مراد غريبيلا تزال قضايا التراث وحمولاته وإرهاصاته تشد العقل الاسلامي المعاصر بكل صوره الاكاديمية والكلامية والفلسفية، في قبال الموجات النقدية الاستغرابية التي تجاوزت التراث نحو تفعيل مشاريع النهضة والتجديد الثقافي عبر استنساخ مناهج الغرب وعدم البقاء ضمن بوتقة التمحيص والجدال والاستشكالات التاريخية: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ لماذا أخفقت مشاريع الإصلاح والنهوض؟ كيف نجدد نهضتنا؟

تاريخ أفكار النهضة:

هذه الاسئلة لا تزال تتفاقم وتتوالد في مشاريع فكرية وابحاث نقدية لكن الواقع لم يتغير بل ازداد تخلفا رغم كل الحبر الفكري النهضوي الذي سال ولا يزال، فما ميز مشاريع النهضة على ضوء نقد التراث من جهة والتأسيس عليه في التاريخ العربي الحديث وما بعده إلى غاية مطلع الألفية الثالثة هو اختلاط المعرفي بالسياسي، مما انتج نماذج تحليلية تتراوح بين التوفيق التاريخي والمصلحة، منها من جاءت لعرض الصور الهامة للتقدم في التراث (الطيب التيزيني انموذجا)، ثم لاحقا أخرى عملت على تفكيك نصوص التراث ورفع  اغلال سلطة التاريخ وأوهامه في قراءته بأدوات حداثية من أجل النهضة؛ كتوجه نحو التغيير والتحرر والتحديث وفتح أفق التنوير (محمد أركون أنموذجا)، بينما التيار الثالث كان سعيه نحو مشروع عقلانية  التراث على ضوء إشراقات الفكر الرشدي؛ (الجابري وأبوزيد)، وهناك تيار معاصر يتمثل في مشروع الحداثة الذاتية التي تنتج مناهجها ومفاهيمها وتنفرد بخطابها العلمي (طه عبد الرحمن)، الى ما هنالك من اتجاهات وتيارات فكرية تراوحت بين المعرفي والسياسي في مقاربة ماهية التراث والتجديد والنهضة.

نحو وعي حركة تاريخ الأفكار:

على ضوء ما تقدم الهدف الرئيسي هو ضرورة إدراك وأرشفة الأفكار التغييرية والتجديدية أرشفة علمية معمقة وفق مناهج دقيقة، لوعي مسارات كل مفكر ومشروعه  ومدى إمكانية اعتماد افكاره واستثمارها، وهذا ما يساعد في عدم إعادة اختراع المخترع، وإنما القراءة النقدية الإبداعية في مسيرة البحث عن المشروع النهضوي والتجديد الثقافي الواقعي الذي يسهم في التمكن من طرح الأسئلة الحية وليس القاتلة أو الميتة.. وهذا ما لاحظت المفكر السعودي الأستاذ زكي الميلاد قد اعتمده خلال أكثر من عقدين من الزمن بحيث اختصر أهم خطوط الأفكار والمشاريع والاتجاهات والتطلعات في الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، حيث يشير لأهمية حقل تاريخ تطور الأفكار من خلال تبيان خصوصية الأفكار بالقول: "الأفكار فهي بحاجة إلى أدوات من نوع مختلف-عن نوع دراسة الأحداث والأشخاص-، هي أدوات الخبير الذي يشتغل بهذا الحقل بحثاً وتحقيقاً وتحليلاً واكتشافاً، كالمفكر والعالم والفيلسوف والمثقف".

 منبها ضمن ذلك كله إلى ضرورات وعي نسبية ذلك كله وأهمية تجديد التفكير وإبداعه بما ينعش الوعي بعصر النهضة في كتاباته عن الحداثة والنهضة والتجديد والإصلاح..

الجدير بالقول أن المعاملات متعددة ومتغيرة أثرت بعمق في توجهات الفكر وفي  معطيات الواقع، مما جعل اغلب التطلعات النهضوية تقتصر على محاولات فردية أو برامج فئوية ضيقة، ناهيك عن جدلية الخطاب والواقع والسلطة، ومعوقات  المركزية الغربية التي أطلقت عصر إنفجار الهويات بدلا عن الإجتماع المدني والتحديث والديمقراطية ، لذلك كله ظلت النقاشات الفكرية النهضوية نخبويةً وبعيدة عن مواقع الدولة والامة من جهة، وبعيدة عن التجديد الثقافي فلم تتحول إلى ثقافة تنوير وسؤال استراتيجي من جهة أخرى.

من جهة ثالثة ، قد يتصور البعض أن   الربيع العربي دفع من جديد سؤال النهضة والإجتماع المدني الذي يجدد مفهوم  الدولة على  أسس حداثية وإرادة حضارية معاصرة، لكن مشكلة الثقافة  سرعان ما بددت هذه الأحلام  ببروز الانشطارات وصراع الهويات وتفشي الأمراض الأيديولوجية وتسلط المصالح الفئوية على مصالح الأمة والتي تحكمت  في الواقع العربي بفعل تاريخ من المعضلات الذاتية ومخططات الجهات الإقليمية والدولية.

في ظل هذا التاريخ لابد من تجديد الوعي بالأفكار وتركيز معامل الواقعية دون الانبهار أمام إرهاصات الواقع ومخرجاته التي لا يمكن أن تجود الا بما حملته أيام التاريخ الحديث والمعاصر، مما يحتم علينا ملاحقة رهانات التجديد والنهضة على ضوء المعرفة العملية..

القراءات النقدية وانبثاق عصر النهضة

ظاهرة النقد العلمي في المجال العربي لا تزال حبيسة عقليات ضيقة لا تكاد تتحرر من التقليد والإذعان، فالحالة النقدية تجاه التراث، عرفت منعطفات متعددة، تراوحت بين عدم تحديد ماهية التراث في قبال ماهية المقدس من جهة، وأيضا الجو الطائفي الذي اخلط مشاريع التمحيص والتنظيم، وهناك من يرجع تهافت قراءات التراث إلى فقدان علم الكلام كعلم كلي لسلطته المعرفية والمنهجية في تحرير المقدس من إخفاقات التراث، والجدير بالذكر ان انبثاق عصر الإصلاح  في القرن التاسع عشر الذي شهدته مصر وتونس والشام، لم يخلو من بذور التعطيل التي أورقت لاحقا في الصراعات الأيديولوجية لأن ما سمي بالإصلاح كان في الحقيقة شبيها له، كونه كان وليد الأيديولوجي المستحكم في المعرفي، ولعل أهم مأزق لمشاريع النهضة هي  القراءات النقدية الايديولوجية التي ضيقت الخناق على القراءات النقدية العلمية في جل حقول التراث ناهيك عن ضبابية الجانب المنهجي.

عودا لذي بدء، لقد كتب الجابري وأركون  ونصر أبو زيد ولايزال طه عبد الرحمن وغيره وكان قبلهم الكثيرين من المشرق والمغرب ومن جل ألوان الطيف الإصلاحي العربي والاسلامي، حيث ساهمت اعمالهم في تطور المعرفة، على الرغم من كل ما يمكن ان يقال حول اعمالهم لكن مشاريعهم ستظل مهمة في حينها والى الآن، لأنها شاهدة على نقاط ضعف ومواطن تخلف وخلل في المناهج والادوات كما أنهم اجتهدوا من أجل مستقبل أفضل، مما يشكل غنى معرفيا في صياغة حالة فكرية نقدية قادرة على مواجهة العجز وصياغة الوعي الثقافي اللازم للنهضة الحضارية، لأن النقد وسيلة وليس هدف، الاستغراق فيه ينتج عقدة نفسية مصدرها مشكلة التطرف أو العنف المتجذرة في تفاصيل ثقافة العديد من قراء التراث وادعياء الاصلاح، ولا تُحل هذه العقدة إلا بإزالة شروطها العميقة في الذات والمجتمع عبر الحقول التالية:

الحقل الثقافي: تمكين العقلانية والروح العلمية من إصلاح مشكلات الثقافة في المجتمع.

الحقل التربوي: ترسيخ قيم الاعتدال والتسامح كأسس إصلاح المناهج وتحرير الواقع من صراعات التاريخ والاستغراق فيها.

الحقل القانوني: القانون الناجح لا ينتج عنفًا، لأنه يفتح كل الأبواب على ثقافات العدل عبر الحوار والتعايش والشورى والتعاون، كما أنه يحمي معتقدات الناس عبر رسم معالم المسؤولية الاجتماعية.

و تبقى هذه الحقول الثلاث هي معالم المنظور الحضاري كمنهج في النقد والتحليل والتطلع عبر قنوات ثلاثة الفلسفة كثقافة والمنطق كتربية والمعرفة كقانون..

 

بقلم: مراد غريبي - كاتب وباحث 

 

 

العقوبة بمن يستغل الاطفال في يوميات مشاهير السوشال ميديا

عرفت المؤسسة الاسرية بوصفها المحضن الذي ينشأ فيه الفرد مظللا برعايتها وحمايتها من أية مخاطر خارجية محتملة، فقد كانت الاسرة سياجا يحمي أبنائها من الافكار الهدامة او الاختلاط غير المحسوب والمراقب اجتماعيا وسلوكيا.

أما الأسرة في عالم اليوم المنفتحة بحكم العصر على ثقافات الشرق والغرب والمندمجة مع تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، فقد حطمت السياج الحامي لأبنائها، بل ووضعتهم في مهب رياح التغيرات والافكار الغير سليمة والهدامة، المهم ان يكون الطفل عصري ومواكب لمعطيات عصره، دون حساب المخاطر المحتملة بل والمؤكدة التي قد تعرض له وتؤثر سلبا على سلامته النفسية والعاطفية مستقبلا.

فمع ظهور السوشال ميديا ونجاح بعض الشخصيات في تحقيق شهرة واسعة النطاق على صفحات التواصل الاجتماعي، فان البعض لجأ الي توظيف براءة الاطفال وعفويتهم في تحقيق مزيد من الشهرة لهم، وبالطبع تحقيق المزيد من جمع المال، على حساب روح الطفولة وحقوقها وأمانها الاجتماعي والنفسي.

والأدهى من ذلك ان يكون الأبوان هما أنفسهما اللذان يستخدمان طفلهما أو طفلتهما في برامج أو مشاهد كوميدية أو غنائية أو تمثيلية أيا كان التوظيف الفني فيها، ولاقت بعض هذه التجارب نجاحات كبيرة خاصة اذا قدمت بشكل فكاهي وكوميدي.

لكن الابوين غفلا عن حقيقة تعرض طفلهما للعديد من المخاطر مثلما حدث مع الطفل العراقي الذي كان أهله يصورونه وهو يأكل كثيرا فتعرض للحسد ومات. وهناك الكثير من الأسر التي تعرض حياتها اليومية مع اطفالهم بما لا يناسب أعمارهم من ناحية، ومن ناحية أخرى، فان هذا الطفل ينشأ اجتماعيا دون تشرب قيمة الخصوصية واحترام قيمة حياته الخاصة والمحافظة على اسراراه أو أسرار محيطه الاجتماعي.

ولا يخفي على متابعي مثل المشاهد أنها في معظمها تعمل على ترويج التفاهة والأمور الشخصية مما يجعل المتلقي منغمس بحياة الافراد وخصوصياتهم وهذه سمات التافه الغبي لان الحكيم والمثقف يهتم بالاحداث وليس الأشخاص، وليس أي أحداث وانما الأحداث الهامه المؤثرة.

فلماذا يقتحمون بيوتنا بممارسات غير مفيدة وتافهه؟ والطامة الكبرى أننا قد نجد بعض سيدات الصالونات الاجتماعية يتسألن أسئلة تافهة، مثل: عرفتي شو صار مع رندى وشفتي ريم كانت لابسه ايه مبارح؟، أسالهم بتعجب من رندى اختك جارتك صديقتك؟ تجيبني لا انها من أحد مشاهير السوشال ميديا. فاسالها مشهورة بماذا؟ تصفن صفنه طويلة وتقول لي رندى تعمل دعايات مكياج وريم تعرض لنا حياة أسرتها اليومية!!!

وعندما بحثت في الأمر، عرفت أنها كيم كارديشيان التي عمري ما تابعتها الا عندما قررت أعمل هذا المقال لأعرف اساس المشكلة، واكتشفت انه حياة بعيدة عن المنطق دخلت بيوت الكبار والمراهقين من سنوات عديدة، وبدأ الجميع يحذو حذوها ليحظوا بنفس شهرتها الوهمية.

في حين يوجد الكثيرون ممن يعرضون مضمونا مفيدا ثقافيا أو سياحيا، أو أدبيًا أو سياسيا، وحتى فكاهي مقبول، ومع ذلك لم يصبحوا من المشاهير فهل هذا زمن السفهاء!!!

فما بالنا بالأطفال والخطورة التي يمكن يتعرضون لها عندما يشاهدون او يشاركون في مثل هذه الاعمال؟ فوفقا للدراسات التي أجراها المتخصصون في مجال الصحة النفسية والتربية، فان الاطفال الذين يتواصلون مع السوشال ميديا يتعرضون لمخاطر محتوى لا يناسب مرحلتهم العمرية، خاصة عندما يقارن الطفل نفسه بغيره عن طريق استكشاف آخرين عبر فيسبوك وانستجرام وتيك توك، فانهم قد يواجهون مشكلات التنمر والتحرش الإلكتروني.

فهناك أكثر من 1.2 مليون حساب لمشاهير أطفال أقل من 13 عام على منصات التواصل الاجتماعي، وبعضهم تستغله العلامات التجارية للدعايات والاعلانات والربح.

السؤال هنا هل تندرج هذه الممارسات تحت بند عمالة الأطفال ولو بطريقة غير مباشرة؟

لا انكر انني اعجبت من بين هؤلاء المشاهير بطفلة صغيرة تدعى بريدجت امريكية لانها الوحيدة التي تمثل سنها وتظهر حياة بريئة بين احضان الطبيعة والحيوانات ورغم اعجابي بطفولتها البريئة غلب خوفي عليها وعلى غيرها بالحكم على ابعاد الاطفال جميعا عن المخاطر

 

حيث أظهرت عدة دراسات أن واحد من كل عشرين طفل يتعرض لمشكلات نفسية كالقلق والتوتر والاكتئاب نتيجة استخدام السوشال ميديا بشكل مستمر مما يتطلب الاشراف العائلي على مايشاهده الطفل.

سارة طالب السهيلفاذا كانت الاسرة نفسها هي التي تعرض طفلها للخطر، كما شاهدنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي العديد من الفيديوهات يظهر فيها أطفال يتعرضون لمواقف اجتماعية مثيرة تحت إشراف الأبوين بهدف لرصد ردة أفعالهم الطفولية، أو تصويرهم أمام موقف عاطفي يؤلفه الأبوان، لحصد المتابعين وتحقيق الشهرة ومن ثم العائد المادي الكبير.

ولاشك ان استخدام الطفل في تصوير مقاطع لنشرها وكسب المتابعات يضر بصحة الطفل، ويعرضه للسهر والتعامل مع الكاميرا ومع المصورين ومع عالم غريب على براءته، خاصة عندما يتم اجبار الطفل على تجسيد تعابير وكلمات لا يفهم معناها والتلفظ بكلمات لا تتناسب عقل الطفل وادراكه أو بألفاظ نابية، خاصة عندما يجسد شخصية رجلا كبير أو امرأة.

كل هذه الاعمال تتنافى مع حقوق الطفل الخاصة بالحفاظ على صحته الجسدية والعقلية والنفسية والاخلاقية، وتحصيله الدراسي.

كما ان الطفل ذاته مازال صغيرا لا يستطيع ان يقرر ماذا يريد فربما عندما ينضج فكره يأخذ قراره بالرفض فلماذا يتم اقحام الاطفال بأعمال ربما لا تناسبهم او رغما عنهم او ربما عندما يصبح بالغا يرفض ما كان اهله يستدرجونه اليه.

هذه الممارسات تسرق الطفولة والبراءة من حياة الاطفال مبكرا فالفتيات الصغيرات يقلدن السيدات بملابسهم ومكياجهم وطريقة كلامهم انه امر مخيف خاصة انه هناك متربص خلف الشاشة ربما مريض نفسي من الممكن ان يستدرج هؤلاء الأطفال.

اذا علينا دعوة المنظمات الحقوقية والقانونية لوضع لوائح تنظيمية تقنن ظهور الأطفال بمواقع التواصل الاجتماعي، وفرض عقوبات جنائية وغرامات مالية على الأسر التي تستغل صغارها في وسائل التواصل.

 

سارة طالب السهيل

 

محمد محفوظإن طبيعة التطورات الاستراتيجية والأحداث السياسية التي تمر بها المنطقة، تتجه إلى تأكيد حقيقة أساسية في المشهد السياسي للمنطقة وهي: أن النخبة أو الفئة سواء كانت حاكمة أو محكومة التي تربط مصيرها بخارج حدود الوطن، فإن هذا لا يفضي إلا إلى المزيد من الإرباك والتدهور.

حيث أن الارتباط الهيكلي بخارج الحدود، سيزيد من فرص استخدام القهر والقوة لفرض الخيارات وجبر النقص في العلاقات الداخلية من جراء الارتهان للأجنبي.

وهذا يقود إلى تنامي مشاعر العداء والخيبة لكل ما يجري في الساحة العربية، وستشهد المنطقة من جراء ذلك حالة من عدم الاستقرار والقلق والخوف، كما سيتفاقم العنف الرمزي والمادي، لأن القهر والظلم والإذلال ينبوع دائم للإرهاب والعنف وعدم الاستقرار.

وهذا يدفعنا إلى الاعتقاد الجازم، أن الاستقرار السياسي الحقيقي والدائم في فضائنا العربي والإسلامي لا يتأتى من حالة الارتهان للأجنبي أو الانسجام المطلق مع استراتيجياته وخياراته الإقليمية والدولية. بل إن هذه الحالة، تزيد من فرص انهيار الاستقرار وتفاقم من حالات اختراق الأمن الوطني والقومي.

لذلك فإنه يخطأ من يتصور أن بوابة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مجتمعاتنا، هي الخضوع لرهانات الأجنبي وخياراته في الغطرسة والهيمنة.

فالتجارب السياسية تثبت أن الارتهان للأجنبي، لا يجلب إلا المزيد من الصعوبات وسخط المجتمعات وفقدان ثقتها وإيمانها بنخبتها السياسية والاقتصادية.

وفي ظل الأوضاع الراهنة تزداد مخاطر الارتهان للأجنبي على مختلف المستويات. ويبقى في تقديرنا خيار تنمية مشروع المصالحة الداخلية في الفضاء السياسي والاجتماعي العربي. إذ إننا لا يمكن أن نحقق الأمن والاستقرار إلا على قاعدة المصالحة الداخلية في المجتمعات العربية بين مختلف المكونات والتعبيرات.

مصالحة بين السلطة والمجتمع، بين النخب السياسية والثقافية والاقتصادية، بين المكونات والتوجهات الدينية والقومية. بحيث يتوفر مناخ جديد يزيد من فرص الوفاق والتوافق، ويقلل من إمكانية الصدام والصراع المفتوح بين الخيارات المتوفرة في الساحة.

إننا جميعا نخبا ومجتمعات، لا نمتلك القدرة الحقيقية لإنجاز حلول جذرية لأزماتنا ومشكلاتنا، واستمرار أوضاعنا وأحوالنا على حالها، سيفاقم من الأزمات وسيوصلنا جميعا إلى شفير الهاوية.

لذلك وفي ظل أحوالنا المتردية والتحديات والمخاطر الكبرى التي تواجهنا من مختلف المواقع، وغياب القدرة الحقيقية لدينا جميعا للإنعتاق الجذري من هذه الاختناقات. لذلك كله لا يبقى أمامنا كحكومات وشعوب إلا أن نلتفت لبعضنا البعض، ونعمل بوعي وإحساس عميق بالمسؤولية لإطلاق مشروع مصالحة سياسية واجتماعية بين مختلف مكونات المجتمع، حنى نتمكن من الخروج من هذه الدائرة الجهنمية التي تراكم المخاطر وتكثف من التحديات وتزيدنا ضعفا وتراجعا وانتكاسا.

فالتطورات السياسية الأخيرة في العراق وفلسطين تؤكد أن المجال العربي بأسره عاجزا عن حماية ذاته والدفاع عن أمنه الوطني والقومي، وأن المشروع الصهيوني يتغوّل ويتضخم ويصل إلى أهدافه الخطيرة من جراء عجزنا وضعفنا. ولن تستطيع الخطب الرنانة أو الشعارات الصارخة أن تغير من أحوالنا وأوضاعنا وتزيل عن كاهلنا حالة العجز المطبق التي كلفتنا ولا زالت الكثير من الخسائر والانكسارات. كما أن استمرار الأوضاع الداخلية في البلدان العربية على حالها، يعني استمرار الأخطار والخسائر. وهذا ينذر بحدوث كوارث سياسية واقتصادية واجتماعية في العديد من المناطق والبلدان.

لذلك لا خيار حقيقي أمامنا إلا مصالحة أنفسنا وإعادة بناء عقد سياسي واجتماعي جديد على المستويين الوطني والقومي،حتى نتمكن من توفير شروط الخروج والانعتاق من هذه الأزمات الخانقة والتي تهدد وجودنا ومستقبلنا كله.

فلا أحد في العالم العربي كله يتحمل اليوم الانتقال من خسارة إلى أخرى ومن نكسة إلى نكسة أخرى أشد منها وطأة وخطرا وتأثيرا على الحاضر والمستقبل. ففي ظل الأوضاع الحالية ازدادت الأمة معاناة وتراجعا، وفي ظل النظام العربي الرسمي القائم توسع المشروع الصهيوني وأصبح يهدد الجميع أمنيا وسياسيا واقتصاديا، وازددنا تفككا وتفتتا على ضوء الموقف من مشروع السلام والتطبيع.

وفي ظل هذه الظروف والأوضاع حدثت حروب ومصادمات عربية - عربية أرهقت الجميع وأدت إلى أضرار فادحة في جسم الأمة.

وخلاصة الأمر: أن جميع الوقائع والتطورات الداخلية والخارجية، تثبت بشكل لا لبس فيه حاجتنا جميعا إلى نظام وعقد سياسي جديد يضع الأمة من جديد في الطريق الصحيح من أجل تحقيق أهدافها وتطلعاتها التاريخية.

إننا أحوج ما نكون اليوم إلى رؤية وعقد جديد ينظم العلاقات الداخلية بين قوى الوطن المتعددة وبين الدول العربية مع بعضها البعض. وينمي طاقاتنا ويصقل مواهبنا ويعزز قدراتنا الذاتية والموضوعية ويحرر إرادتنا من العجز أو الارتهان والتبعية، ويشحذ كل طاقات وقدرات الأمة من أجل استعادة حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة والتاريخية، ودحر المشروع الصهيوني من فضائنا ومجالنا السياسي والحضاري.

فثغرات واقعنا العربي عديدة وعظيمة، والتحديات والمخاطر التي تهددنا متواصلة، ولا خيار أمامنا إعادة ترتيب أوضاعنا وأحوالنا على أسس جديدة تأخذ بعين الاعتبار كل التطورات والتطلعات الداخلية، دون أن تغفل حاجتنا جميعا إلى الائتلاف والوحدة.

وهذا يتطلب من النخب السياسية في المجال العربي، اتخاذ إجراءات وخطوات عملية ملموسة لوقف الانهيار والانطلاق في بناء حياة سياسية جديدة، تؤسس لمشروع عربي جديد، يحقق نهضتنا، ويوفر لنا القدرة النوعية لمجابهة التحديات الكبرى التي تفرضها قوى الهيمنة والغطرسة في المجال العربي.

وإن الخطوة الأولى في مشروع وقف الانهيار وإعادة التوازن إلى المجال العربي هي إصلاح وتطوير العلاقة بين السلطة والمجتمع في الإطار الوطني والعربي. فهي مدخل وقف التراجع والتقهقر، وهي التي تمكننا من التغلب على المصاعب الاقتصادية والسياسية التي تواجه دول العالم العربي لأسباب وعوامل مختلفة.

وإن هذه المصالحة بما تتضمن من رؤية ونمط جديد للعلاقة والتعامل، هي اليوم أكثر من ضرورة.. إنها خيارنا المتاح للدخول في حركة التاريخ من جديد وتجاوز كل المعضلات والعقبات التي تحول دون تقدمنا وانطلاقتنا من جديد.

وما لم تقوم دول العالم العربي بمشروع المصالحة مع شعوبها ومجتمعاتها، فسيكون مستقبل المجال العربي بأسره قاتما وخطيرا على مختلف المستويات.

فلا تقدم بدون إصلاح، ومن ينشد التطور والتقدم دون القيام بخطوات إصلاحية حقيقية، فإن أغلب الخطوات التي يقوم بها ستراكم من الأزمات، وستكثف من حالات الإحباط والفشل. فالارتباط بين الإصلاح والتقدم هو ارتباط النتيجة بالسبب.

وهذا العقد الاجتماعي ـ السياسي هو الذي مصالح الجميع، وهو المرجعية العليا لكلا الطرفين. فمفتاح الخلاص للعديد من التوترات والأزمات، وجود عقد ينظم طبيعة العلاقة بين قوى الأمة ومؤسساتها المتعددة. ويحدد الأهداف المرحلية والاستراتيجية التي تسعى إليها قوى الأمة، وتبلور حقوق وواجبات كل طرف.

ومن المؤكد أن تنظيم العلاقة بين مختلف مكونات الأمة، بحاجة إلى العديد من الجهود والإمكانات، وإلى ثقافة سياسية جديدة، تأخذ على عاتقها تعبئة المجال العربي وفق أهداف واضحة وأساليب ممكنة وحضارية. وإلى إعادة تشكيل الخارطة السياسية والثقافية، بحيث نصل إلى مستوى حضاري يحكم علاقة السياسي بالثقافي والعكس.

