آراء

فرات المحسن: اللجوء: لا ضمان في البحث عن بر الأمان

* أشار بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاردينال لويس ساكو في رسالة  له بمنسبة العام الجديد، إلى ان ما يقارب من المليون ونصف المليون من المسيحيين العراقيين قد هُجر أو هاجر من العراق خلال العشرين عام الماضية.

* سبق ورفضت الحكومة الألمانية 31000 حالة طلب لجوء لعراقيين في النصف الأول من عام 2023  .كما رحّلت أكثر من 250 طالب لجوء، منهم 43 إلى العراق والباقي إلى دول أخرى ،والآن تفكر الحكومة الألمانية بترحيل أكثر من 30 ألف من الذين تم رفض طلبات لجوئهم.

* أما في السويد  فيتم ترحيل المزيد من المواطنين العراقيين قسراً، وفقا لقرارات مصلحة الهجرة السويدية، وهناك 70 شخصا ينتظرون حاليا الإبعاد القسري، وتم بالفعل ترحيل 26 شخصا إلى العراق وهناك المئات غيرهم بالانتظار.

* بلغ عدد العراقيين من طالبي اللجوء الذين دخلوا بريطانيا عبر بحر المانش وباستخدام القوارب ما يقارب 3000 عراقي أي ما يبلغ 9% من المهاجرين إلى الجزر البريطانية، وهم اليوم مهددون وبعد الاستقبال السيئ بقرار حكومة المحافظين بترحيلهم إلى ريف رواندا في أفريقيا.

وهنا يرد السؤال المحير عن السبب الذي يجعل بعض أطراف في السلطة العراقية تمتنع عن دراسة مثل هذا الوضع الخطر والمزري لحال المواطن العراقي، لا بل بعضها يناشد بلدان اللجوء للإبقاء والامتناع عن إعادة المواطن العراقي لوطنه، لا بل هناك إصرار متعمد على الامتناع عن إيجاد حلول لهذه الهجرة الكبيرة التي تستنزف قوى شعبنا العاملة في شتى المجالات ، مع عدم رغبة ظاهرة لتوفير حياة أمنة وعيش كريم يساعد على عودة المهاجرين إلى وطنهم.

على عهد دكتاتورية حزب البعث بدت الهجرة عن العراق واحدة من أبواب الخلاص من الجحيم. فوسائل العنف ضد المناوئين وحتى الحلفاء والتي دشنتها الدكتاتورية بعيد تسلمها السلطة، دفعت بالكثيرين للهروب من العراق حفاظا على حياتهم. أيضا كانت الحروب الداخلية والخارجية سببا منطقيا لهروب آلاف الشباب الذين زج بهم ليكونوا وقودا لمعارك خسروا فيها زهرة شبابهم مثلما ضاعت منهم فرص الحياة العلمية والمهنية، فبات الحال هذا سببا وجيها لترك العراق، يضاف لذلك النتائج المدمرة لتلك الحروب والتي انعكست على حياة الأفراد والعوائل اجتماعيا واقتصاديا، وتمثل هذا بالبطالة الواسعة وبالذات بين أوساط الشباب الذين سرحوا من الجيش دون مصدر رزق، ثم أعقب ذلك الحصار الاقتصادي الذي ضرب في الصميم جميع أبناء الشعب العراقي وحاصرهم بالفقر والجوع باستثناء صدام وزبانيته.

كل تلك الوقائع كانت حافزا للجميع للهروب من الجحيم الذي صنعته الدكتاتورية ومحاولة للوصول إلى بر أمان حتى وإن كان نسبيا ولكنه يحفظ للمرء شيئا من إنسانيته وقبل كل شيء حياته، وحين نذكر كل تلك الأسباب التي دفعت الكثيرين للهروب من العراق لا ننسى قطعا ما قامت به الدكتاتورية من تهجير قسري لأبناء العراق من الكرد الفيلية وغيرهم.

بعد الإطاحة بصدام وحزبه واحتلال العراق عام 2003 كان العراقيون على موعد مع جحيم جديد حيث الانفلات الأمني وبداية الحرب الطائفية والتهجير والقتل على الهوية. فما كان من سبيل للنجاة والإفلات من خانق الموت غير الهجرة بعيدا عن الديار، وقد دفعت الكثير من الأسر العراقية أموالا طائلة لغرض إنقاذ أبنائها من جحيم الصراعات والسلاح المنفلت. لا بل البعض منهم فقد حياته في حومة متاهات التهريب ومحاولات الحصول على ما يضمن الوصول إلى بر الأمان وهو الحلم الذي راود ويراود الجميع.

ولم تكن البطالة والتهميش غير حافز  للعديد من الشباب وبالذات أصحاب المهن والشهادات للتفكير بالهروب من بلدهم الطارد للبحث عن حياة تمنحهم فرصة الحصول على عمل وحياة جديدة تساعد على توظيف مؤهلاتهم الدراسية والمهنية.

