محمد الربيعي "ليس الجهل، لكن الجهل بالجهل هو موت المعرفة" - ألفريد نورث وايتهيد.

هذا النوع من الأمية يهددنا جميعا. إنها ليست الأمية التقليدية بمفهومها المتعارف عليه حيث لا يستطيع الشخص القراءة والكتابة. اننا نعيش اليوم تحت تأثير خطير من هذا الشكل الجديد من الأمية. وفقا للمفهوم المتعارف، "يُعامل الشخص البالغ من العمر سبعة أعوام فما فوق، والقادر على القراءة والكتابة بفهم بأي لغة، على أنه متعلم"، الا اننا نشهد الآن شكلاً من أشكال الأمية يتسلل إلى أولئك المتعلمين. اليوم، تحت تأثير العولمة "العالم قرية صغيرة" والتقنيات الرقمية والثقافة البصرية السائدة، يبدو اننا نقرأ (ونرى) بفهم أقل؟ هذا الشكل الجديد من الأمية له علاقة بنواقص معينة في الفهم. القراءة أكثر من مجرد رؤية الكلمات او حفضها. انها امر يتعلق بفهم الكلمات، حول اكتشاف وبناء المعنى حيث انه لا يتم جمع معنى الكلمات التي نقرأها من القواميس وحدها. اننا نحتاج الى الفهم لإدارة مهام الحياة اليومية التي تتطلب مهارات قراءة تتجاوز المستوى الأساسي بحيث تمكننا من المشاركة في جميع الأنشطة التي تتطلب معرفة القراءة والكتابة من أجل الأداء الفعال للمجتمع وأيضاً لتمكيننا من الاستمرار في استخدام القراءة والكتابة من أجل تطويرنا الشخصي وتطوير مجتمعنا.

ربما تكون الامية المقنعة أخطر أنواع الأمية وأكثرها تدميرا. لقد ذكرت في مستهل سؤالك مصطلحات كالامية الاكاديمية العلمية والامية المنهجية الفكرية والامية التقنية والامية الثقافية، وهي التي لا نمتلك فهم وإدراك جيدان للمشاكل المرتبطة بهذه الأنواع من الأمية. فإذا ما لاحظت أفرادا أميين غير متعلمين واميين وظيفيا، فأنت على دراية بالإحباط وخيبة الأمل الناجمة عن افتقارهم إلى معرفة القراءة والكتابة. هؤلاء الأفراد يدركون مشكلتهم وكثيرا ما يعزون فشلهم الى هذه المشكلة وهذا ما يعرف ويعترف المجتمع بها. ومع ذلك، هناك نوع آخر من الأميين وهم الافراد الذين يمكن أن يكونوا خطيرين ومدمرين بسبب نوع الأمية لديهم وهي ما اسميتها بالامية المقنعة وانا احب بتسميتها بالامية المختبئة ومن يتصف بها اسميه بالامي المختبئ. التسمية ليست بالمهمة وما يهم هو ان الأميين المقنعين يجهلون أميتهم. أميتهم مخفية عن أنفسهم. ولأنه لم يتم التعرف عليهم مطلقا فهم مخفيين عن الآخرين أيضا. الأميين االمقنعين يجهلون جهلهم. لا يعرفون أنهم لا يعرفون. إنهم لا يفهمون تماما المعلومات والأفكار التي يتم تلقيها أو دراستها أو تطبيقها ولا يدركون أنهم لا يفهمون. تقوم أفعالهم ومشاعرهم ومعتقداتهم على افتراضاتهم وأفكارهم ومفاهيمهم الخاطئة غير المعروفة. يمكن أن تتراوح مشاكل ونتائج كونك أميا خفيا من الهزل إلى الكارثة.

من هو الامي المقنع؟ هناك مثالين مختلقين عن الامي المقنع، الأول هو الفرد الذي يعاني من اضطراب في منهجية التفكير من ناحية، وقصور الفكر الجدلي من ناحية ثانية مما يجعله غير قادرا على الفهم بنوع من العجز يدفعه أحيانا الى اطلاق الاحكام المسبقة والاراء المتسرعة والادعاء بالقدرة على حل المشاكل دون ان يجشم نفسه عناء الجهد الفكري لتحليل الواقع وفهمه. والمثال الثاني يكمن في الجهل الوظيفي كموظف المكتب الذي لا يعرف الأنظمة واللوائح التي تحدد وظيفته ولا يعرف واجباته، او الطبيب الذي يصف لك عدد من الوصفات لا علاقة لاي منها بمرضك، او الميكانيكي الذي "أصلح" سيارتك ثلاث مرات لنفس المشكلة.

تظهر المشاكل التي تسببها الأمية المقنعة في القوانين التي لم تدرس مضامينها، او المنتجات التي لم تكتمل صناعتها، او الوظائف سيئة الأداء، او "الثقافة" الضارة. نحن بحاجة إلى مواجهة الحقيقة الصارخة المتمثلة في أن المشكلات التي غالبا ما توصف بأنها مشكلات "الإنتاج" أو "الجودة" أو حتى مشكلات "القهر والتسلط" قد تكون في الواقع مشكلات تعليمية. علامة التعليم الحقيقي هي القدرة على تكوين افراد متعلمين ومثقفين وإنتاج منتجات عالية الجودة بكميات كبيرة. الأمية المقنعة تمنع الإنتاج الجيد مهما كان مجال العمل، وهي كنتيجة لفقدان التعليم الحقيقي الذي يمكنها ان تؤدي الى حظر تدفق الأفكار في أي مجال تعليمي بطريقة تؤدي بدورها إلى قمع المزيد من الفهم والى تكوين افراد يمكن وصفهم بأنهم اميين مقنعين.

لربما من الصعوبة تصور وجود أساليب فاعلة لمكافحة هذه الظاهرة في ظل الانتشار السريع لوسائل الاتصال والحسابات الشخصية وصفحات التواصل التي حولت المثقف والمتعلم الى ممارسين لهواياتهم عبر الرسائل الفيسبوكية والتغريد وانغمارهم في حوارات وهمية وقضايا عامة، بالإضافة الى انتشار الفساد الإداري والمالي والذي يؤدي الى استغلال الموظف لموقعه وصلاحياته للحصول على مكاسب ومنافع غير مشروعة وبدون الحاجة الى بذل جهود إضافية للتعلم واكتساب المعرفة والخبرة. مع ذلك، يكمن أسلوب طويل المدى لايقاف انتشار الظاهرة في التعليم المستمر مدى الحياة والذي يهدف الى الحصول على خبرات تعليمية دون ربطها بعمر محدد او فترة زمنية معينة او مرحلة دراسية ويزيد من الثقة الشخصية عند الفرد ويشجع على تعزيز دور المشاركة الاجتماعية عنده، بالإضافة الى بناء الشخصية المتكاملة وتفعيل الفعل الثقافي الجاد والمستنير وتشجيع التفكير النقدي في المدارس والجامعات والذي يساعد في تعزيز قدرة الدماغ على التحليل المنطقي، من خلال دعم مهارات الافراد الشخصية المرتبطة بالفهم.

 

محمد الربيعي

.....................

* من حوار شامل حول التعليم نشرفي مجلة "الثقافة الجديدة" عدد: 419-420 اذار 2021.

 

 

تمت الإجابة على السؤال المطروح في الحلقات المتقدمة، من قبل: ا. د. محمد مسلم جمعة، ا. نور الدين علوش، ود. محمد عبده أبو العلا، د. علي رسول الربيعي، ود. أيمنة بن عودة، وا. محمد رياض الدقداقي، وأدناه جواب الدكتور نبيل ياسين:

أما السؤال: هل يمكنكم تقديم تسويغ لأيً من هذه النماذج كنظام دستوري يمكن أن يكون حلًا حيًاديًا أفضل أو معالجة دستورية تجدونها مناسبة للعلاقة بين الدولة والدين أو حتى نقدًا لكافة هذه الدساتير؟ (النماذج مذكورة في الحلقة الاولى على الرابط أدناه)

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_users&id=5889&lang=ar&view=articles

د. علي رسول الربيعي

.................................

نبيل ياسينجواب  نبيل ياسين عن سؤال الدستور

ماذا يفعل الدستور؟

ما يفعله الدستور عمليا، باحتوائه على قوانين اساسية، هو فصل الاستبداد عن الدولة. وبما ان الاستبداد ارتبط بالدين وفوّض نفسه الحكم المطلق باسم الاله، فقد كان فصل الدين عن الدولة، عمليا، هو فصل الاستبداد عن الحكم دستوريا.

لقد تحولت العلمانية تحولات تاريخية متراكمة . بالدساتير كانت تقلص من صلاحيات الملوك والأباطرة عبر حوادث ووقائع انتجت قوانين ومواد دستورية فعالة وحاكمة. فالدستور يحكم من خلال الرجال الذين اخترعوه ليلتزموا به.

واذا كانت (الشريعة) بمفهومها التاريخي سلاح التحالف بين رجال السلطة ورجال الدين الذي تم استخدامه تعسفيا، فان الدستور هو قانون الدولة الخاضع للمراقبة القضائية والبرلمانية وسلطة الرأي العام. انه منظمة تشرف على حل النزاعات سلميا.

وصل الدستور في القرن التاسع عشر الى ان يكون وثيقة اساسية للحكم . نحن نعلم ان عام ١٢١٥ كان عاما تاريخيا في نشأة الدستور حين صدر العهد الاعظم Magna Carta وتضمن مادة اساسية أصبحت سارية  المفعول بقوة، المادة التي تقول انه لايمكن سجن احد بدون محاكمة عادلة . وهي مادة بلغت من الفعالية عام ٢٠٠٤ أعلى مستوى، حين منع القاضي الفدرالي الامريكي، استنادا على هذه المادة، وبعد قرابة ٧٠٠ عام من صدورها، استمرار سجن  المقاتلين الذين القي القبض عليهم في أفغانستان في سجن غوانتينامو بدون محاكمة. كما رفض رئيس القضاة البريطاني عام ٢٠٠٧، بعد ان ضربت لندن موجة تفجيرات، طلب الحكومة تمديد فترة اعتقال المشتبه بهم لمدة ٧٢ ساعة، استنادا على مادة العهد الأعظم.

اكتب عن الدستور منذ ربع قرن . ولا اريد تكرار ما كتبته وكتبه الاخرون، فالدستور لايعني شيئا،بدون توفير العناصر الضامنة له، والتي تحميه. هذه العناصر تكمن في توفير  قضاء عادل وقوي، ورأي عام فعال، وصحافة قوية ومستقلة  كما هي الصحافة في فرنسا في القرن التاسع عشر. اذ يعتبر المؤرخ الفرنسي للدولة جاك دوفابر  فابر في كتابه ( الدولة) ان القرن التاسع عشر كان قرن حرية الصحافة في فرنسا. ويتعطل الدستور أيضا بدون وجود  مجتمع مدني فعال لايتخلى عن مجاله المدني للمجتمع السياسي كما يكتب منظر الديمقراطية الحديثة آلان تورين في كتابه ( مالديمقراطية) . فالدول الديكتاتورية أيضا تملك وثيقة  اسمها الدستور، وهي تنص غالبا على ماتضمنته الدساتير الديمقراطية في اوروبا، على الحريات وسيادة  القانون، وان السلطة مستمدة من الشعب. كما تنص على فصل السلطات والمساواة وتكافؤ الفرص وحرية الصحافة والمباديء الاخرى للديمقراطية . ولكن لاقيمة للدستور اذا بقي وثيقة غير محمية . فتعريف السلطة وتسويغها  مثلا، وهو ما يتضمنه أي دستور، لا يتحقق في النظام الجمهوري الذي تقوده طغم مدنية او عسكرية او قبلية او حزبية . كما ان الرأي العام، الذي يعرّفه الدستور بحقوقه وما ينتظره من السلطة لاينال من هذه الحقوق الدستورية شيئا، حيث يتسيد الاستبداد في ظل وثيقة دستورية تنص على تبادل سلمي للسلطة وعلى العدالة والمساواة وتوزيع السلطة وفصل السلطات ومنها فصل سلطة الدين على القوانين وحياة المواطنين، اذ ان فصل السلطات في الدستور الديمقراطي طال سلطة الدين على الدولة  ايضا، وهو ما سمح للعلمانية ان تقود فصل السلطات فصلا واقعيا ومتحققا  ليمارس الدين سلطته على المؤمنين به في البيت او دور العبادة لتكون الدولة ملكا لجميع المواطنين دون تمييز.

الهدف من الدستور، حسب فقهاء الدستور، هو اقامة  نظام عقلاني مستقر يتطور على ضوء الحاجات الواقعية وتجنب العنف والانقلابات التي تنسف استقرار الدولة، ويعزز من استقرار الدولة وفق مبدأ سيادة الشعب عبر الانتخاب العام،ويتجنب الانقلابات والاضطرابات من خلال اخضاع جميع القوانين والقرارات للنقد والمناقشة .

ان معظم الدساتير الحديثة، كما يؤكد دوفابر، تنطوي على بيان لحقوق الانسان والمواطن والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.  وهذه الحقوق الدستورية تعززت بالاعلان العالمي لحقوق الانسان عام ١٩٤٨، وبصكوك فيينا عام ١٩٦٦  بعد ان بدأت في لوائح الحقوق في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا منذ وقت مبكرنسبيا من تطور الحداثة السياسية  حين صدرت وثيقة الحقوق في بريطانيا عام ١٦٨٩ وتضمنت النص  على إن حق الملك في التاج مستمد من الشعب الممثل في البرلمان وليس من الله. كما نصت الوثبقة على حرمان الملك من الغاء القوانين او وقف تنفيذها او اصدار قوانين جديدة الا بموافقة البرلمان، وهو ما طالب به البرلمان في عهد المستبد الملك تشارلز وادى الى اعدامه . لقد تم نزع الالوهية عن الملوك وانهار حكمهم المطلق وظهر الدستور. اصبح الدستور هو الذي يحكم الملك بعد ان كان الملك يحكم ا باسم ا لله ويتعسف باعتباره مفوضا من الله.

الدستور هو (الكائن) المحصن بصلاحيات الفصل بين السلطات، وبتكريس سيادة القانون، كما في إنكلترا. فأحد مبادئ الدستور البريطاني هو انه يطبق من خلال سيادة القانون. أي حكم القانون  كما يكتب Sydney D .Bally  في كتابه British Parliamentary Democracy .اما المبدأ الدستوري الثاني فهو ان للبرلمان سيادة.

ولكن سيادة البرلمان ليست كافة بحد ذاتها. ففي العقد الثامن من القرن التاسع عشر ظهرت مجموعة من فقهاء الدستور في الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بعمل السلطة التنفيذية وعلاقته بالدستور، تعتقد ان قوانين الحكومة وجهازها الإداري، الخاضع للدستور، هي قوانين لا حياة فيها، وان ما يبعث فيها الروح هي الهيئات غير الرسمية مثل الرأي العام والأحزاب السياسية، وان هذه الهيئات غير الحكومية هي قلب عملية الحكم، كما يقول Austin Ranney  في كتابه The Governing of Men.

ان الدستور والقانون بحاجة الى وسائل حماية لتطبيقهما . ويؤكد على ذلك الفرنسي آلان تورين في كتابه (مالديمقراطية) على انه لا يجوز للمجتمع المدني (أي الهيئات المستقلة) ان تسمح للمجتمع السياسي  الزحف على مجال عملها غير الرسمي، لأن احد اهم ضمانات حماية وتطبيق الدستور والقانون هي العمل المدني الموازي والمنافس للعمل الحكومي.

واذا قرأنا كتاب دافيد أو. ستيوارت المميز (الرجال الذين اخترعوا الدستور في صيف ١٧٨٧)، والمقصود هنا هو الدستور الأمريكي، سنحظى بمتعة الرواية الأكثر دقة عن اجتماع ونقاشات واشنطون وماديسون ومايسون وويلسون وفرانكلين وهاملتون وجيفرسون وبقية رفاقهم وسنجد ان النزاعات النهرية قبل اكثر من عام على اجتماع هؤلاء الرجال كانت الدوافع الأولى. ولكن بمجرد انعقاد الاجتماعات ظهرت قضايا اكثر حدة مثل العبودية، التي تحولت من قضية اقتصادية الى قضية أخلاقية، وصلاحيات الحكومات المحلية وصلاحيات الكونغرس. أي باختصار ظهر سؤال: كيف تحكم؟

الدستور أيضا،ومن جديد، هو منظمة لحل النزاعات سلميا وتجنب العنف. وهو اعتراف بحقوق المواطن وصلاحية الدستور ليكون الحكم عبر القضاء العادل والمستقل والمحمي هو الآخر بالدستور والرأي العام من خلال شبكة متنوعة من العلاقات والوظائف .

         

 

علي رسول الربيعييُعد مصطلح التعددية أحد المصطلحات الأساسية لنظام عالمي جديد يُلهم تنوع الثقافات وأنظمة المعتقدات والقيم كلاً من البهجة للتعبير البشري والرهبة من الصراع الذي لا يمكن التوفيق فيه. لقد أصبح الاحتجاج بالتعددية دعوة، وحثًا عاجلاً لمواطني العالم على التصالح مع تنوعهم. إن الصراعات بين السنة والشيعة داخل الإسلام أو تلك التي لا تنتهي بين المسيحيين والمسلمين، والهندوس والسيخ، والتأميل والبوذيين، والفظائع المصاحبة التي ترتكب ضد المدنيين الأبرياء، قد أدت إلى إلحاح شديد إلى الضرورة الأخلاقية المتمثلة في الاعتراف بالكرامة الإنسانية للآخر، بغض النظر عن ديانته. والانتماءات العرقية والثقافية.

هذه الحاجة الأخلاقية الملحة للاعتراف بالآخر هي نتيجة ثانوية للتطورات التكنولوجية المتصاعدة في مجال النقل والاتصالات. حتى وقت قريب، كانت الدول تعيش في عزلة نسبية عن بعضها البعض، ولم تكن المواجهات السابقة مع التنوع دائمًا ودية. في الواقع، كما تشير العديد من النزاعات حول العالم، يمكن أن تصبح الصدامات بين الثقافات المتنوعة مصدرًا رئيسيًا لتجريد الآخر من إنسانيته. يسعى كل تقليد، مسلحًا ببراءة اختراعه الممنوحة ذاتيًا عن الوحي الإلهي، إلى السيادة بدلاً من التكيف عند مواجهة عقيدة غريبة.

إن الاعتراف بالتعددية الدينية داخل مجتمع المؤمنين يعد بتعزيز مبدأ الشمولية (التي تشمل الجميع)، والذي من شأنه أن ينصح وينهض بالتوافق، وليس الصراع، بين الادعاءات المتنافسة حول الحقيقة الدينية في المجتمعات غير المتجانسة دينياً وثقافيًا. يجب أن تؤدي هذه الشمولية إلى إحساس بالإمكانيات المتعددة والفريدة من نوعها لإثراء البحث البشري عن الرفاه الروحي والأخلاقي.

هل الوعد بالتدين التعددي، والاعتراف المعزز بالاختلاف الروحي، هو نتيجة غير مقصودة للتقدم بالاعتماد التكنولوجي والاقتصادي المتبادل، مع ظهوره بشكل متزايد وأكثر من أي وقت مضى؟ أم أن هذا الأمل في المصالحة هو جزء قديم من التراث الإنساني، محفوظ في الخطاب الديني الكلاسيكي الذي كان عليه أن يتصالح مع ادعاءات مماثلة ومنافسة للخلاص الحصري فيما يتعلق بكل من الأديان الأخرى وداخل مجتمع المؤمنين كيف يمكن للمجتمع توفير الأدوات اللازمة للاندماج والشرعية دون حرمان الجماعات الدينية الأخرى من حصتها المستحقة في الهوية الدينية المتمحورة حول الله؟ هل يمكنها بناء نموذجها المثالي، وهو نظام عام عادل، دون خلق لاهوت جامع للتعامل مع مجموعة واسعة من المشاكل الناشئة عن اللقاءات بين المسلمين والأخرين من الديانات الأخرى؟

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

محمد العباسيكلنا نتعلم.. في كل لحظة من الحياة.. منذ الطفولة الأولى، نتعلم النظر من حولنا.. نتعلم الابتسامة للوجوه الباسمة.. نتعلم أن البكاء والعويل يجلب نحونا من نحب ويحبوننا.. نتعلم كيف نستدرج الأمهات ليطعموننا.. نتعلم أننا بحاجة لرعايتهم لنا طوال أوقات صحوتنا.. ثم نكبر قليلاً ونتعلم الإمساك بالأشياء.. نتعلم الحبو قبل المشي.. ونستكشف العالم الصغير من حولنا.. وأحياناً نتعلم من السقوط كيف نحاول تارة أخرى.. ونتعلم من الألم كيف نتفادى بعض الأمور.. وهكذا دواليك، حتى تتفتح بصائرنا ونزداد علماً غصباً عنا.

