحث عن الزمن الضائع التي تم نشر أجزائها المتبقية بعد وفاة بروست عام 1922، وقصيدة إليوت الأرض الخراب التي نشرت عام 1922، والقصص الأولى لفرجينيا ولف التي صدرت أيضاً عام 1922 -، أنماطاً حداثية جديدة بشكل مميز للشعور والإدراك، الذي يعكس الظروف المضطربة للحياة في تلك السنوات، لقد وضعت هذه الأعمال مهمة جديدة للكاتب والفنان، وهي أن يجعل المتلقي ينظر الى المنجز الأدبي والفني بشكل مختلف.

يكتب البير كامو إن السيريالية في بدايتها كانت محاكمة لكل شيء.. لا تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد "، فيما يكتب أندريه بروتون: " أتمنى أن لا تكون السيريالية قد قامت بأي محاولة أفضل من محاولتها ان توجد خيطاً يربط بين ما تفرّق من عوالم اليقظة والنوم، والواقع الخارجي والداخلي، والعقل والجنون، وهدوء المعرفة والحب، والحياة للحياة والثورة ". كانت القطيعة بين بروتون والدادائية حازمة، ولهذا يكتب في إحدى قصائده:

" دعوا كل شيء

دعوا دادا

تخلوا عن آمالكم ومخاوفكم

إزرعوا أولادكم في زاوية غابة

دعوا الفريسة للظل

تخلوا عن الحاجة عن حياة رخية

أمضوا في كل سبيل ".

وسيعترف تريستان تزارا ان السيريالية ولدت " من الرماد الذي خلفته الدادا. وكل الدادائيين الاوائل، شاركو فيها ".

كان تريستان قد وصل باريس عام 1919 تسبقه شهرته، ولهذا سيلتف حوله مجموعة من الادباء الشباب كان بينهم بروتون واراغون وايلور والعديد من الفنانيين، وسيصفه بروتون بانه " يسير والتحدي في نظراته "، وستبدأ الدادائية مرحلتها الباريسية وسيعلن تريستان بيانه الشهير: " من الان فصاعدا، لا رسامون، ولا ادباء، ولا موسيقيون، ولا نحاتون، ولا جمهوريون، ولا فلكيون، ولا امبراطوريون، ولا فوضويون، ولا اشتراكيون، ولا بولشفيك، ولا سياسيون، ولا بروليتاريون، ولا ديمقراطيون، ولا جيوش، ولا اوطان.. واخيرا كفانا من هذه الحماقات كلها لاشيء، لاشيء، لاشيء ". تصدر مجلة ادب بحجم صغير يشرف عليها انريه بروتون ولويس اراغون والتي ستطرح استفتاءا شهيراً بعنوان: " لماذا تكتبون ؟ "، فقد كانت المجلة تطرح موضوعة اعادة النظر في بعض القيم الادبية والفنية، والبحث عن دوافع الابداع، وقيمة المصير الانياني للشاعر.

ستشكل أول مجموعة سيريالية عام 1923 وكانت تضم آراغون، وماكس أرنست، وفليب سوبو، وروجر فيتراك، اضافة الى اندريه بروتون وبول ايلور، ثم انضم إليهم سلفادور دالي، وهانس آرب، وأنطوين أرتو، وخوان ميرو وعشرات غيرهم، ويقال إن كلمة سيريالية ابتدعها الشاعر غيوم أبولينير الذي توفي قبل صدور البيان الأول بخمسة أعوام، حيث قد ذكر مفردة السيريالية خلال رسالة أرسلها الى الفنان الفرنسي بول ديرميه يخبره فيها: " اعتقد حقاً بعد البحث والتدقيق، إنه من الأفضل أن اتبنى لفظة سيريالية بدلاً من فو طبيعية التي سبق ان استعملتها، فـ ( سيريالية ) لا توجد بعد في المعاجم: وقد تسهل معالجتها اكثر من فو طبيعية التي استعملها السادة الفلاسفة "، وفي البيان الأول للحركة يشير أندريه بروتون الى التسمية بوصفها تكريماً لذكرى أبولونير: " أطلقنا اسم السيريالية على هذا النمط من التعبير الصرف الذي توصلنا إليه والذي أردنا أن نُفيد منه أصدقاءنا، وأحسب إنه لم يعد هناك اليوم مجال للرجوع عن هذه التسمية بعد أن طغي مفهومنا على المفهوم الأبولونيري ". ويعرف بروتون السيريالية بأنها: " عبارة نفسية صرفة تدل عبرها، إما لفظاً أو كتابة، أو بأي طريقة أخرى على النشاط الحقيقي للفكرة في غياب أي رقابة يمارسها العقل، خارج أي اهتمام جمالي أو أخلاقي ".

