قراءات نقدية

كاظم اللامي: فرط الثقة في ظل فقدان اللغة.. سوء تفاهم ينهي الحكاية هناك

مقالة نقدية للعرض المسرحي "جنون الحمائم" تأليف واخراج د.عواطف نعيم

أَوْلى النقادُ اهتاماً كبيراً بسيميائية العتبةِ الأُولى للمنجزِ المسرحي الإبداعي، نصاً، وعرضاً، يتصدرها العنوان بوصفه المفتاح المركزي لاكتناه خباياه الجمالية، وبُنيته القصدية، واتساق وانسجام مثاباته، والمرشد الأمين لوضع ملامح حراكٍ نقديٍ يُبْدِعُ نصاً آخرَ يوازي ما تم قراءته أو مشاهدته باتجاه الهَرم النقدي، وإعلان نتيجة المنازلة التأويلية المتناسلة بتأويلات تنتج ثوابتا وتصورات أخرى.

وعلى غير العادة!! وجدنا أن العتبة الأساسية للعرض المسرحي"جنون الحمائم" هي البروكرام الخاص بالعرض، وهذا ما اعتدنا ملاحظته لدى "د.عواطف نعيم" فكل ما تقدمه هو مجموعة عتبات تأخذ بِيدك حيث الذروة لتجتمع لديك التأويلات وعلى إثرها يُنتَج وعيك المتوالد من خلال هذا الوعي الذي شاهدته بطريقة الحثِّ والإستفزاز.

حيث وجدنا البروكرام ومن خلال إطلالة الوجوه الأربعة لمؤلفة ومخرجة العمل بصحبة أبطاله الثلاثة، وبتشكيل موضعي بصري مغاير كشف عن ولادة عسيرة بعد مخاض مضنٍ عاشته تلك الوجوه التي كانت تحمل وهجاً مضيئاً فارقاً أوحى لأسماعنا بصوت ملائكي كصيحة جبرئيل "نحن نمضي قدما باتجاه ما نؤمن به وبما نعتقده" نمضي قدماً باتجاه الشمس التي نحن أحد مخرجاتها المعنوية الفاعلة، نمضي لنظيء، ولا يعنينا ما يحاك خلفنا من هوس ظلامي، لأننا مصدر للضوء، فالضوء فينا أصالة، ونحن من يبدد الظلام بتحولات وانتقالات فكرية نؤججها لدى المتلقي بما نملك من وعي وجنون أسمه المسرح.. وهذا ما أعلنته صورة البروكرام صراحة رغم العتمة المتراكمة كقطع الليل خلف الشخصيات الأربعة التي تحاول أن تقضَّ مضجع النور، إلا أنّها أي العتمة السوداء ومن غير أن تَعِيَ، لجهل ذاتي وموضوعي ساعَدَت في توهج ذوات الأربعة إبداعياً كَمَنْ يريد أن يُطفئ جذوةً مشتعلةً بالنفخ عليها إلا أنّه ومن غير إرادة منه يضخ الوهج في مستويات ضيائها وانفعال حضورها البصري. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (8) الصف لينتهي البروكرام بعبارة نطقت بها دلالاتٌ مبثوثة ومعبأة في جوفِ العلامة (الصورة) بتحدٍ تحريضي على الجمال.... "نريد بهذه الاطلالة ان نلجم "سوء تفاهم" "ألبير كامو" المُتوقع في حياتنا التي نعيشها ونخرسه بل نُجفف مصادر تأويلاته بخلق لغات مشتركة مع الآخر".. سوء التفاهم العراقي الذي مصدره انقطاع التواصل مع الجمال، انقطاع حجِّ الأقدام المباركة إلى جنَّةِ الله في أرضه، خشبة مسرح الرشيد وبقية أخواتها في بغدادنا الحبيبة، إنّه التواصل الثقافي والفكري والاجتماعي الذي يخلقه المسرح الذي نحن أبطاله ورواده وفرسانه من خلال "جنون الحمائم".. جنون العراقي إذا أراد أنْ يكون.. إذا أراد أنْ يبدع.. إذا أراد أنْ يُبدد الظلام إلى غير رجعة.

وكذلك، صورة أخرى مُسْتَقاة من صورة البروكرام وجدناها ماثلة في أعماقنا الباتافيزيقية "مرحلة ما بعد الميتافيزيقيا" هذه الإطلالة الغير متوقعة لشخصيات "سوء تفاهم" الأصلية بعد غيبة طويلة محلياً، وعربياً منذ القرن الماضي أتَتْ وهي تفصل الضوءَ عن العتمةِ وكأنها قد أحدثت شَقّا في كفنها حيث الظلام، واللاشيء، واللاجدوى، وانطلقت باتجاه الضياء حيث خشبة المسرح والوجود والفاعلية والجدوى، لتُعْلِن العلامة السيميائية (ابتسامة الموناليزا) الفاترة للشخصيات الأربعة بكلمات شكر عظيمة طوقت بها عُنقَ الكاتبةَ والمخرجةِ العظيمةِ د. عواطف نعيم لِما قدمته من جهد كبير لإحياء هذا النص الممتلئ وبعث الحياة في أوصال هذه الشخصيات الجدلية الأربعة، ونفض غبار التجسيد عن النصِّ الذي يَرى فيه كامو أنّ مصيره هو أكثر ما يُقلق الكاتب في أن تموت نصوصه ما إنْ يُعلن نَعيه في الصحف، ونزيد عليه في شريط العناوين في القنوات الفضائية، وصفحات الفيسبوك.

في نهاية ما اكْتَنَزَه وعينا حول صورة البروكرام تأويلاً، ودرايةً، وانطباعاً، نجد أن د. عواطف نعيم أرادت إعلان عودة الحياة المختطفة على حين غرّة من بين الأيادي الطاهرة، وأنّنا لابد أن نعيشها وإنْ تراكمت مآسيها الماضية والحاضرة ومن خلال المسرح بالذات لأنه منطقتنا المناسبة، هذا المسرح الذي آمنت به الدكتورة وبقية كادرها بأنَّه خيرُ وسيلة للتواصل مع الناس واستدعائهم لقول كل ما هو معفو عنه، أو غير مصرح به بطريقة "إياك أعني واسمعي يا جارة" أي نعم بشيء من المواربة والمناورة من خلف حجب نصً أجنبي فرنسي بلغة ثورية، إلا أنّ هذا النهج هو نهج مهم وهو ما يناسب هذا المقام والظرف الذي نعيشه، فقد اعتاد الكبارُ عليه درامياً لاعتبارات إجتماعية وسياسية.. وليس المجال مناسباً في هذا المقال للخوض في غمار هذه الاعتبارات. مع ملاحظة أن جميع عتبات هذا العرض المسرحي هي انطلاقات تثير شهية الناقد ودهشته لتناولها بكم كبير من الاهتمام النقدي، التحليلي، التأويلي، التقييمي لما لها أي تلك العتبات من حيز مهم في أبجديات وجودنا الإنساني.3574 جنون الحمائم

حقيقة، تضمن العرض خطابات عديدة، أينما وضعت يدك فثمة خطاب يحيلك عند حياة منسية متلاشية عشتها وتعيشها وستعيشها وربما ما زِلتَ عاجزاً عن فك شفرات بعض من همساتها الماكثة في أعماق الذاكرة وهي تُثَوِّر لديكَ الحاضر بإيقاظ الماضي بإسقاطات ذكية باتجاه المستقبل كما في قول "آرثر دانتو" " من أولويات حراك الفنان التنويري، إعادة الإعتبار للأشياء المنسية والمتلاشية". وكأنَّ العرضَ يريد أن يقول مخاطباً المتلقي : لا تبتئس.. فثمة حلول ستجدها هنا.. تعال، اقترب، أدنو، ضع يدك في يدنا لنصنع مستقبلاً جميلاً ينطلق من بوابةِ المسرح بإعلانِ الحياة، وجعل ما مضى وتلاشى درساً بليغاً يتعظ الجميع من خلاله.

