 قراءة في كتاب

صالح الرزوق: العلاقة الإشكالية بين السلطة والمثقف.. قراءة في كتاب د. رهبة الأسودي

صالح الرزوقتبدأ رهبة الأسودي كتابها عن “المثقف والسلطة في العراق”* بتعريف الثقافة. وترى أنها جزء من الحضارة، وتعني التقدم لأن الاثنين يرتبطان بالاتجاهات الفلسفية التي بدأت مع الدخول في عصر النهضة الأوروبية، وعبرت عنها عمليا الثورات الصناعية (بالجمع). ص 13. ويفترض هذا التعريف ثلاث نقاط خلافية:

1- أن الحضارة ظاهرة شاملة.

2- الثقافة لم تكن موجودة قبل عصر الأنوار.

3- الثورة الصناعية التي بدلت وجه أوروبا ذات خلفيات وطنية ومحلية.

ولكن سريعا ما تعترض على هذه المفاهيم الضيقة والقسرية وتنوه بالتفسير الفرويدي الذي يساوي بين الثقافة والحضارة، ويعتقد أنهما اسمان لمسمى واحد وهو التصعيد أو تهذيب الغريزة والتعالي على متطلبات الواقع الجائر بكل ما يمثله من أعصبة ومحرمات. ولذلك يمكن للحضارة والثقافة أن يسيرا باتجاهات مختلفة، وأن يحققا بالنتيجة غايات متباينة ونسبية. وتتوقف المسافة التي تعزل الواقع عن وعي وإدراك التصورات على الظواهر الاجتماعية وتطورها التاريخي. وهو ما يقول عنه رالف لينتون “مستوى العموميات” الذي يحدد عقلية النموذج الاجتماعي ص15. ومثلما توجد فروق جوهرية عميقة بين الأعراق يجب أن تتوافر خلافات عميقة في فهمنا للبيئة المباشرة وعلاقتها مع النظام الدولي. وهو ما يقود للنزاعات وما يترتب على ذلك من حروب ومعاهدات تغير وعينا بالتدريج. وهنا يأتي دور التكنولوجيا، الجزء الآخر من الحضارة كما ترى الباحثة. ص13. ولا يغيب عن الذهن أن كلمة تكنولوجيا بالأساس كلمة إغريقية، وتعني فن الحيلة أو الذكاء أو الدهاء. ولذلك يمكن النظر لها بأنها أداة تعبير وتعايش مع واقع محدود وحقيقة غير متناهية. ولا يبتعد هذا التفسير عن الرأي الذي تنقله الباحثة عن دوثي لي ومفاده أن الثقافة هي نسق رموزي يمنح به الموجود معنى لما حوله سواء كان ملموسا كالمجتمع والطبيعة والكون (المخلوقات) أو كان مجرد تصورات وتكهنات ومنها الحقيقة المطلقة ص 14. لكن ما لم أفهمه هو ربط الثقافة بالتطور والحضارة بالانحدار ص14. وتعزو الباحثة لشبنغلر قوله إن الحضارة هي شيخوخة ثقافية. وفي الحقيقة كان شبنغلر مثل فرويد ينظر للحضارة على أنها أطوار تتبع دورة حياة كاملة: تبدأ بالولادة وتنتهي بالخمود. ولكنها دائما ما تعود بوجه مختلف وقوانين جديدة. ولذلك هي تعبير عن تراكم ثقافات أو كشوفات الجهد الإنساني والعقل البشري معا. وعزل المحاور لا يقودنا لفهم معنى الحضارة. فالعلاقة بين الطرفين سببية كما أكد هابرماز في تفسير أثر أجزاء البنية على مستقبل البنية ذاتها. بمعنى أن الأثر عكوس ويبدل النتيجة، وبهذه الطريقة يمكن تحرير التاريخ من سكونيته. ولا يوجد أي اعتراض على مقولة شبنغلر أن الحضارة هي مصير محتوم لكل ثقافة ص14. والتحضر أساسا هو شكل تجليات النشاط البشري الهادف والمتجاوز لشروط بدائيته. وهو ما يمكن أن نفهمه من المقارنة بين مجتمع رعوي وريفي وآخر مديني (تحكمه علاقات حضرية - المقصود استقرار له تعبير قانوني يفصل في الخلافات الناجمة عن نقاط الاحتكاك بين المصالح الفردية والجماعة).

وإن كان هذا هو شأن الثقافة من هو المثقف إذا؟.