بعد فترة قصيرة سيظهر البيان الأول للسيريالية الذي أكد على ثلاثة ثوابت " الخيال، الحرية، الحلم "، وقد جاء في البيان: " تستند السيريالية الى الاعتقاد بالحقيقة العليا لبعض أشكال التداعي المهملة لحين ظهورها، بالقدرة الكلية للحلم، باللعبة المتجردة للفكر، تميل الى أن تدمّر نهائياً الآليات النفسية الأخرى، وان تحل محلها في حل المشكلات الرئيسة للحياة " ويضيف البيان: " إن كلمة السيريالية، تعبر في رأينا عن الرغبة في تعميق أسس الواقع، والرغبة في الوصول الى وعي بالحياة أكثر وضوحاً من قبل، الى وعي بها أعنف عاطفة وأشد شعوراً. لقد حاولنا أن نصف الحقيقة الداخلية والحقيقة الخارجية كعنصرين هما في طريقهما الى الاندماج كيما يصبحا في النهاية حقيقة واحدة "، هكذا أصرّت السيريالية أن تمزج بين الحقيقة الداخلية والحقيقة الخارجية، وقد كان السيرياليون الفرنسيون مغرمين بنظريات فرويد عن اللاوعي، فيما كان السيرياليون الألمان والذين كان اكثرهم من جماعة الدادائية، يميلون الى كتابات ماركس الشاب، بحيث كانت النتيجة أن اصبحت السيريالية مزيجاً من فرويد وماركس. بعد نشر البيان الأول قرر بروتون أن تكون للحركة مجلة خاصة بها اسماها " الثورة السيريالية "، صدر العدد الأول في كانون الأول من عام 1924، وكانت التسمية التي اطلقت على المجلة تعكس رؤية بروتون لأهمية أن تندلع ثورة كبيرة في الفنون والاداب،أشبه بالثورة العلمية التي يقودها أينشتاين. في أحد أعداد المجلة يكتب بروتون: " في الوضع الحالي للمجتمع الأوروبي، نحن مع مبدأ كل عمل ثوري، لو كانت نقطة انطلاقه من نضال طبقي، شريطة أن يذهب بعيداً "، وسنجد السيرياليين يغرمون بأفكار ماركس واراءه في الثورة الاجتماعية ؟، ونجد بروتون يؤمن بأن الثورة في الفن يجب أن ترافقها ثورة اجتماعية من أجل الناس وسيكتب: " لقد رفع ماركس شعار " تحويل العالم "، ورامبو شعار " تغيير الحياة، هذان الشعاران كلٌّ واحد بالنسبة إلينا "، في العام 1925 سيقرأ بروتون سيرة لينين التي كتبها تروتسكي، ويجد نفسه منجذباً الى شخصية الثوري فيه والإنسان وسيكتب: " على الصعيد الأخلاقي الذي قررنا أن نقف عنده، يبدو أن لينين منيع لاينال "، ورغم أن كتاب تروتسكي أعطاه صورة حقيقة عن ثورة اكتوبر وقائدها، إلا إنه ساعد في تطور العلاقة بين تروتسكي وبروتون الذي كان يؤيد قناعات تروتسكي تجاه ما كان يجري في روسيا، من تدمير في عهد ستالين. كان تروتسكي قد أعلن ضرورة تدمير قيم الماضي الثقافية وخلق قيم جديدة أجمل بكثير تحل محلها، وهو بالضبط ما كان يعلن عن بروتون في البيان السيريالي " الثورة ضد قيم الماضي في الفن والثقافة والمجتمع ".. وسيكتب بروتون مقالاً بعنوان " ليون تروتسكي، لينين " يشير فيه الى أن الكثير من الأفكار التي يطرحها تروتسكي يشعر السرياليون نحوها بالمودة والانجذاب.