تناول العرضُ فترةً قاسيةً عاشها الوطن إبَّانَ الحربِ الأهلية التي أكلت أخضرَ يابسنا ويابسَ أخضرنا كالنار في الهشيم، فكان من نتائجها القتل على الهوية وهجرة الشباب والعوائل بطريقة إنفجارية خارج أسوار دائرة الموت الحتمي.. حتى ظنَّ البعض أن العراق أُخلي من أبناءه طلباً للسلامة، وديمومة البقاء، وحياة أكثر حرية لا قتل فيها.. لكن الحقيقة هي زيادة في تفشي اللاتواصل والانغلاق وتفسخ المجتمع وانحلاله وانعدام قوة نسيجه التي عُرف بها في فترات ماضية كثقافة عامرة بطيب العلاقات التواصلية مَيَّزَتْه عن بقية جيرانه على الأقل.

الحكاية

بتأريخ 18/7/2023 من يوم الثلاثاء الماضي قُدِّم علىٰ مسرح الرشيد العرض المسرحي المهم "جنون الحمائم".. بالتعاون مع دائرة السينما والمسرح التابعة لوزارة الثقافة العراقية.. عن النص المسرحي (سوء تفاهم) للفرنسي الراحل "ألبير كامو" الحائز على جائزة نوبل.. إنتاج وتقديم المعهد الفرنسي في بغداد. وحسب علمي هو ثاني نص فرنسي تقدمه الكاتبة د. عواطف نعيم للجمهور من خلال تعريقه واعداده بعد "الصوت الإنساني" ) انتظارات مرّة) ل "جان كوكتو".

اتخذت "د. عواطف نعيم" طريقة درامية مُثلى في التعامل مع نص "البير كامو" بطريقة التحولات الجمالية الإبداعية لانتاج الدلالات من خلال علامات مجالها النفس البشرية وبواطنها (الأنا) بإحالات لها بيئتها لدى المتلقي انطلاقاً من عنوانه "سوء تفاهم" الذي كانت نتائجه لديها "جنون الحمائم" لتقدمه بلغة محلية بسيطة خالية من التعقيد، وبنية مرنة، لذا استطاعت وبذكاء من زج النص في المناخ المحلي ليغادر العالمية مع الإخلاص للفكرة الأم بتداخلات جمّة ونسق مخيال، أي إنتاج ذاتي وموضوعي للعلامات من خلال أسلوب المعالجة الواعية للنص وأحداثه بهواجس عراقية صرفة والتي أعطت للكاتبة عنصراً حيوياً في بثِّ خطاب وطني متنوع يتلائم والتجربة العراقية على المدى المنظور بطريقة المحو والإحلال، لا بتسطيح الأحداث وسذاجة طرحها، بل بتحويل النص من أفقه الساكن البديهي لدى المتلقي إلى أفق جديد متحرك، ومتصاعد بعديد رؤى وقيم ومفاهيم ضمَّ في آفاقه المتشظية النص الأصلي أولاً والواقع المعاش ثانياً، أي إنّ الكاتبة لم تستسلم للخط الأفقي للنص كحقيقة ماثلة في أذهان القرّاء أو ممن شاهده كفيلم سينمائي عربي، أو أجنبي، بل حولته إلى نصٍ أخر بروح عراقية ومع هذه الروح العراقية لم تستسلم أيضا لتسطيح الأحداث بمثاليات جبانة يفتقدها واقعنا، بل ذهبت بعيداً باتجاه العمق الاجتماعي والسياسي وإعادة الحياة لكثير من القضايا بطريقة فيزيكيميائية بتفجير أصابع ديناميت اليومي الرتيب واحدا تلو الآخر من خلال عود ثقاب نحسبه صغيرا وهو كبير بفعله وأثره.. تلك القضايا التي احتفظ بها التأريخ في صندوقه الأسود بشيء من الكتمان والسرية، على اعتبار أنّ كثيراً من حيثيات حياتنا البائسة، وسلوكياتنا الهجينة في الوقت الحاضر هي نتاج لهذه القضايا التي يحاول البعض طيّها لإخفاء بصمات جريمته بجعلها جريمة كاملة وهذا ما يؤكد غاية وهدف المسرح المشروع، في الجرأة والتصريح وكشف الحقائق.. نزولا عند رأي "برخت" وهو يقول "أنا أدعوا إلى مسرحِ يُثَوِّرُ الواقعَ لا أن ينقله كما هو" وفي قول آخر ل "ماركس" حيث قال "انحصر جهد الفلاسفة في تفسير العالَم والواجب هو تغييره" وهذا ما شرعت بأدلجته الكاتبة عواطف نعيم في تفاصيل جنون الحمائم كفلسفة راديكالية تغييرية مفاهيمية بمشاكسة الواقع لتغييره بطريقة إيقاظ الأسئلة وتثويرها داخل ذواتنا وخارجها بجعلنا اداةً ومستهدفاً لنفض غبار تلك الأسئلة.. وهو ما دَرَجَتْ عليه أيضا في كل تحولاتها النصية والإدائية قبلاً وبعداً لإيمانها العميق أنّ المسرح أداة فاعلة في إحداث زلزال ينسف كل قبحٍ من خلال إحلال الجمال بطريقة الهدم ثم البناء.

اعتادت د. عواطف نعيم في رسم منجزها التحريضي الجمالي إعداداً وتأليفاً وإخراجاً وحتى تمثيلاً بجمع شتات الماضي ملغوماً بجنون الحاضر وجنوحه الملتاث، مصوبة نيرانها الدرامية باستقراء مغاير على أبواب عقولنا لتفتحها على مصراعيها بالتوالي بانسيابية البايوميكانيك الهارموني المتقن هندسياً وهي تقول وفقا للعبة "المحيبس" الشعبية العراقية (طلك، طلك، طلك) مشرعة درفتي تلك الباب على أسئلة مهيمنة لا نجرؤ على إهمالها، بل الوقوف عندها ملياً وبذل الجهد المضاعف لوضع النقاط على الحروف وإيجاد الإجابات لها بصرخة مدوية (وجدتها) أو على الأقل مناقشتها على طاولة شفافة ومستديرة بشرطِ إدانةِ ذواتنا أولاً، لأنَّنا جزء حيوي من الألم الذي تعيشه أناة "د. عواطف نعيم" التي هي في حقيقة وجودها مرآة باصرة سامعة بإحساس عالٍ لصراخنا ووجعنا الجمعي في ظل ظروف وأجواء ساخنة صنعها تخاذلنا.. وهذه هي مهمة المثقف والفنان الكوني في اللدغ، والوخز، والاستفزاز، الذاتي والخارجي، ووضع النقاط على الحروف صراحة، وبشجاعة فائقة.

في لقاء صحفي ل "كامو " قال ما يؤكد تناسخ التجربة (الكاموية) وظروف الكتابة زمنيا ومكانيا وتواصلها مع تجربة المبدعة د. عواطف نعيم بما نصه ﴿من المُؤكَّدِ أنّ "سوء التفاهم" هي مسرحية قاتمة، كَتَبْتُها في بلدٍ مُحاصَرٍ مُحتلٍّ، بعيداً عن كل ما أحب، وباريس تهتز لوابل قنابل الحلفاء والنازيين معاً﴾ حيث يستبين هنا نزولاً عند قول كامو التواطؤ والمقاربة بين الظرف العام زمناً ومكاناً وروحاً وأجواءً ل "سوء تفاهم" مع "جنون الحمائم" وكأن كامو عند حدود المنجز المسرحي جملةً وتفصيلاً هو ذات عين د.عواطف نعيم في 2003 و2006 وحتى يومنا هذا من قتل، ورعب، واحتلال، وانحلالِ قيمٍ مجتمعيةٍ، وما إنْ تخرج يدك لم تكد تراها سوى وهي تقبض على رسالة تغوص في أعماق لهجتها رصاصةُ تهديد ووعيدٌ بالقتل، أي أن البعد العبثي الذي ثَوَّرَ وخلق نص "سوء تفاهم" مجايل وملازم واقعياً وزمنياً ومكانياً وفلسفياً وتخيلاً للبعد التنويري لنص "جنون الحمائم".