وجماع القول: أن بوابة خلق الإجماع الوطني والقومي الجديد، هي تجديد الحياة السياسية، وتوسيع مستوى المشاركة فيها، وتنظيم قواعد التنافس والصراع فيها أيضا.

والعقد السياسي ـ الاجتماعي الجديد، هو الذي يوفر الأرضية المناسبة لتطوير مؤسسة الدولة وتحديث هياكلها الدستورية، وبناء الاقتصاد الوطني ووضع برامج النهوض في مختلف الميادين والمجالات.

فالعرب اليوم ولاعتبارات عديدة ذاتية مرتبطة بالواقع العربي وطبيعة الأداء والخيارات السياسية والاقتصادية، ومستوى العلاقة بين السلطات العربية ومجتمعاتها بكل تعبيراتها وأطيافها . وموضوعية مرتبطة بانكشاف العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه أمام التدخلات الأجنبية، والسعي الحثيث والماكر الذي تبذله كل القوى الدولية والإقليمية للاستفادة القصوى من لحظة الضعف والعجز العربي . أقول أن العرب اليوم ولهذه الاعتبارات، غير قادرين على علاج مشكلات واقعهم سواء على الصعيد الداخلي أو المستوى الإقليمي والدولي . وهذه ( عدم القدرة ) التي تصل لحد العجز الواضح والبين، يلقي بظلاله السلبية والخطيرة على الفضاء العربي بكل مستوياته ودوائره .والذي يزيد الأمر صعوبة وتعقيدا، هو تعدد المشاكل والأزمات التي تواجه العرب اليوم . فما يواجهه العالم العربي اليوم، ليس مشكلة واحدة فحسب، وإنما مجموعة من المشاكل والأزمات،و جميعها يهدد وبشكل أو بآخر الأمن والاستقرار العربيين .. فمن القضية الفلسطينية التي أصبحت قضايا وعناوين فلسطينية عديدة، إلى أزمة العراق التي دشنت باحتلال القوات الأمريكية لهذا البلد العربي العريق، إلى مشروع الحرب على الإرهاب والذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بعقلية الإمبراطور العالمي، الذي لا يعرف إلا أمنه ومصالحه واستقراره . ويدفع بكل الدول إلى تبني خيارات أمنية وسياسية وعسكرية، تفتح الباب واسعا أمام احتمالات المواجهات والحروب الأهلية . إلى ما يجري في لبنان، الذي لا زال يأن من وطأة مشاكله وخياراته وتناقضاته . إلى احتمالات المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية، والمخاطر الكبرى المترتبة على هذه المواجهة .. فالعالم العربي اليوم، يعيش في وضع لا يحسد عليه في مختلف المستويات . وإن استمرار حالة العجز العربي تنذر بتداعيات ومتواليات خطيرة تهدد الفضاء العربي من محيطه إلى خليجه . وما نقوله ليس مدعاة للخضوع والاستسلام، وإنما من أجل معرفة واقعنا وحجم المخاطر التي تواجهنا، وشحذ الهمم لبلورة طرق الخروج من هذه الأزمات والمآزق . فلا يمكن أن نرفع الراية البيضاء تجاه التحولات والأحداث الكبرى التي تجري في منطقة . فالمطلوب اليوم هو :

1/ إعادة بناء العلاقة بين السلطة والمجتمع في المجال العربي على أسس المشاركة والمساواة وصيانة حقوق الإنسان .. لأن تغييب المجتمعات العربية عن الشؤون العامة وصياغة واقعه ومستقبله، أدى إلى تفاقم المشكلات السياسية والأمنية الداخلية، مما أضعف الواقع العربي داخليا وخارجيا .. ولا يمكن مواجهة مشاكل المرحلة وصعوباتها إلا ببناء علاقات إيجابية جديدة بين السلطة والمجتمع في المجال العربي .

2/ الانخراط في مشروع الإصلاح السياسي، والعمل على إنهاء نقاط التوتر القائمة في كل بلد عربي .. والإصلاح السياسي الذي نتطلع إليه، هو ضرورة للحكومات العربية لتوسيع قاعدتها الاجتماعية، وتجديد شرعيتها، وإضافة دماء جديدة إلى مؤسساتها وهياكلها .كما هو ضرورة للمجتمعات العربية حتى تنهي عقود من التغييب والتهميش، وتضبط نزعات التطرف في فضائها وتعيد صياغة أولوياتها بما ينسجم ومقتضيات الاستقرار السياسي ..

3/ إعادة صياغة دور ووظيفة المؤسسات القومية العربية، وعلى رأس هذه المؤسسات الجامعة العربية .. فالعرب اليوم لا يمكن أن يديروا أوضاعهم الإقليمية والدولية، بدون جامعة عربية فعالة وتمتلك القدرة السياسية الفعلية لضبط الخلافات العربية وتطوير وتفعيل كل المواثيق والاتفاقيات العربية ـ العربية ..

فالتحول السياسي المطلوب اليوم عربيا، لا يمكن أن يتحقق بدون إصلاح وضع الجامعة العربية، وإعادة صياغة أدوارها ووظائفها .. وجماع القول : إن العرب اليوم، بحاجة إلى تحولات سياسية جادة ونوعية لإصلاح أوضاعهم الخاصة والعامة، حتى يتمكنوا من مواجهة تحديات وصعوبات لحظتهم التاريخية المفتوحة على كل المخاطر والاحتمالات ..

 

محمد محفوظ

 

محمد محفوظإن الإنسان المسلم اليوم، لا يستطيع أن يمارس خصوصيته بكل جوانبها وأبعادها بدون حريته. فشرط ممارسة الخصوصية، هو أن ينال الإنسان المسلم حريته حتى يستطيع أن يوظف كل إمكاناته وقدراته، نحو العمران والتطوير.

فالمطلوب أن ينال الإنسان المسلم حريته، وهي لا توهب، وإنما هي بحاجة إلى جهد وجهاد، سعي وكفاح، تدرج وتواصل، حتى تتراكم تقاليد وآداب الحرية في المحيطين الفردي والجماعي. فقوة العرب والمسلمين في حريتهم، لأنها بوابة الوحدة والإجماع، كما هي الوعاء الذي يستوعب جميع الطاقات والقدرات. ويرتكب خطأ جسيما ذلك الإنسان أو المجتمع، الذي ينشد أن يجسد إحدى القيم الكبرى للإنسانية بدون الحرية والديمقراطية. فلا وحدة بلا حرية، ولا عدالة اجتماعية بدون حرية، ولا مساواة وتكافؤا للفرص بدون الحرية.  فهي بوابة القيم الكبرى وإكسيرها الذي يمنح الحياة لكل قيم الصعود والتقدم والتطور.

فلتتوجه كل طاقاتنا وجهودنا، صوب إرساء دعائمها، وتوفير شروطها وتنظيم واقعنا ومجالنا السياسي والحضاري وفق هداها ومتطلباتها.

والحرية هي التي تعيد صياغة علاقتنا بمفاهيمنا وأفكارنا. فبدل أن تكون علاقة جامدة، اجترارية، سكونية، تتحول بالحرية إلى علاقة تفاعلية، تواصلية، ابتكارية. لذلك نجد أن القرآن الحكيم، يصرح أن مهمة الإسلام الأساسية، هي إزاحة الأغلال والقيود التي تحول دون ممارسة الإنسان لحريته.. إذ قال تعالى [الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه وأتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون] (الأعراف، الآية 157).

لذلك نستطع القول : أن المنظومة المفاهيمية (المعيارية) في الإسلام، هي بحق تشكل إستراتيجية متكاملة في إرادة التحرر والانعتاق من كل السلط والديكتاتوريات التي تقف حائلا دون ممارسة حق العبودية المطلقة لله عز وجل وحده. قال تعالى [قل أن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين] (الأنعام، الآية 162).

وعلى هدى هذه القيم والمبادئ، نخلق فضائنا الحر، ونمارس حريتنا وتعدديتنا، ونجسد حضورنا وشهودنا، ووقائع وحقائق الدفاع عن حريتنا وحرية غيرنا.

فالحرية لا تعني بأي حال التفلت من القيم ومحاسن العادات والأعراف الاجتماعية، وإنما تعني استخدام إرادتنا والتعامــل مع راهننا بما ينسجم والمثل العليا والضمير والوجدان.

وإن حاجتنا إلى الحريات وسيادة قيم الديمقراطية في مجتمعاتنا، ليس نابعا من مقولة ضرورة التكيف مع الأوضاع العالمية وتوجهها نحو الديمقراطية، وإنما هو نابع بالدرجة الأولى من حاجتنا إلى هذه الحريات، ومن شوقنا الخالد والدائم للديمقراطية، بحيث تبدأ مجتمعاتنا مسيرة اجتراح تجربتها الديمقراطية وتجسيدها لقيم الحرية في دوائرها المتعددة.

فالمطالبة بالديمقراطية، والشعور بضرورتها وأهميتها لواقعنا الراهن، ليس وليد التقليد الصرف للآخرين وأطوارهم التاريخية، بل هو من صميم واقعنا ومسيس حاجتنا إلى هذه الحريات، حنى نتمكن جميعا من الخروج من المآزق الكبرى التي نعاني منها، وتحول دون انطلاقتنا الحضارية.

فقيمنا ومبادئنا وواقعنا ومآزقه العديدة، هو الذي يدفعنا إلى القول بضرورة التزام الديمقراطية كخيار إستراتيجي سواء على صعيد السلطة ومؤسسات الدولة أو مؤسسات المجتمع المدني.

إن الديمقراطية بثقافتها وآليات عملها والمناخ الذي تخلقه على مختلف الصعد، هي القادرة على تفكيك الكثير من العقد والأزمات بأقل خسائر ممكنة. وإن رفض هذا الخيار والنهج، يفاقم من العقد والأزمات، ويدخلنا جميعا في حقبة الانفجارات الاجتماعية والحروب الداخلية، التي لا تزيد أوضاعنا وأحوالنا إلا سوءا وتدهورا.

وحدها الديمقراطية والحريات السياسية والثقافية، هي التي تؤسس لطريق جديد لمعالجة الأزمات من جذورها، وتنهي موجبات ديمومتها بأقل خسائر ممكنة على جميع الصعد والمستويات.

ولا يوجد شيء مهما علا شأنه يعوضنا عن قيمة الحرية. فحينما تتوفر كل أسباب القوة الاستراتيجية والعسكرية والشعبية، دون قيمة الحرية، فإن هذه الأسباب لا تباشر دورها المطلوب، ولا تقوم بممارسة تأثيراتها المنشودة.

فكاريزما جمال عبد الناصر والشعبية العارمة التي اكتسبها، لم يلغ حاجتنا إلى الحرية. والأحداث والتطورات اللاحقة في التجربة الناصرية، أكدت حيوية هذه القيمة، بل إن " الشعور الذي تولد لدى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد الهزيمة،والذي عبر عنه في مناقشات مغلقة ومفتوحة كثيرة. هو أن تحييد الجماهير وإقصاءها عن المشاركة في تشكيل القرار السياسي بالرأي ـ مهما كانت ثقتها في الصفات الاستثنائية لكاريزما عبد الناصر، ومهما كان اقتناعها بسلامة وصحة الاختيار أو القصد الوطني عند هذه الكاريزما ـ قد أسهم بشكل محسوس في إضعاف مركز القيادة السياسية، أمام مراكز القوى التي مارست صراعا على السلطة، استنزف قدرات هذا النظام، وعبث بمقدراته، ودفع به إلى هاوية الإخلال بأول واجبات أي نظام سياسي، ألا وهو الحفاظ على استقلال التراب الوطني (راجع عمرو عبد السميع، أحاديث الحرب والسلام والديمقراطية، ص 15).

مع الحرية والديمقراطية، يبقى مشروع الوحدة ممكنا، وبدونها يبقى واقعنا ممزقا وراهننا متشرذما. ولا علاج لمآزقنا العديدة إلا بالحريات السياسية الحقيقية التي تسمح لجميع القوى والتعبيرات من المشاركة النوعية في إدارة الشأن العام وتطوير الحقل السياسي والمدني الوطني. ومع الديمقراطية والحرية تبقى الأقليات عامل إثراء لمضامين الوحدة على المستويات السياسية والاقتصادية والحضارية.

وبدونها تبحث الأقليات عن مشروعها الخاص، وتتكور في دائرتها الخاصة.فيضيع الوطن الجامع، وتتبعثر مشروعات الوحدة والتوحيد.

وإذا أردنا للأقليات أن تعود إلى فضاء الوحدة ومجال التوحيد، فما علينا إلا إرساء دعائم الديمقراطية ومتطلبات الحريات الدينية والثقافية والسياسية، حتى تتجاوز مشروعاتها الخاصة وهواجسها الذاتية.

فالحرية والديمقراطية هي الوسيلة الحضارية الوحيدة، القادرة على إدماج الأقليات بشكل اختياري وإنساني مع النسيج العام. وذلك لأن الحريات تساهم بشكل أساسي في تنمية المشتركات وتفعيلها والدفع بها باتجاه خلق الوقائع السياسية والمجتمعية المنسجمة وحاجات ومتطلبات القواسم المشتركة.

فالاندماج العام، لا يمكن أن يتم إلا على أرضية سياسية جديدة، قوامها الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون والدستور. وبالتالي فإن عملية الاندماج منوطة في عناصرها الكبرى إلى الأغلبية، حيث بإمكانها عبر الخطوات السياسية الجادة والنوعية نحو الانفتاح وتغيير قواعد اللعبة السياسية، أن تجعل المناخ العام مؤاتيا مع خيار الاندماج الوطني العام.

فالتقدم السياسي باتجاه الحريات، هو الذي يعالج مشكلة الأقليات. بمعنى أن عدالة العلاقة وديمقراطيتها بين الأغلبية والأقلية، هو الذي ينهي العناصر النابذة والنافرة في العلاقة بين الطرفين.

ولا نعدو الصواب حين القول : أن هذه العملية بحاجة إلى تكريس قيم الحرية والعدالة في الفضاء الاجتماعي.. وذلك لأنه إذا توفرت الحريات العامة، توفر المناخ الملائم لتعبئة طاقات المجتمع، وبلورة كفاءات نخبته، وازدادت إبداعاته ومبادراته، وكل هذه الأمور من القضايا الحيوية لصناعة القوة في الوطن.. ويخطأ من يتصور أن الإقصاء والنفي والقهر والاستبداد كأنماط، هي القادرة على خلق المواطنة الصالحة وحالة الولاء إلى الوطن.. إننا نرى ومن خلال التجارب التاريخية العديدة، أن الحرية والشفافية وسيادة القانون والمؤسسات الدستورية، هي الكفيلة بتعميق حس المواطنة الصالحة.. فشعب الولايات المتحدة الأمريكية، أتى من بيئات جغرافية متعددة، وأطر عقدية ومرجعيات فكرية وفلسفية متنوعة،ولكن الحرية بكل آلياتها ومجالاتها ومؤسساتها، وسيادة القانون والمؤسسات الدستورية، هي التي صهرت كل هذه التنوعات في إطار أمة جديدة وشعب متميز..

وحدها الحرية التي تعيد الاعتبار إلى الذات والوطن، وتعيد صياغة العلاقة بينهما، فتنتج وعيا وطنيا صادقا، يحفز هذا الوعي على الدفاع عن عزة الوطن وكرامة المواطنين. فالاستقرار السياسي والمجتمعي يتطلب باستمرار تطوير نظام الشراكة والحرية على مختلف الصعد والمستويات، حتى يتسنى للجميع كل من موقعه خدمة وطنه وعزته. وأن القواسم المشتركة المجردة بوحدها لا تصنع وحدة، وإنما هي بحاجة دائما إلى تنمية حقائق وحدوية ومصالح متداخلة، حتى تمارس هذه القواسم المشتركة دورها ووظيفتها في إرساء دعائم الوحدة وتوطيد أركان التوافق.

وفي منظورنا وتقديرنا، أن فعل التواصل المستديم، هو الذي يحرر الوعي الوطني والثقافي من كل التشوهات والأوهام التي تغذي حالات القطيعة والإقصاء.. ولا تواصل فعال ودينامي، بدون تسويد قيم الحرية والنقد والتسامح.. ففي كنف الحرية وثقافة الحوار والتسامح، تذوب الفروقات والاختلافات، وتتبلور وظيفتها الحضارية في إثراء المعرفة والواقع، وإنضاج خيارات عديدة للرقي والانطلاق.. وفي رحاب النقد البناء تنمو المعرفة، وتزدهر مواطن الإبداع، وتثرى مصادر التجديد والتطوير في الأمة والوطن.. من هنا فإن الإنصات الواعي والعميق لكل الآراء والأفكار والإبداعات، بجعل وعي الاختلاف وعيا جماليا كتنوع أغصان الشجرة.. ومهمة المنابر الإعلامية في هذا الصدد، احتضان الجهد الإبداعي والنقدي، وتعميق آفاقه ومتطلباته في المحيط الاجتماعي.. كما أن الوظيفة الجوهرية للقارئ والنخبة، هي أن تفتح عقولها وتوفر الاستعداد النفسي اللازم، للقبول بخطاب النقد والإبداع.. ومن الضروري أن يدرك الجميع أن المشاكل في حد ذاتها لا تنشأ من وجود الاختلاف، ولا من وجود أنظمة للمصالح مختلفة، بل تنشأ من العجز عن إقامة نظام مشترك أو من تخريب هذا من بعد إيجاده. وحوار النخب ينطلق من الاعتراف بالآخر كما هو شريكا مختلفا مع احترام هذا الاختلاف وفهم أسبابه واعتباره حافزا على التكامل لا داعيا إلى الافتراق، وقدرة نفسية وعملية تتطلب رؤية الذات من موقع الآخر، وقدرة على فهم الآخر بلحاظ اعتباراته ومعاييره الخاصة. فحوار النخب من الأطر الهامة لاستيعاب عملية النقد والمراجعة، والانطلاق نحو تصحيح الأوضاع وتقويم الاعوجاج.. كما أن هذا الحوار من الخطوات الجوهرية التي تساهم في تأسيس نظام مشترك وصيغة فعالة للتنسيق والتعاون..

وإننا نعتقد وبشكل عميق، أن قوة المسلمين الحقيقية ليس في ثرواتهم الطبيعية أو مناطقهم الإستراتيجية أو قوتهم العسكرية، وإنما في حريتهم، وقدرة الجميع لممارسة دوره والتعبير عن رأيه وصياغة واقعه العام على أساس الشورى والحرية.. وحينما تغيب الحرية، لا يتمكن المسلمون من الاستفادة من كل عناصر القوة الموجودة لديهم..وهذا هو المأزق الحقيقي الذي يعانيه المسلمون اليوم. حيث لديهم الكثافة البشرية والثروات الطبيعية الهائلة والموقع الإستراتيجي المتميز، ولكن كل هذه العناصر الحيوية، لا يستفاد منها على أكمل وجه، من جراء غياب الحرية وسيادة نزعات الاستبداد والاستفراد بالرأي والقرار في واقعهم وفضائهم..

وجماع القول : أن الحرية هي بوابة الخير لكل المسلمين وعلى مختلف الصعد والمستويات. ومن يبحث عن قوة المسلمين، فعليه إعطاء الأولوية لمقولة الحرية في حياة المسلمين. فهي منبع القوة الحقيقية للمسلمين، والقادرة على إعادة توازنهم التاريخي واجتراح فرادتهم الحضارية..

 

 محمد محفوظ

 

فلسفة الثقافة تخضع إلى حد كبير الى أساليب التنمية الثقافية، وهي "فلسفة" توضح النظريات الثقافية المختلفة، وتعبر عن المسافة بين المعتقدات التقليدية وظواهرها ومن ثم تطويرها. ظهرت في سياق التغيرات الاجتماعية والسياسية في مطلع القرن 19 والـ 20 في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها. مثقفون مثل سيميل Georg Simmel وفاليري  Paul Valéry تساءلوا أو رفضوا النظريات المتعلقة بمفهوم الثقافة في الفلسفات المثالية، وخاصة تلك الخاصة بهيغل وكانت، بسبب ملايين القتلى وفقدان عام للقواعد الانسانية والاخلاقية. اليوم، ووفقا للدراسات الصادرة في عام 1980 توضح مدى ارتباط الفلسفة الثقافية بالدراسات الثقافية والمجتمعية، وتبيّن نأي ممثليها اي "الفلسفة المثالية" بأنفسهم وقصور دراستهم لعلوم الفلسفة ذاتها.

تحدث بعض النقاد المهتمين بالشأن الثقافي في ذلك الوقت بما فيهم أوزفالد شبنغلرOswald Spengler عن نهاية الثقافة. معظمهم تبنى برنامجا مثاليا للنقد، مرتبطا بأفكار القرن التاسع عشر. الهدف من هذا البرنامج في ذلك الوقت كان هو البدء بإصلاح الفكر الفلسفي على نحو: تكييف النظريات الفلسفية مع احتياجات الناس والمطالب العلمية. على أن الثقافة هي هيكل مختلف عن "عوالم الوجود" التي تتكون من منتجات مؤهلة للفنون والعلوم، أيضا الادعاء بأن "الأشخاص ذوي الثقافة" قد طوروا استخدام هذه المنتجات.

فقدت هذه الفكرة عموميتها من خلال أحداث الحرب والتغيرات الاجتماعية والسياسية السابقة واللاحقة. في بداية القرن العشرين، بدأ فلاسفة الثقافة في اعتبار الثقافة مهمة مشتركة لجميع الناس. والأشكال التعبيرية للثقافة جزءاً من المنتجات المتغيرة وهياكل العمل المشترك. وكان يُنظر إلى الثقافة على أنها كيان ديناميكي"كمجموعة من التفاعلات" التي ينتجها البشر معا وتخدم الفرد في التوجه نحو الحياة. بمعنى ما يعرف اليوم في مفهوم "العلاقة الغريبة" بين الفرد والمجتمع هي "الثقافة"، والمكوّن يشكل حقيقة مشتركة.

الانتقال إلى هذا التفكير الوظيفي حول الثقافة، وما آل الى فهم ذاتي للفلسفة الثقافية، انعكس في النظريات التي لها تأثير مبتكر على الدراسات الثقافية. السمة المميزة لهذا التحول النقدي للظواهر الثقافية، كان مطلوبا من الناحية السياسية التي افرزها الثلث الأخير من القرن التاسع عشر الذي شهد تغييرات سياسية متوافقة مع الميول والتعلق الطائفي في سياق الوحدة الالمانية وتوجه الناس نحو "فلسفة شعبية" تأثرت بتنوع الأفكار المثالية الكانتية والهيجلية والرومانسية. أيضا أفكار النصف الأول من القرن العشرين بعد الحرب العالمية الثانية. وتعد أوقات "الاضطرابات" ذات أهمية ثقافية - فلسفية أو ثقافية - علمية. يحتوي قسم منها على بعض ردود الفعل والظواهر التي ظل على متابعتها الفلاسفة أو العلماء.

يصف المؤرخون اليوم الحرب العالمية الأولى بأنها نهاية حقبة تاريخية تتميز بالقوة الاجتماعية والسياسية للإمبراطورية وأيديولوجياتها. ونتيجة لتلك السياسة والتجاوز على الدستور يمكن للمرء أن يفهم الفشل في الحرب والثورات، او تميُز عدم صلابة المؤسسات والمصالح والأفكار دليلًا على الهشاشة خلال العهد الإمبراطوري السائد آنذاك.

الحرب العالمية الأولى التي بدأت في 1914 انتهت بعد اربع سنوات في 11 نوفمبر 1918، بأكثر من تسعة ملايين شخص فقدوا أرواحهم، وأصيب 20 مليون شخص، و25 دولة كانت قد شاركت في الحرب مع حوالي 1.4 مليار نسمة، كان هذا حوالي ثلاثة أرباع سكان الكرة الأرضية. واصبحت آثار الحرب الخاسرة على السكان الألمان وخيمة، والقى بموجب معاهدة فردان"Verdun" الإنجليز والفرنسيون والبلجيك باللائمة للكارثة على ألمانيا والنمسا والمجر.

جادل المثقفون في ألمانيا زمن الحرب فيما إذا كانت حربا "عادلة" أو "غير عادلة". واعتبر الفيلسوف الالماني ماكس شيلرMax Ferdinand Scheler  بانها حرب عادلة لأنها تدور حول السياسة الصحيحة. وهو يشير إلى ميل الإنجليز إلى إساءة فهم "الجودة الروحية" للمفاهيم الفلسفية المركزية عن طريق"أخطاء الفئة". فيما اعتبرها جورج سيميل في كلمة ألقاها في عام 1914 بما معناه حرب "توحيد الوحدة الألمانية"، التي نُسفت جميع مقوماتها في جميع أنحاء ألمانيا منذ عام 1870. هكذا كان "طوق الخيال" موضوع شائع الاستخدام في النقاش حول الحرب. سيميل، الذي تحدث أيضا في كلمته عن المدى غير المقبول لهذه الكارثة، اختار "أطروحة الحرب" عاملاً هاما من شأنه أن يحدث التغيير إلى ولادة "انسان جديد".

كرد فعل جمع المثقفون بعد الحرب بين شروط الحياة والفكر ومصطلحات مثل "اختفاء الألفة العالمية" ماكس فيبر Max Weber، "أزمة العقل" بول فاليري، "العالم المنسي" جورج لوكاش  Georg Lukács، "فقدان العالم للأفكار القديمة" و"تدهور الغرب" أوزفالد شبنغلر  Oswald Spengler، "إتساع التشرد" الكانتيين. وضح جورج سيميل أن جيله يقف على حافة الهاوية بين الأمس والغد، بين الميتافيزيقيا أو المثالية وفلسفة ما زالت غير معروفة من شأنها ان تعيد صناعة إنسان جديد. وكاد بول فاليري غير قادر على وصف الحالة الراهنة لأوروبا بالقول: اننا نعاني من ان ثقافتنا تموت، وانها لم تعد تشبه نفسها. وأشار قدامى المحاربين في الحرب إلى فكرة "حمل السلاح" الى انها انتصار الحمقى، وحذروا من أن الدوغماتيين من أي اتجاه يشكلون خطرا دائما بالحرب.