سيغادر اندريه بروتون عالمنا في صباح الثامن والعشرين من ايلول عام 1966، وسيكتب صديق الشباب اراغون الذي اختلف معه بسبب تروتسكي رثاء جميلا: " من المستحيل هنا أن اقول كل ما كنت اريد قوله عن صديق شبابي.عن هذا الشاعر الكبير الذي لم اكف ابدا عن حبه. من المستحيل ان اقول سوى عبارة هي كالصدى، تجعل كل الكلمات لا مجدية، ان جيلا باكمله ينتهي بوفاة بروتون، جيل عانى ويلات الحرب ".

***

علي حسين – كاتب

رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

 

المَعنى في حياةِ الانسانِ لَهُ أَهَمِّيَّتُهُ الكُبرى؛ فبدونِ المعنى ينتفي المُبَرِّرُ لاستمرار الانسان في الحياة، ويتوقف عطاؤُهُ؛ لأَنَّ كُلَّ الآفاقِ قد انسدتْ أمامَهُ . يقولُ الفيلسوفُ نيتشه  مَنْ يمتلكُ سَبَباً يعيشُ من أَجلِهِ، يستطيعُ تَحَمَّلَ العَيشِ بِأَيَّةِ طريقَةٍ كانت). ويقولُ سبينوزا في هذا المَجالِ: (البحثُ عن غَرَضٍ للانسانِ في الحياة هو جزءٌ لايتجزأُ من بحثِهِ عن هُوِيَّتِهِ، وخطوة أَساسِيَّةٌ في طَريقِهِ لِتَقَصِّي مَصيرِهِ) . ويقولُ عالمُ النفسِ كارل يونغ  ان مايقاربُ ثلثَ الحالاتِ السَّريريَّةِ لم تملك أَيَّ اضطرابٍ عَصَبِيٍّ يمكنُ تَشْخيصُهُ اكلينيكياً، وانما استحالت حياتُهُم جحيماً وصاروا يهيمونَ بينَ أَروقَةِ المَصَّحاتِ النَّفسِيَّةِ لسبَبٍ بسيطٍ وهو عَبَثِيَّةُ حياتِهم وعدم وجودِ هَدَفٍ وَمَعنى لها). ويضيف كارل يونغ: (يجبُ أَنْ يُفْهَمَ الاضطرابَ النَّفسِيِّ، في نهايةِ المَطافِ، على أَنُّهُ مُعاناةُ روحٍ لَمْ تكتَشِفْ معناها بَعْدُ) . وتحدثَ اينشتين -عالم الفيزياء المعروف- عن المعنى والهدف في الحياة من اجل أَنْ يكونَ الانسانُ سعيداً بقوله: (اذا أَرَدْتَ أَنْ تجعلَ حياتَكَ سعيدةً فاربطها بأَهدافٍ لا بأَشخاصٍ أَوْ أَشياءَ) .

 وهناك علاجٌ نفسي هوَ العلاج بالمعنى "logotherapy"، اكتشفهُ الطبيبُ النفسي وعالم الاعصاب النمساوي " فيكتور فرانكل صاحب كتاب (بحث الانسان عن المعنى)، وهو مبتدع مدرسة العلاج بالمعنى التي تمثل مدرسة فيينا الثالثة في العلاج النفسي .

1- المدرسة الاولى: هي مدرسة فرويد في التحليل النفسي: وهذه المدرسة تؤكد على البحث عن اللذة .

2- المدرسة الثانية: هي مدرسة ادلر، وهي تؤكد على القوة والتفوق.

3- والمدرسة الثالثة: من مدارس العلاج النفسي هي مدرسة فيكتور فرانكل والتي تؤكد على البحث عن معنى وهدف يعيش من اجله الانسان . واكتشف فرانكل نظريته في العلاج النفسي من واقع معاناته اذ أَنَّهُ تنقل في اَكثر من سجنٍ نازي ورأى معاناتِه ومعاناةِ السُّجَناء، وبعضهم انتهت حياتُه بغرف الغاز وبعضهم مات منتحراً، وأَكَّدَ فرانكل على اهمية اكتشاف المعنى في حياة السجناء واكتشاف الهدف الذي هو المبرر لاستمرار الحياة .