انطلقت د.عواطف نعيم وبشكل مغاير لنص البير كامو من ثيمة الموت بشكل درامي فاجع وصادم بأسلبة كاسرة للتوقع لدى المتلقي لتحقيق الدهشة التي هي الغاية الجمالية التي يتتبع أثرها كل مبدع صاحب رسالة.. حيث أطلّ الخادم علينا وهو يتجول قلقاً، خائفاً، حائراً لا يستدل طريقه، حاملاً جثة مجهولة أرْهَقَهُ ثُقل حمْلها مادياً وثُقل خطيئته الفادحة معنوياً، تلك الخطيئة التي قوست ظهره وأبطأت من خطواته.. عَلُقَتْ هنا صورة غاية في الروعة والجمال في كامِن شعورِ المتلقي فصّلها الميزانسين بتقنية هندسية رائعة بوجود الممثل "عزيز خيون" وسط الخشبة وخلفية سينوغرافية متقنة الدلالات بإحالات فكرية ناحية الغابة وانفلات القانون ومعنى الحياة الضبابي فيها عند جزئية الدخان المنبعث من الكالوس اليمين بلغة ظاهرة واضحة مفادها البقاء للأقوى والقتل من أجل البقاء وهي صورة واقعية بأننا كنا نعيش وسط غابة شائكة ملغومة بالحيرة والموت في كل تفاصيلها الافتراسية، حيث أوحت حركات الخادم جيئة وذهابا والتفافه حول ذاته وعظيم حَيْرَتِه رغم اتساع الخشبة واتساع مقاعد المتفرجين والفضاء العام للقاعة إلا أنه أجبر إحساسنا بأننا نعيش وسط أزمة كبيرة، أزمة مكان تصل القلوب فيها لدى الحناجر نحاول التخلص منه أي المكان بشتى الوسائل نحو مكان آخر أرحب يُخفي حصاد واقعنا المر وإنْ كانت هي مغامرة بحد ذاتها فجميع الأماكن كانت آنذاك في مرمى الزائد تفضي الى الخراب.. ليمارس "الخادم" هنا مرة أخرى سلطته الحكائية في إجبارنا على مجاورته السكنى وسط متر في متر والنافذة خُرْم إبْرَة لا يطلُّ منها سوى صراخٌ وعويلٌ واحتجاجٌ يعتمل صدره أي صدر الخادم وهو يبحث لتلك الجثة المعتلية عاتقه عن فجوة للنسيان في قلب الأرض بطريقة"ولا من شاف ولا من دري" ليَخفي ليس الجثة فقط بل يُخفي كذلك عُريَّ يديه من الطهر الذي يفتقده لتلوث أقاصيَ روحه، وعُري زمن يسير بالمقلوب أوحى بالعبثية في النفوس المطمئنة، ولكن هيهات فلكل شيء قدر معين يحدد محتواه ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ﴾ /القمر – 49 فما عادت الأرض تسع كل هذه الجثث وكل هذا الخراب كل تلك الجراح الغائرة لذلك كان يقول هذا الخادم للأم وهي تبحث بين فجوات أسنانه عن خبر يؤكد مصير الجثة ولِمَ لَمْ ينجز عمله حتى الساعة.. خلص خاتون.. ماكو مساحة تحتضن جثة جديدة رحم الأرض اكتفى وأعلن تخمته لكثير ما قتلنا لعديد ضحايانا.. هنا تأكيد مفاهيمي جمالي انتهجته الدكتورة عواطف في تحويل الصورة ذات القيم الدراماتيكية المحدودة لأنتاج صورٍ أخرى أعمق وأكثر جدلاً موضعها الذات الإنسانية لمجموعة من الأزمات أفرزتها أحداث المسرحية الآخذة بالإستطالة بخطيها العمودي والأفقي وهذا ما نراه وفقاً لإستنطاق علاماتي دقيق.. هنا استطاع العرض كتأليف، وتمثيل، وإخراج وتقنيات بتجاوز كل ما هو مألوف ومتداول تراه العين المجردة صوب الإنزياح بعلامات مهمة تحاكي الذاكرة الملتاعة للمتفرج وبالتالي إنشاء وجود دلالي ساخن لإنتاج المعنى الذي نبحث عنه في أصل وجودنا وخاصة عند هذه اللحظة المصيرية التي عشنا قلقها مع "الخادم" وهو تائه قلق خائف محتار أين يواري ما اقترفت يداه وهو يقول "عبث، عبث، ميفيد، كُلشي عبث" وهذه هي وظيفة التجريب الذي سارت على دربه الحداثوي "د. عواطف نعيم" وهي تهشم كل ساكن صامت مُجْتَرِّ بتفكيك مثابات "سوء تفاهم" والغاء سلطته وإمكانية تجاوز كل ما هو موشوم بخط أحمر في البنية والشكل كتابو واقعي نخاف مساسه.. هنا يتفجر المعنى لدينا فور معالجة وعينا تلك الصورة في فيض ثقافي يعتمل ذواتنا.. ووفقاً لطبيعةِ التلقي نوعاً وظرفاً، ولأنه لا توجد علاقة موصدة بتمامها بين العلامة والمعنى، ولإعتبارها أي العلامة مصدراً لفضاءٍ واسعٍ كثيفٍ من ردود الأفعال والرؤى والانطباعات والتأويلات لدى المتلقي لذلك وجدنا أنّ الضحية هنا هي الإنسان النظير لنا في الخلق أو الدين أو النسب، إشارة إلى قابيل الذي عجز عن أنْ يواري جثة أخيه (ضحيته) هابيل.. إذْ أنّها إشارة عنيفة بعلامة أشد عنفاً لواقع عشناه يوم استسغنا منظر القتل لأبناء وطننا وأخوتنا وذوينا، وبأيدينا التي نزعم طهارتها كنا نخفي ضحايانا، بل نرميها خلف تل ترابي هو الفاصل بين المثالية المزعومة للمدينة في الجانب المرئي ومستوى خطيئتها الكافر في الجانب المقعي المظلم.. لهذا المشهد المتقن والمرسوم بريشة ساحر وبعناية فائقة اهتزت مقاعد المتفرجين سعادةً وهلعاً وفرحاً خوفاً وانفعالاً ذاكراتياً توزع بين مشاعر متناقضة استوطنت ذوات الجميع.. الأول عاش المأساة ومضغت لهاته جكليت الوجع الذي كان يوزع بقسمة عادلة بين الجميع لكنّه لم يقرأ نص سوء تفاهم.. والآخر قرأ سوء تفاهم ولكنه لم تَرْسِم خطوط المأساة على جلده خريطةً لجراح الوطن يستدل بها عن أي جراح هي جراحه وأيها لغيره بفعل يديه، والآخر لم يقرأ ولم يرى ولم يشهد تقلب روحه كحباتِ بُنًّ فوق صفيح ساخن، والآخر قرأ نص سوء تفاهم وعاش المأساة واكتوى بنارها وهُزم منكسراً يندب حظه العاثر، فقادته قدماه حيث مسرح الرشيد كي يتلمس الخطأ أين كان؟ وفي أي مرحلة هو؟ ومن المسؤول عنه؟ وما شكله أصلاً؟.. وهو ما نعنيه في ما ذهبت اليه د. عواطف نعيم بذكائها وحرفيتها في كسر شوكة التوقع لدى هذا المتلقي البديهي بافتعال أحداث مغايرة شكلاً ومضموناً ووظيفةً لها سمة واقعية حيث أنّ البير كامو استهل النص منطلقاً في ما يشبه الميلودراما متقنعاً بشيء من التسلية التشويقية متمهلا حتى انفجار حلول الأزمة تمهيداً للإنفجار الأكبر حيث كَشَفَ قلمُه حياةَ الإبن المترف بعد عودته من المنفى ورغبته في العودة الى حضن أمه وأخته وتعويضهما عن كل بؤس وألم مرا به وهذا ما يوصف في الدراما بالنسق الخطي المستقيم الذي له نتائجاً سعيدة في نهاية المطاف.. لكن الدكتورة عواطف ونتيجة لموروثات مأساوية عاشتها وعاشها البلد اتجهت بنا مباشرة الى عين المأساة لا وصفها، الى الدراما الذكية وكأنها تقول أننا في كل أزمنتنا التي عشناها نعيش الدراما والمأساة بأوج صورها وأصدق معانيها على خلفية اللاتواصل وسوء التفاهم بين البشر وغياب اللغة المشتركة في هذا التواصل، ولا قدرة لي على تزييف الواقع بمثالية نلجم ألسنتنا بها أو نقمع أسماعنا بعجينة وطين. هاتها !!!.. إنّها حياتي.. إنّه موتي.. أنا الجثث العديدة بلا معالم.. أنا السم الزعاف الذي تسرب في مفاصلها من بين فكرة الطمأنينة والكراهية.. أنا اليد الخاطئة التي حملتها حيث اللاشيء.. أنا مساحة المتر في متر التي احتضنت خطايا إنساننا النادم وهو يلعق دم ضحاياه مستمتعاً.. إنساننا الخاطئ والعاجز عن تبرير خطأه.3575 جنون الحمائم