فالتعلم عملية لا يصيبها كلل أو ملل.. فالإنسان يتعلم بمشيئته أو دون إدراكه في كل لحظة من حياته.. طالما كان يرى ويسمع.. ويشعر بما حوله.. بل حتى الأحلام، نتعلم منها أموراً.. شيئاً من هنا.. تجربة من هناك.. نصيحة من هذا وذاك.. وهكذا.. نتعلم الكثير.. نتذكر القليل.. ونرفض أن يوصمنا أحد بصفة الجهل.. ونحن أعلم كم نحن جهلاء.  فكلما نزداد علماً نزداد جهلاً.. كيف ذلك؟  أرى أننا كلما تعلمنا من الأمور أكثر.. كلما علمنا أن مقدار جهلنا كان كبيراً.. وأدركنا أن ما لم نزل نجهل لا بد أكثر بكثير.. ومن المفروض أن نزداد تواضعاً.

يقول الأستاذ "محمد زهران "على موقع (الشروق) أن أول ما يتبادر إلى الذهن حين نسأل كيف نتعلم هو عبر تلقي المعلومات في قاعة المحاضرات والفصول الدراسية، ولكن هذا نوع واحد من التعليم.. هناك أنواع أخرى: تعليم نفسك مهارة جديدة أو معلومات جديدة، توصيل العلم للعامة بطريقة أكثر فعالية، تعليم الأهل لأبنائهم، توصيل معلومة لصانع القرار بطريقة جيدة.. إلخ..  بل ربما يمكننا أن نتخيل أننا نمتلك ذاكرتين: واحدة قصيرة الأمد وأخرى طويلة الأمد.. فعندما نريد تعلم شيء ما فيجب أن ننقله من الذاكرة القصيرة الأمد للذاكرة الطويلة الأمد لأن القصيرة الأمد لا تحتفظ بالمعلومات طويلاً ولا تحتفظ بمعلومات كثيرة.. وعندما نواجه شيئاً جديداً فإنه يدخل أولاً في تلك الذاكرة القصيرة، فكيف إذاً ننقله للذاكرة الطويلة الأمد؟ هناك عدة طرق لذلك يمكننا استخدامها كلها أو بعضها.

احدي هذه الطرق تتلخص في وجوب أن نربط ما نكتسبه للتو بما نعرفه من قبل، حيث أن العلم كل مترابط ولكل علم تأثيره على العلوم الأخرى ويتأثر بها.. هنا أيضاً نفس الشيء، فعندما نقرأ معلومة تاريخية مثلاً يقوم العقل بربطها بما نعرفه عن تاريخ تلك الفترة أو تاريخ تلك الأسرة أو الشخص أو البلد، فيكون الأمر كوضع لبنة في بنائنا المعرفي.. وكلما تعلمنا أكثر يرتفع الصرح أكثر.

و يمكننا أيضاً ترسيخ كل ما نتعلمه عبر إعادة مراجعة ما نعرفه على فترات متباعدة، فلا نتعلم شيئاً اليوم ونراجعه في اليوم التالي مباشرة، بل يجب ترك فرصة للعقل ليراجعه في اللاوعي ثم نراجعه بعد أسبوع مثلاً، وهكذا وبعد عدة مرات من المراجعة المتباعدة نأمل بأن تنتقل المعلومات للذاكرة الطويلة الأمد وسنرى أننا قادرون على استرجاع المعلومات أو المهارات الجديدة بعد وقت طويل بنفس الكفاءة.. وهنا يجب أن نذكِر الطلاب أن تعلُم شيئاً جديداً قبل الامتحان بوقت قصير لن يجعلنا بالضرورة أن نتعلمه ونحفظه بشكل كامل وبفهم متكامل، بل يجعلنا نحفظه لفترة محدودة حتى نضعه على الورق في الامتحان قبل أن نفقد حاجتنا المؤقتة لتلك المعلومات!

و يعتقد البعض بوجوب استخدام أمثلة كثيرة عند التعلم، وإن لم نجد أمثلة في البحث أو المعلومة التي نقرأها فعلينا أن نحاول أن نأتي بأمثلة من تأليفنا ومن مخزون تجاربنا.. فكلما زادت الأمثلة كلما سهل التعلم، وكما قيل في المثل العربي "بضرب المثال يتضح المحال"، وهكذا، يمكننا مثلاً أن نحاول أن نشرح المعلومة لشخص آخر لا يعرفها وهذا عادة يساعد على تأليف أمثلة متنوعة لتسهيل التعليم، وقد قيل أنه عندما يقوم شخص بتدريس شيئاً لشخص آخر فهناك شخصان يتعلمان.

و يرى آخرون بضرورة تنويع الأساليب واستخدام عدة وسائل لتوصيل المعلومة الجديدة مثل القراءة وفيلم تسجيلي مثلاً، أو القراءة ثم حضور محاضرة أو دورات تعليمية، أو حضور محاضرة مثلاً ثم مناقشة الموضوع مع شخص آخر، ويمكننا استخدام هذه الطريقة مع الطريقة الثانية (الاسترجاع) فنقرأ المعلومة ولكن نسترجعها عن طريق إلقاء محاضرة  بدورنا أو شرحها للغير عبر الرسوم البيانية أو الإحصائيات والصور حتى تترسخ في أذهاننا.

و يضيف الأستاذ "عبدالرحمن يوسف إدلبي" في موقع (كراكيب) رؤيته لموضوع التعلم بأن المتعلم يتلقى أو يتلقف المعارف والعلوم كما تُقدَّم له، فهي تُصب في ذهن المتعلم (أو المتلقي) صباً، وتكون وظيفة المعلم أو المربي حينئذ هي ملء ذلك الوعاء الفارغ الذي يحمله المتعلم فوق كتفيه بكل ما يستطيع.. وبالتالي فإن أي محاولة لإصلاح التعليم تركز على المعلم الذي هو العنصر الفاعل في العملية، بينما يبقى المتعلم عنصراً خاملاً مسؤوليته الوحيدة هي التأكد من كون "رأسه مفتوحاً" لتدخل المعلومات إليه وخالياً من الثقوب والشقوق كيلا تتسرب منه.

أما في الرؤية الثانية فإن المعرفة تُصنع أو تُبنى بناءً في الذهن، فالمتعلم هو العنصر الفاعل في عملية التعلم والمسؤول عنها، والتعلم عملية يحدث فيها تفاعل وتفاوض بين الخبرات والمعارف التي يتعرض لها المتعلم والمعارف والخبرات التي كوّنها سابقاً، فيربط ويحلل ويركب ويربط للخروج ببنية ذهنية متناسقة.. مما يعني أن المتعلمين المختلفين سيخرجون من الموقف أو الخبرة نفسها بنتائج متباينة تبعاً لخلفياتهم ومجموع خبراتهم السابقة.

قد يرى البعض بأن الرؤية الأولى بالية أو تقليدية وعفا عليها الزمن، وقد يبدو لهم أنه من البديهي إنكارها وتجاوزها.. صحيح أن أصل هذه الرؤية قديم (بل كلاهما في حقيقة الأمر كذلك)، ولكنها بعيدة عن أن تكون قد تجاوزها الزمن، سواء في الثقافة الشعبية أو حتى العمل الأكاديمي والإبداعي حسب المفاهيم الحديثة.

أما "أ. د. هشام العوضي" في موقع (القبس) فيتطرق للموضوع من باب أن الدراسات تبين أن لكل شخص طريقته أو اسلوبه في التعلم، وأن التحدي الذي يواجه المعلم مع طلبته أو أي شخص يتعامل مع شخص يتعلم هو أن يعرف الاسلوب الخاص لكل شخص في استقبال المعلومات وتعلمها، وأن يقوم بدوره بعرض المعلومة أو الفكرة على أساس هذه المعرفة.. فمن الناس من يتعلم عن طريق التجريب، ومن الناس من يتعلم عن طريق التأمّل، ومن الناس عن طريق التخيّل ومن الناس عن طريق التحليل.. وغالباً ما نفترض كل وسيلة من وسائل التعلم سمات ما في شخصية المتعلم، فالذي يتعلّم عن طريق التجريب غالباً ما يكون اجتماعياً وأكثر تفهماً وتقديراً لمشاعر الآخرين.. والذي يتعلم عن طريق التحليل غالبا ما يكون أكثر تنظيماً في ادارته للوقت وجمع المعلومات.

وتقول بعض الدراسات أن التحدي لم يعد هو معرفة تعدد أساليب التعلم فحسب، ولكن أهمية أن يمتلك المتعلم المرونة في تغيير اسلوب تعليمه بحسب طبيعة الموقف أو الظرف.. لذا يجب أن تربي المدارس الحديثة في المتعلم المرونة الكافية لأن يكون متمكنا من ممارسة أساليب التعلم المختلفة.. وهذا الأمر مهم جداً لأن طبيعة العصر وتعدُّد مصادر المعلومات يتطلبان هذه المرونة في القدرة على التنقل بين التخيل والتجريب والتأمل والتحليل.. فالتعليم لصناعة أجيال من القادة ليس أمراً يسيراً كما قد يتصور البعض، ولكنه مهمة صعبة، تطوّرت بتعقد عصرنا وتنوع طرق المعرفة وقنواتها، والدراسات التي تنشر عن التعلم والتعليم وكيفية اكتساب المعلومات والإدراك تتجدد باستمرار.

و يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يكون المعلم في مدارسنا وجامعاتنا مؤهلاً لهذا التحدي، أو على الأقل قد تم إعداده أصلاً وتدريبه ليكون عنصراً فاعلاً في طريقه ليكون بدوره عاملاً مؤثراً ومؤهلاً في عملية التعليم والتدريب؟  ويضيف الأستاذ "سيد صلاح العلوي" في موقع (الأيام) بأن رعاية الموهوبين والمبدعين وتحقيق ميولهم، والوصول بهم إلى أرقى مستويات التفكير الإبداعي أمر لا يستهان به.. فكل هذا يحتاج إلى معلم مبدع في الأساس، قادرٌ على اكتشاف القدرات الكامنة في عقول الموهوبين ويعمل على تنميتها وصقلها، ويشبع حاجاتهم النفسية والاجتماعية والمعرفية.. فالمتعلم المبدع هو نتاج لعوامل كثيرة، ومن أهمها المعلم المبدع.

 

د. محمد العباسي

أكاديمي بحريني

 

اياد الزهيريتطرقنا في بحث سابق تحت عنوان (الاله في الأديان والأقوام البدائية) في جزئيه الأول والثاني عن الاله في زمن ما قبل الكتابة، كما شمل البحث الأقوام البدائية في المناطق التي لم تدخل لها الحضارة لحد الآن، والتي تعيش في مجاهل الأحراش والغابات النائية، أما في هذا الجزء فسوف نتطرق الى الاله في الحضارتين السومرية والبابلية، وهي حضارات تميزت بأن أنسانها قد أكتشف الكتابة، وسجل الكثير من معتقداته وأساطيره،وأحداثه ومنجزاته على ألواح طينية، وهي تعتبر اليوم وثائق تؤرشف له أعماله وحفظتها من التلاعب والتزوير، وهذا أنجاز قد سبب أنعطاف تاريخي في مسار الأنسانية وبيان درجة تطورها، كما جعل المعلومات عن أنسان هذين الحضارتين على درجة كبيرة من الموثوقية والأمانة، والسبب أن هذه الأعمال التي ثبتت على ألواح الطين قد حافظت على حالها كما هي ولم تتعرض للتغير والتحريف والفقدان كسابقتها التي تناقلتها الأجيال شفاهةً، مما جعلها عرضة للتغير والتبديل والزيادة والنقصان، وأن من أشتغل عليها وكتب عنها، أعتمد في أكثر الأحيان على الحدس والترجيح في كتابة المعلومة، ولهذا لم يكتسب تاريخ الأنسان لما قبل الحضارة درجة عالية من الموثوقية والأمانة، ولكن الباحثين لم يألوا جهداً في أنتزاع ما أمكن من هذا التاريخ العصي على الوضوح.

أن قضية الاله في الحضارتين السومرية والبابلية حظيت بأهمية قصوى لأنسان هاتين الحضارتين، ونالت من تفكيره الكثير، وهذا الأهتمام هو أستمرار لأنسان ما قبل الكتابة، ويمكننا القول منذ أن وعى الأنسان نفسه في هذا الوجود، ورأى نفسه عارياً في هذا الكوكب، ساعياً وبدواعي غريزة حب البقاء أن يحمي نفسه، ويؤمن حياته، وبعد ذلك سأل عن مصيره والغاية من وجوده في هذا الوجود الذي لم يأتي أليه بأرادته، هذه الأمور جعلته في خضم من المشاعر، وأنتابته الكثير من الهواجس لأنه أصبح وجهاً لوجه أمام متطلبات البقاء الضرورية لأستمراره، والتي تتطلب دفع الضرر عنه، وتوفير العيش وطلب الحماية له، بالأضافة الى نزوعه وأمله بالخلود . هذه المشاعر والهواجس، قادته الى تساؤلات، اولها هو معرفة هذا الوجود الذي يحيط به، والذي هو جزء منه، والذي أثارت فيه دقة الخلق وما أنعكس عليه منه من الرهبة والحيرة جعلته يفكر بكيفية الحماية من الظاهرة الكونية الرهيبة والعجيبة التي أثارة في نفسه المخاوف والتساؤلات، كما فكر بكيفية الأسترشاد بما يضمن له النجاح والتطور الأيجابي في مسيرة حياته أسوة بالموجودات التي يراها في هذا الوجود الغريب عليه. من هنا يمكننا الأنطلاق من حقيقة أن الأنسان القديم أتجه الى المسألة الألهية أنطلاقاً من التصور العميق بأن لا بد من أن يكون هناك مُوجِد لهذا الكون ولكنه لا يعرف ماهيته، وأنه هو حبل النجاة لكل هواجسه التي أنتابت كيانه كأنسان حائر في وجوده ويتطلع لمعرفته .

أن أختياري لحضارة وادي الرافدين لم يكن أعتباطاً ولكن لأنها أول الحضارات التي أكتشفت الكتابة وأن أثارها مليئة بالمسألة الألهية، فأنسان وادي الرافدين قد شغلته كثيراً المسألة الوجودية وخاصة الألهية . من الملاحظ أن أنسان هذين الحضارتين لا يختلف عن غيره من أنسان الحضارات الأخرى بأنه متعدد الألهه، وأنه يعتقد بأن كل اله مسؤول عن ظاهرة كونية معينة، فهناك اله للشمس واله للقمر واله للمطر واله للسماء وهكذا أيماناً منه بأن أله واحد لا يكفي أو غير قادر على خلق كل شيء، وأن أدارة هذه الظواهر تحتاج الى أكثر من اله يدير شؤونها، وهذه الفكرة أسقطها من نفسه على الألهه، لأنه يرى أن الأنسان الحاكم لشؤون المجمع غير قادر بمفرده لوحده بالقيام بكل هذه المهام الكثيرة والمعقده، أذن فلابد من وجود المعين، وهنا في هذه المرحلة ترى أنسان ذلك الزمن مايزال يعمل مقاربات بيه وبين الآلهه، وكما أن البلاد وأدارة المجتمع تحتاج الى بشر تنشأها وترعاها، كذلك هو الأمر نفسه مع الكون ومظاهره، يحتاج الى كائنات أخرى أكثر قدرة وذات أمكانيات متفوقة، وتمتلك ميزة الخلود، وهذه لا يمكن الا في كائنات أستثنائية سماها بالآلهة. أنه يشعر بالعجز أتجاه ما تراه عينه وأنطلاقاً من شعوره بقدراته المحدوده والقاصره، وأفتقاده للخلود مقابل قدرة كلية ومطلقة قادرة على هذا الفعل والخلق الكلي، و أن بساطة الأنسان وسذاجته البدائية لا تحتمل هذا التعقيد بالخلق بأن يصدر من قوة واحده، لذا آثر التعدد في الألوهية. هذا التصور هو من قاده الى تسمية اله انيليل للرياح والعواصف، وهناك من هو مسؤول عن المياه الجوفية والعذبه والذي أطلق عليه اله أنكي، وهناك اله مردوخ اله العواصف الرعديه والمسؤل عن خلق البشر، وهناك الكثير من الهه التي يمكن للقارئ الأطلاع عليها في كتب متخصصة في الحضارتين السومرية والبابلية.

مع مرور الزمن وتطور ملكات الأنسان الذهنية وتراكم تجاربه، أصبح أكثر نضجاً وأعمق تصور، وذلك بسبب أستيطانه في المدن، حيث أصبحت حياته أكثر أستقرار، وذلك بتأثير الزراعة وتربية الحيوان، وهذه تحتاج منه أن يمسك الأرض ويفكر بتقلبات الجو، وتتابع الفصول، وهذا جعله أكثر تعلق بمظاهر الطقس، واكثر مراقبه للسماء وظواهرها الطبيعية مما جعله اكثر أنشغالاً وأهتماماً في أمور الشمس والقمر والأمطار . أن مشاهداته لهذه الظواهر الكونية جعلته يفكر فيها ملياً، ورأى أن دقة نظامها وأنضباط مواعيدها أثارت في نفسه الكثير من التفكير وتأمل بأن وراء هذه المخلوقات الكونية وما تحمله من برمجة غاية في الدقة والنظام،أن هناك خالقاً ومحركاً وفاعل لها،وهي من ترسم لها مقاصدها وغاياتها، وهي من تديرها في حركتها المتسقة، أعتقد أنسان هذه الحضارة،أن هناك قوة خفية ماورائية تختفي أو تتكثف في هذه المظاهر، لذلك تصور أن الأله يتجلى فيها،فجعل  القمر اله وسماه ننار أو يسمى أحياناً سن وأله السماء وسماه آن، واله للماء وسماه أنكي، واله للشمس وسماه أوتو وغيرها الكثير من المظاهر الكونية التي أختزنت ألهه في داخلها، ولها أسماءها المعروفه، وتوسعوا في تعدد الآلهه حتى دخلت في أمور عملية يتناولها البشر في أعمال الزراعة، ونراهم كلما تعقدة الحياة وأتسعت، نراهم يستحدثون الهه لها، أيمانا منهم بأن أدارة الكون تحتاج الى ألهه عديدة، حتى أنهم لشدة تقسيمهم للآلهه جعلوا حتى للمحراث اله،وهو من جاء بهذه الآله وهو من علم الأنسان أستعمالها للحراثة وقد سموه بالاله ( نينورتا)، كما أن تفكيرهم وصل الى أن الحياة بكل ما فيها وأدارتها ترجع الى الهه، فهي من تدير كل شيء، حتى وصلوا الى قناعه أن الآلهه هي من ترسم التاريخ، وهي من تحدد المستقبل، والقدر، لذا أمنوا بمسألة الأرواح بشقيها الخيرة والشريرة، حتى راجت عندهم عملية التعامل من الأرواح وراجت عندهم صنعة العرافين في قراءة المستقبل، وهؤلاء لهم حضوة عند الحاكم وخاصة في وقت الحروب حيث قبل أن يبدأوا الحرب يستشيروهم عن نتيجة  هذه الحرب أن دخلوها مع خصمهم. أن كل ما ذكرناه عن دور الألهه جعل أنسان هاتين الحضارتين يحرص على التقرب وأرضاء هذه الألهه عن طريق تقديم النذور والأبتهالات وتقديم القاربين تقرباً لها لغرضين أساسين وهما تجنب غضبهما وكسب رضاها، وهذا ما جعل هناك مذبحاً في كل معبد من معابدهم، وله مكان مخصص فية أملا بأن تقابلهم هذه الألهة بالعطايات الكثيره من غزارة الأمطار وديمومة الخصوبة وزيادة الولادات في حيواناتهم، بالأضافة ظهرت في هاتين الحضارتين السومرية والبابلية مسألة التمائم التي تبعد الشر والأمراض وأبعاد الأرواح الشريرة عنهم . من الأمور اللافتة للنظر  أن الأنسان البابلي والسومري ظهرت عليه علامات تكشف عن نزوعه الى التجرد والتأمل الماورائي، وأصبح أوسع خيالاً وأكثر تجريداً، لذا نزع لأسلوب المجازات والأستعارات في تصوير القوى الماورائية، والتي تعزى له المسؤولية عن هذه الظواهر الكونية، فهو بات يفكر أن الشمس والقمر والنجوم والأرض ليس الهه بذاتها، وأنما أن الألهه تتجلى فيها وكامنة فيها وأنها تمثلات مادية لها، لأن الأنسان على الرغم من أقترابه لدائرة التجرد الا أنه مازال يحن للمحسوس ولا يستطيع الفكاك من أسره، ورغم ذلك يعتبر أنسان هذه المرحلة وقد أنتقل نقله نوعية في  تفكيره العقلي، حيث التأمل والحدس في التفكير الذي ينقله خارج حدود المادة .

