قراءات نقدية

حاتم جعفر: سلاماً أيتها الشفيعة.. وقفات مع رواية يا مريم لسنان أنطون

ربما حضر مبكرا، أو يكون صديقاه قد تأخرا عن الموعد المتفق عليه لاعتبارات بات يدركها بسبب تكرارها، لكن وفي الحالتين لا بأس، فصاحبنا قام باستثمار الوقت وعلى طريقته الخاصة وكما في كل مرة. أعدل من جلسته ثم تبعها بأن استل سيكاره من علبة الدخان المفضلة لديه وراح موقدها. بعد ذلك وما إن شعر بحالة من الاسترخاء، نادى على النادل ليؤتيه أو ليسعفه بكأس من الخمر، شارطا عليه وبلغة طغت عليها روح الدعابة، أن يكون كذاك الذي كان يحتسيه في بلاده، بباراتها المطلة على أبو نؤاس. أو كذاك الذي لا زال مذاقه عالقا في فمه، يوم شربه في حاضرة شريف وحداد، فحتى الخمر هناك أطيب. وما أن أوشك الإتيان على مُدامه الأول حتى بدأت تداعيات الماضي تنهال على ذاكرته ولتتدافع فيما بينها، فإحتار صاحبنا في بادئ الأمر بأي منها سيبدأ، حتى إستقر أخيرا على أبعدها رجعا.

ففي أواخر السبعينات كان فتى يافعا. لديه من الفضول ما يكفي ليصغي لما يقوله الكبار. فمثلا وعلى ما وصل مسامعه ومن دون أن يدرك دلالته وما الأسباب التي وقفت خلف هذا القرار، فإن فلان الفلاني، إضطر مغادرة البلاد لأسباب سياسية. وسمع أيضا ما دار من حديث بين كبار عائلته حيث تبادلوا خبرا مفاده، بأن سكنة البيت المجاور لهم، قرروا الإنتقال والعودة بشكل نهائي الى مدينتهم الأصل والواقعة في غرب البلاد. وحين دفعه واعز الطفولة للإستفسار أكثر عن خلفية هذا القرار، كان ردَّهمم أن إكتفوا بإلتزام الصمت، لإعتبارات تتعلق بصغر سنه وصعوبة البوح له بأمر كهذا. وثالث آخر وبعد أن تم إختطاف إبنته الكبرى، الطالبة الجامعية وقرة عين أهلها، وبعد أن عجز عن إقتفاء أثرها رغم ما بذله من جهد، قرر هو الآخر وفي ليلة حالكة الظلمة والوحشة، مغادرة حيّه العتيق ليتجه الى المجهول، تاركا خلفه ذكريات الطفولة والشباب. لكنه وعلى تواتر الأنباء التي كانت تصل أبناء حيّه القدامى عنه، من هنا وهناك، فالرجل ظل وفيا لتلك الأيام التي قضاها، وليحملها على كتفيه أينما حلَّ وإرتحل.

أمّا عن فترة الثمانينات فالحديث عنها ذو شجون وأسى لا يعرف الحدود، فبها إبتدأت الحرب الضروس، وبها إحترق السهل كل السهل، وبها شهدت البلاد سقوط عشرات الآلآف بل قل الملايين من الشهداء، من خيرة الشباب وأكثرهم بسالة، لرعونة طرفي النزاع وإصرارهما على مواصلتها، ليبقى كل منهما متشبثا ماسكا بكرسي الحكم، وتحت ذرائع شتى كالحفاظ على وحدة البلاد والسيادة وصونا لكرامة العباد. وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى بانت آثارها وما ترتب عليها من كوارث، طالت الحرث والنسل وكل ما تملك البلاد من موارد وخيرات، كانت تُعَدٌ ذخيرة وإحتياطا للأيام الصعبة وأيام القحط .

ما أن أنهى صاحبنا كأسه الأولى حتى نادى على النادل ليسقيه بأخرى ولتكن أكبر حجما من سابقتها، فأرادها أشد مضاضة بعد أن هزَّه الشوق وذهب به الحنين بعيدا، مقلباً أوجاعه وذكريات الماضي وما حلَّ ببلاده من مآسٍ لا قرار لها. وسيتوقف كذلك عند فترة الحصار وأي حصار ذاك الذي فرضته دول ما يسمى بالعالم المتحضر والخمسة الكبار منهم، المتربعين على عرش سلطة مجلس الأمن، ممن أرادوا للعالم أن يميل كما يميلون.

