أقلام فكرية

فاطمة الثابت: الجندر بين عنف اللغة وأزمة المفهوم

(عندما تكون لدينا مقولةٌ نودّ قولَها كعلماء اجتماع، فإن هذا قد يأخذ منّا ثلاثين عاماً)... ألان تورين

الواقع مثقل بالرموز والقصص والأحداث، التي تعززها مواقع التواصل الأجتماعي وتغول من حجمها، مما أنتج خطاباً أجتماعياً هشاً يزخر بمفاهيم تم توظيفها بزحام المعضلات الاجتماعية التي تحاصر الفرد العراقي من كل الجهات، وتكمن خطورة هذه التوظيفات بأنها تشكل تمثلات الأجيال القادمة التي تغذي مخيلتها من العالم الرقمي، ودورها في تأجيج العقل الجمعي وتشتيت أنتباهه عن أزماته الحقيقية لذلك لابد أن نتساءل كيف تبنى هذه المفاهيم؟ وكيف توظف اللغة في بناء مزالق الأيديولوجيات؟ ومن يملك مفاتيح اللغة؟ وكيف شكلت تأويلات الجندر مع تطور الموجات النسوية وتعددها أزمة مفاهيمية؟

عنف اللغة وأغتيال المعنى:

يرى تيري أيجلتون إن اللغة التي تُعد من بين أكثر التداولات اليومية براءة وتلقائية، هي في الواقع أرض مجرحة، مصدعة ومقسّمة بوساطة زلازل التاريخ السياسي، مكسوة بجثث الصراعات الإمبريالية والقومية والإقليمية والطبقية. ويتأسس ما هـو لغوي دائما علـى أساس لغوي - سياسي، والمجال الأخير هو الذي تحسم فيه الصراعات بين الغازي الاستعاري والدول الخاضعة له، الدولة القومية ودولة قومية أخرى، الإقليم والدولة القومية، الطبقة والطبقة الأخرى.

فعندما يقوم شخص ما باستعمال اللغة، من يكون المتكلم؟ هل هو الشخص بذاته أم أن اللغة هي التي تتكلم؟ بكلام آخر: هل يكون الشخص المتكلم مسيطراً سيطرة تامة على "الأداة" التي يستعملها، وهي اللغة، بحيث إنه يفعل بها ما يريد وفق شروطه الخاصة ويشكلها وفق تصوراته المسبقة، أم أن اللغة تلعب دوراً أساسياً في عملية التعبير، بحيث تفرض شروطها هي وتتحول "متكلماً" أو لاعباً أساسياً في العملية؟"

هذا ما أقر به لوسركل في كتابه "عنف اللغة "بالتالي فأن عنف اللغة الأجتماعي جزء من عنف رمزي يتماهى بكل تفاصيل الحياة الأجتماعية، موجه نحو الجماعات، وهذا العنف تبدد الى الخطاب السياسي والخطاب الأجتماعي برمته، ومثال على ذلك مفهوم الجندر كغيره من الموضوعات الخاصة بقضايا النساء وحقوقهن وأخضاعه الدائم الى العنف اللغوي؟ الذي أنتج أزمة مفاهيمية مفرغة من المعنى مما أجاز التأويل باتجاهات مختلفة وأبعده عن معناه الحقيقي الذي أنطلق مع سيمون بوفوار، فالجندر مفهوم قلق منذ ظهوره حيث أجاز تأويله على مر الموجات النسوية وسياقاتها التاريخية، وتطرح جوديث بتلر في كتابها" قلق الجندر، النسوية وتخريب الهوية" عدة تساؤلات كيف لبعض الممارسات الجنسية أن تجبرنا على التساؤل: ما هي المرأة، ما هو الرجل؟ وإذا ما كان الجندر لم يعد مفهوما باعتباره شيئا مرسّخا وموطّدا بواسطة الجنسانية المعيارية، عندئذ هل ثمّة أزمة في الجندر خاصة بالكويير؟.