الثَّوْرَةُ الحسينِيَّةُ والمعاني والدلالات

البعضُ يَقرأُ الثورةَ الحسينِيَّةَ وَكَأَنَّها ثورة لامعنى لها بكل مفرداتها وعناصرها، فَأَينَ المعنى في هذه المواجهةِ غيرِ المتكافئةِ ؟ واين المعنى في اخراج الاطفال والنساء، وكأَنَّها سفرةٌ سياحيَّةٌ لاسفر من اجل جهاد ومعركةٍ عسكريَّةٍ حاميَّةٍ؟ واين المعنى في عدم سماع الامام الحسين عليه السلام للناصحين والمشفقين كعبدالله بن عباس ومحمد بن الحنفيه؟ وبالتالي يصفونها بأَنَّها عملية انتحار سياسيٍّ غير محسوبةِ النتائج .

 والعجيب في أمر هؤلاءِ كيف لايُمَيِّزونَ بينَ الانتحارِ والشَّهادَةِ ؟ نعم الانتحارُ والشهادةُ يتساويان بصورة الموت والنهاية، ولكنَّ الفارقَ بينهما كبيرٌ جداً من حيثُ المعنى والهدف؛ فالمنتحر انسانٌ فقد المعنى في حياته، وفقد بوصلةَ الوجهة في حياته وبفقدانه للمعنى في حياته انسدت أمامهُ كلُّ الآفاقِ فاقدم على الانتحار أَما الشهيد فقد خرج لمعنى وكان خروجُهُ لهدفٍ وغايَةٍ .

 الامامُ الحسينُ عليه السلام في خروجهِ أَعطى للاشياءِ معناها، وَأَعطى للموتِ معنىً، فهو عليه السلام يقول: (خُطَّ الموتُ على ولد آدَمَ مخطَّ القِلادَةِ على جيدِ الفتاةِ)، انه (ع) يعطي للموتِ معنى جميلاً ويشبههُ بالقلادةِ التي تُزَيِّنُ جيدَ الفتاةِ، وفي لقائهِ مع الحر بن يزيد الرياحي قال (ع): (فانِّي لاأَرى الموتَ الاّ سعادةً، والحياةَ مع الظالمينَ الاّ بَرَما) .

 والامام عليه السلام حَدَدَ الهدفَ والغايَةَ من ثورته بقوله: (إِنِّي لم أَخرُجْ أَشِراً ولابَطِراً ولاظالماً ولامفسداً وانما خرجتُ لطلبِ الاصلاحِ في أُمَّةِ جدي رسول الله (ص)، اريد أَنْ آمُرَ بالمعروفِ وَأَنهى عن المُنكَر واسيرَ بسيرةِ جدي وَاَبي علي) . والامام في حركته حدَّدَ الامامَ الذي يحكم المسلمينَ وعيَّنَ مواصفاتِه ِ: (ماالامامُ الا العامل بالكتابِ، والآخِذِ بالقِسْطِ، والدائِنُ بالحَقِّ، والحابسِ نفسَهُ على ذاتِ الله) . وقد حَدَّدَ الامامُ الحسينُ عليه السلام انحرافاتِ الحكامِ التي تُبَرِرُ الخروجَ عليهم .

 فالامام الحسينُ عليه السلام في حركته كانت اهدافهُ واضحةٌ، فهو لم يكن طالبَ سلطةٍ، وهو يعرفُ نهايةَ هذا الخروج ومايستتبعُهُ من تقتيلٍ وقطعِ رؤوسٍ وقتلِ أطفالٍ وسبي نساءٍ، الاّ انَّ كلَّ ذلكَ يُبَرِّرُهُ وجود المعنى ووجود الهدف .

 وجود المعاني النبيلة وراء هذه الثورة المباركةِ، ووجود الاهداف المقدسة يبرِّرُ كلَّ هذهِ الآلام والتقتيل البشع؛ لان كلَّ ذلك من اجل الله ... يقول الامام الحسين عليه السلام بلسانِ الحال:

إِلهي تركتُ الخلقَ طُرّاً في هواكا  وايتمتُ العيالَ لكي اراكا

و قطعتني في الحبَ إِرباً لما     مال الفؤادُ الى سواكا

 السلام على سيد الشهداء في وقفته المضمَّخَةِ بالدم ِ، وعلى روحه الثائرة وعلى اهل بيته واصحابه الذين صنعوا هذه الملحمةَ الخالدةَ التي دكَّتْ عروشَ الظلم والاستبدادِ وطوتْ صفحتهم .