أن الأنسان السومري كما أخيه البابلي لا زال لا يستوعب أن يكون هناك اله واحد خالق كل شيء لأن عقله لا زال لا يمكنه أن يستسلم بأن هذا التلون والأختلاف بالطبيعة ترجع الى مصدر واحد، لذلك تراه يجعل حتى  للقصب اله وسماه الاله (انورو) وأن للسمك اله فسماه (نانشي) وللماء وسماه انكي وحتى هناك اله للزراعه والخضرة وسماه (دامو) وحتى  هناك اله  لخزن البلح وتسمى اينانا واله للحبوب ويسمى ازينو، لكن مع هذا التعدد الا أن هناك ما يسمى بالبانثيون أو مجمع الآلهة، حيث هو مجلس يضم كل الآلهه،الغاية منه عقد الصلة بين الآلهه، وأن منازلهم درجات، كل وحسب أهميته ومهامه،  وأن منزلته تقررها أهمية الظاهرة الكونية التي يمثلها،  ولكن نرى أنه أعطى المرتبة الأولى في سلم الأولويه الى أله السماء والرياح والمياه وتليها آلهة الكينونات الأصغر كالقمر والشمس، وأخيراً تأتي الهة العالم السفلي . يتضح لنا من خلال متابعة العقل السومري والبابلي، أن هناك تطور وتغير في بنيته الفكرية والذي أنعكس بشكل مباشر على طريقته العقائدية، فهو أبتدأ بتعدد للآلهه، وبعد ذلك جعل بين هذه الآلهه علاقة يجمعهم بانثيون أو مجمع الهي تتبوءه مجموعة من الآلهه الرئيسية، وهناك من الآلهه من هي بمستوى ثانوي، كما تطورت صورة الاله في ذهنيته، فنراه يرى اله المطر (نينجيرسو) بصورة حيوان طائر الرعاد، وبعد حين جعلوه على صورة بشري بالرغم من أحتفاظه بجناحيه، وهذا ما نشاهده حتى بالحضارة الرافدينية الآشورية حيث يكون الثور المجنح وهو اله اشوري برأس بشر وجسم حيوان الثور، فالرأس يرمز للعقل وجسد الأحيوان يرمز للقوة، كما نرى أن الحضاره الرافدينية القديمة أعتبرت تصوير الأله بالأنسان، يكون أكثر عظمة وجلال، وأن الأله الذي يكون على شكل أنسان أكثر ألتصاق بهم وأقرب لهم لأنه يقربهم بالمظهر بل ولعلهم أعتبوا شكل الأنسان وقابليته هو الشكل الأمثل، ولم يقفوا عند ذلك بل تطور الأمر في نظرتهم الى الآلهه بأن جعلوا منها شكلا رمزيا، فقد جعلوا هناك رموز يعبروا عنها، وهذه حالة تطور ذهني لديهم بأعتبار أن الأله حالة لا يمكن معرفة كنهه بالضبط، وهو طور تجريدي في طريقة تفكيرهم والتي تدرجت من المحسوس الحيواني الى نصف بشري وحيواني، وقد يكون هذا التحول هو من باب أيجاد حل للتناقض الحاصل بين الفاني والخالد، كما ينبغي التنويه الى أن السومريون لم يكتفوا بمجمع الآلهه، بل هناك الأله( آن) اله السماء بأعتباره الحاكم الأعلى لمجمع اللآلهه وهذه خطوه بأتجاه التوحيد بالحقيقة، وأن كانوا بين فترة زمنية وأخرى ينتقلون الى أله اأخر كرئيس لمجمع الآلهه،كما أعتقدو بالأله (انيليل) كزعيم مجمع الآلهه، وبعد ذلك وخاصة بالألف الأول قبل الميلاد جعلوا من مردوخ هو من يكون على رأس هذا المجمع وهو رب الأرباب، وخالق وحاكم هذا الكون، وهكذا بين زمن وآخر نرى رئيسا لمجمع الآلهه يتبنى هذا المنصب .

من الملاحظ أن اللاهوتيون السومريون أعتقدوا بأن مجمع الألهه هو المدير الحقيقي للكون وهو مشغله والذي يمارس مهمة الأشراف عليه، وأن هذه الآلهه هي ذات قدرات عالية وذات مستويات بالغة القدرة والقوة، وهي محجوبه عن أنظارهم، وأنها  كائنات من نوع خاص لا يفقهون حقيقتها،  ولا يتوصلون لكنهها رغم تصويراتهم المجسمه لها وأن شبهوها بشكلهم البشري أحيانا.

أن ما أود التوصل اليه أن اللاهوت السومري والبابلي قد توصل الى أمر مفاده أن هناك منطقا وراء هذا العالم، وأنهم بدأوا من المعلوم التي هي الطبيعة الى المجهول الذي هو الآله، وهذا عين السؤال الذي سأله الدكتور محمد الطائي العراقي الجنسية وأستاذ الفيزياء بجامعة اليرموك الأردنيه عندما سأل عالم الفيزياء البريطاني (ستيفن هوكينغ) في مؤتمر جمعه معه في كندا، فقال له، هل ترى هناك منطقا وراء هذا العالم، فرد عليه لاشك بأن هناك منطقا وراء هذا الكون، وعلى هذا الأساس رجح انسان سومر وبابل وبدافع هذا المنطق نفسه،أن وراء هذا العالم الكوني عالم ماورائي،هو السبب في نشوء وأدارة هذا العالم، ولكن هناك أختلاف في تصور هذا العالم الخفي بينهم وبين غيرهم من بني البشر، ولكن يبقى من خلال ما لمسناه أن أنسان الحضارة الرافدينية القديمة قد توصل بمنطقه العفوي والبسيط الى أن هناك أله أعلى خالق وحاكم ومدبر لهذا العالم على رأس مجمع الآلهه الذي يندرج تحته آلهه ثانويون يعاونوه بالمهمه الكونية.

 

أياد الزهيري 

 

عز الدين عنايةيحرص لفيفٌ من الكتّاب على نقلِ أعمالهم الإبداعية إلى اللغات الأجنبية، طمعًا في كسب وجاهَة في الداخل وأَلمعيّة في الخارج، أو كما لخصّ لي أحدهم الأمر "لِنيْل الشهرة وبلوغ العالمية، وقد بلغها من هو دونه باعًا وأبخس إنتاجًا". وكأنّ اللغة التي صاغ بها الكاتب نصّه عرجاء لا تفي بالغرض، ما لَم تتلحّف بألسنِ الأعاجم حتى يشقّ صاحبها غمار العالمية. الواقع أنّ في استبطان العربية، أو غيرها من اللغات محدودية، مع بعض الكتّاب، تكمن علاقة مضطربة وغير سويّة للكاتب مع ثقافته، ومع لسانه. تقوم على أساس تهميش ذاتي، ينبني على إعادة تدوير ثقافية بائسة لمفهوم المركز والهامش، يضع فيها الكاتبُ لسانَه وإبداعَه في خانة الألسن والإنتاجات الوضيعة. والحال أنّ الإبداع بأيّ لغة كانت، ينبغي أن يُثمَّن ويُقدَّر على ما هو عليه، بوصفه استجابة طبيعية لنداء باطني. واختيار أيّ لغة للكتابة، ليس مدعاة للفخر ولا هو سبب للنقيصة، لأنّ الإيمان باللسان الحامل للإبداع هو أوّل شروط التعامل السويّ. حيث يتصوّر الكاتب الواقع تحت إغراء العالمية، أنّ النصَ المدوَّن بلغات غربية تحديدًا، أو في مستوى آخر المترجَم إلى تلك اللغات، من شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه أمام صاحبه لارتقاء المنابر العالية، وهي تهويمات خاطئة تتطلّب التفكيك والدحض.

سأستعين في شرحِ ما يتّصل بلوْثة العالمية، الشائعة في أوساط الكتّاب المعاصرين، بما يدور في مجال الأعمال الأجنبية المنقولة إلى اللغات الغربية. فبموجب انشغالي بمجال الترجمة أتابع صدى ما يُنقَل من الأعمال العربية إلى اللغة الإيطالية، وبالعكس أيضا، بهدف فهم أوضاع المثاقَفة بين اللغتين. إذ يلفت الانتباه، في كثير من الأحيان، واقع "السمسرة" السائد، وأقصد بالسمسرة ليس بُعدها المادي، ولكن بُعدها العلائقي المفتقر إلى التقييم الإبداعي الحقيقي. فغالبا ما تحظى نصوصٌ بالقبول، في أوساط عَرّابي الترجمة ووكلائها، لأنّ هذا الروائي، أو ذاك الشاعر، يملك شبكة علائقية ذات طابع زبائني، تُيسِّرُ له ترجمة إبداعه ومن ثَمّ تزكية نصّه لدى دُور النشر الأجنبية. وما الحديث عن مِهنيّة دور النشر الغربية وجدّيتها، سوى أمر نسبيّ، وهو ما لا ينطبق على كلّ الدُّور ولا على سائر الناشرين.

ففي الأوساط الثقافية الغربية، وأتحدّثُ هنا عمّا له صلة بالثقافة العربية، في مجالات الأدب والفكر والفنّ، التي أعرف طقوسها وأتابع مناخاتها، توجد في كلّ بلد غربيّ تقريبا طائفة من المستشارين تمثّل مرجعية لدى دور النشر، والمؤسسات الثقافية، والأوساط الإعلامية. وهي من تتولّى انتقاء الأعمال وتزكية الأفراد الذين يجوز وضعهم في دائرة الضوء، إعلاميا وإبداعيا، وترشيحهم إن لزم الأمر إلى نيْلِ الجوائز وحيازة التكريمات. وغالبا ما تكون الاعتبارات المحيطة بهذا الاحتفاء، ذات الطابع السياسي والأيديولوجي، حاضرة بقوة في هذا التقييم ومقدَّمة على القيمة الجمالية للإبداع، ولا تمتّ بصلة للعمل بمعزل عن صاحبه.

يشهد على ذلك أنّ ما تُرجِمَ من أعمال إبداعية عربية إلى اللغات الغربية، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ليس هو أفضل ما جادت به قرائح الكتّاب والمبدِعين العرب، ولا أرقاها تمثيلًا لإبداعات الثقافة العربية، وإنما هي أوفرها حظّا وأمتنها علاقة مع الخارج وأكثرها استجابة للمعايير المطلوبة. ولذلك لا تعني الترجمةُ الحضورَ الإبداعيَّ في الساحة الثقافية الغربية دائما، بل قد تعني الغياب أحيانا، ومضاعَفة فائض الوهْم لدى أصحابها لا غير. يفضح ذلك إدراج الترجمات العربية في أقسام منزوية في المكتبات الغربية، تتجاور فيها مختلف أصناف الكتب الإيزوتيكية (الغرائبية)، التي يختلط فيها الأدب بالفلسفة، وعلوم الفلك بالمسكوكات، وغيرها من فنون الكتابة. ذلك بشأن النص الإبداعي العربي، وأمّا ما تعلّق بأصحابها فنادرًا ما تُتاح لهم فرص عرض أعمالهم بالشكل الذي يَعرِض به نظراؤهم الغربيون إنتاجهم الفكري والأدبي. إذ لا يُعامَل الكاتب العربي، الوافد على الغرب ضيفًا، ككاتب صاحب نصّ إبداعيّ وإنما كناشط سياسيّ مستنْفَر، تنهال عليه الأسئلة ذات الطابع الأيديولوجي والبعيدة عن مجاله، بشأن الأصولية، والموقف من المرأة، والعلاقة بالسلطة، حين يحاوَر. أذكر حين قدم المغنّي مارسيل خليفة إلى روما، في فترة سابقة، لتقديم حفل فني، اِنهال عليه الصحفيون بالأسئلة السياسية، فضجَّ من نوعية الأسئلة التي حوّلته إلى خبير سياسيّ في قضايا الشرق الأوسط ولم تسائل فنّه وأعماله.

إذ يتصوّرُ جملة من الكتّاب العرب أنّ الترجمةَ إلى اللغات الغربية هي بوّابة الولوج إلى العالمية، والحال أنّ نقْلَ الأعمال الإبداعية دون تثبّتٍ من قُدرات ناقليها، يتحوّل أحيانا إلى مقبرة للعديد من الأعمال الإبداعية، المميَّزة في لغاتها الأصلية، وهو ما لم ينجُ منه حتى كبار الكتّاب: في إيطاليا نصّ "موسم الهجرة إلى الشمال" للكاتب الطيب صالح، ونصّ "الكرنك" للكاتب نجيب محفوظ، ونص "ذاكرة الجسد" للروائية أحلام مستغانمي، جميعها أُنجزت ترجماتها من قِبل طلاب إيطاليين، ليست لهم دربة سابقة بالكتابة، ولغتهم الإيطالية غضّة، إن لم نقل هزيلة ولا ترتقي إلى مستوى تلك النصوص في لغتها الأصلية. ولذلك جاءت الترجمات هزيلة ولم تتجاوز مبيعاتها الطبعة الأولى، ناهيك عن أن دور النشر الصغيرة والمحدودة التوزيع هي التي عادة ما تتبنى نشر الأعمال العربية.

إذ لا يفوت الملمّ بأوضاع المجتمعات الغربية أنّ تصنيع النجومية، في مجالات الآداب والفنون، هو مجال خاضع للتوجيه والتوظيف والتوقيت. تُحشَد له جملة من العناصر والأدوات، وذلك بغرض إبلاغ رسالة معيّنة على نطاق إقليمي أو عالمي، أو تمرير خطّ أيديولوجي أو سياسي، أو ترسيخ نهج ذوقي أو قِيَمي، واضح الأهداف وجليّ المعالم. ولا ينال المرشَّح لذلك الدور تلك الدرجة، بمجرّد إنتاج عمل طائش، مهْمَا علا شأنه، وإنما بناء على مسار وسيرة يميّزان صاحبه، يعلِيانه إلى مصاف العالمية، ولذلك قلّة من المبدعين العرب تسنّى لهم القيام بهذا الدور وبات لهم حضور وازن في منابر الغرب. 

 

عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

 

محمد العباسيالمدينة الفاضلة كما تم التعارف عليها هي أحد أحلام الفيلسوف المشهور "أفلاطون" وهي مدينة تمنى أن يحكمها الفلاسفة، وذلك ظناً منه أنهم لحكمتهم سوف يجعلون كل شيء في هذه المدينة معيارياً، وبناءً عليه ستكون فاضلة.. فالمدينة الفاضلة عبارة عن مجتمع متكامل يجد فيه المواطن والمقيم والزائر أرقى وأكمل أنواع الخدمات وبأسلوب حضاري بعيداً عن التعقيد وبعيداً عن الروتين ومن غير تسويف، وبعيداً عن سوء التعامل أو التفرقة أو التركيز على الاختلافات والمفارقات.. وهكذا مقترح عبارة عن فكرة سامية لمدينة جديدة ومختلفة عن كل مجتمعاتنا، وليس الاختلاف في المظهر العمراني فقط، بل في كل شيء.. في المستوى الحضاري والسكاني والأداء الخدمي سواء كان حكومياً أو خاصاً أو اشتراكياً.

المدينة الفاضلة.. عبارة عن مقترح أو حلم لمدينة أساسها الإنسان نفسه سواء كان مسؤولاً أو موظفاً أو عاملاً أو مراجعاً، كبيراً أم صغيراً، رجلاً أو امرأة، مواطناً أو مقيماً أو ضيفاً زائراً، وبكل ما تحمله كلمة "الفاضلة" من معانٍ سامية في الشارع، في العمل الحكومي، في العمل الخاص، في المراكز التجارية، عند المسجد، والكنيسة والمعبد، وفي المطاعم، في الأسواق.. في كل موقع نجد معاني "الفاضلة" والكاملة والمثالية والواعية والراقية هي سماتها وتتجسد في كل وقت وبأرقى صورها.

ربما وعيت شخصياً لهذا المفهوم قبل أكثر من أربعين سنة مضت وبدأت أخط الأفكار فيما لو قُدر لي أن أتولى هذا الأمر بأن أشيّد هكذا مجتمع يتسم بالسمو والمثالية.. فكان الهم الأول لي حينها كيفية الدعوة لكل من يود خوض التجربة، وعمن سيكونون المؤهلين لنشأتها وتأسيسها والسكن فيها.. فهل سيكون مبدأ الحرية (المطلقة) هو أساسها، حيث يكون الجميع سواسية ويتمتعون بحرية كاملة في كل أمورهم دون حسيب أو رقيب؟ حرية المعتقد والآراء والممارسات بلا قيود ولا قوانين ولا رقابة ولا حاجة لرجال الشرطة والخدمات الأمنية كافة؟ ومنذ اللحظة الأولى تيقنت أننا نحن البشر يستحيل علينا التأقلم مع الحريات المطلقة بحكم نشأتنا عبر قرون ممتدة من الاختلافات والصراعات والأهواء الغير متجانسة.. بل يبدو أن وضع شرط الحرية كأساس للفكرة هو في حد ذاته "كشرط" يناقض فكرة الحرية المطلقة المرجوة.. فكيف نطالب بالحرية التامة للجميع بذات التوقعات وبحيث لا تتصادم الممارسات وتتعدي على حقوق وحريات الآخرين الآخرين.

لنأخذ مسألة العبادة مثلاً.. فهل ستحتوي المدينة شتى أشكال دور العبادة من مساجد وحسينيات وكنائس ومعابد ومزارات، وشتى أنواع دور العبادة لكافة معتقدات البشر؟ فأتباع المذاهب الإسلامية كمثال يختلفون ويتنوعون بين مذاهب السنة الأربعة الرئيسية وتلك الصوفية والإسماعلية والدرزية والبهائية وغيرها من جماعات وأحزاب ومجموعات دينية سياسية، وكذلك بين الشيعة وتفرعاتها والأباضية والزيدية، وهم جميعهم يتبعون نبياً واحداً وقرآناً واحداً.. ورغم ذلك هم عاجزون عن الاتفاق فيما بينهم.. وكذلك الأمر مع الكنائس المسيحية بين الكاثوليكية والبرتستانتية والأرثوذكسية والمعمدانية والمورمونية والقبطية، وهكذا دواليك مع كافة المعتقدات على كوكب الأرض ومنها البوذية والهندوسية والسيخية الكونفشيوسية وغيرها المئات من الأديان.. وبحسب الموسوعة المسيحية العالمية "باريت" طبعة 2001، فإن عدد الديانات في العالم عبر التاريخ بلغ حوالي 10000 دين متميز، منها 150 ديانة بلغ عدد المؤمنين بكل منها مليون فرد أو أكثر، أما بقية الأديان فعدد التابعين لها لم يتجاوز المليون عبر التاريخ، وقد تم رصد وحصر الديانات المعروفة بحوالي 4200 ديانة وعقيدة، ما بين ملل وفرق وكنائس ومعابد وطوائف ومذاهب وعشائر. فالمسيحيين على مختلف مذاهبهم ومللهم (2 بليون نسمة)، ثم الإسلام (1.3 بليون)، ثم الهندوسية (900 مليون)، ثم من غير المؤمنين بأي دين محدد ويشكلون (850 مليون)، ثم البوذية (360 مليون)، ومتبعو المذاهب القومية حول العالم (228 مليون)، فالأديان الوثنية الأفريقية (95 مليون)، ثم السيخ في الهند (23 مليون) ثم اليهودية (19 مليون).

