قضايا

محمود محمد علي: أبو يعرب المرزوقي وتهافت التفسير الفلسفي للقرآن

أنا مؤمن بأن الدكتور "أبو يعرب المرزوقي" يعد رمزا من رموز الثقافة الإسلامية في تونس، وإن كان البعض ينسبه إلى الفلسفة خطأ، لكن يمكن أن نقول إنه ممن يعتقدون في إمكان بناء خطاب فلسفي انطلاقا من ثوابت الدين وبديهياته الروحية والعقدية، من أجل إثبات "خصوصية عربية إسلامية" في الفلسفة، ما يجعل فكرهم نوعا من "اللاهوت" وليس الفلسفة تحديدا، أو نوعا من الإيديولوجيا الدينية ذات المرامي المسيّسة؛ فهو الذي قال عن نفسه: " لكني فعلا مثير للجدل بخياراتي الفكرية والعقدية ومحاولاتي الفلسفية التي ترفض الجري وراء الموضة مثل باعة "روبافيكا" -فضلات الفكر الغربي-، رغم أن تكويني هو بالأساس غربي من فكر اليونان إلى فكر الحداثة"..  لكننا نعتبر أن كل من قام بجهد التفكير فله فضل ذلك أصاب أو أخطأ (1).

ونحن في هذا المقام نناقش الدكتور أبو يعرب في "فلسفته"، وفي عطائه الفكري، وأثر ذلك علي توجهه الفلسفي لتفسير القرآن، ونبدأ بمشروعه الفلسفي والذي يعول فيه كما يزعم علي ضرورة التأسيس لفلسفة عربية معاصرة، لا تناصب الدين العداء وإنما تتفيأ ظلاله وتسترشد بتوجيهاته. ولعل نجاح المرزوقي في هذا عائد في المقام الأول لكونه خبر الفكرين الديني والفلسفي، الإسلامي والغربي، وبدأ يشق طريقاً ومنهجًا جديدًا، يسعى من خلاله إلى أن تستعيد الفلسفة دورها الرائد في البناء الديني والفلسفي. اهتمام المرزوقي هذا لا يقتصر على الفلسفة فحسب وإنما يتعداها إلى أمور أخرى, تتعلق بالنهوض السياسي والفكري الحضاري العربي والإسلامي. والحقيقة أن المرزوقي يمتلك الأدوات اللازمة للبحث في هكذا موضوع، فهو الضليع بأهم اللغات العالمية، كالإنجليزية والفرنسية والألمانية"(2).

والفكرة المركزية في مشروع الدكتور أبو يعرب هي الزعم بأن التاريخ الفكري للإنسانية هو تاريخ واحد ويشمل ذلك كل من الفكر الفلسفي والفكر الديني حيث لا يمكن الفصل بين الفكر الفلسفي (العقلي) والفكر الديني (الإيماني). ولذلك يقدم الدكتور أبو يعرب تصورا تاريخيا وبنيويا في نفس الوقت لهذا التاريخ الفكري الإنساني الموحد. ويطرح تصورا مفاده أن كلا من ابن تيمية من خلال تصوراته "الإسمية" (أو المنطقية أو البنيوية) وابن خلدون من خلال تصوراته الاجتماعية التاريخية (أو التطورية) قدما معا "ثورة" في مسار تطور هذا الفكر الإنساني. وتظهر ملامح هذا المشروع بشكل واضح في "إصلاح العقل في الفلسفة العربية – من واقعية أرسطو وأفلاطون إلى إسمية ابن تيمية وابن خلدون" (1994)، كما يظهر في وحدة الفكرين الديني والفلسفي (2001)، و المفارقات المعرفية والقيمية في فكر ابن خلدون الفلسفي، (2006) (3).