***

زعيم الخيرالله

 

محمد الربيعي البروفسور او كما يسمى في العراق "الأستاذ" هو أكاديمي كبير لديه سنوات طويلة من الخبرة في التدريس والبحث. ما يجعله مختلفا ليس فقط بأقدميته ولكن حقيقة أنه أجرى بحوثا قيمة في مجال اختصاصه، وبالطبع يكون في معظم الحالات حاصلا على درجة الدكتوراه وله خبرة بحثية لما بعد الدكتوراه Post-Doctoral.

البروفسور هو أعلى تقدير من الجامعة بناءً على مساهماته العلمية والاجتماعية. في المهنة الأكاديمية، البروفسور هو أعلى رتبة جامعية. يفترض أنه يتمتع بأكبر قدر من المهارات المتقدمة في مجال تخصصه.

البروفسور يكون بالعادة قد درّس لوقت طويل او باحثا ذا باع كبير. ربما يكون قد ترأس لجانا مهمة، وربما عمل كرئيس لقسمه، وبخلاف ذلك لديه بعض الجاذبية للعمل الاداري والقيادة. نظرا لأنه عمل عادة لمدة لا تقل عن عشرة سنوات أو أكثر، فإنه يتمتع بأقدمية، ولتميزه في مجال البحث يحصل على افضل المساعدين الباحثين ويقدم اكثر الدورات التدريبية المرغوبة.

ويتميز البروفسور بحصوله على اعتراف كسلطة بارزة في تخصصه، وسيكون قد حقق التميز على المستوى الوطني والمستوى الدولي خصوصا في البحث العلمي والابتكار. يقدم البروفسور مساهمات أصلية ومبتكرة ومتميزة في البحث والتدريس وخدمة المجتمع.

تعتمد الدرجات الاكاديمية على البلد والنظام الاكاديمي فهي عموما في بريطانيا:

Lecturer, Senior Lecturer, Reader, Professor

اما في امريكا فهي:

Assistant Professor, Associate Professor, Professor

وهذا الفرق هو ما نلاحظه من تسمية كل عضو هيئة تدريسية في امريكا "بروفسور" بينما لا يطلق اللقب في بريطانيا الا على البروفسور او البروفسور المتمرس. يمكن أن يكون هذا مصدرا لسوء الفهم - ففي المؤتمرات الدولية، على سبيل المثال، قد يفترض من أكاديمي أمريكي شاب أنه يجب التعامل مع أكاديمي بريطاني متميز على أنه "بروفسور"، أو قد يفترض من أكاديمي بريطاني شاب أن الأمريكي الذي يتم التعامل معه على أنه "بروفسور" يجب أن يكون له باع كبير ومتميز جدا.

في جامعتي، على سبيل المثال، يتم تقييم جميع المرشحين للترقية الى بروفسور وفقا للمعايير الثلاثة التالية:

- البحث والمنح الدراسية والابتكار المهني والتميز الابداعي

- التعليم والتعلم

- القيادة والمساهمة في الانتاج العلمي العالمي

تشمل واجبات البروفسور:

- قيادة العمليات الاكاديمية والبحثية وعضوية مجلس الجامعة University Senate.

- يقوم بتوجيه نطاق الكورسات لكل فصل دراسي محدد في مجاله العلمي.

- يضع مخارج التعلم Learning Outcomes ومفردات الكورس ومراجعة وتدقيق ادوار المدرسين.

- يقوم بتوجيه الطلاب الجامعيين والخريجين.

- يساهم في المهام الادارية والتنظيمية على مستوى القسم والكلية والجامعة.

- يقوم بتدريس طلبة الدراسات العليا بالاضافة للدراسات الاولية.

- يحافظ على القيم والاخلاق الاكاديمية.

- يساهم في تدريب وارشاد التدريسيين الشباب وتمكينهم لقيادة المشاريع.

- يساهم بصورة فعالة في المؤتمرات والاجتماعات والورشات الوطنية والعالمية.

