أقلام ثقافية

محمد الورداشي: إني متعبٌ يا صاحبي!

يؤسفني أن أراسلك في هذا الوقت المتأخر من الليل يا صاحبي، لا لشيء إلا لأقول لك إني تعبت كثيرا، ولم يعد هذا الجسد العليل يحتمل أكثر، ولا من ينصت لأوجاعه المزمنة غيرك يا صاحبي. فرغم غيابك وبعدك إلا أني أجد فيك بلسما لجروحي الغائرة، وشفاء لنفسي الممزقة. لن أطيل عليك هذه المرة؛ لأن لي كلاما كثيرا لا أستطيع البوح به كله لئلا أثقل عليك، ولكن اسمح لي أن أبدأ بما أعيشه منذ شهر من محن وإحن تئن نفسي لوقها حتى إني ما عدت أستطيع التنفس بشكل اعتيادي.

يجب أن تعلم أن هذا الجسد العليل يخوض حروبا عبر جبهات متعددة، ولا سلاح له إلا امتصاص اللآلام والعذابات المتتابعة في صمت وحسرة. فمن جهة، فإني أخوض حربا مع نفسي المضطربة والممزقة، إذ إنها لا تعرف مفرا ولا خلاصا لما تقبع فيه من هموم وأحزان. لم تستطع هذه النفس المعذبة أن تختار طريقة لإدارة الحرب، ولا معسكرا محددا تنضوي تحت يافطته، وإنما ارتضت أن تدخل معاركها اليومية بخلفية لا تجري وراء النصر أو الهزيمة؛ لأن هذا المعيار لا قيمة له في حرب يخوضها إنسان معذب ومتشظ مع نفسه، حرب تدور رحاها في نفس متشظية ومظلمة، حرب لم أعرف لها بداية ولا نهاية، لذلك فإن نفسي لا تسعى إلى النصر أو الهزيمة بقدر ما تسعى إلى خوض الحرب في كل الحالات؛ إذ إن هذا الانخراط في كل معركة عارضة أو مقيمة سبيل لتشعر الذات وجودها، وتتحسس دبيب الحياة يسري في عروقها ممزوجا بلزوجة دمها المتخثر في العروق.

لا أذكر أن نفسي ابتعدت يوما واحدا عن مجتمعيها الصغير والكبير؛ ذلك أن لكل نفس مجتمعين مختلفين لكنهما متكاملان متمازجان. فالأهل والأقارب والأصدقاء يشكلون مجتمع الذات الصغير الذي تتفاعل معه بشكل مباشر ويومي، في حركاته وسكناته، في حربه وسلامه، في صخبه وهدوئه، في أفراحه وأحزانه... لذلك، تتفاعل نفسي مع هذا المجتمع المصغر أكثر مما تتفاعلت مع المجتمع الكبير الذي يضم الذوات المتعددة المثقلة بهمومها وتطلعاتها وآمالها.

لعل هذا ما يجعل ذاتي تذوب في ذوات الآخرين الذين أتفاعل معهم، وتتشكل مرة أخرى بفسيفساء الذوات المتعددة، وفي هذا الفعل المتجدد بعث وانثباق متجددان لذاتي، ويجعلها تحمل أحزان وهموم غيرها، وتسعى إلى القبض على تلك الشعلة المضيئة التي تدخل فرحا بريئا وصغيرا على الذوات الأخرى، وتزرع فيها بذرة المقاومة والمدافعة دفعا للتلاشي والموت، وطلبا للاستمرار في تجرع العلقم وتشجم مرارته ومخاضه الصعب.

اعلم يا صاحبي البعيد أن المجتمع الكبير لا يخلو من محن ومصاعب هذه الأيام؛ إذ إن وطني الحبيب بات منفى مؤلما لأهله، كما أنه تخلى عن بنيه يوم تسامح مع من حارب ويحارب قيم الحرية والفكر والثقافة، ويروج للعالم كله صورة مشوهة للدموقراطية، فأضحى بهذا الفعل المشوه الوطن أما ذات أثداء خاوية، أثداء منكمشة لا تخرج إلا الدم، أثداء نساء لا حرمن شروط الحياة، فأصبحت أرحامهن بيداء قاحلة لا تلد إلا مزيدا من الضحايا الأبرياء.