فهل سيتفق أهل المدينة الفاضلة المرجوة فيما بينهم ويتمسكون أو يلتزمون باحترام حريات الآخرين، أم سيتفقون على نبذ كافة المعتقدات وتبني فكرة "اللادين" ومسح كل موروثاتهم القديمة من الذاكرة؟ وهل ستكون أية مدينة فاضلة بلا الإيمان المشترك والمتفق عليه بمسألتي الثواب والعقاب وفكرة الحياة الدنيا والآخرة والعبادة المشتركة القابلة للتطبيق؟.. فكل الحضارات البشرية عبر التاريخ اعتمدت على الأديان لسن قوانينها وبناء مجتمعاتها والجمع بين أفرادها، وهي موروثات لن تختفي بجرة قلم.

ماذا عن اللغة المعتمدة في هذه المدينة الفاضلة؟ أي لغات الأرض ستكون أداة التواصل بين هذا المجتمع الجديد؟ فبمجرد الأخذ بأن لغة الأغلبية ستكون هي اللغة المعتمدة يتعارض مع مبدأ الحريات وحقوق الأقليات، مما يفسد الفكرة من أساسها.. فهل يجب التوافق على إنشاء لغة جديدة ويتوجب على الجميع تعلمها واكتسابها ونبذ كل ما دون ذلك؟ كم من الزمن ستحتاجها هذه المدينة الفاضلة حتى تتجاوز هذه المعضلة فقط، ومن سيتحمل مسئولية "اختراع" لغة التواصل والتعامل هذه من الصفر؟ نعم، لقد شهد التاريخ محاولات في إيجاد لغات مشتركة بالذات بين اللغويين في أوروبا للجمع بين تلك المجتمعات مع الأمل في توسعة رقعتها لتشمل العالم أجمع، لكنها ظلت محدودة وفشلت في الانتشار والتقبل من الجميع.

فقد وضع "لودفيغ أليعزر زامنهوف" لغة أسماها "الإسبرانتو" في أواخر عام 1870 وبدايات عام 1880 بعد ما يقارب العشر سنوات من التطوير، وطبع "زامنهوف" أول كتاب له نحو الإسبرانتو في1887 وازداد عدد المتحدثين بسرعة في العقود التالية، في البداية في الامبرطورية الروسية وأوروبا الشرقية، ثم أوروبا الغربية والأمريكيتين والصين واليابان.. الإسبرانتو لم تصبح قط لغة رسمية في أية دولة، لكنها باتت تُدرس في بعض الدول.. وربما تبنتها بعض المجتمعات لفترة كلغات رسمية لبعض الأقليات لبعض الوقت أو كلغات دولية إضافية بين بعض المجتمعات البهائية.. وهذه اللغة اعتمدت بطبيعة الوضع حينها على أبجديات معينة في أوروبا، دون أن تشمل أبجديات اللغات العالمية الأخرى كالعربية والهندية والصينية وغيرها، مما قد يكون العامل الأقوى في عدم تقبلها من الجميع وعدم اتساع رقعتها.. وعملية اختراع لغة جديدة جامعة للمدينة الفاضلة لا بد لها أن تشمل قدراً كبيراً من كافة لغات أهل الأرض ويجب أن تتميز بسهولة في قواعدها ونطقها حتى يتقنها الجميع بلا استثناء، وهذا قد يتطلب تنميتها وتعليمها وممارستها عبر أجيال حتى تصبح لغة عملية وناجحة ويتقبلها الجميع.

يبدو جلياً بعد النظر في مسألتين فقط تتعلقان بالمعتقدات واللغة، أن فكرة المدينة الفاضلة تبدو خيالية وغير واقعية في عالم موجود بالفعل ويتمتع بموروثات تاريخية وتجارب عبر آلاف السنين.. ربما يكون للموقع المزمع لهكذا مدينة نواة واقعية لنشأتها.. أن تكون في جزيرة نائية ليس بها أحد أصلاً وبحيث يتم إعداد شعبها في مواطنهم الأصلية قبل انتقالهم لربوع هذه "الجنة" الخيالية.. وهذا الأمر سيصطدم بشتى أشكال المعوقات، وأهمها تكمن في كيفية مسح كل الموروثات الفكرية والعقائدية واللغوية من ذاكرة الجميع بنفس القدر والتمكن قبل الانتقال الفعلي للعالم الجديد !!

نحن نعلم عبر كل علومنا الأنثروبولوجية (علم دراسة الإنسان) بأنه العلم الذي يدرس البشر في جميع أنحاء العالم، وتاريخهم التطوري، وسلوكهم، وكيفية تكيفهم مع البيئات المختلفة وتواصلهم واختلاطهم معاً. في الواقع، هذا تعريف محير، فمن الصعب استخلاص تصور واضح لماهية الأنثروبولوجيا اعتماداً على موضوعها وحده، الذي هو الإنسان، إذ تتخذ العديد من العلوم بالفعل من هذا الكائن موضوعاً لها، كما أن الجوانب المذكورة تنتمي إلى علوم شديدة التنوع والاختلاف، منها الدراسات العرقية والتاريخ والأحياء وعلم النفس واللغة والاجتماع! لكن الأنثروبولوجيا بالفعل أكثر العلوم التي تدرس الإنسان شمولية، تتقاطع مع كثير من العلوم الأخرى، منها الأحياء والتاريخ والمجتمعات والأدب والفلسفة والأديان، ولها اليوم فروع وتخصصات عدة، شديدة الثراء، فيها ما يتطلب بحوثا ميدانية، ومنها ما يتطلب جهودا تحليلية، ومنها ما يتطلب أبحاثا معملية طويلة الأمد.. وكل هذه البحوث تتفق أن كل فرد يتميز "بفرديته" وبالفروق الفردية بينه وبين الآخرين.. سواء بطبيعته البشرية أو عبر ما قد يكتسبه من معارف وتجارب ومدى تأثيرها عليه بشكل شخصي.. لذا كيف لنا أن نتجاوز هذه الفروق الفردية والجمع بين أفراد المدينة الفاضلة الجديدة رغماً عن كل محاولات تنميتهم وتدريبهم على الأفكار والمبادئ الجديدة المرجوة في مجتمعهم الجديد؟ كيف نمسح من ذاكرة الجميع بلا استثناء كل تاريخهم الإنساني ليتأقلموا مع واقعهم الجديد؟ كيف نتفادى في مستقبلهم أن لا تتغير أو تتطور مفاهيمهم الجديدة ونأمل بأن يتعايشوا دون روح المنافسة مثلاً، أو نمو الرغبة في التميز عن بعضهم البعض؟

ربما تكون الفكرة بشكل عام مجرد خيال وأماني نشأت بسبب ما شهده التاريخ البشري من ويلات وحروب ومجازر ومن ثم يأمل البعض في إيجاد مخارج لمستقبل البشرية بعد عصور من العبودية والمظالم وتسلط البعض وسوء التعامل بسبب اختلافات عقائدية أو اثنية أو حتى تلك المتعلقة بلون البشرة!! فالمدينة الفاضلة قد لا تحتاج لتنشئة عالم جديد بقدر ما تحتاج منا جميعاً إيجاد تلك النزعة والإرادة في أن نتقبل بعضنا البعض رغماً عن كل اختلافاتنا وطبائعنا.. فالمدينة الفاضلة تكمن فينا جميعنا وما علينا سوى التنقيب في دواخلنا لنكتشف كم نحن أسباب عدم الرضى عن بعضنا البعض فقط لأن هذا يؤمن بكذا وذاك قد هداه عقله وقناعته بما هو مخالف.. أو أليست هذه هي الحرية التي نرجوها من الحياة الفاضلة في ربوع "مدينة فاضلة" تجمع بيننا نحن معشر البشر.. بل الأجدى منطقياً أن نرضى بتقبل بعضنا البعض كنواة أولى لهذ الفكرة وأن نتعايش مع جمال تنوعنا وثراء لغاتنا وروعة اختلافاتنا.. فكيف لنا إذن فصل حياتنا عن كل ما قد مر بحياتنا وتاريخنا وإرثنا وتجاربنا لننسلخ عن كل ماضينا بحلوه ومره ونتوقع أن لا يعيد التاريخ نفسه، ولو خلقنا لأنفسنا تلك المدينة الفاضلة؟ وها نحن في القرن 21 ولم نزل في خضم حروب ومجازر وخلافات ونعاني من الجور والظلم والاستبداد والأوبئة والمجاعة والعطش والفاقة وموت الملايين من البشر بسبب نقص الغذاء والدواء !

 

د. محمد العباسي

أكاديمي بحريني

 

صلاح حزاملا يوجد ماهو أخطر على المجتمع من تفكك وتدمير منظومة القيم السائدة والمحُتَرَمة في ذلك المجتمع..

بدون منظومة قيم موحدة يحترمها ويخضع لها الجميع، يتحول المجتمع الى "تجمّع بشري"، لاتربطه رابطة ويشبه تجمّع واحتشاد الناس في قاعات الترانزيت في المطارات !!

صحيح انهم يجتمعون في نفس المكان، ويستخدمون نفس التسهيلات الموجودة ( facilities)، لكنهم ليسوا موحَّدين فيما يتعلق باهدافهم النهائية ولاتوجد بينهم روابط ثقافية ولايهتم أحدهم بأمر الآخر. كلٌّ ينتظر رحلته لكي يغادر هذا المكان .

بهذا المعنى، فأن الثقافة العامة السائدة وما تركز عليه من قيم عامّة مشتركة، تلعب دوراً اساسيا في ترسيخ وحدة المجتمع وتكامله مع بعضه ..

فاذا قيل هذا الشيء او الفعل حرام، اصبح معروفاً لدى الجميع انه حرام . واذا قيل عن فعل معين عَيب، أصبح عيباً متفقاً عليه .

في فترات من تاريخ العراق كانت الرشوة عاراً وسرقة المال العام عملاً مخزياً ولايجلب الاحترام لصاحبه..

ولم يكن أحد يستطيع الاعتراض او التشكيك في هذه المفاهيم ودلالاتها.

الآن يلاحَظ أن لكلِّ شخصٍ او جماعة معينة (جماعة حزبية او عرقية او دينية او مناطقية) قاموسه الخاص الذي يوفّر تعاريف خاصة للافعال والاشياء بما يتوافق مع مزاج او رغبات واهداف ذلك الفرد او تلك الجماعة.

- فالقتل جريمة، لكنها ليست كذلك لدى جميع تلك القواميس. قد يُبرر بانه جهاد او عقوبة رادعة مستحَقّة للحفاض على نقاء المجتمع !!

- الرشوة حرام وعيب وتتعارض مع شرائع الله، لكنها ليست كذلك بالنسبة للجميع لانها قد تكون حلالاً اذا ذهبت لغرض نبيل كما يعتقد البعض. ثم انها قد تُبرر باعتبارها هدية لقاء تسهيل أمور العِباد والسعي وبذل الجهود لتبسيط الإجراءات (قالها لي أحدهم عندما ذهبت الى بغداد قبل اربعة أشهر، لانجاز بعض المعاملات في دوائر التسجيل العقاري المُرعبة).

- سرقة المال العام جريمة كبرى لانها سرقة من كل المجتمع الذي هو المالك الحقيقي للمال العام وليست الحكومة . الحكومة وظيفتها ادارة المال العام بحكمة ونزاهة وكفاءة.

لكن تلك الجريمة بالنسبة للبعض ليست جريمة أصلاً لانها ليست سرقة من أحد معين، مع انها اكثر فداحة من الناحية الأخلاقية.

- الكذب، سلوك معيب ولا أخلاقي بكل المقاييس، ولكنه يمكن ان يُبرَر بكونه اسلوباً للتهدئة ونزع فتيل ازمات محتملة !!

- تفسير الاحكام الدينية فيما يخص الممنوع والمسموح اصبح عملية لامركزية بل وقد تصبح شخصية احياناً .. كلٌّ يفسر حسب مايشاء وبما يخدم مصالحه الشخصية او الفئوية.

لازلت اتذكر في التسعينيات واثناء فترة فرض الحصار على العراق، ان احدى الجهات الامريكية (لا اتذكر ان كانت صحيفة او مركزا علمياً)، طالبت الحكومة الامريكية بالعمل على رفع الحصار عن العراق لانه لم يعد له ضرورة .. والسبب هو ان الحصار أدى ماهو مطلوب منه في تدمير منظومة القيم في العراق .. بسبب الحصار ومانجم عنه من نتائج سيئة كالرشوة والسرقة والاختلاس وسرقة المال العام (هذه الامور كانت السلطات في وقتها تتكتم عليها وترفض الاعتراف بها لاسيما في سنوات الحصار الأخيرة).

تدمير منظومة القيم أخطر مايمكن ان تتعرض له المجتمعات لانها سوف لن تصبح مجتمعات بعد ذلك ابداً.

لن يحترم أحد القوانين العامة ولا الدستور ولا الضوابط ولا التعليمات، لن يحترم أحد رجال الأمن ولا الموظفين العموميين، هؤلاء جميعاً جزء من منظومة وكيان اسمه وطن ومجتمع، والناس عندما تنعدم لديهم القيم المشتركة يبدأون بالشعور بأنهم لاينتمون لهذا الكيان العام الذي اسمه وطن ومجتمع.

انهم يشعرون بانتمائهم لكيانات صغيرة كالقبيلة والحزب والطائفة والمنطقة الخ ...هذه الكيانات توفر لاتباعها الحماية والمكانة والمزايا والوظائف الخ .. في حين ان الكيان الاكبر الذي هو الوطن يعجز عن ذلك.

 

د. صلاح حزام

 

 

علي رسول الربيعيتمت الإجابة على السؤال المطروح في الحلقتين المتقدميتن، من قبل: الدكتور أستاذ محمد مسلم جمعة، نور الدين علوش، والدكتور محمد عبده أبو العلا، والدكتور علي رسول الربيعي، و الدكتورة أيمنة بن عودة، وأدناه جواب الاستاذ محمد رياض الدقداقي :

أما السؤال: هل يمكنكم تقديم تسويغًا لأيً من هذه النماذج كنظام دستوري يمكن أن يكون حلًا حيًاديًا أفضل أو معالجة دستورية تجدونها مناسبة للعلاقة بين الدولة والدين أو حتى نقدًا لكافة هذه الدساتير؟

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_users&id=5889&lang=ar&view=articles

جواب الأستاذ محمد رياض الدقداقي عن سؤال الدستور:

الدستور هو نص يتألف من مجموعة من التشريعات التي تنظم الاجتماع السياسي لمجموعة بشرية ما. فهو يعبر عن رؤيتها و تمثلها لمختلف الجوانب التي تخص تنظيم حياتها. تبقى المسألة الدينية بلا منازع هي الجانب الأبرز عند كتابة دستور أي بلد نظرا لحساسية المسألة في وعي مختلف مكونات المجتمع. صحيح هناك أكثر من تصور ينظم علاقة المجتمع بالدين كما تفضلتم بتعدادها.و هي كلها مقاربات مقبول و نسبية. ففي المجتمع المتدين يكون التنصيص في الدستور على أن الدين الفلاني هو الدين الرسمي للدولة و في المجتمع المعلمن أو العلماني لا يشار إلى أن دينا بعينه هو دين الدولة .بل إن هذه الأخيرة تتخذ موقف الحياد و تقف على نفس المسافة عن جميع الأديان و الدستور يكفل حرية المعتقد فمن شاء فليتدين و من رأى غير ذلك. فله ما يريد.و من الدساتير ما يعادي الأديان جميعا ليؤكد أن هوية الدولة هي الإلحاد كما كان الشأن في الاتحاد السوفياتي السابق. أعتقد أننا إزاء موجة الحريات العاتية التي ضربت العالم منذ ما يناهز الثلاثة عقود..و تزايد الأصوات المنادية بالتكريس الفعلي لحرية الضمير ،فقد بات لزاما على الدول كتابة أو تنقيح أو تعديل الدساتير على قاعدة ضمان حرية المعتقد.مع احترام موقف الأغلبية الساحقة في تخيل الدين الذي تعتنق أي بعبارة أوضح .في الفضاء العربي الإسلامي نعلم جيدا منزلة الإسلام فك ا و عقيدة و حضارة في افيدة الأغلبية العظمى من السكان.و لذلك يمكن الإشارة في الدستورالى أن دين الأغلبية و هو الإسلام لا يمنع أي مواطن من أن يعتنق غيره من الديانات كما من حقه ترك ديانته و اعتناق الاسلام كما له أن يكون بلا دين. أي ببساطة من خلق المواطن أن يؤمن و من حقه أن يكف و من حقه أن يغير معتقده. لأن الأمر شخصي يتعلق بقناعته الذاتية.

 

 

متاعب الحياة الكثيرة تضعنا في زاوية تتطلب منا تغيير احداثياتها للخروج من المازق .

لطالما نتعرض لمواقف محرجة في الحياة تجعلنا نرتبك او نعجز عن الرد تبعا لنوع الموقف وشدته،وتختلف المواقف باختلاف الاشخاص الذين نتعامل معهم سواء في محيط العمل او في مجمل العلاقات الاجتماعية الخاصة والعامة وعلى كافة الانشطة الحياتية التي تتطلب تعاملا مباشرا.

وفي حياتنا اليومية تصادفنا الكثير من المواقف المحرجة بقصد او دون قصد وتتنوع توجهاتها تبعا لنوع الموقف ،فنحن امام مشكلة  حدثت الان وتتطلب حلا سريعا تلافيا لذلك الموقف،خصوصا اذا  كنت من الاشخاص الحساسين جدا فان اي موقف مهما كان قد يؤثر عليك لوقت طويل .

ان التعامل اليومي مع اشخاص تعرفهم او لاتعرفهم في محيط العمل مثلا يوجب عليك احترام خصوصيتهم التي هي مفتاح شخصيتهم ،وكما نعلم ان لكل انسان شخصيته الخاصة فما يقبله فلان قد يستهجنه فلان وهوحق شرعي تمليه علينا طريقة التعامل السليمة التي تبني علاقات مجتمعية بعيدا عن الاحراج.

ففي المجلس الواحد سواء كان رسميا او اجتماعيا  يوجد الانسان الهادئ والمتحفظ والعصبي والمتهور والكتوم والمتنمر والسليط اللسان،وغيرهم فلابد هنا ان نتعامل مع كل شخصية بمفتاحها الخاص الذي نستطيع من خلالها التعامل مع هذه الشخصية اوتلك وفق مقاييس تحددها الشخصية اولا وطريقة التعامل معها ثانيا.

فمثلا نحن في مجلس ما وقد رايت صديقة لي وثانية وثالثة فما كان مني الا ان قلت جميل فستانك هذا انه رخيص الثمن لقد رايته بالمتجر الفلاني امس!

او انها لا تريدني ان اقول انها اقتنت شيئا ما ولا تريد الاخرين ان يعرفوا بذلك اصلا وهو حق مشروع لها ثم اقوم باخبار الجميع بذلك، هل تدرك ايها القارئ الكريم حجم الاحراج الذي وضعتها فيه ووضعت نفسي ايضا.

ثم هل صادفك انك قلت شيئا ما في وقت ما لياتي احدهم وبدون سابق انذار ويكرر ماقلت في مجلس ما ،فهل تعي حجم الاحراج!

ان هذه الامور وغيرها تضعنا في دائرة الاحراج محرِجين ومحرَجين ،فلذلك علينا ان ننتبه ونكون اكثر فراسة في ادارة المواقف.

ولتلافي الاحراج الذي نتعرض له في حياتنا اليومية او ان نعرض المقابل له بقصد او دون قصد ابتداءا من القاء التحية وحتى اخر كلمة علينا مراعاة الاتي:

- اختيار التحية المناسبة التي يفضلها فلان ويرفضها اخر وهي حق من حقوقه يجب ان نراعيها مادمنا نتعامل مع هذا الانسان كثيرا.