اخيرا، لربما من المفيد عقد مقارنة بين مهام البروفسور في الجامعات المتميزة وتلك في الجامعات الناشئة والتي تعاني من ضعف في هيكلها التنظيمي والاداري والاكاديمي كما هي عليه في الدول العربية، ولربما ايضا مقارنة توقعات البروفسور واهتماماته وممارساته في نوعي الجامعات، وهذا ما سنتركه لمقالة اخرى قادمة.

***

محمد الربيعي

نبيل عودةالمشهد الثقافي العربي مليء بحالات التكلس التي تمنع تدفق "الدماء الثقافية" ويجعل ثقافتنا تعاني من التوقف والانقطاع عن التواصل مع جمهورها المفترض.

لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن فساد الانظمة وعن غياب المساحة الحرة الضرورية لجعل المشهد الثقافي مؤثراً على مجمل المشاهد السياسية والاجتماعية والتربوية.

حتى في ثقافة بعيدة عن تسلط انظمة الفساد، مثل الثقافة العربية في اسرائيل، نجد انها لم تقع بعيداً عن شجرتها الام، والاجواء السائدة في ثقافتنا لا تختلف عن الاجواء المرضية للثقافة العربية. ما تطلبه الانظمة من مثقفيها لا يختلف عما تطلبه القيادات العربية المحلية من "مثقفيها". او عن الخانة المخصصة لهم ... وكأنهم لاعبين يؤدون دوراً ما في سيرك، من ظواهر هذه الحالة ظهور فئة المثقفين "الوصاة" المحسوبين على القيادات الحزبية، دون ان يواجهوا بحقيقتهم، انهم اهانة للثقافة والمثقفين، وانهم مجرد مهرجين في المشهد الثقافي ومنافقين لأصحاب السطوة والـمتزعمين !!

امام هذه الحالة نرى ان ثقافتنا اصبحت منقسمة على ذاتها، بين "ثقافة رسمية" تدافع عما يسمى زورا "المصلحة العامة" وثقافة متمردة على هذه الوصاية ... تواجه ليس الرفض الثقافي الرسمي من الاوصياء والمتثاقفين، وانما القمع الرسمي ايضا، او القمع الحزبي حين كانت الأحزاب قادرة على ذلك!!

صحيح انه في حالة ثقافتنا العربية في اسرائيل، الحالة مختلفة بعض الشيء، لكن تأثيرات الحالة العربية العامة تمتد وتشكل عائقاً على الفكر الثقافي عندنا ايضا ً.

هذ الوصاية كثيراً ما تبرز تحت عباءة الرقابة على الفكر والابداع الذي تمارسه الانظمة بتعاون كامل مع عناصر دينية متزمتة وتشكل التيار الديني الرسمي للنظام .

في السنوات الاخيرة منع توزيع عدد من الكتب في دول عربية مختلفة، وتعرض عدد من الكتاب الى التهديدات والضغوطات الفظة ومصادرة كتبهم.

هذه الحالة تعبر عن واقع سياسي مريض... حقاً نحن بعيدين نسبيا عن انظمة القمع السياسي والثقافي. وكم تبدو الأحاديث عن الاصلاح الديمقراطي مقطوعة من جذورها. حين تقرن بالفساد العربي.

 انا ادعي ان الفساد العربي له امتداده المحلي ايضاً، وهذا يبرز بقوة في توقف تدفق الدماء في جسد ثقافتنا، وفي تحول الثقافة الى الشيء الزائد غير الاساسي في ممارستنا السياسية وفي واقعنا الاجتماعي، لدرجة ان عملية الفصل بين السياسي والثقافي والاجتماعي والثقافي اكتملت !!

ان الفصل بين الثقافي والسياسي يقود الى التعثر والانكفاء ... تعثر ثقافي وانكفاء سياسي. والفصل بين الاجتماعي والثقافي يقود الى الخواء الفكري والتفكك الاجتماعي وشيوع السلبيات في حياتنا وممارساتنا اليومية والعامة.