ما جال في خاطره من أفكار وأحداث وأسماء وهو في لجّة الخمر، سيقوم بكتابتها على شكل رؤوس أقلام، كي لا تفلت من بين يديه، وليعود اليها في القادم من الأيام وهذا ما جرى فعلا. فبعد أن أكمل عدته وبات على أهبة الإستعداد، شرع سنان أنطون بتدوين سرديته لترى النور وتنتشر بسرعة، فكان لي منها نصيبا. وبعد قراءتها والوقوف عليها مطولا، رحت بدوري مسجلا بعض من الإنطباعات والملاحظات والرؤى، مبتدءأً من حيث إنتهى، حيث سَيُورد الكاتب في نهاية سرديته ملاحظة مهمة، أسوة بالكثير من الكتاب وما درجوا عليه، تشير الى أنَّ: النص وشخصياته من نسج الخيال، وأي تطابق أو تشابه في الأسماء غير مقصود.

***

أسمى روايته يا مريم، لعله أراد الإستجارة بالسيدة العذراء، فهو كما أبناء الشرق الآخرين وكما الديانات السماوية الأخرى وعلى ما درجوا عليه من تقاليد وأعراف وتمنيات، آملاً أن تكون له شفيعا ونصيرا عند المصائب والمصاعب، وحين تُغلق المنافذ والطرق، لتأخذ بيده وتشد من أزره يوم أنينه وأوجاعه. ولتقف الى جانبه في محنته ومحنة شعبه، طامعا الى شفاعتها مما يعانونه و يمرون به من عذابات طال أمدها وغار جرحها.

سيختار الكاتب لشخصياته أسماء أليفة على السمع وعلى الذاكرة العراقية وأيضا سهلة على التداول، وتعكس كذلك مدى هدأة المجتمع ومستوى وعيه وإنتماءه وميله الى الإنفتاح والتعاطي مع أكثر الأسماء وقعا وجمالاً وشيوعاً، وإذا أردنا الإستشهاد والتعرف عليها، فلكم منها بعض أمثلة، كيوسف ومها وبشار ولؤي وشذى وجميل ومخلص وجاسم وأسماء أخرى قريبة منها.

لغة الكاتب في سرديته، تداخلت فيها الفصحى المبسطة والواضحة في آن والتي درج البعض على تسميتها بلغة الصحافة، وأظنه حسنا فعل، فللنص أحكامه وشروطه وعالمه. وبين بعض اللهجات المحكية كالبغدادية منها بشكل أساسي، حيث تعكس طبيعة المكان الذي تتحرك فيه روايته، وأيضا لطبيعة العلاقة التي تجمعه بها، بإعتباره أحد سكان العاصمة بل ومتأصلاً فيها. كذلك فهي (اللهجة البغدادية) تُعَدٌ بمثابة القاسم المشترك الأعظم وهمزة الوصل التي لا خلاف عليها، فعندها سيلتقي كل أبناء العراق الواحد وعلى مختلف مناطق سكناهم، من شمال الوطن الى جنوبه، ومن شرقه حتى غربه. وما دمنا نتحدث عن لغة الكاتب، فسيعمد وفي بعض الصفحات الى إستخدام إحدى اللهجات المحلية التي ينحدر منها ويعود بجذوره البعيدة اليها، وأحسبها تنتمي الى ما يتداولونه سكنة سهل نينوى وبشكل خاص إحدى طوائف أهلنا وأبناء جلدتنا من المسيحيين.

وللخوض في نص الكاتب، فلا بأس من أن نأتي على فاتحة سرديته، فمن هناك ستبدأ الحكاية، حيث ستتعرض إحدى العوائل كغيرها الأخريات الى مخاطر جدية، تتمثل بما بات يعرف بالعنف والشد الطائفيين، والتي ستتحول وتتطور فيما بعد لتأخذ شكل حرب أهلية داخلية، ضحاياها وللأسف من كل مكونات المجتمع العراقي. وما كان لها أن ترى النور وتظهر لولا قيام المحتل الأمريكي وَمَنْ دخل معه وعلى مطيته بفتح أبواب العراق لمن هبَّ ودب، من نطيحة ومتردية، ليعيثوا في الأرض وفي الشعب فسادا وينزلوا فيه ذبحا. ففي ظل هذا المناخ الذي شهدته البلاد والعاصمة بشكل خاص، الذي لحقته البلوى وبات ملبدا وملوثا بالأحقاد والإنتماءات المتخلفة، إضطرت هذه العائلة الإنتقال الى بيت آخر لعله يكون كثر أمناً.

