قراءة في كتاب

نابي بوعلي: مقدمة كتاب: العنف بين النقد والتبرير للدكتور علي رسول الربيعي

العنف بين النقد والتبرير

تأليف: الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

تقديم: الدّكتور نابي بوعلي

***

تقديم: يشهد التاريخ أن ظاهرة العنف رافقت الإنسان منذ وجوده الأول، وظل العنف بأشكاله المختلفة حقيقة وجودية ملازمة للإنسان، ولذلك يبرز الانشغال المعرفي بمقتضى سؤال العنف. يواجه العالم اليوم عنفا غير مسبوق في التاريخ، حيث تدشن البشرية ألفية موسومة بالتأزم الشديد، وهذا يتطلب أن لا يعتمد تفكيرنا في أسباب ونتائج هذا العنف على تراث من تقاليد سياسية ومقولات أخلاقية فقط. وبعد كسر تلك التقاليد والمقولات لم يعد لدينا نقاط ثابتة نتكئ عليها، ومن هنا نُجبر على افتتاح طرق جديدة ومفاهيم مختلفة للتفكير. أصبح العنف أعظم بلاء مهيمنا اليوم، فهو يتزايد ويتخذ من المراوغة أوجها معقدة ومتعددة ويتخفى ليتفجر بين الناس بطرق غير متوقعة، ويكشف عن درجات الصراع، وغالبًا ما يتفجر عندما تصل حرارة الصراع إلى درجة معينة. فيؤدي المستوى العالي من الصراع إلى مستوى عالي من العنف في معظم الأحيان. يمتلك العنف ديناميكية خاصة، أي له قوته وفعاليته ومحركاته الذاتية، وبالتالي فإن تحول الصراع إلى عنف يُعد في حد ذاته تغييرا في طور ودور ودرجة الصراع.هناك افتراضات تكمن خلف أي تحليل للعنف دائما، افتراضات حول ماالعنف؟ما مظاهره؟ ما محركات الفعل البشري، وكيف ندرسه، وحول المصالح والحاجات والغرائز والبُنى والاختيارات التي تفسر لماذا وكيف يلجأ الناس إلى العنف؟

تدعو مثل هذه التساؤلات إلى الحديث عن العنف المشروع في مقابل العنف غير المشروع. وبشكل عام، العنف البشري ضد العقل لافتقاره إلى الشرعية إلا في حالات العنف المضاد التي يضطر فيها شخص ما للدفاع عن نفسه، وهذا أحد أشكال العنف. ومما لا شك فيه أن البشر لا يستعملون العنف فحسب بل يحاولون أيضا شرعنته؛ إن لم يكن تماما، فعلى الأقل جزئيا. فلا يمكن إضفاء الشرعية على أي شيء بطريقة كاملة. وإذا حاول المرء مع ذلك ترشيد هذا العنف، فسوف ينشأ شكلا جديدا من أشكال العنف يستخدم باسم العقل وينجم عن نوع من المبالغة في الشرعية. يمكننا أن نتكلم عن "العنف المزدوج"، كما نتكلم عن الحقيقة المزدوجة. خذ على سبيل المثال، الحرب العادلة، والعنف الثوري، واحتكار الدولة للعنف المشروع، أو الاستخدام الشخصي أو الخاص للعنف في حالات الدفاع عن النفس. إن مقولة العنف المشروع تثير قلقنا لأن العناصر التي تأتي معا للوهلة الأولى لا تتوافق مع بعضها ولا يزال من غير المعقول الجمع بينها، أو تبقى من اللامفكر فيه. ومحاولة "التفكير في هذا اللامفكر فيه أو ما لا يمكن تصوره"، كما وصفته حنة أرندت يجهد العقل ويضغط عليه، ولسنا متأكدين، أيضا، من ادعاء  كانط أن الأخلاق تقاوم العنف. تتعقد مسألة العنف في محاولة إضفاء الشرعية عليه. وفي مواجهة جميع أشكال هذه الحلول الزائفة، سيكون من الأفضل التعامل مع العنف على أنه سؤال مفتوح.3531 علي رسول الربيعي

وعن مسألة صراع العقل مع العنف ومحاولة عقلنة العنف، يبدأ الادعاء المحض بالعنف المشروع من طلاق كبير. وتأتي مشكلة الطلاق الكبير بين العقل والعنف من حقيقة أن العقل والعنف لا يعيشان في عوالم مختلفة. تتصادم ادعاءات الحق والعقل وآثار العنف في هذا العالم الواحد. إذا كان العقل لا يريد أن يكون صالحا وقانونيا فحسب، بل أن يبقى حيا ويدرك نفسه، فإنه لا يستطيع، أن يقيد نفسه بالقوى الناعمة الخاصة به، إن لجأ بكل قوة إلى العنف فذلك ليس من العدالة في حد ذاتها ويجب تبريره. علاوة على ذلك، فإن هذا الصراع لا يفصل عالمنا عن عالم الآخرين ولكن يمر من خلال وجود شخص ما. وبالتالي، فإن العقل، الذي يقوم بدحض العنف، يصل إلى العنف عندما يتعرض للتهديد. كونه غير قادر على تبرير العنف كعنف من أجل مصلحته، فإنه مضطر إلى تبريره في الإشارة إلى العنف الحاصل بالفعل. عندما يكون العنف مبرراً، يصبح مؤهلاً كـ "عنف مضاد".