الحكاية كما هي في مَتْن نص د. عواطف نعيم.. توجد عائلة منعزلة وكأنها تعيش في مكان ليس على الخارطة.. تمتلك فندقاً كما هو لدى البير كامو، ونُزلاً لدى عواطف نعيم، أطاحت بهما الحياة إثر ما مر بالبلد من دمار، أوحى لهما بأنّ طريق الخلاص يأتي من باب قتل النزلاء الذين يأتون لهذا النزل ساعة ينقطع بهم الطريق الى محل سكناهم ما بين محافظتين عراقيتين مهمتين هما بغداد والكوت وفي عرض سابق ما بين البصرة وبغداد.. هنا لابد من تأكيد المغايرة لدى جنون الحمائم مع سوء تفاهم حيث أنّ العائلة لدى ألبير كامو استحوذ عليها هاجس القتل والاستيلاء على أموال الضحايا من أجل تسديد الديون النقدية المترتبة بحق الفندق وبعدها المغادرة وترك المكان وعديد جثثه، أما العائلة لدى عواطف نعيم لم تكن كذلك بل كانت تبحث عن حقيقة مَثَّلَت بصدق واقعاً عشناه واكتوينا بلسع ناره انهم يبحثون عن هوية القتيل مع فكرة تسديد ديون من نوع آخر ديون معنوية لها مساس بتفاصيل حياة المواطن المثخن بالجراح وعلامة ذلك هو قول الأم صراحةً "طَلِّع هويته وشوف اسمه" لم يَرِد على لسانها أو لسان بقية أفراد العائلة أي ذكر للمال وكذك لم يكن القتل لديها أي العائلة المنعزلة لمجرد القتل أو لجنون وهوس تقليدي كما هو في الأفلام الامريكية بل قتل مبرمج ممنهج لأجل شيء محدد جايل أياماً عصيبة عشناها.. تلك الخصيصتين النوويتين اللاهبتين الهوية والإسم كم هو خطر ومؤلم ومستفز ومثير وقعهما الموسيقي في جوف ذاكرتنا، كانا سبباً وجيهاً لأن يرميك أحدهم بكلمة الله اكبر ومِن بعدِها يتحدرج رأسك عند أقدام الولي السفيه بِشَقّيه المعتم والظلامي.. ووفقاً لحجم العلامة وسيميائياتها وتعدد التأويلات نرى بما معناه.. ربما هذه العائلة زُرعت بقصدية عند هذا التقاطع بين الحياة والموت، بين هذه المدينة وتلك، بين الحقيقة والرغبة في طمسها بين ماضٍ جميل وحاضر قبيح، بين الأنا وضميرها. وفقا لهذه العلامة ورمزيتها نستدل ان هذه العائلة الغريبة المجنونة ظاهراً الذكية باطناً وظيفتها جمع أكبر عدد من الضحايا مقابل شيء ثمين تبحث عن استرداده لكن بأسماء وانتماءات حصرية انتقائية كانت فيما مضى تُعَدُّ من التوافه وربما تَوَزَّعَ هذا العمل الإجرامي بنظام المناوبة مجموعة تقتل أصحاب هوية وأسماء معينة باتجاه شرقي عند الصباح لارتباط الصباح بالإشراق ومجموعة أخرى تقتل أصحاب هوية وأسماء معينة باتجاه غربي عند المساء لما للمساء من تعاضد معنوي فلسفي مع الغروب وكل ذلك قد يُنبئ عن حقيقة دامغة أنّ تلك العائلة ناقمة على ما تعيشه وتعانيه ومفتاح خلاصها هي مهمام تقوم بفعلها لإحداث توازن ديموغرافي بين العرض والطلب وبين الشراء والبيع وبين ما لكَ وما يجبُ عليك وبين الوجود وعدمه، وربما هي ديون الماضي الملتاث مستحقة بذيل مؤخرة العائلة واجبة السداد وساعتها لا سداد الا بعدد ممتاز من الرؤوس المقروء عليها بعناية لفظ الجلالة (الله اكبر).. وليَ الحق أن أصور هنا ملابسات هذه الحالة سيسيولوجياً بذكر قصة حقيقية عشتها كان أحدهم ممن يقترب مما ذهبنا اليه بخصوص عائلة جنون الحمائم بمرجعيات واتجاه فكري ثقافي وعقائدي معين لمدينة ريفية في أقاصي الجنوب ارتكب جريمة قتل وسط مدينته وأهله وعشيرته فعُوقب بالجلاء من المدينة فسكن مدينة أخرى بثقافة وموروث واعتقاد ديني آخر ولما أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) النجم وأعلنت الحرب عن كشف مفاتن جسدها الرخيص للجميع سقط في يد هذا القاتل المدني صاحب الثأر العشائري فطارده سؤال وجودي مصيري ما هو فاعل للخلاص مما هو فيه ؟ هروبه العقائدي الظاهري وعودته للديار لا ترجمة له سوى قتله شر قتلة على يد أبناء ضحيته السابقة.. وبقاءه في المدينة التي تَرى فيه صيداً سهلاً لتصفياتها العقائدية سيترجم بالتأكيد لفصل رأسه عن كتفيه.. ما الحل اذا؟ لا حل سوى التغيير باتجاه الدين والعقيدة والثقافة وارتداء قناع آخر واعلان المصالحة مع هذه القوى الظلامية والتلذذ البورنوليزم لجسد الحرب الرخيص وهي تستخرج مفاتنها واحدة تلو الأخرى وهي تستحثه على قتل الآخر بل قتل نفسه إن لزم الأمر وأن يكون أداة قمعية لاستلال الأرواح من مخابئ خوفها وإشهار هوية جديدة للوجود الدموي بصرخة مدوية الله أكبر.

