قراءة في كتاب

عبدالله خيرت: قراءة في كتاب: غائب طعمه فرمان للدكتور زهير ياسين شليبه

يناقش هذا الكتاب أعمال الكاتب العراقي الراحل غائب طعمه فرمان، والكتاب في الأصل رسالة حصل بها زهير شليبة- وهو عراقي كذلك – على الدكتوراه من معهد الاستشراق العربي.

ويعود بك هذا الكتاب إلى أجواء الستينات التي انفتح فيها العالم العربي على مختلف الثافات العالمية، وقد أتاح هذا الانفتاح – الذي لم يُسبق ولم يتكرر مرة أخرى بكل أسف – حواراً مثمراً خلاقاً واختلافا في وجهات النظر، فأصبح من حق كل مبدع أن يجهر بما يؤمن به من آراء وأن يدافع عن أفكاره، وخاض كبار النقاد معارك أدبية لا يزال صداها يتردد إلى الآن. لقد كان زمناً عجيباً فتحت فيه النوافذ على كل الاتجاهات، وماج العالم العربي بحركة من النهضة الثقافية لم يسبق لها مثيل.

ولا نحتاج إلى دليل لإثبات ما نقول فقد عشنا هذه التجربة الثرية الفريدة التي لم يبعد بها الزمن كثيراً، ويكفي مثلا في مجال النشاط المسرحي ان تتجول في بعض شوارع القاهرة الجانبية لترى بقايا إعلانات عن مسرحيات كانت تقدم في هذه الفترة، وكانت الساحة تتسع لكاتب مثل براندللو الإيطالي وآرثر ميلر الأمريكي وتشيكوف الروسي.. فضلا عن إعادة عرض مسرحيات يوربيدس وشكسبير، ويذكر أبناء جيلي أن مخرجاً روسياً مرموقاً دُعى إلى مصر ليخرج مسرحية بستان الكرز لتشيكوف، وآخر يونانيا جاء ليخرج أعمال يوربيدس.. كل هذا كان يعرض في القاهرة وفي غيرها من العواصم العربية، إلى جانب عرض المسرحيات المحلية بالطبع.. ومثل هذا وأكثر منه يقال عن الكتب وحركه الترجمة ا لنشطة.

أقول هذا وأنا أقدم ذلك الكتاب عن الفنان العراقي غائب طعمه فرمان إذ أحسست أنني أقرأ كتاباً صدر في القاهرة أو في دمشق عن تلك الفترة المزدهرة ثقافياً في حياة العرب، فالمعارك الأدبية مشتعلة دائماً، والإعراض عن القديم أو المطالبة بتصفيته واختيار الصالح منه هو لغة تلك الأيام، والصدام مع جيل الرواد لا ينتهي.

وحتى قبل أن تعرف أن غائب طعمه فرمان كان يدرس في جامعة ا لقاهرة، وأنه كان يحضر بشكل دائم ندوة نجيب محفوظ في كازينو الأوبرا، وقبل أن تعرف أنه اشترك مع محمود أمين العالم في تقديم مجموعة قصص عربية .. قبل هذا ستحس أنك تستعيد التاريخ القريب للثقافة العربية الواحدة الحية بالنقاش والحوار والاختلاف.

ويبدأ الدكتور شليبة رحلته مع غائب طعمه فرمان منذ البداية فيناقش مجموعاته القصصية ا لأولى  ثم رواياته بعد نضج أدواته الفنية واتساع أفقه وشمول رؤيته كما يبدو واضحاً في الرويات بصورة خاصة.

ورغم ان الكاتب يقول إنه لا يكتب تاريخ فترة الخمسينيات والستينيات، وإنما يناقش أعمال فرمان، إلا أنه يذكر كثيراً من الأحداث التي وقعت في تلك الفترة وكان لها تأثيرها المباشر على الكتاب الشباب- الذين كانوا شبابا في تلك الأيام- ومن هذه الأحداث وقوف الأمة العربية بصلابة أمام الهجمات الاستعمارية الشرسة، ومحاربة الأحلاف التي كانت تهدف إلى تفتيت قوة الشعب العربي، ثم ذلك التقارب الشديد مع الاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية بوجه عام، وقد أدى ذلك إلى ترجمة كثيرة من الأعمال الأدبية للكتاب الروس وعلى رأسهم مكسيم جوركي- الذي تأثر به غائب طعمه فرمان في شبابه كما قال- وأغلب هؤلاء الكتاب يجنحون إلى المباشرة والهتاف والوعظ. لذلك جاءت الأعمال الأولى لفرمان وغيره من كتاب الوطن العربي مفتقرة إلى كثير من الصدق الفني.

