آراء

ايران وتركيا سنوات من الصراع

تُعدُّ كلُّ من تركيا وإيران ذات أهمية جغرافية نظراً لإشرافهما على طرق المواصلات البرية والبحرية التي تربط بين أوروبا وآسيا، فقد أكسبهما الموقع المتميز فرصة التحكم والسيطرة والإشراف على منافذ بحرية وطرق برية قديماً وحديثاً، فضلاً عن ذلك قربهما واحتضانهما لمنابع النفط والمياه، كل ذلك إضافة إلى موقعهما الجيد الذي أكسبهما أهمية استراتيجية في المصالح الإقليمية والدولية، وهذا ما سنوضحه في الأسطر القادمة.

تقع تركيا في موقع مهم بين قارتي آسيا وأوروبا في وسط مثلث البلقان، والقوقاز والشرق الأوسط بمساحة(786 ألف كم2)، فعبر تركيا تمر الخطوط البرية والبحرية من أوروبا إلى آسيا إضافة إلى إيران، وتوصل روسيا مع منطقة الشرق الأوسط من خلال البحر الأسود، فضلاً عن ذلك فإن تركيا هي الأغنى بالمياه في الشرق الأوسط فالنهران (دجلة والفرات)، ذوا الأهمية الكبرى في سوريا والعراق ينبعان من تركيا، وتُعد تركيا من البلدان الزراعية إضافة إلى غناها بالموارد الطبيعية مثل، الحديد، والفحم، والكروم، والنحاس، كما يغطي إنتاجها من النفط ثلث حاجتها منه.

 أما إيران فتمتد بين خطي عرض (25-40) شمالاً وتشكل موقعاً متوسطاً مهماًّ في الشرق الأوسط، وتُعد المعبر الرئيس للمواصلات بين منطقة الشرق الأقصى في آسيا والبحر المتوسط وأوروبا، وهي تتمتع بموقع جغرافي تطل من خلاله على ثلاثة بحار هي: (بحر قزوين والخليج العربي وخليج عمان) الذي يتصل بالمحيط الهندي، وإيران تقع في الجزء الجنوبي الغربي من قارة آسيا، وهي تشغل مساحة قدرها (1,648,000) مليون كيلومتر مربع، وهي أكبر من مساحة بريطانيا وفرنسا وسويسرا وبلجيكا وهولندا وألمانيا مجتمعة، وتعادل خُمس مساحة الولايات المتحدة الأمريكية.

أما عن موقع إيران الجغرافي فيُعد من أهم العوامل المؤثرة في سياستها الخارجية، وقد منحها موقعها الممتاز أهمية دولية، ولا يخفى أن هذه الأهمية قد استفادت منها إيران في أيام الأزمات الدولية.

حيث إنّ هناك تنافسًا دوليًّا للاستفادة منه؛ لذلك كانت الدول الكبرى تسعى لكسب رضا إيران مما منحها حرية الحركة السياسية في النظام الدولي، وحافظ على استقلاليتها ووحدة أراضيها لفترة طويلة، فالاتحاد السوفيتي كان يعدُّ إيران الممر الآمن له نحو المحيط الهندي، أما الولايات المتحدة الأمريكية فكانت تسعى لوضعها في الفلك الاستراتيجي العربي- الأمريكي كما حصل في عهد الشاه في اتفاقية الدفاع المشترك عام 1959م.

 تزامن ظهور الدولة الصفوية (1501-1736م)- كأول دولة إسلامية فارسية ظهرت في بلاد فارس بعد سلسلة من الدويلات المغولية والتركمانية التي قامت في أعقاب حكم(هولاكو)- مع نمو قوة الدولة العثمانية وتحولها نحو المشرق الإسلامي في عهد السلطان(سليم الأول) (1512-1520م)، مما أدى إلى دخول الدولتين الصفوية والعثمانية في صراع طويل ومستمر، حاول كل منهما التذرع بشتى الذرائع ليجعل لنفسه حقًّا في حكم العالم الإسلامي بما في ذلك الادعاء بانتسابهم إلى البيت العلوي، كما هو الحال بالنسبة للصفويين وادعائهم بأنهم أحق من العثمانيين في فرض هيمنتهم على المشرق الإسلامي.