ولأننا نستظل بسماء تمطر أزماتٍ على مر العصور ونحن أحد أركان تلك الأزمات أرادت د. عواطف نعيم أنْ تقول أنّ الفن هو وليد هذه الأزمات وابنها الشرعي لذا كان خطاب العرض المسرحي في النهاية وعلى لسان الأم القاتلة وبنوع من التبرير لما آلت اليه أمور العائلة من وحشية وإجرام وكأنَّها تُواجه قضاةً في محكمة الوجود محاوِلةً دفع التهمة عنها بلعنها الحرب ومرجعياتها ونتائجها ومبرراتها حيث استطاعت د.عواطف نعيم بهذا الخطاب من زرع التعاطف وبث الشفقة واستدرار العطف الفرجوي لواقع مؤلم عاشته عائلة عراقية كانت ضحية في أصل وجودها لواقع مأساوي خلقه العالم الاستكباري يوم أُحْتُلَّت بغداد فهو خطاب ترجمَتْه الآية الكريمة ﴿ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾[ سورة النمل: 34] ونتيجة لنذالة الحرب وسوء آثارها تحولت الضحية إلى جلاد بفعل عامل التطور البايلوجي الذي أشار إليه دارون بعمليات التحول الجينية والصفات الوراثية.

هناك بعض التفصيلات المهمة التي عَلَتْ جسد العرض وكشفت هويته ومغزى خطابه ورؤاه فنياً وجمالياً وسيسيولوجياً وسياسياً والواجب النقدي مع التماسنا العذر عن الإطالة يلزمنا تسليط نور التفكيك باتجاه العتمة عند بعضِ زوايا تلك التفصيلات باجتزاء فكري حسب موضع وحراك الشخصيات الأربعة ضمن نسق العرض بطريقة المحاكمة الإنفرادية وسردها كتأريخ يختزن فكر عجوز يروي حكاياه لأحفاده وهم يجتمعون حول موقد نار يجسد رقص لهيبها وهسيس جمرها تلك الحكايا صوتاً وصورة.

مع أول حركة شهدها المنظر العام لفضاء الخشبة بخلفية سينوغرافية اتخذت شكل الغابة تولّدَ نظام الإحالات الصورية الذي أكد عزلة الخادم ومن معه، تلك العزلة الغارقة بشعور الإهمال في ظل غياب اللغة والتواصل مما أفضى الى الكبت والإخصاء الذي كان طريقاً للجريمة التي كانت أدواتها فردية من خلال الخادم وبقية العائلة إلا إنها واقعا جريمة ارتكبتها الجماعة في ظل عالم صامت لا تعنيه استغاثة أحدهم، لا تعنيه الأرقام المهولة لقتلى عملية ارهابية في صميم العالم، لا يعنيه شعب محاصر يموت اطفاله زرافات ووحدانا كل يوم لعدم توفر ابسط طعام عرفه التاريح وهو الحليب.. عالم فقد التواصل لا يعنيه فعل هذه العائلة الدموي مما افضى الى أن ترى في القتل عذوبة وانها تحسن صنعاً، وفي نفس الوقت ولعدم وجود الرادع لها أصبح اليأس حاكمها في النهاية بعدم القدرة على التراجع والعودة الى المربع الأول بالتواصل اللغوي المتفق عليه والعودة الى الماضي القريب حيث الفطرة الأولى فكل ذلك أصبح من الخيال حيث أن الجميع أصبح نهباً لرياح باتجاه واحد لا تراجع لها كنا نأملها رياحاً للتغيير بالإتجاه الايجابي لكنّها أتت بما لا تشتهي سفن النوايا الحسنة.

عند نقطة معينة كان فيها الخادم عائداً تواً من دفن أحد الضحايا تواجدت وبقوة فرضية عبثية الوجود التي تتسيد تفاصيل حياتنا على لسانه وهو يحاور الأم التي لم تنم حتى ساعة متأخرة من الجريمة والموت رغبة في أن يَعزفُ نغماً في مخيالها الدموي اعتادت عليه روحها المعذبة وهو يقول لها تم كل شيء حسب العادة.. وحسب رغبتك

- خلص؟

- إي خلص

لنكتشف هنا سذاجة الإنسان وهو يستسلم لحياة عبثية ما كان مفترض به أن يعيشها بجدية كبيرة كما هو حاصل في حدود جريمتهم وهو يخبر الأم كالعادة بخطواته الرتيبة في ظل دائرة لا فراغ منها ولا حاجز يصرخ بوجهه قائلاً قف!!! يمنعه ويمنعنا من مواصلة التجوال في ميادين تلك الحلقة المفرغة هذا التجوال الذي يكشف رتابة اليومي ونحن نرزح تحت وطأته.

-أشيل وأحط

-والمكان؟

-نفس المكان

لترد عليه بعبارة صفراء تصف ما هي عليه لكنّها ظاهراً تكافئ ما اقترفته يداه بكلمة ترفع من مستوى كفاءته في القتل والتغييب

- عفيه عليك وعلى قلبك الصخر

فيرد عليها بعبارة تلخص شيئا من واقع هذه العائلة المخصية عن صنع الجمال وهو غارق في صراعٍ وعاءَه إبريقَ شاي يغلي بعذابات مهولة مُوزّعٌ بين العاطفة والعقل، بين الأنا وضميرها.

- عفيه على زماني الحول الليّن صخر

مما يعني أنّ هناك عملية تحول جيني طرأت على حياة تلك العائلة وهي عملية متداخلة ضمن عمليات تحول كثيرة وعديدة استثمرتها د.عواطف نعيم لتعلن عن صخب الحياة الأصم وضجيج الواقع المَقْعِي إدباراً.. وهذا ما كشفه عنوان العرض الفلسفي "جنون الحمائم" والحمائم جمع حمامة كما هو معروف والشخصيات الأربعة في أصل وجودها حمامات وديعة والحمام كما هو متداول سيسيولوجي صديق تاريخي عميق للإنسان والألفة واللحظات البيضاء لكنها عندما تضام وتذل وتحرم من طعامها الذي هو حبات حنطة تعد على أصابع اليد تتحول لما يملكه الانسان من حيوانية قاتلة وكأنها استعاضت عن ما حرمت منه بشيء اشد وأقسى وهذا ما يذكرني بفيلم سينمائي امريكي ثمانيني بعنوان امبراطورية النحل حيث كان شاهداً على قسوة الإنسان اتجاه النمل بعبثه وجنونه ومن أشكال جنون الانسان هذا هو رميه المخلفات النووية والنفايات الكيميائية في عرض البحر ليصل ساحل أحد البحار برميل معبأ بهذه النفايات فيتناوله النمل بشراهة متحولاً الى نمل أسطوري بحجم مخيف ليقوم بقتل كل من على الجزيرة من بشر وخاصة من كان سيئاً في سلوكه اليومي.

الخادم في جنون الحمائم هو تتمة لشخصية الخادم في سوء تفاهم حيث كان صامتا أصمّاً أبكماً بشيء من القسوة تطور لدى عواطف نعيم بعد أن كان لعابة صبر خزّن كل ما مر أمامه من مأساة عاشها هو بمعية الآخرين بقسوة ورعب حتى حان موعد لقاءه عند معالجة عواطف نعيم بتوهج فلسفي ليتفجر غضباً بلسان بَيِّن وبتدخلات حاسمة أشد قسوة من خادم البير كامو لكنه مازال يحمل صوت طفولة مذبوحة على أعتاب مجتمع مختل عقلياً لذلك كنا نراه من خلال الأداء الممتع لعميد المسرح العربي عزيز خيون وهو يتقافز بفورات راقصة تلخص تاريخياً لهيستريا حمامات مذبوحة اتهمت بالرقص لشدة الألم ولرفضٍ داخلي عاشته وتعيشه باتجاه ما جرى ويجري من تغييب وقتل للبراءة، للفطرة، للطفولة مما دعاه أن يتعرى بطريقة البورنوغراف كما هي لدى الإبنة لا بنهج إباحي لكشف ما هو مكتشف ومعروف بديهي لدينا فلغة التعري هنا تجاوزت ظاهر الجسد بل تعرٍ كشف حجم المأساة المهول الذي عاشته الشخصيات الأربعة وكأنّهما ارادا أن يقولا أنّ تضاريس أجسادنا ليست بالغريبة عن بعضنا البعض لكن الفارق ما بداخلنا من وجع يغلي لذلك هو تعري داخلي نحتاجه بين حين وآخر كسلوك تطهيري نعلن من خلاله حقيقة كوننا ضحايا لا جلادين ضحايا ظروف قاهرة صنعتها العبثية بطريقة } الما عنده ظهر ينضرب على بطنه {.. وكأنه تعنيف لمن يدين أبطال أفلام البورنو في تعرية أجسادهم التي هي أجسادنا المألوفة للجميع فما بالكم فيمن تعرى ليكشف لكم وجعه الداخلي الممتد من يوم مولده وحتى خاتمته هذا الوجع الذي لكم نصيب كبير في وجوده وخلقه وزرعه في ثنايا أرواحنا المعذبة.