يلخص الفيلسوف الالماني المعاصر "رالف كونيرسمان" Ralf Konersmann خصوصية "الفلسفة الثقافية" ومفهوم التطرف بالقول: انهما أمران مفهومان، إذ شكلا رد فعل فكري عنيف وتحديا للفلسفة والعلوم. يلخصان التراجع الثقافي المؤسف ورفض فكرة الحقيقة في العلم. بيد ان الفهم السائد للعلوم في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، توافق مع تعامل المثقفين وعلماء العلوم والفلاسفة في كيفية معالجة "مأساة الثقافة" أو "سقوط الغرب"، أيضا مع كيف يمكن للناس التكيف في المستقبل مع الأحداث. وتم تطوير النظريات الثقافية التي افرزت فرص بداية ثقافية جديدة لمواجهة الأزمة الثقافية وتحديد إجابات على آراء بعض المؤلفين والمفكرين.. وبالتالي فهما، اي فلسفة الثقافة والتطرف، تبعا لاستنتاج الدراسات الثقافية، قابلتان، للتغيير وليستا ثابتة المنهجية والتفسيرات التحليلية والعقائدية او التقارير التاريخية ومفهوم الأنثروبولوجيا الثقافية.

 

عصام الياسري

 

عبد الوهاب البراهميبداية "القصّة" غواية وإغراء، ثمّ كان ما كان.. فيما يروى من حديث السّماء أنّ الأصل في الإنسان نقصان التّمام. هو آدم، مفضّل الكائنات والمعظّم في الخلق سجودا، لم يمنعه عقله وعلمه بالأسماء من "السقوط". ترصّده الشيطان بمكرَ الحاسد فأغواه، وأغراه أن يكون مَلِكَا متحكّما وأن يقيم في الخلد، في اللذّة الدائمة للنّعيم، فنسي الكلمات ولم يكن له عزما، فانساق نهمًا للحياة: إغراء السلطة وغلبة الموت. أكل من المحظور ثمرة، ظاهرها الجنّة وباطنها العذاب، فانكشف له الضعف والنقصان. لتبدأ رحلة كائن قلق، من نفسه وعن نفسه. لقد ولد الشرّ مكثّفا، في شخصيّة رمزية هي "الشيطان" وتأسّست عداوته للإنسان، أوّل علاقة تهدّد الإنسانيّ في " نزوعه إلى الألوهيّ، في براءته ونقاءه الفطريّ. لقد أعلنت العداوة في فعل الغواية والمكر. وتأسّس الوجود مع "آخر" شيطاني، في أفق صراع أبديّ. أو لم يلازم خلق الإنسان "جدلا" وتحفّظا بل وعصيانا؟ !!. وكان خلق آدم "حدثا سماويّا" أعاد ترتيب المقامات والعلاقات بين الموجودات. وكان "الأمر الإلهي بالسجود" لهذا المخلوق الجديد، قولا تأسيسيّا فارقا للخير والشر، ولثنائيات: النّعيم والجحيم، والملائكة والشياطين، والثواب والعقاب... لقد وقف آدم/ الإنسان أمام مسؤوليته، حينما شهد " الأمر بالسجود له" وما تبع ذلك من حوار سماوي بين الإله والملائكة والشيطان وما أفضى إليه من طاعة وعصيان.. لقد شهد آدم / الإنسان في هذا الحوار حدّ هويّته ومنزلته، وتعرّف على عدوّه ومنازعيه في مقام " التفضيل"، وانكشفت له السبل متفرّقة، في امتحان الإرادة، في القدرة على الطاعة والعصيان. لقد أُريد للإنسان أن يريد، في علم الإله التام أن يقع في "الغواية" لينكشف لذاته قدرة على الاختيار، قدرة على" الطاعة أو العصيان"، عصيان الأمر الإلهي أو امتثالا له. لقد نشأت الحريّة في امتحان "الغواية"، وحمّل مسؤولية  الأمر بالطاعة والنهي عن " تلكم الشجرة" . امتحن الإنسان في " نقصانه"، في الرغبة والنزوع إلى اللذة وفيما يملك من " أسباب القوّة " عقله وعلمه بالأسماء. ووضع آدم/الإنسان في مواجهة أمام نفسه وأمام " شرّ شيطانيّ". إنّ بداية الإنساني حقّا في الحريّة، في مواجهة مصيره أمام "الشيطان" حدّا من حدود الحرّية، من علاقة العداوة معه أو "الولاية " والطاعة. ويجد فيه الإنسان أيضا حدّا لإنسانيته ولا إنسانيته أيضا. يقف الإنسان قبالة" الشيطان" بموجب أمر إلهي: أن يكون الإنسان وأن يكون الشيطان، وبحكم " قرار شيطاني": إعلان الحرب على الإنسان وانتزاع الاعتراف بأفضليته عليه لا بحكم المنزلة من الإله فحسب بل بحكم الأصل أيضا: النّار أو الطين. لقد "أدرك" الشيطان أو "أحيط بعلمه" مواضع الضعف في الإنسان، كونه من طين وللطين شغف بالماء، فكان امتحان " الرغبة" بوصفها شغفا أو نقصانا. وجسّد " الشيطان" هذه الدلالة القصوى للشرّ في التمرّد على الأمر الإلهي واعتراضه على "تفضيل"الإنسان ورفضه الاعتراف به. ليخطّ "لنفسه" وجودا موازيا للوجود الإنساني" ذاتا شيطانية " قبالة " الذات الإنسانية" ، آخر نقيضا، مدشّنا بذلك بعدا للصراع الإنساني مع القوى الخارجية، الخفيّة. غير أن الشيطان بإغوائه الإنسان مكرا وعداوة كشف له تناقضه معه وتناقضه مع الطبيعة أيضا حينما دفعه "بميل الرغبة" على أن يتّجه إلى الأشياء، إلى ورق يلبسه، وطفق يحجب عريه خجلا من جسدانيّة لم يلق لها آدم من قبل بالا. انبجس لديه الوعي بجسدانيته، قلِقٌا خائفا وبدأ يتولّد وعيه بإنيته في التجربة وبها؛ في تجربة الحسّي والغريزيّ، أكل التفاحة والتغذّي من الأشياء.. وكشفت "التفاحة" عالم الأشياء حوله وأدرك اختلافه عنها "شيئا " لا كالأشياء. اكتشف الإنسان قدرته على الأشياء وأثر الأشياء عليه: "التفاحة" موضوعا يغريه بوصفه كائنا جسدا حاجيّا، وجسدا شهوانيّا، جنسانيّا، في وعي قلق "بالسوءة"، مسكنا للرغبة، وفي وعي بالآخر موضوعا شهوانيا وموضوعا للمتعة: حوّاء بوصفها آخر،"غيره"، كائنا "جسدا آخر". لقد انكشفت حوّاء وهي بعض منه، شبيها، ونقيضا. وولد التناقض من رحم الوحدة، ونشأ الاختلاف. لينشأ منه وبه جدل الوجود الإنساني سماويا، أوّلا في تجربة الخجل من الآخر شبيها ومختلفا، خجل آدم من نفسه، ومن غيره، حوّاء (إنكشاف " السوءة" وفعل "سترها "بورق الجنة")، ثمّ في صراع آدم / الإنسان مع نفسه، مع رغبته وهواه وفي صراعه مع "الشيطان".. ليدشّن بذلك ربما مسار تجربة أخلاقية ستفضي إلى " فعل التوبة"، إلى العفو والغفران الإلهي ، ولينكشف " الإلهي بذلك " أفقا " للخلاص" ، للراحة الأبدية، وللسعادة. لقد تبيّن آدم الإنسان، في القول الإلهي (أمرا ونهيا) " الرشد" من " الغيّ" وانكشف له سبيل الخير والشرّ، قيمة مطلقة، لتنشأ لديه " المسؤولية الأخلاقية" للفعل ، بوصفه " فعلا حرّا" يقوم على وعي بذاته، كائنا متميّزا " بالعقل" أساسا للعلم بالأسماء ، " مخلوقا" قائما بذاته ، مدركا لمنزلته كموجود، قادرا على " العقل " ،قدرته على " الجنون" ، على الطاعة والعصيان ، " مسؤولا " و"هشّا" في آن واحد. يتراوح وجوده بين "الألوهي والحيواني"، بين نوازع الخير ونوازع الشرّ، بين الواجب والرغبة ، وفي هذا التراوح يكمن أساس الصراع الأخلاقي مقوما للتجربة الأخلاقية. إنّ وعي آدم/ الإنسان بـ " التناقض" القائم في بنية وجوده وفي وجود العالم حوله، قد ولّد لديه وعيا " بكوجيتو" أوّلي، تأسيسي تجسّد  لغويا في قول "الشهادة"، في صيغة المتكلّم الفرد الكوني" (أنا) أشهد ". " شهادة" تعني الاعتراف " بالوحدانية"، بالألوهية، وبالتالي تثبيتا وتأكيدا "للإنسانية" كذات قبالة الآخر " المطلق" ؛ إعترافا بالمقدّس، مطلق المعرفة والقدرة، فوق ـ إنساني، قبالة " إنسان" محدود، يدرك كمال إنسانيته ومنتهاها بالسعي والكدح إلى هذا المقدّس؛ إعترافا يترجمه "عمليا " في" التجربة الدينية" بوصفها "تجربة عبادة" لا استعباد، فيها إقرار بالعبودية للربّ الواحد، وترجمته في ممارسة "الطقس" الديني، رمزا لهذه  العبودية لإله يدين له آدم / المخلوق بالوجود وبالتميّز بل وبالـ"تكريم" على سائر الخلق. ولقد حمّل " آدم/ الإنسان" " أمانة" العقل، و" سلطة اللغة"،  بالعلم بالأسماء، علما هو أصل كل علم، فالاسم بيت الموجود، ولا شيء خارجه بالنسبة إلى الإنسان، حتى الإله ذاته. إذ سمّى نفسه بأسماء عديدة تفصح عن " شيء " من حقيقته بالنسبة إلى الإنسان. وذلك من أجل أن يدرك هذا الإنسان أنّ الطريق إلى المعرفة بكل شيء، بالإنسان بالعالم وبالإله، تمرّ عبر اللغة وسيطا بوصفها نظاما رمزيا متنوّعا تنوّع الوجود الإنساني. لقد تفوّق الإنسان بامتلاكه العلم بالأسماء، باللغة، على نفسه وعلى الطبيعة والعالم حوله، بل وصار سيدا عليها بقدرته على التمثّل والترميز ومن ثمّ التعبير عن كل شيء. بنا لنفسه عالما موازيا للعالم الكوسمولوجي، عالما رمزيا يسكنه ويقيم فيه كائنا حاملا لوجوده المتذهّن، والمُمَعّن. إنّ أصل الاعتراف السماوي بالإنسان كائنا متميّزا والأصل في تفضيله هو امتلاكه اللغة. ألم تسجد الملائكة لآدم حينما شهدت قدرته على "أن ينبئها بأسماء " ما عرض عليها من المسمّيات، وكشف آدم / الإنسان عن قدرة على "التعلّم"، على الحفظ والتمثّل والتصوّر والتذكّر..، وعلى المعرفة. لقد حمّل الإنسان دون سائر الخلق مسؤولية المعرفة بوصفها أداة تحرّر، ومواجهة لكل ما من شأنه أن يعيق الإنسان عن الفهم وإدراك المعنى.. وبالتالي تحقيق إنسانيته كائنا عاقلا أو ذو عقل. وبقدر ما تميّز الإنسان في البدء بقدرته على " التعقلّ" والفهم وبالتالي على المعرفة، تميّز أيضا بالجهل والنسيان. وذلك حتى يدرك منزلته الإنسانية " كنقصان"، قبالة الإله كامل المعرفة والقدرة. وحتّى يكون في وضع "امتحان" التذكّر، وامتحان النسيان استكمالا لحريته ومسؤوليته. ذلك أن النسيان باب للشيطان في غواية الإنسان. ولكنّه باب للرحمة والغفران. من حيث هو ضعف وقدرة في آن واحد: ضعف يعني محدودية الإنسان وقدرة تعني إرادة المواجهة لهذا الضعف بالذات.  فليس الإنسان شرّيرا مطلقا ، بل هو الشرّير غوايةً . يشهد حضور " الحية" في "تجربة الغواية " لآدم، في دلالتها الرمزية الإلغازية،  بذلك . كان هناك إذن ما يدعو إلى " السقوط" ، إلى الخطأ، أي ما يبيّن هشاشة المنزلة الإنسانية ، وضعف الإنسان وجدانيا وما يكشف عن " مشهد للخلق " لم يكن لآدم قدرة على فهمه.

لقد خلق الإنسان على " أفضل تقويم" أريد له كإنسان. واستخلف في الأرض ليصنع جنّته التي أخرج منها بما حمّل من أسباب القوّة والضعف أيضا. لقد كان آدم / الإنسان الأصل والبداية وبه تكون النهاية. فلا معنى لوجود لا يحمل الإنسان معناه ، ولا "مفرّ من المعنى مادام الإنسان حاضرا في العالم".

 

عبد الوهاب البراهمي

 

كاظم لفتة جبرتكثر الأحاديث عن الجمال والجميل وتعدد وظائفه وغاياته، وتتداخل مفاهيمه وتمثلاته، فالوعي الإنساني منصهر مع كل ما هو جميل وجذاب، لكن يتفاوت فهم الجمال من خلال غايته التي يسعى لها الإنسان، والغاية وليدة الحاجة، الجمال يجب أن يكون ظاهراً للإدراك الحسي حتى يعرف ويتم التفاعل معه، وحسب هذا يجب أن يكون كل شيء ظاهراً، فهل هذا ينطبق على الجسد الإنساني، أن القيمة الجمالية التي يتجلى بها جمال الجسد الإنساني كما هو معروف العفة، وكمصطلح تدل العفة على إخفاء الشيء سواء كان هذا الشيء جميلاً أو يحتوي  نقصاً، أو هي الامتناع عن الملذات والشهوات، فترتبط العفة بالشيء الجميل وهو يكون محسوساً ومدركاً، لأنه مادي، والمادي متجسد وظاهر للعين والحواس الأخرى، فيستدعي تناول العفة كمفهوم جمالي متلصقاً بالجسد وتمظراته، فحتى يعرف الجسد بالجمال يحتاج أن يكون ظاهراً للعين والحواس الأخرى، والعفة كفعل مادي تغلف الجسد باللباس والحجاب، والعفة كفعل روحي تنهي الإنسان عن فعل العيب والحرام، فالعيب مرتبط بالعرف المجتمعي، والحرام مرتبط بالبعد الديني، لذلك يقال جمال الإنسان أو الانثى أو المرأة في عفتها، اي في ستر نفسها، وحجب جمالها عن الآخرين، لكن هذا كمفهوم يتعارض مع الجمال كجمال خالص بعيدا عن الأخلاق والدين، وليس مع الجمال كدين، أو عرف، أو سلوك مباح، وبما إن مفهوم الجمال متعدد ومتفاوت بين الأفراد والمجتمعات،ومن حيث الزمان والمكان، ففلسفة الجسد تنطلق من الفكر والوعي الذي يحمله الفرد فكل ما كان الإنسان ذات وعي تشبث بالمعقولات، وإذا تدنى وعيه ينصهر بالمحسوسات،كما أن هذا يبقى متفاوت بين الأفراد كلاً حسب بيئته ووعيه، فالعفة مفهوم يرتبط بالماديات وهي الاخفاء والحجب، وفي الأفعال والروحيات بالمنع والنهي، فما كان جميلاً ترقى به إلى الجلال، وما كان قبيحاً تجمله وتستره، فمع تطور التكنولوجيا وأصبح الظهور هو الشيء الجميل بالنسبة للمجتمع الرقمي وعصر الالكترونيات، نرى توجه الإنسان نحو الجسد والاهتمام به وإظهار مفاتنه ومزايا، كحاجة عصرية لمتطلبات الجميل لدى الأفراد، مع وجوب ظهور الجسد كإعلان عن الجميل وتسويقه، لكونه أصبح الجمال مادة تجارية تسويقيه، فأصبحنا نرى الجمال المبتذل الذي يستخدم الإثارة للظهور وليس العفة، فالمجتمعات المادية نرى أن الجمال يرتبط مع الاثارة، والمجتمعات الروحية يرتبط الجمال بالعفة، وهذا ليس معيارا، اذ أن هذا التماهي لا يعني هناك مجتمع على صواب واخر على خطأ، بل كل ما في الأمر يعود إلى مرجعية الوعي الجمالي لدى المجتمع، كما ان إظهار الجسد ومفاتنه مرتبط بالفعل .

 

كاظم لفته

محمد محفوظثمة معادلة اجتماعية وسياسية في كل المجتمعات المتعددة والمتنوعة.. ومفادها الجوهري هو أنه حينما تغيب قيمة المواطنة وتتراجع أنظمتها وإجراءاتها ومتطلباتها تبرز على كافة المستويات مسألة الأقليات والتنوعات الأفقية والعمودية الموجودة في أي فضاء اجتماعي وثقافي..

لذلك فإننا نرى أن الخطوة الأولى في كل المجتمعات المتنوعة، لإنهاء ظاهرة الأقليات والهواجس المرافقة لها، هو إبراز قيمة المواطنة وجعلها هي مصدر الحقوق والواجبات، والمعنى القانوني والدستوري الذي ينظم العلاقة بين آحاد المجتمع المتنوعين في أصولهم الأيدلوجية أو القومية أو الأثنية..

وإن المجتمعات التي برزت فيها إشكالية الأقليات، بوصفها من الإشكاليات التي تحول دون انجاز مفهوم الوحدة الطبيعي في المجتمع والوطن الواحد، هي تلك المجتمعات التي لم تعمل على صياغة مشروع وطني متكامل قادر على استيعاب كل التنوعات الموجودة في المجتمع..

فالأطلس الأنثروبولوجي يشير بشكل لا لبس فيه، أن كل المجتمعات الإنسانية المعاصرة، تحتضن تنوعات وتعدديات أفقية وعمودية فإذا اتفق أبناء المجتمع في الدين، تنوعوا في المذاهب والمدارس الفقهية.. وإذا اتحدوا في الدين والانتماء المذهبي تنوعوا في الانتماء القومي أو العرقي والأثني..

ولعلنا لا نتجاوز الحقيقة حين القول: أن كل المجتمعات العربية والإسلامية الحالية، تعيش حقائق التنوع والتعدد.. وإن هذه الحقائق، تفرض طريقة حضارية في التعامل مع هذه الحقائق.. وإن هذه الطريقة الحضارية قائمة على صيانة وحدة هذه المجتمعات والأوطان من خلال الاحترام والحماية القانونية لحقائق التنوع والتعدد.. وإن غياب هذه المقاربة الحضارية في التعامل مع حقائق التنوع في الفضاء الاجتماعي والوطني، يفضي إلى بروز مشكلة الأقليات، وكأنها مشكلة مناقضة للوحدة الاجتماعية والوطنية..

ونحن في هذا السياق نعتقد أن وحدة المجتمعات المتنوعة دينيا أو مذهبيا أو قوميا أو عرقيا، هي تلك الوحدة المبنية على احترام مقتضيات التنوع وصيانة هذا التنوع وحمايته قانونيا.. دون ذلك ستبقى الإشكالية قائمة، ولم يتمكن أي مجتمع إنساني، من فرض نمط لوحدته الاجتماعية بعيدا عن حماية التنوع..فالوحدات الاجتماعية والسياسية، لا يمكن أن تنجز على أنقاض تدمير كل حقائق التنوع الموجودة في المجتمع.. ونعتقد أن الممارسات التي تستهدف تدمير حقائق التنوع، هي ممارسات مضادة للوحدة، كما أنها مضادة للأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي..

وثمة تجارب سياسية واجتماعية عديدة، تثبت صحة ما نذهب إليه.. فالمجتمعات التي تبني وحدتها بالقهر والقسر، سيتشبث كل الناس بخصوصياتهم الثقافية والحضارية الخاصة بهم.. أما المجتمعات التي تدير حقائق التنوع بعقلية حضارية، فإن هذا التنوع سيشكل إضافة نوعية وحقيقية للمجتمع بدون الإضرار بالوحدة ومتطلباتها ولوازمها الضرورية.. وعليه وفي زمن انفجار الهويات الفرعية التي تشهدها المنطقة العربية، نود التأكيد على النقاط التالية:

1- من الضروري للجميع رفض مشروع بناء الدول العربية والإسلامية بمقاس الهويات الفرعية..لأننا نعتقد أن سقوط الواقع العربي في هذا سيؤدي إلى تدمير المجتمعات العربية من الداخل.. وعليه فإننا نعتقد وبالذات في المجتمعات المتنوعة، أن بناء الدول الأيدلوجية والمذهبية، سيؤدي إلى تنمية كل أسباب وعوامل الصراع في الفضاء الاجتماعي والسياسي..

صحيح إننا ندعو إلى احترام وصيانة وحماية كل حقائق التنوع والتعدد، إلا أننا في ذات الوقت ضد أن تتشكل الدول والسلطات على هذه القاعدة المذهبية الضيقة..

نريد دولا عربية لكل شرائح المجتمع وحقائق التنوع فيه، وضد كل نزعة لتشكيل الدول والسلطات بمقاس كل حقيقة من حقائق التنوع والتعدد..

ونعتقد أن بروز هذه النزعة في العالم العربي، سيؤدي إلى نتائج كارثية على مستوى الأمن القومي العربي، وعلى مستوى الانسجام الاجتماعي وعلى مستوى العلاقة الإيجابية بين كل المكونات والأطياف الموجودة.. فالدول لا تتشكل بمقاييس الانتماءات المذهبية أو العرقية الخاصة، وإنما تتشكل بمقاييس المجتمعات الكبرى وكل تعبيراتها ومكوناتها.. فالأوطان تسعنا جميعا، وأي جهد أو نزعة لبناء الأوطان بمقاس الانتماءات، ستدمر الأوطان، ولن يتحقق بناء الأوطان بمقاس هذه الانتماءات الضيقة..

وعلى كل مكونات المجتمع أن تدرك إن الإنسان فردا أو مجتمعا، قادر على العيش في وطن بحقوق منقوصة، إلا أنه غير قادر على العيش بلا وطن.. هذه الحقيقة ينبغي أن يدركها الجميع، ويعمل الجميع من أجل حماية أوطانهم، مهما كانت الصعوبات والمشاكل..

2- ثمة حاجات عديدة وماسة، تدفع كل الدول العربية اليوم، للعناية والاهتمام اليوم بتنمية حس المواطنة في كل المجتمعات العربية.. لأن بروز الهويات الفرعية بكل حمولتها الرمزية والاجتماعية، مع غياب أو ضعف حس المواطنة سيفضي على المستوى الواقعي إلى وجود أكثر من مجتمع تحت سقف الوطن الواحد.. لن نتمكن من ضبط نزعات الهويات الفرعية، بدون تنمية حس المواطنة، بوصف حقائقها ومتطلباتها، هي التي تتمكن من ضبط نزعات الهويات الفرعية..

لذلك ندعو كل مجتمعاتنا للتفكير الجاد في بلورة مشروعات وطنية حقيقية، تستهدف بالدرجة الأولى تنمية حس المواطنة الواحدة والإعلاء من قيمة المواطنة في الفضاء الاجتماعي، حتى لا تتحول نزعات الهويات الفرعية إلى البديل..

ولن تتمكن مجتمعاتنا من مواجهة مخاطر التقسيم والتجزئة والتفتت إلا بخيار المواطنة الفعلي، الذي يوقف الانهيار، ويحول دون بروز هذه النزعات التي لا تنسجم ومقتضيات المواطنة والوطن الواحد..

3- من يبحث عن الحماية وصيانة مكاسبه الوطنية، فليس لديه إلا الوطن والمواطنة لإنجاز مفهوم الحماية ولمنع حالة التفتت من جراء متواليات الهويات الفرعية..

ومن يبحث عن حقه المفقود، لا يمكن الحصول عليه بتدمير وطنه أو إضعافه.. فكل الحقوق المفقودة، لن يحصل عليها الإنسان بدون حماية وطنه وتنمية حس المواطنة في فضاءه الاجتماعي والوطني..

ومن يراهن على هويته الخاصة لبناء مصالحه على هذا الأساس، فإنه سيعاني الكثير من المشاكل..

لهذا كله فإننا ندعو إلى تعزيز خيار المواطنة، ومن خلال هذا الخيار يتمكن الجميع من الوصول إلى غاياتهم وأهدافهم المشروعة..

من هنا ينبغي لنا جميعا أن نصون أوطاننا وننجز مواطنتنا، ونرفض التفكير في مصالحنا بعيدا عن مصالح الوطن الذي يجمعنا جميعا..

فالوطن هو خيارنا الذي لا نحيد عنه، والمواطنة هي سبيلنا لإنجاز وتحقيق ما نصبو إليه..

 

محمد محفوظ

 

 

علاء اللامياقترن اسم المتنبئة والكاهنة المسيحية سُجاح التميمية التغلبية باسم مدعي النبوة مسيلمة بن حبيب الحنفي الملقب في السردية الإسلامية بمسيلمة الكذاب، خلال فترة حروب الردة. فكانت الركن الثاني في تلك الحركة في إقليم اليمامة. وقد تزوجت من مسيلمة زواجا سياسيا لتقوية التحالف بين قبيلتيهما. وحين هُزِمَ مسيلمة في معركة الحديقة وقٌتِل، انسحبت سجاح وعادت إلى موطن قبيلتها في العراق وخرجت من المشهد التاريخي تماما، ولكن مصادر التراث أكدت أنها بعد أن نجت من القتل في حروب الردة، ظلت على قيد الحياة حتى عهد قيام الدولة الأموية، و"أنها أسلمت وحَسُنَ إسلامها/ كما يقول الطبري في تاريخه/ جزء 2/ ص 500 طبعة مؤسسة الأعلمي"، وتوفيت بمدينة البصرة، وفي رواية أخرى بمدينة الكوفة، في عهد خلافة معاوية بن أبي سفيان.