ماهي المركزية عن خطاب الجندر: كيف تبني اللغة مقولات الجنس؟ وهل أن "الأنثى" The Female تقاوم التمثيل داخل اللغة؟ وتساؤل الإطار المفاهيمي لعدد من منظري الجنسانية، تعيد طرح أسئلة فيما تختلف مع مقاربة مونيك فيتيغ، كيف تنتج اللغة ذاتها هذا البناء التخييلي للجنس الذي يسند هذه الأنظمة المختلفة من السلطة؟ وفي نطاق لغة قائمة على الجنسانية الغيرية الإجبارية، أيّ أنواع من الاستمرارية يُفترَض أن توجد بين الجنس والجندر والرغبة؟ وهل هذه المصطلحات منفصلة؟ وأيّ أنماط من الممارسات الثقافية من شأنها أن تنتج الانقطاع والنشاز التخريبيين ما بين الجنس والجندر والرغبة، وتضع العلاقات المزعومة في ما بينها موضع سؤال؟

ويضيف عالم الاجتماع بورديو عن اللغة والسلطة الرمزية، يتضح لنا أن السلطة الرمزية هي القدرة على التأثير في الأشخاص والأشياء وذلك من خلال تكوين معنى عن طريق العبارات اللفظية، أي عن طريق استعمال اللغة كنظام رمزي، وبالتالي فاللغة قادرة على خلق واقع خاص بها.

مفهوم الجندر وأعادة التأويل بين سيمون دي بوفوار وجوديث بتلر

في قراءة جوديث باتلر لكتاب سيمون دي بوفوار ترى أن الجندر صيرورة مزدوجة المعنى تمثل جدلاً مستمراً بين الذات والبنية الثقافية الخارجية، حيث ترى " إن سيمون دي بوفوار لا تقترح إمكانية وجود أنواع أخرى إلى جانب الرجل والمرأة، لكن إصرارها على كونهما بنيتين تاريخيتين يجب على الأفراد في كل مرة أن يقوموا بتملّكهما يقترح أن النظام ثنائي الجندر لا يتمتع بضرورة أنطولوجية. قد يرد أحدهم بأن هناك وببساطة عدة طرق ليكون المرء رجًلا أو امرأة، لكن هذا الرأي يولي الجندر أنطولوجيا جوهرانية تنافي مقصد بوفوار: إن الرجل والمرأة هي طرق وجود سابقة بالفعل، هي أنماط وجود جسدي، كما أنها لا تظهر بصفتها كيانات جوهرية إلا لمنظور متحيز. قد يتساءل المرء أيًضا فيما إذا كان ثمة أمر في البنية ازدواجية الشكل للتشريح البشري يستوجب ترتيبات جندرية ثنائية عبر الثقافات؟ إن الاكتشافات الأنثروبولوجية للنوع الثالث وأنظمة الجندر المتعدد تقترح أن ازدواجية الشكل البيولوجي ذاتها تكتسب دلالتها بحسب ما تتطلبه المصالح الثقافية، وأن الجندر عادة ما يعتمد على متطلبات القرابة أكثر من اعتماده على الضرورات التشريحية... .، إطار سيمون دي بوفوار الوجودي قد يبدو من ناحية أنثروبولوجية ساذًجا، ملائًما فقط لقلة قليلة من المفكرين مابعد الحداثيين الذين يحاولون التعدي علي حدود الجنس المقبول. لكن قوة رؤيتها تكمن في التحدي الجذري الذي تفرضه على الوضع الثقافي الراهن أكثر مما تكمن في مخاطبتها للحس السائد. لهذا السبب، فإن إمكانات التغيير الجندري ليست متاحة فقط للضليعين بالمناطق الأكثر غموًضا للوجودية الهيغلية، بل هي كامنة في الطقوس اليومية للحياة الجسدية. إن مفهمتها للجسد باعتباره رابطة من التأويلات، وبصفته "منظوًرا" و"وضًعا" في آن مًعا، يكشف الجندر كمشهد من المعاني المترسبة ثقافًيا وكنمط من الابتكارية. أن تصبح جندًرا يعني في آن مًعا أن تخضع لوضع ثقافي وأن تخلق واحًدا، وهذه النظرة للجندر باعتباره جدلية من الاستعادة والابتكار تضمن إمكانية الاستقلال داخل الحياة الجسدية التي قلما وجد لها مثيل في نظرية الجندر"1.