 ثم بدأ حكم العائلة القاجارية في إيران, رسميا في عام 1796م, عندما استولى (أغا محمد خان قاجار) على الحكم, وأسس دولته بـعد القضاء على التسيب والانحلال الذي شهدته إيران فـي أواخر العهد (ألزندي), وامتد حكمه حتى عام 1797م , واستخدم أقصى أساليب القمع والبطش والإرهاب ضد خصومه.

أصبح النظام القاجاري ثقلاً على عاتق الإيرانيين الذين تطلعوا إلى قيادة تُعيد لهم هيبتهم وسيادتهم وتحسين وضعهم الاقتصادي، في ظل هذه الظروف استطاع (رضا خان) بدعم وتأييد من البريطانيين من القيام بانقلاب عسكري في (21فبراير1921) سمي (انقلاب الحوت) وكان من نتائجه صعود (رضا بهلوي) على المسرح السياسي الإيراني ووصوله إلى رئاسة الوزراء.

وبتاريخ التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1923م ظهرت على المسرح السياسي التركي شخصية (مصطفى كمال أتاتورك) الذي أسس الجمهورية التركية الحديثة بتاريخ يوليو 1923م، وعلى إثرها فاتحت إيران تركيا لبناء علاقات إيرانية تركية  قائمة على الاحترام المتبادل لمصلحة الدولتين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

 وكان(رضا خان) قد تأثر بالسياسة الحديثة التي أعلنت في تركيا ومحاولته السير على خطى (مصطفى كمال أتاتورك) فقد روَّج لفكرة إقامة النظام الجمهوري في إيران منذ العام 1924م، غير أن محاولته باءت بالفشل بسبب موقف المؤسسة الدينية المعارضة لمشروع إنهاء الحكم في البلاد وإعلان الجمهورية.

 كانت العلاقات العثمانية – الكردية متوترة وكثيرًا ما كان الأكراد يقومون بانتفاضات ضد الحكم العثماني، لكن بعد إعلان الجمهورية التركية والترويج لسياسة الديمقراطية وحرية التعبير والمشاركة السياسية الحرة استقرت إلى حد ما العلاقة مع الأكراد.

لذا فإن قيام مجموعة من الأكراد بالإغارة على الجنود الأتراك عام 1927م، في المنطقة الحدودية المشتركة بين البلدين؛ أدى إلى قيام الصحف التركية بتوجيه أصابع الاتهام وتوجيه اللوم إلى الحكومة الإيرانية بدعم المتمردين الأكراد.

 في المقابل لم تستجب حكومة طهران للمطالب التركية، احتجاجا على الحملة العسكرية التي تجاوزت فيها القوات التركية على أراضي إيران، وشهدت العلاقات بين الطرفين منذ شهر أكتوبر عام 1929م توترا، حيث سحبت إيران سفيرها من (أنقرة) وأخطرت السفير التركي في(طهران) بالعواقب الوخيمة لما أحدثته الحملة التركية الأخيرة وإغارتها على القرى الحدودية، وفي نوفمبر عام 1929م، وعند حضور اجتماع عصبة الأمم حاول وزير الخارجية الإيراني(محمد علي فروغي) بيان موقف إيران مما جرى على حدود بلاده مع تركيا، بعدها وجه القائم بالأعمال التركية في طهران برقية إلى الحكومة الإيرانية أوضح فيها أن حكومته بصدد وضع خطط جديدة في سبيل إنهاء التمرد الكردي. 

كما طلب من الحكومة الإيرانية المساعدة العسكرية تجنباً للانسياق وراء أزمات السنوات السابقة. كانت القضية الكردية قد أدت إلى بلورة العلاقات الإيرانية التركية، حيث توافقت مصالح البلدين لإنهاء تلك القضية، وعدم السماح بإقامة دولة كردية منفصلة، لما له نتائج سلبية في كلتا الدولتين لوجود الأكراد فيهما، لهذا شكلت المدة (1927-1930م) حلقة فاصلة في تاريخ العلاقات الإيرانية التركية وعلى إثر تلك التطورات عادت العلاقات الإيرانية التركية إلى طبيعتها.