- الابتعاد عن (كيف ولماذا ومالسبب) خصوصا اذا كان التعامل رسميا فهذه التساؤلات التي تحرج المقابل ليس لها مبرر وقد يكون غير مستعدا للاجابة او انه لايسمح ا صلا بالتدخل في خصوصياته.

– الانتباه الى التفاصيل الدقيقة واظهار ردة فعل مختلفة قد  تنقذك من الاحراج.

- خذ من الموقف نفسه ادواتك التي تنقذك منه وداوها بالتي كانت هي الداء بطريقة ذكية.

- مراعاة ظروف المقابل الشخصية والاجتماعية والابتعاد عن التعمق بحياته التي لاتخصنا بشئ بل ان الالحاح عليه اورفع الحواجز قد يشعره بعدم الرضا وقد يرد بطريقة ما او انه يكتم مشاعره حفاظا علينا من الاحراج.

- عند احراج المقابل علينا ان نتدارك الامربان نغير الموضوع او نحاول ان نتلافاه بطريقة ذكية تجعل من الموقف اخف حدة.

-اذاكان الموقف يستوجب الاعتذار فعلينا ان نعتذر دون تردد لان الاعتذار ثقافة  بحد ذاتها لايدركها الكثيرين.

- تذكر ان ماحدث قد حدث ولن تستطيع تغييره لكن عليك الابتعاد قدر الامكان عن المواقف المشابهة التي حدثت وتركت ردة فعل داخلك.

- لكل انسان طريقة بالتعامل والحديث ومراعتنا لهذه الخصيصة تجنبنا الكثير من الاحراج.

- لا تتعامل مع الجميع على انهم شخص واحد فلكل شخصيته الخاصة وميوله المختلفة وتذكر ان اصابع اليد الواحدة مختلفة .

- في حال وجدت نفسك بموقف محرج ،حاول تغيير الموضوع بشكل عفوي يجعل المقابل ينتبه فيتوقف عن احراجك.

-هناك مواقف تحتم عليك الصمت لان الكلام او اي اضافة قد تزيد الطين بلّة وياخذ الموقف انعطافات اخرى،وقد يكون صمتك مؤشر على عدم الرضا الذي يجعل المقابل يفرمل.

هذه الامور وغيرها نتعرف من خلالها على الطريقة السليمة التي تبعدنا عن احراج انفسنا واحراج الاخرين،فبقليل من اللباقة والاحتواء الذكي للامور نجنب انفسنا والاخرين الكثير الكثير من المواقف المحرجة.

واخيرا اقول: انتبه لاقوالك وافعالك وتذكر انها كالسهم اذا انطلقت فلن تعود ثانية..

 

مريم لطفي

 

 

عبد الجبار الرفاعيمسارُ القلبِ غير مسارِ العقلِ التساؤلي التشكيكي الذي لا يهدأ. طريقُ القلب أقصرُ وأسهل وأجمل الطرق إلى الله، وأسرعُها حضورًا في ملكوته، طريقُ القلب يجعل الدينَ مُلهِمًا للمحبة والنور والفرح. ‏هذا طريقٌ يعرفه ذوو التجارب الروحية، وهو منبعُ طمأنينة القلب وسكينة الروح والسلام الذي يعيشونه في حياتهم.

الإيمانُ نورٌ يكشفُ للإنسان وجودَ الله ويوصله به، ويشكّلُ المنبعَ الأغزرَ لمعنى وجود الإنسان ولحياته ومصيره وأمله بالخلود، وهو حالةٌ يعيشها الإنسانُ وحقيقةٌ يتذوقها، هذه الحقيقة أمرٌ وجوديٌ، وهي تختلف عن التصور الذهني أو الشعور النفساني. الإيمانُ نورٌ ينعكس فيه تجلي الإلهي في البشري، وشهودُ البشري للإلهي، "وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ". يقول خافيير زوبيري: "كلُّ وجود انساني هو تجربةٌ للألوهية... العقلُ يعجز لوحده عن الادراك المباشر لله، فلا يُتمثَل اللهُ عن طريق العقل وحده، لكن أيضا عن طريق التجربة". "أقوى برهان على وجود الله هو إمكانُ تجربته وإدراك حضوره. الله معطى تجريبي، ومضمون محسوس للتجربة، وحالة روحانية"، حسب تعبير المتصوّف الهندوسي رادها كريشنان.

الإيمانُ ليس فكرةً نتأملها، أو معرفةً نتعلمها، أو معلومةً نتذكرها. الإيمانُ حالةٌ للروح نعيشها، وتجربةٌ للحقيقة نتذوقها، ثمرةُ الإيمانِ تُعرف بمقدار إثرائه للسلام الباطني. تبتهجُ للإنسانِ الأرضُ لحظةَ يبتهجُ قلبُ الإنسان بأنوار الإيمانِ. الإيمانُ يختزنُ كنوزَ الله في القلب، أجملُ وأرقّ لغة يتجلى فيها الإيمانُ هي لغةُ القلب. لغةُ القلب تتسعُ لحالاتٍ لا تتسعُ لها الكلماتُ، إنها أعذبُ لغة مشتركة بين كلِّ الناس في كلِّ زمان ومكان.

يحتاج الناسُ إلى من يتعلمون منه كيف يستمعون الى نداء قلوبهم. القلبُ هو الطريقُ إلى الله، مادام القلبُ يحتضنُ الإيمانَ فلا جدوى من تكرار محاججات المتكلمين غير المنتجة لطمأنينة القلب وسكينة الروح.كلُّ دليلٍ على الله لا يمكن أن يوصلنا إلى الله بالشكل الذي يوصلنا فيه القلبُ إلى الله، يعجز الدليلُ خارج القلب عن كشف الصلةِ الوجودية للخلق بالحق، ولا تنكشفُ في مثل هذا الدليل تجلياتُ جمال الله في الوجود، ولا يمكن أن تشرق بواسطته أنوارُه على القلوب.

ورد في دعاء عرفة المروي عن الإمام الحسين "ع": "اِلهى تَرَدُّدى فِى الآثارِ يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزارِ، فَاجْمَعْنى عَلَيْكَ بِخِدْمَة تُوصِلُنى اِلَيْكَ، كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ فى وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ اِلَيْكَ، اَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَيْسَ لَكَ، حَتّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ، مَتى غِبْتَ حَتّى تَحْتاجَ اِلى دَليل يَدُلُّ عَليْكَ، وَمَتى بَعُدْتَ حَتّى تَكُونَ الاْثارُ هِىَ الَّتى تُوصِلُ اِلَيْكَ". مَنْ يحاول الاستدلالَ على الله بمخلوقاته، كمَنْ يحاول الاستدلالَ على النور خارج النور، النورُ يكشفُ عن نفسه، وينكشفُ فيه كلُّ شيء غيرَه. "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"، "أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ". اللهُ هو الدليلُ على اللهِ، لا دليلَ أجلى منه عليه، ولا طريقَ أقرب منه إليه، هو القريبُ في بُعده، البعيدُ في قُربه. الكلُّ مدعوون للقاءِ الله، لا البُعد يُقصيهم، لا القُرب يُدنيهم. ما أكثف شذرة النفري وأغناها وهي تكشف للإنسان عن توهمه بوجود مسافة وبُعد مكاني يبعده عن الحقّ: "القُربُ الذي تعرفه مسافةٌ، والبُعد الذي تعرفه مسافةٌ، وأنا القريبُ البعيدُ بلا مسافة". ويرسم جلال الدين الرومي صورة بهيجة لشهوده لله: "هو الذي توطّن مدينةَ القلب فأين أُسافر. هو الذي سكنَ حدقةَ العين فإلام أنظر". أما عبد الحق بن سبعين فيوبخ الإنسانَ المستريب: "يا هَذَا، غُضّ بَصَرَ إدراكِكَ عن غيرِ اللهِ، ثم قُلْ لنفسِكَ: يا خَسِيسَةَ المنزلة، متى ثَبَتَ سِوَاهُ حَتَّى تستريبي فيه، وتَغُضِّي بَصَرَكِ عنه؟! هو الله! فلا هو إلا هو، ولا يمكن غيرُ ذلك".

اللهُ هو الدليلُ على اللهِ، يُعرَف هذا الدليل على وجود الله ببرهان الصِّدِّيقين. أول مَنْ صاغ هذا البرهانَ ابنُ سينا، وهو من أطلق عليه هذه التسمية، وأعاد بيانَه فلاسفةٌ مسلمون، وفلاسفةٌ مسيحيون، مثل: توما الأكويني، وفلاسفةٌ يهود، مثل: موسى بن ميمون. وأخيرًا أعاد بيانَه بتصويرٍ جديد ملا صدرا الشيرازي، وواصل بيانَه ملا هادي السبزواري، ومحمد حسين الطباطبائي.

الإيمانُ كما يعيشُهُ ويتذوقُهُ أصحابُ التجارب الروحية المضيئة مسعىً أبدي لاستبصارِ تجلياتِ الحبِ والخير والجمال في كلماتِ الله التدوينية والتكوينية. الإيمانُ ظاهرةٌ تفشلُ وسائلُ الكشفِ العلمي المتاحة عن إدراك كنهها وتحليلِ جوهرها، وإن كانت تدرسُ آثارَها المتنوعة في حياة الفرد والمجتمع. الإيمانُ من جنس الحالات الوجودية، و"قوالب الألفاظ والكلمات لا تتسع لمعاني الحالات"، حسب تعبير محيي الدين بن عربي.

الإيمانُ تجربةٌ روحية، كلُّ تجربةٍ روحية هي تجربةٌ وجودية تفشل اللغةُ في التعبير عنها، وإن تحدثت عنها فإنها تخون دلالتَها في التوصيل والإيضاح، لأنها لا تستطيع أن تتحدث عنها إلا بكلمات وعبارات ضبابية مبهمة غامضة. الرموزُ أشدُّ دلالةً على الإيمان، وعلى كلّ تواصلٍ وجودي مع الله والغيب، بل إن الكلماتِ والعبارات عندما تتحدث عن الله أو الغيب تستعير دلالةَ الرموز، لأنها تشير إلى ما هو مجرّد عن المادة وآثارها، الغيبُ لا يتمكن الإنسانُ أن يتواصل معه بالمعاني الظاهرة للغة القاطنة في فضاء الزمان والمكان والحواس.

الطريقُ العقلي إلى الله لا جذوةَ فيه، ولا ينتج سكينةَ الروح وطمأنينةَ القلب. لا يتمسك فلاسفةٌ مشاهيرُ بطريق العقل، ويرون أنه يخذلنا ولن يوصلنا إلى الله، أمثال: إيمانويل كانت، وسورين كيركيگورد، وغيرُهما. ولا يعبأ عرفاءُ في مختلف الأديان بطريق العقل، أمثال: محيي الدين بن عربي، وجلال الدين الرومي، ومايستر إكهارت، وغيرُهم. يقول جلال الدين الرومي: "إن قدمَ أصحاب العقل والاستدلال قدمٌ خشبيةٌ مهزوزة غير ثابتة". و"يروى أن الفخرَ الرازي مرَّ في الطريق وحوله أتباعه وتلامذته الكثيرون، فرأته عجوز مؤمنة في جانب الطريق فسألت: من هذا؟ فقالوا: هذا الفخر الرازي، الذي يعرف ألف دليل ودليل على وجود الله تعالى، فقالت: لو لم يكن عنده ألف شك وشك لما احتاج إلى ألف دليل ودليل، فلما سمع الفخر الرازي بذلك، قال: اللهم ايمانًا كإيمان العجائز".

الإيمانُ حالةٌ روحية متسامية، الإيمانُ جوهرةٌ كيفية لا تخضع لقياسات كمية مادية، إنه شروعٌ في سفر وجودي للعروج نحو الحقّ. حينما لا يحيا الإنسانُ الدينَ كصلة حيّة متوثبة بالحق، بل يُقدّم للمرء بوصفه مقولات ومفاهيم وأفكارًا وشعارات، يجب أن يعتنقَها الكلُّ، ويحفظَها الكلُّ، ويتطابقَ فيها الكلُّ، فلن يرتوي القلبُ بالإيمان ولن يبتهج بلذة وصال الحق. يصير العقلُ مستودعًا يختزن مجموعةَ محفوظات، هي بمثابة مومياءات محنطة مفرّغة من أية شعلة روحية متوهجة. يكتب محيي الدين بن عربي: "إن الإيمان نور شعشعاني، ظهر عن صفة مطلقة لا تقبل التقييد، والمؤمنون فيه على قسمين: مؤمن عن نظر واستدلال وبرهان، فهذا لا يوثق بإيمانه، ولا يخالط نورُه بشاشةَ القلوب، فإن صاحبَه لا ينظر اليه إلا من خلف حجاب دليله، وما من دليل لأصحاب النظر إلا وهو معرّض للدخل فيه والقدح ولو بعد حين، فلا يمكن لصاحب البرهان أن يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وهذا الحجاب بينه وبينه. والمؤمن الآخر الذي كان برهانُه عينَ حصول الإيمان في قلبه، لا أمر آخر، وهذا هو الإيمان الذي يخالط بشاشة القلوب، فلا يتصور في صاحبه شك، لأن الشكَ لا يجد محلًا يعمره فإن محله الدليل".

الإيمانُ لايتحقّق بالنيابة، خلافاً للفهم والمعرفة، ففي عملية الفهم يمكن أن يتلقى الإنسانُ معارفَه من شخص آخر، أو يقلّد غيرَه في آرائه، الإيمانُ تجربةٌ تنبعثُ في روح الإنسان، إنه صيرورةٌ تنبعثُ بها الروحُ وتتوهجُ.

كما أن القلبَ هو الطريقُ إلى الله، هو أيضًا بوصلةُ بناء وترسيخ أثرى العلاقات الإنسانية في الحياة وأخصبها، وأغناها بالحميمية والتراحم،كعلاقات الأمهات والآباء بالأبناء، وكلِّ العلاقات الإنسانية في إطار العائلة الواحدة.كلُّ علاقة إنسانية أصيلة لا يمكن أن تنمو وتتغذّى وتتجذّر إلا بعواطف ومشاعر نبيلة تستقى من القلب.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

 

حاتم حميد محسنلماذا تجعلنا التكنلوجيا أقل انتاجية؟ طبقا لدراسة جديدة ووفقا لقانون ميتكالف القديم(1)، فقد اتضح ان التكنلوجيا هي حقا تقتل الانتاجية. فريق من Bain & company حلّل بيانات عن الكيفية التي ينفق بها الناس أوقاتهم اثناء العمل. بعد ان ربطوا هذا مع المخرجات المتحققة واجمالي عدد الموظفين، كانوا قادرين على رؤية تأثير التكنلوجيا على العمل.

" يمكن ان تكون للتكنلوجيا منافع هائلة في ميدان العمل"، حسبما يذكر مايكل مانكينز، وهو احد الشركاء في شركة Bain & company، بمقال له في مجلة هارفرد بزنس رفيو. " ولكن من الإنصاف السؤال عما اذا كنا وصلنا الى نقطة تناقص المردود في بعض المجالات".

لماذا تجعلنا التكنلوجيا نتحرك ببطء؟

رائد التكنلوجيا (روبرت ميتكالف) تنبأ بان قيمة الشبكة تزداد مع مربع عدد المستعملين لها. غير ان، قانونه له سلبياته ايضا. كلما تقل التكاليف، يزداد عدد التفاعلات أضعافا مضاعفة. جميع هذه التفاعلات تأخذ وقتا. لنتصور الموقف قبل ثلاثين سنة. اذا كان المدير بعيدا عن مكتبه،فهو سيجد  مذكرة تقول هناك مكالمة فائتة – ربما 1000 مكالمة فائتة في السنة. هذا اصبح لاحقا على شكل بريد صوتي voicemail – حوالي 4000 في السنة. حاليا ومع مجموعة واسعة من وسائل الاتصال (ايميل،سكايب،رسائل فورية،هاتف)،ارتفع هذا العدد الى 30 ألف اتصال.

الجانب المظلم لقانون ميتكالف

المدراء التنفيذيون اليوم يستلمون حاليا اكثر من 30 ألف اتصال خارجي كل سنة. هذا بدوره ينطبق على الاجتماعات. عقد الاجتماعات كان مهمة اكثر تعقيدا. الان، تقترح البيانات ان 15% من الوقت الكلي للشركة يُنفق في الاجتماعات. وهي نسبة تزداد كل سنة منذ عام 2008.

كل هذه المسائل تشير حقا الى ان التكنلوجيا هي استنزاف وهدر للانتاجية بدلا من ان تكون مساعدا لها.

ماذا تقول البيانات؟

بحوث Bain & company تؤكد ذلك. بافتراض 47 ساعة عمل في الاسبوع، فان المشرف او المدير المتوسط  يُتوقع ان تكون لديه أقل من 7 ساعات عمل متواصل اسبوعيا، حيث وجدت التحليلات ان متوسط الساعات المخصصة للاجتماعات هي 21 ساعة، و 11 ساعة لإرسال وقراءة  الايميلات والاجابة عليها. اخيرا، هناك جزء كبير آخر للوقت الضائع في كلا جانبي الاجتماعات وفي الايميلات الناتج عن تركيز الانتباه. كل هذا يساهم مجتمعا بخفض العمل المتواصل(عمل بدون انقطاع او صرف انتباه) الى أقل من 7 ساعات اسبوعيا.

ان المهام اليومية ايضا تأخذ وقتا أطول. طبقا لدراسة حديثة، 60% من العمال كان عليهم استشارة على الأقل عشرة عمال آخرين يوميا فقط لكي يؤدوا أعمالهم بالشكل الصحيح. نفس الدراسة تقترح ايضا انه في الخمس سنوات الأخيرة، قفز وبشكل كبير مقدار الوقت المطلوب لإنجاز الأعمال. التعيين في الوظائف يحتاج الى عشرين يوم أطول مما كان عليه في عام 2010، بينما الوقت المطلوب لإنجاز مشروع IT للمكتب زاد بمقدار شهر في الفترة بين 2010 و 2015.

ماذا يجب ان نعمل؟

يقترح ماكنز خطوتين لنتأكد من نجاح التكنلوجيا في الأعمال وان لا تعمل ضدها.

1- يجب على المنظمات ان تنظر في ما اذا كانت التكنلوجيا توفر وقت الناس ام لا. اذا كانت فقط تقلل التكاليف، فلابد اذاً من النظر اليها بشك.

2- حسبما يرى مانكنز فان الشركات يجب عليها ان تنظر في السلوك الخاص بها بدلا من محاولة العلاج السهل للتكنلوجيا. "العديد من الاستثمارات في التكنلوجيا الجديدة هي في الاساس حلول للسلوكيات السيئة او الاجراءات المبسطة المتعلقة بتقاسم المعلومات".

هو يستنتج ان المزيد من الاعتبارات حول تأثير التكنلوجيا على مكان العمل وخاصة الانتاجية،سيكون لها تأثير ايجابي على الأعمال، ولكن ايضا ربما نرى رفضا للاستثمارات الجديدة في التكنلوجيا .

 

حاتم حميد محسن

............................

* World Economic Forum, 7 march 2016

الهوامش

(1) قانون ميتكالف Metcalfe’s law يؤكد ان قيمة شبكة الاتصال هي تناسبية مع مربع عدد المستخدمين للنظام. اول منْ صاغ القانون هو جورج غلدن عام 1993 ثم نُسب بعد ذلك الى روبرت ميتكالف فيما يتعلق بالايثرنيت. قانون ميتكالف يصف العديد من تأثيرات شبكة الاتصالات التكنلوجية والشبكات الاخرى مثل الانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي و الشبكة العالمية الواسعة WWW. الرئيس السابق للجنة الاتصالات الفدرالية الامريكية (ريد هندت) ذكر ان هذا القانون يوفر أعظم فهم لعمل الانترنيت. جرى توضيح القانون أول مرة  باستعمال مثال عن ماكنة الفاكس: ماكنة الفاكس الواحدة ليس لها أي قيمة، ولكن قيمة كل ماكنة فاكس منفردة تزداد مع العدد الكلي لمكائن الفاكس في الشبكة، لأن العدد الكلي للناس الذين يرسل لهم المستعمل ويستلم منهم وثائق سيزداد، وكذلك في التواصل الاجتماعي، كلما زاد عدد المستخدمين للخدمة، كلما اصبحت الخدمة اكثر قيمة للجالية. في الأصل جرى التعبير عن القانون رياضيا على الشكل التالي:

N(n-1)/2 حيث N تشير الى عدد المستخدمين للوسيلة او الشبكة. فاذا كان لدينا جهاز تلفون واحد فليس له أي قيمة. اما 2 جهاز تلفون يمكنهما عمل اتصال واحد. بينما 5 أجهزة تلفون تعمل لنا عشرة اتصالات. وكذلك 12 جهاز تلفون ينتج عنها 66 اتصال، حيث حسب القانون يكون لدينا  (12-1)/212، ويساوي 132 بالقسمة على 2 = 66.

