آراء

عبد الجبار العبيدي: بين الحقيقة والخُرافة في دولة الاسلام (5)

كل علمٍ أو قانونٍ أواتفاقٍ بين أثنين، لا يقوم على الضبط والدقة والأمانة وتحري الصدق في التطبيق، مصيره الفشل واشكاليات كثيرة تلاحقه لا تحقق له النجاح ابداً، بل التخلف والتدمير، نعم من حكم العدل وصل، ومن عايش الخُرافة والباطل ضعف وأندثر. لم تنجح الرسالة الدينية الاسلامية في البداية الا لأنها طبقت هذه المبادىء بصدق التطبيق، لذا فشلت الدعوة وفشل الاسلام كدولة عندما تحول الى اتفاق بين أثنين او اكثر على غير القانون وحقوق الناس والتاريخ، واليوم نشهد فشل دولة المغييرين لانهم خانوا امانة التطبيق، فالعدالة والقانون ليست اتفاقات بين الحاكمين بل نظرية ايمانٍ وتطبيق.

فالقانون هو وقائع الزمان من حيثية التعيين والتطبيق، لذا فشلت نظريات التاريخ القديمة في غالبيتها لانها كانت تروي سجلاته على علاتها دون ضبط وتدقيق، مما مهد للطامعين واصحاب السلطة من ان يبتكروا كل جديد من اجل مصالحهم خلافا للضبط والدقة والقانون.فالتاريخ ليس اسطورة خيالية كما يعتقد البعض، بل هو علم ثابت الاركان والقواعد، له موضوعه ومناهجه ودوره بين فروع المعرفة الانسانية حتى تطور واصبح يتناول التجربة الانسانية على الارض كلها، فهل يدركون،؟

صحيح ان بعض المؤرخين العرب اتخذوا منه وسيلة لقلب الحقائق لخدمة الحاكم او السلطة، لكن نظريات النقد التاريخي كشفت الزيف حتى رمتهم فاصبحوا خارج التاريخ.لان التاريخ لم يعد مترجما لحياة رئيس او حاكم او حتى نبي، انما اصبح راصدا لمسيرة الجماعة البشرية، مهتما بكل صغائر الامور وكبائرها، اي اصبح ضمير الانسان الواعي، سواءً كان قائدا او نبياً او صاحب سلطة، فهو من يهتم بدائرة الاحوال المدنية للجماعة الانسانية، حتى قيل فيه هو دراسة التجربة الانسانية بصدق الخبر ونقله للمعرفة والتطبيق، فمن أين نأتي بالضمير عند فاقديه،

زمان مضى وانقضى بعجره وبجره حمل معه الفشل الدائم لانه خالف صيرورة التاريخ، فكيف نريد منه النجاح وكل عوامل الفشل اليوم ترافقه في التطبيق، عقيدة دينية توقفت، وتفسير قرآني قديم لا يتوافق ولغة العصر الحديث، ومذاهب دينية شتت معنى الدين، ومرجعيات دينية مخترعة عاجزةعن تقديم الحلول، وقادة تخلوا عني ايمان وتطبيق، فكيف يصح لها ان تستمر لتخدم اجيالا تخالفها في العقيدة والتطبيق، بعد ان انهار التعليم واصبحت الفلسفة محرمة التلقين لتدرس محلها العقيدة ولا ندري اية عقيدة يقصدون، عقيدة الدين ام عقيدة المذهب ام عقيدة الفساد في التطبيق، اما يكفينا كل هذا الفشل والتمزق ونحن لا زلنا نلطم على عقيدة ماتت واندثرت قبل 1400 سنة، والموتى لا يعودون، بهذه العقليات تُحكم دول تريد ان تصنع حضارة للحاضرين، مستحيل؟،

مع الاسف ان اصحاب السلطة والرئاسة في مجتمعنا العربي الاسلامي بعد الرسول(ص) مباشرة اتخذوا من النص التاريخي وسيلة هدم لا بناء، وانما سيطرة سلطوية لا شورى ولا رأي اخر فيها سوى السيف، واعوان حكام لشعوب لا رأي لها في العدالة والقانون.هنا كان سبب فشلنا في التطبيق.,واستطيع ان اقول ان، لا خليفة ولا حاكم بعد عهد النبوة تنطبق عليه ما قلناه في البداية من الدقة والامانة وتحري الصدق في التطبيق.لذا فشلت الامة منذ البداية بتكوين دولة القانون،. ولا

زالت الى اليوم فاشلة في التطبيق، فعلى من تلطمون ايها الفاشلون،؟

أن من يبرر لنا قيام الدولة الاسلامية وتوسعها في العهدين الاموي والعباسي فقد أخطأ التقدير، واغفل العداوة والحقد الدفين.ولم يكتب لناما حصل في تاريخ الامويين والعباسيين من ظلم الظالمين،، لقد كان ذلك فيضان جارف يشبه فيضان نوح وان اختلف معه بالسيف بدلا من الطوفان المغرق للجميع، لكن سرعان ما جف وأنحسر الى الشاطىء كحركة المغول التي احتلت اكثر من نصف العالم حتى غدت اليوم دولة بلا تاريخ، لكن المغول اليوم وعوا الاشكالية فراحوا يعتذرون للتاريخ وبناء الوطن من جديد.فأين نحن من مجازر مكة والمدينة الاموية وابوالعباس السفاح والمنصور وهارون الرشيد وشلة الحكام الفاسدين، لماذا لا نعتذر للتاريخ،؟