تستعرض الباحثة وجهات نظر من زوايا مختلفة ابتداء من غرامشي وغارودي وحتى السوري حليم بركات. وتركز على مزدوجة العمل الفكري واليدوي - العضلي بلغة موازية ص21. وهنا تضيع الفئات البينية، مثل العامل الذي يستعمل يده ولكن في نظام مؤتمت. فهو يحتاج لمستوى ثقافي يؤهله لفهم دور الآلة الوسيط في عملية الانتاج. وهكذا تبدأ المشكلة الحقيقية التي يجب أن نهتم بها وهي التمييز بين المتعلم والمثقف. ما هي طبيعة العلاقة بينهما، تكاملية أم تناحرية؟؟. وأعتقد أن أفضل رد على هذا السؤال الإشكالي موجود في رواية “المثقفون” لسيمون دوبوفوار. فهي لا تتوقف عند نقاط مفصلية في الثقافة ثم تميزها لدرجة انفصالها عن التعلم فقط، بل تتابع لتغطي ثنائية الالتزام والحرية. وتضع التعلم في بئر النفس المعقدة، وتربطه بالمعنى البيئي للوظيفة. وتركز على دور الحرية في انتاج التزام مسؤول يخدم البنية الأساسية لمشكلة التطور. ومن المرجح أن الخلاف بين المتعلم والمثقف هو تعبير دراماتيكي عن الأزمة الحادة لركود المعنى التعليمي للعلم. فهو أصلا يقود لفرض وظائف تربوية ونفعية عاجلة. بينما يعمل المثقف على توقع ما يدخل في عداد الاحتمالات. ويوجد مسافة رمادية واسعة بين الاكتساب بالتعلم والبناء على المعارف المكتسبة، والاكتساب بالخبرة وتطوير تلك المعارف. بتعبير أوضح انتاج الثقافة شيء واستهلاكها شيء آخر. وهو أضيق تعريف للفصل بين المتعلم والمثقف. ويمكن تمثيل هذه المشكلة بالقضية المعرفية التي تمثلها حالة روبنسون كروزو - كما صورها دانيال ديفو. فصراع كروزو مع الطبيعة والضرورة زاد من خبراته المكتسبة ولتحقيق هدف واحد وهو البقاء - أفهم من ذلك أنه طبق معارفه العملية من أجل تحقيق دورة عكسية باتجاه الواقع. ولا يوجد في هذا التصور أي هامش لنفي المرحلة السابقة. بل ربما هو يبذل جهده لاستعادتها. ولذلك أعتقد أنه نقطة تثبيت أو تعطيل، وليس نقطة تنشيط وتحول. وبلغة مارثا روبير (2) هو حارس للماضي ودائرة مغلقة، ولا يسعه أن يرى في الواقع غير صور تكرارية لتجربة البورجوازي الصغير المكافح في سبيل أنانياته الفردية. وبلغة أوضح مثل هذا النموذج هو مثال للخبرات المهنية التي تصارع الطبيعة والمجتمع انطلاقا من دائرة شاملة هي وعيه الخاص. وهو ما يعبر عنه دريدا باسم اللوغو سنتريزم وكأنه يعزو لهذا النموذج نشوء الأنظمة الاستعمارية وما تبعها من إمبرياليات جائرة .

3315 رهبة اسويدي حسينولذلك يوجد للمثقف صور متعددة كما قال إدوارد سعيد (وهي متناحرة ضمنا)، وليست بريئة من النوايا المسبقة. وعلى عكس مفهوم الثقافة يصعب حصر المثقف بتعريف محدد. وفالمثقف الثوري قد يكون علمانيا أو دينيا لأن الثورة هي أي نشاط انقلابي يعمل على تبديل الأوضاع الحالية والانتقال من تفسير محدد للتاريخ لتفسير مخالف. وقل نفس الشيء عن المثقف العملي والآخر النظري. براغماتية الأول تصطدم دائما بجدار مثالية الثاني. وليس من المستبعد أن تنشأ انشقاقات داخل وعي النمط الواحد لتتحول إلى تحت أنماط متصارعة. وأقرب مثال على ذلك الانشقاقات المتتالية التي شهدتها الأحزاب المحافظة في تركيا منذ دولة أتاتورك وحتى هذه اللحظة، مثل انشقاق العدالة والتنمية عن الفضيلة، ثم انشقاق غول عن أردوغان، إلخ...