يا صاحبي، لك أن تستغرب آلاف المرات من هذا السؤال الحارق الذي يشعل فتيل نفسي: ما الذي يجعل هؤلاء النساء المعذبات يلدنا ضحايا أبرياء على أرض جريحة لا توفر لهم إلا الهم والغم والندم؟ هل هؤلاء النساء يخضن تحديا لهذا القهر والفقر والقفر الذي يحبل به الوطن الجريح، أم أنهن ضحايا، أيضا، لنزوات وغرائز جلاد واحد؟

لك أن تفكر ما وسعك التفكير يا صاحبي، وإن وجدت جوابا فإنك ستسدي خدمة عظيمة لأجيال متعددة من وطني؛ إذ إن النساء سيعلمن أنهن يسهمن في تعميق جروحنا، وإلا فما الحاجة إلى إنجاب أبرياء في ظل وطن يضيق صدره بأبنائه وبناته، ولا يوفر لهم أدنى شروط العيش الكريم... لا صحة، ولا تعليم، ولا يوفر ظروفا اجتماعية ونفسية تنجب فردا سويا ومتزنا جسديا وفكريا ووجدانيا.

أيتها النساء المعذبات، أيتها الأمهات المتشبتات بالحياة، أرجو أن تتوقفن عن الجريمة التي تقترقنها دون قصد منكن، فلا ذنب لكن أن تلبين نداء الحياة، وأن تفدين بأرواحكن لتهبن الحياة لكائنات ضعيفة سرعان ما تختل في هذا الوطن، وتفقد جوهرها الوجودي وشرطها الإنساني: العيش الحر والكريم.

هكذا، يا صاحبي، أعيش هذه الأيام العصيبة وسط وطن يضن على بنيه بالصحة والتعليم، ويرمي بهم في براثن الجهل والأمية، في البحار طعما سائغا للحوت، في الشوارع ضحايا للاغتصاب والمخدرات والتشرد... فما الذي سأنتظره من وطن سياسيوه لا ينتجون إلا الأعطاب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولا يسوسون بقدر ما يسهمون في تأخر الوطن وتعثر عجلة تنميته؟ لم تطلب مني الحزن على وطن فقد أناسه الرشد في كل شيء يقومون به، وما من مجال وضعوا فيه أيديهم إلا وباء بالفشل، وتَحمل الشعب المقهور تبعاتهم وأخطائهم المتتابعة؟ إلى متى سنتحمل أعطاب سياسيينا وأخطاءهم؟ ألم يحن لهؤلاء الشرذمة أن يكفوا عن صبيانياتهم، ويصرفوا نقصهم وضعفهم صوب العمل والفعل؟

ستستغرب تساؤلاتي المتوالية يا صاحبي، وكما ألفتك، ستنكر علي السؤال وتقول في خلدك: "ما كان ينبغي له أن يسأل ويقحم نفسه المعذبة في خضم الأحداث الهاربة التي يعيشها وطنه"، ولكني لم أستطع الصمت يا صاحبي، وأنا أرى وطنا غاليا على قلبي يُغتصب من ذويه يوما بعد يوم، وتنهب خيراته وثرواته، ويجوع أهله وتُعرى أرواحهم كما تعرت أجسادهم، وبما أن لهم السلاح كله، والإعلام كله، والرقاب كلها، فإن لي قلما مضطربا لا يقر قراره، ويدا مرتعدة لا تتورع في كتابة كل ما تمليه نفسي المتعبة، وعقلي الذي يضج بالأفكار المتضاربة.

لا أدري إن كنت ستقرأ هذه الكلمات المتناثرة، ولكن حسبي أن نفسي قد تطهرت وتخففت، وروحي المثقلة بهمومها وتطلعاتها وآمالها باتت أكثر وهجا وتحديا، وأيقنت أن النضال بالقلم والكلمة قمين بأن يكفكف دموع المظلومين، ويضمد جروح المحرومين، وينصر قضايا الثائرين. فلتقبض على الجمر، يا صاحبي، ولتدفع المسير حتى نهايته، ولا تخش ظلمة الطريق وضبابية الأفق؛ لأن في ذلك بعثا للحياة في قلوب مكلومة على طول وعرض هذا الوطن الجريح.

***

محمد الورداشي

في المثقف اليوم