قضايا

مريم لطفي: إزدراء الأديان (التجديف)

(إنّا نحنُ نَزلنا الذكر وإنّا لهُ لحافظونَ)

(لايغرنكَ تقلب الذين كفروا في البلادِ.متاعٌ قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد).. ال عمران 196

إزدراء الاديان أو التجديف هو إساءة أو استخفاف يصدره شخص أو هيئة ما بشأن معتقدات وأفكار ديانة ما.

و مفهوم التجديف في مختلف الاوساط الدينية والفكرية والحقوقية العالمية، يقصد به الحد من السلوكيات التي تنال من الاديان بصورة خاصة أو عامة الهدف منها الاتي:

- تعمد الاساءة الى دين محدد أو مذهب أو طائفة.

- الاساءة الى الذات الالهية أو الانبياء والرسل أو الكتب السماوية أو الكل مجتمعة لاشاعة الافكار السلبية النمطية المسيئة.

- تبني مواقف متعصبة أو تميزية الهدف منها اثاة النعرات الطائفية وازدراء الاديان لزرع الفرقة والكراهية والعنصرية واثارة الفتن لازهاق المبادئ وتمزيق المعتقدات.

والحقيقة ان سن قوانين منع ازدراء الاديان الهدف منه (حماية المقدسات الدينية) وتحديد او تطويق مشاعر الكراهية للاديان لان انتشارها يهدد التعايش السلمي بين المجتمعات والامم ويدق ناقوس الخطر الى الاخلال بالسلم المجتمعي و الدولي ويشكل مساسا خطيرا بالكرامة الانسانية التي تتبنى دينا محددا ومعتقدا خاصا واختراق الخصوصية العقائدية للانسان.

ومن الجدير بالذكر ان سن قانون التجديف جاء بعد سلسلة انتهاكات وخروقات اساءت بصورة مباشرة للاديان والكتب السماوية والانبياء والرسل من خلال حرق الكتب السماوية والاساءة الى الذات الالهية والرسل والانبياء والرموز الدينية بقصد اثارة الفتنة.

وقد ظهرت بالاونة الاخيرة خروقات وتجاوزات على الدين الاسلامي من خلال الرسوم المسيئة للرسول وانتهاك حرمة الدين من خلال الاساءة للذات الالهية وتمزيق وحرق كتاب الله بمحاولة للاساءة وتشويه صورة الاسلام واثارة الفتنة وتعزيز النمطية العنصرية بالتعامل التي تبنى عليها اعتبارات كثيرة منها :

- عدم احترام مشاعر المسلمين والذين يشكلون نسبة كبيرة في ارجاء المعمورة.

- انتهاك الخصوصية الفكرية والعقائدية من اجل زرع الفتنة وازدراء الخصوصية الدينية ومايترتب على ذلك من انتهاكات.

لقد دعانا الله في كتابه العزيز الى احترام الاديان والكتب السماوية والرسل والانبياء وعدم الاساءة لاحد (آمن الرسول بما أنزل اليه من ربه كل آمن بكتبه ورسله لانفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربي واليك المصير)285 البقرة

هذه الروحية لاحترام الاخر التي جاءت لتعزيز الاخاء بين ابناء الامم والشعوب والتي تدعوا الى التعايش السلمي الذي يبنى على تقبل الاخر ومؤاخاته، وقد كفل الله لعباده حرية الدين (لا إكراه في الدين) ولم يدعوا الى التعصب الاعمى واثارة الاحقاد التي تمزق الامم وتجعل الضغينة الهدف الاسمى لبث روح التعصب والعنصرية.

ان المسلمين في كل أرجاء المعمورة يجمعهم كتاب واحد قائم على احترام الخصوصية الدينية لكل امة من الامم والايمان بجميع الكتب المنزلة على الرسل والانبياء وتكاد لاتخلو سورة من القرآن من ذكرالانبياء والرسل وتذكيرنا للايمان بهم كشرط اساس للايمان بالله .

فهل نتبادل هذه القيم السماوية الرفيعة أم نتجاهلها لتعم الفوضى والبغضاء وتنتشر الحروب والانتهاكات وتعاني الشعوب بسبب استهتار نفر ضال يدعوا الى الفناء!

إن مبدأ التعايش السلمي الذي يدعوا اليه جميع مسلمي العالم واضح المعالم وهو احد شروط الايمان بالله جل وعلا، و التعايش بين مختلف الشعوب والاعراق والجماعات الدينية والعشائر والقبائل وطيف كبير من الهويات هو التحدي الكبير للقرن، فقد دعانا الاسلام الى ان نتشارك الطعام ونتبادل الزيارات ونبارك الاعياد ونحسن الى جيراننا حتى نعيش بسلام . (قولوا آمنا بالله وماأنزل إلينا وماإنزل الى إبراهيم واسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وماأوتي موسى وعيسى وماأوتي النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) البقرة

ان اللجنة الاوربية لمناهضة للعنصرية والتعصب تدين بشدة التحريض على العنف او الكراهية او التمييز ضد الافراد والجماعات، ومجلس حقوق الانسان يدعوالى اهمية احترام وتفهم التنوع الديني والثقافي واعرب عن قلقه ازاء النظرة النمطية السلبية الى جميع الاديان وازاء مظاهر التعصب والتميز ضدها وحث على اتخاذ اجراءات تمنع نشر افكار ومواد تنطوي على عنصرية وعلى كره اي دين من الاديان مما يشكل تحريضا على العنصرية والكراهية الدينية والعداوة والعنف والارهاب الفكري والديني.

ان ماحدث في اول ايام عيد الاضحى من استهتار سافر لمشاعر المسلمين في جميع ارجاء المعمورة وهم يؤدون الشعائر الخاصة بالعيد حينما أقبل احد كاملي النقص ممن بصق في الاناء الذي اطعمه والبئر الذي ارتوى منه والحضن الذي آواه وخرق كل قوانين الانسان باعتباره مسخ أراد ان يلفت الانظار الى الكم الهائل من الحقد والضغينة واللوثة الفكرية التي دعته الى حرق الكتاب الكريم ناسيا ومتناسيا قوله جل وعلا (انّا نحنُ نزلنا الذكرَ وانّا لهُ لحافظون) فجنة المؤمن في صدره وعقله وجوارحه ومافعله لم يسئ الى الدين والكتاب بل اساء الى انحطاط الفكر وفجور النفس الامارة بالسوء، فهو عندما اقدم على فعله القبيح هذا انما أحرق اوراقا ولم يحرق ذكرا وحرق سمعته وادميته وعائلته التي انحدر منها وان عاش فهو ملعون شأنه شأن اي مرتد عاش حقيرا ومات خالدا في جهنم (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. خالدين فيها لايخفف عنهم العذاب ولاهم ينظرون) البقرة 171

وحقيقة فان إقدام اي ضال على هذه الخطوة الكسيحة للنيل من كرامة المسلمين وايمانهم بالله لن تزعزع الثقة أو تزرع الفرقة لكنها ستزيد من قبح من قام بهذا الفعل الشنيع وهي ليست بالمرة الاولى فقد حدث وان أحرق اليميني المتطرف رامسوس بلودان نسخة من المصحف في ستوكهولم وسط حماية من الشرطة، فهل تحمي الشرطة المسئ وتباركه !!مما أثار حفيظة كل انسان غيور على دينه، لكن كل هذه الاساليب لن تكون سوى ورقة يابسة زفرتها احد اشجار الخريف (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون)البقرة28- 29.

***

مريم لطفي

في المثقف اليوم