ومثلما أصبحت الهجرة مشروعا للكثير من الشباب والعوائل العراقية، نشأت تجارة عراقية للتهريب فاقت بأعداد ممارسيها ومستويات عملها مافيات التهريب المعنية بالبلدان الأخرى مثل أفغانستان والصومال والبوسنة ووسط أفريقيا، وكانت أرباح تلك العصابات تغريها للتمادي في ابتداع العديد من طرق التهريب، دون اهتمام بالمخاطر التي تتعرض له تلك الجموع من البشر، والتي دفعت لهم أموالا كثيرة. وقد تعرضت تلك الحملات وفي العديد منها لمخاطر شتى، راحت جراءها أعداد ليست بالقليلة من العراقيين ضحايا ملأت جثثهم البحار والغابات، وطمرتهم الثلوج والسيول دون أن يتحقق الحلم المرجو. وعبر عمليات الهروب وطلب اللجوء تكدست أعداد مليونية من العراقيين في دول العالم قاد حظ البعض منها نحو جزر نائية في عمق المحيطات لم يكن ليخطر في بال العراقي أن يلتفت لها حتى في خرائط الأطلس المدرسي.

وفق معاهدة جنيف الخاصة بأوضاع اللجوء طرح مفهوم اللاجئ الذي يستحق الرعاية والعون من منظمات غير حكومية، وكذلك من سلطات البلدان التي يلجأ إليها، حيث تشير المعاهدة إلى كون اللاجئ هو من وجد نفسه في بلد أخر غير وطنه نتيجة لتعرضه للاضطهاد بسبب الجنس، القومية، الانتماء الديني أو السياسي على أن يكون ذلك الاضطهاد المعروض من قبل طالب اللجوء مبني أساسا على دلائل ووقائع لا شائبة عليها. واللجوء حسب اتفاقية جنيف يمنح للشخص الذي تتوفر لديه مبررات عن نوع الاضطهاد الذي تعرض أو يتعرض له في بلده، ويجب أن يكون اللاجئ شخصا لا يتمتع بحماية داخل بلده.

ولكون أوضاع العراق في عهد الدكتاتورية وكذلك إثر الانفلات الأمني بعد الاحتلال كانت تؤشر لحالات غير عادية من العنف والقسوة المفرطة ترافقها الظروف الاقتصادية السيئة التي تكتنف أوضاع العوائل العراقية، لذا فقد رعت وضمنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون للاجئين ( HCR ) ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية ( BCAH/ OCHA) وأيضا العديد من دول العالم الحق الطبيعي لطالبي اللجوء من العراقيين وفقا للمواثيق والمعاهدات الدولية، ومنها معاهدة جنيف الخاصة بأوضاع اللاجئين، والتي نصت على مساعدة اللاجئين من البشر الفارين من الاضطهاد والحروب والمجاعات، وحمايتهم ومساعدتهم لإيجاد نمط حياة مستقر وطبيعي عبر تطبيق المواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بقوانين اللجوء.

ولكن هذا الحال تغير كثيرا بعد عام 2008 وتدخلت فيه عوامل جديدة ساعدت على تحجيم أعداد القبول لطالبي اللجوء من العراقيين، استنادا لما تفصح عنه بعض الوقائع على الأرض، وكذلك ما تعرضه وتدلل عليه تصريحات أقطاب الحكومة العراقية عن استتاب الأمن ووجود الظروف المناسبة لعودة المهاجرين والمهجرين، وعن قدرة السلطات المحلية على حماية المواطنين وضمان عدم تعرضهم للاضطهاد والمطاردة، أو التهديد نتيجة الاختلاف بالرأي السياسي أو التمييز العرقي والطبقي أو الديني أو القومي وغيرها من الحقوق الإنسانية الخاصة والعامة، ودائما ما عبرت لهجة الكثير من ممثلي السلطة العراقية عن مثل هذه المشاهد، التي تصف الأوضاع في العراق بالتحسن والباعثة على الطمأنينة. وقد ساعدت تلك التصريحات وغيرها على تغيير نمط الأفكار عند بلدان اللجوء حول الأسس والكيفية التي يتم فيها التعامل مع طلبات اللجوء. حيث اتخذت صياغات لقرارات عمل جديدة، تفترض ممارسة نمط جديد من المساعدة،  حيث تقوم بلدان اللجوء بأعمال مسؤولة داخل الوطن الأم للمهاجر، ويتضمن هذا الحل حزمة من الأعمال تساعد على إعادة التوطين والتأهيل في بلدانهم دون الحاجة لقبول طلبات لجوئهم، وتمثل ذلك بالاعتماد على مكتب تنسيق للشؤون الإنسانية وأيضا مساعدة منظمات وحركات المجتمع المدني غير الحكومية، عبر تقييم الحاجات ودعم المعالجات الإنسانية داخل بلدان طالبي اللجوء، ومحاولات إيجاد فرص عمل هناك وبذل الجهود لأجل استتاب الأمن وتوفيره وإرساء السلم الاجتماعي.ورغم التصريحات المشجعة للسلطات العراقية فإن الدراسات المقدمة لدول اللجوء عن الأوضاع الحقيقية وعلى ارض الواقع، ما كانت تشجع على مشاركة مؤسساتها وهيئاتها في مشاريع وأعمال داخل العراق لصالح العائدين من طالبي اللجوء أو المهاجرين. فالصورة المنقولة عن الداخل العراقي تشير لمشاكل معقدة وغير عادية في مقدمتها الوضع الأمني غير المستقر والنزاعات المجتمعية والسلاح المنفلت وتفشي البطالة.