الشعوب المصابة بالنكسة الحضارية ادركت التاريخ وقدراته المتعددة لتجعله قادرا على تحديث الفكر واكتشاف الاسرار التي تمكنه من اختراق الصعاب، حتى استطاعوا تصحيح العملية التربوية وتقويمها ليصبح انسان العصر مدربا على التفكير المنظم، لانه بدونها لا يمكن للعقل الانساني ان يصل الى القدرة الكاملة على استعمال العقل في ربط الظواهر ليصبح تفكيره منظما وعمليا ليعمم التحديث الفكري على الجميع، فكانت لميزانية التعليم والصحة الاولوية عندهم، ولم يصل الى وظائفها الا من تمكن فلسفيا من قيادة الصحة والتعليم بعكس ما نحن فيه البارحة واليوم مادامت شهادات الجامعة الاسلامية اللبنانية المزورة حاضرة في الشراء والتطبيق، حتى أنشئوا مجتمعات صحية ومتعلمة لها قدرة التغيير.لأن التنمية والتدريب العلمي ساعد على تمية العقول القادرة على النمو والتفكير المنظم المنطقي العلمي الصحيح، وهكذا خرجت الشعوب من دائرة تبلد الذهن والانتقال الى حركة التدريب والتغيير، وبقينا نحن في مؤخرة التحديث.

من هنا استطاع العلماء المساهمة في الاكتشافات العلمية الهامة مثل اكتشاف الزراعة الحديثة وتطوير الحبوب، فانتقل من طور جمع الغذاء الى الزراعة ثم تحديث طرقها، وكذلك اكتشفوا طرق تطوير النار واختراق الكهرباء والتكنولوجيا التي قلبت المجتمع رأسا على عقب فأخذت المجتمعات تتكامل في النمو، فاحتاج الانسان المتطور الى القانون الذي ينظم علاقاته بالاخر فكانت حضارة المتقدمين يكفلها القانون، قوانين الثورة الفرنسية والامريكية والدستورية الاوربية، وحتى البابوية النصية، فهل أنتجت لنا المرجعيات الدينية سوى قوانين التخريف، والمال السائب، واحتقار المرأة، وعصبية قرابة التزييف،

اما نحن في عالم الاسلام المتخلف ما كان همنا الا المال والسطة والجنس والسيف الذي به نقطع رؤوس المخالفين، فكانوا هم المتقدمون ونحن المتأخرون، ولا زلنا لا علم ولا قانون ابتكرنا فاصبحنا نلهث من ورائهم دون ان نصل الى ما وصلوا اليه من تقدم، وشبابنا يتمنى العيش معهم والهرب من بلاد المسلمين (افغانستان مثالا) ولا زلنا على المنوال الفاسد سائرون ندعي الدين والقيامة والجنة والنار وهي ونحن للمغفلين، لكننا نلهث من ورائهم نتمنى العيش في ديارهم، وهكذا اصبحنا وهم اصبحوا والفرق بيننا القانون.وقد استلزم وصولهم الى هذه الدرجة المتقدمة عشرات السنين، فمتى نحن المتخلفون سنلحق بهم؟، مستحيل.

اما المسلمون فلم يقصروا، فغالبية مفكريهم اعتقدوا ان الله اعطى الانسان العقل والفكر والحكمة وبها اهتدوا الى الحضارة لكننا حاربناهم بسلطة عقل متخلف ومستبد من الكراهية والحسد والحقد لا بل مطاردتهم وقتلهم كما في حركة2003 العراقية التي اعتمدت السطة الانفرادية وقتل العلماء والمفكرين وابعاد القوة العسكرية المنظمةحامية البلاد والاعتماد على مليشيات القتل والتدمير تديرها عقول دينية فاسدة هي والتقدم الحضاري على طرفي نقيض. ليتمكنوا من الاستحواذ على الدولة والانسان معا، فكانت الخيبة الكبرى كما نحن اليوم.فأين دينهم واسلامهم الذي به يتفاخرون، لابل اصبحوا يعتمدون على الخطف والنهب والاعتداء في حياة السيادة الخاصة بهم، لا القانون.

فمتى يعي الانسان المسلم نفسه او ميلاد ما يسمى بالضمير ليبدأ مع تاريخ الحضارة الجديد، لن يكون مالم يجمع بين العلم والزمن والقانون والاخلاق وبدونها مجتمعة فلاعلم ولا تاريخ. وليعلم اساتذة الجامعات الذين يوظفون عشرات الاطاريح للعشوائية والتراث انهم لن يستطيعوا تحريك الزمن بقيد انملة دون، تحديث.

الشعوب العربية والاسلامية بحاجة اليوم الى تحديث مناهجها التعليمية والصحية وطرق العلاج والاهتمام بصحة الانسان وتوجيه الثروة لخدمته لينشأ عند الانسان المسلم المتخلف اللاهث خلف الخُرافة وما يسمسه بالمقدس الى الاحساس بضرورة حمايىة الخير ومقاومة الشر والاشرار، والأطمئنان والكفاية العدل وهذه التوجهات كلها تجدها في أسس نشوء القوانين والتشريعات لا عند عمائم الدين المعادية لمنطق الحقيقة والمساندة لنظريات الوهم، لا، لكل توجيه صحيح.

لا ياحكام العرب ويا اباطرة الدين اصحوا على زمانكم بعد ان ادركتم ان العيش في الماضي وَهمَ، وأنتم في الدرك الاسفل من خرافة التخلف في التحديث، فالحب الذي يتغذى على الهدايا يبقى جائعا على الدوام، بعيدا عن حكم العدالة والدين.

فمن التوثيق حفظ التجربة،؟

***

د.عبد الجبار العبيدي

في المثقف اليوم