ولا تساعد فكرة التناحر الطبقي على تفسير الظاهرة. فهي ناجمة عن خلافات داخل طبقة واحدة. وكان التطبيق الضيق للعدالة الاجتماعية وتوزيع حصص الشرائح من الطبيعة هو الموضوع الذي أدى لانفصال غارودي عن حزبه، وما تبعه من قلق واضطراب فلسفي. وهذه مشكلة ثقافية دائمة لأن المستجدات تحتم على المثقف أن يفكر ببدائل ويجب أن تكون استباقية. وهو ما تقول عنه الباحثة نقلا عن الماركسيين النسلاخ الطبقي. ص25. وربما تقصد من وراء ذلك فشل الحزب بتقديم حلول ناجعة للمستجدات. وإذا كانت المراحل الحضارية تفشل وتدخل في السبات والعجز، وتضطر لتبديل أدواتها العملية، فمن المؤكد أن تلاقي الأحزاب والطبقات هذا المصير. وتؤكد الباحثة على هذا التوجه حينما تستشهد بمقولة للجابري ترى أن المثقف “شخص يتجاوز العوائق التي تحول دون نظام أفضل” ص 25. ويعيد هادي العلوي هذا الدور لدرجة الوعي الاجتماعي ص26. ويذهب عزيز السيد جاسم بنفس الاتجاه حين يعتقد أن المثقف هو كل شخص مع الوعي وضد القناعات السهلة والحدود الجاهزة ص 26. وتنتهي الباحثة إلى أن أول هدف للمثقف هو التغيير ص27. وتدخل في هذا المجال الجيوب السرية لعلاقة المثقفين مع السلطة، واستنزاف كل طرف للآخر. ومثلما تكلم علي الوردي عن وعاظ للسلاطين تشير كل الوقائع الحديثة لوجود كاتب للدولة. وتكون وظيفته محددة بتلميع شعارات النظام وبالإئتمان على علبة البروباغاندا. وهي أول حفرة يسقط فيها المثقف. ويكفي العودة لمذكرات رينيه عبودي عن أيامها مع جورج طرابيشي لتلاحظ عمق الأزمة التي تقود العقل القومي للاختلاف مع نفسه، وتركيب أطروحة بديلة، يصعب تسميتها أو تحديد مواصفاتها. وهو السبب الذي قاده للتخلي عن البعث علنا عام 1966 والاشتراك باللجنة التأسيسية لحزب العمال العربي الثوري. وبرأيي ركب طرابيشي البساط السحري ليطير من دولة قومية عسكرية لجماعة يسارية دون دولة. فهل هو تعبير ضمني عن فشل القوميين العرب بتحقيق أول مبدأ لهم وهو الوحدة العربية، والعمل على ضمان استقرار أنظمة التجزئة دون التخلي عن خطاب الوحدة؟؟. قد تكون الإجابة بسيطة، ولكن إذا استعملنا لغة الحضارة وليس لغة الثقافة. فالتخلف الحضاري يعني حتما سقوط الثقافة وتقصيرها عن تقديم حل ملموس لأزمات الواقع الفاسد. ومهما كان الأمر عملت الحداثة على تخطي صيغة الواقع الراهن بنقطتين.

الأولى ليبرالية وتضع الأساس لتصورات عن مجتمع متعدد الأقطاب ومتدرج.

الثانية سائلة وتركز على وظائف الأدوات وليس على تسميتها وتعريفها. وذلك لمصلحة هوية كوزموبوليتانية وهجينة. وهو ما يدخل في نطاق دراسات ما بعد الكولونيالية، ويغلب على هذا السيناريو (بتعبير مانيشا شاه - من الهند) الامتثال لمتطلبات العولمة وتعدد الثقافات أو بتعبير مباشر عبور الخطاب للحدود التي تضعها الأمة وثقافتها(3). والهدف الجوهري لمثل هذا الاتجاه هو دمج الأقليات بالدولة (والمثال على ذلك الأمازيغ والسريان والأكراد). وما نسجله من اضطرابات مؤخرا تهدد سلامة مؤسسات الدولة في منطقة الربيع العربي نتيجة مباشرة لفشل ترجمة هذا الخطاب. وإذا علمنا أنه كان للمثقفين نصيب في حرب لبنان الأهلية (شارك سعدي يوسف ومحمود درويش وأمجد ناصر وإلياس خوري وسليم بركات فعليا بحرب المخيمات)، وهم من تبعيات وطنية مختلفة تشمل سوريا وفلسطين والعراق ولبنان، نكون أمام أول دليل على خلل اجتماعي بمفهوم الهوية، وعلى عدم الاتفاق على معنى واحد لحدود المواطنة. ناهيك عن غموض الشخصية العربي وعدم تبلور ولاءاته. وإن كان الإجماع ينصب على حماية الفلسطينيين المهجرين أصلا من بلادهم، أصبحت المشكلة هي بالاتفاق على تكتيك استراتيجي لإزالة السبب: وهو الوضع المقلق حول أراضي 1948 وأراضي 1967. وكان الأجدى بالوطنيين العرب واليسار الدولي أن يحلوا جذور المشكلة وليس تفريعاتها. وهو ما يعكس الموقف التبريري وأمراض الحداثة السائلة. لقد تحولت حروب تحرير الوعي إلى مجموعة من الفتن الاقليمية، وبرعاية من النظام العالمي الجديد. وما يدعو للسخرية أن نسمع أن تحرير فلسطين يجب أن يمر من إسقاط بعض الأنظمة العربية. وسبق أن سمعنا بدعوات مماثلة في الثمانينات حينما اختلف المثقفون العرب على كامب دافيد، ثم المثقفون الفلسطينيون على اتفاقات أوسلو، وحاليا نشهد صراعا داميا على جدوى الربيع العربي دون أي اتفاق على أجندا لما بعد غبار المعركة. و الاتكال على الديمقراطية الغربية لا يبدو بمكانه.

أولا لأن الغرب لم يسعف المجتمعات المحلية بتجاوز محنتها بعد التغيير.

وثانيا لعدم وجود ضمانات بسلامة المقترعين. والحقيقة أن كل المعنيين بالتغيير هم عرضة للمحاسبة على يد الميليشيات المحلية التي تتحكم بمصائرهم والتي تمر بمرحلة تحفز وليس تفكيك واندماج.