وتخبرنا مصادر التراث العربي الإسلامي أن لسُجاح علاقة مباشرة بحادثة نذر عبد المطلب بذبح ابنه عبد الله، ونَدَرَ أن التفت إلى تلك العلاقة أحد من القدماء والمعاصرين وتوقف عندها، ربما باستثناء الباحث السوري إبراهيم محمود في كتابه "سحرة وأنبياء".

إنَّ قصة نذر عبد المطلب بأن يذبح أحد أبنائه إذا رزقه الله عشرة أبناء ووقوع القدح "القرعة" على ابنه الأصغر عبد الله والد النبي، معروفة ومكررة في أمهات التراث العربي الإسلامي، فقد ذكرها ابن هشام وغيره في السيرة النبوية، والطبري في تاريخه، وابن أبي شيبة في مصنفه. وخلاصتها؛ أن عبد المطلب نذر "إن رزقه الله عشرة من الولد أن ينحر أحدهم، فلما رزقه الله عشرة من الولد، أقرع بينهم أيهم ينحر، فوقعت القرعة على عبد الله أصغر أبنائه وأحبهم إليه" ولكن قريش صدته عن ذبحه لئلا تتحول الحادثة إلى عادة لدى قريش والعرب ونصحه أحدهم أن يذهب إلى الحجاز فإن بها عرافة لها تابع فيسألها عن ذلك، وقالوا له "فإن أمرتْك بذبحه فاذبحه، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه مخرج قبلته"، فانطلقوا حتى أتوا المدينة فوجدوا العرافة، وهي سجاح - فيما ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق - بخيبر فركبوا حتى أتوها فسألوها، فنصحتهم بأن يستبدلوا عبد الله بديته من الإبل ثم "يضربوا عليها وعليه بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم". ففعلوا "وخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشراً ثم ضربوا فخرج القدح على عبد الله، فزادوا عشرا فلم يزالوا يزيدون عشراً عشرا، ويخرج القدح على عبد الله حتى بلغت الإبل مائة، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل فقالت قريش لعبد المطلب وهو قائم عند هبل يدعو الله: قد انتهى، رضي ربك يا عبد المطلب. فعندها زعموا أن عبد المطلب قال: لا، حتى أضرب عليها بالقداح ثلاث مرات فضربوا ثلاثا ويقع القدح فيها على الإبل فنحرت./ سيرة ابن كثير بالسند إلى ابن إسحاق مؤلف السيرة النبوية / نسخة رقمية على النت".3246 tarikhnama

والواقع فإن اعتبار تلك الحرب بين المسلمين بعد وفاة النبي وبين تحالف مسيلمة وسجاح جزءا من حروب الردة، على اعتبار أن جمهور هذا التحالف ارتد عن الإسلام يصحُّ جزئيا، أما وصف مسيلمة وسجاح بالمرتدَين فينبغي التحفظ عليه منهجيا، مثلما يصح التحفظ على التشنيع والإزدراء وتشويه السمعة الشخصية الذي عامل به المؤرخون المسلمون هاتين الشخصيتين اللتين قادتا – إلى جانب مرتدين آخرين - أكبر تحرك ديني وعسكري وسياسي جدي ضد الإسلام ودولته الفتية بعد وفاة النبي. وسبب هذا التحفظ هو إنهما لم يكونا قد أعلنا إسلامها ثم ارتدا عليه، ولم يقل أحد المؤرخين المسلمين بذلك. فالباحث العراقي الراحل د. جواد علي في موسوعته الضخمة "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، على سبيل المثال - يقول "إنه لم يجد في الأخبار ما يثبت صراحةً أن مسيلمة كان قد اعتنق الإسلام .. لذلك، ليس من الصواب أن نقول "ردة مسيلمة" أو "ارتداد مسيلمة" أو نحو ذلك ، لأنه لم يعتنق الإسلام ثم ارتد عنه، حتى ننعته بالمرتد/ كما يقتبس عنه إبراهيم محمود على ص 130 م.س". أما بخصوص سجاح التميمية فإن جميع كتب التراث الإسلامي المعول عليها، وفي مقدمتها تاريخ الطبري وسيرة ابن إسحاق تؤكد أنها كانت نصرانية وكاهنة معروفة ومعتبرة في الإقليم، وزعيمة قومها، وتحت إمرتها آلاف المقاتلين، وتذكر بعض المصادر أنها من القِلَّة من نساء العرب اللائي كنَّ يُحْسِنَّ القراءة والكتابة. ويعرفها ابن كثير بقوله (سُجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التغلبية وهي امرأة من نصارى قبيلة تغلب) وفي مصدر آخر نقرأ انها "تنتمي إلى بني يربوع من بطون بني تميم" ويبدو أن نسبها التميمي غلب على التغلبي وهو لقب زوجها وكان من بني تغلب في العراق، علما أن القبيلتين من القبائل العدنانية لا القحطانية اليمنية.

أما قصة مسيلمة فهي أكثر وضوحا، حيث سردت لنا غالبية كتب التراث أنه كان يدعي النبوة قبل نزول الوحي وبداية الدعوة الإسلامية، وكان يعرف باسم "رحمن اليمامة"، وقد ورد ذكره في مفاوضات صلح الحديبية حين طلب النبي أن تبدأ الوثيقة بعبارة "بسم الله الرحمن الرحيم"، فاعترض عليه مفاوض قريش، سهيل بن عمرو، بالقول "نحن لا نعرف إلا رحمن اليمامة، بل اكتب كما كان يكتب آباؤنا: باسمك اللهم"، فوافق النبي. وتذكر كتب التاريخ أن مسيلمة "كان أكبر عمراً من رسول الله، وأنه قد تكهن وادعى النبوة باليمامة، ووجد له أتباعاً قبل نزول الوحي على النبي، وأن أهل مكة كانوا على علم برسالته". ومعروفة أيضا في كتب التراث قصة قدوم مسيلمة مع وفد كبير من قبيلته بني حنيفة متخفيا، لمفاوضة النبي العربي الكريم في عاصمته "المدينة" حول إعلان إسلامهم بشرط أن يمنح مسيلمة دورا في الدعوة والدولة بأن يشركه في الدعوة ويجعله خليفته، وأن مسيلمة قال "أريد أن يشركني محمد معه في النبوة كما أشرك موسى أخاه هارون، فسمعه النبي، فأمسك عرجوناً صغيراً من الأرض وقال لمسيلمة: والله يا مسيلمة، لئن سألتني هذا العرجون ما أعطيته لك. فخرج مسيلمة ولم يبايع الرسول/ السيرة النبوية لابن إسحاق/ عام الوفود وظهور مسيلمة - السنة 10 للهجرة/ نسخة رقمية". أو بقول مسيلمة، حسب رواية متممة، "يكون لي نصف الأرض ونصفها لمحمد" فرد النبي عليه بالقول "إنما الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين"، ثم انتهت تلك المفاوضات بالفشل وانسحب الوفد من اللقاء بعد رفض النبي لهذا الشرط.

ولكن كتّاب التاريخ الإسلامي القدماء كتبوا ما كتبوا من وجهة نظرهم الإسلامية بما يُعلي من شأن المسلمين والإسلام المنتصر وبما يقتضيه ذلك من ذم الاعداء المهزومين والحط من شأنهم واستئصالهم، وهذا دأب كتّاب التاريخ في كل زمان ومكان "فالتاريخ يكتبه المنتصرون" كما قيل. والعبرة في قراءة تراثنا، ليس بشكل ببغاوي بل بعينين مفتوحتين وأيضاً وقبل كل شيء بعقل مفتوح ونقدي، فمن يخاف من قراءة ماضيه وتراثه بعقل نقدي سيعجز حتما عن رؤية واستشراف مستقبله والمشاركة في صنعه!

 

علاء اللامي

......................

* الصورة للوحة من النمط الواسطي تصور "مقتل مسيلمة الكذاب على يد وحشي بن حرب - قاتل حمزة عم النبي في أحد - في معركة "الحديقة" وردت في "كتاب تاريخنامه" لأبي علي  البلعمي وهي ترجمة تاريخ الطبري إلى الفارسية، عاش البلعمي في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي".

 

حمزة الشافعييعد "النفاق التقني" أحد فروع النفاق بشكل عام. ويمكن تعريفه بذلك النفاق الذي يلجأ إليه (للضرورة) أو يمارسه (عن اختيار) فرد أو مجموعة أفراد في سياق مهني معين أو في سياقات مهنية متداخلة. بمعنى، فالنفاق التقني يتطلب وجود سياق مهني كمجال احتضان وتفعيل وانتعاش وتفاعل، إلى جانب وجود أفراد لديهم مستوى ثقافي ومعرفي لا بأس به، إلى جانب تجربة في ذلك المجال المهني. فالنفاق التقني يستدعي من المنافق تقنيا (أو المنافقين تقنيا) تعبئة وتوجيه معارفه (م) وزبدة تجاربه(م) لخداع المجموعة المهنية بكاملها أو جزء منها أو فرد محدد فيها (الرئيس، القائد، الزعيم مثلا) مع تخطيط مسبق وغايات متنوعة، علاوة على خاصية تعايش المجموعة المهنية مع كل أشكال وتجليات النفاق التقني في حالة الانكشاف المبكر والمتأخر، كتقنية أكثر "نفاقا" و "نفاقية" تتقبلها المجموعة ككلية أو القائد كعضو مؤثر ومسؤول، لضمان استمرار سيرها وبلوغ الحد الأدنى من أهدافها، في إطار ما يمكن تسميته ب"النفاق النسقي".

يختلف النفاق التقني مع النفاق الاجتماعي باعتبار الصنف الأول نفاقا ''مدروسا' و''موجها"'، ينبع من شخص واعي ومثقف أو على قدر من التجربة (أو هما معا)، في سياق مهني بسيط أو مركب/متداخل، عن طريق التمويه والخداع والاستغباء، وقد تكون الغاية مادية كجني مصلحة ملموسة أو معنوية كنيل رضا الرئيس المباشر أو إعجاب أغلب أو بعض أفراد الوسط أو المجموعة المهني(ة). وقد يلجأ البعض إلى النفاق التقني كآلية لدرء الإحراج في وسطه المهني، لأن إبداء الرفض لمسألة مهنية مشتركة مثلا قد تتمخض عنه صراعات  ومجابهات أو قد يؤثر سلبا على صورة الفرد من منظور بقية أفراد المجموعة المهنية، لذلك يضطر "للنفاق" و"المنافقة" و"التنافق" تقنيا، وإن تعارض موقفه العلني المصرح به مع موقفه الخفي المكبوح داخليا.

في حين، يمكن اعتبار النفاق الاجتماعي نفاقا "منفلتا" و"غير مؤطر"، أي أنه لا يشترط وجود وضعيات مهنية محددة، وإنما سياقات اجتماعية متجددة ومفتوحة (دكان الحي، المقاهي الشعبية، المساجد والمآتم والحفلات الاجتماعية، إلخ). ويمكن ممارسة النفاق الاجتماعي من طرف أي فرد في المجتمع دون قيود أو تخطيط (أي بعفوية وتلقائية)، ودون حيازة شروط ثقافية ومعرفية معينة أو الاحتكام الى التجارب السابقة. وتتجلى تلقائية وعفوية هذا الصنف من النفاق في عدم تعمد المنافق اجتماعيا توظيف استراتيجيات وتكتيكات مفكر فيها ومدروسة مسبقا. كما أن الغاية من النفاق الاجتماعي غالبا ما تكون غير محسوبة النتائج والعواقب، وقلما تحقق مكاسب مادية أو معنوية للمنافق اجتماعيا، بل قد تفرز نفورا أو صراعات وتشنجات مجانية غير محسوبة العواقب عند انكشاف وتعري الوجه الحقيقي للشخص المنافق اجتماعيا.

يلتقي النفاق التقني مع النفاق الاجتماعي في كونها حالة من التناقض حيث يتعارض ويختلف الموقف أو السلوك المعبر عنه صراحة مع الموقف أو السلوك الفعلي المخفي. كما أن هذين الصنفين من النفاق أثناء التعري والانكشاف، قد يعرضان ممارسهما لتهمة ازدواجية الشعور أو الرأي/الموقف أو السلوك، مما قد يجعله معرضا للنبذ والتبغيض والنفور والمواجهة أو الاجتناب. فإذا كان النفاق التقني يتم عن وعي ومدارسة وتخطيط وتوجيه من طرف فرد أو مجموعة أفراد ذو(ا) مستوى معرفي-ثقافي محترم، وفي وسط مهني بسيط أو مركب، قصد نيل مكاسب مادية/معنوية أو درء احراج/صراع مجاني، فإن النفاق الاجتماعي قد يمارسه الأفراد بشكل تلقائي مع عدم توقع وتكهن افرازاته الآنية والمستقبلية. كما أن المنافق اجتماعيا قد لا يصل إلى نقطة إدراك كونه منافقا إلا بعض التعرض لصدمات أو صراعات أو عنف رمزي كالنبذ، كما يصعب عليه الاقلاع عن النفاق لأنه مكتسب لديه على مراحل اجتماعية-نفسية طويلة حتى صار بمثابة إدمان يحتاج لجهد كبير ومواكبة مستمرة لعلاجه، وقبل ذلك قناعة فردية، بأضرار النفاق على المستوى الفردي والجماعي.

في مقابل ذلك، يظل النفاق التقني فعلا واعيا يتم اللجوء إليه في سياقات مهنية محددة وقد يتخلى عنه الفرد الذي يوظفه بانتفاء الوضعية التي أوجبته، مع إمكانية اللجوء إليه مجددا، بوعي وتحكم، كلما برزت شروط المنافقة المهنية. كما لا يحتاج إلى خطة علاجية، عكس النفاق الاجتماعي، وإنما إلى توفير أجواء الثقة المتبادلة التامة داخل المجموعة المهنية وتقديم كافة الضمانات القانونية لعدم تعريض فرد أو أفراد تلك المجموعة للعقوبة أو الإقصاء أو سوء المعاملة كلما أبدى موقفا معارضا أو طرح فكرة مغايرة لتوجه المجموعة وزعيمها. بمعنى، فتخليص المجموعات المهنية من النفاق التقني يقتضي تحرر وتحرير كافة أفراد تلك المجموعات من كافة الهواجس والمخاوف.

 

حمزة الشافعي

تنغير/المغرب

 

 

عبد الجبار الرفاعي

إيمانُ القلب متوهجٌ عفويٌ يتدفقُ بحميمية بلا تكلّف وافتعال، يتمثّلُ هذا الإيمانُ في حالة من التديّن الرحماني. التديّنُ الرحماني الذي يعيشه معلمو الروح الكبار، يعيشه أيضًا أناسٌ بسطاء، كلٌّ من الصنفين يتذوقُه ويعبّر عنه على شاكلته، وهو أكثر أشكال التديّن حضورًا في حياة العمال والفلاحين وكبار السن والعجائز. في التديّن الرحماني القلبُ هو الطريقُ إلى الله، إنه تديّنٌ تُبهِج الإنسانَ فيه أنوارُ البصيرة، وتسقي قلبَه الطمأنينةُ، وتسكن روحَه السكينةُ. (في الفصل الثالث من كتاب: "الدين والكرامة الإنسانية" تحدثت عن أشكال التدين، ومنها: التدين الرحماني).

أكثرُ الناس البسطاء صلتُهم بالله حيّة متدفقة، يعبدونه كأنهم يرونه، يشتاقون إلى لقائه بتلهف أشدّ من تلهفهم لأبنائهم، يلتقونه بشغفٍ كأنه معشوقٌ يعانقونه، يتحدثون إليه بلغة القلب المشتعلة، لغةُ القلب لا تحضر إلا في تجارب الحُبّ والعشق الصافية في الحياة، وتحضر بأجمل صورها في صلة الإنسان العميقة بالله. لغةُ القلب مباشرة لا تحتفي بالكنايات والاستعارات ولا تختفي خلفَ المجازات. صلةُ الناس، ممَنْ نسميهم "العامة"، الحميمية بالله لا تعبّر عنها إلا لغةُ القلب، تختزنُ هذه اللغةُ حزنَهم مثلما تختزنُ فرحَهم، تُعبِّر عن امتنانهم مثلما تُعبِّر عن غضبهم، تحملُ أشواقَهم بقدر ما تحملُ ضجرَهم، تبوحُ بهدوئهم بقدر ما تبوحُ باضطرابهم، تُعلِن سكينتَهم بقدر ما تُعلِن قلقَهم، وتتحدثُ باتزانهم وهدوئهم بقدر ما تتحدثُ بانفعالهم وتوترهم. تراهم يتحدثون إلى الله تارةً بلغة دافئة رقيقة، وأخرى يتحدثون إليه بلغةٍ جافة حادة، تخلو من أساليب التأدب المتعارَفة في التحدث إليه، وهم على قناعة بأن ذلك من حقِّهم، لشعورهم بالاستئثار بصلةٍ قلبية فريدة يختصّونه بها ويوقنون أنه يختصّهم بأعمق منها، صلة تُعلِن عنها مشاعرُهم بأشواقهم إليه وتلهفم للقائه. يتحدثون إليه بلا تردّد من دون أن يرهبونه، يلومونه بلا حياء كأنهم أقرضوه ولم يسدّد لهم قروضَهم. يعاتبونه بلغةٍ صريحةٍ لا تخلو من عتبٍ بالتقصير في حقِّهم، وأحيانًا يلومونه بغضب، وربما يعاتبونه بأسىً يمتزج بشعور باستئثارهم به دون سواهم، يشعرون بحقِّهم عليه، بل يتمادى بعضُهم في إلحاحه وكأنه أقرض اللهَ أغلى ما يمتلك لكنه تنكّر لعطاياه وتجاهله ولم يوفه دينه.

الجداتُ والأجدادُ والآباءُ والأمهاتُ وكبارُ السنِ من الفلاحين والشيوخ يخاطبون اللهَ كأنهم يرونه، يشعرون أنه أقربُ إليهم من حبلِ الوريد. لا يرون مسافاتٍ بعيدة أو حواجزَ منيعة تفصلُه عنهم ‏أو تفصلُهم عنه، إنه حاضرٌ بجوارهم حيثما تضيقُ بهم الحياةُ، يتحسّسونه في أغلب الحالات معهم، قلوبُهم مرآةُ أنوارِه وتجلياتِ جماله وإشراقاتِ رحمته التي وسعت كلًّ شيء ولم يسعها شيء. يخاطبونه كما يخاطبون مَنْ يقيمُ في قلوبهم، لا توجد أيةُ حواجز بروتوكولية أو رسمية تحولُ بينه وبينهم. يعيشُ هؤلاء حالةَ شهود صافية أحيانًا، لا يتذوقها إلا ذوو المكاشفات الروحية في أسفار الروح إليه. حضورُ الله وانكشافُه لهم أعمقُ منبع يغذّيهم بالسكينة والطمأنينة عندما تفترسهم مواجعُ العيش ومعاناةُ الحياة ومكابداتُها المريرة. ‏

لفرطِ حضوره يغيب ولفرطِ غيابه يحضر، ‏لحظةَ يشعرون بغيابه تتوق أرواحُهم إليه بلوعة، ويستولي على قلوبهم الذعرُ تلك اللحظة. في العراقِ نستمع إلى بعضِهم، يقول بلهجة الجنوب العراقي بلا تردد: "كون أكو درج وأصعد أعاتبك"، بمعنى: "أتمنى وجود سُلّم كي أصعد إليك معاتبًا"، لماذا غبتَ عني هذه اللحظة الحرجة الأقسى وجعًا ومرارة. لولا شعورُهم بحضورِه الدائمِ معهم، أينما كانوا وحيثُما كانوا، لم يخاطبوه بهذه اللهجةِ المباشرةِ المكشوفة، الخارجةِ على أساليب التبجيل في مخاطبةِ العظماء والإعلاءِ من مقاماتهم.

3243 موسى والراعي

صاغ جلالُ الدين الرومي حكايةً في "المثنوي" ترسم صورةً موحية تتكشّف فيها الكيفيةُ التي ينعكس من خلالها إيمانُ القلب في حالة تديّن عفوي بريء مُتّقِد، يعبّر عنه إيمانُ أحد رعاة الأغنام بروحه الصافية، وكيف طلب من الله أن يحلَّ ضيفًا عنده، كي يتولى خدمتَه وتنظيفَ ثيابه وتمشيطَ شعره.كان الراعي يخاطبُ اللهَ بلغته الساذجة المتخشّبة، وكأنه يتحدث مع أحد زملائه من رعاة الأغنام، لغته لا صلة لها بالفكر وانتقاء الكلمات المهذبة والمجازات والاستعارات والكنايات الجذابة، لغة لا يتكلم فيها إلا قلبُ الراعي وعواطفه، لغة يصمت عندها العقل ويتجلّى الإنسانُ كما هو بلا أقنعة. استهجن النبيُ موسى لغةَ الراعي الغليظة، وانزعج من طريقة تعبيره وحديثه المكشوف مع الله. لحظة استمع النبيُ موسى إلى الراعي وهو يتحدث بهذا الأسلوب المباشر الذي لا يليق بجلال الله وكبريائه، وبّخه بشدّة على ما سمعه من هراء، وحذّره من استعمال لغة فَجّة عند التحدث إلى الله.

نقتبسُ فيما يلي مستخلصًا لهذه الحكاية من المثنوي: (رأى موسى راعيًا على الطريق، وكان هذا يردد: "إلهي يا من تصطفي من تشاء، أين أنت حتى أصبح خادمًا لك، فأصلح نعليك، وأمشّط رأسك! وأغسل ثيابك، وأقتل ما بها من القمّل! وأحمل الحليبَ إليك أيّها العظيم! وأقبّل يدك اللطيفة، وأمسح قدمك الرقيق، وأنظف مخدعك حين يجيء وقت المنام. يا من فداؤك كلّ أغنامي! ويا من لذكرك حنيني وهيامي!". وأخذ الراعي يردّد هذا النوع من هراء القول. رآه موسى فناداه قائلًا: مع من تتحدّث أيها الرجل؟ فقال الراعي: مع ذلك الشخص الذي خلقنا. مع مَنْ ظهرت بقدرته هذه الأرض وتلك السماوات. فقال موسى: حذار، انك قد أوغلت في إدبارك. وما غدوت بقولك هذا مسلمًا، بل صرت من الكافرين. ما هذا العبث، وما هذا الكفر والهذيان؟ ألا فلتحشّ فمك بقطعة من القطن. إنّ نتن كفرك قد جعل العالَم كلَه منتنًا! بل إنّ كفرك قد مزّق ديباجة الدين! فمع مَنْ تتحدث، أمع العم أو الخال؟! وهل الجسم والحاجة من صفات ذي الجلال؟ إن الحليب يشربه مَنْ يكون قابلًا للنشأة والنماء. والنعل يلبسه مَنْ هو بحاجة إلى القدم... إنّ التحدّث بدون أدب مع خواص الحق، يميت القلب، ويجعل الصحائف سوداء... فقال الراعي: يا موسى لقد ختمت على فمي، وها أنت ذا قد أحرقت بالندم روحي. ومزق ثيابه، وتأوه، ثم انطلق مسرعًا الى الصحراء، ومضى. فجاء موسى الوحيُ من الله "قائلًا": لقد أبعدت عني واحدًا من عبادي! فهل أتيت لعقد أواصر الوصل، أو أنك جئت لإيقاع الفراق؟ فما استطعت لا تخط خطوة نحو ايقاع الفراق، فأبغض الحلال عندي هو الطلاق! لقد وضعت لكل إنسان سيرة، ووهبت كلَّ رجل مصطلحًا للتعبير، يكون في اعتباره مدحًا، على حين أنه في اعتبارك ذمٌّ. ويكون في مذاقه شهدًا، وهو في مذاقك سمٌّ. إنّني منزه عن كل طهر وتلوث، وعن كل روح ثقلت "في عبادتي"، أو خفت. والتكليف من جانبي، لم يكن لربح أنشده، لكن ذلك كان كي أنعم على عبادي. فأهل الهند لهم أسلوبهم في المديح، ولأهل السند كذلك أسلوبهم. ولست أغدو طاهرًا بتسبيحهم، بل هم المتطهرون بذلك، الناثرون الدر. ولسنا ننظر إلى اللسان والقال، بل نحن ننظر الى الباطن والحال. فنظرنا إنّما هو لخشوع القلب، حتى لو جاء اللسان مجرّدًا من الخشوع. فالقلب يكون هو الجوهر، أما الكلام فعرض، والعرض يأتي كالطفيلي، أما الجوهر فهو المقصد والغرض. فإلى متى هذه الألفاظ، وذلك الإضمار والمجاز؟ إني أطلب لهيب"الحُبّ"، فاحترق وتقرّب بهذا الاحتراق! أشعل في روحك نارًا من العشق، ثم أحرق بها كل فكر، وكل عبارة! يا موسى، إنّ العارفين بالآداب نوع من الناس، والذين تحترق أنفسهم وأرواحهم بالمحبة نوع آخر. إنّ للعشاق احتراقًا في كل لحظةٍ... فلو أنّه أخطأ في القول، فلا تسمّه خاطئًا، وإن كان مجلّلًا بالدماء فلا تغسل الشهداء. فالدم أولى بالشهداء من الماء! وخطأ المحبّ خير من مئة صواب... إنّ ملّة العشق قد انفصلت عن كلّ الأديان، فمذهب العشّاق وملّتهم هو الله. ولو لم يكن للياقوتة خاتم فلا ضير في ذلك، والعشق في خضم الأسى ليس مثيرًا للأسى... فحين سمع موسى هذا العتاب من الحق، هرع وراء الراعي موغلًا في البيداء... وفي النهاية أدرك موسى الراعي ورآه. وقال "البشير" للراعي: إن الأذن قد جاء! فلا تلتمس أدبًا ولا ترتيبًا، وانطق بكل ما يبتغيه قلبُك الشجي! إنّ كفرك دين، ودينك نور للروح! وإنّك لآمنٌ، والعالَم بك في أمانٍ! أيّها المعافى، إنّ الله يفعل ما يشاء، فاذهب، وأطلق لسانك بدون محاباةٍ. فقال الراعي: يا موسى، إني قد تجاوزت ذلك. إنّني الآن مجلل بدماء قلبي! لقد تجاوزت سدرة المنتهى، وخطوت مئة ألف عام في ذلك الجانب! إنّك قد أعملت سوطك، فدار حصاني، فبلغ قبة السماء، ثمّ تجاوز الآفاق! فعسى الله أن يجعل جوهرنا الإنساني نجيّ سر لاهوته... فالآن قد تجاوز حالي نطاق القول. فهذا الذي أقوله ليس حقيقة حالي. إنّك تبصر النقش الذي يكون في المرآة، وهذا النقش صورتك أنت، وليس صورة المرآة. والأنفاس الّتي ينفثها لاعب الناي في الناي، هل تنتمي للناي؟ لا، بل هي منتمية للرجل). "مثنوي جلال الدين الرومي، الكتاب الثاني، أورد الحكاية بعنوان: "كيف أنكر موسى مناجاة الراعي"، ترجمة: محمد عبد السلام كفافي، صيدا - بيروت: المكتبة العصرية، 1967، ص 178 – 185".