ما أهمية أو راهنية هذه الدراسات عن العنف في عالمنا؟ ما أهمية التفكير تجاه ظاهرة العنف المتفجر في عالمنا العربي والإسلامي وما تعاني منه هذه الشعوب من تبعات هذا العنف؟ ما مظاهر العلاج والوقاية لمقاومة العنف على المستوى الثقافي، الديني، السياسي،الاقتصادي...  

يتناول هذا الكتاب ظاهرة العنف، ويحتوي مجموعة دراسات منفصلة عن بعضها البعض، أي كل دراسة تمثل وحدة قائمة بذاتها ومكرسة لمناقشة مسألة العنف من زاوية معينة، لأن دراسة العنف يمثل حقل دراسات واسعة وليس أحد فروع المعرفة. هناك اعتقاد سائد على نطاق واسع بأن العنف ظاهرة اجتماعية معقدة لا يمكن فهمها وتفسيرها إلا من خلال مقاربة متعدد التخصصات. لذلك جاءت فصول هذا الكتاب تتناول العنف من وجهة نظر تخصصات عديدة في العلوم الاجتماعية والفلسفة.

يخوض المؤلف في هذا الكتاب مغامرة في تحليل ظاهرة العنف وعلاقته بالإنسان في جانبه النفسي والمادي والرمزي، وفي تحولاته وأبعاده الفردية والجماعية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والدينية والرمزية والإيديولوجية والفلسفية، ومحاولة تفكيك أسبابه الذاتية والموضوعية، والوقوف على أشكاله ونتائجه المدمرة من غلو وتطرف وكراهية وحروب، وعلاقة ذلك بالانتماء أو الاختلاف العرقي والمذهبي والطائفي ومن منظور الأنا والآخر، والتركيز على فعل التدمير الذي نقف على آثاره الملموسة كمحتوى أساسي للعنف، وحمولة المقولات الإيديولوجية المرافقة للعنف مثل مقولة الحرب الاستباقية ضد مجهول مفترض، والحرب العادلة التي صارت ذريعة لعقاب جماعي لا يميز بين الضحايا والمذنبين. ولرسم الإطار الإشكالي لهذا الموضوع من خلال مقاربته من زوايا مختلفة وتقديم طرائق مختلفة لتطوير فهم ظاهرة العنف المعقدة، حملت فصول الكتاب العناوين التالية:3530 علي رسول الربيعي

يتناول الكاتب في الفصل الأول: العنف الجماعي،أي العنف الذي يتخذ طابعا جماعيا، وتديره جماعات تحكمها روابط مشتركة ضد جماعات أخرى تختلف عنها عرقيا أو ثقافيا أو دينيا... غالبا ما يتعذر الحوار بينها بالطرق السلمية، أو يمكن أن تمارسه دولا بطريقة ممنهجة. وقد يكون العنف محليا أو متداخلا وعابرا للحدود. ولذلك كان من الناحية المبدئية التمييز بينه وبين العنف الفردي. إلا أن أهم سمة تميز العنف الجماعي هي مشكلة الاستعصاء. وخطر تبرير العنف الجماعي وتغليفه بغطاء إيديولوجي كما هو الحال في التصدي للإرهاب وما يترتب عن ذلك من ضحايا لا علاقة لهم بالإرهاب، أو كما يحدث داخل المجتمعات التي تسلطت عليها آفة الطائفية والتي لم تقم مجموعاتها على التوافق والتعايش المشترك القائم على فقه الاختلاف واحترام الخصوصيات في إطار الوحدة. ليخلص إلى أن دحض وتفنيد مسلمات العنف الجماعي يتطلب الكثير من العمل والاجتهاد.