ولذلك يتخذ المشروع الفلسفي لأبي يعرب توجها إسلاميا لأنه يطرح تصورا مبنيا على "الفكر الإسلامي" لهذا الفكر الإنساني. ولكنه في نفس الوقت لا يعتمد على التصورات التقليدية "التراثية" أو الكلامية للفكر الإسلامي، ولكن على العكس هو ينقدها جميعا باعتبارها لم تتمكن من تقديم التصور الصحيح للفكر الفلسفي الإنساني اعتمادا على الفكر الإسلامي. (إشكالية تجديد أصول الفقه، حوار مع الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي)

وعلى الجانب المنهجي يعتمد الدكتور أبو يعرب بشكل أساسي في تحقيق مشروعه، أولا، على المنطق الصوري، حيث يحرص على إنشاء علاقات منطقية تتسم بالاتساق الذاتي بين المفاهيم المطروحة. وثانيا، على نحت وصياغة ألفاظ جديدة أو تركيبات جديدة من ألفاظ سابقة الاستخدام بهدف تحقيق التوجه المنطقي في أعماله. وثالثا، يعتمد إضافة إلى ذلك على المنهج البنيوي بالمعنى العام، فيحرص على إنشاء بنية كلية للموضوع محل البحث بحيث يمكن وضع كافة المفاهيم والتفصيلات في إطار هذه البنية الكلية (4).

ومن هذا المنطلق نزع الدكتور أبو يعرب إلي وضع سلسلة التفسير الفلسفي للقرآن الكريم من خلال دراسة له بعنوان " الجلي في التفسير، استراتيجية القرآن التوحيدية ومنطق السياسة المحمدية"، وذلك في خمسة أجزاء، لإثبات حقيقة أن القرآن الكريم فيه إستراتيجية ما بعد تاريخية، تحدد المبادئ العامة التي تحكم مجرى التاريخ الإنساني رغم كونها ليست تاريخية، وهدفها توحيد الأمة بداية، والإنسانية غاية، لتحقيق القيم الخلقية والروحية في التاريخ الفعلي، أو للبلوغ بالاستخلاف إلى غايته شرطاً لفهم حديث الختم والكونية الإسلاميتين؛ كما يسعى لاكتشاف المبادئ العامة التي تُرد إليها استراتيجية القرآن التوحيدية، ومنطق السياسة المحمدية، ويعني بذلك، تحديد الاستراتيجية القرآنية، منطق السياسة المحمدية، وتحديد التطبيقات نزولاً إلى السنة من القرآن، وتحديد الأسس صعوداً من السنة إلى القرآن، ليصل إلى العلاقة بين فلسفة الدين وفلسفة التاريخ القرآنيتين.

يقول أبو يعرب المرزوقي: «إنّ التفسير الفلسفي للقرآن الكريم ليس هو أمرًا ضروريًّا للمسلمين من منطلق الوضع الإسلامي الراهن فحسب، بل هو كان ينبغي أن يكون ضرورة من بداية الدعوة الإسلامية. فالقرآن هو الذي اعتبر تبيّن حقيقة القرآن أمرًا سَيُري اللهُ الناسَ آياته في الآفاق والأنفس حتى يتبيّن لهم أنه الحق» (5)

ومن الملاحظ أن اجتهادات أبي يعرب المرزوقي ليست من صنف الاجتهادات التي تنضوي تحت ألوية المشاريع الفكرية العربية أو الإسلامية النظرية أو العملية، نظير مشروع «نقد العقل الإسلامي» لمحمد أركون، أو مشروع «نقد العقل العربي» لمحمد عابد الجابري، أو مشروع طه عبد الرحمن، أو مشروع عبد الله العروي، أو مشروع جورج طرابيشي، أو مشروع الطيب التيزيني، أو مشروع حسن حنفي، أو مشروع نصر حامد أبو زيد، أو غيرهم من أصحاب المشاريع البحثية في الوطن العربي تحديدًا؛ فهي وإن كانت عسيرة على التصنيف ضمن مشروع بحث مستقلّ قائم الموضوع والمنهج (6)

إنّ التفسير الفلسفي المعاصر لنصّ القرآن، الذي قدمه أبو يعرب المرزوقي، يخضع لعدة توجهات  (7):

التوجه الأول: إنّ مختلف السياقات النصية المتعلقة بفضاء تفسير النصّ القرآني؛ سواء تعلق بما هو منهجي أو معرفي، يوظف فيها أبو يعرب المرزوقي مختلف المعارف المكتسبة أو الحاصلة، من باب الاستئناس، قصد إضاءات ساحاتِ ونَسَبِ دلالات النصّ القرآني؛ سواء تعلقت بما هو علمي أو فلسفي أو لغوي أو سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو نفسي أو عمراني ونحو ذلك، وفق منظور استعماله الخاصّ، الساعي في سبيل فكّ أواصر الارتباط العضوي بالتقليد والتبعية.