وتحت ضغط الظروف الآنفة، إضطر الزوجان، مها ولؤي أن يتخذا من بيت العم يوسف ملاذا مؤقتا لهما، ريثما تعود الأمور الى حالتها الطبيعية. أحيانا وبحكم العيش المشترك ستدور الأحاديث بينهم طويلا، وقد تصل في بعض منعطفاتها الى حد الإختلاف خلال سيرورة النقاشات. فيوسف الذي كان قد عاش حياة حلوة، سيسمع كلاما ثقيلا من مها، إذ دائما ما تتهمه، بالتهرب من الحاضر واللجوء الى الماضي ..... . ليرد عليها وبلغة غَلبت عليها روح الإحتجاج (وما العيب في ذلك، حتى لو كان صحيحا، إذا كان الحاضر مفخخا ومليئا بالإنفجارات والقتل والبشاعة).ص11 . يوسف كان صادقا وصريحا، ففي وجهة نظره هذه سيعلن عن رفضه المطلق للواقع المر الذي يعيشه. في ذات الوقت ودعما لما يحمله من رأي، فسيعقد الرجل مقارنة سريعة بين زمنين وجيلين مختلفين، كان قد عاصرهما، ليثبت وبالأدلة القاطعة ما ذهب اليه.

العم يوسف كان قد ورث البيت الكبير الذي يسكنه من عائلته، ليبقى ويتقاسمه فيما بعد مع شقيقته حنّة حيث عاشا سوية. من ثم ظلَّ وحيدا بعد أن وافاها الأجل قبل سنوات وتصعد روحها الى السماء، بهدوء وسكينة. فوخر لقاء بها يوم دخل غرفتها ظنا منه بأنها قد إستغرقت طويلا في النوم. من ثم راح ممسدا كعادته بيده اليسرى على شعرها الأشيب أملا في إيقاضها، لكن وللأسف فقد كان هذا اللقاء الأخير بها وليودعها الى مثواها حيث الطمأنينة والسكينة الأبدية.

تداعت الأحداث وأيام الماضي على ذاكرته، فها هو الآن يدور البيت غرفة غرفة، مستعيدا بحسرة ما كان يجري يوم كان البيت زاهيا بأهله. وعن تلك اللقطة التي إستغرق فيها الكثير من الوقت دون أن يشعر، يقول يوسف: نظرت الى صورة العذراء المعلقة .... الى اليسار منها كانت هناك صورة لأخي، جميل، الذي هرب من العراق عام 1969 بعد أن أعدموا صديقه بتهمة الماسونية. ص18. بصرف النظر عن الإتفاق أو الإختلاف في إيراد هكذا خبر، وبصرف النظر أيضا عن البعد الإنساني الذي يترتب عليه، الاّ أنَّ التساؤل سيبرز هنا: ماذا أراد يوسف أن يقول؟ هل أنَّ العراق لم يكن آمنا حين مجيء ذلك الحزب وقيادته للدولة في عام 1968 ؟ ممكن بل صحيح والى حد بعيد. ولكن هل كان لأخيه حقا صديقا، على صلة بتلك المنظمة المشبوهة؟ وإذا كان الأمر كذلك فلكل واقعة حديث وموقف، فللوطن حقوقه وللشعب رأياً.

ومن شدة إرتباطه وحبه لشقيقته الراحلة حنّة، فسيستطرد العم يوسف في إستعادة الماضي،. فما من زاوية داخل البيت الاّ وله منها رائحة عطرة. وما من حديث دار بينهما الاّ وكانت لكلماتها حضورا وصدى ساحراً. ففي إحدى المرات وأثناء زيارتها لروما، قد أسرَّت لشقيقها كم أعجبتها تلك المدينة. لكنها في ذات الوقت (كانت دائما تتحسر على القدس التي زارتها عام 1966، تكرر بإستمرار وبلهجتها المحلية: أي شوقت ترجع القدس حتى نقدر نروح للكنيسة).. تساؤل (حنة) آنذاك، كان لا يعكس مدى صدق مشاعرها الإنسانية والروحية فحسب، بل أيضا يُعد إعلانا لا يقبل الشك أو اللبس في طبيعة موقفها وما تحمل من مشاعر وطنية وقومية، فهي لم ولن تنسى يوما، القدس وكنيسة القيامة وفلسطين.

وعلى صفحات أخرى من الرواية، ستتواصل النقاشات وتتكرر، فالدم حار والجروح لم يتوقف نزيفها بل راحت تزداد غورا. وما عاد لسكنة البيت الواحد من موضوع يتداولونه غير الإنفجارات والإغتيالات والسرقات والخطف ووو... . فعلى الصفحة 24 وفي لفتتة تنم عن حس وطني وقراءة موضوعية لما يحدث، سيرد النص التالي: مو بس كنايس قتنحرق بنتي. الجوامع اللي إنحرقت أكثر بكثير، والإسلام اللي انقتلو عشرات الآلآف. لذا فلا تمييز في القتل، فالقاتل لا دين له ولا أخلاق ولا قيم. والعلة يقول آخر في ردَّه على صديقه، محاولا تصحيح فكرة ما بُنيت على خطأ: مو قصة علينا لو مو علينا، بس دولة ماكو والأقليات ما حد يحميها غير الدولة القوية. إحنا لا عدنا حزب ولا ميليشيا ولا بطيخ. وفي صفحات لاحقة سيأتي القول صريحا ومعبرا بصدق عما يجول في بال كل العراقيين: البلد بلد الكل، وبلدنا وبلد أجدادنا...... .