 

الثقافةُ الحقيقية في المجتمع لا تقوم على مفاهيم مُجرَّدة أو مَاهِيَّات غامضة أو تعابير هُلامية، وإنما تقوم على حقائق واقعية وأفكار واضحة وسلوكيات مُستقيمة، ومُهمة الأنساق الثقافية هي طرح الأسئلة بلا مُجاملة، وتكوين المشاعر الإنسانية القادرة على تغيير البُنى الاجتماعية بلا تلاعُب . والمجتمعُ لا ينهض إلا بتكريس الأسئلة المصيرية وتغيير المشاعر السلبية . وإذا استطاعَ الإنسانُ تغييرَ نظامَ حياته إلى الأفضل، فإنَّ أنظمة اجتماعية مُتقدِّمة ومنظومات فكرية جديدة ستنشأ وتنتشر في تفاصيل المجتمع، وتُعيد بناءَ الوَعْي الكُلِّي والعقل الجمعي على قاعدة تحمُّل المسؤولية ومواجهة الأزمات، وليس تبرير الأخطاء والالتفاف حولها ودفن النار تحت الرماد وترحيل الملفات إلى الأجيال القادمة .

2

الإشكاليةُ الصادمة في المجتمعات الخائفة من الحقيقة، تتمثَّل في تحوُّل الثقافة إلى قناع خادع، وأداة لتزيين الواقع، ووسيلة تخديرية للناس، وعملية ميكانيكية لرشِّ السُّكَّر على المَوت . والهدفُ من الثقافة ليس تجميلَ المَوت، وإنما تجميل الحياة، ونقل الأنساق الاجتماعية المَيتة إلى قلب الحياة . ووظيفةُ المثقف ليست تزيين الماضي بالشعارات، وإنما تزيين الحاضر بالإنجازات، واستلهام أمجاد الماضي، وصناعة أمجاد جديدة قادرة على دفع الناس إلى اقتحام المستقبل بثقة وإصرار . وشرعيةُ الثقافة تنبع مِن قُدرتها على صناعة أزمنة جديدة، وتشييد أمكنة فريدة، بعيدًا عن استعادة الأزمنة الماضية، واستعارة تجارب الآخرين، لأن كُل إنسان ابن زمانه، وكُل مجتمع له خصوصية مُتفرِّدة وماهيَّة ذاتية، وهذا يعني عدم وجود فائدة من تقليد الآخرين ونسخِ سلوكياتهم . وعلى المجتمع أخذ الحِكمة والعِبرة والمعنى الرمزي من إنجازات الأمم الأُخرى وتجاربها، ثُمَّ صناعة ظروف مُناسبة لإمكانياته وقُدراته، وإنشاء عوالم خاصَّة قادرة على احتضان نقاط قُوَّته ونقاط ضَعْفه.

3

الخَيَّاط الماهر، يهتم بنوع القُماش، لكن تركيزه على عملية تفصيل القُماش، بحيث يصير ثيابًا أنيقة تتلاءم مع تفاصيل جِسْم الإنسان، وكذلك المُثقف الحقيقي يهتم بنوع الأفكار، لكن تركيزه على عملية تفصيل الأفكار، بحيث تصير منظومةً إبداعية تتلاءم مع تفاصيل كِيان المجتمع . وكما أنه لا فائدة من الثياب النظيفة على جِسْم مُلوَّث، كذلك لا فائدة من الأفكار الرائعة في بيئة قاتلة للإبداع . وامتلاكُ البِذرة القوية    لا يعني مُجتمعًا قويًّا، ينبغي أن تتوفَّر تُربة صالحة لاحتضان تِلك البِذرة . ومنظومةُ (البِذرة / التُّربة) تُشبه منظومةَ (الثقافة / المجتمع). والثقافةُ لا تُؤَثِّر في المجتمع إلا إذا قامت على الابتكار والتجديد، بعيدًا عن الاستعادة والاستعارة . وكُل تأثير إيجابي يُمثِّل مشروعَ خلاصٍ للعقلِ الجمعي، وعمليةَ إنقاذ للعلاقات الاجتماعية، وطَوْقَ نجاةٍ للمشاعر الإنسانية. وقُوَّةُ التأثير تابعة لمركزية النسق الثقافي في الإدراكِ الحِسِّي، والتفاعلِ الرمزي، والسُّلوكِ الاجتماعي. وإذا امتلكَ النسقُ الثقافي أُفُقَه ومَدَاه، تحرَّرَ مِن سَطوةِ اللحظة الآنِيَّة، وسَيطرةِ الأهواء الذاتية، وهَيمنةِ المصالح الشخصية، وتحوَّلَ إلى ظاهرة ثقافية قائمة بذاتها، ومالكة لقرارها، ومُعْتَرَف بها معنويًّا وماديًّا . وكُل ظاهرة ثقافية مُتجذرة في شرعية المجتمع مسارًا ومصيرًا، لديها القدرة الذاتية على التكاثر، وتَوليدِ الأشكال الاجتماعية، وتحميلها بالمضامين المعرفية المنطقية . واتحادُ الشكل والمضمون يَمنع التَّشَظِّي وبَعثرةَ الجهود، ويُؤَسِّس نظامًا تكامليًّا يُمكِّن المُثقفَ مِن بناء عَالَمه الإبداعي لَفْظًا ومَعْنى .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

صلاح حزامينقسم علم الاقتصاد الى جزئين او ميدانين هما:

الاقتصاد الكلي macroeconomics

والاقتصاد الجزئي microeconomics.

يعنى الاقتصاد الكلي اساساً بدراسة عددٍ من الاجماليات الاقتصادية aggregates الواسعة النطاق ومحاولة معرفة العلاقة بينها.

ومن اهم هذه الاجماليات الدخل القومي (ومايقع ضمن نفس النطاق كالناتج المحلي الاجمالي والصافي والدخل القومي الاجمالي والصافي)،

وإنفاق المستهلكين الكلي والادخار الكلي، والاستثمار الكلي والاستخدام الكلي employment، وكمية النقود (عرض النقد) money supply،ومتوسط مستوى الاسعار، وميزان المدفوعات.

الاقتصاد الكلي معني بشكل اساسي بتوضيح محدِدات احجام كل من هذه الاجماليات ومعرفة معدلات تغيّر كل منها عبر الزمن .

كذلك فان هذا الفرع يُعنى بأيضاح دور الإنفاق الحكومي، المتمثل بالميزانية الحكومية، والضرائب، والسياسة النقدية، في تحديد المستوى العام للنشاط الاقتصادي (كمستوى الدخل القومي والبطالة الخ ...).

الاقتصاد الكلي يركّز على تعريف وتحليل، بشيء من العمق، العلاقة بين هذه الاجماليات والبحث عن الشروط التي تحدد طبيعة التوازن العام للاقتصاد فيما اذا كان توازناً ساكناً statistic او توازناً حركياً dynamic وخصائص ذلك التوازن.

ذلك كله يجعل بالامكان التكهن بالنتائج المترتبة على حصول اي تغيير في احجام كل من الاجماليات التي وردت اعلاه، على باقي الاجماليات.

مثلاً عند حصول تغيير في حجم الاستثمار الكلي او الانفاق الحكومي.

اما الاقتصاد الجزئي، فأنه يعنى وكما هو واضح من الأسم، بدراسة اجماليات أصغر من تلك التي يدرسها الاقتصاد الكلي.

فهو يدرس قرارات الوحدات الفردية، كقرارات الفرد والعائلة (house hold) والمنشأة والطريقة التي تتضافر فيها تغيراتها لتحديد اسعار السلع وعوامل الانتاج في السوق والكميات التي سوف تُباع وتُشترى من كل منها.

ان الغاية النهائية لهذا الفرع هي فَهِم الآلية التي بموجبها يتم تخصيص allocation موارد المجتمع بين الاستخدامات المختلفة المتنافسة .

ولذلك تُعتَبر السوق المفهوم المركزي في نطاق هذا الفرع (اقتصاد السوق الحرة ونظام الاسعار price system).

من وجهة نظر اقتصاديات السوق الحرة، لاتوجد وسيلة اكثر كفاءة (بل لاتوجد اصلاً) من السوق في تخصيص الموارد للاستخدامات المختلفة.

التوجهات الحديثة في علم الاقتصاد تميل الى دراسة توجهات عناصر الاقتصاد الجزئي (الأفراد والوحدات) وفقاً للعوامل المحيطه بها والتي تخلق التوقعات لديها والتي قد لاتكون مرتبطة او مماثلة بالضرورة لتلك التي تراها الحكومة في صياغة توقعاتها لمسيرة الاقتصاد..

مجموع قرارات الوحدات الفردية ومايترتب عليها من آثار اقتصادية ومالية، هي التي تشكّل الاجماليات التي يتعامل بها الاقتصاد الكلي..

سياسات الاقتصاد الكلي تهدف الى التأثير على قرارات الوحدات الفردية (أشخاص ومنشآت) وبالتالي تغيير الاجماليات كمحصّلة نهائية.

السياسات المالية والنقدية وسياسات الاجور (اذا كان هناك تدخل وتشريع فيما يخص الأجور لاسيما تحديد الحد الادنى للأجور)، وسياسات التجارة الخارجية وسياسات الاستثمار الاجنبي الخ.. كل تلك السياسات تؤثر في قرارات الوحدات الفردية على أمل دفعها بالاتجاه المرغوب حكومياً.

تخفيض او زيادة سعر الفائدة وتخفيض او زيادة الضرائب وفرض سياسة كمركية تدخلية الخ .. تؤثر على قرارات تلك الوحدات ..

ولكن السؤال الذي يحتاج الى اجابة هو: هل ان الوحدات تستجيب تماماً كما ترغب الحكومة وتتوقع؟

التجربة اثبتت ان للوحدات توقعاتها التي قد لاتتوافق مع توقعات الحكومة!!

آدم سمث، حذر من اي تدخل حكومي داعياً الى ترك السوق تعمل بشكل طبيعي ودعى الى حكومة أصغر ذات واجبات أقل .

يقول سمث : اذا تدخلت الحكومة وفرضت حداً ادنى للأجور لحماية العمال، فأنها قد تسبب فقدان للوظائف . حيث ان الحد الادنى المفروض قد يكون اعلى مما يتحمله السوق مما يسبب خسائر للمنشآت فتغلق ابوابها ويفقد العمال وظائفهم !!

الحكومات الرأسمالية دون استثناء، لديها قوانين لمنع الاحتكار anti trust acts، لأن القاعدة الذهبية التي تضمن قيام السوق بواجباتها بشكل صحيح هي سيادة المنافسة .. وتحاسب تلك القوانين بشدة على حالات الاحتكار.

 

د. صلاح حزام

 

 

 

خالد جودة احمدبحث الدواء الإيماني لداء "نحافة الروح"

في لقطات سينمائية كوميدية لطيفة للفنان/ أحمد حلمي صارت أيقونة لمحبي الطعام الشديد والشهر الفضيل، في فيلم (إكس لارج)، والصائم قد صلي الفجر ثم استشعر العطش فورًا، رغم أنه مضي يأكل سحورًا هائلاً.

والحقيقة أن مثل هذه الحالة تعد مؤشرًا لمرض (نحافة الروح)، لذلك يمكن أن نطلق سراح هذا التساؤل القلق: الضعف في الأرواح أم في الأجسام؟!، فكلنا يعلم كيف تبدل حال أغلب المسلمين في رمضان -إلا من رحم ربي- فتحول شهر الصيام إلي شهر الطعام، وتحول شهر التهجد والقيام إلي شهر سهرات التلفاز وفي خيام الشيشة، والتضحية بالأوقات الثمينة، وتحول شهر البر والإحسان والاقتصاد إلي شهر الإسراف الشديد، وهكذا. ولا أقصد التقريع، فكلنا ذلك الإنسان، وانا أول الناس، إنما هي تذكرة حتي يساعدنا رمضان “الطبيب” علي اجتياز هوة هذا الصراع بين عادات ومقتضيات نفس وسلوك معين وبين الجديد الإيماني الدوائي للروح الرمضاني، فتحدث مقاومة شديدة.

يقدم الباحث “علي الجندي” ملمحًا ذكيًا حول هذه المقاومة: (من العجيب أن الإنسان قد يخرج أحيانا صباحًا إلي عمله دون أن يذوق طعامًا ويظل طول النهار تقريبًا دون أن يذوق طعامًا وقد يكتفي ببعض أقداح القهوة والشاي، ولكن في رمضان يتناول وجبتين كاملتين أحدهما قرب انبلاج الصبح، ولا يكاد يأتي عليه الضحى حتى يحس بالجوع فإن حان وقت الإفطار انتظره علي أحر من الجمر ، فمعني ذلك أن ضعفنا في ضعف أرواح لا ضعف أجسام)، وقد وجدت هذا الأمر في أكثر من أثر، يتحدث كاتب صحافي معروف، قائلًا: (أنا –والعياذ بالله من كلمة أنا- أكون في حال يصعب علي الكافر وأنا صائم، حيث أفقد القدرة علي العمل والتفاعل (..) ربما لأنني من الذين لا يتحملون الجوع، وإن كنت لست أكولاً، وربما يرجع الأمر إلي فكرة المنع في حد ذاتها هي السبب، فقد جاء رمضان في عز الشتاء الزمهرير، ولم أكن أظمأ أو أجوع، ومع هذا كنت في نفس الحالة).

ويتحدث د. عبد المحسن صالح عن ظواهر نحافة الروح وداله الرئيس الشغف الهائل بالطعام في رمضان، رغم أن المقصود العكس، يقول بتصرف: (ما ُيصرف علي الطعام والشراب في شهر رمضان يفوق مثيله في أي شهر آخر .. ربما بضعفين أو ثلاثة .. والغريب أن هذا يحدث في شهر مبارك من سماته عدم الإسراف في مال وطعام وشراب، فنحن نأكل في شهر رمضان أكثر مما نأكل في أي شهر آخر، وهذه مفارقة تستحق وقفة تأمل وتدبر).

بالتالي هناك حالة مرضية تصيب الروح، وينجم عنها مضاعفات وآثار صعبة، من أهمها نحافة الروح، وإصابتها بمرض خطير قد يقضي عليها، فالروح مسجاة في سرير الدنيا تعاني من هزال قتال، تلتقط أنفاسها من ثقب أبرة لاهثة، يضج صدرها كالطبل الهائل بالألم، ومن عجب انه رغم هذا الشان المرضي الخطير، لا تجد الأرواح من يعني بتغذيها تغذية صحية، وإلتماس الدواء لها، من ذكر وأذكار، وآيات واعتبار، وتأمل ودعاء، وتدبر في صنع الله وتبتل، وصدقات وصلوات، وإيصال صلات أرحام ممزقة، وترك للحرص والخوف، إلي آخره من هذه العلاجات الشافية.

ومن هنا تنبع أهمية علم الصيدلة الرمضانية السريرية، والصيدلي السريري تطوير طبي مهم، وتأسيس علمي بصير، فهو خبير الأدوية وهو الأدري بالأمور الدقيقة الخاصة بها مثل: كيفية حساب الجرعات، تعديل الجرعات، تداخلات الأدوية مع بعضها، كيفية تحضير أدوية معينة، تولي الصيدلي هذه المهام يوفر علي الطبيب عمل كثير، ويجعله يتفرغ أكثر للأستماع إلي المرضي، والتركيز علي مهامه الأصليه فى تشخيص المرض. ووجود الصيدلي ضمن الفريق الطبي يتيح توفير معلومات عن الأدوية المختلفة وبدائلها، ويكون الصيدلي مصدر معلومات سهل الوصول إليه بالنسبة للمريض للإجابة علي استفساراته عن جرعة الدواء، وميعاد أخذه، وغيرها من تساؤلات المرضى، كما يحدث تعظيم الفائدة من استخدام الأدوية عن طريق إعطاء أنسب جرعة لكل مريض فى الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة.

وشهر رمضان الكريم هكذا يؤسس صيدلة للروح المسجاة سريريًا ضعيفة أشد الضعف، يقدم لها أدوية ناجزة، في جرعات مكثفة تنقذها من التردي الصحي الخطير بعد أن أهملها صاحبها في العلاج حتي أفضي بها إلي هذا الضعف المترع، هذه الجرعات المكثفة من صيام وقيام وذكر وصدقات وتلاوة قرآن والتحفيز إليها بالنصوص الشريفة، والتآزر بينها، وتشكيل الصوبة الإيمانية ذات الأنفاس النقية، والتي تم تعقيمها من مردة الشياطين، وملوثات الأرواح، هذا جميعه يقدم طوق نجاة لأرواح نحيفة تكاد تقضي مرضًا وضعفًا.

والتشخيص للحالة والتي تؤسس سبل العلاج الرمضاني قدمه الزاهد “ابن مسروق الطوسي” عندما قال: (المؤمن يقوي بذكر الله .. والمنافق يقوي بالأكل)، وفي الرواية الشيقة لأحمد بهجت (مذكرات صائم) يصف كيف اجتاحت الكآبة الأرواح، يقول: (كيف يتسع قلب في حجم قبضة اليد لأحزان في رحابة الأفق)، وفي موضع آخر يقول: (الألم المادي في القلب يزيد، والكآبة لم ترحل وإنما تنتشر. فشل أطباء الجسد، ولم يبق غير أطباء الروح)، ونعود مرة أخر للعلامة الأديب د. عبد المحسن صالح، حيث يحدث عن قوائم الطعام في رمضان، معقبًا عن الحكمة العظيمة الكائنة في هذا الشهر الكريم، يقول بتصرف: (فهو شهر الانضباط الديني والنفسي والبدني، ليعمق في الإنسان جذور الإيمان، عن طريق كبح شهوات، يراقب الناس فيها ربهم، وفي الوقت ذاته يراقبون أجهزتهم الحية التي ظلت تشتغل بغير هوادة طوال عام كامل، وأين لها أن تأخذ “هدنة” تريحها من عناء متواصل)، فوصفة دوائية من لون: تلاوة القرآن الكريم وقراءة السنة المطهرة والسيرة الشريفة، ومدارسة هذه العلوم، وإقامة أمسيات رمضانية نبيلة، ... إلى آخره من صنوف الدواء الرمضاني تنقذ الروح المحتضرة من خطر الفناء.

يقول أيضا د. عبدالمحسن صالح عن الدواء الؤمضاني: (كل هذا غذاء للروح والعقل، وكلما ازددت من هذا الغذاء وجدت فيه نهمًا لا تشبع منه النفس أبدًا، ذلك أن عقولنا تسطيع أن “تهضم” أكداسًا من فوق أكداس من العلم النافع، وبه تتسع المدارك، وتسمو المعارف، وتتفتح العقول علي المزيد، دون أن تصيبها تخمة أو عسر أو ما شابه ذلك). وقرأت في كتاب طبي علمي معنون (الصيام … الغذاء الأمثل)، من تأليف د. آلان كوت الحائز علي درجة الدكتوراة في التغذية أن الصوم يجعلك أكفأ ذهنيًا وجسديًا، ويشحذ الحواس، ويقوي الإرادة، ويمنحك صفاء روحيًا.

نفعنا الله تعالي بمركبات الدواء الإيمانية، وأصلح شان أرواحنا في شهرنا المبارك الكريم، وكل عام وحضراتكم بصحة وعافية وخير.