 

د. عبد الجبار الرفاعي

 

محمد كريم ابراهيمالتفريق بين النظام والانتظام مهم جدا في رحلتنا نحو فهم العالم بشكل افضل. يعرف النظام ككيان معين ذات حدود جلية ووظيفة مأخوذة من هيئته، اما الانتظام فهو عبارة عن نظام متسلسل مرتب حسب معلومة او هيئة معينة وثابت في الزمان والمكان، حيث اي تغيير في تسلسل انظمته الصغرى تؤدي الى فوضى في ذلك الانتظام. علمًا ان الانتظام لا يمكن ان تقبل بالفوضى والعشوائية ولا يمكن أن تتبادل اجزائها اماكن بعضها مع بعض كاجزاء الماء التي تكون متشابهة في اجزائها فتكون مقبولة تبادلها مع بعض.

ومن هذا نستنتج ان اجزاء نظام منتظم تكون مختلفة عن بعضها سواء بجزيئة واحدة مختلفة عن الجزيئات المرتبطة بها مباشرةً أو تكون المجاميع من الجزيئات (بلوكات) مختلفة عن مجاميع اخرى. اي بمعنى إنه يجب  أن تكون هناك اختلافات بين اجزاء نظام منتظم حتى ينتظم على طريقة معينة. مثلا يمكن لنيوكليوتد ادينوسين ان ترتبط مع بعضها تستمر لسلاسل طويلة (AAAAAAA) وتحسب هذه مجموعة وحدها كجزيئة واحدة حيث ان اعادة ترتيب الادينوسينات لن تؤثر على الانتظام نفسه لانها تعتبر تغيرات داخل نظام اخر غير مشروط عليه الانتظام. كذلك الامر للواحدات والاصفار المكتوبة في الالكترونيات.

لو كانت جميعها متشابهة لما كان التبادل بين الاجزاء هكذا امر مهم (مثلا اجزاء الماء متشابهة مع بعضها فأي استبدلات في موقع جزيئة الماء مع جزيئة ماء اخرى في صفها لا تؤثر على الانتظام).

الارتباط هو كذلك شيء مهم جدًا في الانتظام حيث إن كل انتظام يجب ان يكون سلسلة من الارتباطات التي تتفاعل لعمل شيء معين. ويجدر القول إن الاختلاف الاخر فيما بين النظام والانتظام هو في هذه النقطة الضرورية، فإن اجزاء النظام غير ضروري لها ان تكون مرتبطة ببعضها ولا أن تختلف عن بعضها، لكن في الانتظام يُفرض ذلك الارتباط وذلك الاختلاف.

الانتظام بحد ذاته لا يعد ذات اهمية وفائدة لان اجزاءه اصغر من ان تهتم لانتظامه (جزيئة واحدة من السلسلة لا تعلم حتى كيف تستفاد من هذا الانتظام)، لهذا السبب على الارجح يتواجد في الطبيعة قارئ لذلك الانتظام وعادةً نظام منتظم يكون جزء من نظام اخر الذي يكون اكبر منه ليقرأ تسلسله ويستفاد منه. لكن هل هذا يعطينا قانونا صارما وقولا جازما بأن الانظمة المنتظمة تحتاج الى نظام قارئ اكبر منها لكي تتواجد وتستفاد؟ ربما ستترك الاجابة على هذا السؤال أعظم أثرًا في علومنا لو استطعنا ايجادها.

يمكن لنظام واحد ان يخلق انتظاما متسلسلا وذلك من خلال وجوده من عدم وجوده، ومن امثلة الشهيرة على هذا النظام هي نظام الالكترونيات التي تعمل بالصفر والواحد (اما الدائرة الكهربائية مفتوحة او مغلقة).

يعتمد النظام المنتظم على تسلسل الزمان او المكان او كليهما معًا، المقصود بالزمان هو تغييرات في داخل معلومات النظام التي تبين من خلال تغيراتها مختلف الاشارات. مثلًا إن الدنا الوراثية هي نظام متسلسل بالمكان وثابت بالزمان؛ اي ان النيوكلويتيدات الفردية تبقى معلومات التي في داخلها ثابتة لكن النيوكلوتيدات الاخرى التي ترتبط في مكان حواليها هي التي تجعل نظام الدنا منتظما في المكان دون الزمان (ويجب المعرفة ان النيوكلويتديات التي ترتبط بهذا النيوكليوتيد تكون نسخ متحورة منها. فمجرد تغير بسيط في نظام نيوكليوتيد الذي يجعله بشكل اخر يستقبله القارئ كجزيء اخر. وهذا يعطينا فكرة عما اذا كانت اجزاء نظام منتظم بالمكان تتشابه جدا مع بعضها، لعل ذلك يساعدها في بقاء اجزاء المرتبطة من الانظمة المنتظمة ثابتة والتغيير الوحيد هي جزء واحد فقط؛ اي لو كانت جميع اجزاء نيوكليوتيد متغيرة وغير متشابهة بشيء مع بقية النيوكليوتيدات في حواليها لما قدرت اولا على التعرف ببعضها بشيء وثانيا لما ارتبطت بها ربما وثالثا حتى لو كان هناك نظام اخر مستقل يعمل كقاعدة لربط النيوكليوتيدين المختلفين جدًا معًا لما كانت هناك اجزاء متشابهة بين النيوكليوتيدين ليستجيبان لهذا النظام المستقل الا لو كان داخل هذا النظام المستقل جزءان احداهما يستجيب لجزء من نيوكليوتيد الاول والثاني لجزء من نيكلويتويد الثاني لكن مع ذلك نرى ان اختلاف بسيط خير من الاختلاف الجذري بين النيوكليوتيدات).

اما النظام المنتظم المتغير بزمان فعادة لا يحتاج ان يكون سلسلة من الانظمة المرتبطة بها حواليها بل تستطيع ان تنجز الانتظام عن طريق تغيرات في داخلها (تغيير جزء واحد من نظامها او عدة اجزاء). وهذه التغيرات التي يجب ان تتبين في هيئتها الخارجية المتصلة مع النظام القارئ سوف تعطي انتظاما معينا مع مرور الزمن عليها. والمثال الابسط عليه هو كيبل واحد ناقل لشفرات مورس: فهذا النظام عن طريق تغيرات في التيار الكهربائي يعطي مع مرور زمن رسالة معينة او معلومة معينة على عكس الانظمة التي تحمل كل الرسالة في نفسٍ واحد (يجب عليك الانتظار لاستقبال كامل الرسالة).

ايهما احسان، المنتظم مكانيا ام زمانيا؟ لقول حقيقة، كلهما افضل لكن الامر يعتمد على البيئة والظروف التي تُفضل الاول على الاخر. بالطبع النظام المنتظم زمانيا سوف تستغرق طاقة اقل ومساحة اقل الا ان عطلات نظامها تكون كثيرة ومعقدة وبطئه هو مشكلة اخرى فيه، اما النظام المنتظم مكانيا فيستغرق طاقة اكبر ومساحة اعظم.

كلما كان اجزاء الانتظام كثيرة وطويلة السلسلة، كلما كان اكثر حساسية للتغيرات. لكن هذا ليس صحيحا بالكامل فان الانتظامات التي تكون اجزاءها قليلة جدا يكون فناءها كثيرة جدا لانه لو تغيرت جزء واحد منها سوف تفقد الكثير من هيئتها على عكس انظمة كثيرة الاجزاء وطويلة السلسلة التي اذا فقدت جزء بسيط منها لا تتغير الكثير من هيئتها و وجودها (المثال هو بين الانسان والبكتريا، الانسان الذي يمتلك سلسلة طويلة جدا من الانتظامات والذي يتحمل اخطاء كثيرة في نظامه على عكس البكتريا آلتي تنشل لو تغير جزء بسيط من انتظامه). بالرغم من ذلك فان الانتظام الكبير معرض اكثر للتغير بسبب اجزاءه الكثيرة (افتراضا لو وضعنا الانتظام الكبير والصغير في نفس البيئة)، وكذلك تكون استنساخ الانتظام الكبير والحفاظ عليه مكلفًا وبطيئا. البيئة التي فيها تغيرات متعددة وكثيرة تكون الانتظام الصغير سائد فيها اكثر لانها تكلف اقل للبقاء في هذه البيئة من الانتظام الكبير وكذلك هي مثالية في ذلك البيئة، اما البيئة التي فيها تغيرات كثيرة فإن الانتظام الكبير تستفاد اكثر من البقاء من الانتظامات الصغيرة لانها يمكنها ان تتحمل اخطاء عديدة من تغيرات البيئة، لذلك نرى ان الغابات تكثر فيها الحشرات والفايروسات والبكتريا عديدة اكثر من الحيوانات الكبيرة.

دراسة نظام منتظم مفيدة لفهمنا اكثر لسر الحياة والكائنات الحية بالاضافة الى التنظيمات الاخرى في الكون، لأن الحياة بنفسها هي عبارة عن نظام منتظم.

 

محمد كريم

 

 

محمد محفوظيتضمن النص القرآني العديد من الآيات والشواهد التاريخية، التي تؤكد على ضرورة أن يراجع الإنسان أفعاله، وينقد ممارساته من أجل تقويمها بما ينسجم والقيم الإسلامية العليا. فالباري عز وجل يقسم بالنفس اللوامة ويعلي من مقامها، لأنها تمارس عملية اللوم والمراجعة والمحاسبة والنقد كي تصل إلى المستوى المثالي في التعامل مع الأمور والأشياء. فقد قال تعالى [ولا أقسم بالنفس اللوّامة].

والقسم الرباني بالنفس اللوامة يوضح قيمتها في حركة الوجود الإنسانية في ارتفاعه إلى الأعلى، باعتبار بأنها تعمل على تخفيف الأثقال الروحية والأخلاقية والاجتماعية التي تشد الإنسان إلى الأسفل، لينطلق من موقع إنسانيته في حالات الصفاء الروحي الذي ينفتح به على الله عز وجل.

وبذلك كانت تمثل قمة النموذج الإنساني في أصالة التجربة الحية الواعية في حركة الحياة في داخله. فمقتضى عمق اللوم على الغفلة، وعلى التقصير، لا يترك النفس سادرة في هواها وفي غفلتها ولا يقف بها في أجواء اللامبالاة فيما يثار حولها من قضايا، لا سيما إذا كانت القضية تتصل بالمصير الأبدي، مما يجعلها في مستوى الأهمية الكبرى في مواقع الفكر والإيمان.

والقرآن الحكيم يثير فينا حس النقد الذاتي، عن طريق تذكيرنا بحقيقة وجدانية، ألا وهي بصيرة الإنسان على نفسه، فإنه قبل الآخرين شاهد عليها وعالم بواقعها، مهما توسل بالأعذار والتبريرات الواهية.  يقول تبارك وتعالى [ بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره].

ويؤكد القرآن الحكيم في الكثير من الآيات أيضا على مراجعة تجربة دعوات الأنبياء وتشخيص سلوك المجتمعات الغابرة ومواقفها، حتى نتمكن من الاستفادة منها وأخذ العبر والدروس من محطاتها وانعطافاتها. كما ينتقد القرآن الكريم تقليد الآباء والأجداد. قال تعالى [بل قالوا إنا وجدانا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون، وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجـــدنا آبائنا على أمة وإنا عـــلى آثارهم مقتدون].

وبهذا أسس الإسلام عقلا برهانيا ونقديا لدى الإنسان المسلم، وهذه هي البذور الأولى لمشروع النقد والمساءلة لظواهر الحياة الطبيعية والإنسانية. ولا ريب أن هناك جملة من العلوم قد تطورت وتأسست في الفضاء الحضاري الإسلامي من جراء هذه العقلية البرهانية ـ النقدية. فعلم الجرح والتعديل وعلم الحديث ونقد الرواية كلها علوم تبلورت ونضجت من جراء العقلية النقدية الإسلامية.

والنقد كعملية ثقافية ـ معرفية، هو عبارة عن فحص لكل ما هو سائد في سبيل واقع آخر مضاد له وفقا لنموذج أو تصور مستقبلي. " فالنقد يعني: الفحص والاختبار ووضع كل شيء في ميزان العقل والاحتكام إلى معاييره ".

ولكن ومع هذا التأكيد القرآني والإسلامي، على ضرورة المراجعة والنقد، إلا أن واقع المسلمين يخلو من هذه القيمة، بل هناك بعض المساحات الاجتماعية التي ترذلها. ولا ريب أن لهذا الغياب أسبابه وعوامله الثقافية والاجتماعية والنفسية. فالقناعات النفسية والثقافية التي لا تراجع، ويتم التعامل معها كحقائق ثابتة، تدفع باتجاه التمتع بحق الطاعة والانقياد والاتباع، دون أن يكلف نفسه (صاحب القناعة الثابتة) عناء مراجعة أفكاره وقناعاته ومساءلتها.

وبهذا تتراكم عوامل الغفلة والاستعلاء، بحيث يتجاوز هذا الإنسان كل ممارسة نقدية، ويحجم عن ممارسة كل محاسبة إلى سلوكه وأفعاله.  وهنا لا بد من بيان أن مجال النقد هو وسائل التطبيق الاجتماعي والثقافي والتعليمي، وذلك لأن الجمود عليها يعطل التقدم. وليس ثوابت الشرع وقيمه العليا. فالثوابت العقدية والتشريعية ليست موضوعا للنقد، إنها موضوع للبحث والفهم.  وبطبيعة الحال فإن المحيط الثقافي التي تنمو فيه حالات ضمور الحس النقدي، هو ذلك المحيط الذي يردع عن السؤال المساءلة، ويقف موقفا سلبيا من الاختلاف الثقافي والفكري، ويحارب الإبداع خوف الابتداع. وهذا يعمق نفسية عامة تحول بين الإنسان الفرد والجماعة وممارسة النقد والمراجعة والمحاسبة لكل ما هو سائد.  فالاختلاف المرذول والمذموم، هو الناتج عن الهوى، أما الاختلاف الناتج عن البحث الحر والموضوعي طلبا للحقيقة لا إتباعا للهوى فهو اختلاف مشروع، وذلك لأنه طريق الوصول إلى الحقائق وهو الذي يثري الواقع والفكر والثقافة. والنقد وفق هذا المنظور، هو الذي يثري الساحة الثقافية بالمضامين الجادة، كما أنه يفعل الساحة الاجتماعية باتجاه الأمور والقضايا الأكثر أهمية وجدية. فالنقد هو الممارسة الضرورية في الاختلافات الثقافية والمعرفية، كما أن الحوار هو الوسيلة الفعالة الذي يمنع إصدار أحكام قيمة على الظواهر الثقافية ذات الشروط العامة والتاريخية.  ولا ريب أن غياب تقاليد النقد والمساءلة، هو الذي يدفع الشعوب والأمم حين الهزائم إلى التشكيك الصارخ في كل ما هو سائد.

وهذا يقودنا إلى القول إننا بحاجة دائما أن نتعامل مع هزائمنا وانتصاراتنا بموضوعية بحيث إننا لو انتصرنا لا نصاب بداء الغرور والتعالي، فنلغي الآخرين من خريطة الوجود التاريخي.. ولو انهزمنا ندرس أسباب هزيمتنا بشكل موضوعي وهادئ، ودون أن يؤثر هذا على جوهر وجودنا وثوابت كياننا.  ولا شك أن للإنجازات أسبابها وعناصرها كما أن للإخفاقات عواملها. والرؤية الموضوعية تحتم علينا دراسة المسألة من جميع أبعادها، لإزالة عوامل الإخفاق وتأكيد عناصر النجاح والإنجاز.

ولا يوجد على المستوى التاريخي أن مجتمع مكتوب عليه أو قدره الهزيمة دائما أو الانتصار دائما.. وإنما هم (الهزيمة والانتصار) ظاهرتان إنسانيتان تتحكم فيهما جملة من العوامل الذاتية والموضوعية. فالمجتمع الذي تتوفر فيه عوامل المنعة والتفوق يحقق ذلك على الصعيد العملي، والمجتمع الذي يتخلى عن تلك العوامل يصاب بالإحباط والتراجع والتقهقر. فالرؤية الموضوعية تعني، الابتعاد عن التهويل والتهوين، والبعد عن الشطط والمغالاة وعن اليأس والتيئيس الدافع إلى الاستقالة المعنوية الفردية والجماعية.

وإن فقدان الثقة بالذات من جراء نكسة أو هزيمة، يؤدي حتما إلى الاستسلام إلى المنظومات الفكرية والثقافية للغالب.. وقد أشار إلى هذه المسألة ابن خلدون بقوله: أن المغلوب مولع دائما بمحاكاة الغالب والإقتداء به لأنه يعتقد أن انتصاره راجع إلى صحة مذهبه وعوائده.

كما أن تجريح الذات وجلدها على مختلف الصعد والمستويات، ما هو في حقيقة الأمر إلا إخفاء لابتعاد المثقف أو المفكر أو الأديب والنخبة بشكل عام عن مواطن الإبداع الفكري والثقافي والأدبي وتحولهم في الكثير من الأحيان إلى إحالة للماضي وحجابا لعدم رؤية الحاضر.. فالقراءة الموضوعية إلى الظواهر الاجتماعية والإنسانية المفرحة منها والمحزنة تحتم علينا النظر إلى الأمور انطلاقا من أسبابها الحقيقية وعواملها المباشرة.

من هنا وتأسيسا على حقيقة التطورات السريعة التي تجري في العالم في كل تجاه، تتأكد ضرورة التقيد بقوانين الموضوعية في دراسة التطورات والظواهر الاجتماعية والإنسانية الأخرى.. لأن توفر هذه القوانين هو الذي يمكننا من قراءة هذه التطورات والتحولات بشكل سليم ودقيق.

والفكر النقدي يقتضي:

1- توفير أسس الفحص والمقدمات العقلية والنظرية لعملية المراجعة، إذ لا يعقل أن تتم المراجعة انطلاقا من ردود أفعال أو مماحكات سياسية. بل من الضروري أن تتوفر كل الأدوات النظرية والمفهومية والعدة التقنية التاريخية والمعاصرة لفحص الظاهرة فحصا موضوعيا متزنا.

2- التقيد بالمنهج الموضوعي دون جلد الذات أو تحميل الأخر المجهول أسباب الإخفاق وعوامل الهزيمة.

وبهذا نتشبث بما يسمى بـ (القوانين الموضوعية ) للظواهر الاجتماعية والإنسانية.. ومن هنا فإن الفكر النقدي يقتضي أيضا دراسة الظاهرة والكشف عن قوانين عملها وحركتها وعن طبيعة العلاقة التي تربط بين عناصرها المختلفة.. وعن طريق هذه الدراسة نصل إلى النتائج الأخيرة بعيدا عن المسبقات الفكرية أو الاجتماعية، ونتعرف على الأسباب الموضوعية لنمو الظاهرة أو ضمورها.. إننا مع ضرورة المراجعة لمناهجنا العلمية والعملية، لكنها تلك المراجعة التي تنطلق من حس المسؤولية الذاتية وتحمل الذات مسؤولية الإصلاح.

فالمراجعة والنقد جزء من مشروع الإسلام التربوي، فلا فلاح بدون محاسبة الذات ومراجعة أفعالها وتقويم سلوكها والعدول عن الأخطاء والزلات. وبالتالي فإن النقد وفق هذا التصور مطلوبا، لأنه سبيلنا إلى التطور والتجدد والتزكية.

- انتهى –

 

محمد محفوظ

 

 

قاسم محمد الياسريبما أننا بشر نتعامل في حياتنا مع المواضيع إعتمادا على تجاربنا الذاتيه ومعانيها الشخصية ومعيارنا الاخلاقي ستكون ماهية المواضيع نسبية لا مطلقة وأما المعنى الكامن وراء السلوكيات الفرديه سيكون متغيرا لا ثابتا وفق البيئة المجتمعية فكل منا يمتلك حياته الفكرية الخاصة به ويحاول إثبات وجوده في مجتمعه وفق منظوره الفكري وزاوية رؤيته للاحداث وإختلاف الأحكام التي تميزه عن الآخرين فجعلنا مصادرثقافتنا لكل فعل إجتماعي مختلفة عن الاخرين فاذا إختلفت أحكام الفاعل إختلفت صفات الفعل.. فنحن كأفراد نعيش اليوم في مجتمعنا حالة عدم رضا الذات ونجد صعوبة في التصالح مع ذواتنا وتلبية رغباتها ومطرقة الحياة واحتياجاتها وصعوباتها ووحشيتها تحيطنا من كل جانب والتي هي أسوا ماقد يمربه الإنسان في حياته حيث غالبا مايظهرعلى النفس بشكل أوبآخر إضطرابات نفسية تجعلنا غيرمدركين لما نريده بشكل واضح فتفاعل كل إنسان مع محيط حياته البيئية بكافة صورها يجعل تصرفاته في هذا التفاعل ينعكس داخليا على النفس وبمساعدة الجينات التي يحيط بها ضعف الارادة  فيجد كل فرد نفسه يعيش في صراع بين مطرقة الحياة وحاجاتها وإرضاء الذات ورغباتها أو إرضاء الآخرين وهذا يخلق تعقيدا داخليا يتضمن تضادا وصراع مابين الذات والآخرين في هذه الحياة مما يصعب ترتيب أوراق الذات الداخلية فيجد كل فرد نفسه وبدون وعي منه يعيش في حالة عدم الرضا عن ذاته وايضا يجد نفسه في سباق مارثوني يخوضه في حياته من خلال هذا الزمن الصعب المتغيروالذي أقسم أن يحبس أنفاسنا ورغباتنا التي نمنيها بالأمن والأمان بعيدا عن القلق ونحلم بالتفوق على كل الصعوبات التي تواجهنا. فاليوم نسبة عالية من مجتمعنا مصاب بهذيان نفسي وكأننا نتحدث مع ذواتنا ونلجا أحيانا الى أن نكتب أسطرمن حياتنا كقصص عن الزمن الذي كنا فيه نفرح ونحب ونتوادد بدفء ولذة وجدانية للاسف إنتهى برحلة تيه وضياع نعيشها اليوم إنه الهذيان النفسي الذي تراكمت نتائجه تحت مظلة هذه الحياة البائسة في هذا الزمن الخرب. فهواجسنا مافتئت تنفخ بتخوفنا فتدفعنا للوقوع في أكثرمن إنهيار في حسابات هذه الحياة وسط فقدان أحلام السعادة والتوادد والحب الذي صفقت لهم غرائزنا بقلوبنا وتسللت لها حمى عشق الحياة الحالفة أن تقبض على أرواحنا وتكتم على رغباتنا.. فتدهورت أحوالنا النفسية وأفضت الى نتائج كارثية جعلتنا نموت ببطئ وسط سلوكيات مضطربة متعددة ترتفع نسبتها مع مرور هذا الزمن الصعب واحداثه فزاد التفكيرمن حدة تأثرنا والتشكيك بأحاسيسنا.. إنه جنون من التحدي الذي يزج بنا الى سجن الاكتئاب وما محاولاتنا للتمرد على صوتنا المكبوت الذي وجد له ملاذا في جيناتنا الى جانب الصعوبات التي نواجهها والتخبط في واقع تحديات الحياة واحتياجاتها التي عصفت باستقرارنا النفسي.. وهنا لا يمكننا الحكم على رحلة حياتنا بالسوداوية بل هي الاضطرابات النفسية المتظامنة مع ضعف الارادة في الجيات وفقدان الرغبات بخراب النفس الذي نحمله يقودنا ويدفعنا الى التفكيركثيرا بالمجهول القادم بين كآبة ودموع وتقلبات مزاج تدفعنا للانحدار وعدم الإستقرار في حياتنا العامة وسط رعب وخوف فزجت بالكثيرمن أفراد مجتمعنا لإرتكاب حماقات وإقتراف أخطاء لا يمكن تجاهلها او الصفح عنها أو القفزعليها.. نعم إنها الحياة ولعبة الزمن المخيف التي تزين أحلامنا بموعدنا الآتي معها فأذا بها (تَضربُ أوتُضربْ) بفتح التاء اوبضم التاء لتنذرنا بما هو آت في هذه الحياة التي نحبها أكثر من أي شيئ في الوجود.ومشكلتنا أن هذه الحياة تعرف من أين تؤكل أكتافنا.وهي تضحك في وجوهنا نحن الحالفين أن نزهد فيها زهد الباحثين عن السعادة الحقيقية وهي تنظر إلينا أحيانا بنظراتها التحذيرية الواعدة وتارة ترجمنا بالحجر نحن المنقادين إليها إنقياد العبيد في زمن الجبابرة.. لقد بلغ بنا تشظي الروح وتمزق الذات مبلغه في رحلة الهوس الى أبعد مافي النفس من القدرة على العطاء فكيف لنا أن نتجاوزعقبة الخوف في سلالم التأمل بالنجاح والحذر من الوقوع في حفرة الفشل.. ففي ظل صراع وتسارع التفاعل مع محيط الحياة لإرضاء رغبات الاخرين الصعب مع إهمالنا لذواتنا ورغباتنا نحن.. فهل من الممكن مصارحة ذواتنا والتصالح معها حيث نظن إننا نفهم ذواتنا دائما بالقدرالذي يجعلنا نتوافق معها الحقيقة لا ليست كذالك لاننا لو نظرنا الى تصرفاتنا وسلوكنا بشكل أكثر تحليلا نجد أن طريقة تعاملنا في هذه الحياة مع رغبات النفس والاخرين هوالخيط الذي يكشف حقيقة ضعف الارادة في جيناتنا لأننا لم نعش بتناغم وإنسجام بين إنفسنا وسلوكنا إضافة الى صعوبة إتخاذنا القرارالذي يصنعه تفاعلنا مع بيئتنا الاجتماعية في محيط حياتنا فالذات لها رغباتها والحياة لها احتياجاتها التي لا بد منها بالتوازي في عالم اليوم كل لا يتجزأ لكن وبالتاكيد رغبات الذات أولا. لأن الحياة احتياجاتها حتمية وهي من يستدرجنا إليها كاستدراج الموت الى مقبرة الاجساد الهاربة من موعدها مع تراب القبر ومن هنا وجب علينا الإختيارمابين غرائزعزة أنفسنا وإذلالها نحن المتوددون الى مرمى أرواحنا كتودد العبد المسكين لسيده. ولا نبخل من القول في جنازة الرحيل الممتد على مساحة نعش الحياة مع كلماتنا الاخيرة بطلب الرحمة بعد أن يسدل ستار مسرح الحياة وينتهي فتح الباب للرياح الامارة بالانتصارالنفسي نكاية في شهوة الحياة تلك التي نستسلم لسوطها إستسلام الميت لحفار قبره.فباتت قناعتنا في هذه الحياة أننا مسيرين بإختيارنا ورغبتنا وارادتنا حتى نصل الى الموت ذالك الحاضرالغائب والحقيقة التي نحاول أن ننكرها أو نتهرب منها في دوامة الحياة واحتياجاتها ويبقى الموت يقبع بعيدا ينظرإلينا ويتصيدنا من وقت لآخر ليسلب من أرواحنا فرحتها فيطرق حياتنا بمطرقته فنتصدع أسفا على أحبة غادروا ورحلوا عنا ثم مانلبت أن نعاود الهروب بسلوكنا مع مغريات هذه الحياة ويعاود الموت يطاردنا لتدورعجلة الحياة هكذا على هذا المنوال كل منا ينتظر ساعته ولا خيار لنا سوى الإستسلام لأمواج الحزن في هذه الحياة  وصعوباتها التي تعصف بنا من كل جانب...