وما إن جاء عام1930م حتى ظهرت مسألة فض الخلافات الحدودية بين البلدين، حيث أمر (أتاتورك) وزير خارجيته (توفيق بك) بالتوجه إلى طهران وإجراء محادثات بهدف إنهاء الأزمة الحدودية مع إيران، بحيث تتمكن تركيا بعد موافقة إيران السماح لقواتها النظامية باجتياز الحدود الإيرانية المشتركة معها لمطاردة المسلحين الأكراد والقضاء على تحركاتهم في المنطقة الحدودية، فكان من نتائج ذلك القضاء على الحركة الكردية قضاءً مؤقتاً فانعكس ذلك إيجاباً على العلاقات الإيرانية التركية.

ففي يناير من عام 1932م قام وزير الخارجية التركي(توفيق رشدي) بزيارة إلى طهران لبحث مشكلة الحدود مرة أخرى وتمخضت الزيارة عن التوصل إلى اتفاق بين البلدين وضع أسس الاتفاق التجاري والاقتصادي الذي نص على إعطاء تسهيلات كبيرة للأتراك في إيران، والموافقة على مد خط حديدي من تبريز إلى طرابزون مروراً بمنطقة أرضروم، والموافقة على مرور البضائع الإيرانية عبر الخط الحديدي بطريق الترانزيت، وإعادة النظر في معاهدة الصداقة الإيرانية – التركية وإبرامها وفق مقتضيات تتفق مع علاقتهما الجديدة.

جاءت زيارة (رضا بهلوي) إلى أنقرة في الثاني من يونيو عام1934م لتدفع مسار العلاقات بين تركيا وإيران إلى مدارات أكثر تطوراً بسبب ما تمخض عنها من نتائج مهمة وما رافقها من اتفاقات توصل إليها مع نظيره (مصطفى كمال أتاتورك)، وقد شهدت السنوات اللاحقة سعياً محموماً لعقد ميثاق مع بعض دول الشرق الأوسط يقف حائلاً أمام المد الشيوعي من جهة وخُتم بتوقيع ميثاق (سعد آباد) في عام 1937م ليصب في هذا الاتجاه وليوثق العلاقات الإيرانية– التركية أكثر فأكثر، حيث تم الاتفاق على ميثاق (سعد آباد) بتاريخ الثامن من يوليو عام 1937م، الذي جمع علاوة على إيران وتركيا كلاًّ من العراق وأفغانستان، وقد وقِّعَ الاتفاق في (قصر سعد آباد) في إيران.

تضمن الميثاق بنود عدة وقَّعها كل من (ناجي الأصيل) وزير الخارجية العراقي و(فايز خان) وزير خارجية أفغانستان و(عناية الله سامي) وزير خارجية إيران و(توفيق رشدي آرز) وزير خارجية تركيا، وتضمنت بنوده تبنِّي سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، واحترام الحدود المشتركة للدول الموجودة فيه، وأن يستشير بعضهم بعضا في الأمور المتعلقة بالصراعات الدولية التي تتعلق بمصالحهم المشتركة، وعدم الاشتراك في أي اعتداء على دول الميثاق، وضرورة الاستعانة بمجلس عصبة الأمم لحل المشاكل المستعصية، فيما دعت المادة الأخرى إلى التعاون المشترك لضرب كل الحركات المعادية التي قد تحدث في المناطق الحدودية وكان يقصد من وراء ذلك الأكراد.

وألحق بالميثاق بروتوكول نص على تأليف مجلس مشترك يتكون من وزراء خارجية الدول الموقعة عليه، وأن يجتمع مرة واحدة في السنة على الأقل، وتكون له سكرتارية خاصة وما إن قامت الحرب العالمية الثانية واشتد أوارها حتى تحددت مواقف العديد من الدول منها، وكان موقف كل من إيران وتركيا في بداية الحرب هو الوقوف على الحياد.

