قراءات نقدية

حيدر عبد الرضا: قراءة في قصة (أشجار البرغش) لوارد بدر السالم

فنتازيا القص التمثيلي وشرود أحوال الذات الفاعلة و المنفعلة

توطئة: إن من حدود جملة إمكانيات الوعي القصصي،استدراك تلك العلاقة المماثلة في ناصية المؤول التصديقي في مقامه الأولى من الارتباط والاسناد والمحايثة في تكوين أسباب ومسببات الفسحة الاستدلالية قي مرابط عملية التمثيل النصي عبر جل علاقاته وفضاءاته وأحواله وعوامله الشخوصية الفعلية والغير فعلية.وإذا أردنا من جهة خاصة تعيين الحجة الفنية في تشكلات عناصر وعوامل البنية الفعلية في محاور قصة (أشجار البرغش) للقاص القدير وارد بدر السالم،لوجدنا فيها ذلك الارتباط الثيماتي في علاقة (سياق ــ فنتازيا ــ دلالة مقاربة) ولو حاولنا الاستقراء من جهة أخرى في مادة الحكاية القصصية،لوجدناها ماثولا في إضاءة المدلول العجائبي الذي لا يتجاوز أواصر مادة معدولة بالمنضوي السياقي الخاص من واقعية غير تصديقية في منحى طابعها الموضوعي.ولكن من جهتنا سوف نتعامل مع هذا النص في إحالة الوازع المفترض من حدود انطباعية المادة الفنتازية في شكلها الحصولي والاستكمالي والمعادلاتي إجمالا.

ـــ المؤسطر المكاني في تضاريس الإيحاء الوصفي

قلنا في مستهل مبحث مقدمة دراستنا أن طبيعة قصة (أشجار البرغش) من النصوص القصصية التي تعتمد على وحدات (السياق ــ فنتازيا الحكي ــ إحالات الاستدلال) وإذا كنا لم ننوه عن بعض هذه الوحدات في صورتها المفهومية المستطردة في مستهل المقدمة للدراسة،فذلك لكوننا تقصدنا بلوغ الأمر في حينه من المقاربة الاتمامية في المعالجة عبر منظور القراءة ليس إلا.وعند نقطة سيرورة الحكي من على لسان (السارد العليم ــ الشخصية ــ الشاهد) تتوالد لدينا جملة تصورات استراتيجية حول تاريخ تلك القرية في مجمل محمولاتها القبلية والماقبلية،وصولا إلى إحالة التمثيل الحاضري في لغة السارد ــ الشاهد،إلى جهة أكوان واتجاهات وبنيات تضاريس وجغرافيا تلك القرية.وبمجرد حديث السارد المستفيض حول تلك السمات الإمكانية القابعة في: (قريتنا تكبر دائما مع الزمان على ضفاف هذا الطوق الصارخ،وأشجار البرغش أعجوبة الزمان. /ص23 :النص القصصي) قد نكتشف حجم الإدراك المحاط في عملية الإحالة (الوصفية ــ الاخبارية ــ السردية) أي الإحالة المقصودة في قولنا،هي التنويه إلى عملية إنتاج (الترابط الثيماتي) وتحديدا فيما يخص معادلة الزمان للقرية وحضور مشخصات المكان فيها.كنوعية مشار إليها ضمن ما يعرف بـ (قرى المعدان ــ طنينها الصاخب ــ شجرة العشيرة ــ حقيقة من حقائق) إذا الجهات المشار إليها هي نوعيات سياقية مشخصة ضمن فعلية دلالية لها وجودها التدليلي في الاستحضار اللامتناهي من (الوهم ــ اللاوهم / الواقع ــ اللاواقع/ التصديق ــ الافراط في اللامتعين) كصلة مقومة في إقامة مادة التصور كعلاقة مشروطة في محصل استيعابي فني ضروري حتما.

1 ــ مستويات الواقع في إظهارية مادة الحكاية القصصية:

إن النصوص الأدبية السردية التي تداخلت في عمليات اختزال البيئة الأهوارية من واقع مستوى الهيئات الجغرافية في مدن الجنوب،هي من التكاثر والتعدد،خصوصا في ما يتعلق بموضوعية الفئات القبلية التي تقطن في تلك الأحياز من زمن المسطحات المائية واليابسة من أعماق مياه الأهوار.لقد ظل القاص والروائي الجنوبي معتمدا في مخيلته على زمن مؤسطر شبه خرافي عندما يعيد إنتاج حالاته المرجعية من الذاكرة المعاشة أو اللامعاشة لتلك التواريخ الموغلة بالعلاقات السرانية والعلنية من مستوى حدوثات الحياة الأهوارية الجارية بموجب ظلامية التقاليد والأعراف القبلية.لذا صار من غير المنطقي للقاص إعادة ذات النسج من حقيقة حكاية واحدة،قامت مئات الأخيلة للكتاب إلى نسخها في أطوار وأشكال ممجوجة من النمطية والإعادة لكل ما هو مكرر،لذا فقد كانت (كائنات أشجار البرغش؟ ) اللون الدلالي الافرادي في صنع حكاية أهوارية أمتزجت بالتقاليد والواقع ذاته،ولكنها حلت في مواضعة ــ ماثولا ــ متفردا في مصاغ الحبكة القصصية القصيرة العراقية.أقول أنا شخصيا ممن يتفق مع (وارد بدر السالم قاصا) فللقاص بدر السالم فرادته وخصوصيته وبصمته في كتابة الفن القصصي العراقي،وليس الأمر مرجحا له في حدود مؤشرات أقاصيص مجموعة (المعدان) لا أبدا،فالقاص له في هذا الفن السردي المضغوط (زمنا ــ مكانا ــ عاملا) دورا لا يمكن تجاوزه إطلاقا من حيث التجربة ونوعية الأداء الأسلوبي.وعلى هذا النحو جاءتنا ملامح قصة (أشجار البرغش) كعلامة نوعية في صياغة حكايا الأهوار.. تلك الحكايات التي لا يحسن وضع شيفراتها سوى من أختبر خياله على تضاريس الحياة الحقيقية في طبيعة أسرار وأكوان تلك المستنقعات،لذا حلت علينا أسراب تلك الكائنات الحشرية،كحقيقة دلالية مشبعة في اختزال اللامحدود واللامرئي من عوالم الشفرات الخالصة من تلك الحيوات الآسنة التي بقيت تحياها شخوص النص (المحورية ــ الهامشية) في مستوى أدواريا دالا على وحشة تلك الكائنات ومواضع هبوطها وطيرانها على أغصان تلك الأشجار الموحشة : (نفخت رؤوسنا بطنينها الضاج ليل نهار،فامتدت خيوط حياتنا متشابكة ومشتبكة بين قص السنوات وهي تنمو على مضجة هاردة من طنين البرغش الذي يتناسل في تلك الأشجار المنتشرة على ضفتي النهر الدائري./ص23:النص القصصي) إن القراءة المتمعنة إلى وحدات النص،تترك لدى القارىء ذلك المؤشر القصدي بأن (السيرة المكانية) لا تنفصل عن مؤطرات المعطى الخيوطي في الحبكة،وذلك لكون العامل المكاني في هذا النص،راح يرتكز على الذات في شكلها (المعياري ــ الانموذجي) على إنها تلك الذات المحكومة في تذويت الأشياء المكانية في النص،وعلى إعادة إعطاءها كل الدور بالمقارنة والضرورة العلائقية بين (الآخر ــ المؤثر) أي أن الآخر طالما يكون مصحوبا في ماهية الأشياء المحيطة في وجودها التشيئي،لذا فهذا الأثر تربطه علاقة تذويتية مع وحدة الذات الشخوصية،ليكون مرادها وموضوعها ومستقبلها بالإمكان والبديل.فمثلا أن المؤثر الدلالي في مقاصد حشرات البرغش وعنفوانها جاء مؤثرا على مجرى تذويتي على حياة السارد (المشارك ــ الشاهد) في النص وعلى ممن يسكنون ذات البقعة من : (قريتنا في هذا القوس العاصف الذي يكاد يكون مغلقا إلا من فتحة تقع على طرفي حدوة،هي حدود تلك الأشجار الشيطانية./ص23 : النص القصصي) لعل القيمة التذويتية ها هنا،مبنية على أكثر السمات اقترانا باللحظات الحسية والاحوالية من وقائع الحياة اليومية للشخصية وتلك الكائنات المتوحشة،وتمييزها بهالة خاصة من اللغة (الفنتازية ــ الغرائبية) التي تتمثل بالصورية السردية التي تتعالى على الحدث والعرض والموقف العابر،إذ تمنحها ــ أي الأشياء المحاطة بالشخصية ــ تكثيفا مجردا يقترب من زمن (الواقعة الفنتازية) أو ذلك الأفق المجرد من حقيقة الشيء في ذاته.أي لربما لو تعاملنا مع تلك الهيئات من الاشجار البرغشية من ناحية رمزية،لوجدنا فيها تكمن الدلالات والملامح والصفات القهرية للحياة الأنسانية في الأهوار،وكم إنها تستنزف من القابلية والاستعداد في صراعها مع قوى الطبيعة الأسطورية في تلك الأكوان الموحشة.كذلك هناك من الأسرار التي تصارعها تلك القوى الحشرية،كحالات ممارسات الخطيئة في خلوات المشاحيف اللائذة وسط أحراش قصب البردي: (لقد عرفنا المرأة .. هي .. غرر بها صالح في ظهيرة حارة ... صعدت معه في مشحوف صغير واستسلمت لدبيب الماء في جسدها الناضج،ولا بد إنها غفت في بطن الزورق وغفا هو الآخر،وربما شغلهما لهاثهما الطويل./ص30 : النص القصصي) إن مساحات الوجود الدلالي في مجرى السرد،تتوالد بالمقاربة المتعارضة والمتضامنة بوظائفهما المتنية المتشكلة. فهناك ذاكرة تحددها قوانين الطبيعة،فيما أخرى تحددها مكامن وقائعية مستورة عن ذريعة الافصاح حول الهوية الخلفية للعلاقات الإيروسية في أعماق أسرار الأكواخ وأحراش القصب .

