قراءات نقدية

أمل دنقل والبكاء بين يدي زرقاء اليمامه

jafar almuhajirحزيران له وقع ثقيل ومؤلم في نفوس العرب ففيه حدثت هزيمتان كبيرتان عميقتان تركت آثارهما السيئة على بلدين مهمين هما مصر والعراق، وكشفتا هشاشة النظام العربي ومدى تغلغل الفساد حتى العظم في مؤسسته العسكرية. ففي الخامس من حزيران عام 1967م حدث العدوان الصهيوني على مصروأدى إلى احتلال أراض واسعة من ثلاث دول هي سيناء المصرية والضفة الغربية الأردنية وهضبة الجولان السورية وسميت تلك الهزيمة بحرب الأيام السته. والهزيمة الثانية هي الغزو الداعشي للعراق الذي أدى إلى احتلال نينوى والأنبار وتكريت ومناطق أخرى في ديالى تقدر بنصف مساحة العراق خلال أيام. وقد انتجت هاتان الهزيمتان الخطيرتان تداعيات رهيبة دفع ثمنهما الباهض شعبا البلدين وما زالت الإنعكاسات السلبية لهما ماثلتين للعيان حيث أخرجت الهزيمة الأولى أكبر دولة عربية من الصراع العربي الصهيوني ووضعت القضية الفسطينية في آخر قائمة إهتمامات الأنظمة العربية بعد أن كاد الصهاينة يجهزون عليها تماما. والهزيمة الثانية مازالت مستمرة وتفتح يوميا جراحا عميقة في جسد العراق حيث تعيث داعش فسادا في أراضيه فتقتل وتحرق وتدمر وتهجر وتسبي رغم (التحالف الدولي) الذي أثبت إنه تحالف إستعراضي دعائي.

والأحداث الجسام مهما تقادم عليها الزمن لكنها تبقى حية في ذاكرة الشعوب. وينقلها الجيل الذي عاصرها وعاش دقائقها إلى الأجيال التي تليه لتكون منطلقا لدراستها، ووضع الحلول لمواجهتها وتجاوز آثارها، ووضع الحكام وجها لوجه أمام مسؤولياتهم من قبل شعوبهم.

وحين تصاب المؤسسة العسكرية التي تمثل قلب الوطن بالفساد، وينام النواطير نوما عميقا هانئا تاركين الوطن خلف ظهورهم،ويغيب ذلك الفساد عن ذهن الحاكم، ويعتقد إن مؤسسته العسكرية قادرة على صد أي عدوان يقع على الوطن من خلال التقارير المضللة التي يتلقاها من قادة المؤسسة العسكرية حينذاك تحل الكارثة. ويصبح الوطن لقمة سائغة للعدو المتربص به. وهذا ماحدث في الخامس من حزيران عام 1967م في مصر. تلك الهزيمة التي هزت كيان الأمة العربية هزا عنيفا.

لقد استفاق الشعب العربي على هول تلك الكارثة الكبرى في ضحى ذلك اليوم وهو لايصدق عينيه وأذنيه حين انهارت الجبهة المصرية ودمرت الطائرات الإسرائيلية معظم القوة الجوية خلال ساعات وهي قابعة في أوكارها. وأتذكر ويتذكر معي أبناء جيلي كيف كان صوت أحمد سعيد بطل الانتصارات الوهمية ينطلق من إذاعة صوت العرب ليحول تلك الهزيمة الشنيعة إلى انتصار ساحق. لكن سرعان ماانكشفت الحقيقة المرة، وبانت الفضيحة القاتلة. ومن الغريب أن يسير على نهجه شخص آخر بعد مرور تلك السنين الطويلة من تلك الهزيمة ليغطي هزيمة النظام الصدامي الذي أدعى رئيسه بأن الأمريكان سينتحرون على أبواب بغداد !!! وكان صوت محمد سعيد الصحاف يعلو ليزف الانتصارات الوهمية للشعب العراقي المغلوب على أمره. ورحم الله الشاعر الذي قال:

عن المرء لاتسأل وسل عن قرينه – فكل قرين بالمقارن يقتدي.

