قضايا

عمانوئيل خوشابا: همسات نيسانية من وحي القصيد (1)

رأس السنة البابلية الآشورية بين الواقع والطموح

تشير المدونات التاريخية القديمة بمدى أهمية وقِدَم الاحتفال السنوي لرأس السنة البابلية الآشورية في النهضة الحضارية والمسيرة التاريخية التي شهدتها بلاد وادي الرافدين، ومن هنا أكدت غالبية النصوص المسمارية على الدور الإبداعي الذي لعبته الحضارات النهرينية في دعم واستمرارية الهيمنة الثقافية والفكرية لهذه المناسبة الكبيرة على الجموع البشرية في بلاد ما بين النهرين والشعوب المجاورة لها، حيث كانت تقيم المهرجانات والاحتفالات الشعبية في جميع أنحاء البلاد وذلك ابتداءً في الأول من شهر نيسان ولغاية الثاني عشر منه، تلك الاحتفالات المتسمة بالمعاني والدلالات المتباينة لكل يوم احتفالي على ِحدَه.

ونود التأكيد على إن العيد الوطني أعلاه ما هو إِلا استمرارية لعملية التواصل والتطور التاريخي الذي أنجزه وأحتفل به أجدادنا العظام في بلاد بابل وآشور واللذين بادروا بدورهم في مد جسور الثقافة والعلوم الى الأمم الأخرى، حيث أمست رأس السنة البابلية الآشورية أيقونة وموروث مهم يُقتَدى به من قبل شعبنا الآشوري والشعوب الأخرى، ولازال يُحتَفل ويحتفي به الى يومنا هذا في الوطن الأم العُراق والشعوب المجاورة له ومن ثم العديد من دول الاغتراب. لابد من الإشارة بأن الحكومات السابقة في العراق قد ساهمت في أحياء المناسبة أعلاه من خلال إقامة الاحتفالات والكرنفالات تخليداً لهذه المناسبة الوطنية المهمة من تاريخ بلاد ما بين النهرين العريق، وكان يُحتَفل به بِمُسَمى عيد الربيعين وفي محافظة نينوى حصراً، وقد تم استغلاله سياسياً وقومياً بعيداً عن إطارُه التاريخي وحلته القومية الأصيلة والتي صبت نتاجها في سلة مصالح الأنظمة الحاكمة حينها.. ويمكن القول بأن التبني الحقيقي والفكري الشامل لأعياد نيسان ورأس السنة البابلية الآشورية في بلدنا العراق، قد تم ترسيخه من قبل الحركة الديمقراطية الآشورية، والتي استطاعت بدورها في وضع الأسس الكفيلة في تعزيز وبلورة بصمات وقيم هذه المناسبة ضمن المسيرة التاريخية للعراق، حيث تم إٍقامة أول كرنفال سنوي بحلته الجديدة ولأول مرة في مدينة نوهدرا - العراق عام 1993، وأستمر الاحتفال بهذه المناسبة وبدون انقطاع ليومنا هذا.

والجدير بالذكر كان لنا الشرف بالمشاركة في احتفالات رأس السنة البابلية الآشورية في الأول من نيسان لعام 6773 آشورية مع وفد من أبناء شعبنا المغتربين في مدينة نوهدرا (دهوك)، وكان هناك احتفال آخر مماثل في مدينة نينوى. ومن هنا كان لابد منا الوقوف على عدد من المحطات الإيجابية خلال المسيرة البنفسجية ومن ثم على عدد من الملاحظات والتحفظات التي أفرزتها المسيرة برمتها، والتي بدورنا نحاول أضفاء الحلول اللازمة للحد من الإشكاليات من أجل خدمة وتعزيز مسيرة هذه المناسبة التاريخية القومية والوطنية.

لقد اثلجت صدورنا وزادت من عزيمتنا تلك الحشود الكبيرة من الجماهير المشاركة في المسيرة النيسانية التي أقيمت في مدينة دهوك الشمالية، وكانت بمثابة عُرس كرنفالي بهيج قام بكسر القيود ومن ثم القفز فوق جميع المطبات التي ساهمت سابقاً في تثبيط المسيرة التاريخية أعلاه. لذلك نود ان نرفع قبعاتنا احتراما لتلك الجماهير الغفيرة التي ساهمت بدورها في تعزيز نجاح الكرنفال من خلال مشاركتها المتكاتفة والمتراقصة فرحاً مع بعضها البعض على أنغام الموسيقى وصداح النساء، الرجال والشيوخ الحاضنين لتلك البراعم الطفولية البريئة. الجميع يصدح وبنغمة واحدة مبتهجة بالانقلاب الربيعي وكساء الأرض بالمسطحات الخضراء الزاهية بحلتها الربيعية المشرقة، وساهمت وبشكل جدي في إزهاء و إِكساء المسيرة بذلك الثوب الفضفاض الفاتن، والتي تؤكد جميع الوقائع بأنها لم تكن غالبيتها موالية لأي جهة تنظيمية معينة و إِنما انطلقت بذاتها وبكل عفوية في تجسيد دورها البناء في إِضفاء المعاني والدلالات العظيمة لقيم الوفاء والنضال والحرية من اجل البقاء في الوطن، وتمسكها بالعناصر والمبادئ المؤمنة بقضايانا القومية والوطنية العادلة على أرض الوطن والتي ناضل من أجلها شهداء الأمة، ومنها تعالت هتافات الجماهير تصدح شوقاً بأننا شعب يحب الحياة و لا توجد قوة تستطيع أن تقتلع جذورنا من أرض الأجداد.