***

في القسم الثاني من الرواية، سيضع الكاتب عنوانا لها أسماه صور، وستكون مادته الأساسية هي تلك التي تم إلتقاطها في خمسينيات القرن الماضي، من بينها على سبيل المثال تلك التي يظهر فيها المبنى الرئيسي لكلية بغداد، حيث سيضمَّ أحد صفوفها مجموعة من الزملاء، وسيمتد بهم العمر ليصبحوا أصدقاءا رغم تنوع إختصاصاتهم وخياراتهم، وسيبقون على العهد ولم يفرقهم لا لون سياسي ولا ديني ولا قومي ولا حتى مناطقي. فها هو سالم ويوسف ونسيم، المنحدرون في أصولهم من ثلاثة أديان موحدة، مجتمعون سوية، في لقطة تعكس مدى إنسجامهم ودرجة سعادتهم.

غير ان موسم الفرح والأيام الحلوة لم يدم وللأسف طويلاً، إذ سيحدث تطورا نوعيا لم يكن في الحسبان. فعلى نحو مفاجئ وبينما ( كان الثلاثة يمشون على شاطئ دجلة، بدا نسيم مهموما ولم يقل الكثير..... بعد إلحاح سالم في السؤال..... صارحهما بما كان يثقل قلبه: يمكن هاي آخر مرة نتشاوف) ص44. إنه الإنعطاف الكبير حيث ستشهد المنطقة تغيرا جيوسياسيا جذريا، سيتم على أثره إعادة ترتيب ورسم خارطة المنطقة، وعلى النحو الذي خططت له وأرادت بعض الدوائر الغربية، بقيادة ما كان يطلق عليها ببريطانيا العظمى. هادفة الى إنشاء كيان مُلفق وتحت ذرائع مختلفة، سيسمى فيما بعد بــ(إسرائيل).

وكي تكتمل الفكرة وينفذ المشروع ومن كل جوانبه وخفاياه، فقد عملت بعض القوى والتي تتمتع بنفوذ واسع، وبدعم وإسناد وتآمر من بعض الحكومات المحلية، على إحداث خلخلة في الأمن الداخلي، وذلك من خلال القيام بحملة تفجيرات رافقتها حوادث قتل، مستهدفة مكونا بعينه والذي يُعد أصيلا وجزءاً لا يتجزأ من الشعب وله إسهاماته المميزة في مجالات عدة كالأدب والفن والسياسة، إنهم يهود العراق، وذلك للضغط عليهم وإجبارهم على التوجه القصري نحو تلك البلاد الملفقة.

وفي لقطة على غاية من الأهمية، سيشد الكاتب أنظارنا الى موضوعة النخيل وما يشكله من أهمية في حياة العراقيين وذاكرتهم. فعندما كان يوسف، وهو الشخصية الرئيسية في رواية سنان، موظفا في إحدى دوائر الدولة، كان ضليعا ومتمكنا من اللغة الإنكليزية. ومن بين ما لفت إهتمامه هو ذلك الكتاب الذي يتحدث عن قيمة النخلة ومكانتها في ظل حضارة وادي الرافدين والتي قد تصل أحيانا الى درجة من التقديس. وعن ذلك سيأتي نصا صريحا قام بترجمته والذي أخذ في حينها شكلا ملزما وواجب التنفيذ، يقول (كانت شريعة حمورابي تقضي بتغريم كل من يقطع نخلة) ص45. وعن الكتاب أيضا وما ورد فيه، فسيتوقف يوسف المترجم عند إحدى الفقرات التي جاءت في ثنايا الكتاب وبلغته الأصلية أي الإنكليزية، عند فصل في غاية الأهمية، يتحدث عن قيمة ومكانة النخيل في الإسلام، مستشهدا بسورة مريم: وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا. الى آخر الآية الكريمة. بمعنى آخر وبعبارة صريحة واضحة ، فإن هناك إجماعا ومن مختلف الأديان السماوية وبكتبها المنزلة على قيمة النخلة ووجوب رعايتها وحمايتها من كل سوء وضر.