2 ــ سحرية الوصف وجزالة رصد الموصوف:

ولعل من أهم ما لفت اهتمامنا في تجربة قصة (أشجار البرغش) قدرة بدر السالم على منح مصوغاته السردية،مقادير مثيرة ومنضبطة في توليد هندسة وصفية اللاشياء قد فاقت حدود الأوصاف السائبة التي نجدها عادة في بعض من الانماذج القصصية العراقية والعربية.فالقاص يكرس عملية التوصيف اتصالا بالنمو السردي للزمن والتحول المشهدي عبر المكان في حدود تستوح منها تضمينات الغرائبي والحلم المكبوت أو الانعطاف في أحوال استيهامية تشيد بواقع مؤثثات ملغزة من سحر بلاغة الموصوف والواصف : (هجرتنا قرى المعدان القريبة لأنها لم تعد تستطيع احتمال الطنين القاتل،لنبقى وحدنا مع أيامنا الطنانة بذعر حقيقي من تلك الحشرات التي تلدها الأشجار وتتوالد بحرية كل يوم ويتفاقم طنينه المخنوق مع قوس النهر./ص24 : النص القصصي) على هذا النحو تتوالد مؤشرات الزمن العابقة بتذويت الأشياء الحشرية وأحوالها،وذلك بالارتكاز عبر معاينة تغلغل تقاسيم حيثيات زمن الأشياء المذوتة بقدرات تفاعلية مع الذات الساردة وهويتها الرابطة بين (هيستريا المأزق الحشراتي ــ ماهية الزمن الانتمائي) وكثيرا ما تصادفنا في مواقع النص، تكثيفات مفارقات ببصيرة الهاجس العيني للذات الحاكية لجل تصوراتها ومصافحاتها للزمن الحزين المتعلق في نتوءات وحراشف أحراش البردي المنغرسة في محيطات الهور والذاكرة الذاتية: (هكذا ينمو العذاب في أوصالنا منذ زمن لا نعرف بدايته .. لكننا نعيش حالته المدوخة ونمارس طقوس حياتنا من تلك الفتحة التي تقع على حافة النهر،بين طرفي الحدوة./ص25 : النص القصصي) من هذا الأفق المنزوع الصفاء ومسكون بالخيبة المحمومة في غائية أسرار أشجار (الحدوة؟) تتفاقم لدى (السارد ــ الشاهد) خلجات تيار الوعي الداخلي بمسرود الأسى وصبغته الاغترابية المقرونة بـ (معادلة المماثلة ــ الاستدعاء المطرد بالاحوال) الوقائعية المؤسطرة في مملكة (أشجار البرغش المتوحشة) ولو قارنا وظيفة المعادل الدلالي لتلك الأشجار وكائناتها المفترسة،لوجدنا ما يقابلها من مرموزات وإحالات لها كل الدلالة حول تخليد أزمنة البطش البرغشي في أحوال قد تتعدى ملحمة الأهوار لتدخل إلى فضاءات استعمارية متحضرة لها صور الأدمية وغرائز البرغش الأهواري.ولكن وارد بدر السالم ،للأسف لم يطرح في نصه معادلات تختلط ببقايا أصداء مؤولات الانصياع حول تفاسير مشرئبة بآفاق رمزية ناصعة،بل أقتصر نصه على متتاليات أثبات (المرجع ــ الزمن الحكائي ــ معالم الذات الأهوارية) والنتيجة الختامية في النص بدت وكأنها تفاقمات الصراع الذواتي المؤمل بماهية الحلم بحرق أشجار البرغش إلى جانب فقدان النبض المضموني إلى أية مؤشرات جدية من شأنها تحفيز المحصلة الختامية برؤية بلوغية متكاملة التجسيد ومتماسكة في الامتداد التمثيلي.

ـ تعليق القراءة:

في الواقع إن ما جعل قصة (أشجار البرغش) محفوفة بأهم مزايا القص،هو ذلك الطابع اللايقيني من عوالم فنتازيا الغزو البرغشي،تكاد أن تتحول مستويات ذائقة النص إلى محض رهانية متشظية من خطوط الأفعال السردية والوصفية،حتى نصل أو يصل ذلك السارد الأهواري العاملي إلى حالة هي من أقصى حالات فنتازيا القص التمثيلي وشرود أحوال الذات الفاعلة والمنفعلة .إلى جانب كل ما قلناه في محاور قراءتنا هذه،تبقى قصة (أشجار البرغش) وتجربة القاص و الروائي وارد بدر السالم من أنضج ملامح وقسمات التجارب القصصية في المشهد العراقي بروزا وتقويما وتأثيرا.فالقاص السالم له من النصوص القصصية والروائية ما تستحق أن تكون نموذجا يحتذى بها على مر كل الحقب النخبوية بدءا من مرحلة القاص نفسه وحتى مرحلتنا الحضورية الراهنة.

***

حيدر عبد الرضا

في المثقف اليوم