قضايا

محمد الورداشي: هل صمت المثقف آية على انهزامه؟

يأتي هذا السؤال في سياق ثقافي يعاني أزمة بنيوية حقيقية، ومتجذرة في أعماق الفعل الثقافي، بل في الممارسة الثقافية الحالية التي لم ترق إلى مستوى تطلعات بلد يسعى إلى إحداث تقدم وتطور في مختلف مجالاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ ذلك أن لهذه الأزمة طابعا أخطبوطيا يجعل من إمكانية حلها عملا جبارا يستدعي مجهودا جماعيا، وليس عمل فرد أعزل لا يملك إلا الكلمة التي كانت سلاحه المعتاد في سبيل التغيير والتجديد. ففي هذا السياق المتأزم، تظهر أصوات من مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية تطالب بكلمة المثقف بصدد ما يجري في بلده، وتنظر منه حلا سحريا سريعا لأزماتها المزمنة، ولعمري إن هذا ضرب من اليوتوبيا التي تمنع الأفراد، على اختلاف مستوياتهم ومنسوب وعيهم، من التفكير الجاد والمستمر في الأزمة، والعمل على تفكيكها وتبسيطها بغية وضع الإصبع على مكمن الداء ومصدره، ومن ثم، الإسهام في التغيير والتجديد المطلوبين من قبل مختلف الفاعلين الاجتماعيين والثقافيين.

تمثل صورة المثقف أمامنا كلما توغلت الأزمة في حياتنا، وحاصرتنا مظاهرها وتجلياتها السلبية من كل ناحية، بيد أننا لم نتساءل، تساؤلا بريئا غير مؤدلج، عن أسباب صمت المثقف، وغيابه الطويل عن المشهد الثقافي العام.

يعلم من قرأ كتاب الفيلسوف الكندي آلان دونو "نظام التفاهة" أن هذه الأخيرة داء منتشر في كل المجالات والممارسات المختلفة، وأنها نظام مقصود ذو توجهات وأهداف مخطط لها. لعل هذا النظام الذي اكتسح المشهد العام، وجعل التافهين يحسمون المعركة على حد تعبير آلان دونو، يدفعنا إلى التساؤل عن مدى فعالية المثقف، أي فعالية كلمته التي تعد سلاحا له؛ لأن بها يعبر عن تصوراته وأفكاره حول قضايا مجتمعه، وهي وسيلته لمخاطبة الفاعلين السياسيين والثقافيين، وبوصلته التي يوجه بها الرأي العام نحو الصالح العام، ويطلعه على حقيقة ما يجري حوله، ومن ثم تنبيهه إلى النتائج التي يمكن أن تترتب على التحديات والأزمات التي تواجهه، وتؤثر على مسيرته تقدمه الفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

بم ستفيد الكلمة الأعزل إن لم تجد تربة خصبة ومناخا ملائما؟ من يسمع صوت المثقف في زمننا الراهن؟ ومن يحس صمته وغربته واغترابه عن مجتمعه؟ ألأن الأفراد قد طبعوا مع الوضع السقيم الذي يتجرعون ويلاته، أم أن ثمة خيبة أمل متبادلة بين المثقف وأفراد مجتمعه؟

يترتب عن السؤال الأخير القول إن هذه الخيبة متبادلة بالفعل؛ ذلك أن المثقف تلمّس اللا جدوى كلمته وعدم فعاليتها في الأذهان والأفهام، ومن ثم لاذ إلى مراقبة المشهد العام من بعيد، وليس من برج عاجٍ ما دام المثقف منشغلا، ولو من مسافة بعيدة، بما يجري داخل مجتمعه لأنه فرد من أفراده، ولعله ينتظر بصيص أمل يتراءى له في الأفق البعيد. أما عن الأفراد، فإنهم سايروا التوجهات التي تتهم المثقفين بالخيانة والتنصل من مهامهم تجاه مجتمعاتهم، وحكموا على المثقف، نتيجة تهمة الخيانة، بأن له أهدافا ومآرب شخصية تمنعه من قول كلمته التي تزعج المسؤولين والمهتمين بالشأن العام.

نميل إلى القول إن الأزمة الثقافية، وهي مربط الفرس في هذا المقال، أزمة بنيوية ومتجذرة في قلب الممارسة السياسية الثقافية، وفي صلب توجهاتها العامة؛ إذ إن أزمة الثقافة تتغذى من توجهات وأهداف جهات معينة، ما دامت قد توغلت في مفاصل المجالات الاجتماعية. فأن تجد التفاهة في التعليم، والإعلام، والسياسة، والمجتمع.. إلخ، فهذا يدل على كون الأزمة أكبر من فرد أعزل، أي من مثقف يرى نفسه شمعة احترقت بما فيه الكفاية حتى تضيء ليل مدلهما لكائنات مغتربة وشاردة أمام ما يجري حولها. لهذا، نرى أن صمت المثقف ليس دليلا على فشله واستسلامه، وليس فعلا ناتجا عن خيانة أو الحفاظ على مكانة اجتماعية وسياسية واعتبارية، وإنما يعزى الأمر إلى انتظار فرصة مناسبة تتيح الكلمة للأفراد الاجتماعيين وللمثقفين على حد سواء؛ لأن نهاية الأزمة الثقافية ترتبط، في جانب كبير منها، باختيار اجتماعي وثقافي يشترك فيها الطرفان المعنيان بالتغيير والتجديد.

يبدو أن كلامنا لا يعفي المثقف من دوره، كما أنه لا يبرئه مما يجري الآن، وإنما يهدف إلى إطلاع الجماهير على كونها معنية بأي تغيير ثقافي اجتماعي، وأن المسؤولية منقسمة بين المثقف وأفراد المجتمع، والتعاون على بناء فعل ثقافي جاد ومتين، يقصد إلى التغيير والتجديد الجذريين والمنتظرين. وهكذا، نقول إن للمثقف واجب الإنصات لهموم مجتمعه والتفاعل مع قضاياه، وإن على أفراد المجتمع تحمل مسؤولية تجويد الفعل والممارسة الثقافيين، ومناقشة تصورات المثقف واقتراحاته في ما يتعلق بسبل الإصلاح والتجديد.

يبقى السبيل الأساس لحل أي أزمة مجتمعية هو تقريب الشقة بين مختلف الفاعلين السياسيين والثقافيين والاجتماعيين؛ بهدف تحديد أهداف مشتركة تخدم الصالح العام، وليست إرضاء مبتذلا للخواطر والنزعات الأدلوجية المتضاربة؛ لأن هذا الإرضاء من شأنه أن يسهم في تمييع الفعل الثقافي، وجعل الفاعلين يتنصلون من مسؤولياتهم برميها على هذا الطرف أو ذاك بحسبانه سببا للنتائج الراهنة.

سنكون مسؤولين عن تقدم مجتمعنا وصون فعله الثقافي حينما نقر في أعماقنا أننا مسؤولون عن الأوضاع الحالية، ومساهمون في التطبيع معها بشكل أو بآخر.

***

محمد الورداشي

 

في المثقف اليوم