هذه هي الحالة المرضية لثقافتنا ولسياستنا ولمجتمعنا، حيث تتحول السياسة الى لعبة صراع بين مجموعة من الديكة لإبراز قوة مناقيرهم، والوان ريشهم وتوهمهم انهم الاوصياء الذين لا تسير الامور بدونهم. بكلمات اخرى يمارسون عملية النفي للرأي المختلف، وللعقل الأخر ويرون بكل مبادرة اجتماعية، أو سياسية، أو ثقافية، تجاوزاً لمكانتهم وخطراً يهدد امتيازاتهم. أي حالة مرضية من العداء المتأصل بين القيادات السياسية والثقافية، بكون الثقافة هي أبرز تعبير عن الضرورة في التغير والاصلاح الاجتماعي والسياسي. في هذه الحالة الحل يكون بإحداث انتفاضة ثقافية تنهي الابتذال والوهن، تنهي الطغيان السلطوي والفساد السياسي. تنهي العداء المتأصل بين القيادات السياسية والثقافية، بصفتها أبرز تعبير عن الضرورة في التغيير والاصلاح الاجتماعي والسياسي، وهذه المعادلة تصلح لواقعنا السياسي والثقافي ايضاً رغم اختلاف العديد من المعاير.

مجتمع مأزوم وادب مأزوم

الواقع الثقافي هو المعيار الصحيح للواقع الاجتماعي. المجتمع آلمأزوم لا ينتج الا الأدب المأزوم. هذا لا يعني ان حركة الابداع تتوقف انما يزاد التسيب الثقافي، ويسود الفقر الثقافي والتهريج الثقافي خاصة بالنقد الذي يفتقد لجوهر المفهوم الإبداعي، لكنه يطغى على الساحة الأدبية.

لا يتوهم أحد ان الدرجات العلمية التي تسبق بعض الاسماء تختلف او تتميز بأفضلية ما. التجربة الثقافية في العقد الاخير على الاقل تشير الى اتجاه معاكس تماماً.

اصحاب الالقاب هم أكثر مروجي ثقافة الفقر وثقافة الهبوط والتذلل، ثقافة التسول والميوعة، ربما لأن بعضهم "اكتشف" ميوله الأدبية بعد التقاعد وضمان أمن المعاش، أو بعد ان بات متأكدا ان خطر التعبير عن وطنيته لم يعد يواجه بغضب السلطة!!

في الثقافة العربية داخل اسرائيل هناك عوامل عمقت الواقع الادبي المأزوم، وهذا انعكاس للأزمة الاجتماعية والفكرية الخانقة التي يواجهها مجتمعنا العربي داخل اسرائيل، والتي تتميز بغياب الثقافة الكامل عن الاجندة المطروحة على ساحة العمل السياسي والفكري، بمعنى الفصل بين الثقافي السياسي، بين الثقافي والفكر التاريخي، بين الثقافي والفكر الديني المتنور، لدرجة اننا اصبحنا مجتمعاً لا ثقافياً، لا يقرأ، لا يناقش،لا يشترك بالندوات الثقافية، لا يفكر ... يتلقى كل ما هو جاهز. يتعامل مع الثقافة كتعبئة فراغات في الصحافة، لدرجة ان اهم مجلة ثقافيه عرفها العرب في اسرائيل، ولعبت دوراً هاماً في بناء صرح الثقافة العربية للجماهير العربية داخل اسرائيل وصانت شخصيتهم الوطنية ولغتهم واقامت التواصل بينهم وبين الثقافة العربية في العالم العربي (وأعني مجلة "الجديد"التي اصدرها الشيوعيون في اوائل الخمسينات) غابت تماماً، دون ان تثير اي ردود فعل لدى جمهور المثقفين، او لدى القيادات السياسية التي ورثت هذا التراث العظيم فأهملته وانشغلت بتوزيع كعكة المكاسب المادية القيادية.

اذن هل من المستهجن الوضع لذي انحدرنا اليه؟ هل من الغريب ان بعض "الجبناء" الذين لم نسمع اصواتهم حين كان للكلمة ثمن ندفعه من حرياتنا وحقنا بالعمل، أصبحوا في شيخوختهم وطنيين وشعراء وكتاب تافهين ونقاد وادباء ينصبون الملوك والامراء للشعر العربي في إسرائيل، ويجعلون من الثرثرات قمم في الابداع الادبي (ربما لتغطية ثرثراتهم؟) في الوقت الذي من الصعب ان نجد تعدد القصائد او الاعمال النثرية التي تستحق القراءة؟!