 

خالد جودة أحمد

 

فيما يلي ملخص لمصطلح الثقافة الذي شاع استخدامه وتعددت تعاريفه في زمننا وظهر ما يعرف أيضا بالثقافة الإسلامية. فقد ذكرت المقصود بهذه المصطلحات وأهم مصادر الثقافة الإسلامية، قواعدها، خصائصها، مرتكزاتها، وموضوعاتها. كما بينت علاقة الثقافة الإسلامية بالثقافات الأخرى، وموقفها من الغزو الفكري والعلمنة الثقافية، وكذلك موقفها من حوار الحضارات، وفي النهاية جدول بأهم المصطلحات وتعريفاتها الواردة في هذا المقال.

1- الثقافة لغة: الذكاء والفطنة وسرعة التعلم والحِذق في إدراك الشيء.

اصطلاحا: العلوم والمعارف والفنون التي يطلب الحذق فيها (تعريف مجمع اللغة العربية).

أو جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية الت تميز مجتمعا بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها،

وتشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، والحقوق الأساسية، ونظم القيم والمعتقدات (تعريف اليونسكو).

2- الثقافة الإسلامية: العلم بمنهج الأسلام الشمولي في القيم، والنظم، والفكر، ونقد التراث الإنساني فيها.

3- أهم العلوم الإسلامية صلة بالثقافة الإسلامية هي: علوم القرآن، الحديث، العقيدة، الفقه، والسلوك.

4- تتجلى أهمية دراسة الثقافة الإسلامية من خلال:

أ- تقديم تصور للإسلام باعتباره منهج وأسلوب حياة، وممارسة الأخلاق الإسلامية كسلوك دائم.

ب- تعريف المسلم بالعقيدة السليمة وما يحتاج معرفته في أمور دينه وعباداته ومعاملاته.

ج- تبصيره بالغزو الفكري والثقافي ضد المجتمعات الإسلامية.

د- بيان موقف الأسلام من النوازل المتجددة والقضايا المعاصرة.

5- ينبثق علم الثقافة الإسلامية من نصوص الوحيين: الكتاب والسنة.

6- قواعد علم الثقافة الإسلامية:

أ- الشمولية: أي التناول الكلي للموضوع باعتباره وحدة مترابطة.

ب- التأصيلية: بيان نظرة الأسلام للإنسان والكون والحياة ومنهجه في الاستنباط، والاستدلال، ومدى توافق التراث الإنساني مع الإسلام من عدمه.

ج- النقدية: بيان الجوانب الإيجابية في الفكر الإنساني المتوافقة مع الأسلام، والسلبية التي تحتاج الى هداية

ج- المقارنة: باتباع أسلوب المنهج المقارن القائم على الاستقراء والتحليل والنقد كمنهج أساسي.

7- مصادر الثقافة الإسلامية:

تنقسم إلى مصادر شرعية أصلية تشمل: القرآن والسنة والأجماع والقياس وإلى مصادر معرفية محكومة بالمصادر الأصلية منها: التاريخ والتراث الإسلامي، واللغة العربية والخبرات المفيدة.

8- خصائص الثقافة الإسلامية:

أ- الربانية: تستمد من الوحي الالهي الكتاب والسنة.

ب- الشمولية: الاهتمام بكافة مناحي الحياة.

ج- الواقعية: التعامل مع المسلم وفق طبيعته البشرية ومراحل نموه وما يعتريه من أحداث.

د- الوسطية: يوازن بين مطالب المسلم الجسدية والروحية في الدنيا والآخرة.

ه- العالمية: لكافة البشر.

9- ركائز الثقافة الإسلامية:

أ- التوحيد: إفراد الله بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.

ب- الأيمان: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وأركانه ستة:

الأيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الأخر، والقدر خيره وشره.

ج- العبادة: وهو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الاقوال والاعمال الباطنة والظاهرة (ابن تيمية).

- أركانها: كمال المحبة وتمامها، وكمال الذل وغايته.

- شروطها: الإخلاص لله والمتابعة لنبيه.

- من دوافعها: الفطرة السليمة، محبة الله وتعظيمه والافتقار إليه، والرغبة في ثوابه، والرهبة من عقابه.

- من مقاصدها: تحقيق العبودية لله، شكره على نعمه، وتحقيق الأيمان بالغيب.

- من المفاهيم الخاطئة للعبادة: قصرها على الصلاة والصيام والحج دون سائر العبادات، والحرص على

النوافل والتفريط في الفرائض، وأيضا الغلو في العبادات والابتداع فيها.

10- موضوعات علم الثقافة الإسلامية:

أ- القيم: مجموعة القواعد التي تقوم عليها الحياة الإنسانية، وتنقسم إلى ثلاثة:1- عليا تتمثل في العبودية

لله والعدل والاحسان، 2- حضارية: مثل الحرية والمساواة، 3- خلقية: مثل الصدق والأمانة والوفاء.

ب- النظم: وأهمها نظام العقيدة والعبادة، والنظام الأخلاقي والاجتماعي، والسياسي والقضاء والحسبة

ج- الفكر: وهو عمل العقل ونتاجه، وقضاياه: 1- عامة: كالوجود والتطور، 2- إنسانية: كالتدين والهوية

3- حضارية: كالتقدم والتخلف. ومذاهبه: 1- نظرية: كالاستشراق، 2- عملية: كالتنصير والماسونية

د- نقد التراث الإنساني: بواسطة المنهج المقارن لتأصيل كل قيمة ونظام وفكر، أو المنهج الشمولي لثقافة

أمة من الأمم أو فترة تاريخية من جميع جوانبها.

12- موقف الثقافة الإسلامية من:

أ- الثقافات الأخرى: إيجابية تواصلية بالاستفادة من الخبرات النافعة للأمم الأخرى بما لا يتعارض مع الثوابت الإسلامية والتمسك بالعقيدة الصحيحة والتحذير من المواقف السلبية.

ب- الغزو الفكري: وهي جهود فكرية منظمة من أعداء الإسلام لصد المسلمين عن دينهم والتشكيك فيه، من خلال عدة وسائل منها: 1- الاستشراق وهي دراسات يقوم به الغربيون للإسلام بهدف تشويهه، 2- التنصير: أي نشر النصرانية في دول العالم الثالث خاصة الافريقية عن طريق تقديم الخدمات الطبية وبناء المدارس والمساعدات المالية وكذلك الاعلام.

- ومن آثاره على الامة الإسلامية: زعزعة الأيمان والتشكيك في عقيدة المسلمين، الترويج للانحلال والفساد،

وهدم قيم المجتمع المسلم، تغريب المرأة وإفسادها، نشر الألحاد، الدعوة الى القومية والعرقية

- ويتمثل موقف الثقافة الإسلامية من الغزو الفكري: تعريف المسلمين به وبوسائله وتوعيتهم بآثاره الخطيرة

على الفرد والمجتمع، تكثيف دور الإعلام الإسلامي والمؤتمرات لبيان مخاطر هذا الغزو، والاهتمام بالمرأة

13- الثقافة العلمانية: وهي فصل الدين عن الثقافة، مما أدى إلى إبعاد الجمعيات الثقافية ومجالسها عن الدين، وهذا الاتجاه خاطئ يتعارض مع واقع الثقافات كافة التي لا تنفك عن دين ومعتقد مجتمعاتها.

14- حوار الحضارات:

- الحوار مطلب إسلامي من أجل الدعوة إلى الله، فلكي نقوم بهذا الواجب علينا الحوار مع الاخرين للدعوة إلى الإسلام والرد على الشبهات المثارة في أذهان الناس.

- وقد نشأ مصطلح حوار الحضارات مؤخرا نتيجة الصراعات بين القوى العالمية السياسية والدينية. والذي يقوم على إيجاد بيئة دولية مستقرة انطلاقا من مبدأ الاحترام المتبادل. وهي فكرة مقبولة نظريا لكن يعيبها بعض الإشكالات التي تخالف الثقافة الإسلامية وهي:

أ- أن الثقافة المتقدمة هي الثقافة الغربية نتيجة التقدم المادي والتقني.

ب- الحوار قائم على مسائل الحريات العامة: منها حرية المرأة وفق الثقافة الغربية وكذلك حرية المعتقد.

ج- نزعة الغرب العنصرية وتأصيل الطبقية والنظرة الدونية للحضارات الأخرى.

د- أن المتصدين لتمثيل المسلمين في هذا الحوار ليسوا مخولين، بل يقع التصدي على عاتق العلماء الراسخين

- موقف الإسلام من حوار الحضارات:

لم يكن الحوار محل اتفاق بين علماء المسلمين، فمن رافض للفكرة من أساسها، ومن مؤيد للفكرة على اطلاقها،

لكن الأصل عند المسلمين القبول بهذا المبدأ لأهميته وحث الإسلام عليه بالرغم من الواقع المرير التي تعيشه بعض المجتمعات الإسلامية المضطهدة، على لا يكون تخديرا للامة.

15- تعريفات:

م - المصطلح - التعريف

1 - الثقافة - لغة: الذكاء والفطنة وسرعة التعلم والحِذق في إدراك الشيء.

اصطلاحا: العلوم والمعارف والفنون التي يطلب الحذق فيها (مجمع اللغة العربية).

2 - الثقافة الإسلامية - العلم بمنهج الأسلام الشمولي في القيم، والنظم، والفكر، ونقد التراث الإنساني فيها.

3 - الحضارة - مفهوم شامل لكل من الثقافة والعلم

4 - القيم - القواعد التي تقوم عليها الحياة الانسانية

6 - المنهج الشمولي - المنهج القائم على أساس التناول الكلي للموضوع كوحدة مترابطة

7 - النظم - مجموعة التشريعات التي تحدد للإنسان منهج حياته

8 - الفكر - عمل العقل ونتاجه

9 - النقد - كشف حال الشيء لبيان حقيقته من زيفه

10 - التراث - ما يخلفه الرجل لورثته

11 - التراث الإنساني - ما تخلفه البشرية من ثقافة وحضارة وعلوم

12 - نقد التراث الإنساني - فحصه اجابا وسلبا في مجالات القيم والنظم والفكر ومواجهة ما يخالف الإسلام فيه

13 - المنهج التأصيلي - يراد به الانطلاق من التصور الإسلامي للإنسان والكون والحياة في الفهم والتنظير الفكري والعلمي والنقدي واتباع القواعد الشرعية في الاستنباط والاستدلال

14 - المنهج النقدي - يسعى لبيان منهج الإسلام والدفاع عنه في ظل المذهبيات وتصارع الأفكار مبينا ما يتوافق مع الإسلام من الفكر الإنساني ورد ما يخالفه

15 - منهج المقارنة - يكشف عن كمال الإسلام وضرورته للبشرية

16 - المصادر الشرعية الاصلية - مصادر التشريع الأربعة المتفق عليها وهي القرآن واسنة والاجماع والقياس

17 - المصادر المعرفية - ليست من مصادر التشريع لكنها من روافد الثقافة الإسلامية ومحكومة بالمصادر الشرعية مثل التاريخ والتراث الإسلامي واللغة العربية والخبرات النافعة

18- القرآن - كلام الله المعجز المنزل على محمد المكتوب في المصاحف المنقول بالتوتر المتعبد بتلاوته المبدوء بالفاتحة والمختوم بالناس

19 - السنة النبوية - كل ما اضيف الى النبي من قول او فعل أو تقرير أو صفة

20 - الاجماع - اتفاق المجتهدين من امة محمد بعد وفاته على مر العصور في أمر من أمور الدين

21 - القياس - إلحاق فرع بأصل في الحكم لتساويهما في العلة

22 - التراث الإسلامي - ما صنفه المسلمون على مر العصور في شتى المعارف والعلوم

23 - الغزو الفكري - جهود فكرية منظمة يبذلها أعداء الإسلام لصد المسلمين عن دينهم

24 - الاستشراق - دراسات يقوم بها الغربيون للشرق الإسلامي في جوانب شتى بهدف تشويه الاسلام

25 - التنصير - حركة دينية استعمارية لنشر النصرانية في دول العالم الثالث وخاصة المسلمين

26 - التوحيد - لغة: مصدر وحد يدل على الانفراد

اصطلاحا: إفراد الله بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته

27 - الايمان - لغة: التصديق والإقرار

اصطلاحا: اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية

28 - العبادة - لغة: الطاعة مع الذل والخضوع

اصطلاحا: اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الاقوال والاعمال الظاهرة والباطنة

29 - علمنة الثقافة - فصل الدين عن الثقافة

30 - حوار الحضارات - مصطلح ظهر في هذا العصر يراد به إيجاد بيئة دولية مستقرة قوامها الاحترام والمساواة بين الثقافات والحضارات المختلفة

 

عصمت نصاراذا ما تتبعنا البنية النصيّة لكتابات الجابري في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي سوف ندرك مواطن التحولات ومواضع القفزات التي كانت تطرأ على مشروعه المزعوم. فها هو يتحدث في كتابيه "نحن والتراث" و"الخطاب العربي المعاصر" حول قضيتين:

أولهما: أزمة الأنا التي تتجاذبها قوتان (الفكر الوافد من الماضي والفكر الوافد من المستقبل) ويقف بينهما العقل العربي عاجزاً عن التواصل مع الأول؛ لعجزه عن فهمه وافتقاره للآليات التي تمكنه من استبعاد مواقع هزائمه وإخفاقاته من جهة واستلهام إيجابياته لتدفعه إلى الأمام من جهة أخرى.

أما عجزه عن اللحاق بالأمم الراقية فيبدو في ذلك الموقف المتناقض في ثوابتهما؛ فالعقل العربي مازال يدرك أن مشخصاته وهويته على ضعفها مفارقة لشخصية الآخر الذي يريد اللحاق به. أضف إلى ذلك أن روحية العقل العربي ومثاليته المستوحى من الموروث العقدي التليد تعيقه عن فهم الآخر الذي لا يقدس إلا المصلحة ولا يثق في شيء دون العلم، وفوق ذلك كله أن الآخر المتعدد يدرك وجودنا ولكنه لا يعترف بحضورنا (فالموجود الحاضر عنده هو القوي الفاعل).

أمّا القضية الثانية: فتتمثل في بنية المشروع الذي يفتقر بدوره إلى تخطيط دقيق وعقل جمعي واعي ورأي عام قائد يحسن العدو والمراوغة والتحايُل على كل السلبيات التي لا تمكنه من إحداث نهضة حقيقية تقوم على أسس قوية في ولائها وانتمائها إلى الأنا.

وها نحن نألفه نعبر عن ما أوردنا بطرح العديد من الأسئلة المستنبطة في بنية نصوص خطابه "تكوين العقل العربي" (هل يمكننا تصور نهضة بعقل غير ناهض؟) أليست الإخفاقات في حاجة إلى مراجعة تكشف عن عللها؟ هل بناء السدود والقلاع على تربة رخوه أقوم وأسلم أم تفكيك وحفر تلك التربة لوضع الأساسات وتشييد البناء؟ هل تعدد القراءات غير المحايدة للثقافة العربية هو الذي يدفعنا دوماً إلى القراءات التفكيكية المعاصرة لكل الخطابات الموروثة للتفرقة بين الأصيل والقديم؟ وانتهى الجابري إلى أن مشروعه المزمع يرمي إلى تحقيق غايتين: أولهما: الكشف عن مكونات العقل العربي.

وثانيهما: تحليل بنية مكوناته أي الجمع بين الوقوف على الأعمدة الرئيسة لبناء العقل الجمعي العربي ثم تفكيك تلك الأسس للوقوف على مدى صلابتها وجودتها وصلاحياتها. ومن أقواله في ذلك (ومن هنا المهمة المضاعفة التي يطمح هذا المشروع إلى تدشين العمل فيها: استئناف النظر في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية من جهة أولى، وبدء النظر في كيان العقل العربي وآلياته من جهة ثانية. وهكذا انقسم المشروع إلى جزئيين منفصلين ولكن متكاملين:

جزءٌ يتناول تكوين العقل العربي وجزء يتناول تحليل بنية العقل العربي. الأول يهيمن فيه التحليل التكويني والثاني يسود فيه التحليل البنيوي).

وحريُّ بنا أن ننبه إلى أن الجابري قد رفض كل التيارات الإصلاحية السابقة عليه تلك التي طرحت نفس الأسئلة واجتهدت في الإجابة عنها؛ بل قامت بمشروعات حقيقية للتجديد والإصلاح والتنوير. ومن الواضح أيضاً أن رفضه لهذه التيارات جاء متعجلاً فمنهج التفكير الناقد يقتضي غربلة الآراء السابقة بعد فحصها والحكم على بنيتها، وذلك لأنها لم تكن مجرد خطابات بل مشروعات لا يمكن إنكار أثرها والخطة المتناغمة المتماسكة التي نجحت في نقل الثقافة العربية خلال مئة عام من طور الانحطاط والتردي والتخلف إلى طور الوعي والاستنارة ومنافسة الآخر.

وسوف تكشف الوقائع التالية عن نكوصه وردته إلى الضرب الذي كان ينبغي عليه أن يسلكه؛ فما أكثر الكتابات التي اتهمت النهضويين العرب الذين قاموا بإعادة تشكيل الثقافة العربية في مصر والشام وتونس والجزائر والعراق في الفترة الممتدة من 1850م إلى 1950م بحجة أن تلك المدارس قد أخفقت في تحقيق مقاصدها؛ ومن ثم كان لازماً على متفلسفي ما بعد النكسة تقديم مشروعات وخطابات وخطط حديثة.

وفي اعتقادي أن السبب الرئيس لعزوف الجابري عن مواصلة الضرب أو إنتاج خطاب تكميلي متطور وغير مناقد لمشروعات المفكرين السابقين عليه هو قراءته لأفكارهم من خلال تفسيرات أيديولوجية وتحليلات ابستمولوجية تفتقر إلى المنهجية النقدية المحايدة؛ أي أنه لم يلتزم بالمنهج الذي حس عليه في قراءة التراث؛ بل لجأ إلى التفكيك والتأويل الذاتي والنقض الثوري بلا مبرر وهو نهج معظم معاصريه من الذين أطلقوا على انفسهم فلاسفة الاستنارة العربية الجديدة. وها هو يعبر عن ما أسلفنا وما ذكرنا؛ ليثبت نظرته الحيادية المزعومة. ويقول في ذلك (ليس من الممكن فصل الثقافة عن السياسة في التجربة الثقافية العربية, وإلا جاء التاريخ لها عرضاً لأشلاء متناثرة لا روح فيها ولا حياة، لم يكن من الممكن كذلك، ونحن نبحث في تكوين العقل العربي، إهمال اللامعقول والاهتمام بالمعقول وحدة؛ بل لقد تتبعناهما معاً في نموهما وتأثيرهما المتبادل، وأكثر من ذلك وأهم في نظرنا، لم نحاول التماس المعقولية, بصورة من الصور, لهذا القطاع أو ذاك قطاعات اللامعقول في الثقافة العربية؛ بل لقد احترمنا في كل قطاع طبيعته وربطنه بالبنية - الأم التي منها تفرع وإليها ينتمي).

ويعني ذلك أن آليات البحث عنده كانت تعتمد على عنصرين أولهما التفسير السياسي للأحداث والثاني الرؤية الناقدة للمعقول واللامعقول في ثقافة مغايرة لموقف الناقد وكان من الأجدى الإحاطة بكل عناصر الثقافة المكونة لبنية الموروث الذي يريد تفكيكه؛ فهناك العديد من الأحكام والمواقف والآراء قد فسّرها المؤرخون تفسيراً سياسياً متجاهلين الأثر العقدي في الداخل وأثر التفكير الوافد من الخارج. أما المعقول واللامعقول فالفصل فيهما نسبي ولا يمكن إنكار تأثره بقناعات الذات أو ثقافة العصر.

