أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: كيركيجارد ومحاولة العثور على معنى الحياة؟

كان المفكر الدانيماركي كيركيجارد - وهو عادة ما يُطلق عليه أول فيلسوف وجودي- كاتبا نهما. فيتغنشتاين وصفه باعتباره أكثر المفكرين عمقا في القرن التاسع عشر، والعديد من أعماله امتلأت بالتعابير والرؤى الثريّة التي تناولت نطاقا واسعا من مختلف الموضوعات.

احدى أهم الموضوعات البارزة في عمل كيجارد هو نقده للإنفصال الفكري "rational detachment" الذي مورس من جانب التقليد الفلسفي السائد في الفترة السابقة له، وتوضيحه للكيفية التي فشلت بها هذه الممارسة في تزويدنا برؤية لموضوعات هامة مثل معنى الحياة.

كيركيجارد استهدف خصيصا الفيلسوف المعاصر له الألماني هيجل الذي اعتبرهُ استمراراً لذلك التقليد في محاولة الكتابة من "رؤية من لا مكان" – محاولا ان يكون منفصلا وموضوعيا، بينما لم يكن لدى هيجل أي ادّعاء بالكتابة حول اي شيء من منظور انساني منفرد وخاص.

رؤية كيجارد هي، ان محاولة التجريد عن ذاتيتنا، ستفقد الفلسفة فيها قوة التحرك وسوف لن تكون ملائمة لنا. التوضيحات العلمية للواقع، هي جيدة لكن ماذا عن تجربتنا الحقيقية المُعاشة؟ ماذا يعمل الانفصال الفكري لنا عندما نكافح لإيجاد معنى وهدف – شيء نعيش لأجله؟ كيركيجارد يرى اننا لا نريد فقط أوصافا، ولا نريد فقط توضيحات، وانما نريد أسبابا للنزول من السرير في الصباح، ونحن سوف لا نجد هذه الأسباب عبر محو الـ "انا" الذاتية من صورتنا للعالم.

وكما كتب كيركيجارد في مذكراته عام 1835:

"ما أحتاج اليه حقا هو ان أكون واضحا حول ما يجب ان أعمل، وليس حول ما يجب ان أعرف، الاّ بقدر ما يجب ان تسبق المعرفة كل فعل ... الشيء الأساسي هو ان أجد الحقيقة التي هي حقيقة لي، أن أجد الفكرة التي لأجلها أرغب ان أعيش وأموت".

حتى لو امتلكنا معرفة موضوعية كلية عن الكون، يرى كيركيجارد، تلك لن تخبرنا حول ما يجب ان نفعل او كيف يجب ان نعيش حياتنا القصيرة والمحدودة. النتيجة من معظم أعمال كيجارد هو انه، عبر تجريد الذاتية من العالم، نحن نجرد المعنى منه . اذا أردنا ايجاد اسباب لنعيش، فان المحافظة على منظور الشخص الاول (التحدث بصيغة الضمير انا او نحن عن انفسنا، افكارنا، تجاربنا) هو الشيء الأساسي.

السؤال، اذاً، هو ليس "ما معنى الحياة؟" بل السؤال هو "ما معنى الحياة لي؟".

يرى كيركيجارد ان الجواب لكل واحد منا، يجب ان يستلزم نوعا من "القفز" وراء الانفصال الفكري. بالنسبة له خصيصا، تلك كانت قفزة نحو الايمان الديني، لكن الفلاسفة الوجوديين اللاحقين بنوا على الرؤى الاولى لكيركيجارد في تقديم أجوبة أكثر علمانية.

تأثير كيركيجارد على الوجودية

في اتّباعهم لكيركيجارد، يعتقد معظم الفلاسفة الوجوديين بانه، بينما التوضيحات العلمية تعطينا معرفة واقعية ومفيدة حول العالم، لكن هذا الانفصال الفكري "الموضوعي" لا يساعدنا في فهم تجربتنا الحقيقية المُعاشة او هو في الحقيقة لايساعدنا كيف يجب ان نعيش، لأن تجاهل منظور الشخص الاول يخيّب الآمال في العالم ويجرّده من المعنى. بكلمة اخرى، اذا كنا نعتمد فقط على الانفصال الفكري للعلوم، نحن سوف لا نحل مشكلة العدمية، لأننا نريد معرفة ماذا يعني الوجود لنا. وكما كتب الفيلسوف الفرنسي البرت كامو:

"من الشرعي والضروري التساؤل ما اذا كان للحياة معنى". وان تأكيد كيركيجارد على منظور الشخص الاول هو الذي يمكّن الوجودية من التحقيق بهكذا معنى. انها تعطي وتطرح الاساس المفاهيمي لايجاد حلول لمشكلة العدمية التي لايستطيع العلم والفلسفة التقليدية تقديمها نتيجة لإستخدامهم للانفصال الفكري "الموضوعي".

فردريك نيتشة، مثلا، مع انه من غير المحتمل قرأ كيركيجارد مباشرة، لكن يُعتقد انه كان مطّلعا على افكاره من خلال ما كُتب عنه، حيث طرح نقدا مشابها بالضد من الانفصال الفكري – بانه لا يمكن ان يزودنا بالمعنى. وبعد الإعلان عن موت الإله، يجسد نيتشة شخصية الانسان الخارق بدلا من العلم كمصدر بديل للمعنى والقيمة.

فلاسفة القرن العشرين ادموند هسرل و مارتن هايدجر، أسّسا في تلك الأثناء مفاهيما جديدة للتجربة في فهمهم الفيمونولوجي للواقع، فكانت النتيجة ان اثّروا بعمق على اتجاهات صناعة المعنى لسارتر وسيمون دي بوفوار واستجابة كامو للعبثية، وذلك عبر تشجيعنا لغرس روح القبول الشجاع، بينما يقترح توماس ناجل اننا نتعامل مع موقفنا الوجودي بروح من المرح بدلا من اليأس.

ختاما، ونظرا لتأثيرها البعيد المدى، يبقى السؤال هو كيف سننظر للتحليلات الاولى لكيركيجارد؟ هل ان التوضيحات العلمية للواقع قادرة على تزويدنا بأسباب للنهوض من السرير في الصباح؟ ام اننا نتفق مع كيركيجارد بان مثل هذه الأسباب يجب ان تأتي من الذات؟.

***

حاتم حميد محسن

في المثقف اليوم