وبعد أن لاحظَ الخادم ارتخاء عضلات الأم وجسدها بآه عميقة أطلقتها وهي جالسة على الكرسي الطغياني لطمأنينة غازلت هوسها بنجاح الخادم كالعادة في تنفيذ ما تريده طلب منها النوم رغبة في إعلان صباح وردي وختم ذاكرة الموت لديها بالشمع الأحمر وأنْ تنسى ما هي عليه من رغبة محمومة في ضخ العزلة لما حولها بشكل جريمة ضحاياها اكتضت بهم الأرض وهي إشارة واضحة الى أنّ ملك الموت هنا في ظل هذه العزلة هو الأم وما الخادم إلا أداة مسيّرة وعليه السمع والطاعة، وفي عبارته هذه أراد القول للأم أن نومك راحة لك وللآخرين وبمونولوج داخلي (مو كافي موت)

- نامي خاتون.. بلكي نفتح عيوننا على صبح شمسه متغيب.. وطيره ميجفل..

ولعظيم الخوف الذي كان مسيطراً على الخادم وهو يواجه دموية الأم وابنتها أصبح محالاً عليه أنْ يحلم وهو مستيقظ، هذا الحلم المشروع لكل إنسان في أنْ يكون غده مشرقاً وحتى وإنْ نام وأصبح الحلم مباحاً لا ضير منه فسيصطدم بالتأكيد بطريقة تحقيقه لأنه مستلب، مقيد فكرياً، وروحياً وربما جسدياً وما هذا الحراك الذي يزاوله أمامنا ما هو إلا هذيانات شبح متقاعد عن الحياة يريد التعجيل في نهايته وختم جوازه باتجاه العدم.

- ما أقدر انام.. حتى ما نحلم بشي نشتهيه وما نحصله

لينتهي بنا المطاف تأويليا أنّ النوم لدى الخادم هو فض نزاع لحجم الشعور بالألم الذي يعيشه وكأنها رغبة في الموت والخلاص، لكن هيهات له لعظيم ما اقترفت يداه وكأنه الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان يأمل النوم ولو برهة دون أنْ يرى ضحيته سعيد بن جبير يطبق على خُنّاقه مبشراً إياه بالنار وسعيرها.

وبرسائل مهمة أوحت بها العلامات العديدة الصاخبة والضاجّة في العرض لاحظنا أنّ الخادم طيلة زمن العرض لم يُرى جالساً على واحدة من المثابات الديكورية التي احتوتها أحضان الفضاء المسرحي فقد نجحت د.عواطف نعيم في بحثها التكاملي عن الجمال الهارموني اللذيذ وبطريقة الأسلبة الواعية بإسقاط الإضافات برشاقة حيث ذهبت باتجاه هذا المنحى التجريدي الجمالي واختزال الواقع وثيمة العزلة والفراغ وعدمية الوجود بمنظر مسرحي غاية في الجمال حيث لاحظنا الأم عند حدود عليائها وجبروتها وطغيانها حيث الكرسي الشاهق.. والإبنة عند مثابة أوطأ من مستوى كرسي الأم في موقع على يسار الخشبة.. والإبن عند نفس مستوى المثابة الآنفة الذكر ولكن على يمين الخشبة.. حيث مثلت المثابتان جناحي الأم التي تصارع الزمن وهي تحاول أن تطير مبارحة هذا النفق المظلم، والمكان الموحش الرمادي، بحثاً عن أفقٍ عريض لحياة جديدة.. لكنها أجنحة كسيحة لا تجيد الطيران ورعونة المسلك والسلوك هما من جعل الجناحين بهذا الشكل المعاق.. الجناح الأول يمثل الإبنة وهو جناح يعاني الجنون والعزلة والاغتصاب والرغبة في الانتقام تفترسه الهشاشة وإنْ بدا قوياً والثاني يمثل الإبن القادم من الضباب والعدم لا يقوى على الرفيف ولا الصفيف لأنه ميت مشلول منذ ثلاثين سنة ولّت ورحلت ووجوده الحالي موت من نوع آخر.. وفي رأيي وقناعتي النقدية أنْ الأم مع هذا الخلل في إمكانياتها المعاقة في الطيران والخلاص نجدها أحيانا قد استسلمت لهذا الأمر فاتخذت من الحكاية برمتها تسلية لقضاء الوقت حتى موعد ينتهي فيه كل شيء وتجلو الغبرة وهي إشارة عبثية بالغة بإحلات وانزياح اتجاه الوجود في الولادة والموت واعلان ان الحياة كوميديا عبثية لا طائل منها.. ومن كل ما مر آنفا نرى بوضوح حرفية عواطف نعيم الإخراجية وجمالية قراءتها للنص وإبداع تعريقها وفقاً لنظرية الثابت والمتحول حيث مازجت عواطف نعيم بين المنهج الساتناسلافسكي ومنهج مايرهولد لتأكيد الدلالة والتشكيل المسرحي للجسد في ثنايا الفضاء بتداخل مع قيمة الكلمة واللغة ووجوب حظورها عند جدلية الوجود وما يرافقها من جدليات متناسلة وذلك من خلال عملية فصل قصدية من خلال الخادم وبقية الشخصيات الثلاثة بين الحركي المتكلم بقسوة وبين الساكن المتكلم على استحياء مما أفضى الى توليد قناعات لدينا أنّ الخادم هو في أصل ذاته القدر الأعمى الذي يراقب بعيون جوانيّة ويتابع ما صنعه الثلاثة منتهزاً الفرصة للقفز على خنّاق أحدهم في صورته الساكنة وهو يعتلي المثابات الثلاثة لينهي حكاية الإنسان وصراعه مع الحياة.. فلو قمنا على سبيل التجريب بعملية نفي لشخصية الخادم عن حدود العرض لما حصل أي خرق أو شذوذ في الفعل لدى الأم وابنتها وأصل الحكاية بل لاستمرتا بالقتل وافتعال الصدفة في تواجد أبناء وأخوة آخرين وضحايا آخرين وتصفيتهم وسداد الدين المعنوي والحقيقي في إشارة الى دين الأم مع ابنها الذي لم يدخر جهداً في مغادرتها يوم كانت بحاجة إليه ودين الإبنة مع المجتمع الذي انتزع منها حريتها وربما أعز ما تملكه.. شرفها.. إذن الخادم هو في أصل ذاته قدرنا المرئي الشبحي الذي يلازمنا كظلنا هذا القدر الذي تعلم كيف يصطادنا كحبات الحنطة بمنقار فاختة جميلة وما افتعال كونه حفاراً للقبور لمحو أسماء الناس بذاتها من صفحة الوجود ما هو إلا تمويهاً وبث ضبابية لإحداث الفعل الدرامي الناضج لدى المتلقي من قبل كامو ونعيم مع وجود الغاية الدرامية اللازمة لتأجيج الفعل وانعكاسته.. وفي تأويل آخر للخادم هو الزمن الذي تحدثنا عنه بما يخص الأم في إنها تعول على مروره وتقادمه حيث يعيق الحساب والمحاكمة لذا بطمره الجثث في خبايا الأرض هو قطع دابر الحكايات واعلان خاتمتها بالتواطئ مع الزمن وعلامة ذلك هو الحاح الأم وابنتها في التعجيل بعملية القتل والتخلص من الجثة مخاطبة الخادم او الزمن بعدم التوقف عن المسير بعد أن طلبت من الإبن الاستمتاع بشرب الشاي المسموم.