وبالنسبة لتركيا لم يكن وقوفها على الحياد عملا سهلا بل كلَّف البلاد غاليا، فقد كان لهيب الحرب يكاد يطال الحدود التركية من كافة الجهات، كما أن التهديد الخارجي كان يهدد الأتراك؛ ولهذا حافظت تركيا على وجود قوة عسكرية ضخمة للدفاع عن البلاد في حالة اقتراب الخطر منها، وكان حيادها حيادا مسلحا باهظ الثمن وقد حافظت تركيا على اتصالها الوثيق بالبريطانيين الذين لعبوا دورا رئيساً في تجهيزها بالمعدات العسكرية وكان الإنكليز يعملون على محاولة إدخال تركيا الحرب إلى جانبهم، حيث قامت بالعديد من الاجتماعات والزيارات من أجل ذلك، لكن تركيا استمرت في حيادها من الحرب إلى أن وضعت الحرب أوزارها في عام 1945م، بذلك جنبت تركيا نفسها الدمار وبقيت على علاقة جيدة مع الأطراف المتحاربة.

أما إيران فقد تمسكت بحيادها مؤقتاً، حيث كان الشك يراود الشاه من احتمال مهاجمة الجيوش السوفيتية للأراضي التركية مما يضع إيران في خيار صعب، لا سيما وأن تركيا تسعى إلى كسب ودّها حتى لا تكون نقطة انطلاق لمهاجمة الأراضي التركية، كما دعت إيران إلى عقد اجتماع طارئ داعمة لتركيا، إذا أقدمت الجيوش السوفيتية على اجتياح الأراضي التركية، لكن الموقف الإيراني تغير، ففي مايو عام1941م اجتاحت قوات الحلفاء (بريطانيا والاتحاد السوفيتي) الأراضي الإيرانية، وانهار جيش (رضا شاه) ولم تكن هناك مقاومة تُذكر للاحتلال سوى مقاومة بسيطة, رغم دعوة الحكومة للجهاد ضد القوات المحتلة. وترتب على الغزو (الانكلو- سوفيتي)لإيران جملة نتائج، فقد قسمت البلاد إلى ثلاثة أقسام؛ إذ سيطر السوفيت على الولايات الشمالية الخمس (أذربيجان، وكيلان، ومازندان، وخراسان، وجرجان) في حين سيطر البريطانيون على الأجزاء الجنوبية والغربية، وهي إقليم الأحواز وجزء من كرمنشاه، أما المنطقة الثالثة فكانت منطقة حياد وتشمل (طهران، وأصفهان، ومشهد).

وعلى ضوء ما جرى في إيران وبضغط من السوفيت والبريطانيين تنازل (الشاه) الذي تولى الحكم لمدة ستة عشر عاماً (1925-1941م) عن العرش لولده (محمد رضا) البالغ من العمر22سنة، ثم ترك إيران ليموت في المنفى بجنوب إفريقيا عام 1944م.

وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية طمع كل من الروس والإنكليز بالبقاء في إيران وتقسيمها بينهما، لكن الحكومة الإيرانية تغلبت على المصاعب بمساعدة مجلس الأمن، وفي (2 /مارس/ 1946م) رحل الإنكليز عن إيران، في حين اضطرت القوات الروسية إلى الرحيل بعد ذلك في مارس 1946م.

أدى وصول(محمد رضا بهلوي) إلى الحكم إلى تحقيق نوع من التنسيق السياسي في الاتجاهات الخارجية للطرفين، لاسيّما وأن الدولتين بدأتا تسيران في فلك الدول الغربية والمعسكر الغربي لحاجتهما إلى المساعدات الاقتصادية التي نجمت عن تدهور اقتصادهما بسبب قيام الحرب وما رافقها من كساد تجاري كبير، انعكس بشكل سلبي على أوضاعهما بشكل عام، وشهدت السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية تنسيقاً سياسيا في مواقف تركيا وإيران حيال الاتحاد السوفيتي، وضرورة الوقوف بوجه امتداد نفوذه إلى بلادهما، وكان ذلك متزامنا مع الرغبة الغربية في تقديم المساعدات الاقتصادية للأتراك والإيرانيين بشرط مكافحة الشيوعية.

جاء ذلك منسجما مع سياسة الحكومتين الإيرانية والتركية حتى عام1950، الذي شهد وصول حزب جديد للحكم في تركيا هو (الحزب الديمقراطي)، وانعكس ذلك على علاقات الأخيرة مع إيران.