 

د. قاسم محمد الياسري

 

 

فارس حامد عبدالكريمالنُّكْتَةُ في قواميس اللغة هي (الفكرةُ اللطيفة المؤثِّرَة في النفس). ونُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ: أي (مُسْتَمْلَحَةٌ تُحْدِثُ فِي النَّفْسِ انْشِرَاحاً وَانْبِسَاطاً).

طبيعة ورمزية النكتة:

النكتة تقنية لغوية بالغة التكثيف بمضامينها المركزة صاغها عقل جماعي مجهول تقوم على عنصري المفاجأة والمفارقة التي تعج بها وقائع الحياة اليومية فيولدان حالة من الدهشة المقترنة بالمتعة التي يعبر عنها المتلقي بالضحك، وهو تأثير إيجابي.

انواع النكتة:

وتطلق على النكتة من حيث تأثرها، عدة اوصاف؛

نُكْتَةً مُسْتَمْلَحَةً: أي نَادِرَةً، تُضْحِكُ وَتَنْبَسِطُ لَهَا النَّفْسُ.

نكتة باردة؛ أي مُتكلَّفة لا حرارة فيها.

نكتة مبتذلة: أي تخدش الحياء.

نكتة سوداء؛ أي غير اخلاقية تطعن في الأعراض.

نكتة اجتماعية؛ تنال من المظاهر والتقاليد والمعتقدات الإجتماعية البالية.

نكتة سياسية؛ وهي شكل من أشكال المقاومة الثقافية تنال من الشؤون السياسية العامة بمظاهرها السلبية والتسلطية المختلفة.

دلالة النكتة:

ذهب ابن خلدون في مقدمته الى انه "إذا رأيت الناس تكثر الكلام المضحك وقت الكوارث، فاعلم أن الفقر قد أطبق عليهم، وهم قوم بهم غفلة واستعباد ومهانة، كمن يساق إلى الموت وهو مخمور".

أما الفيلسوف الفرنسي "هنري برجسون" فقد عرّف النكتة  بأنها "قهر القهر".

وفي مجال النكات السياسية يمكن التمييز بين نوعين من النكات:

اولهما؛ تلك النكات التي تطلقها الحكومات من خلال اجهزة متخصصة في مخابراتها وأجهزتها الامنية والمدروسة بعناية والتي تهدف الى تفريغ وامتصاص الغضب الشعبي وتحويله الى مجرد نكتة تنتهي بضحكة وضحكات عامة وبهدف ان يسلم النظام على رأسه. وتتنوع وسائل الدولة في ايصال نكاتها الى المواطن ومنها المسرحيات والافلام والبرامج الاذاعية والتلفازية فضلاً عن النكات المروية، وهذه النكات لاتمس شخوص السياسة ورموزها مطلقاً وانما تمس بعض الظواهر التي أثارت وتثير الغضب الشعبي مثل ازمة السكن والكهرباء والروتين الاداري، وقد تمتد لتشمل مجموعات او طائفة من الشعب غالباً مايثير ابنائها أو اتباعها حنق الحكومة ورجالها.

ثانيهما؛ النكات التي ينتجها الشعب من رحم معاناته وغضبه من السلطة العامة وأجهزتها سواء في الانظمة الديمقراطية او الانظمة الدكتاتورية مع الفارق،  هذه النكتة  قد يطلقها المواطن العادي او الصحف ووسائل الاعلام المعارضة.

 وعبر التاريخ كانت النكتة الشعبية تعبيراً صادقاً عن حال شعب مقهور بسبب ضنك العيش والفساد السياسي والأداري والاحتباس السياسي الناجم عن قمع الحريات العامة والاستبداد.

وعادة ما تمس هذه النكات الشخصيات السياسية ورجال الادارة العامة وسلطات الدولة المختلفة بشكل مباشر وبالأسم الصريح.

ومع ذلك فان للنكات التي يطلقها المواطنين طعم خاص فهل تمثل صرخة مدوية في مسامع السلطات ورجالها ولها تأثير قوي قد يهز وجود السلطة ويسقطها في نظر افراد الشعب، ولذلك تشدد الانظمة الدكتاتورية وكذلك البوليسية من العقوبات القاسية على مطلقي ومرددي النكات السياسية، وقد وصلت العقوبة في عهد النظام العراقي السابق الى الاعدام في سابقة غير مألوفة في العصر الحديث.

وقد شهدت الساحة العربية والعراقية العديد من الصحف والمجلات الساخرة ومن اشهرها مجلة المضحك المبكي السورية وحبزبوز العراقية، التي اغلقتها حكومة البعث في كلا البلدين بعد فترة وجيزة من تسلمها السلطة.

كما شهدت الساحة الفنية العربية والعراقية كتاب وفنانين كبار تخصصوا في الكوميديا السياسية سواء كانوا يمارسون عملهم بشكل مستقل او بإعتبارهم جزء من الاحزاب السياسبة المعارضة أو كانوا في حقيقتهم محسوبين على اجهزة الدولة السرية.

ومن هؤلاء عادل امام ودرديد لحام وسعيد صالح ونهاد قلعي ويوسف العاني واياد راضي.

يتضح ان النكتة السياسية سلاح ذو حدين فقد تستخدم كأحد الإجراءات للمحافظة على النظام السياسي وإمتصاص الغضب منه وتنفيسه وقد تكون احد وسائل الثوار لتقريع الانظمة الاستبدادية والفاسدة كجزء من عملية اسقاطها معنوياً تمهيداً لإسفاطها مادياً.

النكتة تتطوَّر ولا تُخترع:

يؤمن الفولكلوريون بأن النكتة لا يتم اختراعها ولكن تتطوَّر. وبحسبهم لا توجد نكتة محكية لأول مرة. فمعظم النكات المتداولة  تعود في أصولها إلى مئات السنين، ولكنها قد تظهر في كل مرة بثوب مختلف بحسب ما يخلع عليها الوسط الثقافي المتداولة فيه من مظهر جديد.

الفلاسفة والنكتة:

عبر التاريخ أحجم أغلب الفلاسفة عن دراسة النكتة والضحك بصورة متأنية، ويرجع ذلك لعدة اسباب من ضمنها المبدأ القائل إنه كلما كان الشيء ممتعاً كانت فلسفته أقل إمتاعاً والعكس صحيح. مثلاً الفن جميل ولكن فلسفة الفن مدعاة للملل، أما القانون فممل ولكن فلسفة القانون في غاية الإمتاع.

فرويد والنكتة:

وحسب سيگموند فرويد في كتابه «النكتة وعلاقتها باللاوعي» أن اللاوعي هو المسؤول عن صنع النكتة تماما كما هو مسؤول عن صنع الحلم. فالنكتة "آلية دفاعية" للتفريغ والتنفيس عن المكبوتات، فمن خلال الضحك والإضحاك يتمكن الفرد من التخلص من الضغوطات والاستدخالات النفسية والاجتماعية التي يتعرض لها يومياً، وفي هذا الصدد يميز فرويد بين نوعين من النكت؛ الأولى؛ بريئة وهي تهدف الى المرح وصناعة السعادة لا غير، وهي مفرغة من أي خلفية محددة لأطرها المرجعية وأبعادها القصدية.

والثانية؛ غير بريئة وهي النكت ذات المحمولات السياسية والجنسية، ويتوجب فيها التمييز بين الظاهر والمضمر، وبين غاية الإضحاك المعلنة وغاية الترميز والتشفير، إذ يُطلب من سامعها وناقلها أن يفكِّك الرمز ويؤول الإشارة.

والنكتة غير البريئة المشفرة تكشف عن حقيقة سوء العلاقة بين الحاكم والمحكوم وهو عواجه بالترميز كبت الحريات العامة وتشديد الرقابة على افواه الناس.

تاريخ النكتة

ورد في التاريخ الإغريقي، أن بلاميدوس، بطل حرب طروادة، هو أول من اخترع النكتة. وكان في أثينا حينئذ نادٍ كوميدي يسمَّى مجموعة الستين،  وتمت الإشارة الى كتاب واحد عن النكتة باللغة الإغريقية يعود إلى القرن الرابع أو الخامس الميلادي ويشتمل على 264 نكتة بعنوان الحبيب الضاحك (Philogelos). وقد أتت طبيعة النكات في هذا الكتاب مختصرة ومركزة مثل:

سأل حلاق أجيراً: كيف تريدني أن أقص شعرك؟

فأجاب الأجير: في صمت!!.

 ويجدر بالذكر أن هذه النكتة تُعد من ضمن أقدم عشر نكات مدوَّنة في التاريخ.

النكتة في التراث العربي والإسلامي:

للنكتة والفكاهة في التراث العربي والإسلامي تاريخ حافل وقد أجلى القرآن الكريم هذه الحقيقة حين بيّن أنها من دلائل عظمة الخالق جلّ وعلا؛ إذ قال: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا}. وقد قال الجاحظ (ت 255هـ/869م) –في كتابه ‘البخلاء‘- معلّقا على هذه الآية الكريمة: "فوضع الضحك بحذاء الحياة، ووضع البكاء بحذاء الموت"؛ فكأنما الضحك حياة، والبكاء موت.

ويروي أبو سعد الآبي الرازي (ت 421هـ/1031م) -في ‘نثر الدر‘- أنه قُدّم طعام رديء اسمه "الكامَخ" إدامُ الخبز) لأعرابي فلم يستطبه، وقال ما هذا؟!

قالوا: كامَخ.

قال: ومن أي شيء صُنع؟

قالوا: من الحنطة واللبن؛ قال: أبوان كريمان فانظر ماذا أنجبا! ودخل أعرابي آخر المسجد والإمام في الصلاة يقرأ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ}، فقال الأعرابي: والكامَخ، لا تنسه أصلحك الله!!

وفي كتب التراث حكايات كثيرة شعرا ونثرا تتجلى فيها مظاهر الفكاهة في المجتمع الأموي، وقد شملت كافة طبقات هذا المجتمع  منها مما رواه ابن عبد ربه في ‘العقد الفريد‘. فقد ظهر لنا في هذا العصر ظرف الإمام الفقيه المحدّث الشَّعبي (ت 109هـ/728م) الذي كان يستخدم أسلوب التغافل الفكِه، وعُرف عنه المزاح فكان كثير السخرية من الحمقى.

ودخل يوما رجل أحمق على الشعبي وهو جالس مع امرأته في بيته فقال: "أيكم الشَّعبي؟ فقال الشعبي: هذه! وأشار إلى زوجته؛ فقال: ما تقول -أصلحك الله- في رجل شتمني أول يوم في رمضان، هل يُؤجر؟ قال: إن قال لك يا أحمق، فإني أرجو له"!!

وفي العصر العباسي يعد الجاحظ ذروة للأدب والأديب الساخر، ويلاحظ الباحث أحمد عبد الغفار عبيد -في ‘أدب الفكاهة عند الجاحظ‘- أنه "كان يستخدم الإطار الفكاهي ليوجّه نقداته الهادفة، وسُخرياته المرّة إلى الأدواء الاجتماعية، والنقائص الأخلاقية التي يراها فاشية في الناس من حوله".

وقد انتقد الجاحظ -بأسلوبه الممزوج بالسخرية ولغته الجزلة العذبة- أدواءً اجتماعية مثل الكذب والبخل وعجائب الظواهر الاجتماعية التي رآها في الشعوب؛ فتناول مثلا ظاهرة القُصَّاص والوعّاظ ممن لم يحصّلوا علمًا حقيقيًا وأوهموا العامة في زمنه بأنهم علماء لا يُشق لهم غبار، وكانت تصدر منهم أفعال وأقوال على قدر كبير من الغرابة والفكاهة.

قال الجاحظ: أتتني امرأة، وأنا على باب داري، فقالت: لي إليك حاجة وأريد أن تمشي معي، فقمت معها إلى أن أتت بي إلى صائغ وقالت له: مثل هذا ! وانصرفت.

فسأل الصائغ عن قولها، فقال: إنها أتت إلى تسألني أن أنقش لها على الخاتم صورة شيطان، فقلت لها: ما رأيت الشيطان لأنقش صورته !! فأتت بك وقالت ما سمعت !!!

وكان أبو كعب القاصّ يحكي ما في جُعبته بمسجد عتّاب ببغداد القديمة كل أربعاء، " ويروي ابن الجوزي (ت 597هـ/1200م) -في ‘أخبار الحمقى والمغفلين‘- أن أبا كعب هذا قال مرة في قصصه: "كان اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا وكذا؛

فقالوا له: إن يوسف لم يأكله الذئب!

قال: فهو اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف!".

فإذا كان الأديب الفارسي عبد الله بن المقفّع (ت 142هـ/760م) أول رائد -في لغة الضاد- لهذا اللون الأدبي بترجمته لكتاب ‘كليلة ودمنة‘، الذي أورد جامعه على لسان أبطال قصصه من الحيوانات صنوفًا من الحكمة والأدب؛ فإن ذروة الكوميديا التشخيصية وُلدت مع ميلاد فن المقامات على يد بديع الزمان الهمذاني (ت 398هـ/1009م)، ثم من بعده الحريري البصْريّ (ت 516هـ/1122م).

وقد اشتُهرت شخصيات كوميدية في ذلك العصر مثل أبي العيناء وجحا والجمّاز وغيرهم. فقد عاش جُحا –أو "جِحَى: نوح أبو الغصن" حسب الصفدي (ت 764هـ/1363م) في ‘الوافي بالوفيات‘ الذي نسب إلى الجاحظ قوله إن عُمْر جحى "أربى على المئة"- بين القرن الأول والثاني الهجريين، وكان من أشهر أصحاب النوادر والفكاهة الشعبية في ذلك العصر وما تلاه.

وقد روى الدميري في ‘حياة الحيوان‘ أن والي الكوفة موسى بن عيسى الهاشمي (ت 168هـ/784م) مرّ على جحا يومًا وهو يحفر في منطقة صحراوية، فقال له: "ما بالك يا أبا الغصن لأي شيء تحفر؟ فقال: إني دفنتُ في هذه الصحراء دراهم ولستُ أهتدي إلى مكانها. فقال له موسى: كان ينبغي أن تجعلَ عليها علامة، قال: لقد فعلتُ، قال: ماذا؟ قال: سحابةٌ في السماء كانت تُظلّها، ولستُ أدري موضع العلامة الآن"!!

وروي ان جحا جالساً مع تيمورلنك ذات يوم. فقال تيمورلنك: إن الألقاب التي فيها اسم الله كالواثق بالله والمنتصر بالله تعجبني.. فهلا اخترت لي اسماً مثل ذلك يا جحا ؟؟

فقال جحا وقد ارتسمت على وجهة ابتسامة ساخرة: " اخترت لك اسم ( العياذ بالله)"!

القاضي البخيل) كان جحا في نزهة مع أصحابه، وبعد الطعام انصرفوا إلى بركة كبيرة يغسلون بها أيديهم فصادف أن زلقت رجل القاضي فوقع في البركة، فتسابق الرفاق لانتشاله قائلين: هات يدك.. هات يدك.. فلم يمد القاضي يده.. فصاح بهم جحا: لا تقولوا له هات فإنه لم يتعود سماعها، ثم تقدم منه وقال: خذ.. خذ يدي، فأخذ القاضي يده وأمسك بيد جحا ونجا !!

النكتة في إطار الصراع الايدولوجي والحرب الباردة:

روي عن الفنان الامريكي الساخر بوب تايلر انه سُأل ذات مرة عن سبب سبق السوفيت باطلاق مركبة فضائية  تدور حول الارض قبل امريكا؛ فأجاب ساخراً؛ لأن الألمان الذين لديهم أفضل من الألمان الذين لدينا!!!.

وفي المانيا النازية كلفت نكتة احدى العاملات من برلين حياتها، فقد وشت بها إحدى زميلاتها لأنها ألقت هذه النكتة: "كان غورينغ وهتلر في أعلى برج الإذاعة في برلين..وسأل هتلر ماذا يتعين القيام به لرفع معنويات سكان برلين فأجابه غورينغ: أرم نفسك".

وتقول إحدى النكات في عهد النازية أن "ليفي وهيرش التقيا في إحدى غابات إفريقيا.. فسأل ليفي: ماذا تفعل هنا؟ أجابه هيرش: أبحث عن العاج وأصطاد الفيلة، وأنت؟ فقال ليفي: لدي متجر أبيع فيه جلد التماسيح وأصطاد التماسيح.. هل تعرف ما حل بصديقنا سايمون؟ فأجاب هيرش: إنه فعلا مغامر حقيقي.. لقد بقي في برلين".

‎في الإتحاد السوفيتي يعود أب لستة اولاد متعب إلى المنزل بعد في نوبة عمل ليلية فيحيط به الأطفال ويطلبون اللعب.

يقول؛ حسناً، لنلعب لعبة تسمى الضريح حيث سأكون أنا لينين وستكونون انتم الحراس.

ونكتة تقول ان ماركس عاد الى الحياة وتحدث في الراديو دون ان يزيد على جملة واحدة "ياعمال العالم سامحوني".

وتتساءل النكتة الصينية لماذا تتحرك الشرطة الصينية دائما في مجموعة من ثلاثة أشخاص؟ ويجيب: يقولون إن الأول يعرف القراءة والثاني يعرف الكتابة والثالث يراقب هذين المثقفين،

دخل قاضٍ في محكمة بألمانيا الشرقية وهو يضحك دون توقف، ولما سأله زملاؤه بين نوبتين من الضحك قال لهم إنه سمع نكتة عن الحزب والحكومة، وعندما سألوه عنها، قال "لا أستطيع أن أقولها لكم، أنا حكمت على قائلها بثلاث سنوات".

بعد اشتداد وقع الحصار وفي الشتاء البارد القارص في نهاية التسعينيات واللافتات الرئاسية تملأ الشوارع وتشيد بالانتصار على امريكا وحلفائها الخونة المرتزقة العملاء‚ كان هناك رجل يترنح قهرا وجوعا في شارع السعدون أحد شوارع بغداد الرئيسية ويلبس ملابس رثة بالية يؤشر على سترته المهترئة ويصيح بأعلى صوته الله أيساعد امريكا... الله أيساعد امريكا. وعندما طوقوه رجال الآمن والمخابرات وسئلوه ماذا تقصد ب الله أيساعد امريكا؟ فأجابهم اذا أحنا أنتصرنا بالحرب وصار بينا هيج فلك  فشلون حال امريكا هسة خطية! وهيه خسرت الحرب كما يقول الريس!

في أحد رياض الأطفال في بغداد‚ قالت المعلمة: أعزائي الحلوين العراق جنة الله في الأرض ‚ غنية بالأكل والماء العذب وكل البضائع اللي يحتاجها ماما وبابا. وكل الاطفال فرحانين تغني وتلعب ويروحلهم بابا صدام ينطيهم نستله وجكليت ولعابات حلوة. وفجأة سمعت المعلمة بكاء طفلة في الصف. سألتها: هاي شبيج حبيبتي ليش دتبجين؟ جاوبتها الطفلة وهي تبكي: الله يخليج ست ‚ عفيه وديني للعراق!

وقيل انه ذات يوم روى شارلي شابلن نكتة أمام الجمهور  فضحك الجميع..

وأعادها للمرة الثانية، فضحك البعض فقط

وحين أعادها للمرة الثالثة، لم يضحك أحد !

بعدها علق قائلاً؛ إذا لم تستطع أن تضحك وتضحك لنفس النكتة، فلماذا تبكي وتبكي لنفس الهم والمصاب !؟

ويروى عن شابلن قوله (أكثر يوم تضيعه في حياتك، هو اليوم الذي لا تضحك فيه).

 

فارس حامد عبد الكريم

 

عصر التنوير عصر نشأت فيه حركة ثقافية تاريخية في القارة الأوروبية قامت بالدفاع عن العقلانية ومبادئها كوسائل لتأسيس النظام الشرعي للأخلاق والمعرفة بدلا عن الدين.

"فولتير" (Voltaire) الذي عاش بين عامي 1694 و1778 هو من أعظم فلاسفة عصر التنوير.

هناك من لقب "فولتير" بأبي التنوير. ولئن أنكر عليه البعض هذه الصفة واختلف البعض الآخر في تحديد هويته الفلسفية فهذا لا ينفي، بدون أدنۍ شك، أنه خير شاهد علۍ عصره.

كان "فولتير" غزير الإنتاج في شتى المجالات. كان كاتباً مسرحياً، وروائياً، وشاعراً، ومؤرخاً، وفيلسوفاً. ما تركه من نفيس الأثر أصدق دليل على كونه ذلك.

من آثاره القيمة رواية "كانديد"  (Candide)‏ وهي رواية فلسفية من أشهر روايات الأديب الفرنسي والتي كتبها عام 1759.

نقد"فولتير" من خلال الرواية فلسفة التّفاؤل التي كان أحد رموزها الفيلسوف الألماني "ليبنتز" (Leibniz) عاش هذا الفيلسوف بين عامي 1646 و1716. هو صاحب مقولة أن " كُلُّ شَيءٍ سيَسيرُ إلى الأَفْضلِ في أَفْضلِ العَوالِمِ المُمكِنة".

لن نتناول رواية "كانديد" من منحاها الفلسفي العميق ولكن يهمنا أن نتطرق من خلالها إلۍ ما تضمنته فيما يتعلق بمفهوم التشاؤم وفي مقابله التفاؤل بماهما تعبيران عن تجربة شعورية.

تدور أحداث القصة حول شاب طيب، حد السذاجة، يدعۍ" كانديد". هذا الشاب عاش وترعرع في قصر خاله الذي عهد بتعليمه إلى أحد المعلمين. رسخ لديه معلمه فكر التفاؤل وحسن النية. تربۍعلۍ أن يرۍ الكون جميلا، أن يتوسم الخير في جميع الناس ويثق بهم وأن ينظر إلى الوجود نظرة إيجابية. لكن تبدلت حياته حين اكتشف خاله علاقته بابنته الجميلة فقام بطرده من جنة النعيم ليلقي به خارج أسوارها.

إلا أن ابتعاد "كانديد"عن العيش الرغيد لن يبدّل من تعامله المتفائل مع الحياة، حتى وإن وجد نفسه شريداً مفقرا.

لم يدفعه تبدل عيشه من النقيض إلۍ النقيض إلۍ التشاؤم بل كان يؤمن أن كل ما يعترضه من صعوبات له غاية فضلى.

في الحياة قد تعترضنا المحن شأننا شأن "كانديد" وقد نجهل للوهلة الأولۍ الغاية من الصعوبات ومن العثرات لكننا لو نظرنا إليها بعين التفاؤل سنرۍ حتما أنها تؤدي إلى الخير وسنقول إن كل ما يحصل لنا من مكروه، تأباه النفس، هو في أصله خير.

ولكن في مقابل التفاؤل، توجد نظرة أخرۍ إلۍ الوجود تراه بعين متشائمة.

مصطلح التشاؤم (Pessimism) مشتقٌّ من الكلمة اللاتينية "Pessimus" والتي تعني "الأسوأ". ويميلُ المتشائمون بشكلٍ عامّ إلى التركيز على سلبيّات الحياة.