لقد كانت الحقيقة مرة وقاسية في مصر وأرخ الكتاب والمفكرون والمختصون بالأمور العسكرية تلك الهزيمة، وكشفوا عن أسبابها وفق آرائهم. ومن الطبيعي أن ينطلق صوت شاعر الشعب ويكون في مقدمة الأصوات التي توغلت في عمق تلك الهزيمة وأزاحت الستار عن الأسباب التي أدت إلى حدوثها وهو صوت شاعر الرفض المقدس والأرض والفقراء أمل دنقل. فكتب تراجيديته الكبيرة :   (البكاء بين يدي زرقاء اليمامه) ونشرها في ديوان صغير الحجم يحتوي على عدة قصائد وسماه بإسم القصيدة. تلك التي فضحت النظام العربي والفساد المسشتري في كافة مفاصله وكيف أخفى جنرالات الهزيمة كل الحقائق عن الرئيس فوقعت الكارثة التي ظلت تداعياتها الخطيرة ماثلة للعيان.    

إن قصيدة البكاء بين زرقاء اليمامه تمثل صرخة الإنسان العربي المكبل منذ قرون وهو يساق إلى نيران الحروب المهلكة وهو جائع ومقهور ومهان تأكله دوائر الغبار، وتحيط به مافيات الظلم والفساد لتمتص دمه وتبني مجدها الزائف على أنقاض مأساته،ثم تحمله وزر فسادها. والحاكم الذي يتربع على كرسيه وهو يعيش في برجه العاجي وتحيط به بطانته الفاسدة المنافقة التي تكيل له المدائح الخيالية، وتقلب له الحقائق المأساوية على إنها خير عميم لتبقى في مناصبها فتطربه تلك الأضاليل وهو لا يدري ماذا يحدث في الوطن. ولكن حين يضرب العدو ضربته الموجعة وتحل الكارثة تبدو الحقيقة عارية من كل زيف. وخلال تلك الساعات الحالكة يستفيق الحاكم ويدرك إن بطانته قد أغرقته في الوهم.

وفي أتون تلك الصدمة الكبرى ينبري شاعر الرؤى الواضحة والرفض المقدس الذي يحمل هموم الناس المسحوقين في قلبه ووجدانه ليعبر بقلمه عن تلك الهزيمة وقلبه ينزف دما على ماحدث. وهو القائل (كنت لاأحمل إلا قلما بين ضلوعي) ذلك الشاعر الذي رافق المحرومين في حياتهم، وجاع معهم، وعاش مآسيهم،ونام فوق الفراش الخشن كما يقول صديقه جابر عصفوروالذي خاطب أرضه التي أحبها وعاشت بين ضلوعه وحناياه ( هذه الأرض حسناء.. زينتها الفقراء لهم تتطيب.. يعطونها الحب.. وتعطيهم النسل والكبرياء.) فأطلق صرخة روحه المدوية في وجه أصنام الهزيمة والخذلان. إنه الشاعر الكبير أمل دنقل صاحب الصرخات الكبرى والذي قرأ تراث أمته وآستوعبه ووظفه بروح حية نابضة في قصائده ومنها قصيدة (لاتصالح) كصرخة رفض لاتفاقية السلام بين مصر واسرائيل متخذا من قصة مقتل كليب بن وائل رمزا حيث يوصى كليب اخاه بألا يصالح من قتله غدرا وان يحارب عدوه بكل ما اوتى من قوه ولا يرضى عن دم اخيه ببديل الا بأخذ الثأر.

وفي قصيدته (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) التي نحن بصدد الكتابة عنها استعمل الشاعر أمل دنقل رمز زرقاء اليمامه تلك الفتاة الحادة البصر والذكاء. وكيف كانت تراقب الأعداء من مسافات بعيدة لتنذر قومها مما يخبئ العدو من مخططات للإجهازعلى قومها. لكنهم سخروا منها ولم يعيروا أي اهتمام لنداآتها المستمرة. فانقض عليهم العدو ودمرهم وانتقم من زرقاء فسمل عينيها حتى لاترى شيئا في المستقبل. يستهل أمل دنقل مطلع القصيدة مخاطبا زرقاء اليمامه قائلا:

أيتها العرافة المقدسه.

جئت أليك مثخنا بالطعنات والدماء.