وفي الخامس عشر من مارس عام 1951م أصدر مجلس النواب الإيراني قرار تأميم عمليات شركة النفط الإنكلو- إيرانية(Anglo-Iranian Oil Co)، وبعد خمسة أيام صادق مجلس الشيوخ عليه وصار قانوناً وتحقق حلم الجماهير الإيرانية؛ ولذلك عهد الشاه إلى (محمد مصدق)، بتشكيل الوزارة فشكلها يوم 6 مايو عام 1951م، وقرر مجلس الوزراء رفع يد بريطانيا عن النفط، وكان من الطبيعي أن تدخل حكومة(مصدق) في صراع مع الحكومة البريطانية، لتأميمها للنفط لأن شركة الإنكلو- إيرانية، لم تكن شركة تجارية فحسب وإنما كانت تمثل مصالح الحكومة البريطانية داخل إيران، وشكلت هذه الشركة بمرور الزمن دولة داخل الدولة؛ لذلك لم يكن بأي حال من الأحوال أن تقف الحكومة البريطانية حيال عملية تأميم شركتها موقفا متفرجا؛ لذا خاضت عبر سنوات امتدت من عام 1951-1953م صراعاً مريراً نجم عنه أخيراً إسقاط حكومة (مصدق) وفشل تأميمها للنفط الإيراني.

لكن موقف الحكومة التركية من أحداث تأميم النفط الإيراني كان قد تميز بالانحياز إلى الحكومة البريطانية وإن تظاهر بالحياد، فعلى الرغم من وجود فئة قليلة من السياسيين الأتراك من أعضاء وقياديي الحزب الديمقراطي الذين ساندوا إيران  في موقفها مدعين أن الإيرانيين في تحملهم هذا (إنما يحاولون إن يحققون لأنفسهم ما حققه (مصطفى كمال أتاتورك) في تركيا)، إلا أن معظم قادة (الحزب الديمقراطي) وأغلبية أعضائه كانوا قد ساندوا بريطانيا في موقفها من الصراع النفطي مع إيران، منطلقين من أن (قضية النفط الإيراني تمس بشكل أساس سِلم العالم الذي يهم الدول الديمقراطية ومن ضمنها تركيا التي اهتمت بهذه المسألة كثيراً؛ لذلك فإن إسناد الحكومة التركية لبريطانيا في هذه القضية أمر يهم العالم بأسره لأنه يبغى المحافظة على السِّلم والأهم من ذلك أن النفط الإيراني الذي يبلغ إنتاجه السنوي حوالي(31) مليون طن، قد تستولي عليه روسيا السوفيتية سواء كان ذلك عن طريق الاتفاق مع إيران أو عن طريق التدخل في شؤونها الداخلية) ؛ وذلك يتعارض مع مصالح تركيا المعادية للسوفيت. 

ومما تقدم نستخلص، أنَّ مع بروز الدول القومية في الشرق الأوسط لم يشكل الاختلاف الديني أو المذهبي عائقاً في تنامي العلاقة بين الدول، بقدر ما يكون للمصالح السياسية والاقتصادية الدور الأساس في بنائها، كما أسهمت مجموعة من المتغيرات الداخلية والخارجية بالتأثير في تلك العلاقات بين البلدين وكانت نتاج عوامل مشتركة ومعطيات متبادلة دفعت العلاقات نحو التوتر أحياناً ودفعتها باتجاه التنسيق المشترك أحياناً أخرى، تحقيقاً لمصالحهما العليا درءاً لمخاطر يمكن أن تتعرض لها الدولتان بسبب الأهمية لموقعهما الجغرافي المتميز لكلا البلدين، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومجيء الاحتلال الروسي البريطاني للأراضي الإيرانية, لكن حنكة السياسة الإيرانية أدت إلى رحيل الإنكليز عن إيران وتلتها القوات الروسية، حيث كان الموقف التركي من تأميم النفط الإيراني انحياز تركيا التام للحكومة البريطانية رغم تظاهرها بالحياد؛ وذلك من أجل مصالحها مع الدول الغربية والاستفادة أكثر من المساعدات الاقتصادية.

***

د. حميد ابولول جبجاب

في المثقف اليوم