وتواصلا مع فكرة إستعادة بعض اللقطات التي ظلت عالقة في ذاكرة الشخصية الرئيسية للعمل الروائي الذي بين أيدينا، فسيعمد الكاتب الى إحياء إحدى الشخصيات النادرة والطريفة، والتي لعبت دورا سياسيا مهما في النصف الثاني من الستينات المنصرمة، والحديث هنا يدور عن الراحل طاهر يحي، والذي تبوأ منصب رئاسة الوزراء في العهد العارفي الثاني ولسنة واحدة فقط. فالرجل وعلى ما كان العامة يتداولونه عنه، فإنه متهم بطول اليد لذلك كان يكنى بأبو فرهود. وأعتقد ان إشارة من هذا النوع ستأتي منسجمة مع جو الدعابة الذي كان سائدا آنذاك، كذلك سيتناغم مع الطباع الشخصية للرجل المعني. فعلى ما قيل، فقد كان يصله كل ما كان يدور من كلام ولغط حوله وما يُلصق به من تهم، الاّ انه لم يكن مباليا لها، بل حتى كان يقابلها بنكات أشد وقعا وأكثر طرافة. وللتذكير فقد تم اعتقال طاهر يحي من قبل نظام الحكم الجديد وتعرض الى شتى أنواع الإهانات ووالقهر والتندر أيضا.

إذن وكما سبق القول، فسرد الأحداث سيتوافق مع الصور الملتقطة، بعديد مناسباتها وإختلاف تواريخها وتنوع شخصياتها. كذلك ستسير سوية بموازاة العم يوسف وطبيعة علاقاته. ومن الصور الأخرى التي يجدر الإشارة اليها والتي يحتفظ بها هي صورة الآنسة أو السيدة دلال، التي أكملت دراستها في بريطانيا في السبعينات وحصلت على (شهادة الماجستير في الهندسة الزراعية من جامعة إدنبره، وتم تنسيبها لوظيفة أستحدثت في قسم التخطيط الميداني). ص62.

سنان انطون في مدونته هذه ومن على صفحات الفصل الذي أسماه بصور، فعدا عن تغطيته لبعض الشخصيات التي جأنا على ذكرها، فسيسلط الضوء ومن جوانب مهمة على طبيعة الوضع الإقتصادي وما يعاني منه في بعض مفاصله. فبسبب ما حصل من إنتكاسات في الحقل إياه، نتيجة لعوامل عديدة من بينها سياسة الحروب، فقد تقرر تنشيط بعض مجالات الإقتصاد العراقي والإهتمام بها ورعايتها وخاصة ما يتعلق منها بالقطاع الزراعي: فـكان من أولى مهمّات دلال في عملها الإشراف على وضع دراسة شاملة حول وضع النخيل في العراق. (إنتهى الإقتباس). كيف لا وانَّ الغراق هو هبة شجرة النخيل المباركة، وصدق من قال: البيت الذي فيه نخلة لا يجوع.

***

في القسم الثالث من سرديته والذي أسماه أن تعيش في الماضي، سيتوقف الكاتب عند بعض المحطات والوقائع المحببة والمفضلة لديه ولدى أبناء جلدته، والتي لا زالت تحتفظ بها ذاكرته، لتؤشر الى طبيعة إهتمامات الكاتب. فمثلا سيعيد علينا ما كان يُشغل بال العراقيين على الرغم مما كان يعانيه من صعوبات وخاصة ما يتعلق بالجانب السياسي، وما كانت تتلقاه بعض الأحزاب السياسية المعارضة من مضايقات وأساليب قمع على يد أجهزة النظام الأمنية. فمن خلال الصورة، سيعود بنا الكاتب وعبر مدونته الى عام 1979، متذكرا إحدى مباريات الدوري الممتاز لكرة القدم، والتي كان طرفاها ناديا الزوراء والميناء. فعنها تقول إحدى شخصيات الرواية: جلسنا جنبا الى جنب في المقصورة في تلك المباراة المشؤومة التي أصيب أثناءها نجم الزوراء فلاح حسن وكسرت ساقه. ص72. وفي التفاتة تنم عن مدى تعاطف أحد المشجعين مع نفس اللاعب والذي أصبح أشهر من نار على علم ونجح في كسب حب وتعاطف ود الجمهور معه، لما يتمتع به من قدرات عالية في كرة القدم فضلا عن خلقه الرفيع، إذ سيصرخ أحدهم موجها كلامه له: أروح فدوة الهلصلعة الذهب.

وفي مشهد آخر لا يقل طرافة وجمالاً، سينقلنا الكاتب الى أجواء الخمر والليالي الملاح، التي كانت تعج بها ليالي بغداد يوم زهوها وألقها، بحاناتها وباراتها، فما أن تعلن ساعة السحر عن مقدم اول خيط لها، حتى تبدأ النفوس التواقة للنشوة بالتحرك في كل الإتجاهات، سعيا منها لإنتقاء نخبة من الصداقات والتي يطيب معها السهر والكلام المباح. وعن هذه الأماسي فكثيرا ما يصادف بين الجلاّس والندامى مَنْ كان على صحبة مع ما تجود به الطاولة المستديرة وما تحتويه من أنواع المأكولات الدسمة والمقبلات الشهية، ولم يكن شاغله سوى إشباع معدته التي لا قرار لها ولا حدود.