المقاربة الوجودية لمفهوم الجندر مقابل ما بعد البنيوية:

وأستنادا ً الى ذلك نرى سيمون دي بوفوار وجوديث بتلر هما مفكرتان نسويتان بارزتان ساهمتا بشكل كبير في فهم مفهوم الجندر، في حين أن كلاهما يتحدى المفاهيم التقليدية للنوع الاجتماعي وآثاره المجتمعية، إلا أنهما يتعاملان مع الموضوع من وجهات نظر مختلفة ويؤكدان على جوانب مختلفة للجندر تشكل الصراع المفاهيمي السائد اليوم؟

- سيمون دي بوفوار: في كتابها "الجنس الأخر"، ركزت على البناء الاجتماعي لأدوار الجنسين والطرق التي يتم بها تعريف المرأة فيما يتعلق بالرجل، واستكشفت كيف شكلت المعايير والتوقعات المجتمعية هويات النساء وجعلتهن "الآخر" بالنسبة للرجال.

- جوديث بتلر: الذي تم تقديمه في "مشكلة الجندر"، حيث تركز على مفهوم الأداء الجنساني، تجادل بأن الجنس ليس شيئًا متأصلًا ولكنه يتم إنشاؤه من خلال الإجراءات والعروض المتكررة. إنها تتحدى فكرة الهوية الجنسية الثابتة والمستقرة، وبدلاً من ذلك تؤكد على الطبيعة المرنة والطارئة للجنس كعمل أدائي.

- أدركت بوفوار دور اللغة في تعزيز معايير النوع الاجتماعي وتشكيل الهويات. استكشفت كيف ساهمت التعبيرات اللغوية والروايات الثقافية في تبعية النساء وإنشاء ثنائيات بين الجنسين.

- بتلر: وسعت بتلر فهم دور اللغة من خلال تقديم مفهوم "الأداء اللغوي"، تجادل بأن اللغة لا تعكس فقط الهويات الموجودة مسبقًا؛ يبني ويكرر الهويات من خلال الخطاب، يؤكد هذا التركيز على اللغة باعتبارها أداءً على المرونة والطبيعة الاجتماعية القائمة على النوع الاجتماعي.

- بوفوار: بينما انتقدت بوفوار النظام الثنائي بين الجنسين وتهميش النساء، عمل تحليلها إلى حد كبير في إطار ثنائي الذكور والإناث. استكشفت كيف تم إقصاء المرأة إلى مرتبة "الآخر" بالنسبة إلى الرجل.

- بتلر: كان لعمل بتلر دور فعال في توسيع الخطاب خارج الإطار الثنائي. من خلال تقديم فكرة الهويات الجنسية غير الثنائية والسلسة، تتحدى قيود الثنائي بين الذكور والإناث وتفتح إمكانيات لفهم أكثر تنوعًا وشمولية للجندر.

سيمون بوفوار بصفتها فيلسوفة وجودية يقع تحليلها للجندر ضمن إطار وجودي أوسع يأخذ في الاعتبار حرية الإنسان، والاختيار، والنضال من أجل الأصالة، تتناول مسائل الوكالة الشخصية والقيود المجتمعية.

أما بتلر يتماشى عملها بشكل وثيق مع الفكر ما بعد البنيوي وما بعد الحداثة، حيث يتماشى تركيزها على الطبيعة الأدائية للجندر مع النهج التفكيكي الذي يتحدى المعاني والهويات الثابتة.

بالتالي فأن الجندر كمفهوم أكتسب كل اللحتمالات المطروحة ويعيد تشكيل نفسه من خلال اللغة المستخدمة، لذلك نرى أنه أضحى فضفاضاً أكسبته مابعد الحداثة بعداً قلقاً يعكس الأطار اللغوي والسياق الثقافي الذي يحتويه.

***

د. فاطمة الثابت – العراق

استاذة علم الأجتماع

......................

1 - جوديث بتلر: الجنس والجندر في الجنس الأخر لسيمون دي بوفوار، ت: لجين اليماني.

في المثقف اليوم