ولتحديد محاور هذه الإشكالية تقدم الباحثة وصفا لأهم أشكال السلطة (على أساس دولي - وليس عربي تحديدا) وتحصرها في ثلاثة وهي: الثيوقراطية، والليبرالية الديمقراطية، والشمولية. ص 32 - 35. ومن المؤكد أنها متابعة علمية ولكن يصعب عدم التعرف على تفريعات لها. وبالأخص في العالم الثالث، حيث تتجاور المجتمعات، وتتحول الدولة لمجموعة جيوب متداخلة ضمن إطار شمولي غائب عن الوعي وبحالة تخدير، وتغلب عليه النزعات التبريرية ومصالح بعض الفئات. ناهيك عن وجود مجتمعات خارج القانون والرقابة، وتعيش بشكل غيتوات (عشائر وعوائل - وشبكات مافيا في الدول العربية التي تعتمد على السياحة). وهنا يتطور نظام عنكبوتي لا خطي يتحكم بمفاصل حساسة في بعض المواسم. ويمكن أن تقول نفس الشيء عن الأعياد وبعض العطل الدينية أو الوطنية (مثل الاحتفال بعيد القائد المؤسس أو عيد المولد النبوي ومستهل التقويم القمري - يعتمد على حادثة رمزية وهي هجرة الرسول من مكة إلى يثرب وما رافقها من أساطير وخرافات تسعد أوجاع شريحة شعبية مقهورة وخاضعة لوعد مؤجل بالعدل الإلهي). ومثل هذه المناسبات بالأصل غير مدعومة من السلطات، ولها مفاتيحها ضمن هرم النظام، ويشرف عليها منتفعون لا يشتركون بقرار سيادي على الإطلاق، ولكن لهم وظيفة تشبه دور أي شرطي في أي مخفر على الحدود. والحدود بهذا المعنى ليست سياسية ولكن إيديولوجية وتقسم المجتمع من الداخل وترسم صدوعا عميقة تدل على ضعف بنية التخلف أو على بنية تابع لمتبوع (وحتى لا نتورط بتحسسات معينة أشير لأزمة النمور الآسيوية المعروفة - وتاليا لمشكلة الإقتصاد الإسلامي في طور ما بعد الحداثة أو طور تزوير الصعود القومي الإقليمي بغلاف ديني ساذج وتبريري).

وكنت أتمنى لو تدعم الباحثة هذا الفصل بإضافات عن الواقع المشوه لما قبل السقوط، وعن تشرذم السلطة في واقع ما بعد السقوط، ودور الولاء للسياسات الإقليمية ضمن غشاء مطاطي لحدود بلاستيكية. وتوجد عدة أعمال رؤيوية تناولت هذا الواقع المؤسف ومنها (القلادة) لحميد العقابي و(مكان اسمه كميت) لنجم والي. ولا أنسى (ملوك الرمال) لعلي بدر. وكل هذه النماذج نظرت للسلطة وهي تتخبط في شبكة من الادعاءات المزيفة عن تاريخ اجتماعي ليس له وجود، وللتغطية على حقائق تاريخية سوف تتسبب للدولة بأزمة حادة تقودها لتزوير وعيها المعرفي والسياسي. وكانت هذه النماذج تؤكد على إفلاس النظام وتجريف السلطة للمجتمع، وتحويله من دولة مستقلة إلى دويلات. وقد سبق للمصري جمال الغيطاني أن نبه لهذه المشكلة في قصص متسلسلة نشرها في الثمانينات بعنوان (ذكر ما جرى)، وأعاد تناول المشكلة لاحقا بعنوان (حكايا المؤسسة)، وأشار بما لا يترك مجالا للشك أن المؤسسة أصبحت عبارة عن حجرات تفصل بينها جدران وأبواب. ولكل حجرة عقل مدبر. والعامل المشترك المتبقي هو المصعد وحاجب المصعد. وكلاهما تحول لمعبر - أو جهاز توصيل ورقابة. وربما تقاطع بهذه الرؤية مع “ذئب البوادي) لهيرمان هيسة، فقد نظر لألمانيا النازية كما لو أنها متاهة متشعبة كل سرداب فيها يعبر عن نموذج منفصل عن ذاته. ورأى أن إدارة الذات بهذه الطريقة عرض المجتمع لرهاب خصاء وتعطيل. وأهم ما يلفت الانتباه هو طريقة ربط الغيطاني وهيسة للشخصيات مع المكان. في حالة الغيطاني يتكامل المصعد مع الحاجب أو الدولة مع رمزها الوحيد. ولكن في حالة هيسة يوزع البطل ذاته على عدة شخصيات وعدة أمكنة، لكل منها صوت يعبر عن نموذج من اتجاهات الضياع والتشرذم قبل الوصول لذروة التراجيديا وهو دفن الروح والإبقاء على الأعراض المادية للمجتمع النازي.

ومن هذه النقطة يبدأ موضوع الكتاب الأساسي، وهو علاقة المثقف بالسلطة، وتراوح ذلك بين التبعية المطلقة والمعارضة المطلقة. ولكن طرأت مراحل تطور خلالها المفهوم من خضوع المثقف للسلطة الدينية حتى بلغ مرتبة مستقلة عن جميع السلطات. وتعتقد الباحثة أن أول مؤشر لهذا المنعطف التنويري الهام هو قضية درايفوس الضابط اليهودي، ودفاع زولا عنه بمقالة معروفة نشرها تحت عنوان “إني اتهم” ص40.