التوجه الثاني: يقوم منهج التفسير الفلسفي المعاصر الذي يقدمه أبو يعرب المرزوقي على منهج ليس من جنس منهج التفاسير التراثية، ولا من جنس مناهج أهل القراءات الحداثية أو المعاصرة أو الجديدية من مُجَايلِيه منهجيًّا ومعرفيًّا؛ بل هو نظر تفسيري خاصّ، يعكس خصوصية منظور رؤية التفسير الذي اجترحه.

التوجه الثالث: إنّ التفسير الفلسفي اليعربي تجده يتأسس على عدة نصوص قرآنية في مختلف سياقات التفسير في مصنفاته، إلا أنه لا ينظر إليها وفق سياقاتها النصيّة في القرآن، بل يقدّمها ضمن منظور كلي، يقدم من خلاله علاجًا لمشكلة من المشاكل الإنسانية العويصة في السياق التاريخي المعاصر؛ بالنظر إلى كون القرآن هو الأمل الوحيد المتبقي للإنسانية جمعاء، أو يبرهن من خلاله على عالمية القرآن التي تقتضي راهنيته الدائمة ونحو ذلك، أو يؤسس من خلالها نظرية قرآنية إنسانية.

التوجه الرابع: إنّ التفسير المعاصر الذي يقدّمه أبو يعرب المرزوقي، فهو وإن سماه فلسفيًّا، إلا أنه لم يعتمد في تأسيسه على "المنقول" أو "المأصول" الفلسفي تراثيًّا كان أو حداثيًّا، بل أسسه وفق فلسفته الخاصّة، التي يستلهم في بناءاتها إشارات وإيماءات نصوص القرآن.

التوجه الخامس: إنّ من أهم ما اعتنى بها لتفسير الفلسفي المعاصر للمتن اليعربي، تجد الاهتمام بقضية المفاهيم؛ سواء كانت شرعية نصيّة قرآنية أساسًا، أو كانت تراثية عربية إسلامية، أو كانت متداولة إنسانيًّا عمومًا؛ بحيث إنه يبني دلالاتها وفق المنظور الكلي لاستراتيجية القرآن التوحيدية لأمة الإسلامية بداية وللإنسانية غاية، الذي يسير على هديه.

ومع احترامنا لهذه التوجهات إلا أن فكرة التفسير الفلسفي للقرآن الكريم فكرة فاشلة وذلك لكونها تسعي إلي إطلاق العنان وتأملاته، خصوصًا لما يتعلق الأمر بموضوع نصوص القرآن الخبرية المتعلقة بـ«عالم الغيب». وقد شهد تاريخ الفكر الإسلامي منذ بواكيره الجنينية الأولى صراعات بلغت حدّ التكفير المتبادل، وأحيانًا أخرى حدّ الاقتتال الدموي، بين أنصار «النقل» وشيعة ""العقل". وتُعَدّ هذه الثنائية تاريخيًّا من أهم الإشكالات التي قتلت جهودًا وألهت عقولًا وضيّعت أوقاتًا، وتسبّبت في إزهاق أرواح، وهي ما زالت غالبة على مستوى منهج النظر والتصنيف.

كما أن التفسير الفلسفي في عمومه لم يكن منضبطًا بمنهج وقواعد علمية موضوعية محررة؛ إذ كان في غالب أمره عبارة عن تأملات عقلية ذاتية تحكمية، صادرة عن مجموعة أفراد أو مذاهب منبوذة من قِبَلِ أهل السلطة المعرفية، أو قل: أهل الوصاية في المجتمع العربي الإسلامي (8).

ولا ننسي أن التفسير الفلسفي لنصوص القرآن كان يستند في كثير من أسسه المنهجية أو المعرفية على «المنقول الفلسفي اليوناني»، بالنظر إلى أنه لم يكن عبارة عن تصورات عقلية مجردة، بل كان في كثير من معالم جوهره انعكاسًا لواقع أو لخصوصية فكرية أو حضارية تاريخية (9).

علاوة على أن التفسير الفلسفي كما هو معلوم؛ لبّه قائم على منهج التأويل العقلي. ويلاحظ في تاريخ الفكر الإسلامي أنّ منهج التفسير الفلسفي كان يتقاطع -وأحيانًا أخرى يتطابق- مع منظور التفسير العقلي في مقابل التفسير النقلي-الأثري، فكان كلّ من جنح أو غلّب منهج التفسير العقلي عدّ من أهل منهج التفسير الفلسفي؛ فصار تفسيره منبوذًا، أو على الأقلّ محطّ تحذير (10).