لا اريد ان يفهم من كلامي ان كل الابداع الادبي للعرب داخل اسرائيل مأزوم وفاشل، هناك ابداعات أدبية جيدة ومتوسطة نثراً وشعراً ونقداً ولكن السائد بنسبة شبه مطلقة هي النصوص التي لا شيء فيها من الابداع أو الذوق الادبي البسيط، والنقد السائد هو نقد التهريج وتحميل النصوص ما ليس فيها من نثر أو شعر.

ربما أكثر التعابير ملائمة للواقع الادبي والاجتماعي المأزوم وصفه بحالة المراهقة. هذه الحالة يمكن ملاحظتها في مستويين، الاول مستوى التفكير والدوافع التي تقف وراء الكتابة النقدية أو الابداعية (انا اعتبر ان النقد كتابة ابداعية ايضاً، وعملية التفريق بينهما هنا من ضرورات شرح الواقع الثقافي المأزوم) والمستوى الثاني، على المستوى الشخصي، وهذا الامر لم اتوقعه ... حتى وقع بين يدي ديوان شعر لناقد وشاعر من اياهم البعض (ويحمل الدكتوراة في الادب) ففوجئت ان المراهقة، كمرحلة في حياة كل انسان، لم تغادر البعض رغم شيخوختهم، وسأعود لهذا الموضوع بالتفصيل في مداخلة اخرى. بالطبع هناك تداخل بين المستويين ينتج عنه العجب العجاب في ثقافتنا المسكينة، والويل لنبيل عودة، على "وقاحته" واقتحامه للممالك الخاصة التي اقامها البؤساء ثقافياً، وللأسف، اجد نفسي احمل السلم بالعرض، مواقفي حقاً تحظى بشعبية لدى القراء، والكثير من المثقفين، ولكني مستاء جداً من انكفائهم واكتفائهم بالدعم المعنوي وكأن الثقافية العربية داخل اسرائيل لا تخصهم، والتسيب السائد لا يؤثر على تسويق ابداعهم، فيذهب الصالح بالطالح. حقاً "الشنشنات" لا ترعبني، لكني اريد ان ارى حركة ثقافية نشطة وغير متهادنة مع التهريج والفقر الثقافي، ليس لإعادة قيمة الابداع لحياتنا انما لدفع مجتمعنا نحو افاق انسانية جديدة، نحو تفكير عقلاني فكري سياسي واجتماعي، نحو التخلص من فكر الانطواء والانعزال القومي والطائفي والثقافي.

في سنوات الستين قال بن غوريون رئيس اول حكومة إسرائيلية، ردا على تخوف جنرال إسرائيلي من المستقبل، انه ما دام العرب لا يقرأون فلا خوف على اسرائيل، رد الجنرال "سيتعلمون القراءة"، فعقب بن غوريون: "حتى إذا بدأوا يقرأون فلن يفهموا ما يقرأون، لذلك لا خوف على إسرائيل".

لا اسوق هذا القول للاستنتاج السياسي، انما للاستنتاج الثقافي، ولأهمية الترابط بين الثقافي والسياسي بين الثقافي والاجتماعي وبين الثقافي ومختلف العلوم الاجتماعية والانسانية.

ملاحظة هامة:

 شملت احصائيات عن القراءة في الوطن العربي أجريت عام 2016 حوالي 22 دولة عربية وبلغ عدد الأشخاص الذين شملهم الاحصاء ما يزيد عن 148 ألف مواطن من كافة الدول العربية منهم (66680) طالبا وطالبة و (87614) من مختلف التخصصات.

تختلف درجات الإتاحة داخل الأسرة حسب مؤشر القراءة العربي من دولة إلى أخرى فقد تراوح بين 1,45 كتاب في الصومال و 94,84 كتاب في لبنان وهذا الفرق الواسع يفسر لنا ضعف المتوسط العربي. وبخصوص الدول العربية الأخر تبين أن 11 دولة عربية تأتي فوق المتوسط (50 من 100) فقد حصلت كل من لبنان ومصر والمغرب والإمارات على درجات تفوق 80 فيما الأردن وتونس وقطر والبحرين حصلت على درجات بين 60 و75 أما فلسطين والجزائر فحصلت على 50 وأخيرا اليمن وموريتانيا وجيبوتي وجزر القمر والصومال حصلت على درجات لم تبلغ عتبة العشرين كتابا.

***

نبيل عودة

 

العدد: 5817 المصادف: الثلاثاء 09 - 08 - 2022م