في الفصل الثاني الموسوم بـ"الهوية والعنف" يقوم الكاتب بكشف العلاقات البنيوية التي تحكم تشكل الهوية كحد بين الكينونة والصيرورة ضمن أنساق اجتماعية،بمعنى أن الهوية تقوم على التفاعل بين الفرد وبيئته الاجتماعية، ثم تحليل العلاقة بين الهوية والصراع الذي تغذيه هيمنة الخطاب الإقصائي خاصة في زمن العولمة التي تجتاح العالم بعنف قد يصل إلى درجة الإلغاء للهويات والخصوصيات الثقافية التي لا تتحمل التصادم مع تيار العولمة الجارف الذي يسعى إلى تنميط العالم وفق قيم الغرب الوحيدة الهدف والنمط. كما قد تنشأ وتفسر الصراعات العنيفة من وجهة النظر هذه من خلال الحاجة إلى فك التضييق عن حرية التعبير عن الهوية باعتبارها حاجة فطرية لدي الأفراد، وتقرير مصير الشعوب التي تنتهك هوياتهم من قبل المعتدين عليها. فيجد الفرد هويته المهددة هي ذاتها هوية الجماعة المحاصرة التي ينصهر فيها وينتمي إليها، ومن هنا تعتبر الهوية قوة كبيرة للتعبئة والحشد الجماهيري للقوى المشاركة في الصراعات.

في الفصل الثالث: العنف والعدالة الاجتماعية يتساءل الكاتب عن مشروعية استعمال العنف من حيث هو مطلبا وواجبا جوهريا لتعزيز جهاز العدالة، مع العلم أن العنف قبيح في جميع صوره؟ ثم يتناول الموضوع من وجهتي النظر السياسية والقانونية اللتان تبرران استعمال العنف، من حيث أنه يكون ضروريا لحفظ الأمن والنظام وفق قوانين محددة ومعروفة للجميع، ومن دون أن يكون ذلك ذريعة لبناء نظرية فلسفية تشرعن العنف وتبرر استعماله بالمطلق. يمكن التعامل مع هذا الشكل من العنف في إطار النظام القائم بدعوى الدفاع عن النظام ضد الفوضى بمقتضى ما تسمح به الشرعية وحدود القانون.

في الفصل الموالي يطرح الكاتب إشكالية تبرير العنف من الناحية الأخلاقية على اعتبار أن الأخلاق تشكل جذر العدالة، التي تضمن ـ عبر التزام أخلاقي وقانوني ـ حقوق الإنسان الأساسية في المجتمع مثل الحق في الحياة والحق في الكرامة وفي الحرية...، ومن ثم هل تبرير العنف نتيجة تدخل الدولة سيرفع من منسوب هذه الحقوق أم يعمل على تدميرها؟ ربما يكون الإنسان ضحية ماضيه نتيجة عوائق اجتماعية أو تاريخية أو نفسية ذاتية تمنعه من ممارسة حقوقه وحريته بسبب جهله، وليس بسبب عنف مسلط عليه من الخارج، وهو ما يكرس معاناته ويضاعف اغترابه في الحياة. كما يحلل الكاتب وجهات النظر المتعارضة، أي بين تلك التي تنفي تبرير العنف وبين تلك التي تقره استنادا إلى اعتبارات أخلاقية، ليؤكد في هذا الصدد على تبرير العنف في حالات محددة بوصفه علاجا ضروريا في حالة انعدام البدائل السلمية لتصحيح أخطاء أخلاقية قد تضر بمبادئ العدالة والحرية والرفاهية الإنسانية.

في الفصل الخامس: العنف الجانب المظلم من القانون يعالج الكاتب قضية ملحة تتمثل في علاقة العنف بالقانون، وهل يوجد قانون إنساني خال من استعمال العنف أم أن العنف سمة أصيلة في القانون الإنساني، وما دور القانون في كبح ظاهرة العنف والتقليل من مخاطره؟

لكن هناك مفارقة تتمثل في أن ردع العنف بالقانون يفرض على القانون الانخراط في استعمال العنف لتثبيت أركان الأمن وسلطة العدالة. والحال هذه لا بد من ضرورة التمييز بين الإكراه المشروع الذي يتطلّبه تطبيق القانون، والعنف المنفلت من أي رقابة قانونية. وهنا تبرز إشكالية أخرى أكثر حدة وهي مدى قدرة القانون على احتواء العنف حتى لا يتجاوز العنف حدوده القانونية ليعفن القانون ويفرغه من محتواه.