- اشرب اشرب جايك لا يروح يبرد..

- لا تشغله خلي يشرب الجاي بالهيل

- يبين تحب الجاي بالهيل

- شراح يكون غير واحد من الساكتين المحنيين الراس.. شيله هو وعوده وادفنه

ليصرخ الخادم هنا بعبارة سحرية ايقضت دموعنا وحرضتها لشق نهر ثالث يتقاطع مع دجلة والفرات حينما شكا للأم عدم وجود مكان يسع جثة اخرى "صرنا نخاف نحفر اساس بيوتنا.. لا نلكه جثة زوج لو اخو لو ابن".. اشارة الى المقابر الجماعية التي مثلت ظاهرة وثقافة دخيلة على مجتمع كان ينام بعد المغرب مباشرة تاركا باب داره مفتوحا دون حراسة.

الأم في جنون الجمائم هي الوطن المشاكس الماكث في الحروب.. الحروب التي قتلت ابنائها لعظيم أنانيتها لاستحواذ جدلية البقاء على مخيالها الوجودي والتي هي المحرك الرئيسي لجميع افعالها فالغاية لديها تبرر الوسيلة وموت الابناء وهجرتهم عامل مهيمن في البقاء لها ولسلطتها مع تأشير مهم طالعناه في سلوكها الاعتذاري حينا والذي أكد كذبها في كل ادعاءاتها لتبرير هذه الأنانية التي هي عليها وهذا ما سنؤكده في قابل مقالتنا لاحقا.. كذلك هي السلطة الحاكمة المهيمنة والتي أوحت بها طبيعة الكرسي الذي احتوى كيانها وقد تمثلت بعمومياتها باتجاه هاجس الخوف الذي خيم بظلاله على الفضاء المسرحي مما أبطل حرية الفعل لدى الشخصيات اشارة لقول أحد الطغاة الحاكمين بامر الشيطان في معرض دفاعه عن سلطته أمام ابنه وولي عهده "أنك لو نازعتني هذا الامر لأخذت الذي فيه عيناك"..مما ولد هذا الطغيان فينا خوفا نشأ وكبر وترعرع حتى اصبح ثقافة وهو الذي منع الخادم من أن يصرح جهاراً أمام الخاتون بأنّ ما نحن فيه نتيجة طبيعية لرعونة التفكير وسذاجة الثقافة التي لازمت تفاصيل حياتِك في ايمانِك بأن الحل والاجتياز لجميع العقبات لا يتم الا بالقتل والحرب والانتقام.. ورغم مشاركتنا في القتل والتغييب ما نحن الا ضحايا لما أنتِ عليه من هوس وجنوح صوب العزلة وتصفية الآخر المضاد.. وما ابنتك إلا امتداد لحليب فاسد غذيته لها صَنَع منها وعاءً لا يركد يعيث بأسماع السماء صخباً وصراخاً حتى يمتلئ بالدم فيهدأ حيث ترجمت الإبنة ذلك الانطباع بمطالبتها أخيها بشرب الشاي المسموم بإلحاح وعلى عجل بطريقة متعطشة والذي يذكرنا بعسل معاوية كي تراه غائبا في طيات الارض السحيقة ميتاً بلا حراك انتقاما لجراح طالتها فيما مضى وسنناقش ذلك عندما يحين دور محاكمة الابنة في قابل المقال..

"لم أعرفه فقتلته.. وحين لا تعرف الأم ابنها فعليها أن ترحل"

ابدعت د. عواطف نعيم في توليد ازمتين بدتا كهرمين دراميين غيرا مسار الحكاية وأججا الموقف باتجاه معقد بعد الأفقي المستمر الذي عكس اليومي الرتيب حسب ملتون ماركس حيث قال "الأزمة هي نقطة التحول التي تغير مجرى الأحداث كلياً".. تداخلت الأزمتان كنواة في خلية وهذا ما نسميه السببية الدرامية بخلق الأزمات وتداخلها وصناعتها لبعضها فالأزمة الأولى وجدناها عند عتبة بلادة الانسان بوصول الإبن للنزل لإكمال فصول تمثيليته الساذجة الغير محمودة العواقب في ظل عالم صامت فقد اللغة المناسبة للتداول والتعاطي اللساني والشعوري مع الآخر وحسب رينيه ديكارت حيث قال "من الخطأ افتراضنا بأن الآخرين يفكرون بنفس طريقة تفكيرنا"

أتى الإبن بعد طول غياب وقد أحدث الزمن ما أحدث في ذوات أمه وأخته فيباس الشعور من أولويات ما اكتوت به قلوب أرحامنا لهول ما مر من خراب ولاعتبارات قصدية لديهما أن الآخر هو الجحيم كما قال سارتر في نصه المسرحي الأبواب المغلقة لذا كان الابن جزءً من الخراب فالظلام دامس والفضاء ضبابي حد اللعنة وقد أحسنت صنعا د. عواطف نعيم ببث جزئية الدخان على جانبي الكالوس لتأكيد الصورة الضبابية التي دفعت بالأم حصراً أن لا تتعرف على ابنها على اعتبار ما قلنا آنفا بأنه جزء من الخراب الذي أحاط المدينة وكل المشاعر المقدسة كمشنقة مفتولة الحبل تخنق كل جميل.. لم تعرفه فقتله.. فقد قتلت هنا الفرح الذي كانت تنتظره ولم تتعرف على هذا الفرح بعد مغادرته عنها فنسيت شكله ولونه وحتى حقيقته لعمى داخلي أصبح ملازماً لشخصية الأم كما أن هذا الفرح ملام هو الآخر فلم يأتي بطبول وعزف وألحان واعتراف جلي بأنه قادم من أجلهما بل أتى منفرداً بصفة مُقَنّعة وبكذب كان يعتقده ابيضاً وحسب سارتر "كل كلمة لها تبعاتها وكذلك كل صمت".. كذبه هذا قاد الأم وبأزمة ثانية صنعتها د. عواطف نعيم لتكذب هي الأخرى "كذب صامت" بادعائها بعدم معرفته والحقيقة هي إرادةُ الإعراض عن معرفته كانت قد سيطرت على عواطفها وخاصة عندما تعاطت معه في أداء الأغنية التي كانت تهدهده بها وهو صغير استعادت ذكرياتها معه لكن أنانيتها وسطوة القوى الغيبية التي تمسك بخنّاقها جعلتها تخرس كل نداء عاطفي يتفجر في جوانياتها فما يملكه من مصداق وجود له ثمن باهض هو ما سوف يخلصها من هذا العالم الموحش من هذا النزل المنفرد المعزول المهمل وكما قال توماس كارليل "الأنانية منبع وملخص كل الأخطاء وبواعث الشقاء" لذلك لابد من مذبحة ديونيزيوسية بقربان بشري يمثل أعز ما تملكه الأم وهو فلذة كبدها ليحيلنا ذلك بمقاربة مع ما جرى ويجري من مشاهد الذبح والقتل والتصفية التي كانت صورة حقيقية لواقع فوضوي يبرر القتل، الفارق في الأمر أنّ عزيز خيون وعواطف نعيم وشذى سالم ومصطفى حبيب ممثلون وصنّاع فرجة ومن كان يقتل آنذاك أونلاين قاتل مع سبق الإصرار والترصد بوعي قصدي.

