أقلام ثقافية

تجربة ذياب آل غلام في قصيدة النثر (2)

ولعلنا لا نبالغ إن رموز الشاعر تنأى بتجربته عن التقليد، وهذا يدلنا على أن نبضه الجمالي، وحسه المرهف الإبداعي الذي ينقل رؤيته، وتوقه الروحي، واحتراقه الداخلي المشبوب بالعشق والصبابة. فتجربة ذياب آل غلام نابعة من الصميم والاحتراق الداخلي ممتزجة بالزخم الروحي المشبوب بالوله والشفافية والحنين الخالص، التي تبثها رموزه كتيار عاشق لا يهدأ، كما قوله في قصيدته (أتيتُ إليكِ... مطرا):

وأتيت إليكِ بتول

ألملم طيف الحبِّ

بفجّر الحنين داخل خطواتي

لأنثر أوراق الزهور

وأعصر رحيق العطر

لأشم روح متَّيم فيها

في هذه الأبيات يهب ذياب قصيدته عمقاً في الدلالة، ومحفزاتها الشعورية، وأبعاد رؤاها، فضلاً عن أن الشاعر لا يخفي عليه رمز حبيبته المشبعة بالحساسية، والتوق الروحي والشفافية، والفيض الروحي، والنزعة الشعرية المفعمة بالطمأنينة والهدوء، فتأتي رموزه معبرة عن الانسجام الروحي الدافق، وقمة الصفاء. فهو يقتفي أثرها في كل مكان ليصل إلى ظلها الممتد ونورها المطلق، فضلاً عن المؤثرات الفنية في قصائد ذياب الشعرية المحرضة، كما في قوله:

أتيت إليكِ بتول

أقتل غربتي

وسم وحدتي

هارباً... من جزر المنفى

لاجئاً... لأرض شريانك

أتيت إليك

لأسكن مقلتيك

أتلمح نور وفائي

المرصع ببريق النجوم.. يا نجمتي بتول

تعالي تعالي... مطراً، مطراً؟؟

من خلال قصيدته هذه لا يعتمد فقط حركة الرمزية داخل السياق، وإنما يعتمد على الدلالة الرمزية أو الأسمية كما تبادر إلى الذهن، واعتمد على حركة الأنساق اللغوية، والطقس الإبداعي الذي أثارتني القصيدة في جوها الغزلي البحت، ونبضها الروحي المتوهج. ويتأكد أكثر بالمسميات والرموز المعتادة كرمز (بتول)، وقد يكون الأسم من المعشوقات الصوفية.

أما في قصيدة (ياسمينة العشق.. سيدة دمشق بتول)، يذكر الشاعر في مطلعها كتيار روحي لا يهدأ أو يهدأ:

حبيبتي شجرة البتولا

بين أشواق الحبِّ والمعرفة

بين الحنين والودّ البعيد لهفة

بين حبي لكِ، أعرف إنكِ محال

لكني أهديكِ الخيال

يا شجرتي، سيدة الظلال الوارفة

فهل تقبلي أشواقي

يا نزهة أعماقي

في سطور أنتِ الحبِّ.. أنتِ الحنان

أقبل.. فآليت العمر يهدى! أهديكِ عمري

أحبكِ بكل ذكرياتي أقبلي آهاتي

هذا إهداءٌ بسيط عن حبٍّ عميق

***

الآن أقول وبأعلى صوتي

لا تنسين اللقاء تحت المأذنة الذهبية

أنني أحبك يا عبير الياسمين الدمشقي

وسأظل أحبك مهما كلفني الأمر

وسأظل أحبكِ كل لحظات العمر

هنا الإشارة مرة أخرى للرمز (بتول) أو (البتولا)، وهي تمثل الفاعلية للنسيج الجمالي الذي تتخلله الرموز، من خلال الحركة الجمالية في القصيدة التي ارتكزت على المسميات (البتولا، شجرتي، سيدة الظلال، نزهة أعماقي، عبير الياسمين)، وهي رموزاً لمحراب جمال المحبوبة. فالقصيدة تعتمد على بكارة الرمز وفاعليته وجديته، من خلال التجربة الشعرية، المتضمن فيها الإبداع الحقيقي الذي يخلق الرمز المؤثر في تجربة الشاعر، وليؤكد خصوصيته الفنية في قصيدة النثر، وانفرادها برؤاها المعينة وبرموزها الخاصة، النابعة من الصميم لتحفز القصيدة والتعبير عن مدى الوله والعشق للشاعر، وشمولية إبداعه والقدرة على التوصيف.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5927 المصادف: 2022-11-27 01:24:53


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5995 المصادف: الجمعة 03 - 02 - 2023م