إن تناول الأستاذ علي  رسول الربيعي للعنف والقانون ربما يذكر القارئ بالطروحات الطريفة لدريدا،الذي نظر في العلاقة بين العنف والقانون والعدالة في سياق انتقالي في مقالة "إكراه القانون". فذهب إلى ما بعد نقد العنف من خلال كشف التأثيرات الخارجية والبنية الفوقية الإيديولوجية كما هو سائد، أي إتجه نحو تفكيك القانون بالتركيز على العلاقة الجوهرية أو الداخلية بين العنف والقانون من خلال كشف الأساس الخفي،الرمزي،الباطني،الغامض والملغز لسلطةالقانون، لاستكشاف العنف في سياق القانون والصراع السياسي. يتسم الموقف الذي تظهر به العدالة الانتقالية بوجود العنف السياسي الذي يمثل تحديا لشرعية الدولة ولسلطة صنع القرار فيها. سيواجه هذا العنف من قبل الدولة بالتأكيد برد حاسم، المطلوب أن يكون هذا الرد على العنف وأسبابه قانونيا، أي من خلال النظام القانوني للدولة. وعلى كل حال غالبا ما ينخرط هذا الرد على العنف من قبل الدولة في استعمال الإكراه المادي الفعلي المباشر للدفاع عن سلطتها. تؤدي هذه العناصر المكوًنة من العنف والرد على العنف إلى ظهور خطاب تقابل وتعارض بين الاستعمال الشرعي وغير الشرعي للإكراه. يوضح استعمال مصطلحات العنف (غير شرعي،غير قانوني) والإكراه (شرعية، قانونية) الطريقة التي يُطرح فيها العنف والقانون كظاهرتين متعارضتين ومنفصلتين. لكن، بالنسبة لدريدا، يلقي العنف الثوري ضوءأ جديداً على العلاقة بين العنف والقانون. فبدلاً من القبول بأنهما ظاهرتين منفصلتين يكشف تحليل دريدا عن أثر العنف داخل القانون نفسه.

لقد طرح ضمنا السؤال ما إذا كان العنف والقانون يمكن أن يكونا منفصلين. إنه يأخذ بنظر الاعتبار ادعاء الدولة بحق احتكار العنف والآثار المترتبة على ذلك الادعاء بالنسبة لقدرة الدولة على تبرير القرارات التي تتعلق بالحياة والموت. إن العنف ضد الدولة عندما ينجح في إطاحة النظام السياسي فإن إمكانية أن يكون شرعيا تصبح لا مفر منها بوصفه وسيلة لإنجاز هدف التحول الاجتماعي والقانوني. وعليه فإن تفكيك العلاقة بين القانون والعنف يوفر رؤى نقدية حاسمة للطريقة التي يتحدى بها العنف الدولة واستجابة الدولة أو ردها على هذا العنف.

الفصلالسادس: نقدتبريرالعنف يتناول الكاتب ظاهرة العنف من وجهة نظر مفكرين معاصرين من أمثال كارل شميت (Carl Schmitt)،والتربنيامين (Walter Benjamin)،حنّةأرنديت (Hanna Arendt)،وفرانزفانون (Franz Fanon).ليس فقط من أجل التعريف بأفكارهم ومواقفهم ودراساتهم لظاهرة العنف، وإنما من أجل صياغة نظرة تركيبية تسهم في تقديم مقاربة أصيلة ومتماسكة عن العنف.

الفصل السابع: حوارحول العنف

في هذا الحوار الذي أجراه الدكتور عبد الله بربزي بمؤسسة مؤمنون بلا حدود مع الدكتور علي رسول الربيعي تطرق المتحاوران إلى إثارة أسئلة مهمة ومتنوعة، مثل محاولة تحديد أو تقديم تعريف للعنف وعلاقته بمحيطه المفاهيمي وبالمفاهيم المجاورة مثل: الكراهيّة،الاستبعاد،الاستغلال،الاستعمار،الانتقام،القتل،العدوانيّة والتّدمير... وكيف تفسّر العلوم الإنسانيّة ظاهرة العنف؟ ثم هل العنف ظاهرة طبيعية فطرية مغروزة في الطوية البشرية أم هي نتيجة أسباب اجتماعية وسياسية وثقافية وما علاقتها بالهوية والسلطة والقانون؟ وهل يمكن تبرير العنف من وجهات نظر سياسية أو أخلاقية أو قانونية، وما دور الفلسفة ورسالتها في فضح الوجه القبيح للعنف؟

في الأخير، يمكن القول إن طموح هذه الدراسة لا تستهدف الإجابة عن كل الأسئلة التي تطرحها ظاهرة العنف، بل ستتركنا مع الكثير من التساؤلات الملحة وعلامات الاستفهام التي تفرزها هذه الظاهرة. ومع ذلك، ورغم انتشار العنف في عالمنا الذي تمزقه التناقضات والخلافات الحادة والنزاعات والحروب، يبقى حلم السلام الدائم وإمكانية التعايش بين الهويات المتباعدة، والثقافات المتنوعة التي تشكل فسيفساء العالم فرضية قائمة، ومطلبا مشروعا كل المشروعية. أم أن هذه الفرضية لا تصمد أمام الالتباس الذي يلف ظاهرة العنف التي تتفجر في أي مكان وفي أي زمان وحيثما وجد الإنسان وأوجد أسبابها، وهيأ لها المناخ المناسب والذي يتحمل مسؤوليتها وتبيعاتها الخطيرة؟

***

د. نابي بوعلي

في المثقف اليوم