وقد ولد فرمان عام 1927 وهو العام نفسه الذي ولد فيه يوسف إدريس، ومن اليسير أن نلاحظ تشابه آرائهما، بل تطابقها أحياناً دون أن ندعى أن احدهما تأثر بالآخر.. لأن فترة الأحلام السعيدة تلك كانت تطرح أفكاراً واحدة، وأبرز هذه الأفكار التفاؤل والتبشير بمستقبل سعيد والاهتمام بالفقراء وغمار الناس الذين سيرثون الأرض.. هكذا نجد مثلا في قصة " بيت الخنافس" لفرمان وهي من مجموعة بعنوان حصيد الرحى التي كتب بعض قصصها في القاهرة وبعضها في العراق، وتحكي القصة أزمة شاب جامعي يسكن في بيت الخنافس هذا ويريد أن يترك حجرته القذرة في هذا البيت ليبحث عن حجرة أخرى مناسبة.. والمشكلة أنه لا يملك نقوداً فلابد أن سيتدين: وهكذا:

"..إستعرضَ -في ذهنه طبعا- جميع معارفه واحداً بعد آخر، وطاف خياله بين أصحابه فرداً فردا، حتى ركن إلى شخص لاح له كأرض خضراء في صحراء حيرته، فتصوره واقفاً بجسمه الغليظ وعمامته القذرة المتهدلة الى أذنيه، والابتسامة البلهاء تكشف عن أسنان سوداء.. فهمس في نفسه بمزيد من الرأفة والابتهاج : عباس.."

وعباس هذا بائع جوال بينه وبين الطالب صداقة صميمة، وهو إنسان بالغ الطيبة رغم عمامته القذرة وأسنانه السوداء.. وقبل أن يفاتحه الشاب برغبته في الاستدانة منه يفاجأ بأن عباس يشكو له أن صاحب البيت الذي يسكن فيه ضربه لأنه لم يسدد الإيجار .. فماذا يفعل الشاب؟ إنه يقدم لعباس الدينار الوحيد الذي كان يملكه .. ويظل مقيماً في بيت الخنافس.

هكذا فعل بطل يوسف إدريس الصغير في قصة "المحفظة" الشهيرة .. إن الولد يريد أن يدخل السينما، وقد اتفق مع أحد اصدقائه على أن يتم ذلك الليلة، ويحاول أن يأخذ النقود من أمه أو أبيه ولكن عبثاً .. ليس معهم نقود .. وهو لا يصدق هذه الأكاذيب خاصة من أبيه، فهل من المعقول أن هذا الرجل الطويل العريض لا يملك نصف جنيه يعطيه له حتى لا يخجل أمام صاحبه؟ ويمتد به السهر حتى ينام من في البيت جميعا، ثم تسيطر عليه فكرة ان يعرف مدى صدق أبيه في أنه لا يملك نقوداً، وبهدوء يستل المحفظة من جيبه ويبعثر ما فيها وإذا كان ما يعثر عليه ورقة مهترئة من فئة القروش العشرة.. ويبدو له أباه رجلا مسكينا ضعيفا، وكان من عادة اخته الصغيرة أن تستيقظ في الليل وتطلب ماء لتشرب، وكان هو يسمعها ويتجاهل صراخها حتى يقوم أبوه فيسقيها. أما في هذه الليلة فقد نهض قبل أن يقوم أبوه وقدم لها الماء.

ولن نسأل من الذي جاءته هذه الفكرة أولا ، ومن الذي جسد ذلك الموقف الانساني في البداية؟ لان تلك الأيم السعيدة كانت تسمح بتلك الاحلام المجنحة وكانت كما قلنا تبشر بالمستقبل السعيد القادم.

ومن غير المقبول ان نحاسب كتاب هذه الفترة حسابا عسيراً بعد ان تكشفت لنا الحقائق، وعرفنا أن هذا كله كان وهماً ؛ فهم ونحن معهم لم نكن ندرك ما سيحدث .. كانت أياماً مليئة بالترقب السعيد والثقة في المستقبل، وفي طول العالم العربي وعرضه تهدر أصوات الزعماء الأبطال. وتموج المدن بالهتافات الثورية. فمن يستطيع أن ينكر هذا ؟

ومع أن المؤلف أعطى غائب طعمه فرمان حقه حين تحدث عن رواياته إلا أنه أخذ يكيل التهم للقصص القصيرة التي كتبها فرمان في مرحلة الشباب وفي الفترة التي نعرفها جميعاً.. فهو يسخر منه قائلاً " ولابد للكاتب ان يزيد عن فداحة الأمر بطريقة مفتعلة وحماسية" أو يقول "لم يستطع القاص ربط احداث قصصه وتطويرها لكي تبدو طبيعية، بسبب تدخله في مجرى الأحداث كما يحلو له وحسب أهوائه ومزاجه السياسي وفهمه للظواهر الاجتماعية.."

وكيف يمكن ان يتم ذلك وقد كنا نعيش في زمن يرى ان مكسيم جوركي بطريقته المباشرة وبوعظه وتدخله لعرقلة الأحداث هو أعظم أدباء العالم؟ لقد احتجنا إلى زمن طويل حتى نرى هذا الكاتب في حجمه الطبيعي وهو حجم صغير.

على كل حال.. أهمية هذا الكتاب الذي لم نوفه حقه أنه يعيدنا إلى الزمن الجميل بقضاياه ومعاركه وأحلامه وأوهامه.

***

عبدالله خيرت - كاتب مصري

..................

* المقال منشور سابقا في مجلة إبداع المصرية، العدد الرابع، نيسان/أبريل 1998 القاهره

في المثقف اليوم