و ربما يجدر بنا في هذا السياق الإشارة لغموض معنى المثقف في المجتمع الإغريقي ولاحقا في بدايات الدولة الإسلامية وحتى سقوط العثمانيين. فالإغريق وضعوا الثقافة تحت بند الفلسفة. والفيلسوف بالنسبة إليهم هو العقل المنوط به مهام التفكير وتلقين المعرفة. ويمكن أن تجد مثل هذه الحالة في عصر التنوير في أوروبا، فقد كان الفيسلوف مفكرا وعالما، مثل ديكارت كان عالما بالميكانيك والرياضيات. وغاليلو كان عالما بالفلك والرياضيات. ودافنشي (من عصر النهضة) كان فنانا ومهندس ميكانيك وخبير متفجرات وفيزيائيا. وينفرد المثقف في فجر الإسلام بدور مزدوج: تربوي ومهني. ولا يوجد فصل في الإسلام بين العلوم الشرعية والعملية. ولذلك صنف المجتمع في واحد من اثنين: 1-عالم (مؤمن يفهم بأصول الدين - والدين هو الشريعة التي تشمل بعطفها ورعايتها كل ما عداها من أمور دنيوية أيضا - ومنها الطبابة والانتاج الزراعي والصناعي). بتعبير آخر لا يوجد شيء خارج المشيئة الإلهية التي ندرسها عن طريق التشريعات والفقه. 2- جاهل (وهو اللاديني).

ومثل هذه الحالة الخاصة صعبت شروط الحياة على المثقف، ووضعته تحت رحمة السلطة الزمانية والروحية للحاكم. ونظرا لظروف التخلف، والعناد الثقافي التي تتميز به الطبقة المتوسطة الناقمة على ضعف مكاسبها في الوضع السياسي الحالي، استمر التفكير الميتافيزيائي جنبا إلى جنب مع الحلول غير الواقعية ولا التاريخية. وبرر هذا الاتجاه بعض الأفكار المعروفة باسم الباراسايكولوجي والتي تهتم بالخوارق أو بالهامش الضيق من الاستثناءات التي لا يخلو منها بنك معلومات. وتحول الخيال العلمي لحل وسطي ناجع وتبريري، يختار الإبرة من وسط كومة التراب، وينسى كل ما حولها.

وأكثر ما يدهشني بهذا السياق هجوم أنصاف المحافظين على الشعر النثري بحجة أن النص إما يكون شعرا أو نثرا (وكأنهم يتبعون مبدأ الثالث المرفوع). وتناسوا المشكلة الحقيقية التي ينطوي عليها الخيال العلمي، وهو أنه مثل جزء هام من ثقافة الوحي، له دور رمزي وتجسيدي، ولا يعنى بالحقيقة المباشرة والمجردة فعلا.

الإحراج الآخر الذي واجه المثقف العربي كان في محور المقاومة. فقد وقع هذا المحور تحت سلطة الأمر الواقع، واختار مماشاة السلطات العربية - لتنادي بمبدأ التحرير. ويوجد هنا أكثر من التباس واحد، وبالأخص إذا نظرت لواقع الشرق الأوسط بمنظار شامل. فشعار تحرير فلسطين تبدل بعد أوسلو. بمعنى أن الخطاب انتقل من مبدأ المقاومة السملحة لمبدأ حوار الطرشان، وهو ما يؤكد عليه إبراهيم الحصري في دراسته الأخيرة عن عدم جدوى الحوار في ظل دولة محتلة (4). وبهذا الاتجاه ينظر للنشيد الوطني الإسرائيلي الذي يشجع على تجاهل الآخر الفلسطيني، مع أنه شريك بالحوار المتخيل عن مستقبل يخلو من الصراع والمعارك. ويسأل نفسه ما جدوى الحوار مع طرف لا يتكلم إلا مع نفسه، وينشر ثقافة الكراهية لدرجة تنظيف الآخر - تطهير أرض الميعاد منه؟؟!. والإصرار على النظر لغير اليهود أنهم أغيار يبذر بذور سياسة اللون الواحد، ويبرر منطق مؤسف تماما وهو انتقام الضحية من ضحية مثلها.

وتغتنم الباحثة هذا السياق لتستعرض أطروحات متعارضة عن موقف المثقف العربي من أنظمته، وتجملها في خاتمة موجزة باتجاهين.

الأول متطرف إما يقبل سلطة الساتقلال على علاتها، أو يشكك بها ويجردها من المشروعية تماما. والثاني توفيقي ويدعو لسن القوانين المحددة للعلاقة بين الطرفين. ص55. غير أنها لا تشير ولو بكلمة واحدة لموضع المثقف، هل نشاطه من الخارج أو من وراء جدار حماية؟. فبعض المثقفين لديهم حصانة لعدة أسباب، منها الصداقات وعلاقات القرابة. أم أن نشاطه من داخل ميدان المعركة ومن وراء القضبان؟.