ومن ضمن آليات المغايرة النصية ل د. عواطف نعيم والتملص من عباءة ألبير كامو جعلت الابن الضحية فناناً لقصديات واقعية وفلسفية نعيش فصولها على مدى الأيام باعتبار الدكتورة هي فنانة وفنانة ذات رسالة هي ومن رافقها من الجماليين وقد عانت من الاجحاف والظلم ما عانت من خلال تحجيم الحكومات لحراكها بافتعال ضيق ذات اليد في عدم الدعم وقطع سبل الحضور أمامها بطرق استفزازية كونها محسوبة على النخبة الواعية لماض تنويري في مواجهة الجهل المركب لواقع خرف هذا الواقع الملتاث الذي وقف أمامها كحجر عثرة وعصاً كأفعى تلتف حول عجلة الجمال تعيق قول ما يجول في وعيها من إبداع ترى في وعيها الكامن أنه طريقاً مناسباً للنجاة.

أفرز العرض واقعاً ممسوساً ملغماً بالدلالات والاشارات لإنتاج جيش من التأويلات النفسية لشخصية الإبنة التي جعلتنا المخرجة عواطف نعيم بمعية الممثلة شذى أن نعيشها معهما بمشاعر متناقضة بين الرضا والعطف والشفقة وبين الرفض والبغيضة والاستهجان ففي معرض حوار الإبنة والخادم وهو يحاول امتصاص سورة غضبها لما هي عليه نتيجة ماض ملوث وذكريات معجونة بخسارات تترى

- الدين يتسدد ونرتاح

- الا ديننا شما ندفع اكثر يرجع اكبر واكبر

اشارة الى ان القتل لا نتيجة له الا القتل والخراب

- اهدي بنتي

- اني مو بنتك.. لا تقول بنتي ما ارضى ان اكون ابنة لواحد جبان

- صبري نفذ

-  ابويه لو كان موجود محد قدر يلمس شعرة من راسي.. كلكم عفتوني وخليتوني بين اغراب

عند هذه النقطة اكتشفنا ان هذه الأنثى ناقمة على من فشلوا في توفير الحماية لها ومنهم الخادم الذي هو بمثابة أبيها أو هو أبوها فعلا لكن خنوعه وضعف شخصيته في مواجهة الخطر المحدق بابنته التي تُمثل بالتأكيد الوطن وعاصمته بغداد ووقوفه متفرجا وهي تغتصب بين الأغراب جعل منه شخصية تقاد كيفما يريد الراعي شخصية مستلبة لذا لم يعد له الحق في منادة الإبنة بكلمة "ابنتي".. وما عانته الابنه يحيلنا عند مشارف طفولتها وربما اغتصابها وهي بعمر الزهور ومن خلال الاستبطان الذاتي لشخصيتها وحسب "كننغهام" "أن النساء الناجيات من اعتداءات في الطفولة يعانين غالبًا من التوتر ونوبات الفزع والرهاب" نجد بالتأكيد أن كل ما مر هو "صدمة" بكل المقاييس، صدمة في خسارة ذاتها يوم احتوشها الأغراب وخطفوا أثمن ما تملك، وصدمة أخرى تمثلت في رهانها الخاسر على الخادم الساكت التابع وعلى أخيها الذي هاجر بحثاً عن نجاته مُفَرِّطاً بأخته وحاجتها له.

ومن أعراض الإجهاد بعد الصدمة "عبالك الي شفته هين يا غشيم" كما هي الصدمة لدى المحاربين الأمريكان الذي احتلوا بغداد.. ولدى الناجين من الاعتداء الجنسي في الطفولة.. هذه الصدمة التي سببت عرقلة النمو الاجتماعي الطبيعي لديها وبالتالي فرض حاجز شاهق من العزلة.. وفي النهاية تتطور لديها الاستجابات الانفعالية بتكرارها والاستمرار عليها كعادة طبيعية والقتل واحدة من تلك الاستجابات كما اوردت العالمة النفسانية اليزابيث هيرلوك ذلك في معرض حديثها عن رابط الطفولة بما ينتجه المجتمع في المستقبل.. وهذه الاستجابات الانفعالية أصبحت ملازمة للعائلة مثل عملية جراحية مؤلمة في البداية لكنها باعتقادهم فيها راحة كبيرة بعد التنفيذ وهذا ما لاحظناه على الام بعد اعلامها من قبل الخادم بكلمة "خلص".

نعود الى الابنة وراحتها المطلقة في الانتقام والقتل هو موت من نوع آخر. فعقدة الطفولة مازالت تعيش معها مرافقة لها وطريق الخلاص من هذه العقدة ورغبتها في مفارقة هذا العالم الموحش ان تختلق سببا للعقوبة فعقوبة القتل الموت لذلك هي في يقينها أنّها يوماً ما لابد أنْ تُكتشف ولابد أنْ تنال جزاءها وتعاقب بالموت وهذا انتحار من نوع خاص اعتراضا ورفضا لما مر بها من عنف اجتاح براءتها.

اعتقد المتلقي ان ابتعاد خطاب سوء تفاهم عن خطاب جنون الحمائم بما نصه لكامو "لسنا ننشد عالماً لا يُقتل فيه أحد بل عالماً لا يمكن فيه تبرير القتل" وبما نصه لعواطف نعيم "وإن انتهت الحرب فهي مصدر لتوليد ويلات لا تنتهي" وكأنه بما يشبه تبرير للقتل الذي ارتكبته العائلة لكنه في حقيقة الامر وهذا ما عرفناه في ادق تفاصيل منجزات د. عواطف نعيم انها حريصة على زج خطاباتها في طيات العرض بشكل لا تنتهي معالمه وإن كانت إدانة الحروب ثيمة لمسناها ضمنيا طيلة مدة العرض لكنها ولامتلاكها لعوامل الدهشة الفاعلة في صفع المتفرج بعد خدر دام فيه متسمراً على مقعده وإيقاظه على حقيقة أكبر وأعظم وأجمل وهي الواعية المحنكة التي تعرف كيف تقدم خطابها مغلفاً بطريقة تشكيلية بصرية لتحدث ضجة فلسفية في ذات المتفرج وذلك عندما أنزلت في خاتمة العرض جثث الضحايا بتزيين كروتسكي بالغ الصدمة في ذات المتلقي من أعلى نقطة في مدى بصرنا حتى متوسط رؤيتنا لتقول لنا الدكتورة ترجمة ل "جان كوكتو" حيث قال "الحياة سقوط عمودي" أي أن كل من فارقنا مظلوما في ظل هذا الخراب الذي عشناه أو هذه الجثث التي هبطت من عليائها ما هي الا حياة ناطقة ما زالت تتحدث بذاكرة مجروحة وانها اي الجثث لم تمت فما زال الدم يجري في عروق من غيب من اصحابها فهم احياء يرزقون.. اشارة اخرى في العودة والرجعة للضحايا لمحاكمة الجلاد والاقتصاص ممن قض مضجع احلامنا.

حاولت المخرجة فنجحت من خلال الموسيقى والمؤثرات الصوتية والاغاني والرقصات والحركة العامة الآخذة بشكل موجات تدفع أخرى منح كل ذلك بعداً تأويلياً أو استعارياً لتأكيد الخطاب الرافض لقسوة الزمن الذي نعيشهُ ومدى اعتقادنا الواضح بأن الرابح في الحرب خاسر لا محالة.

أما على صعيد التمثيل ولأن الممثل علامة مسرحية تمثل لبنة متعاضدة مع لبنات العرض وعناصره الجمالية أثبت الجميع بإمارة عميد المسرح العربي عزيز خيون أن التطور الادائي لديهم لم يقترن بالزمن في خطه الأفقي أو الانحداري بل كان شاهقاً ولم يكرر نفسه بل افرزت حداثة الفعل الميكانيكي الدرامي جسدا والقاء وبتفرد خصيصة تمثيلية راسخة لدى هذه القامات منحت المتفرج هارمونية تلقي لا شذوذ فيها بابتكار علامات ادائية مثلت درسا للجميع بأن المبدع لا يتحرك على خشبة المسرح الا ومعه الخبرة والموهبة والاخلاص والعدوى والاقناع فهذا هو مفهوم الخصوصية والتميز لدى الممثل عند هضبة "التقنية الداخلية والخارجية".

***

كاظم نعمة اللامي

في المثقف اليوم