وبين الجد والهزل وبينهما المزاح، سـيعلن أحد عشاق الخمر عن إحتجاجه وبصوت مسموع بعد أن طفح به الكيل، لكي يضع حداً لما أسماه بالمهزلة التي تحصل، وبالتجاوز الصارخ على حقوق الآخرين وعدم مداراة وتقدير الحال، موجها كلامه الى رفيق دربهم وأماسيهم وصديقهم في السراء والضراء، والذي هو أيضا عضوا نشطا وفاعلا وركنا أساسيا من أركان الجمعية التي جرى تأسيسها لتضم نخبة من الخمريين، أسموها نؤاسيون، تيمنا بشيخ طريقتهم، طيب الذكر والثرى أبو نؤاس الخالد، وإسمه شوقي والملقب بالبدين (على كيفك يا معوَّد، طيرت المزَّة، هذا مو عشا. راح نتعشّى بعدين).ص73. ولأن العدد المسموح به قانونا لتأسيس الجمعية الخمرية هو أن لا يقل عن ثلاثة أفراد كحد أدنى، فقد تعثَّر عملها في السنوات الأخيرة، وذلك إرتباطا بالحملة الإيمانية التي قادتها السلطات الحاكمة آنذاك. وبما انه لم يتبق منها سوى عضوان فقط، فقد إنفرط عقدها ولم يبق لديهم ما يدارون به جرحهم سوى أن يردد أحدهم شعار الجمعية الأثير: سلاماً أيها الندمان إني شارب ثمل. ثم يردٌ عليه آخر حزنا على إغلاق جمعيتهم: أديرا علي الكأس إني فقدتها، كما فقد المفطوم درّ المراضع.

أستمرارا للنهج الذي إتبعه في هذه الرواية، سيواصل الكاتب تسليط الضوء على بعض الشخصيات التي تمثل نماذج مهمة من مكونات وفئات المجتمع العراقي، وأظنه كان موفقا في ذلك، حيث حرص على أن تكون إختياراته متنوعة وشاملة الى حد ما، فهناك المتعلم وهناك الشخصية العفوية وهناك من له إهتمامات وهوايات خاصة وهناك الخريج والمثقف وما الى ذلك. كذلك لم يفته أن يُشرك في سرديته العنصر النسوي، والذي تمثل بشخصية دلال، خريجة إحدى الجامعات الأوربية المشهود لها.

الأهم من ذلك هو إختياره لشخصية صاعود النخل بريسم والذي كان مسؤولا عن رعاية وحماية حدائق إحدى مناطق بغداد المعروفة. وبعد أن وافاه الأجل فقد إستلم زمام الأمر رجل اسمه جاسم ليكون مسؤولا عنها. ولعله في هذا الجزء من الرواية أراد الكاتب التركيز على جانب كبير من الأهمية، الا وهو ظاهرة النزوح التي بدأت تراود سكان العاصمة والتفكير على نحو جدي بمغادرتها. ومما يُذكر في هذا الجانب أن هناك الكثير من الأعمال الروائية بدأت تظهر على الساحة الأدبية والتي تتناول ذات الموضوع الا وهو الهجرة.

وعملية النزوح المعاكس التي بدأت تشهدها العاصمة، باتت تؤرق حتى صاعود النخيل جاسم ، فها هو الآخر بات غريبا على المكان الذي يشتغل فيه. والأنكى من ذلك فقد قرر العودة الى أهله في جنوب الوطن بعد أن طفح به الكيل. وعندما سُئل عن ذلك أجاب ( عمّي آنا رايح لهلي. أكو بيوت أدگ بيبانها يطلعولي ناس ما چانو بيها گبل. قسم يگولون گرايب گاعد يديرون بالهم عالبيت، بس مو دايما صدگ. أسألهم وين شالو أهل البيت، ما يجاوبون. بس آنا ما أسأل وما أتدخل. تدري ثنَعَشْ واحد من جماعتنا إنكتلو؟ أحسنلي أرجع لهلي أشتغل ببساتين بالجنوب، هناك أمان). ص84. أعتقد ومن خلال العبارة الآنفة، جرى تلخيص كل ما كان يجري ولا زال في العراق عموما وبغداد بشكل خاص. إنها تمثل رسالة إحتجاج عالية النبرة، أراد توصيلها صاحب النص لكل مَنْ بإذنه صمم.