وفق ما تقدم يجب أن تتعرف سلطات ودوائر الهجرة في دول الاتحاد الأوربي على حاجة طالب اللجوء وبيان حقيقة تمتعه بفرصة البقاء كلاجئ، على اثر تقديمه لما يظهر حقه في اللجوء وتامين الحماية له من الاضطهاد والعقوبات القاسية أو تعرضه للتهديد والقتل أو فقدان حريته الشخصية أو مصادر العيش. وعند نقطة إثبات مثل هذه المتعلقات بشخص طالب اللجوء يكمن الالتباس والتفسير الخاطئ من قبل بعض المسؤولين العراقيين لبنود معاهدة جنيف وما أشارت له اتفاقيات الأمم المتحدة ومعاهدة دبلن، وكذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حول طالب اللجوء وحاجته للحماية. فالمادة رابعا من الفقرة الثانية من مذكرة التفاهم العراقية السويدية التي عقدت على عهد زيارة السيد المالكي للسويد في شهر أيار من عام 2008 ،  منحت الحق للسلطات السويدية بتفسيرها وفق شروط معاهدة جنيف وإعادة طالب اللجوء العراقي الذي ليس لديه مبرر وأدلة يرتكن إليها للبقاء كلاجئ، ليمنح الإقامة في السويد، على أن تتم عودته لوطنه وفق الخيار الطوعي ولكن المادة الرابعة أشارت أيضا لحق السلطات السويدية إجبار طالب اللجوء على المغادرة كخيار أخير إن امتنع عن المغادرة.

الغريب إن البعض ممن يمارس السلطة في العراق ويشارك في إدارة الدولة يصر على استخدام لغة بعيدة كل البعد عن الصيغ المهنية والقانونية، ويحاول من خلال إطلاق التصريحات مغازلة الشارع العراقي الذي يعتري الكثير من عوائله القلق على أبنائها من المهاجرين. فنجد هناك من يرفع صوته مطالبا الدول الغربية من بلدان اللجوء بالامتناع عن ترحيل طالبي اللجوء من العراقيين، ومنحهم الإقامة حتى وإن خلت جعبتهم من مبرر معقول لبقائهم، وهؤلاء المسؤولون في تصريحاتهم ونداءاتهم يبدون إما غير مطلعين على فحوى مذكرات التفاهم العراقية مع بعض دول اللجوء ومثلها المعاهدات الدولية المعنية بقضايا اللجوء، أو هم في خضم المزايدات السياسية يحشرون أنفسهم في شأن لا يعرفون فحواه لأغراض انتخابية أو حزبية. وفي تقولاتهم تلك إنما يضعون الناس في حيرة من الأمر لذا يطرح التساؤل عن السبب الحقيقي الذي يدفع مسؤولين كبار للمطالبة بإبقاء أبناء بلدهم كلاجئين في بلدان أخرى .

من الجائز القول إن بعض البلدان الفقيرة أو ذوات الدخل المحدود والتي تعتمد كثيرا في اقتصادياتها الداخلية على ما يرد إليها من عائدات يقوم بإرسالها أبنائها من المهاجرين وأيضا تحاول من خلال تشجيع الهجرة التقليل من الزيادة السكانية الانفجارية ولخفض معدلات البطالة، ولكن حال العراق غير ذلك على الإطلاق، فهو بلد غني وربما إيراداته السنوية تغطي ميزانية بلدين من مثل السويد وهولندا، ولذا فالعجب العجاب وبدلا من أن تقوم الحكومة العراقية بتأمين عودة كريمة لأبنائها من المهاجرين والمهجرين،وإيجاد فرص عمل لهم والاستفادة من ملكاتهم، تقوم بالطلب من دول اللجوء بإبقائهم لديها  وعدم إرجاعهم إلى العراق، وهذا الشيء يدفع لإثارة الشكوك حول نوايا مثل تلك المساعي الذاهبة نحو تصعيد الهجرة والتهجير، وهل إن القصد من حث الحكومات الغربية على قبول طلبات لجوء العراقيين يختص بشريحة أو قومية أو مكون ديني محدد يراد له عدم العودة أو إبعاده كليا عن وطنه، وهناك مافيات تريد الإبقاء على هؤلاء خارج الوطن للاستحواذ على ممتلكاتهم وتركاتهم، أو هناك من يريد زرع ولو نطفة صغيرة له في بلدان أوربا ضمانا لمستقبل، مثلما حال البعض من قادة العراق اليوم.

***

فرات المحسن

 

في المثقف اليوم