وها هو يعترف بنهجه الذاتي الرامي إلى تحرر من قيود الماضي. ويقول في ذلك (ولابد من الإشارة أخيراً إلى أننا قد اخترنا بوعي التعامل مع الثقافة "العلميّة" وحدها؛ فتركنا جانباً الثقافة الشعبية من أمثال وقصص وخرافات وأساطير وغيرها؛ لأن مشروعنا مشروع نقدي؛ ولأن موضوعنا هو العقل؛ ولأن قضيتنا التي ننحاز لها هي العقلانية. نحن لا نقف هنا موقف الباحث الأنثروبولوجي الذي يبقى موضوعه ماثلاً أمامه كموضوع باستمرار؛ بل نحن نقف من موضوعنا موقف الذات الواعية من نفسها. إن موضوعنا ليس موضوعاً لنا إلا بمقدار ما تكون الذات موضوعاً لنفسها في عملية النقد الذاتي. مشروعنا هادف إذن؛ فنحن لا نمارس النقد من أجل النقد، بل من أجل التحرر ممّا هو ميت أو متخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي. والهدف: فسح المجال للحياة كي تستأنف فينا دورتها وتعيد فينا زرعها .. ولعلها تفعل ذلك قريباً).

 والغريب أن أولى النتائج التي انتهى إليها الجابري من قراءته لتاريخ الحضارة العربية هو أن الكتابات التاريخية مشوشة؛ ولا تمكن المفكر الناقد من الوقوف على بنية الآراء المطروحة أو علة الأحداث المؤثرة والمواقف المتأثرة بمنهجية دقيقة وعليه سوف تظل الأحكام على الموروث أحكام جزئية لا تصدق على الكل ولا تصلح أن تكون حجة مُفسرة أو مبررة. ويقول في ذلك (تاريخنا الثقافي إذن، في حاجة إلى إعادة كتابة؛ بل إلى قراءة جديدة تنظر إلى الأجزاء من خلال الكل وتعمل على الوحدة من خلال التعدد وتعتمد في تصنيفها على البنية الداخلية وليس المظاهر الخارجية وحدها).

 والمثير للدهشة أن مفكرنا يضع تصوراً لتصنيف العلوم والمعارف العربية يخضع بدوره إلى نظرته الذاتية ثم يدعي أن من خلال هذه التصنيف المعرفي يمكنه معالجة كل آفات الخلط والأحكام المتعجلة والتصورات المتحيزة. ثم انتقل الجابري إلى قضية النهضة والسقوط في الثقافة العربية محاولاً تبرير مشروعه.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

عدنان عويديظل مفهوم المثقف اشكاليّاً في طبيعته وسماته وخصائصه، والدور المنوط به تاريخيّاً كحامل للمعرفة، وممارس لها في هذه الحياة كقوة ليس لها حدود، إلا حدود قيم المثقف ذاته ومدى ارتباطه بالإنسان وقضاياه المصيريّة. والمثقف في سياقه العام، هو من امتلك المعرفة وتعامل معها عقلانيّا، واستطاع تحويلها إلى قوة ماديّة فاعلة ومؤثرة في مسيرة حياته و حياة مجتمعه الماديّة والفكريّة معا، ونتائج التأثير هنا غالبا ما تحدد طبيعتها وأهدافها المصالح الماديّة والمعنويّة المعبرة عن واقع وطموحات الحوامل الاجتماعيّة لهذه المعرفة، أي المثقف، أو من تعبر عنهم هذه الحوامل في مرحلة تاريخية محددّة. وعلى هذا الأساس لا يمكننا أن نقدّم أنموذجاً واحداً للمثقف، فالمثقف يتوزع عمليّاً وفكريّاً وفقاً للنسق الفكري الذي يشتغل عليه، وتبعاً للوظيفة الاجتماعيّة أو الاداريّة أو السياسيّة التي يتبع لها. وبالتالي هناك مثقف متعلم، وهنك مثقف يشتغل على النسق المعرفي الديني، وهناك مثقف سلطة يعمل لخدمة سلطة حاكمة بغض النظر عن  توجهات هذه السلطة الأيديولوجيّة التي يعمل معها، وهناك مثقف مرتزق يبيع حبره وقلمه لمن يدفع له بغض النظر عن توجهات الدافع أو الممول حتى ولو كان المستعمر.

وعلى هذا الأساس يأتي دور المثقف العضوي في تنمية الثقافة التنويريّة العقلانيّة، وتأصيلها في عقول المواطنين الذين ينتمي إليهم طبقيّاً، وخاصة القوى الاجتماعيّة المضطهدة والمغربة والمستلبة  في دولة الاستبداد والفساد من جهة، وفي التأصيل في المحصلة لثقافة إنسانيّة تتجاوز حدود طبقته أو القوى الاجتماعيّة أو الجغرافيّة التي ينتمي إليها في مجتمعه أو دولته.  المثقف العضوي :

هو المثقف الملتزم سياسيّا وتنظيميّا بقوى اجتماعيّة محددة غالباً ما تكون قوى الشعب العاملة، التي يجمعها تنظيم سياسي له مواقفه الفكريّة أو منطلقاته النظريّة التي تعبر عن بنيته الطبقيّة وطموحاتها السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة.

والمثقف العضوي، يمتاز إضافة إلى سعة ثقافته وتنوعها، والتزامه الأخلاقي  أو ألقيمي  بما يحمل من رؤى ثقافيّة، بحيويته وعمله الدؤوب على نشرها بين أفراد تنظيمه الحزبي  من جهة، والمجتمع الذي ينشط فيه هذا الحزب أو يقوده من جهة ثانية. بغية الرقي بواقعهم وتجاوز تخلفهم.

إذن هو مثقف مسيس بالضرورة، أي مثقف ينتمي لتنظيم حزبي وأيديولوجيا محددة تعبر عن طموحات قوى طبقيّة غالبا ما تكون مسحوقة ومضطهدة ومستلبة كما أشرنا في موقع سابق. ونشاطه وفق هذا المنطلق يميل أو يتجه وفقا لطبيعة المرحلة التاريخيّة التي يمر بها المجتمع، ودور ومكانة وفاعلية تنظيمه السياسي، إن كان هذا التنظيم في السلطة  أم خارجها.

بيد أن هذا (المثقف) يظل في سياق نشاطه ومواقفه الفكريّة والعمليّة يواجه إشكاليات من داخل تنظيمه أو من خارجه معا  .

فعلى مستوى التنظيم الداخلي، تكمن اشكالياته مع الكثير من عناصر تنظيمه، وبخاصة إذا كان هذا التنظيم ذا صفة شعبويّة تغلب في بنيته التنظيميّة القيادات النخبويّة على حساب الطليعيّة، فالعناصر المثقفة ( الطليعيّة ) في هذا التنظيم غالبا ما تكون قليلة، لذلك يقع هذا المثقف تحت محط أنظار الآخرين في التنظيم الذي ينتمي إليه، فيكون الأكثر نقدا من قبلهم، لا لكونه يخطئ أو يصيب أثناء ممارسته النشاط الثقافي داخل التنظيم، بل كون من يعمل على انتقاده من هم أقل ثقافة منه، وربما لعدم قدرتهم على إدراك  دلالات ما يقوله، أو أن بعضهم يشعر أنه منافس له.  ولا نغالي إذا قلنا غالبا ما يتهم هذا المثقف من قبل عناصر تنظيمه بالانحراف الفكري، وحتى بالكفر والزندقة والمروق على الدين إذا تجرأ وتكلم بعلمانيّة التنظيم الذي ينتمي إليه، أو أبدى عقلانيّة أفكار ومبادئ حزبه. والمسألة الأكثر خطورة في هذا الاتجاه تأتي إذا كان الحزب الذي ينتمي إليه هذا المثقف قد وصل إلى السلطة وأخذت تنخره الانتهازيّة من الداخل، ففي مثل هذه الحالة غالبا ما يشتد عليه الحصار ويُعمل على تهميشه أو إقصائه.

أما على مستوى الخارج، أي خارج تنظيمه الحربي، فيجد المثقف العضوي، الكثير من المعاناة داخل محيطه الاجتماعي الذي ينشط فيه أيضا، وهذه المعاناة غالبا ما تكون من الذين يختلف معهم في الرؤيّة والمنهج أولا، ثم من قبل أشباه المثقفين وبخاصة المهاترين منهم ثانيا، فيأتي توصيف هؤلاء له شبيها بتوصيف أعدائه من داخل تنظيمه نفسه أو متكئا عليه، وما يزيد الطين بلّة هو وقوعه بين مطرقة العناصر الجاهلة والانتهازيّة في تنظيمه، وسنديان أعداء التنظيم في المجتمع الذي ينشط فيه، فيضاف إلى  توصيفه السابق الذي وصف به من قبل عناصر تنظيمه (الأخوة الأعداء) في مثل هذه الوضعيّة ، على أنه مثقف سلطة، وانتهازي، ومرتزق... الخ .

والملفت للنظر، وتحت ما يعانيه هذا المثقف من ضغوط، يضطر إلى ترك التنظيم، وفي حال تركه، إما أن يذهب إلى تنظيم آخر وغالبا لا يجد فيه ضالته المنشودة، أو أن يتحول إلى مثقف تبشيري / رسولي . وهو هنا يترك تنظيمه السياسي، ويتفرغ كلياً لقضايا الفكر والثقافة، منطلقا في توجهاته وسلوكياته من منطلق أخلاقي يقر بأن المعرفة سلاح يجب أن يكون له وظيفته في هذه الحياة  من أجل تقدم الإنسان عموما وتحقيق سعادته وتخليصه من أوهامه وضياعه واستلابه وحالات تشيئه واستبداده والقهر الذي مورس عليه ولم يزل.

هذه هي بعض معاناة المثقف العضوي الذي يعمل في مجتمعات العالم الثالث ، هذه المجتمعات التي أكثر ما يُحتقر فيها المثقف والثقافة معا .

 

د.عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

 

قاسم حسين صالحتتعدد وجهات النظر في الصوم، ولا يعنينا هنا أمره من منظور الأديان الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والأسلام، التي تختلف في طريقة الصوم ومدته التي حددها الاسلام بشهر رمضان بكف النفس عن اللذات الثلاث (الطعام، والشراب، والجماع) في اوقات الامساك والترخيص بها بعد الافطار الى الامساك.واختلافها ايضا في فلسفة الصيام التي حددها الأمام الغزالي بقوله: (اعلم ان الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. اما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، واما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، واما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنيئة والأفكار الدنيوية.. " الغزالي: اسرار الصوم، ص: 40").

ما يعنينا هنا تحديدا هو التحليل السيكولوجي للصوم، نوجزه بموقفين متضادين:

ألأول، يتبناه كتّاب وأطباء نفسانيون عرب، يرون ان الصوم يؤدي الى انخفاض مستوى الجلوكوز في المخ، فينجم عنه اضطراب في عمل الدماغ، واختلال في افرازات الهرمونات وتوقيتات الساعة البيولوجية.. لأن جسم الانسان اعتاد ان ينشط في النهار ويستهلك طاقة، وان النوم في الليل يعمل على ترميم ما اهترأ في الجسم.. ما يعني أن الصوم، وفقا لهذا الرأي، مضر بجسم الانسان لأنه يضطره الى ان يسهر في الليل وينام كثيرا في النهار، وانه يسبب السمنة، وله انعكاسات نفسية سلبية يكفيك منها التوتر العصبي، وتعكر المزاج، والنرفزة، والصداع، والدوخة، الناجمة عن انخفاض نسبة السكر في الدم، والخلل في ايقاع الساعة البيولوجية.. فضلا عن ان الصوم يؤدي الى ضعف الأداء الوظيفي، وانخفاض الأنتاجية على مستوى الفرد والمؤسسات الحكومية والأهلية.. وقضايا اجتماعية اوجعها حسرات اطفال الفقراء واليتامى في العيد.

الموقف الثاني، نبدأه بما قاله الحائز على جائزة نوبل في الطب الدكتور ألكسيس كاريك بكتابه (الإنسان ذلك المجهول) ما نصه: (إن كثرة وجبات الطعام وانتظامها ووفرتها تعطّل وظيفة أدت دورا عظيما في بقاء الأجناس البشرية، وهي وظيفة التكيف على قلّة الطعام).. بمعنى ان الصوم يدرّب جسم الانسان على التكيّف في الأزمات الأقتصادية.ووفقا لما يراه هذا الطبيب فان خلف الشعور بالجوع تحدث ظاهرة اهم هي ان سكر الكبد سيتحرك، وتتحرك معه أيضا الدهون المخزونة تحت الجلد، وبروتينات العضل والغدد، وخلايا الكبد.. ليتحقق في النهاية الوصول الى كمال الوسيط الوظيفي للاعضاء.. ويخلص الى القول بأن الصوم ينظّف ويبدّل أنسجتنا ويضمن سلامة القلب.

وحديثا، يرى علماء نفس وأطباء نفسانيون في اميركا وانجلترا واوربا، ان بقاء الانسان على نفس الروتين والايقاع في عمل الجسم، يؤدي الى الكسل والخدر والموت قبل الآوان، فيما التغيير يؤدي الى تنشيط البدن ويمنحه حيوية تطيل العمر. وتوصل آخرون الى نتائج سيكولوجية مدهشة بأن الصوم ينمّي قدرة الانسان على التحكّم في الذات، ويدرّبه على ترك عادات سيئة، ويمنحه الفرصة على اكتساب ضوابط جديدة في السلوك تنعكس ايجابيا على شخصيته هو والمجتمع ايضا.

مثال ذلك، ان الصائم الذي اعتاد على تدخين علبة كاملة في اليوم فأن تدربه على الامتناع عنها في النهار قد يدفع به الى تركه. وقل الشيء ذاته عن آخر اعتاد على ان يغتاب او يكذب ودرّبه صيامه على الامتناع عنهما شهرا لا يوما او اسبوعا، معللين ذلك بقانون نفسي، هو: ان كثرة التدريب على سلوك جديد يؤدي الى ثباته.. وأن الصوم، بهذا المفهوم، وسيلة علاجية لمن يعانون القلق النفسي والاكتئاب.. والأغتراب الأجتماعي، والسياسي ايضا!.. غير ان ذلك قد ينطبق على المصريين ولا ينطبق على العراقيين! .

في السياق ذاته تخلص دراسة الدكتور (باري شوارتز) الى نتيجة أخرى مدهشة، هي أن نفسية الاكتئاب والإحباط ترتبط بالإفراط في الانسياق مع تيار الاستهلاك الذي اصبح ظاهرة بالعصر الحديث وصفها ايريك فروم و هربرت ماركيوز بأنها سلبية خطيرة تنخر في نفسية الانسان، وأن كبح الشهوات الغريزية والسيطرة على الرغبات عن طريق الصوم يؤدي الى خفضها. ولك ان تطلع على ما يدهشك في كتب: "الصوم" لهربرت شيلتون، و"الجوع من أجل الصحة" لنيكولايف بيلوي " و"الصوم" لجيسبير بولينغ، ".. مستندين الى ما أكدته أبحاث أنثربولوجيا الأديان بأن فعل الصوم يكاد يكون سلوكا مشتركا بين جميع الملل الدينية.

والمدهش اكثر أن مجلة (سيكولوجست) تؤكد ظهور عشرات المراكز الطبية في دول العالم، (الجمعية العالمية للصحة، وجمعية الطبيعة والصحة بكندا، والجمعية الأميركية للصحة الطبيعية، واخرى في اليابان والهند والصين..) اعتمدت الصوم وسيلة علاجية.. تسهم في ضبط الشهوات والتحكم بالانفعالات (الغضب مثلا).. وضبط اللسان حين يهم بقضم سمعة فلانه او فلان.

ترى، هل تنطبق هذه على العراقيين؟ وهل تفيد معهم وهم الذين صاموا عن التسامح اربعين سنة؟!

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

حمزة بلحاج صالحمقدمة وتمهيد لمعالم مشروع للنهوض والسلام

إن تدوير المسألة حول إشكاليتي الماهية والوجود والمحايثة والتعالي والمفارقة والمقارنة والله داخل أو خارج العالم والقدم والحدوث.. أعتبرها أشكالا من أشكال الإستلاب للنسق والنمذجة والتنميط وسلطة النظم المعرفية السائدة التي تكرس فهما أحاديا بسبب الهيمنة عربيا وإسلاميا وسنيا وشيعيا وشرقا وغربا.. إن بناء أنطولجيا مثلا لا حصرا وكذلك الحال بالنسبة لبقية العلوم والمعارف تتجاوز هذه الإستلابات التشيؤات.. وبناء علوم ومعارف تتحرر من هيمنة الفهم البياني والنصي الموروث بكل طيفه الواسع ومنه الفهم الغربي للمنجز الغربي أيضا تحت هيمنة النمذجات والأنساق وطمسه لكل محاولات التحرر من هذه السلطات والهيمنات.. هو عين الثورة المعرفية والعقلية والوجدانية والدينية والإنسانية التي يجب أن تحررنا من العدمية ومطلقات الأرض وكهنوتات باسم السماء وأخرى باسم الأرض..

 أي هي توظيفات مبتذلة ومستلبة ومرتهنة مزيفة ومحرفة للمطلقات السماء أو محايثات الارض أي للمطلق المتعالي المفارق أو للأرضي أو المتأرضن المحايث.. يمس هذا الاستلاب وهذه الهيمنة النسقية علوم الإنسان وعلوم العقل والتجريبي منها منهجا ووظيفية وأدوارا في بناء الحضارة وسير الوجود البشري والكينونات الإنسانية التي باتت موسومة بالعدمية واللأخلاقية او الشرود من الاخلاق.. 

لا جاهز عندي لكنني أملك المحددات والمعالم لخارطة طريق لمشروع قد لا يغطي فورا الحاجة العظمى للإنسانية ويعالج ازمتها نظرا للدمار المتراكم الذي تشكلت وتراكمت اثاره.. في سياق سيرورات العدم المفزعة الشاردة عن هدايات السماء المتحررة من الكهنوتات التي بررت القطع مع السماء وهي لا تختلف في مخاطرها عن العدمية التدميرية لمه بتسخير الإمكانات المعرفية له سيتنامى مشروعا حضاريا للانبعاث والشهود الإنساني والحضاري.. وهذا كله ممكن لكن عبر" ميقا مشروع " بحجم الكارثة الإنسانية الكبرى " الميقا كارثة " تلتقي فيه البشرية وأهل الأديان والأفكار والنوازع الإنسانية قبل فوات الأوان..

كما أملك مداخل ومعالم للطرق الموصدة وممرات عبور من خلال الثغرات المتاحة في الطرق المدمرة.. وكذلك منصات إقلاع ومعالم لثغرات في الطرق المسدودة التي تناساها دمار العدمية..

فمعالم " الميقا مشروع " الانساني المهتدي بهدايات السماء هدايات نقية متوفرة متاحة تأخذ بعين الإعتبار المدى القريب العاجل والمتوسط والبعيد إن تجردنا من تعالينا ومشيخاتنا وهيمناتنا وسجوننا وشهواتنا..

ليجتمع عباقرة العالم الإنسانيين المؤمنين ومن لا يعارضهم ويقض مضجعهم الإيمان وأهل الأديان

الأنقياء غير المتعصبين حول هذا المسعى لإنقاذ الكون وكوكبنا المتهاوي..

فلعلهم عبر سعيهم وقرارهم العاجل والمستدام للمدى المتوسط والبعيد يجعل السماء لا تغضب علينا فقد قطعنا معها طويلا المدد أو شوهناه من مثلوها فعلوا ذلك بأسوأ طريقة مدمرة ومغضبة للأرض وللسماء.. و من قطعوا معها فعلوا كذلك مثل غيرهم ومركزوا الإنسان في قلب الكون بديلا عن الله لا استخلافا وتعميرا حسنا لا كهنوتا..

وتصرف الإنسان ربا وإلها وجعل من العلم والتيارات العلموية خلاصات محايثة تحمل صفة المطلقات الأرضية حلت محل الدين والمطلقات المفارقة..

دمرالإنسان الإيكولوجيا والأرض وهو يتطلع الى الاخلال بنظام السماء وطغى وعربد بشهواته من غير حدود وقيود وبلا أخلاق ومثال ودين وتعفف وسعى في الأرض خرابا لا تعميرا..

و امن بالصدفة والشك المطلق وسخرها لتأسيس منظومة للعدم دمرت منظومة اليقين ووظف العلوم للإلحاد والعدمية وافسد فيها اي في الأرض..

فهلا هرولنا الى السماء والتقينا جميعا على ميثاق غليظ لبسط الامان والاشتغال على هذا " الميقا مشروع "جميعا باسم الله مدخلا وتأسيسا وبمعيته مرافقة نتوكل عليه..

 

حمزة بلحاج صالح