كذلك لم تتوقف عند أوهام السلطة وأوهام المثقف. فالخطاب يتطور عند الاثنين في كثير من الحالات بمعزل عن الواقع السياسي والاجتماعي. وأحيانا تعلن السلطة عن أجندا تعلم سلفا أنها فوق إمكانياتها (مثل تحرير فلسطين - أو تحقيق مبدأ الوحدة العربية الشاملة). وبالمقابل يضع المثقف نفسه في بالونات منفوخة بالهواء حينما يتكلم عن تحديث المؤسسة، أو حينما يتباهى بالتصدي لأمريكا وأوروبا الغربية (نصف الشرقية أصبحت تأمل بالعبور للغرب - تذكر أزمة أوكرانيا عام 2022 مع روسيا. وأزمة تايوان بنفس الوقت مع الصين). أو حين ينادي بديمقراطية دستورية. ولكن مع تطبيق الشريعة.

و حتى الأعمى يستطيع أن يلاحظ أن الديمقراطية مبدأ إغريقي غربي طوره غرب العالم ليضمن العدالة والمساواة قدر الإمكان لأفراد يرعاهم النظام النفعي الاستعماري. لكنه لا يتأقلم مع نظام الشورى الانتقائي. ولا يغيب عن ذهن أحد أن نشوء الدولة الإسلامية كان مبنيا على التلويح بالسيف في اجتماع طارئ حضره مثقفون - ووجهاء لا يزيد عددهم على أصابع اليدين، ويشتركون بعامل (النسب والشرف) أو عامل ارستقراطية العصبية والدم (كما يقول الباحث الإسلامي ماجد الغرباوي). ويذهب سيد القمني لما هو أبعد من ذلك حينما يعتقد أن الاجتماع كان مخصصا لمحاصرة الحزب الهاشمي وإضعافه، ولتصفية حسابات بين الهاشميين (ربع قريش) وبني عبد شمس (حلفاء بني عبد الدار وقبيلة الأوس في يثرب وذرية نوفل من ورائهم). ص90.(5).

***

وبالعودة للعلاقة المباشرة بين الثقافة والسلطة، تؤكد الباحثة أن الحكم العثماني شجع على الثقافة الدينية وأعفاها من رقابته الصارمة، بينما خنق التفكير الليبرالي في مضمار المجتمع والسياسة. ولهذا السبب لم يدخل العراق في مرحلة تحديث العقل الوطني إلا بعد تلاشي كابوس العثمانيين. وإن كانت الباحثة ترى مع عناد الكبيسي أن عزلة العراق كانت ترعاها عوامل جغرافية (بسبب وجوده بين فكي كماشة - الأتراك وإيران)، وعوامل اجتماعية (نظام الحياة العشائري والبدوي) ص125. وبدخول الاحتلال الإنكليزي وما رافقه من نهب وتخريب لرموز السلطات السابقة ظهرت الطبقة الوسطى وانحسر احتكار الكتاتيب الدينية للثقافة، وجرى الانتقال لمرحلة من الإصلاحات “الباردة والشكلية” ص125. غير أنها كانت كافية للاطلاع على مدارس التفكير الحديثة (الروسية التي ترى أن الثقافة بخدمة الحياة، والغربية التي تعتقد أن الثقافة نظام قائم بحد ذاته ولا يخدم إلا نفسه). وبنتيجة هذا السجال سقطت الحواجز بين الموظف والضابط والمثقف، وأصبح الثلاثة من رواد المقاهي وقراء الصحف. ص139. لكن هذا لا يعفينا من ملاحظة فارق هام، أن المثقف كاتب والموظف والعسكري قارئ.

و إن تداخلت الصفات أحيانا، هذا لا يعفينا من ملاحظة أهم، أن الثقافة كانت أحيانا بنظر الإدارة تهمة تصل لدرجة الجناية والتخوين وتقود لحبل المشنقة، كما فعل الأتراك برموز الثقافة العربية. و مهما كان الأمر ساعد انتشار الليبرالية الغربية على توسيع حصة المثاقفة، وفتح الأبواب المغلقة على العقل الصناعي الحديث، وتعميق الجانب الرؤيوي على حساب الجانب الانطباعي أو التعبيري، ولا سيما في الشعر.. ديوان العرب. وفي خاتمة المطاف ظهرت ثلاثة أنماط من المثقفين هم: المثقف العضوي، والتقني، والثوري. أو مثقف غرامشي وسارتر وفانون. ص141. وهم جميعا فئة متجانسة منسلخة عن طبقتها الاجتماعية. بتعبير آخر لم تلعب الأصول الطبقية أي دور حيوي في تحديد اتجاه هذا الفرز. ولسبب بسيط، أن التعليم تكفل بإلغاء العواطف الاجتماعية المسبقة، وقرب بين العواطف المكتسبة. ص142. وبتعبير آخر تكفلت التربية الحديثة بتشكيل فئة من المتعلمين، بعضهم كان مؤهلا لحمل وظيفة تبشيرية تأخذ على عاتقها هم وظيفة اجتماعية وسياسية (أو معرفية)، ولكن خارج البنية الطبقية المعقدة لدولة المدينة ودولة القبيلة (تستعير الباحثة من حنا بطاطو اسم اتحاد القبيلة). ص 143. وإذا تعهدت هذه البنيات الإدارية بتقسيم المجتمع فقد تعهد المثقفون بتوحيده وترميم الفراغات والجيوب العازلة. وقد مهدت الثقافة لتشكيل كتلة وطنية اندمج بها أبناء كبار الموظفين مع أبناء التجار. ص148 أو ما يسميه إيليا حريق باسم الذوات ص151. وقد حل محلهم في نهاية العهد الملكي أبناء الطبقة المتوسطة وأهل الكفاية. ص151. وكان منهم نوري السعيد الذي قالت عنه المسز بيل: إنه شخصية لها قوة طاغية (بمعنى كاريزما). ص159.