أزحف في معاطف القتلى،

وفوق الجثث المكدسه.

منكسر السيف،

مغبر الجبين والأعضاء.

أسأل يازرقاء.

عن فمك الياقوت، عن نبوءة العذراء

عن ساعدي المقطوع.. وهو مايزال ممسكا

بالراية المنكسه.

إن المقطع الأول للقصيدة هو رفض قاطع للواقع المأزوم الذي يعيش فيه الوطن وإنسان الوطن العربي منذ قرون.. أنه صوت الشاعر الذي يعبر بصدق عن صوت الإنسان المسحوق الذي دعي إلى القتال وهو مقطوع الساعدين مستلب الإرادة ومثخن بالجراح وجائع فأعطوه سيفا صدئا وقالوا له أذهب وقاتل ونحن هنا قاعدون نرقب المعركة بعد انجلاء الموقف بعد أن >هبوا إلى فراشهم الدافئ ليتمتعوا بنوم عميق.وصار موقفهم كموقف الذي ألقاه في اليم مكتوفا وقال إياك إياك أن تبتل بالماء. وحين غرق في نجيع دمائه وصموه بالخيانة والجبن وحملوه عار الهزيمة.!   ثم يسترسل في تلك التراجيديا ويخاطب زرقاء التي تمثل الوطن عن لسان المقاتل المستلب فيحذرها من السكوت كما سكت هو عن هؤلاء،ولا تبالي ببطشهم وظلمهم لأنه سجلب أوخم العواقب للوطن:

أيتها النبية المقدسه

لاتسكتي

فقد سكت سنة بعد سنه

لكي أنال فضلة الأمان

قيل لي أخرس

فخرست وعميت وائتممت بالخصيان

ظللت في عبيد (عبس) أحرس القطعان

أجتز صوفها

أرد نوقها

أنام في حظائر النسيان

طعامي الكسرة والماء وبعض التمرات اليابسه

وها أنا في ساعة الطعان

ساعة أن تخاذل الكماة والرماة والفرسان

دعيت للميدان

وهذه الكلمات العميقة صورة حية لحالة الإنسان العربي على مر الزمن مع حكامه الذين جردوه من كل حقوقه الإنسانية. ولابد للشاعر الذي عاش بين الفقراء والمضطهدين الذين تعاملهم الأنظمة كعبيد بني عبس لايمكنهم السكوت إلى الأبد بعد أن بلغ السيل الزبى ووصلت القلوب الحناجر وصودرت إرادات الشعوب واستخف الحكام بمقدراتها وحرموها من أبسط متطلبات الحياة. ويستمر الشاعر الكبير في تلك التراجيديا المتصاعدة على بحر الرجز الذي يلقب بـ(حمار الشعراء) لكن أمل دنقل وظفه في هذه القصيدة بشكل تراجيدي مدهش مخاطبا زرقاء الرمز الحي النابض برؤى التأريخ بلسان الرمز المستلب قائلا:

أنا الذي ماذقت لحم الضان

أنا الذي لاحول لي أو شان

أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان

أدعى إلى الموت ولم أدع إلى المجالسه

تكلمي أيتها النبية المقدسه

تكلمي تكلمي

فهاأنا على التراب سائل دمي

وهو ظميئ يطلب المزيدا

أسائل الصمت الذي يخنقني

ماللجمال مشيها وئيدا ؟

ماللجمال مشيها وئيدا ؟

فمن ترى يصدقني

أسائل الركع والسجودا

أسائل القيودا

ماللجمال مشيها وئيدا ؟

ماللجمال مشيها وئيدا ؟

وأي صورة أبلغ وأصدق من هذه الصورة التي رسمها الشاعر الكبير للإنسان العربي المسحوق حتى العظم على مر العصور من قبل حكامه الطغاة المستبدين الذين جعلوا منه عبدا يسيل دمه على الأرض متى مايشاؤون وكيفما يشاؤون ويبيعونه في مزادات الشعارات الوطنية المهلهلة والخاوية من أي مضمون حقيقي دون مراعاة لأبسط حقوقه المهانة كانسان خلقه الله وكرمه وأعلى مقامه وجعله خليفة على الأرض. ويستمر أمل الشاعر والإنسان ليغوص أكثر فأكثر في عمق المأساة ويستخرج منها اللآلئ الشعرية المعبرة عن الأحاسيس الإنسانية ويستلهم من رؤى زرقاء النقية والعرافة المقدسة التي لم يسمع أحد نداآتها المتكررة والمقتولة في النهاية فيقول المقاتل المستلب معبرا عن لسان الأكثرية الساحقة في المقطع قبل الأخير للقصيدة:

أيتها العرافة المقدسه

ماذا تفيد الكلمات البائسه ؟

قلت لهم ماقلت عن قوافل الغبار

فاتهموا عينيك يازرقاء بالبوار

قلت لهم ماقلت عن مسيرة الأشجار

فاستضحكوا من وهمك الثرثار

وحين فوجئوا بحد السيف : قايضوا بنا

والتمسوا النجاة والفرار

ونحن جرحى القلب

جرحى الروح والفم

لم يبق ألا الموت والحطام والدمار

وصبية مشردون يعبرون آخر الأنهار

ونسوة يسقن في سلاسل الأسر

وفي ثياب العار

مطأطئات الرأس لايملكن إلا الصرخات التاعسه

أنها النتيجة المنطقية لهذا الإنسان المستلب المجروح القلب والفم الذي استغل الأعداء ضعفه واستلابه فانقضوا عليه ونهشوا لحمه وحولوا عدته الهزيلة الغير متكافئة ألى هشيم محترق.

وفي المقطع الأخير يخاطب المقاتل زرقاء بعد أن سملت عيونها ولم يدرك الحكام مايجول في أعماقهاوبعد انكشاف غبار المعركة ظل الحكام في قصورهم وأبراجهم وحصونهم ولم يأخذوا العبرة من تلك الهزيمة المرة والتي دفع الفقراء ثمنها غاليا من دمائهم وعرقهم وأرواحهم التي صعدت إلى السماء لتشكو من رماها في أتون النار التي خطط لها الأعداء طويلا ولم يجهزوه بالعدة اللازمة.

هاأنت يازرقاء

وحيدة عمياء

وما تزال أغنيات الحب والأضواء

والعربات الفارهات والأزياء

فأين أخفي وجهي المشوها

كي لاأعكر الصفاء الأبله المموها

في أعين الرجال والنساء

وأنت يازرقاء

وحيدة عمياء

وحيدة عمياء

فما أشبه الليلة بالبارحة يازرقاء.هاهم الحكام ظلوا يضربون المثل الأسوأ في الظلم والجبروت والدكتاتورية والطغيان ويعيشون في عزلة تامة عن شعوبهم دون أن يعتبروا من حوادث التأريخ والعدو يقوى يوما بعد يوم ويخطط لمعارك قادمة ليجهز بها على آخر أمل للشعوب المقهورة.

 

أمل دنقل في سطور:

ولد الشاعر الكبير أمل دنقل في بلدة القلعه بمحافظة قنا في صعيد مصر عام 1940م

كتب ست مجموعات شعرية أولها ديوانه البكاء بين يدي زرقاء اليمامه الذي سميت القصيدة باسمه والديوان الثاني (تعليق على ماحدث) والديوان الثالث (مقتل القمر) والرابع (العهد الآتي) والخامس (أحاديث في غرفة مغلقه) وله مجموعة شعرية سادسة كتبها خلال مرضه العضال وهي بعنوان أوراق الغرفة رقم 8 ولم يستطع المرض أن يوهن من عزيمة الشاعر، حتى وصف الشاعر المصري أحمدعبد المعطي حجازي الصراع بين الشاعر والسرطان بقوله إنه صراع بين متكافئين: الموت والشعر.)

وقد جمع شعره في ديوان واحد سمي (ديوان أمل دنقل) توفي الشاعر أمل دنقل في القاهرة يوم السبت المصادف 21-4 - 1983 نتيجة لمرض السرطان في الثانية والأربعين من عمره وهو في قمة عطائه الشعري ولو بقي لقدم المزيد من العطاء. رحم الله أمل دنقل شاعرالرفض المقدس.

 

جعفر المهاجر.

4/6/2015م.

 

في المثقف اليوم