إنّ هذه المحددات وغيرها كثير مما لم يذكر؛ جعلت منهج التفسير الفلسفي، إن لم يكن موضوع رفض وردّ، فهو على الأقل محطّ تحذير وتنبيه إلى عواقبه المفضية إلى دائرة ما سماه إمبيرتو إيكو بـ"التأويل المفرط"، الذي هو أساس «التلاعب اللامحدد واللامحدود» بجواهر نصوصِ القرآن دلالة وحكمًا، فيفقد النصّ القرآني بالتّبع تعاليه التأسيسي المعياري، وتضيع خصائص إنيته الذاتية، إن لم يؤسّس منهج تفسير موضوعي يتلاحم مع ذلك كلّه (11).

إنّ رفض المنظور الفلسفي لتفسير نصوص القرآن في بعض نصوص التراث الإسلامي لم يكن رفضًا للمنظور الفلسفي في حدّ ذاته، بل كان الرفض يقوم في الغالب أساسًا على إخضاع نصوص القرآن لمقررات فلسفية منقولة مُحمّلة خارجية عن نَسَقِه أو نَفَسِه العام، أو مناقضة لدلالاته وأحكامه النصية السياقية. خصوصًا أن المنظور الفلسفي المنقول لم يكن مجرد منهج أو منظور للتفسير، بل كان في صلبه يقوم على جملة مضامين معرفية موجهة للمنهج على مستوى التأسيس والتنزيل معًا؛ ذلك أن ما سُمِّيَ تاريخيًّا بـ«الفلاسفة» في تاريخ الفكر الإسلامي، قد شكّل المنظور الفلسفي اليوناني المنقول لديهم بعد عهد الترجمة تحديدًا صلب منظورهم المنهجي والمعرفي معًا. والمنظور الفلسفي اليوناني كما هو معلوم قد تأسّس في زمنٍ تأويليٍّ ذي محدداتٍ خاصّة، أهمها غياب الوحي المنزّل الباقي على أصله الأول المنزّل به (12).

وعليه؛ فإن المنظور الفلسفي المنقول ليس مجردًا عن السياق الزمكاني، والسياق المعرفي ورؤيته للوجود، وآفاقه الكلية والجزئية؛ لذلك اهتم جَمْعٌ من العلماء القدامى في سبيل تأسيس منظور فلسفي، يتحدد بناءً على السياقات التي نشأت عن النصّ القرآني ورؤيته التي أسسها للوجود والمصير؛ فظهرت اجتهادات فلسفية كانت أقرب إلى الرؤية القرآنية المأصولة منها إلى الرؤية اليونانية المنقولة، أو غيرها من الرؤى الفلسفية المستوردة. لذلك، اعتبر كثيرٌ من الباحثين المعاصرين أن "علم الكلام" مثلًا يشكّل عمدة المنظور الفلسفي الإسلامي، فضلًا عن إنتاجات واجتهادات علماء كثر في مجالات معرفية إسلامية أخرى (13).

***

أ. د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

الهوامش:

1- إصلاح العقل فى الفلسفة العربية. أبويعرب المرزوقي. مركز دراسات الوحدة العربية. ط2. بيروت لبنان.

2-  أنظر:مقدمة حوار محمد الحواراني، مجلة العربي الكويتية، يناير 2005.

3- سمير ابو زيد: الدكتور أبو يعرب المرزوقي، موقع فلاسفة العرب.

4- نفس المرجع.

5- الجلي في التفسير، استراتيجية القرآن التوحيدية ومنطق السياسة المحمدية، ج1، مقومات الاستراتيجية والسياسة المحمدية، أبو يعرب المرزوقي، تونس، الدار المتوسطية للنشر، 2010، ص193.

6-محمد كنفودي: سلسة التفسير الفلسفي للقرآن (1)، مركز تفسير للدراسات القرآنية.

7- المرجع نفسه.

8-محمد كنفودي: سلسة التفسير الفلسفي للقرآن (2)، مركز تفسير للدراسات القرآنية.

9- المرجع نفسه.

10- المرجع نفسه.

11- المرجع نفسه.

12- المرجع نفسه.

13- المرجع نفسه.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5676 المصادف: 2022-03-21 02:37:37


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م