 

أود التطرق أيضاً على بعض المحطات الغير مُستَغاثَه التي أفرزتها المسيرة برمتها، منها:

1 – في البداية نود الإشارة الى الجهود الحثيثة التي أدتها اللجنة المنظمة للمسيرة ومن خلالها ساهمت في إنجاح هذا العمل القيم، وإن تخللتها بعض السهوات والملابسات السلبية، حيث لم تكن موفقة في اختيار المكان المناسب لنهاية مطاف المسيرة والمتمثلة في منطقة كلي دهوك، بحكم برودة الجو في هذا المكان الذي أدى الى ارتداد ورجوع جموع غفيرة من العوائل المشاركة الى منازلهم، الارتداد لم يقتصر على العوائل وإنما شمل بعض قيادي الحركة اللذين عادوا الى منازلهم والقسم الاخر اِلتَجَأ الى الأكشاك البلاستيكية القابلة للإيجار في المنطقة، بحثاً عن القيظ والدفء الربيعي.

2 – تحكم الحالة الذكورية على السطر القيادي المترجل الأول خلال المسيرة ومن ثم السطر القابع على كراسي المقدمة أثناء الحفل من دون أخذ أي اعتبار للمرأة والمتمثلة بنصف المجتمع، تميز الحفل أيضاً بكثرة وإِسهاب الكلمات الرسمية الغير مجزية أساساً، ومن ثم فيض المطربين المغتربين. وهنا اود الوقوف على الحالة الغير صحية التي تعاملت بها اللجنة المشرفة للاحتفال مع فناني الوطن. بحيث نلاحظ طغي قاعدة التنزيه والتمجيد ما هو وافد من المهجر وحتى إِن كانت مستوى خلفياتهم الفنية والثقافية أوطأ من العديد من الطاقات المثمرة في الوطن، حيث لم يشركوا مطرباً محلياً واحداً من الوطن في الاحتفالات أعلاه، علماً بأن لدينا العديد من الطاقات الفنية في الوطن تضاهي أو بالأحرى أفضل بكثير من فناني المهجر.

3 – تميزت مسيرة نوهدرا الأخيرة بتواجد العديد من وفود المهجر من شتى بلدان العالم وهذا منعطف إِيجابي يساهم في تعزيز ومد الجسور التواصل الثقافي والقومي بين المهجر والوطن. حيث لم تكن اللجنة المنظمة موفقة في التعامل مع هذا الملف من خلال تسخير الطاقات والقوى التي تمتلكها تلك الجموع الوافدة. وكما هو معروف لدى الجميع بأن نظرة غالبية جموع المؤسسات القومية العاملة في الوطن نحو شعبنا القاطن في المهجر بانه تلك البقرة الحلوب المادية والتي تستغل إِعلامياً لصالح الفئوية الحزبية من دون استغلال طاقاتها الكامنة كلياً من اجل خدمة المسيرة القومية. وطبق مشاهداتنا كانت ترسل غالبية الوفود في جولات الى مناطقنا التاريخية من دون وجود دليل سياحي مُلِم بالوضع التاريخي والسياسي في المنطقة، والتي من خلالها يمكن ان يساهم في وضع الزائر على حقيقة الظروف الذاتية والموضوعية السيئة لشعبنا في الوطن، و مدى ازدراء وتناقص حكومة المركز والإِقليم في الحقوق الدستورية لشعبنا ومن ثم بيان صورة التجاوزات المفتعلة على قرانا والعديد من التجاوزات الأخرى ومنها على سبيل المثال التوزيع العادل للثروات والوظائف الحكومية التي توزع على من هم عناصر تنظيمية للحزب الحاكم وغيرهم، كذلك إِظهار مدى التخلف واللامبالاة من قبل السلطات المحلية في توفير الخدمات ولو بحدودها الأدنى الى المواقع الأثرية الآشورية. ومن هنا يمكن لوفود المهجر أن تعي بمسؤولياتها الملقاة على عاتقها في نقل هذه الصورة السلبية الى دول المهجر كافة.

نقطة أخرى كان لابد من الجهات المنظمة لأعياد نيسان بأن تقوم باستغلال فرصة تواجد الوفود الكثيرة والقادمة من المهجر في ترتيب و عمل كونفينشن أو تجمع عام ينضوي تحت لِوائِه جميع الوفود القادمة من الخارج مع البعض من الكوادر المتميزة من أبناء شعبنا في الوطن، يتم خلاله التعارف المنظم فيما بينهم، ومن ثم التشاور والتباحث حول الآليات والقوى البشرية والتقنية التي يملكها شعبنا في المجر والتي يمكن تسخيرها في إِنشاء لوبي قوي في بلاد الاغتراب من أجل وضع برامج مدروسة تساهم في دعم و إِسناد قضيتنا المركزية من أجل خدمة مسيرتنا القومية والوطنية في بلاد ما بين النهرين.

أود الإِشارة بأن اغلبية وفود المهجر كانت قادمة لغرض السياحة وهذا امر لا غبار عليه، ولكن كان من الأجدر أَن تُستَغَل زيارتهم لأسباب قومية وسياسية مضاف اليها ظاهرة السياحة، من خلال تكوين أواصر العلاقات القوية فيما بينها، ومن باب الأسف إِذا رغبنا بالتواصل معهم وغيرهم من الكوادر في الوطن، ليس بنا أن نلقاهم خلال السهرات المسائية والجلسات الصاخبة للعبة الدومبله.

***

عمانوئيل خوشابا

15 نيسان 2023

 

 

في المثقف اليوم