عموما كان صراع الثقافات تعبيرا مشروعا عن صراع بين الأجيال، ولذلك لعبت السياسة دورا في شهرة الجواهري والرصافي والزهاوي، بينما لعبت الرؤية الفنية دورا في شهرة السياب والبياتي. وعلى الأغلب بقي الشعر بعيدا عن الشارع، ومحصورا بفئة من أفراد المجتمع. ودور الشعر الكلاسيكي في التعبئة لا يأتي من سهولته أو مباشرته، وإنما من القافية والبحور المألوفة. بتعبير آخر كان الإيقاع هو الذي يغلب وليس الصور ولا التراكيب.

ولايغيب عن الذهن في هذا السياق دور الاحتلال الإنكليزي بتعويم فكرة العروبة للحد من العاطفة الدينية وإلغاء آخر بؤرة للعثمانيين. وكما أنه لأي حكومة أجنبية دور تخريبي بخصوص الهوية الوطنية، فهي تشجع أيضا على بروز الشخصيات والرموز المحلية. ومن حيث لا تدري تساعد على تسريب فكر الحداثة - إلغاء السابق والتعجيل باللاحق. وهذا بالضبط ما فعلته حملة نابليون على مصر. وأصلا إن هبوب رياح الليبرالية والديمقراطية على العراق كان نتيجة مباشرة للانتداب. ومثله تسهيل دخول نشاط المجتمع المدني في سوريا في ظل الاحتلال الفرنسي. وإن اعتبرنا أن نشوء الأنواع الفنية الحديثة هو المعيار، نلاحظ أن الدراما لم تظهر في المشرق العربي إلا بعد اتفاقية سايكس بيكو والانفتاح على الغرب. ورافق ذلك حركة إصلاح نادت بتحرير المرأة وخروجها من المطبخ للحياة العامة والصالونات. وأعقبها ظاهرتان.

الأولى هي بداية انتشار فكرة لقاء الحضارات وتجريم أخلاق الغرب.

الثانية هي زيادة مساحة البنية التحتية مثل المدارس والمحاكم والأبنية الكولونيالية ووسائل المواصلات الآلية. وقد خدمت هذه المكاسب الجانب الريؤوي، لذلك غلب المجاز على النتاج الثقافي، وانتهى عصر الخطابة، ودخلنا بعصر القراءة. وهو ما مهد لتأسيس خطاب ذاتي يحاور نفسه دراميا. وتجد ذلك في أي صفحة من صفحات رواية “زينب” لهيكل أو “نهم” لشكيب الجابري. ويصدق ذات الكلام على رواية “كتاب خالد” لأمين الريحاني. فقد كانت تشبه مونولوجا فلسفيا طويلا يفكر به الكاتب بصوت مسموع، ويعلن عن ولادة إنسان غريب عن نفسه وعن طبيعته، ويعاني من التمزق ومن آلام المخاض.

ولكن لمن ينتمي هذا النموذج؟. يصعب أن تجد إجابة جازمة كما تقول الباحثة الجورجية نينو سورمافا (6). ولا سيما في ظل هوية ممزقة تدين بالولاء لأرض تحت ظل الاحتلال، ولثقافة غير كاملة وتخضع لتصورات ونزاعات لم يحسمها أحد. وأول دليل على غموض المعايير أن الحزب الحر العراقي تأسس بإيعاز من المندوب السامي البريطاني، برئاسة محمود النقيب الذي جعل همه تأييد سلطة الانتداب. ولم يضم حزبه غير نخبة من أبناء العشائر الذين انتسبوا له بالإكراه. ص265. وللأسف سقط في هذا الفخ كبار المثقفين الكلاسيكيين أمثال الشاعر الزهاوي بحجة دعم سياسة الإصلاح. وغني عن الذكر أن الإصلاح سيكون لخدمة مصالح الاحتلال، وليس لنهضة المجتمع أو الوطن العراقي. وبضوء هذه الحقيقة تكون تركيا قد كسبت معركتها ضد التخلف والعراق خسر معركته في بناء هوية وطنية. ولا يوجد أي شك بهذه النتيجة، فدخول بريطانيا للعراق وضع حدا لولادة الدولة العربية التي وعد مكماهون الشريف حسين بها. وإذا نجا محمود أحمد السيد من هذه اللعبة فذلك بفضل عدم تورطه بالتجاذبات ومراكز القوى، وبوضع حاجز بينه وبينم ثقافة المحتل. وكما تقول الباحثة كان خطه يمثل مقاومة فنية وتاريخية استفادت من رموز الثقافة الروسية المناهضة للإنكليز والأتراك، ومن أفضل ما وصل له الفكر الفرنسي (ممثلا بزولا رمز الثقافة الطبيعية). ص 269. وقاد هذا التوجه لنشوء حلقات الأفكار الجديدة التي تخللها أطياف ماركسية. وتوسعت لاحقا بجهود محمد سليم فتاح ومصطفى علي وعلي عوني وبكر صدقي وعبدالله جادو. ص 269 وكان لسان حال هذه الزمرة من الطليعة المثقفة جريدة “الصحيفة” التي كافحت في سبيل البقاء لعامين (1924 - 25) وعدة أسابيع من عام 1927. ومن بين موضعاتها الأساسية: الحرية والمرأة والتنوير. وبعد إجبارها على الصمت تحولت إلى تجمع صالونات باسم نادي “التضامن”. وأصبح لها نشاط سياسي. ص 269. و تابعت هذه المسيرة جماعة “الأهالي” وكانت تجمعا للطلبة. وذلك بقيادة حسين جميل العائد من سوريا عام 1931 والحامل لشهادة بالقانون (الحقوق بالمصطلح الدارج في سوريا - الفرانكوفونية).ص 270.