في هذا نلاحظ أن الفلسفة التشاؤميّة هي الفكرة التي تنظُ إلى العالم بأسلوب يتّسم بمناهضةٍ كلية للتّفاؤل. المتشائمون الفلسفيون هم من العدميين الوجوديين الذين يؤمنون أَنْ ليس للحياة أيّ معنى أو قيمة جوهرية. حسب رأيهم فإن الوجود في حد ذاته بما فيه من أفعال ومعاناة ومشاعر هو أيضا بلا معنى. وما الالتزام العاطفي إلا عبء يثقل كاهل الإنسان ويزيد من معاناته.

بين ضفتي التفاؤل والتشاؤم نجد أنفسنا في وضعيات لا تكون مريحة. قد يعطيك التفاؤل شعورا زائفا بالأمان، وقد يعرضك لخيبات أمل في نتائج كنت تتوقعها أوفي أشخاص كنت تتوسم فيهم خيرا. انفتاح المتفائل علۍ الحياة والناس يجعله يتوقع الخير حتۍ في غير موضعه فيلبس القبح قناع الجمال.

كذلك التشاؤم يجعلنا ننظر إلۍ الوجود نظرة خوف وارتياب و نصبح لا نتوقع سوۍ الأسوأ. لسان حال المتشائمين يردد دائما أن "الدنيا دار شقاء".

لكن ونحن نتأمل شأن التشاؤم والمتشائمين نتبين أن هناك تشاؤما مفيدا. التشاؤم المفيد يأخذ ذلك التفكير السلبي إلى مستوى آخر جديد كليا ويسخره كوسيلة للوصول إلى النتائج المرجوة. هو ما يسمۍ بلغة علم النفس الاجتماعي"التشاؤم الدفاعي". لا يُعتبر التشاؤم الدفاعي أسلوب توقّع داخلي بل هو إستراتيجية معرفية تستخدم في سياق تحقيق أهداف معيّنة.لا ينطوي التشاؤم على اجترار الأفكار المتعلّقة بالنتائج السلبية المُحتملة إلا أن "التشاؤم الدفاعي" هو سلوك استباقي لمواجهة هذه النتائج. أن تكون متشائماً تشاؤما دفاعيا يعني أنك حين تخطط لأمر ما، تفترض الأسوأ، فلا يباغتك الفشل علۍ حين غرة. إن هذا التشاؤم الواعي الذي يسبق الفشل يجعلك متهيئا فيتيح لك أن تكون قادراً على تصور خطة جديدة أكثر نجاعة. إنه من الخطر أحيانا أن تبالغ في التفاؤل لأنّ ذلك من شأنه أن يؤدي إلى عواقب وخيمة. مثلا عند المراجعة للامتحان لا تتوقع أن تكون الأسئلة غاية في السهولة، بل توقع أنّها ستكون صعبة حتۍ يكون لديك الحافز لمراجعة الدرس بشكلٍ أفضل. هكذا يتيح لك التشاؤم الدفاعي أن تكون دائما مستعدا لمواجهة المصاعب المُحتملة.

صحيح أننا نعيش في عالم يجهز على معنى التفاؤل خاصة عندما لا نجد تفسيرا للشر الكامن في البشر لكن بالنهاية نحن لا نملك في مواجهة ذلك سوۍ أن نقول ما قاله "كنديد "في آخر الرواية وبعد رحلة الشقاء في أسوأ العوالم أنه "علينا أن نزرع حديقتنا". يعني ذلك أنه علينا أن لا نفسح المجال للمصاعب والخيبات كي تحتل ذواتنا وتننزلق بنا إلۍ هوة اليأس.

التفاؤل يجعلنا لا نقطع صلتنا بكل ما هو قيمي في الحياة كالطيبة والإيثار والعطاء. أن نتفاءل هو أن نزهر من الداخل ونسقي زهورنا لتنمو أكثر وتتفتح.

هذا لا ينفي أن الإفراط في التفاؤل قد يجعلنا كمن يمشي علۍ رمال متحركه وهو لا يعي خطورتها إلا حين تبتلعه، تلكم الرمال. كذلك الإفراط في التشاءم قد يحول حياتنا إلۍ توجس وريبة فتغدو بلا معنى.

الروائي الفلسطيني الكبير إميل حبيبي في روايته ذائعة الصيت“المتشائل”، الصادرة في حيفا العام 1974 دمج كلمتي تفاؤل وتشاؤم واخترع كلمة متشائل، تعبيراً عن حالة يجد فيها الواحد نفسه لامتفائلا ولا متشائما، فيميل إلى اتخاذ موقف وسط، التموقع في منزلة بين المنزلتين.

لعل اختبار الشعور ونقيضه يتيح للمرء إمكانية السيطرة علۍ نفسه عند الضرورة دون بكاء علۍ ما فات أو توجس مما هو آت.

 

درصاف بندحر - تونس

.......................

المراجع:

- رواية "كنديد أو التفاؤل" لفولتير. 

- كتاب "أبحاث جديدة فى الفهم الانساني" لغوتفريد فيلهيلم ليبنتز.

- رواية "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" لإميل حبيبي.

 

القلم لفظ مشترك لمفهوم ذي مصاديق متعددة يتصدّرها القلم الذي ذكره القرآن الكريم في أول سورة منه كأوّلِ أداة تكمن أهميتها في تقييد العلم بالتدوين (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)[1]. أمر الله بالقراءة، ومن ثم الكتابة، وكأنه يؤكد على أن لغة الخطاب الشفاهية لوحدها غير كافية ما لم تُقيّد بالتدوين؛ فقرن القراءة بالكتابة حينما ذكر القلم لضرورته في تدوين ما يُقرأ. وأقسم به  الله جل وعلا في سورة القلم (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)[2]؛ ف(ن)-حسب بعض المفسرين- هي الدواة(المحبرة) أيّا كان نوعها، و(القلم) في الآية الكريمة هو القلم الذي نكتب به أيا كان نوعه. حرف النون هو الحرف الوحيد الشبيه بالمحبرة التي تُلازم وجود القلم؛ فمنها يستمد قوته لكي يكتب على الورق، (وما يسطرون)، وما يكتبون أو يعبّرون. والقرآن الكريم نزل بعد اختراع الإنسان القلم بصورته البدائية والدواة.

أورد العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره الميزان معنى القلم في الآية؛ موضّحا أن القلم هو مطلق القلم وما يسطر به من الكتابة، وقد أقسم به المولى؛ لأنه من أكبر النعم العظيمة التي وهبها الله لخلقه[3].

يُطلق لفظ القلم أيضا على أداة أوجدها الإنسان لتكون وسيلة التدوين لما يجول في خلده من مشاعر، وأفكار، ورغبات، وآمال، وآلام، وطموحات، ومنجزات، وعما يدور في محيطه من أحداث، ومن ثم توسّعت وظيفة القلم حتى صار يدوّن للإنسانية لغاتها، وأديانها، وشرائعها، ومعتقداتها، وتواريخها، وحضاراتها، وأحداثها، وعلومها، ومعارفها، وفنونها، ومنجزاتها، ويرسم به الإنسان نظم حياته السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، ويؤرشف في كل حقل منها. ويبقى القلم يكتب ما دامت الحياة البشرية.

ولضرورة القلم في حياة الإنسان فقد أوجده بصورته البدائية؛ فكان الإصبع هو باكورة تاريخ القلم؛ وأول قلم كتب به الإنسان، حينما كان يقتل الحيوان، ويغمس في دمه إصبعه، ومن ثم يكتب به على جلود الحيوانات، أو جذوع الأشجار، أو الأحجار، أو جدران الكهوف. وكانت الكتابة عبارة عن صور، ورسوم، ورموز للتعبير عن مراد الإنسان، واستمر الإنسان يرسم لآلاف السنين. ومن ثم نشأ القلم السومري في القرن الرابع قبل الميلاد أداةً للتدوين، في بلاد الرافدين؛ وكان بصورته الأولى عبارة عن عود قصبي كتب به السومريون على ألواح من الطين اللزج، ومن ثم تركوها لتجف تحت ضوء الشمس. السومريون تصدّروا العالم فدوّنوا أفكارهم، ونظرياتهم، ومعتقداتهم، ومنجزاتهم[4]. "أما خير ما فعله السومريون فهو أنهم انشؤوا وطورّوا بالتدريج طريقة للكتابة بقلم القصب، وعلى الطين، مكّنت الإنسان لأول مرة في التاريخ من أن يدوّن، ويخلّد أعماله، وأفكاره، وآماله، ورغباته، وأحكامه، ومعتقداته"[5]. "وازداد وضوح تدوين اللغة السومرية في ألواح الطين المكتشفة في جملة مواضع قديمة من العصر المسمى عصر فجر السلالات الثاني في حدود(2800-2700ق.م)"[6].

وتبع السومريين المصريون القدامى؛ فصنعوا القلم من نبات القصب منذ 5500 عام، والإغريق في بلاد اليونان كتبوا بريش الطيور في عام500 قبل الميلاد، وانتقلت أقلام الريش الى أوروبا، ومن ثم الريشة المعدنية في مدينة برمنغهام البريطانية عام 1830. وقيل أن عالم الكيمياء جابر بن حيان صاحب الريادة في اختراع فكرة قلم الحبر الذي يحتوي خزان صغير، لكن لم يُكتَب لفكرته من التحقّق في عصره. وللعالم العربي عباس بن فرناس فضل اختراع قلم الحبر في القرن التاسع الميلادي، وتطورت بعدها صناعة القلم بأنواع، وأشكال متعددة، ثم تطوّر القلم حتى صار يُصنع من الخشب المُحشّى بالرصاص، ومن ثم بالحبر السائل، والحبر الجاف[7].

والقلم الحديث تطور بألوانه، وأشكاله حتى بلغ اليوم صورته الأخيرة متمثلا بالنقر على لوحة المفاتيح (الكيبورد) في الأجهزة الألكترونية، وصار البعض يستغني عن النقر على لوحة المفاتيح ببرنامج الخطاب الشفاهي، وبدوره يكتب له الجهاز الألكتروني ما يرومه بالاستعانة بالبرنامج، وهو مُتداول الآن لتسريع الأعمال، ويستعين به كبار السن، أو من يعاني من مشاكل البصر.

وقد يُستغنى عن لوحة المفاتيح ببرامج جديدة تكتب دون الاستعانة باليد في المستقبل القريب، وما يدرينا لعل الكتابة في المستقبل لا تتطلّب الإملاء على الجهاز لكي يكتب؛ إنما مجرّد التفكير بشيء ما يكتب الجهاز من تلقاء نفسه، فالعلم كل يوم يكتشف، ويقدم لنا الجديد في مختلف الحقول.

قلم الكاتب فيه وجهان صائب وخاطئ؛ فالصائب له سمات عدة منها؛ الصادق، المبدع، الملهم، المصلح، المفيد، المخلص، الأمين، المُرمّم، البنّاء، الحر، المُجدِّد. والخاطئ له سمات عدة منها؛ الكاذب، الهدّام، الضار، الأجير، الغادر، الخائن، الجارح، المؤلم، المفسد، القاتل. فالكتابة هي نتاج القلم، ولها ألوانها، وآفاقها الشاسعة الممتدة بامتداد حياة الناس، والمختلفة باختلاف سجاياهم، وبصمات نفوسهم، وأنواع عقولهم.

القلم مادة جامدة؛ لكن فيه تتجسّد روح الكاتب فيبث المعنى في نفس وعقل المتلقي أو القارئ من أمواج إيجابية إن كان صائبا، أو سلبية إن كان خاطئا. كل ما يحمله القلم من أفكار الصواب، أو الخطأ من نفس وعقل الكاتب يتلقّاها القارئ؛ فتنعكس عليه بردود فعل إيجابية أو سلبية، فالقلم إما يُثري الأنفس والعقول بما يفيض عليها من أفكار نافعة وعلوم ومعارف، وما يعكس من كرم خُلق وسلوك قويم وفضائل وقيم ومثل أصيلة ومشاعر انطوت عليها نفس مُمْليها؛ أو يُحدثُ أضرارا وكوارث وفتنا ومعارك وحروبا، تنعكس على القارئ بالألم والضرر والضجر والخطر.

وظائف القلم

لا يمكن الإلمام بوظائف وفوائد القلم، ومهما عدّدناها فإنها ممتدة، وملازمة لاحتياجات البشر التدوينية التي تتوالد باستمرار، وتتكاثر. وفي كل أطواره وأشكاله يُمثِّل القلم منذ وجود الإنسان على الأرض أداةً الغرض منها تحرير الأفكار كيفما كانت بلغة خاصة من قالبها الداخلي الى قالبها الخارجي، بعد إنتاجها كليا في فضاء الكاتب المتضمن للنفس والعقل، ونقله الى فضاء القارئ.

وللقلم دور فعّال في حياة البشرية على صعيد الفرد، والمجتمع. على صعيد الفرد  يكمن دور القلم في كشف ذات الكاتب؛ ذاته التي تترقب منه المزيد من إذكاء الوعي والفهم وإحياء الأفكار، وتعديلها، وتنظيمها، والتأمل فيها، وتحليلها، وذلك باستحثاثه لشحذ قواه الذاتية لمواجهة جادة في الميدان الثقافي العام؛ لأنه يدخل في منافسة مع آخرين بنفس الاهتمام، ويتطلب منه تنمية ذاته الخاصة، وتطويرها بشكل مستمر دائم لتثبت بقوة، ولا تنهزم. شحذ القوى الذاتية يتطلب الاطلاع الدائم على منابع المعرفة التي تشمل اللغة والأفكار، لتنمية القلم، وإذكائه المستديم بالقراءة والكتابة الدائمين؛ لأن القلم يحرر النصوص الكاشفة عن هوية الذات، وصياغتها في قوالب لغوية معينة تختلف باختلاف الأفكار التي يتداولها الكاتب في فضائه، والنتيجة القلم كاشف عن هوية الكاتب، وبالتالي شخصه. والقلم وسيلة الدفاع عن النفس، فهو سيف الكاتب؛ والكاتب لا يحتاج الى سيف للدفاع عن نفسه كما قيل.

وتتعدد وظائف القلم للكاتب فبينه وبين صاحبه علاقة دينامية بالأخذ والعطاء، فالقلم يأخذ من صاحبه حينما يمده بالغذاء المعنوي الغني المفيد الذي به ينمو ويتطور؛ وهو- كما أوردنا - القراءة والتزود من منابع العلم والمعرفة، ويعطيه القلم بما يدوّنه ويرفده من كنوز المعرفة بمختلف حقولها وفروعها، فتتحقق السعادة لدى الكاتب؛ والسعادة التي يحققها القلم حين الكتابة فيها لونان من العطاء؛ الأول إضفاء شعور السعادة على الكاتب حينما يكتب بصدق ويقظة ضمير، والثاني هو وقع القلم على نفس وعقل القارئ حينما يكون مؤثرا؛ لأن القارئ يُشارك الكاتب إنجازه فتتحقق الفائدة لديه، ومن يكتب دون أن يتحقق شعور الفائدة، والارتياح، والسعادة على نفسه وعلى القارئ، فهذا يعني أن الكتابة تستنزف عقله ونفسه، فالكتابة الحقيقية هي التي تعطي، ولا تأخذ.

وعلى صعيد المجتمع فإن للقلم دورا فعالا في تدوين، وأرشفة حياة المجتمعات. وللقلم وظيفة مقدسة حيث دُوّنت به الكتب السماوية، وشرائع الأديان على اختلافها. أهمية القلم الكبرى هي حفظ أديان، وتراث، وتاريخ، وحضارات شعوب الأرض، ولولاه لما وصل الينا شيء منها.

يكتب القلم طبيعة حياة مجتمع ما، وتاريخه، وتراثه، وعاداته، وقيمه، ومنجزاته، وعلومه، وآدابه، وفنونه، وثقافاته؛ فيكشف لنا هوية ذلك المجتمع، وبصمته الخاصة، التي تميزه عن سائر المجتمعات الأخرى. وللقلم فضل كبير علينا فهو يرفدنا بمختلف العلوم في حقول المعرفة الشاسعة، وبكنوز الحضارات والثقافات.

وللقلم اليوم فائدة في مجال الطب النفسي، فالكتابة به إحدى طرق العلاج النفسي لبعض من الناس.أحيانا يكتب أحد ما باحثا عن مُتَنفَّس ليُفرغَ زفيرا اختنق فيه، ويستنشق عبر الصفحة أوكسجينا جديدا يتجدد فيه هواء النفس، فالكتابة تُفرغ أمواجه النفسية السالبة على الورقة، أو الصفحة الألكترونية، وبالمقابل تضفي عليه أمواجا موجبة. وفي هذا يؤكد أطباء علم النفس على ممارسة الكتابة لبعض من المرضى النفسيين؛ فهي وسيلة مهمة لإفراغ الأفكار السلبية، وتنشيط الذاكرة، وفتح آفاق جديدة عن النفس، والشخصية، والبيئة الاجتماعية المحيطة بالمريض. في هذا المضمار توصل جيمس بينبيكر الأستاذ في علم النفس الى اكتشاف مدهش، بعد أن حثّ مجموعة من الطلاب على الكتابة لمدة 15 دقيقة عن أكبر صدمة تعرضوا لها في حياتهم، أو موقف حرج مروا به، وأسدى نصيحته لهم بأن يطلقوا العنان لأفكارهم الدفينة، ويعبّروا عنها بالكتابة على الورق، وكرروا العمل لمدة أربعة أيام، بعدها رأى الأستاذ بينبيكر أن طالبا واحدا من بين 20 طالبا كان يجهش بالبكاء، ومع هذا فإنهم كانوا يُخيّرون ما بين التوقف عن الكتابة، أو مواصلتها؛ لكنهم كانوا يختارون مواصلة الكتابة على التوقف عنها[8].

القلمُ لسانُ النفسِ ورسولُ العقل

القلم كاشف لذات الكاتب، فالكتابة عملية نفسية وعقلية، والقلم فيها أداة فعالة فهو وسيلة النفس لإفراغ مخزونها من المشاعر والأحاسيس بصورها وألوانها، والكشف عن سماتها وطباعها، ووسيلة العقل للكشف عن هويته، وطبيعته، وأدائه، ومخططاته، وطروحاته. حين الكتابة تكتب النفس وما تنطوي عليه ويعتريها، والعقل وما يفكر به، فتنتج ثنائية النفس والعقل نصا خاصا جامعا يتجلى فيه أسلوب الكاتب في التعبير، والأسلوب هو مرآة الشخصية بكل عمل.

بشكل عام تجتمع خمسة عوامل لإنتاج النص هي النفس، والعقل؛ واللغة، والقلم، والقارئ؛ فالقارئ حاضر في ذهن الكاتب حين الكتابة. وقد لا تجتمع هذه العوامل كلها في كتابة نص معين عند كاتب معين، فليس بالضرورة أن يكون كل الكتّاب على وتيرة واحدة في التعبير وتدوين النصوص، كذلك يتبع ذلك نوعية النص المكتوب، وحقله الخاص. قد يكتبُ أحدٌ ما بلغة العقل؛ فهو قد يطرح موضوعا علميا بحتا، أو غيره بأي حقل، ويناقشه بمنطق عقله، لقارئ ما، أو لمجموعة خاصة، أو لعموم القراء. وقد يكتب أحدٌ بلغة النفس؛ فهو يكتب بما يجول في فضائها من مشاعر، وأحاسيس، وتصورات كيفما كانت، وبما تنطوي عليه نفسه لقارئ واحد، أو لمجموعة خاصة، أو لعموم القراء. وقد يكتب أحد بالنفس والعقل معا، والشعور الذي يعتريه هو الحفاظ على التوازن التام لإرضاء عدد لا بأس به من القرّاء. وقد لا تتقبل شريحة من القراء أسلوب طرحه لفكرة خاصة أو معالجتها. وأهم قوة مؤثرة للقلم هي مصداقيته في الطرح، والتحليل، والاستنتاح؛ فالقلم يمثل عقل الكاتب، وهوية نفسه، وكلما نقت سريرة النفس والعقل كان القلم صادقا، خالصا، نقيا، مؤثرا.

ويمكن القول إن من أجل الحفاظ على هوية القلم لكل كاتب هو فرض الرقابة الذاتية عليه لأنه أمانة بين يديه، والأمانة تقتضي الوفاء لها، والحرص عليها؛ هذا في حالة التفكير بكتابة في حقل خاص يحقق الفائدة للقراء. لذا فمن المهم الوفاء للقلم، ومراعاة الدقة في كتابة المعلومة، أو عرضها، أو ترتيبها، أو نقدها، أو تحليلها، وبذلك يكون الكاتب قد رفد القارئ والمتلقي رسالة نفسه وعقله معا، أو نفسه، أو عقله، وآخرها شخصه.

وتختلف أقلام الكُتّاب باختلاف شخوصهم واهتماماتهم، وتخصصاتهم، وثقافاتهم، فالجميع اليوم يكتب في مختلف العلوم النظرية والعملية، وفي مختلف الفنون، وتختلف تبعا لها أساليب القراءة لدى القارئ، وكل قارئ له قراءته الخاصة في حقل واحد، أو مجال واحد، أو في مجالات مختلفة. حينما نقرأ نصا مكثفا لكاتب معين، أو نقرأ نظريات لباحث، أو عالم في حقل نلمس قوة العقل لديه، أو نقرأ لأديب قصيدة شعر، أو نثر، أو خاطرة أدبية رائعة نلمس قوة الوجدان وسمو الإحساس لديه، أو نرى خريطة لمهندس خطّطها بقلمه نلمس قوة وروعة عقله الهندسي المنظم؛ وغير ذلك مما شاكل؛ فالقلم كاشف للطباع، والأفكار، والأحاسيس، والمشاعر، والطاقات، والمواهب، والإبداعات.

ما ينعكس على القارئ حين قراءة نص يعتمد على قوة التأثير عند الكاتب؛ وهي تتبع ذكاء الكاتب، وتنظيم عقله، وأسلوبه في طرح الفكرة، ومن ثم إخراج نصه الى عالم القارئ. وكل قارئ يتأثر بنوع معين من الكتابة، وللكتابة أنواع وألوان. في هذا المورد يقول الروائي ف. كورولنكو:

"يجب على الفنان أن يشعر دوما بالآخرين، وأن يلتفت ليس في لحظة الإبداع ذاتها؛ بل بعدها ليعرف ما إذا كانت فكرته، شعوره، شخصيته، تستطيع أن تقف أمام القارئ، وتصبح فكرته هو، شخصيته هو وحده، يجب عليه صقل كلمته بحيث تستطيع أن تقوم بهذا العمل حالا أو فيما بعد، أما إذا كانت مغلقة في حيز إرضاء الذات المنعزل فإنها تأخذ بالاضمحلال، تفقد القدرة والحيوية، تهزل، أو تتوجه الى أمزجة أحادية الجانب واستثنائية ذات صفة غريبة محضة"[9].

اختلاف أساليب الكتابة تتبع اهتمام الكُتّاب وتخصصاتهم، مع علمنا بأن بعضا من الكُتّاب يكتب في مجاله، وهو مفهوم لدى فئة خاصة من القراء لكنه غير مفهوم لأخرى. وقد نلمس أحيانا في أسلوب لكاتب الوضوح، والمصداقية العميقة، وملامسة نص الكاتب قلب القارئ، للحد الذي يشعر أن شخصية الكاتب عارية أمامه، لكن في أسلوب لكاتب آخر نلمس الغموض والإبهام، واختباء الكاتب خلف السطور لدرجة لا يكشف للقارئ ماذا يروم، لكن لا ننكر أن بعض الكتاب يكتبون لفئة خاصة تفهم ما يقصدونه ربما.

الكتابة عالم كبير كان فيما مضى مهيبا كونه مقتصرا على أهل الفكر، ومن يتوّفر على موهبة التعبير، لم يلجْه من هبّ ودبّ؛ لكن عالم الكتابة اليوم لم يعد حكرا على أحدٍ فالأغلبية اليوم اقتحمته، فكتبت، وتكتب بما راق، ويروق لها.

نقرأ كل يوم في الكتاب الورقي، أو الألكتروني، أو في منتديات العالم الافتراضي ما تتكرّم به أنامل الكتّاب والباحثين، أو المشتركين؛ بعض يكتب حسب اختصاصه؛ أساتذة علوم نظرية وتطبيقية. وبعضٌ أخرُ يكتب، وينشر ما طاب له مما هو نافع، أو مسلٍّ، أو ضارٍ أو مؤذٍ؛ ولا ننسى أن الكتابة إحدى صور العطاء ومن يعطِ يكُ حذرا حين يُعطي، وأسعد لحظة للكاتب حينما يكتب بصدق، ونقاء ضمير يقظ، والقلم كاشف عن الذات.

نستنتج مما تقدّم أن القلم أداة كاشفة عن جزء لا بأس به من بصمة شخصية الكاتب؛ فمراحل تكوين النص تشرع بدءاً بالنفس والعقل وما ينطويان عليه، ومن ثم ينتقل النص الى مرحلة الصياغة في قالب لغوي خاص يعبّر عنه القلم، الذي يفضي بالنص الى فضاء القارئ، والقلم أيضا أداة كاشفة عن بصمة كل مجتمع من المجتمعات البشرية.

أحيانا نقرأ كتابا يُغنينا عن عشرات الكتب، وبعض المنشورات، أو الأعمدة القصيرة تغني القارئ عن قراءة عشرات الصفحات في مختلف حقول المعرفة، وتتحقق لديه ثقافة عامة، وحتى بعض الحوارات تُغني عن قراءات كثيرة.

وأحيانا نقرأ سطرا واحدا يكتبه خبير في حقل ما يغنينا عن قراءة صفحات كتبها آخر غير مختص في نفس الحقل. وقد تكمن مشكلة في بعض الكتابات؛ وهي أن كتّابها ليسوا ذوي دراية واختصاص في حقل معين؛ وحين يطرحون، أو ينظّرون فيه يظهر تشويش وخلط فيما يطرحون، وقد يتلقّاها بعض القراء على أنها مسلمّات يمكن الأخذ بها.