***

الأم الحزينة. حمل القسم الرابع من روايته هذا الإسم، مُحْوَرَهُ ضيفا العم يوسف، مها ولؤي. بدأت حياتهما الزوجية تأخذ حالة من الرتابة والشعور بالملل. وإذا ما أردنا التعرف على الأسباب الحقيقية التي تقف وراء ذلك فسيبرز تعذرهما حتى الآن عن الإتيان بوليد، يملأ البيت فرحا وسعادة ويحمل إسميهما، كذلك ليحدث تغييرا حقيقيا وجذريا في نمط حياتهما. حاولا لمرات عديدة زرع بذرة المستقبل لكنها لم يتوفقا وللأسف. ظنَّت الأم بأنها مَنْ يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، مما سيجد لأحاسيسها هذه إنعكاسات سلبية على يومياتها، بل حتى راح يطاردها حتى في منامها وفي أحلامها. عمل زوجها صادقا من أجل التخفيف مما ينتابها وما تعاني منه الاّ انه لم ينجح في بلوغ مبتغاه.

على الرغم مما كانت تبذله من جهد في سبيل التخفيف من وطئة وضعها ومحاولة تجاوز ما تمر به الاّ أن حالتها ستزداد سوءاً. الأنكى من ذلك فإنها ستصطدم بكل مَنْ تلاقيه وكلما خرجت الى الشارع، فالنظرات المتجه اليها من المارة، ستعطيها إنطباعا (وكأن أصحابها يلتقطون صور أشعة إجتماعية ليحددوا طبيعة مرضي ونجاستي لأني لست مثلهم أو من ملَّتهم. ولا تجيء النظرات من أعين الرجال فقط، بل حتى من النساء اللواتي ينظرن إلي ويشعرنني كأنني عاهرة لأنني لا أرتدي الحجاب). ص110. وفي الصفحة الموالية سيتأكد لمها ما ذهبت اليه من شكوك. فعن ذلك تقول: قال لي أحد الموظفين ذات يوم، وهو يقرأ استمارة ملأتها بالمعلومات الشخصية لأكمل معاملة، معلقا على إسم والدي:(إسم جورج أجنبي مو) فأجبته بحزم:

(لا مو أجنبي، عراقي)

(شلون مو أجنبي؟ مثل جورج بوش)

(لا مثل جورج وسّوف ... وجورج قرداحي)

ما صدر من رأي من قبل هذا الموظف الفطحل، لا يمثل بالضرورة وجهة نظر أغلب العراقيين، ففي مناسبات قادمة سيحضر قدّاس يوم الأحد عدد لا بأس به من أهل المنطقة من المسلمين والتي تسكنها عائلة مها. وسلوك كهذا يعبر بصدق عن حقيقة مشاعرهم ويعكس كذلك مدى قوة وتماسك ووحدة المجتمع العراقي. بل حتى أن أحد الضيوف قام وبمبادرة لطيفة منه بتوزيع الحلوى على الحاضرين، إبتهاجا بعودة إفتتاح الكنيسة.

مها لم تفقد الأمل، فها هي تعد العدة لإستقبال ولي العهد والذي سيحمل إسم بشار، ليأتي الى الدنيا ومعه بشائر الخير، ولتطوى بمولده تلك الصفحة المظلمة التي أتت حتى على أحلامها. غير أن التطورات والمستجدات اللاحقة لم تأتِ وفق رغبتها، حيث ستتعرض وهي في شهورها المتقدمة من الحمل الى حادث مأساوي، سيقضي على بقايا أمل ظل يراودها وتنتظره بفارغ الصبر، ولم يفد أو يجدي نفعا كل أدعية الرجاء التي أطلقتها هي وزوجها و محبيهما وكل من يحيط بها من الأهل والأصدقاء ومن العم يوسف كذلك.

فعلى نحو غير متوقع وبحسب ما ذكره أحد شهود العيان (لا أحد يعرف كيف تسربت السيارتان المفخختان تلك الليلة ومن أين جاءتا بالضبط. لكن الهدف كان واضحا. إستهدفوا شارعنا لأنهم يعرفون بأن معظم من يسكن بيوته هم من المسيحيين)ص128. ليطال إنفجار إحدى السيارتين البيت الذي تسكنه مها وليحدث ما يحدث، فكان أخطر وأشد ما وقع هو أن تطال شظايا الإنفجار وتأثيراته تلك المرأة الحامل مها، ولتنزف دمعا ودما ولتفقد على أثرها وليدها المنتظر وليستشهد بشار قبل ولادته.