وأستطيع أن ألاحظ بصمات أصابع الفرانكوفونية بهذا الخصوص. فثورات الطلاب في باريس كانت موجودة حتى في أحداث تيانامين سكوير - ساحة تيان مين - وكانت مؤشرا على انفتاح الصين على مجتمعاتها في الداخل وعلى نشاط السوق في الخارج. وبنتيجة ذلك ارتفع متوسط دخل الفرد من 100 دولار إلى ما يعادل 1000 دولار.

وتنهي رهبة الأسودي بحثها بالملاحظات التالية.

1- استسلام المثقفين للعسكر.

2- انقسام المجتمع لفئة موالية للسلطة تحصر همها بالوصول لمناصب رفيعة. وفئة ساخطة تنادي بالإصلاح الاجتماعي لعدم إمكانية المطالبة بإصلاح النظام.

3- فشل الإصلاحيين بسبب عدم تجاوب عامة الشعب معهم ولعدم نضجهم الفكري ولا سيما أنهم خرجوا للتو من المعطف العثماني. ص 385. ومن الطبيعي أن فشل الانفتاح والتثوير المحدود والمشروط في العراق لا يعني بالضورة فشله في تركيا. وصعود حركات التنمية تحت ظل المحافظين الجدد من تجار السنة المتأسلمين في تركيا دليل أن مكانهم محدود بهضبة الأناضول وبعض الامتدادات الضيقة. وهذا لا يختلف عن علاقة بريطانيا بأمريكا. فالجمهورية الديمقراطية انسجمت مع الملكية الدستورية لأسباب تاريخية منها الحروب الأهلية التي تمخضت بالنتيجة عن انتصار البروتستانت الأنغلو ساكسون واستقرار السلطة بين أيديهم.

4- غياب المثقف الخبير (التكنوقراط) واقتصار النشاط على المثقف الوطني والقومي. وتغليب الجانب السياسي على النواحي المهنية والفنية.

5- لم تكن العلاقة ثابتة و مرت بمراحل هي: تعددية 1921 - 1933. نهضة مضطربة 1933 - 1946. راديكالية 1946 - 1958 و من بين أهم وجوه المرحلة الأخيرة السياب وغائب طعمة فرمان.

6- والأسوأ عدم توفر خطة واضحة ومنهجية لما بعد التغيير.

وأعتقد أن التاريخ يكرر نفسه. فبعد السقوط عام 2003 دخلت الجماعات الانقلابية بنزاعات فيما بينها ومهدت الطريق لعدة دول - ميلشيات - كومونات - داخل إطار دولة واحدة جامعة. وكانت المناصب فيها محدودة بتأثيرها ضمن حدود نطاقها الحيوي على غرار ما جرى في لبنان وما يجري في سوريا في الوقت الراهن والذي أخذ عدة مسميات أبرزها اسم الدولة المفيدة، وهي بقايا يمكن للنظام أن يتحرك فيها بموجب أعراف ومواثيق غير مكتوبة.

 

.......................

هوامش:

1- المثقف والسلطة في العراق 1921 - 1958: دراسة اجتماعية سياسية. رهبة أسودي حسين. ط1 - 2013. بغداد. دار الشؤون الثقافية العامة. 416 ص. و أرقام الصفحات تشير لهذه الطبعة إلا إذا ورد غير ذلك.

2- أصول الرواية، مارثا روبير.

3-

cultural Hybridity: A Postcolonial Concept. Dr. Manisha Shah. IJELLH. V4. Issue 12. 2016.

4-

The myth ofdialogue under occupation: Plestine as a case in point. Ibrahim A. El-Hussari.

Lebanese American University. Beirut, Lebanon. personal communication.

5- الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية. مدبولي الصغير. القاهرة. 1996.

6-

Mahjar literature and conceptualization of East and West. Nino Surmava. Georgia, Tbilisi. Ivane Javakhishvili Tbilisi State University. personal communication.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5640 المصادف: 2022-02-13 03:08:15


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5774 المصادف: الاثنين 27 - 06 - 2022م