يمكن لأيٍ منا طرح آرائه وأفكاره الخاصة إذا كان متخصصا في مجال نظري، أو عملي، وقد يكون مبدعا في حقله لو استطاع التعمق فيه أكثر؛ فيحقق فائدة لنفسه ومجتمعه؛ فالمجتمع يحتاج النظر، والعمل في مختلف الحقول؛ لأجل النمو، والتطور، والتكامل. لنترك الحقول التي لا علم لنا، ولا دراية تامة بها لأهل الاختصاص فهم أدرى بها، وأكثر فهما واطلاعا.

كل ما تقدم كان، ويكون، وسيكون، وسيبقى بفضل القلم، الأداة العظيمة التي منحت الإنسان القدرة على تجسيد كل ما يجول في داخله، وخارجه بالتدوين، وحفظت علومه، ومعارفه، وتاريخه، وحضاراته منذ فجر التاريخ، ولليوم الأخير من حياته.

في العالم الافتراضي اليوم الجميع يكتب بما شاء ويشاء، لكن تبقى ضرورة لمن يكتب، هي أن يضع نصب عينيه السكينة النفسية والعقلية للقراء، رفقا بهم فالعالم الافتراضي مُرهق للنفس، والعقل دون رحمة.

 

إنتزال الجبوري

.............................

[1] العلق- الآيات 3-5.

[2]  القلم- 1.

[3]  أنظر: الطباطبائي، السيد محمدحسين. الميزان في تفسير القرآن، ج19، ص377-378.

[4] أنظر: القلم من الدم الى الحبر. موقع صحيفة (البيان)(23/1/2010).

[5]   كل شيء من الماء والقصب. صحيفة العالم الجديد (4/2/2016).

[6]  باقر، طه. مقدمة في تاريخ الحضارات، ج1. بيروت: دار الوراق للنشر، ط1، 2009، ص78.

[7]  كل شيء من الماء والقصب. صحيفة العالم الجديد(4/2/2016).

[8] موقع ب.ب.س الألكتروني.

[9]  مينا، حنا. كيف حملتُ القلم. بيروت: دار الآداب، الطبعة الأولى، 1986، ص27.

 

 

داود السلمانمقدرات الإنسان الفكريّة والذهنيّة لم تقف عند حدّ، بل هو دائم المسعى في تذليل الصعاب، يفكر بعقله ويتأمل بذهنه، ويعمل بكلتا يديه.

ومن ذلك وفي مرحلة من مراحل حياة الإنسان المتدرجة، داهمه التفكير وراح يفكر بكل ما يراه شاخصًا أمامه ويتراءى له، في الكون، وفي الوجود، وفي السماء، وفي النجوم التي تظهر في السماء، بل وفي كل الشيء، وهي ما نطلق عليها بـ "مرحلة التفلسف". والتفلسف يعني حرية التعبير والبحث والإنتاج المعرفي، التفلسف يعني البحث عن الحقائق، فالفلسفة ما هي إلّا الرغبة الطبيعية في طلب المعرفة لذاتها، ومنها انطلق اسم الفلسفة على كل علم يصل إليه العقل عن طريق النظر الفكري بعكس الأيمان الإلهي، الذي يعود الى الغيبيات والماورائيات.

والفلسفة بدورها وتوقظ الفكر المنطقي للوصول الى حقيقة موضوعية متسلسلة، وذلك بالاستدلال الصحيح والفهم والتركيب والتنظيم والتحليل والتصنيف، وبالتالي لنصل الى نتيجة موضوعية وهي المبتغى. والفيلسوف هو إنسان لا يخاف من الأسئلة الكبيرة: من أين جئنا؟ والى أين نحن ذاهبون؟ وهل ثمة مدبّر للكون؟.

وفي كتاب "مبادئ الفلسفة" الأستاذ "رابوبرت" معنى «يتفلسف» أنه يبحث في ماهية الأشياء وأصولها وعلاقة بعضها ببعض، وليس يخلو إنسان من هذا العمل وقتًا ما، فساغ لنا أن نقول: إن كل إنسان متوسط الفكر يتفلسف، وإن كل الناس فلاسفة إلى حدّ ما، مع تفاوت فيما بينهم، إلا من استعبدته شهواته، إلا أن كلمة «فيلسوف» إذا استعملت بدقة لا تطلق على من ينظر إلى الشيء أحيانًا فيتأمله ويفحصه أو يشك فيه، ثم يرى فيه رأيًا يعتقده ويتمسك به، بل كما أنَّا لا نسمي زجَّاجًا ولا قفَّالًا من أصلح في بيته لوح زجاج كُسِرَ، أو عالج قفلًا فَسَدَ، إنما الزجَّاج أو القفَّال من اتخذ ذلك العمل حرفة في حياته، ولم يقتصر على التعليم الصحيح، بل أكسبته المثابرة على العمل مرانة وبراعة، وعرف كيف يصل إلى نتيجة خير مما يصل إليها غير المتمرن بجهدٍ أقلَّ من جهدِه، فكذلك لا نسمي فيلسوفًا إلا من كان أهم أغراضه في حياته درس طبائع الأشياء وتعقلها، وعُدّته في ذلك فِكْره، وكان له بمزاولة ذلك قدرة على إدراك الأشياء بسرعة، وكما أن الصنّاع على اختلاف أنواعهم يعرفون دقائق عملهم، وإن شئت فقل ينبغي أن يعرفوا ذلك، وأن يكونوا على علم بأحدثِ ما اخترع مما يتعلق بعملهم، كذلك الفيلسوف المتخصص للفلسفة يجب أن يعرف ما وصل إليه مَنْ قبلَه، وما قالوه في المسائل التي تشغل فكره.

وبصورة عامة فالفلسفة، كما عبّروا عنها، هي حُب الحكمة؛ "فإذا كنت تعتقد أنك تحب الحكمة، فإن الفلسفة هي المجال الذي يُفترض أن تدرسه. ولكن ما هي الحكمة التي تُعلِّمُنا إياها الفلسفة؟ بالنسبة إلى سقراط، وتقريبًا كل الفلاسفة القدماء الذين جاءوا من بعده، الحكمة التي تعلمنا إياها الفلسفة تتعلق بما قد يعني عيش حياة بشرية طيبة. وكان بديهيًّا في معظم الأفكار الفلسفية القديمة أن الحياة البشرية الطيبة تكون أيضًا حياة سعيدة. وفي إطار هذا التصوُّر - الذي يوجد تعبيرٌ واضحٌ عنه لدى أرسطو، ولكنه يكون مفترضًا من قِبل المدارس الهلينستية اللاحقة مثل المدرسة الرواقية - فإن الفلسفة تسمح بتحقيق أعلى درجة من السعادة، وهي حياة التأمل الزاهد؛ ومن ثَمَّ فإن الفلسفة هي الحياة التأملية، الحياة التي توضع قيد الاختبار والفحص، ويصير الافتراض أن الحياة غير المختبرة لا تستحق أن تُعاش. وبالتالي ينبغي أن تشكِّل الفلسفة البشر، لا أن تعلِّمهم وتوجِّههم".

والتفلسف اليوم وصل إلى أوجه، بعد أن تطوّرت الفلسفة وأصبحت هناك مدارس فلسفية واتجاهات فلسفية أخرى، وتعتني بالفلسفة ودراستها دراسات موضوعيّة. فالفلسفة هي اليوم ليست بالأمس، أي قبل الف عام أو تزيد قليلا، حيث ازدادت الاتجاهات الفلسفية على ما هي عليه قبل ذلك العهد. فهناك الاتجاه العقلي. الاتجاه التجريبي، الاتجاه النقدي، الاتجاه التحليلي، والاتجاه البراغماتي، والوجودي وغير ذلك.

وثمة من تحدث عن أهمية الفلسفة من خلال مفهومين: من جهة أهميتها للفرد، ثم من جهة أهميتها للمجتمع، بالنسبة للفرد تكمن أهمية الفلسفة، في مساعدتها للفرد على معرفة ذاته والعالم وفهمهما، ثم تنمية قدرته على التفكير، واستثمارها من أجل إيجاد حلول للمشكلات التي تعترضه في حياته اليومية أو المهنية أو غيرها، كما أن الفلسفة تشبع الرغبة الطبيعية للفرد في اكتساب المعرفة وتحصيلها. أما فيما يخص أهميتها بالنسبة للمجتمع، فإننا نجد أغلب المؤسسات المدنية تعتمد على الأفكار الفلسفية في صياغة قرارتها التنظيمية وغيرها، كما أنها تمثل إحدى ركائز بناء الحضارة الإنسانية، فالتفكير الفلسفي يمكّن الانسان من نقد وتحليل الواقع الاجتماعي وعلاج مشكلاته، إضافة إلى ذلك، نجد بأن الأنظمة التربوية تعمل على بناء الأفكار الفلسفية التي يؤمن بها المجتمع، لاسيما المجتمعات الناهضة والمتطورة، التي تنظر الى الحياة إلى انها آخذة بالتطور مع تقدم الزمن.

واذا تطرقنا الى الفلسفة الحديثة والمعاصرة سنرى أنّ الفلسفة قد تشعبت حتى لقد عالجت هذه الفلسفة، قضايا فكرية معقدة وعويصة، وبزغ عن ذلك فكر أصيل ينظر الى المستقبل، فضلا عن الحاضر نظرية تفاؤلية، نظرة دحضت جميع الأفكار القديمة والنظريات المستهلكة، فضل عمّا توصل اليه إنسان اليوم من فكر ثر استوعب جميع الأسئلة المطروحة على سوح الفكر الفلسفي، نتيجة تطور عوامل الزمن، وتقدم العلوم الحديثة وفق آيات جديدة، ومناهج متقدمة، وأطر واسعة، فأن عقلية إنسان اليوم هي ليست عقلية قبل مئات السنين، يوم كان الإنسان ينظر من منظار ضيق الى القضايا المطروحة على الساحة الفكرية والفلسفية.

فمثلا قد تأثر نيوتن بالفلسفة الميكانيكية، وكان يفكر بميل القمر للانحسار، كما افترض وجود مدار دائري وعلاقة مربعة عكسية تساوي وتضاد بعض القيود الميكانيكية غير المعروفة لنظرية كبلر الثالثة، ووضع معادلة قوة الطرد المركزي التي تنص على أن" قوة الطرد المركزي على الجسم الدوار تتناسب طرديًا مع مربع سرعته وعكسيًا مع نصف قطر مداره". وكانت نظرية نيوتن للضوء قائمة على أن الضوء على خلاف الصوت ينتقل على شكل خطوط مستقيمة.

أما ما طرحه رينيه ديكارت في الفكر الفلسفي فهو ما لا يختلف عليه أثنان وتوصل ديكارت في وقت مبكّر  إلى منهج خاص، وقد ظهر هذا المنهج بأشكال متنوّعة في عمله بمجالات الرياضيات والفلسفة الطبيعية والميتافيزيقا، وفي المرحلة الأخيرة من حياته ضمّنه منهج الشكّ، أو ألحقه به. وفي أيّام ديكارت كان المثقّفون يعدّونه من كبار علماء الرياضيات، وعالمًا استطاع أن يطوّر فيزياء (أو نظرية للطبيعة) جديدة وشاملة لا تستثني الكائنات الحية، وفيلسوفًا اقترح ميتافيزيقا جديدة. وفي مرحلة من مراحل حياته اكتشف ديكارت الفكرة الرئيسية التي تتيح الهندسة التحليلية، وهي تتلخّص في تقنية وصف الخطوط، مهما كان نوعها، باستخدام معادلات رياضية تتضمّن نسبًا بين الأطوال.

ثمُ جاء بعد ذلك إيمانويل كانت بمنهج جديد هو المنهج النقدي، وبه غيّر كانت طبيعة الفلسفة الحديثة تغييرًا جذريًا، وأثر منهجه في الفلسفة المعاصرة، إذ أحدثت ما أسماه الفلاسفة، الثورة الكوبيرنيكية في مجال المعرفة، سواء على مستوى المنهج أو التصور أو المضامين والنتائج، ففلسفته اتسمت بالنقد، نقد العقل المحض، وتبيان حدوده، ونقد المعرفة، بإبراز شروط إمكان تحققها، انتقد الخلط بين مجال المعرفة النظرية والتطبيقية، حيث العلوم الطبيعية، ومجال الديني- الأخلاقي، دافع عن العقل التنويري المنفتح، وفضح تناقضات الفكر الميتافيزيقي، كاشفا عن عيوبه وأوهامه وتهافته، واصفا الميتافيزيقا بالعجوز الشمطاء التي كانت تتباهى بجمالها، وقد صارت الآن منعزلة عن العلوم، بينما العلوم الطبيعية تتقد وتتقدم بشكل رهيب، انتقد كانت الأخلاق السائدة، هدفه إعادة فهم وتأويل علاقة الدين بالفلسفة، والدين بالإنسان، منتقدا الممارسة الدينية التعسفية، ساعيا إلى إعادة تأسيس الدين على ضوء مبادئ الأخلاق العملية، حيث العقل العملي والإرادة الخيرة والأوامر الاخلاقية المطلقة وغير المشروطة بمنفعة ذاتية أو غيرية.

ولا ريب في أنّ كانْت كان فيلسوفًا عقلانيًّا إلى حدٍّ مفرط، يترك مساحةً قليلة جدًّا للاهتمامات التي تعطي معنًى لحياة الناس، لكن في تعيينه لحدودِ ما يمكن للفلسفة أن تزعمه بطريقة مبررة، فإنه يكون مدفوعًا أيضًا باتجاهٍ يتجاوز تلك الحدود.

 

داود السلمان

 

المقدمة: من بين القضايا المهمة التي تتعلق باللغة الفرنسية في الوقت الحاضر قضية أوضاع هذه اللغة في إطار التعليم الجامعي، ومنها أوضاعها في الأقسام غير المتخصصة في كلية اللغات (قسم اللغة الانكليزية)، ولعل ابرز مظاهر هذه الأوضاع، تدن  حاد في المهارات اللغوية المكتسبة من قبل الطلبة، وعزوف بعضهم عن الاهتمام بدراستها، وقد أجمعت دراسات وبحوث كثيرة تناولت هذه الإشكالية في  الكليات التي تدرس فيها اللغة الفرنسية  للطلبة غير المختصين على أن الإشكالية في إطارها العام ناجمة عن عوامل كثيرة بعضها، يتصل بالطلبة وأساليب التدريس، وواقع التعليم، فيما يتصل بعضها الأخر بالظروف الذاتية والموضوعية المتصلة بالتعليم الابتدائي والثانوي.

مظاهر المشكلة في كلية اللغات

من خلال تجربتنا البسيطة في تدريس  اللغة الفرنسية في الكلية، لمسنا خلالها أن هناك موقفا عقليا ونفسيا تجاه أهمية اللغة الفرنسية وقيمتها وضرورتها في حياة الطلاب الخاصة والعامة، وهذا الموقف هو ثمرة تجارب بعض الاساتذة في تعلم الفرنسية منذ المراحل الأولى للتعليم الثانوي، وما تزال هذه التجربة  تتأكد نتيجة ما عليه طرائق تدريس هذه المادة حاليا في الجامعة سواء أكانت  منهجا  أم أساتذة وظروفا عامة تحيط بكل ذلك، وقد أضيفت إليها في كلية اللغات نظرة بعض زملائنا من أساتذة القسم إلى ما عليه تدريس تلك المادة (كاختصاص ثاني) من فشل، فصار بعضهم يتندر بها ويعدها عالة على موادهم العلمية في جداولهم الدراسية، ومما يواجهون به من التسرب الملحوظ والتغيب عن حضور محاضرات الفرنسية، ومن ثم ما تؤول إليه النتائج عند نهاية العام الدراسي . أما الأسباب المباشرة الدقيقة التي تتعلق بتدريس اللغة الفرنسية فنعتقد أنها ناجمة عن عدة أسباب موضوعية وذاتية.

أولا: الأسباب الموضوعية

تتصل هذه الأسباب بما يأتي:

1- ضيق الإطار الزمني المحدد لتدريس منهج اللغة الفرنسية.

2- غياب المناهج الحديثة.

3- ضخامة أعداد الطلبة وافتقاد الوسائل اللازمة للعملية التعليمية

4- غياب وسائل الإيضاح.

إن هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى إضعاف جهد الأستاذ وتبديد طاقته دون جدوى.

ثانيا الأسباب الذاتية

وتتصل بمفردات منهج تدريس اللغة الفرنسية، وأساليب التدريسي في تبسيط المادة وقدراته على استثارة فعالية الطلبة وترغيبهم بمفردات المنهج وجدواها لتخصصهم اللغوي، ويمكن تشخيص محورين رئيسين في هذا المجال:

1- ازدحام مفردات منهج تدريس اللغة الفرنسية بموضوعات غير وظيفية، أي لا يحتاج إليها المستخدم في حياته العلمية والعملية.

2-  فقدان الربط بين اللغة الفرنسية ومجال التخصص في الكلية، وغياب الأساليب الصحيحة في التدريس وترغيب الطلاب.

مفردات المنهج

إن تفحصا دقيقا لمفردات منهج تدريس اللغة الفرنسية في قسم اللغة الانكليزية في ضوء المعطيات المتوافرة يكشف عن أن هذه المفردات ولاسيما ما يتصل منها بمادة اللغة والقواعد النحوية لم تعد بشكل جيد، وليست واضحة المعالم والأهداف فهي قد وضعت بشكل متسرع ولا تلبي الحاجات الفعلية الدقيقة لتخصص الطالب في اللغات الأخرى ويمكن إجمال هذه المفردات وكما يأتي:

مفردات النحو والقواعد واللغة:

فالقواعد النحوية واللغوية التي ندرسها في قسم اللغة الانكليزية تستند إلى أشكال المقاربة الصورية أو القاعدية  القديمة ولا تعدو أن تكون في ضوء اللسانيات الحديثة موضوعات مجردة ليس إلا، فهي أقرب إلى كونها بنية مجردة،  أما المقاربة الوظيفية أو مقاربة المعنى التي يدعو إليها كثيرون في ضوء اللسانيات الحديثة فترى أن اللغة من الممكن أن تسخر لتحقيق التواصل داخل المجتمعات البشرية لأن العبارات اللغوية في ضوء ذلك تعد وسائل تستعمل لتأدية أغراض تواصلية وتمتلك حساسية شعورية ومعنوية وإنسانية، إن المنحى الوظيفي أو الواقعي في تدريس اللغة وقواعدها يعطي زخما تدريبيا يحول القواعد إلى أساليب ومهارات ملموسة ويسوق أصحاب الاتجاه الوظيفي  في تدريس اللغة .

المقترحات

1- تنمية معارف الطالب اللغوية وتدريبه على امتلاك الوسائل التي تُعِينه على التحليل اللغوي، والمقابلة بين اللغة الفرنسية واللغة التي يدرسها، ومعرفة الفروق النِّظامية بينهما، لأن ذلك سيعينه على الترجمة إذا ترجم، وعلى تعليم إحدى اللغتين إذا علم.

2- التركيز على النحو الوظيفي، وربط أمثلته بالحياة المعاصرة.

3- تقليل أعداد المجموعات الطلابية.

4- إعادة النظر في مفردات منهج اللغة الفرنسية في هذا  المجال، وتحديد الأهداف العامة لمادة اللغة الفرنسية العامة، والأهداف الخاصة لكل عنصر من عناصرها الآتية:

أ) التحصيل المعرفي.

ب) الأداء الوظيفي.

ج) التذوق الجمالي.

5- تكليف الطلاب بمحاولة الترجمة في الصفوف التي يمارس خلالها الطلبة مادة الترجمة، لاسيما في  السنتين الأخيرتين من كلية اللغات ـ إن وجدت ـ، وتصحيح الأخطاء التي يقعون فيها باستمرار.

 

م.م. فكتوريا مناتي محمود

 

 

 

 

 

محمد محفوظمع موجبات الهجرة الإسلامية إلى الغرب، تحول المسلمون في الغرب إلى حقيقة اجتماعية وثقافية واضحة وصريحة، وأضحت هذه الحقيقة الاجتماعية بحاجة إلى المزيد من الاندماج في المجتمعات الغربية.. بمعنى أن الشعوب الغربية تنظر إلى المسلمين بوصفهم مجتمعا جديدا بحاجة إلى المزيد من الجهود إلى الاندماج التام في مجتمعاتهم الجديدة.. وفي الجهة المقابلة ينظر المسلمون أنهم بحاجة أن يعيشوا خصائصهم الدينية والثقافية بمعزل عن التأثيرات الدينية والسلوكية لمجتمعاتهم الجديدة.. ولو تأملنا في طبيعة التجربة الإسلامية في الغرب، لوجدنا أن هذه المسألة من أعقد المسائل الثقافية والحضارية التي تواجه المسلمين في الغرب.. فالمهمة الأساسية التي تنتظر المسلمين هي الاندماج في مجتمعاتهم الأوروبية الجديدة ومن المؤكد أن فعل الاندماج وممارسته، يفرض على المسلمين تحديات وأوضاع جديدة، تتطلب منهم العمل على تحقيق فعل الاندماج، دون التخلي عن خصائصهم الدينية والثقافية..

وبمقدار ما ينجح المسلمون في انجاز هذه المعادلة، بذات القدر يتقدم واقعهم الحياتي والسياسي والاقتصادي.. ومن الطبيعي القول إن " أهم تحد تمثل في غياب مفهوم محدد للاندماج الاجتماعي، فهذا المفهوم الحديث يستخدم دون تحديد واضح للدلالات، كما لا توجد نظرية واضحة تفسر الاندماج وكيفيته والعوامل الأساسية المؤثرة فيه.. وهذا يتطلب دراسة النظريات التي عنت بالعلاقات بين الجماعات من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي باعتبار أن المهاجرين أو الأقليات يمثلون جماعات طارئة على النسيج الاجتماعي أو لا تحظى بتعامل عادل أو بظروف مناسبة لاستيعابهم.. ومن خلال نظريات العلاقة بين الجماعات والأساليب النفسية والاجتماعية التي تلجأ إليها المجموعات الصغيرة أو الأقليات للدفاع عن مصالحها ووجودها وخصوصياتها " (ص 10-11، الأقليات المسلمة في الغرب – مشكلة التعايش والاندماج – السويد نموذجا)..

ويبدو من خلال الجماعات البشرية، التي اندمجت وتفاعلت على نحو ايجابي مع مجتمعات أكثر تقدما وتطورا منها.. أن السبيل الوحيد للفاعلية السياسية والاجتماعية لهذه الجماعات تبدأ حينما تندمج في المجتمعات الجديدة، وتتفاعل مع كل قضايا هذا المجتمع الجديدة..

وإن هذا التفاعل الخلاق هو الذي يحول هذه الجماعات إلى فاعل ثقافي وسياسي في مجتمعاتهم الجديدة..

ويحدد الدكتور طارق رمضان في كتابه (المسلمون في ظل العلمانية – واجبات المسلمين وحقوقهم في ظل المجتمعات العلمانية) عناصر الهوية بأربعة مكونات وهي كالتالي :

1- إيمان وروحانية وممارسة تعبدية..

2- إدراك معاني المصادر الإسلامية (الكتاب والسنة) بقدر إدراك السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي يعيش فيه المسلم..

3- التربية والتبليغ، فالدين أمانه يشهد عليها المسلم ويتعين عليه تبليغها عن طريق التربية..

4- العمل والمشاركة، فمعنى أن يكون المرء مسلما، أن يكون مؤثرا ومشاركا في الأنشطة الاجتماعية الرامية إلى إقامة العدل والرقي بالإنسان نحو الأحسن.. ويشير مضمون الكتاب الآنف الذكر إلى ضرورة إعمال اجتهاد فقهي يتيح الفرصة أمام الأجيال الشابة لكي تعيش دينها في انسجام داخل كل بلد تقيم فيه، وأن تحترم قوانين البلد وتعيش قيم المواطنة.. ويبدو أن الوصول إلى مستوى أن جميع الوجودات الإسلامية في الغرب يصبحون من المسلمين الأوروبيين، الذين لا يمارسون القطيعة مع أديانهم وثقافتهم،ويعملوا بكل جد واجتهاد للاندماج الكامل في مجتمعاتهم الجديدة..

فلا نريد للجماعات الإسلامية في الغرب أن تعيش العزلة والعجز والاغتراب في مجتمعاتهم الجديدة.. " لأن الاغتراب يقترن بعدم إمكانية الفرد على تحقيق توافقه النفسي وتوافقه مع الآخرين ، ولأن الاغتراب يؤدي إلى خمول وإطفاء حالة التفاعل الاجتماعي عند الفرد مما يجعله غير فعال اجتماعيا، وفاقدا للقدرات التي تحدد مدى مساهمته في البناء والتطور ".. (ص 15 – ابراهيم العبادي – الأقليات المسلمة في الغرب...).. فالذي نريده للجماعات الإسلامية في الغرب، أن تندمج في مجتمعاتها الجديدة، دون الذوبان والتخلي عن الخصوصيات الدينية والثقافية..

الاندماج المطلوب في المجتمعات الجديدة، لا يساوي الذوبان أو إخفاء الخصائص الثقافية، وإنما يعني التماسك والتداخل مع المحيط الاجتماعي والتفاعل مع قضاياه المختلفة.. فكل تداخل يفضي إلى المتانة والوحدة والتماسك والتكاسل يعد اندماجا.. فالاندماج ضد العزلة والانكفاء، كما هو بالضد من التبعثر وكثرة الخلافات والتشظي.. فهو أي الاندماج مشروع للتكامل والتوافق واتحاد الأجزاء مع بعضها البعض..

وعليه فإن الاندماج يعني بناء النسق الاجتماعي والثقافي على قاعدة الوحدة في التنوع، وبناء رؤية واحدة أو متسقة للعيش وفق الخصائص الذاتية دون الانحباس فيها.

 

محمد محفوظ