لم يكن أمام الأم الثكلى من خيار تستجير به ويخفف من وطئة ما تمر به سوىغير العودة الى الكتب الدينية وفي مقدمتها الكتاب المقدس، ففيه راحة للروح ودافعا للسكينة. كذلك ستستذكر عذابات السيد المسيح والسيدة العذراء. ولهدأتها فقد راحت تصغي بخشوع الى التراتيل الكنسية وبصوت السيدة فيروز:

أنا الأم الحزينة وما من يعزّيها،

فليكن موت إبنك حياة لطالبيها،

أم يسوع بكت فأبكت ناظريها،

لهفي على أمة قتلت راعيها،

صبرا مها ولؤي على ما أصابكما من جرح ومن وجع.

***

وصل كاتبنا الى الفصل الأخير من روايته وعلى ما أعتقد فهو الأكثر إيلاما. ولعله سيغطي ما أراد الإرهابيون تحقيقه من أهداف وراء تنفيذ إحدى عملياتهم الدنيئة. إسم على مسمى (الذبيحة الإلهية) وما قُدِّم لها من قرابين وشهداء. فعلى اثرها، راح الضحايا يتدافعون يتساقطون، لا يعرفون بأي ذنب سيقتلون. فما أن أوشك القداس أن يقترب من نهايته و((وقف الجميع وبدأوا يصلون بصوت عال وعندما وصلوا الى (إعطنا خبزنا) إقتحمت أصوات إطلاق رصاص الكلمات التي كانوا يرددنوها)). ص146. فتفرق الجمع بغيرهدى وبغير حساب وبإتجاهات مختلفة. من بينهم مَنْ إستمع الى نصيحة القس وتوجيهاته، فنجا منهم مَنْ نجا، وأمّا الآخرون فراحوا ضحية رصاص رجيم، لا يعرف الرحمة ولا حرمة الدم الطاهر البريء.

السيدة مها كانت من بينهم. لا زالت مغشية عليها بفعل ما أحدثه الرصاص من صدى وتأثير أهوج وكذلك من وقع الصدمة. فما كادت تتجاوز محنتها الأولى بفقدان وليدها المنتظر حتى حلّتَ واقعة بل كارثة أخرى. بعد برهة من الوقت تمكنت من التحرك قليلا، وباتت تدرك أين هي وما وقع لها وما حلَّ بأصدقائها من المصلين. هانت عليها نفسها حتى تمنت بينها وبين نفسها أن يدركها الموت أسوة برفاقها، غير انها تراجعت وفي سرّها أيضا عن أمر كهذا، مُسَلّمة روحها لصاحب الأمر ومن بيده الأقدار والأحكام كلها. لم تعد تقلقها صعوبة حالتها، فما يشغلها الآن الإتصال بالأهل وطمأنتهم.

بعد بضعة أيام على الواقعة، راحت القنوات الفضائية تتنافس فيما بينها على إجراء لقاء صحفي مع إحدى الناجيات من حادث التفجير الذي تعرضت له واحدة من أعرق كنائس العاصمة بغداد، والتي كثيرا ما يؤمها المصلون أثناء أداء قداس يوم الأحد. وكان من بين تلك القنوات قناة عشتار الفضائية. وبعد برهة من الوقت والإستفسار من هنا وهناك، إستطاع المراسل الصحفي المكلف بإجراء التحقيق من الوصول الى الهدف المرتجى والشخص الذي ستجري مقابلته: إسمي مها جورج حداد. أنا طالبة بكلية الطب بجامعة بغداد. كنت واحدة من الرهائن اللي كانوا بكنيسة سيدة النجاة، يوم 31 تشرين الأول، اليوم اللي صار بي الهجوم الإرهابي. ص150.

كانت مها على درجة عالية من الشجاعة والصراحة خلال اللقاء الصحفي الذي أجري معها، حيث وضعت إصبعها على الجرح وعلى مواطن الخلل ولتؤشر كذلك الى عصابات الغدر، فلم تجامل ولم تحسب حسابا الاّ لما يدخل في مصلحة الشعب كل الشعب، بصرف النظر عن الدين والمذهب والقومية، فالكل مواطنون من الدرجة الأولى، ولا أفضلية لأحد على أحد الاّ بدرجة الوطنية والحرص على خدمة البلد. أمّا عمَّن يقف وراء التفجير وما نجم عنه من سقوط ضحايا أبرياء (فأنا أحمل الحكومة العراقية المسؤولية كاملة. شلون قدرو هذولي يدخّلون كل هذا العتاد ويعبرون نقاط السيطرة؟ وين الحماية والأمن اللي يحكون عليه؟ أكيد أكو تواطؤ وتقصير وإهمال). ص154. بهذه العبارة أنهت مها المقابلة وحسنا فعلت.

***

حاتم جعفر

السويد ــــ مالمو

في المثقف اليوم